|
| LinkBack | أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع | تقييم الموضوع | انواع عرض الموضوع |
| #26 | |||
| |||
| درس المغرب - المجلس الثاني المجلس الثاني (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ﴿٦٣﴾ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴿٦٤﴾) هذه الآيات قول الله (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً) فيها إنتقال من الحديث عن بيان قدرة الله حُكْمه وحِكمته إلى التذكير بنعمة الله على الناس، والمقصود بهذا ما هو؟ ما المقصود والغرض هنا تذكير بنعمة الله في سياق الحديث مع المشركين، ما المقصود به؟ المقصود هنا في خطاب المشركين هو التعريض لهم بشُكر نعمة الله تعالى وأن يستحضروا نعمة الله عليهم بعد أن بيّن قوته وقدرته بيّن لهم نعمته الباعثة على الإيمان وعلى شكر نعمة الله بالاستجابة والتسليم والانقياد لله تعالى ولأمره فكأن فيها ترغيبٌ بعد ترهيب - وهذا كما ذكرت لكم عادة القرآن أن يُتبِع الترهيب الترغيب لكونه مثاني-. فالآية أُدمجت فى سياق الإستدلال على القدرة للترغيب فى النعمة. ولهذا تغيّر الخطاب هنا إلى قوله (أَلَمْ تَرَ) لتستحضر للنفوس وترى نعمة الله تعالى ففيها حضّ للنفوس على إستحضار نعمة الله تعالى بإنزال الماء من السماء. وذكر النبات والخضرة هنا قال (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً) ذكر نزول الماء هذا ظاهر في الامتنان لأنه سبب لحياتهم، لكن ما سِرُّ ذكر الإشارة إلى قوله (فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً) ما مناسبة هذا في ذِكْر النِعَم؟ هو إظهار تمام هذه النعمة، إنزال المطر قد لا تكتمل به النعمة وإنما تكتمل بإنبات النبات. ولاحظوا أنه لم يُشِر إلى إنبات النبات بل أشار إلى جمال هذا النبات، الذي به رغبة النفوس وما تهواه نفوسهم وتأنس به ويشاهدون فيه كمال نعمة الله تعالى، فما أعظم هذا الوصف (فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً)! فإن الإنسان إذا رأى هذه النعمة واكتمالها شاهد كمال نعمة الله الذي يوجب عليه الشكر حقاً. نأخذ من هذه الآية فوائد: منها أن الإنسان تقوم عليه الحُجّة حقاً وأعظم حينما تكتمل النعمة عنده ويراها بعينه ويرى آثارها فإن الحُجّة عليه أقوى وأظهر والشكر عليه أوجَب فذلك بمشاهدته ورؤيته وكمال تنعّمه بهذه النعمة. إنزال المطر نعمة لكن قد لا يحصل معها تنعّم الإنسان، لكن إنبات النبات وإظهار خُضرته وبهجته وجماله لا شك أن هذا هو الداعي. ثم أيضاً قد يؤخذ منها ملمساً لطيفاً أشار إليه بعضهم من أن الخضرة تبعث النفوس على الرِقّة ولين الطبع والسرور والاقبال فذلك أدعى إلى قبول الدعوة وقبول الأمر. لا شك الإنسان إذا كان مسروراً كان أدعى لقبوله وانفتح قلبه وانشرح صدره ترغيباً له، فكأن الله يُشير إلى ذلك بأن هذه الخضرة التي أنعم الله بها عليكم جالبةٌ لكم إلى الرغبة للإيمان وتقريب قلوبكم وتليينها إلى ذلك. ولهذا كانت الغِلْظَة والجفاء في أهل الإبل لغلظتها وجفائها والرِقّة في أهل الغنم لنعومتها فالخُلطة تورث الطبع يعني الطبع يتأثّر بالمصاحِب والبيئة التي يعيش فيها الإنسان. ولهذا كان أهل الصحراء أهل جفاء وأهل الخُضرة والزراعة أهل رِقّة وسماحة وسهولة فيؤخذ من ذلك ما ذكرت. قال الله (إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ) ما مناسبة ختم الآية بقول الله (إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ)؟ أما الإشارة بقوله (لطيف) دالةٌ على لطفه بعباده ومن لطفه أنه يهيئ لهم جميع حاجاتهم وما يتنعمون به وما يعيشون به فهذا من لطفه ودقة علمه بحاجات عباده ولهذا قال (اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ العَزِيزُ (19) الشورى) فلطفه الذي هو علمه الدقيق بحاجات عباده هذا داعٍ إلى تحقيق منافعهم ومنها أدقّ المنافع. والفرق بين اللطيف والخبير هي مقابلها فكما أنه عالِمٌ بحاجاتهم الدقيقة فهو عالمٌ بأعمالهم الدقيقة وهذا مناسبة قوله (خبير) لاحظوا المقابلة أيها الإخوة اللطيف مناسب لحاجاتهم الدقيقة والخبير مناسب لأعمالهم الدقيقة. فإن الخبير العالم بدقائق الأمور فإذا اجتمع العليم والخبير فالعليم عامٌ والخبير أخصّ في دقائق الأمور. ومنه أُخِذَ في السياق المعاصر الآن خبير في كذا يعني خبرته دقيقة ومفصّلة. قال الله (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) هنا بيان لاختصاصه بالخالقية والملك ليدل على اختصاصه بالألوهية أي أن له كل شيء وهو المنعِم المتفضل وهو الخالق الرازق ولهذا عقّب هذه الآية بقوله (وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ). فإذا كان هو سبحانه المنعم الرازق الخالق فهو الغني عن عباده الذي لا يفتقر لأحد من خلقه لأنه هو الخالق فلذلك ختم الله تعالى ذلك بالغني، لكن ما مناسبة الحميد؟ محمود على إنعامه وفضله، لأن الغني من عادته العطاء والبذل فكيف إذا كان هو الله أغنى الأغنياء الذي بيده كل شيء وخزائنه ملأى فهو غني كريم سبحانه مستحق للحمد وهذا يوجِب على الإنسان أنه إذا أعطاه الله وأغناه أيّ غنى وأعظم الغنى غنى النفس وغنى الإيمان وغنى الدين فهذا مما يوجب الحمد المحمود على ذلك. ولهذا قال (لَهُوَ) تأكيد على ذلك واختصاص له. قال الله تعالى (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) هذا تذكير وامتنان بنعمة أخرى منه وهو تسخير ما في الأرض لهم وما معنى التسخير؟ تذليل وتيسير. ولو أننا وقفنا مع هذه الآية وقفة في تأملها لما انتهى بنا المقام!. تأملوا كيف سخّر الله لنا الدوابّ فمنها ما نركب ومنها ما نأكل ومنها ما هو زينة كلها مُسَخّرة لنا ولو أن الله لم يُسَخِّرها لنا لما استطعنا أن نركبها ولما استطعنا أن نأكلها ولاستوحشت. ثانياً أيضاً تسخير الله عباده لبعض كما قال في سورة الزخرف (رَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً (32) الزخرف) فبعضهم مُسَخّرٌ لبعض هذا المعلم للطلاب وهذا المهندس للناس وهذا الطبيب يعالج الناس وهذا الخادم يخدمهم وهذا البائع يبيع لهم فسخّر الله بعضهم لبعض ولو لم يسخّر الله الناس بعضهم لبعض لوقفت الحياة. وتسخير الله الأفلاك السماوية لأجلنا فهذه الشمس لنا فيها منافع والقمر كذلك والليل والنهار كلها مسخّرة (وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ (13) الجاثية). سخّر لنا الأرض وذلّلها وبسطها ومدّها وفرشها وأخرج منها ماءها ومرعاها والجبال أرساها كل ذلك لأجل المخلوقين الذين أُمِروا بعبادة الله . فما أعظم أن نستحضر ذلك في دقائق أحوالنا وكيف أن الله سخّر لنا هذه الأدوات التي تعيننا على أمورنا كلها من سيارات وطائرات توصلنا من غير مشقة ومراكب وبيوت كل هذا من تسخير الله الموجِب لذكر نعمته والإمتنان والشكر لله . قال الله تعالى (وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ) وإنما ذكر الفلك لأنها مما فيها نعم كثيرة متعددة منها أن هذه السفن الثقيلة تجري على الماء ولو لم يمسكها الله لغرِقت لكن الله جعل من سنته فيها أن الماء يحملها بثقلها كل ما ثقل الشيء إرتفع على الماء هذه من سنة الله ولو لم تكن كما أراد الله لغرقت. من منافعها أنها تنقلهم أينما كانوا ولو من مكان بعيد. ومن أعظم منافعها اليوم نقل بضائعهم ولو لم تكن لما كانت تلك البضائع الكبيرة جداً تُنقَل لا في الطاشرات ولا في السيارات فهذه البواخر من أعظم ما سخره الله اليوم وفي ذلك الزمن وكل زمن ولذلك خصها الله تعالى هنا فى قوله (وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ) فذكر جريانها وذكر اسمها (فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ). قال الله (ويُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ) ما المراد بإمساك السماء؟ قيل المراد أن الله بأمره مسك السماء بكونها بغير عمد ترونها كما قال (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا (10) لقمان) مع اختلاف المفسرين في ذلك فمن منّته أن يمسك السماء ولو أراد لسقطت على الأرض وأهلكت أهل الأرض. وقيل أن المقصود بالسماء هنا (وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22) الذاريات) أي السحاب، قال بعضهم أن المقصود هنا ويمسك السماء أي المطر في السماء أن يسقط إلى الأرض إلا بإذنه وأمره، ولكن الأظهر والله أعلم المعنى الأول. وقوله (إلا بإذنه) ما يفيد أنها قد تسقط ولعل ذلك يشير إلى حال من أحوال يوم القيامة بسقوط السماء على الأرض وذلك لم يرد فيه حديث أو آية صريحة لكن يُفهم من الآية والله أعلم. ورد سقوط النجوم وتكويرها لكن لم يرد سقوط السماء. وقد يكون المقصود ما فيها من الأفلاك فالله تعالى أعلم في ذلك. قال الله (إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) ختمُ الآية بقوله (إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) فيه تعليلٌ بأن جميع ذلك رأفة منه ورحمة للناس. أما الرأفة فالفرق بينها وبين الرحمة، ما الفرق بينهما؟ الرأفة تكون بدفع الضرر عنهم ولهذا قال (وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ) فمن رأفته أنه يُمسِكها ويدفع الضررعنهم. ومن رأفته أن الفُلك لا تغرق فالرأفة متعلقة بمِنّة الله بدفع الضرر عنهم والرحمة متعلقة بجلب النفع لهم والله تعالى أعلم. قال (وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ) هذا إشارة إلى قدرته على البعث وهذا كأنه إشارة إلى ما أنكروه من قبل في أول السورة في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ) فبعد أن ذكر الآيات وقدرته عليها أكّد ذلك هنا بإحيائهم بعد موتهم في قوله (وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ) أحياكم بخلقكم ثم يميتكم ثم يحييكم بالبعث ولكن الإنسان مع هذا كفور (إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ). إما أن يكون كفورٌ لربه مبالغة فى ذلك بعد بيان البينات وإما كفورٌ بنعم الله الذي امتن بها عليهم هنا وذكّرهم بها والأظهر الثاني لأن سياق "كفور" في القرآن أظهر في مجيئه بعد نعمة يعني كفور لنعمه. ثم قال (لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ) لاحظوا أن الحديث ما زال فيه إشارة إلى ذكر المناسك والحج لكن المقصود في المناسك هنا ليس هو مناسك الحج وقد قيل إنها مناسك الحج وشعائر الحج لكن الظاهر والله تعالى أعلم أن منسكاً أي معبداً، هم ناسكوه أي هم متعبدين فيه ويشير لذلك إلى بعض الأمم التي اتخذت منسكاً لها دون ما شرعه الله ولذلك قال بعدها (فلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ) قد يُراد بهذا والله تعالى أعلم العبادة وقد يُراد بذلك يدخل فيه النسك والقربان الذبح لله وقد يراد بذلك مواضع الحج، ولكن الأظهر أن سياق الحديث هنا في عموم العبادة والنسك لله تعالى. وقوله (َفلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ) المقصود بالأمر هو أمر الله وهو إما أن يكون شريعته وعبادته وما شرعه الله لك أو إما أن يكون هنا (فلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ) في القرآن الذي أنزله الله إليك ومحاجتهم ومعارضتهم ومنازعتهم له فيه. وفي هذا نأخذ منه فائدة عظيمة وهو أن أهل الباطل لا ينتهون في مجادلة ومن هنا يُشرَع للإنسان أن لا يتمادى معهم في الجدال إذا كان بُغيتهم الجدال، نأخذ من هذا فائدة جليلة في قوله (لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ) بأن المسلم إذا رأى أهل الباطل على جدال ومحاجّة ونزاع ومنازعة لا لأجل إحقاق الحق والوصول إليه وإنما لأجل إثبات ما هم عليه من باطل وإبطال الحق الذي ينازعون فيه وإذا وصل الأمر لهذا فالمشروع للمسلم أن يمسك عن الجدال ولهذا قال (فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ) بل لا تنشغل بهم بل إُدعو إلى ربك قال (وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ) لأن الإنسان لو أشغل نفسه بالجدال مع الناس أضاع وقته وجهده وصرف نفسه من همٍّ أعظم إلى همٍّ أقل وهو همّ الدعوة ونشر الدين ولذلك قال الله (وَإِن جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ) إنتهى الجدال معكم. ونأخذ من ذلك فائدة أن الإنسان إذا جُودل في دين الله وما هو عليه من حق ولا سبيل لإقناع الآخر وإلى اقتناعه لأنه صاحب هوى (فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ) الله تعالى أعلم بالحق. ثم قال الله (اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) إذن الحكم بيننا وبينكم يوم القيامة فهذا المنهج نحتاجه في هذا الزمن الذي كثر فيه الجدال والنقاش والمنازعة والخصومة حتى في أمر الدين تجد هذا له رأي وهذا له رأي ويتنازعان ويتجادلان كل منهما يريد أن يحقّ الحق لنفسه، هذا الجدال لا فائدة فيه! لماذا؟ لأن الإنسان إذا لم يكن قابلاً في نفسه للتنازل إلى لحق إذا تبيّن فلن يصل إلى نتيجة وهذه واضحة لو أنك دعوت إنساناً لا يريد الحق دعوت إنساناً إلى الإسلام وهو لا يريد الحق هل يستفيد من كثرة جدالك؟ يكفي أن تبلّغه رسالة الله وتقيم عليه الحُجّة. ومن هذا الباب يا إخواني الدخول في النقاش مع أناس عُرِفوا بالمنازعة والجدال والخصونة والمعارضة كالشيعة مثلاً بعض الشباب يُشغل نفسه في مواجاتهم مناقشتهم مع أن هؤلاء في غلبة الظن لا يريدون الحق، يعرفون الحق لكنهم لا يريدونه كاليهود هم بهم شبهٌ باليهود، هم واليهود سواء في عدم قبولهم الحق إلا من رحم الله منهم لذلك قليل ما نسمع أن رافضياً اهتدى لأنه وراءه من سينتقم منه فلذلك لا أنصح بالدخول في النقاشات التي لا طائل تحتها إلا من علم أنه بهذا الجدال يصل إلى إقناع الآخر وهو يعلم فيه ذلك، لكن غالبهم ليسوا كذلك، هذه فائدة عظيمة نأخذها من هذه الآية. خصوصاً فى أمر الدين حتى إن كان لك رأي وللآخر رأي وتجادلتما فيه كل منكما يريد إحقاق الحق فالمشروع أن تكفّ عن هذا الجدال الأولى للإنسان أن لا يُكثر الجدال ولذلك ضمن النبي بيتاً في ربض الجنة لمن ترك الجدال وإن كان محقاً. فما أجمل أن يكو ن الإنسان منهجه الإبلاغ لا الجدال، الجدال ليس من صفة أهل الإيمان إلا بالتي هى أحسن (وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) إن كان ذلك يؤدي إلى إقناعهم ووصولهم إلى الحق. قال الله (اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) إذن بعد قوله (اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ) قال الله (اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) هو الذى يفصل بينكم بين أهل الحق وأهل الباطل فلذلك إذا جاء إنسان يجادله فقل الله أعلم بما تعملون الله يحكم بيننا يوم القيامة، يتبين الحق لنا جميعاً يوم القيامة (فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ). وفي هذا تأييد للنبي وتأنيس له وتقوية وفيه تهديد للمعارضين وقطعٌ لحجتهم ليس لهم حجة بعد اليوم بعد هذا البيان وهذا التفصيل إنتهى معهم الجدال. ثم قال الله (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) الغرض من هذا التأكيد بتأييد الله بعلمه وأن ذلك أمر مكتوب فهو تأكيد على تأييد الله لرسوله وللمؤمنين في أن صاحب الحق منصور ولو خذله من خذله لعلم الله به وكتابة الله تعالى ذلك في كتاب لا يضل ولا ينسى (في كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى (52) طه). قال الله تعالى (إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) أى أن ذلك فى بيان الحق والحكم فيه يسير على الله . ثم قال الله في حال هؤلاء المجادلين (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً) يعني يستمرون على عبادة غير الله لم ينفعهم الجدال مما يؤكد أنه لم ينفعهم الجدال قال (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ) فكيف ينفعهم الجدال إذا كانوا يعبدون الله من غير بيّنة ولا سلطان ولا علم؟! كسف ينفعهم ذلك الجدال؟ ثم قال الله (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ) لن يُنصروا، وهذه قاعدة من قواعد القرآن (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ) الظالم لن يُنصر وإن نصره من نصره فإن الله خاذله ولو بعد حين. قاعدة نعلنها أمام الظالمين اليوم الذين قد رفعوا عقيرتهم على عباد الله تعالى وظلموهم بغير حق فإنهم ليس لهم نصير فإن الله تعالى سيقطع عنهم حبله وسيقطع عنهم حبل الناس كما نشاهده بفضل الله تعالى بخذلان العالم كله لأولئك الذين يبغون على عباد الله تعالى إلا من جعل الله لهم حبلاً بما ذكره في كتابه (لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ (111) آل عمران) (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ (112) آل عمران) والمقصود بحبل من الناس أنهم يُنصَرون بنصرة أناس آخرين كما هو حال اليهود مع الغرب في مناصرتهم وتأييدهم وحفظ حقهم لكن الله سيقطع حبلهم بإذن الله تعالى لن يكون ذلك بعيد بإذنه سبحانه وذلك على الله يسير. قال الله تعالى بعد ذلك (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا) هذا في بيان ماذا يكون حالهم حين تتلى الآيات انظر كيف يكون حال الإنسان الكاره للقرآن الكاره لأمر الله لا يكتم ذلك ولا يستطيع إذا كان قلبه ممتلئ من الغيظ والكفر والحقد على دين الله يظهر ذلك في فِعاله وقسائم وجهه. قال الله (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ) بينات واضحات تستوجب الإيمان والإستجابة والخضوع والاستسلام قال (تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنكَرَ) ترى في وجوههم الغيظ والإنكار والاستكبار (يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا) أي يتسلّطون عليهم مما في نفوسهم من الغيظ. ثم زادهم الله غيظاً بقوله (قلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) كأن الله تعالى يقول زيدوهم غيظاً بتهديدهم وتوعّدهم بالنار (قلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكُمُ) يزيدكم غيظاً وحنقاً على ما أنتم عليه حتى تبقوا على ذلك الحنق والغيظ والكمد (النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) ما قال وعدكم الله، قال (وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) فما أعظم هذا التهديد وهذا الوعيد وما أعظم هذا التبكيت والتهكّم بهم وبحالهم!. فهذه الآيات كلها كما ذكرت لكم في الدروس السابقة كلها في أمر إبطال أمر الكافرين ومعبوداتهم والقيام عليهم بالحجج الدامغة وإنهاء دعواتهم وإدّعائهم على ما هم عليه وإظهار الحق. ثم سيكون في آخر الحديث ختام السورة ببيانٍ شافٍ كاملٍ كأن في ذلك فصلٌ معهم في إبطال حكمهم وأمرهم يكون لنا حديث في المجلس الأخير نسأل الله أن يرزقنا وإياكم التوفيق والهدى والسداد وصلى الله وسلم على نبينا محمد. |
| #27 | |||
| |||
| درس العشاء الدرس 87: تفسير سورة الحج من آية 73 حتى آخر السورة - د. محمد بن عبدالله الربيعة موعدها: 08:04 م 1432/11/1 هـ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ﴿٧٣﴾ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴿٧٤﴾ اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴿٧٥﴾ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ﴿٧٦﴾) بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد. ففي هذا المجلس الختامي نختم بختام السورة وفيها خير ختام لمقصدها فإننا ذكرنا أن مقصدها في تعظيم الله الباعث على التوحيد له ومشاهد ذلك وأعظم مشاهد التعظيم والتوحيد الحج الذي قُصد فيه ذلك بل هو من أظهر مقاصده التعظيم الذي يورث التوحيد وفي مقابل ذلك إبطال شأن الكافرين ومدعواتهم وما يدعون من دون الله تعالى والتقليل من شأنهم وتضعيف أمرهم وتحقيرهم وإبطال حجج الكافرين في ذلك. لذلك تلاحظون أن فيها محاجّة ومجادلة لإبطال شأن الكافرين ودعواتهم وإظهار وحدانية الله تعالى ولذلك لو قلنا أن السورة في إظهار وحدانية الله ودلائلها لكان له وجه لكن التعظيم فيها ظاهر كما في افتتاحيتها وخاتمتها. يقول الله (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا) الحديث هو للناس لكن المقصود به أصلاً هم المشركون الذين يدعون من دون الله ولذلك خاطبهم بقوله (فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) والمقصد والله تعالى أعلم في هذه الآية بعد أن ذكر الحجج والمواعظ والدلائل الدالة على وحدانيته وتعظيم شأنه وأمره وحكمه وقدرته أظهر في هذه الآية ما يؤكد ضعف المخلوقات بالمثال ضعف المعبودات من دونه ليظهر جلياً لهم أن معبوداتهم ليست على شيء وليست بشيء وأنها دون أن تنفع نفسها فضلاً عن أن تنفع غيرها أو الذين يعبدونها. قال الله (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ) قوله (ضُرِبَ مَثَلٌ) ولم يقل ذُكِر مثل والتعبير بالضرب تشبيه بإثبات الأمر بقوة وبيان تام يحق أن يستمعوا له ولهذا قال (فَاسْتَمِعُوا لَهُ) تأكيدٌ لهم وإرغامٌ لهم للاستماع (فَاسْتَمِعُوا لَهُ) لهذا المثل الذي يظهر لكم جلياً حقيقة معبوداتكم. ما هو هذا المثل؟ قال الله (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) هذه الأصنام (لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا) وإنما ذكر الذباب لأن فيه صفتين: الصفة الأولى أنه من أحقر المخلوقات عند الناس في نظر الناس والأمر الثاني أنه من أضعف المخلوقات وأصغرها وإن كان هناك ما هو أضعف منه وأصغر منه لكن في نظر الناس هو من أصغر المخلوقات وأضعفها وأحقرها لكن الله تعالى جعل لهذا المخلوق الضعيف الحقير عندهم قوة لا تملك معبوداتهم أن تضاهي هذه القوة. لاحظوا إنه والله لمثلٌ عظيم يمثّل الله أحقر المخلوقات وأضعفها في نفوسهم بأن هذا المخلوق الضعيف الحقير عندكم قوة لا تملك معبوداتكم أن تقابل هذه القوة، الله أكبر! إذا كان هذا في أضعف وأحقر المخلوقات فكيف بقدرة الله وقوته؟! لذلك قال في الآية الثانية (مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ). قال الله (لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا) هذا في الخلق (وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ) ليس واحداً منهموإنما كلهم جميعاً لو اجتمعوا أن يخلقوا ذباباً لن يخلقوه. ثم ذكر مشهداً آخر من مشاهدة قوة هذا المخلوق الضعيف الحقير في نظرهم مع ضعفه إلا أنه أظهر منه ضعفاً تلك المخلوقات قال الله (وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا) لاحظ كلمة يسلبهم وهو أخذ الشيء سلباً وقوة سلباً من غير إذن ورغم أنوفهم سلبهم شيئاً أيّ شيء حتى ولو كان أحقر شيء (لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ) لاحظ التعبير بقوله (لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ) ما قال لا يأخذوه (لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ) يعني لو اجتمعوا على أن يستنقذوا في طلب وسعي وحرص وبذل على إنقاذ هذا الشيء من الذباب لا يستنقذوه منه. (ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) قبل أن ندخل في معنى (ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) اكتشف العلم الحديث في هذه الآية معجزة من معجزات الله في الذباب بأنه إذا أخذ الشيء لا يبقى يذوب مباشرة لا يمكن للإنسان أن يخلّصه منه في قدرة للذباب جعلها الله تعالى آية من آياته في إظهار ضعف المخلوقين، ولهذا قال (ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) من هو الطالب ومن هو المطلوب؟ الطالِب هم الناس أو الآلهة والمطلوب هو الذباب هذا معنى، ولكن هناك معنى آخر هو المقصود في الآية (ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) وهو في حال المشركين مع آلهتهم ضعف الطالب الذين هم الناس يطلبون آلهتهم ويدعونهم من دون الله فهم ضعفوا عن ذلك في أن يحققوا مرادهم وضعف المطلوب وهم الآلهة في أن يحققوا مراد من يعبدهم، فالآية على وجهين في هذا المعنى والله أعلم. فهو في إظهار ضعفهم في أنهم لن يحققوا شيئاً وهو في إظهار هؤلاء المخلوقات التي تُعبَد من دون الله تعالى لن تحقق لكم شيئاً فهي ضعيفة في نفسها. وهذه الجملة أصبحت مثلاً سائراً في أحوال الناس (ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) فهي من الأمثلة السائرة ومنه نذكر مسألة الاقتباس من القرآن في ذكر مثل مثل قولهم (وَلَوْ تَوَاعَدتَّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ (42) الأنفال) في ذكر إنسان وجدته، هذا الاقتباس اختلف العلماء هل يجوز استعماله في غير السياق الذي وردت فيه الآية أم لا، الأمر يحتاج إلى نظر لكن يظهر والله أعلم أنه إذا كان لا يُخرِجها عن المعنى المقصود في الآية فلا بأس بذلك إلا أن اللائق بكتاب الله أن يذكر في المقام الذي نزلت فيه الآية لأنه ما أُنزِل ليكون مثلاً سائراً بين الناس وإنما أُنزِل للإهتداء فالأمر يحتاج إلى نظر لكن هذا الذي يظهر أن الأولى أن لا يستخدم الجمل القرآنية مثالاً سائراً في أحوال الناس وكلامهم، هذا الذي يظهر. هنا قال (ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) ففي هذه الآية الكريمة نخلُص إلى أن الله أراد بها تحقير الآلهة وبيان ضعفها وأنها ليس لها من القدرة شيء حتى استنقاذ الشيء اليسير من الذباب فما أعظم هذا المثال البليغ الذي يُظهر كمال القرآن في بلاغته وبيانه وليس لهم بعد هذا البيان حجة ولا برهان. ثم قال الله في ما يركد مقصد هذه السورة ويؤكد إنهاء الحجة لهم ودمغهم والقضاء على حججهم في قوله (مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) بعد هذا كله وبعد البيان يعبدون غير الله (مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) فهذا تدليل للمثل بأن عبادتهم للأصنام التي ظهر لهم ضعفها مع الله القوي القادر استخفاف بحقه وحق ألوهيته . كيف تعبد ضعيفاً ليس له من الأمر شيء وتترك من له القدرة كلها سبحانه ففي هذا استخفاف بشأنهم وتهكم بحالهم كيف يستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير وأعلى وأعظم . ثم قال الله (إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) إن الله قوي عزيز فكيف يشاركه الضعيف الذليل؟! (إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) فكيف تشاركون معه الضعيف الذليل؟! وفي هذه الآية تهديدٌ بالانتقام منهم وأن الله سيعذبهم على ذلك في قوله (إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) على الانتقام منكم. ثم قال الله (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) هذا كأن فيه ردٌ على المشركين في تكذيبهم بالرسول وادّعائهم أنه لا يصلح للرسالة لأنه بشر مثلهم قطعٌ لحجّتهم في ذلك وإظهار أحقية الرسول بالوحي وأن الله له الأمر في اختيار من يشاء (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) أي يعلم أحوال الناس (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ (68) القصص) . ففيه إبطال مزاعمهم في أصنامهم التي اتخذوها من عند أنفسهم من غير أن يأمرهم الله بها فإن الله قد بيّن من اتخذ من الملائكة ومن الرسل وليس لهم شأن أي أولئك المشركون أن يتخذوا من عند أنفسهم ما لم ينزل عليهم به الله سلطاناً. ثم قال الله تعالى (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ) هذه الآية مؤكِّدة لما قبلها وفيها تأييد لرسوله وللمؤمنين وتهديدٌ لأولئك فإن الله تعالى قال (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ) تُشعِر أن الله يراقبهم في دقيقهم وجليلهم وأن الله يعلم أحوالهم كلها فسيحاسبهم عليها والمراد بقوله (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ) اختلف العلماء في ذلك فقالوا ما بين أيديهم مستقبلهم وما خلفهم الماضي وقيل ما بين أييهم الدنيا وما خلفهم الآخرة والآية محتملة لذلك كله والله أعلم لكنها تدل على إحاطة الله بأحوالهم كلها. ثم قال (وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ) أنه إليه الأمر كله فأين تذهبون؟ فكيف تصنعون وأنتم تعبدون غير الله ؟!. ثم قال الله تاركاً معرضاً عن الكافرين وقاطعاً الحديث عنهم ومحاجتهم مقبلاً على المؤمنين إظهاراً لشأنهم وعناية بهم وتوجيهاً لهم وإكراماً لهم بقوله في ختام السورة بعد أن قطع الأمر مع الكافرين أقبل على عباده المؤمنين تأييداً لهم وتثبيتاً وتأكيداً (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) لاحظوا أنه افتتح الأمر بصفتين عظيمتين وهم دالتين على التعظيم والخضوع لله (ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا) وهذا مؤكد لما ذكرته لكم بأن السورة دالة على ما يبعث التعظيم والتذلل والخضوع لله وقد ذكر هاتين الصفتين قبل ذلك في قوله تعالى (وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26)) -وهذا ذكّرني بسؤالنا قبل قليل لعلنا نرجع إليه بعد أن ننهي السورة- هنا خصّ الله الركوع والسجود لأنه يظهر فيهما التعظيم والخضوع لله . ثم قال (وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ) عبادة الله تشمل الركوع والسجود وإنما خصّ الركوع والسجود لما ذكرت ثم يشمل ذلك كل العبودية لله التي حقيقيتها الذُلّ لأنه يقال طريق مُعبّد أي مذلل ولهذا قال (وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ) هنا للدلالة على أن العبودية فيها تذلل وخضوع لله . ثم قال (وَافْعَلُوا الْخَيْرَ) أي مع الناس وهو شامل لكل الخير الإحسان للناس وبذل المعروف والإحسان إلى المحتاجين وغير ذلك ويدخل فيه فعل الطاعات لأنه من الخير ولاحظوا أنه قدّم ما من شأنه إصلاح الاعتقاد قبل إصلاح الأعمال الظاهرة قدّم ما هو الأعظم والأولى الركوع والسجود الباعث على التعظيم كما ذكرت لكم. فهنا إيماءٌ إلى أهمية الاشتغال بإصلاح الاعتقاد وما يبعث الإيمان واليقين والتعظيم والتذلل لله هذا أعظم من الاشتغال بالأعمال الظاهرة كلاهما من أمر الله لكن الأولى بالإنشغال وتحقيقه وإكماله العناية بشأن القلوب والاعتقاد، الإيمان والمحبة والخوف والرجاء والتذلل والتعظيم لله وهذا خلاف ظاهر الناس، ظاهر الناس أنهم يعتنون بالمظاهر ويتركون المخافر وتجد الإنسان يأتي للصلاة يركع ركعات لا روح فيها ثم يخرج يظن أنه من خير عباد الله لأنه حافظ على الصلاة كلها ليس هذا هو الدين الذي أراده الله إنما أقيمت الصلاة إظهاراً للخشوع لله تعالى واستحضار مقام القيام بين يديه . فمن هذه الآية نأخذ أن الأولى الإنشغال بإصلاح الاعتقاد مقدّم على الإنشغال بإصلاح الأعمال الظاهرة والتي منها قال (وَافْعَلُوا الْخَيْرَ) وأن الجمع بينهما في تحقيقهما سبب للإكتمال, سبب الكمال هو تحقيق كمال الاعتقاد كمال الأعمال الظاهرة ولهذا قال (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) والفلاح هو الفوز وإكتمال الإنسان في دينه وأمره. ثم قال الله بعد ذلك وهذه الآية آية فيها الأمر بالسجود مع اختلاف بين العلماء في ذلك، هذه الآية وهذا الموضع من السجود فيه خلاف، بعضهم قال أنه موضع سجود وبعضهم قال أنه ليس بموضع سجود لكن الأظهر ذلك للحديث الوارد في السنن عن عقبة بن عامر قال فُضِّلت الحج بسجدتين؟ قال نعم. ثم قال الله (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ) هنا أمر بالقيام بالجهاد، ما مناسبته؟ أن الأمور السابقة تحتاج إلى جهاد، هذا معنى، لكن المقصود والله تعالى أعلم بذلك الجهاد في سبيل الله لأنه لما جادل المشركين وأبطل دعواهم ولم يكن ذلك سبيل إلى إيمانهم بقي أن يكون ذلك مظنة الصراع بين الحق والباطل فكأنه قال أعدّوا العدّة وفي هذه الآية أو في هذا الموضع فائدة نفيسة لنا في هذا الوقت وهذا الزمن الذي يجب أن نعدّ العدة للجهاد في سبيل الله وهو أنه قدّم الأمر بالجهاد بفعل الطاعات وتحقيق الإيمان يعني العدة الإيمانية فهذا دليل صريح على أنه يُشرع للمسلمين إعداد القوة الإيمانية قبل مواجهة العدو، قبل أن يتقدموا للجهاد في سبيل الله عليهم أن يمكنوا أنفسهم بالإيمان وتقوية يقينهم وقد جاءت في سورة البقرة جاءت آية الكرسي المحققة للقوة الإيمانية مندمجة مع آية الإنفاق، قبلها آية الإنفاق وبعدها مما يؤكد ضرورة القوة الإيمانية والمادية وفي هذا الموضع بيان لأهمية الإعداد الإيماني قبل الجهاد. قال الله (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ) وما هو حق جهاده؟ هو الإخلاص أن يكون جهادكم ليس انتقاماً لأنفسكم وإنما لإقامة دين الله وأمره وتحقيق دعوته والتوحيد لذا قال بعد ذلك (هُوَ اجْتَبَاكُمْ) هذا باعث من بواعث الجهاد ما دام أن الله اختارك فحريٌ أن تقيم دين الله ولله المثل الأعلى لو قيل لرجل أنا اخترتك لهذا العمل، أليس ذلك باعث له أن يقوم به حق القيام؟ بلى. فلله المثل الأعلى ولكتابه قال (هُوَ اجْتَبَاكُمْ) أي اختاركم لهذا الدين وفضّلكم به فحقٌ أن تقوموا به وتجاهدوا في سبيله وتدعوا إليه وتبذلوا أنفسكم في نشره. قال (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) ما أكرم الله وحكمته وعدله وفضله علينا أن شرع لنا هذا الدين الإسلامي السماوي السمح اليسير الذي به نكتمل وتكتمل ديانتنا لله تعالى ولذلك قال (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) فقد يسّره الله ولم يجعل فيه حرج ولذلك قال أهل العلم أن الإنسان حيتما يعترضه عارضٌ يشق عليه في أمر الصلاة فيُرفع عنه الحرج لقوله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ (16) التغابن) ليس في الدين حرج، والحرج هو المشقة صعوبة القيام بأمر الله تعالى. ولعله يؤخذ من هذا التماساً أنه إذا كان الإنسان في ديار كفر لا يستطيع إقامة أمر الله ظاهراً فلا حرج أن يقيمها باطناً خفاء وهذا من رفع الحرج عن الناس ولهذا جاءت الآية في سياق الجهاد في سبيل الله تعالى (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ). ثم قال (مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ) وهذا وصف ثاني في تفضيلهم أن الله جعل دينكم هو أصل ملة ابراهيم ثم كمّله لكم فدين الإسلام هو أصل مِلّة إبراهيم حوى دين ملّة إبراهيم كمّله الله تعالى لنا فكان أكمل الشرائع، ففيه تشريف لنا وتكريم باعث على القيام بالدين. كل هذه الجمل الغرض منها أن نقوم بالدين حق القيام ومنه أن نجاهد في سبيل الله. ثم قال (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ) من هو الذي سمّانا المسلمين من قبل؟ تحتمل معنيين والأظهر أن هذا راجع إلى قوله (هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ) ولا شك أن تسمية الله لنا أعظم من تسمية إبراهيم لنا مع أن المعنى الثاني مذكور وتحتمله الآية لأن الضمير راجع إلى أقرب مذكور وهو ابراهيم ولكن سياق الآية يدل على الامتنان وأعظم الامتنان أن الله هو الذي سمّانا فما أعظم وأشرف أن يكون الله هو الذي سمّانا المسلمين. (مِن قَبْلُ) أين من قبل؟ في الأمم السابقة أي أن الله ذكرنا في الأمم السابقة وذكرنا الله تعالى على لسان ابراهيم أيضاً في قوله (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ (128) البقرة) فكان أيضاً من فضل الله علينا أن الله ذكر على لسان نبيه دعوة إبراهيم ولذلك قال النبي أنا دعوة أبي ابراهيم . قال الله (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا) ماذا في هذا؟ في هذا القرآن سمّاكم المسلمين، سماكم المسلمين من قبل في الكتب السابقة وسماكم المسلمين في هذا الكتاب في هذا القرآن الكريم فهذا أعظم تشريف لنا بفضله أن الله سمّانا من قبل وسمّانا في كتابه العظيم الذي هو أعظم كتبه. قال الله تعالى بعد هذا ليكون إقامة للحجة على هذه الأمة قال (وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ) في هذا كأن الله تعالى أراد أن يقيم الحجة عليهم بعد هذا التفضيل ومن فُضِّل فالحجة عليه أعظم، هنا قدّم شهادة الرسول وفي البقرة قدّم شهادة الأمة (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا (143) البقرة) فقدّم هنا شهادة الرسول وقدّم هناك شهادة الأمة ما السر؟ ما الفرق؟ الفرق الرجوع إلى السياق، وهنا فائدة للنظر في الفرق بين الآيات ننظر إلى سياق الآيات عن ماذا تحدث، فالآية هناك في سورة البقرة تتحدث عن الأمة (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) فقدّم ما هو من حقهم تشريفاً لهم وإكراماً (وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ). وهنا الحديث في الامتنان عليهم من الله بالدين ولذلك كانت الحجة عليهم في حق الرسول وفي حق الدين أولى فالرسول أقرب حظاً وأعظم شاناً فيهم فقدّم حقه وإقامة الحجة عليهم في ذلك لأن السياق هنا في حال الامتنان عليهم. قال (وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ) من هم الناس؟ الأمم السابقة كلها. لماذا هذه الأمة شهادتها على الأمم؟ لأمرين الأمر الأول أن الله أطلع هذه الأمة على جميع الأمم السابقة في كتابه فهم آخر أمة بقيت تعلم من سبقها بكتاب الله وإخبار رسوله فتعلم من كذّبت ومن آمنت. والأمر الثاني لفضيلة هذه الأمة وذو الفضل والعدل هو أحق بالشهادة (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا (143) البقرة) أي عدولاً خياراً لتكونوا شهداء على الناس. ثم قال (فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) ما الحكمة من الأمر بإقامة الصلاة هنا مع أنه ذكرها قبل ذلك (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا) وهنا أيضاً وقفة لأن الصلاة ذكرت في السورة عدة مرات بصيغ مختلفة لأن الصلاة فيها يظهر التعظيم والتذلل لله ، فما سر الأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة هنا بعد قوله (وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ) الأول أمر تكليف والثاني أمر شكر، أقيموا الصلاة شكراً لله على أن هداكم وفضّلكم وسمًاكم مسلمين فالثاني فيه أمرٌ بدوام الشكر دوام الطاعة لله بما أنكم علمتم فضلكم فاشكروا الله وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة أقيموا الصلاة إقامة للدين وآتوا الزكاة في قيام حق العباد. قال (وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ) ما مناسبة ذكر الاعتصام هنا؟ لأمرين: أن الآية في سياق الجهاد قوله (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ) فما دام الأمر في سياق الجهاد فقوله (وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ) أي توكلوا على الله تعالى واعتصموا به والجأوا إليه لينصركم ويؤيدكم والأمر الثاني أن السورة ترجع إلى قضية التوحيد والالتجاء فخصّه الله تعالى هنا. ثم قال (هُوَ مَوْلَاكُمْ) أي متولي أمركم وناصركم، (فَنِعْمَ الْمَوْلَى) أي نعم الذي يتولى أمركم ويرعاكم ويؤيدكم (وَنِعْمَ النَّصِيرُ) . فكأن في هذه الآية تحفيز لهم وحثٌّ لهم على الجهاد (وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ) وكأن هذه فيها شبه لآخر سورة البقرة في قوله (أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286)) في أنهم لما أكرمهم الله في ذلك وشهد لهم بالإيمان كان ذلك باعثاً لهم على القيام بأمر الدين والجهاد في سبيله. فختم هذه السورة بمثل ما ختم به تلك السورة في الاعتصام بالله الدالّ عل قيامهم بأمر الدين ونصرته ليقيموه على الوجه الذي أمر الله به بعد أن أكرمهم الله به وكمّلهم به. فما أعظم ما استحضرناه من آيات هذه السورة العظيمة التي حقيقة تجلّي لنا وحدانية ربنا وأنه ليس لأحد سواه حق في العبودية ولا التعظيم. هذه خلاصة هذه السورة ولهذا ذُكِر فيها الحج دلالة على أن الحج مظهر من مظاهر تحقيق التوحيد لله ونبذ كل الشرك والتعلّق بغير الله تعالى وتعظيم غير الله . هذه السورة كفى أن تعطينا هذا المعنى ونقرأها بهذا المعنى وإنني أوصي إخواني جميعاً أن يقرأوا هذه السورة مرات ومرات ونحن في زمن الحج ولم يبق عليه إلا شهر أو يزيد قليلاً في إشهر الحج إقرأوها وتأملوها وتأملوا فيها معنى السير إلى الله فإنه ذُكِر فيها أمر الآخرة وذُكِر فيها أمر الحج الذي هو السير إلى الله تعالى في الدنيا بقصد بيته وأمر الآخرة وأمر الحج متشابهان في كثير من الأمور ومنها الحشر واللِباس وتجرّد الإنسان من مظاهره وغير ذلك فأوصيكم بقراءتها بهذا المعنى العظيم. وهناك شريط سمعته جميل جداً للشيخ الدكتور عبد المحسن الأحمد لكن نسيت اسمه لو تذكروني به عن الحج في هذه السورة "رحلة قلوب" جميلة جداً يسير مع السورة في سياق الحديث عن الآخرة تقرؤها كأنك تقرأ حديث الآخرة فجميل هذا الشريط وجميل أن نتأمل كتاب الله ونتدبره ففيه حياة وفيه تحقيق ما في نفوسنا من الإيمان بالله . قبل أن أنسى بما طلبته منكم سؤال سألته ونسيته وهو الفرق بين آية الحج والبقرة في قوله تعالى (أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) البقرة) (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) فما الفرق بينهما؟ تأملوا السياق. الحديث هناك في سياق الامتنان بالبيت في ذِكر البيت وخصائصه والعكوف فيه أقرب ارتباطاً من القيام وهنا الحديث عن الحج وتعداد منافع هذا البيت وليس فقط هو الامتنان بالبيت وشأنه، هناك (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً (125) البقرة) فهنا ذكر الله تعالى أحوال الناس فيه ومنهم القائم والطائف والركع السجود هذا الذي يظهر والله تعالى أعلم. هذا يبعثنا للحديث عن تأمل الآيات المتشابهة والفرق بينها والفاصل في ذلك هو النظر إلى سياق الآيات عن ماذا تدور وعن ماذا تتحدث هنا وهناك. من أجمل الكتب التي تبحث في هذا "ملاك التأويل" لابن جماعة و"دُرّة التنزيل" أيضاً وبعض المفسرين يعتني بها أيضاً كابن عاشور وغيره. بهذا نختم الحديث عن هذه السورة ونسأل الله أن يحقق لنا فيها التوحيد والتعظيم لله تعالى وأن يجعلنا من أهلها إيماناً وتصديقاً واهتداءً وأن يجعلها عوناً لنا على إقامة دينه وتحقيق شرعه وأن ييسر لنا جميعاً سلوك سبيله والحج إلى بيته ونسأله أن يهدينا جميعاً صراطه المستقيم وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. |
| #28 | |||
| |||
| وهذا ملف الأسبوع الثالث كاملاً بصيغة وورد |
| #29 | |||
| |||
| محاضرات الأسبوع الرابع بعد التفريغ والتنقيح درس الظهر - المجلس الأول الأسبوع الرابع تفسير سورة المؤمنون وجزء من سورة النور د. أحمد بن محمد البريدي الدرس 88- درس الظهر: تفسير سورة المؤمنون من آية 1 حتى آية 92 الملقي: د. أحمد بن محمد البريدي موعدها: 12:33 م 1432/11/8 هـ المجلس الأول (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴿١﴾ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴿٢﴾ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴿٣﴾ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ﴿٤﴾ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ﴿٥﴾ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴿٦﴾ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴿٧﴾ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴿٨﴾ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴿٩﴾ أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ ﴿١٠﴾ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿١١﴾) نفتتح هذه المجالس في تفسير المؤمنون. سورة "المؤمنون" هكذا على الحكاية ويجوز أن تقول سورة المؤمنين على الإضافة. هذه السورة مكية، وللسور المكية خصائص تتميز بها عن السور المدنية ومهمتها الكبرى والتي دائماً ما تناقشها هي تقرير توحيد الله وإثبات البعث ويوم القيامة وكل ذلك قد تعرضت له هذه السورة. فنلاحظ أنها قد اشتملت على مواضيع أربعة في الجملة إذ بدأت بتقرير الفلاح للمؤمنين وبيان صفاتهم ثم بدأت بذكر دلائل الإيمان في الأنفس والآفاق كخلق الإنسان، كابتداء خلقه ونهايته وتسخير ما به حياته وسُبُل عيشه في هذه الحياة الدنيا. ثم بعد ذلك انتقلت إلى الموضوع الثاني حيث انتقلت من تقرير دلائل الإيمان إلى حقائق الإيمان وهي الدعوة التي توافَقَ عليها أنبياء الله دعوة التوحيد ونبذ الشرك. ثم يأتي الموضوع الثالث في هذه السورة وهو الحديث عن تفرّق الناس بعد الرسل وتنازعهم في هذه الحقيقة (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا) وخُتمَ هذا المقطع أو هذا الموضوع بقوله تعالى (فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ). ثم يأتي الموضوع الرابع وهو خاتمة السورة إذ توجّه الخطاب إلى النبي بأن يدفع بالحسنة السيئة ومعنى ذلك أنك ستؤذى يا محمد عندما تُبلِّغ دعوة إخوانك الأنبياء ولم يكن في مكة جهاد ولذلك أُمِرَ بأن يدفع بالسيئة الحسنة وأن يستعيذ بالله من همزات الشياطين لأن الشيطان من أكبر المخذّلين عن الدعوة والمخوّفين للأنبياء وأتباع الرسل. ثم خُتِمَت السورة بتنزيه الله ونفي الفلاح عن الكافرين كما أثبت الفلاح في أولها للمؤمنين عندما قال (إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ) فبين فاتحة السورة وخاتمتها مناسبة، وأنتم تعلمون أن المناسبات في القرآن أنواع، منها المناسبة بين السور، ومنها المناسبة بين الآيات، ومنها المناسبة بين فاتحة السورة وخاتمتها، وبين مناسبة اللفظة في السياق القرآني. عند تأمل هذه السورة نجد أن هناك تناسب بين أوّلها إذ أثبت الفلاح للمؤمنين وفي خاتمتها نفى الفلاح للكافرين، والمؤمنون المذكورون في أول هذه السورة هم الذين شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فهم أهل الإسلام ولقد قرر ابن رجب أن الإيمان حينما يُفْرَد فإنه يدخل فيه الإسلام ويراد به الإسلام كله أما إذا قُرِنَ بغيره كأن يقول (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)، (الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) فإنه يريد به الإيمان العَقَدي القولي الذي وصفه النبي حينما سأله جبريل فقال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشرّه.فالله هنا قال (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) والفلاح هو الفوز والسعادة أي حصل لهم الفلاح وهم المؤمنون المتّصفون بهذه الصفات: أولها (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) ما معنى الخشوع؟ قال ابن عطية في تفسيره: الخشوع هو التطامن وتساكُن الأعضاء والوقار، وهو خشوع القلب ومتى ما خشع القلب ظهر على الجوارح، وقد قيل: لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه. فيظهر الخشوع على الأعضاء حينما يخشع القلب لأن الخشوع محلّه القلب. وللأسف فإن كثيراً من الناس جعل الخشوع خشوع أعضائه وهو في فِكْرِه يسبح في أودية الدنيا المتشعبة. (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) قال ابن عباس: خائفون ساكنون، وقال الحسن البصري : كان خشوعهم في قلوبهم فغضّوا بذلك أبصارهم وخفضوا الجناح. والخشوع في الصلاة إنما يحصل بمن فرّغ قلبه لها واشتغل بها عمّا عداها وآثرها على غيرها، وحينئذ يكون له نصيب من صفات سيّد الخاشعين الذي قال عن صلاته : « وجعلت قُرّة عيني في الصلاة ».واختلف العلماء في الخشوع هل هو من فرائض الصلاة أو مكمّلاتها على قولين ورجّح الإمام القرطبي في تفسيره "الجامع لأحكام القرآن" القول الأول وأنه من فرائض الصلاة، ولذلك ينصرف العبد من صلاته فمنهم من تُكتَب له صلاته كاملة ومنهم من يُكتَب له نصفها ومنهم من يُكتَب له ثلثها ومنهم من تُجمَع له كالثوب الخَلِق فتُرَدُّ في وجهه وهذا يدل على أن الخشوع هو روح الصلاة وجوهرها، هو روح الصلاة والجوهر الحقيقي لها وقد جاء في السُنّة أن الخشوع هو أول عِلْمٍ يُرفَع من الناس.ثم قال الله (وَالَّذِينَ هُمْ) من هم؟ هم المؤمنون. (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) اللغو هو الباطل وهو يشمل الشرك -كما قال بعضهم- والمعاصي وما لا فائدة فيه من الأقوال والأفعال، فيدخل في اللغو أعلاه وهو الشِرك وأدناه مما لا فائدة فيه سواءً كان قولاً أو فعلاً. فاللغو على الصحيح يعمّ جميع ما لا خير فيه. قال السعدي : وإذا كانوا معرضين عن اللغو فإعراضهم عن المُحَرَّم من باب أولى.ثم قال الله معدداً صفات المؤمنين (وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ) اختلف المفسرون في المراد بالزكاة هنا على قولين: Ø القول الأول: أن المراد بها الزكاة المعروفة وهي زكاة الأموال Ø وقيل أن المراد بذلك زكاة النفس من الشرك والآثام والمعاصي كما قال الله سبحانه (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10) الشمس) وهذا أعمّ إذ السورة مكية والزكاة إنما فُرِضَت في المدينة. وإذا رجّحنا القول الثاني أو قلنا أنه أولى وأعمّ فيدخل فيه القول الأول لأن زكاة الأموال هي من تزكية النفوس. ثم قال الله (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ)، (وَالَّذِينَ هُمْ) من هم؟ المؤمنون. (لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ) أي والذين قد حفظوا فروجهم من الحرام فلا يقعون فيما نهاهم الله من زنى أو لواط ولا يفعلون إلا ما أحلّ الله لهم من زواج أو التسرّي بما ملكت أيمانُهم ومن تعاطى ما أحلّ الله له فلا لوم عليه ولا حَرَج. قال ابن العربي : من غريب القرآن أن هذه الآيات العشر عامة في الرجال والنساء -يقصد الآيات العشر التي هي في صفات المؤمنون يدخل فيه الرجال والنساء- يقول ابن العربي: ومن غريب القرآن أن هذه الآيات العشر عامة في الرجال والنساء كسائر ألفاظ القرآن التي هي محتملةٌ لهم فإنها عامّة فيهم إلا قوله (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ) فإنما خاطب بها الرجال خاصة دون الزوجات بدليل قوله (إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) وإنما عُرِفَ حِفْظُ المرأة فَرْجَها من أدلّة أخرى، انتهى. أنا أسأل لماذا ذكر ابن العربي أن الأصل في جميع القرآن أن الخطاب للرجال والنساء إلا ما خصّ الدليل على أنه للرجال أو خصّ الدليل على أنه للنساء، كما أن هذه الآيات العشر في صفات المؤمنين كذلك إلا في حفظ الفرج فإنه خصّ بها الرجال، لماذا خصصنا الرجال هنا؟ لأنه لا يجوز للمرأة أن تستمتع بمملوكها بالإجماع، وبالتالي فهذه الآيات لما استثنى (إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) قال ابن العربي : إنها خاصة للرجال. هل النساء مأمورات وممدوحات بحِفظ الفروج؟ نعم، لكن من أدلة أخرى كما سيأتينا إن شاء الله في تفسير سورة النور (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ) إلى آخر الآية.(فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ) وراء ذلك أي وراء هذا الحدّ من الأزواج والإماء (فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ) أي المعتدون، قال إبن القيم : من لم يحفظ فرجه لم يكن من المُفلحين، وكان من الملومين ومن العادين - يعني المعتدين - ففاته الفلاح واستحق اسم العدوان ووقع في اللوم. وقد استدلّ الإمام الشافعي بهذه الآية على تحريم الاستمناء باليد فإن هذا الصنيع خارجٌ عن الاستثناء المذكور في الآية، والاستثناء كما قرره أهل العلم أنه معيار العموم، فلما استثنى شيئين فقط حرُمَ ما لم يُذكَر.ثم قال الله (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ) قُرِئ (لِأَمَانَاتِهِمْ) بالجمع وقُرئت بالإفراد (لِأَمَانَتِهِمْ) وكلاهما قراءات متواترة. والأمانة والعهد يجمع كل ما يحمله الإنسان من أمر دينه ودنياه قولاً وفعلاً. قال ابن عطية تعليقاً على هذه الآية: وهذا يعمّ، أي يدخل في هذه الصفة (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ) قال: وهذا يعمّ معاشرة الناس والمواعيد وغير ذلك، بمعنى أنه يدخل فيه مراعاة الناس ومواعيدهم وعهودهم. والأمانة أعمّ من العهد فكل عهدٍ أمانة ولا عكس، فهو إذاً من باب عطف الخاص على العام، ومعنى رعاية الأمانة والعهد حِفْظُه والقيام به. قال السعدي : الأمانة تشمل الأمانة التي بين العبد وربِّه أو التي بين العباد فيما بينهم وكذا العهد يشمل العهد الذي بين العهد وربه ويشمل العهد الذي بينه وبين الناس فكل هذا من صفات المؤمنين.ثم قال الله (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) أي يواظبون عليها في مواقيتها، كما قال ابن مسعود سألت النبي فقلت: يا رسول الله أيّ العمل أحبّ إلى الله؟ قال: « الصلاة على وقتها » وفي رواية عند الحاكم « الصلاة على أوّل وقتها ».ماذا تلاحظون في صفات المؤمنين؟ أنه افتتح صفات المؤمنين بالصلاة وخَتَمَها بالصلاة، يدلّ هذا على أهميتها وأفضليتها فأثنى عليهم بصفتين، الأولى: الخشوع في أوّل صفاتهم، والثانية: المحافظة عليها في آخر صفاتهم. قال السعدي : فمدحهم بالخشوع بالصلاة وبالمحافظة عليها لأنه لا يتمّ أمرُهم إلا بالأمرين فمن يداوم على الصلاة من غير خشوع أو على الخشوع من دون محافظة فهو مذمومٌ ناقص.ما جزاء من امتثل بهذه الصفات؟ قال الله (أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ) جاء في الصحيحين أن رسول الله يقول: « إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة ومنه تفجّر أنهار الجنة وفوقه عرش الرحمن ». إذاً من امتثل هذه الصفات فهو الوارثُ للفردوس. لماذا سُمِّيَ جزاء المؤمنين في هذه الآيات ودخولهم الجنة واستحقاقهم لها وراثة؟ قالوا جاء في الأحاديث أنه ما من أحدٍ إلا وله منزلان: منزلٌ في الجنة ومنزل في النار فإن مات فدخل النار وَرَثَ أهل الجنة منزله فذلك قوله (أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ) فالمؤمنون يرثون منازل الكفار لأنهم خُلِقوا لعبادة الله تعالى. ويقرر هذا جملة من الأحاديث كقوله في الحديث الصحيح: « يجيء يوم القيامة ناسٌ من المسلمين بذنوب أمثال الجبال فيغفرها الله لهم ويضعها على اليهود والنصارى » وفي لفظ لمسلم قال رسول الله : « إذا كان يوم القيامة، دفع الله لكل مسلم يهودياً أو نصرانياً. فيُقال: هذا فُكاكُك من النار » كما يشهد له جملة من الآيات كقوله تعالى (تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا) وكقوله تعالى (وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) فأُطلِق على جزاء المؤمنين ودخولهم الجنة وراثة استشعاراً ومصاحبة لهذا المعنى.ثم لما قرر الله صفات المؤمنين وجزائهم قال (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ) من هو الإنسان؟ اختلف المفسرون فيه على قولين: Ø القول الأول: أنه آدم (مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ) يعني من صلصال كما قال في آية أخرى (مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ). Ø القول الثاني: أن المراد به بنو آدم (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ) أن المراد بالإنسان هنا بنو آدم ولم يتعرض لأصل الخلق، وإنما تعرض لما استقر عليه الخلق، فالمراد به بنو آدم. ومعنى (سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ) أي صفوة الماء كما قال ابن عباس، وقال مجاهد (مِنْ سُلَالَةٍ) من منيّ آدم، يعني أنه خلقنا بني آدم من سلالة من طين أي من آدم الذي سمي طيناً لأنه خُلِق منه. الفرق بين القولين: Ø القول الأول: أن المراد بـ (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ) آدم، وأن السلالة من طين المراد بها الصلصال من حمإ مسنون كما في آية أخرى. Ø القول الثاني: أن المراد بنو آدم وأن السلالة من طين صفوة الماء، وسمي آدم هنا من طين لأنه خلق من طين. أيهما أقرب؟ القول الأول الصحيح أن المراد بذلك خلق آدم كما تشير إليه آيات أخرى وأنه خُلِقَ من طينز ذلك أن الله قال (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ) أي خلق أصلكم وهو آدم من تراب. وقد قال النبي : "إن الله خلق آدم من قبضةٍ قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأحمر، والأبيض، والأسود، وبين ذلك، والخبيث، والطيب، وبين ذلك ".لعلكم أيها الأخوة تنتبهون معي لأننا الآن قلنا (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ) وقرّرنا أنه آدم وهناك قول آخر أنه بني آدم. قال الله (ثُمَّ جَعَلْنَاهُ) الهاء هنا أين تعود؟ ثم جعلنا آدم نطفة؟ هل يصح هذا؟! المفسرون هنا في هذه الآية لم يختلفوا على أن المراد به بني آدم لم يختلفوا لكن ما توجيهه؟ على القول الثاني واضح على القول الثاني والذي يقول أن المراد به بنو آدم واضح. لكن على القول الأول (ثُمَّ جَعَلْنَاهُ) أي آدم نطفة، لا، لأنهم هم مُجمِعون أن المراد هنا بنوه وليس المراد آدم وبالتالي فبعض العلماء قال (ثُمَّ جَعَلْنَاهُ) الضمير عائد على جنس الإنسان المذكور (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ) أن الضمير عائد على جنس الإنسان ويصِحّ. وقال القرطبي : الضمير عائد إلى بني آدم وإن كان لم يُذكَر لشُهرة الأمر لأنه مشتهر أن بني آدم قد خلقوا من نطفة. قال القرطبي : الضمير عائد إلى بني آدم وإن كان لم يُذكَر لشهرة الأمر فإن المعنى لا يصلُح إلا له. كما قال في آية أخرى (وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ) أي ضعيف.ثم قال الله (ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً) أي صيرنا النطفة وهي الماء الدافق الذي يخرج من صُلْب الرجل وهو ظهره وترائب المرأة وهي عظام صدرها فصار علقة حمراء على شكل العلقة مستطيلة. قال عكرمة: وهي دم. (فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً) وهي قطعة كالبَضعة من اللحم، لا شكل فيها ولا تخطيط، (فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا) يعني: شكلناها ذات رأس ويدين ورجلين بعظامها وعصبها وعروقها. (فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا) أي جعلنا على ذلك ما يستره ويشده ويقويه، أي يستر تلك العظام (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ) اختلف المفسرون في قوله: (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ) أي بعد تكوين خلقه (أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ) فقال بعضهم: هو نفخ الروح فيه ، لأنه إذا نفخ فيه الروح كان خلقاً آخر، أولاً كان جماداً ثم الآن أصبح بشراً. وقيل: خروجه إلى الدنيا لأنه سيكون خلقاً آخر بكل المقاييس فإن الطفل الذي في بطن أمه يختلف جذرياً في حياته وسبل معيشته عن حياته في الدنيا، وقيل: نبات شعره وخروج أسنانه، وقيل: كمال شبابه، قال القرطبي : والصحيح أنه عامٌّّّّّّّّّّّّّّّّّ في هذا وفي غيره فيما ذكره المفسرون وفي غيره، أي أنشأناه خلقاً مختلفاً متكاملاً من النطق، والإدراك، وحسن المحاولة، وتحصيل المعقولات إلى أن يموت.(فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) تبارك معناه مطاوّع من "بارك" كأنها بمنزلة تعالى وتقدس من معنى البركة وسيأتينا إن شاء الله في تفسير قوله تعالى (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ). وقد جاء في الحديث الصحيح عن ابن مسعود قول النبي : « إن أحدكم ليُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك » إلى آخر ذلك، وهذا من باب تفسير القرآن بالسُنّة.(فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) أثبت هنا أن غيره يخلق، وفي موضع آخر قال (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ) فما الجمع بينهما؟ نقول: إن لفظة الخلق التي هي بمعنى الاختراع والإيجاد مِن عَدَم منفيةٌ عن البشر وهي المُرادَة (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ) أما التي هي بمعنى الصنع والتقدير فغيرُ منفيةٍ عن البشر وهي المُرادة بقوله تعالى (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ). ثم قال (ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ) إشارة إلى النشأة، من العَدَم تصيرون إلى الموت (ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ) فذكر أحوال الإنسان كلها: عالم الأجنّة، وعالم الدنيا، وعالم البرزخ، وعالم القيامة. بهذه الآية نكون قد انتهينا من المجلس الأول من تفسير هذه السورة وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. |
| #30 | |||
| |||
| درس الظهر - المجلس الثاني المجلس الثاني (وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ ﴿١٧﴾ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ ﴿١٨﴾ فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴿١٩﴾ وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآَكِلِينَ ﴿٢٠﴾ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴿٢١﴾ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ﴿٢٢﴾) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. يقول الله (وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ) قال السعدي في المناسبة بين هذه الآية والتي قبلها: لما ذَكَر الله تعالى خَلْق الآدميّ، ذكر سَكَنَه، وتوفُّر النعم عليه من كل وجه. وقال ابن كثير : لما ذكر تعالى خلق الإنسان عَطَفَ بذِكْر خلق السماوات السبع وكثيراً ما يذكر تعالى خلق السماوات والأرض مع خلق الإنسان فهذه طريقة وعادة للقرآن كما قال سبحانه (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ) وكذا في أول سورة السجدة والتي كان رسول الله يقرأ بها صبيحة يوم الجمعة في أولها خلق السماوات والأرض ثم بيان خلق الإنسان من سلالة من طين. (سَبْعَ طَرَائِقَ) يعني سبع سماوات كما قال (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ) وقال سبحانه (أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ) وقال في آية أخرى (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ). فهنا قال (وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ) ما معنى (وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ)؟ قال القرطبي : (وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ) أي في القيام بمصالحه وحِفْظِه وهو معنى الحيّ القيوم. وقال السعدي : (وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ) فكما أن خَلْقنا عامٌ لكل مخلوق فعلمنا أيضاً محيطٌ بما خلقنا فلا نغفل عن مخلوقٍ ولا ننساه، قال السعدي: وكثيراً ما يقرن الله بين خلقه وعِلمه كما قال سبحانه (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ) وقال في آية أخرى (بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ) والسبب في ذلك أن خلق المخلوقات من أقوى الأدلة العقلية على علم خالقها وحكمته. ومعنى الآية أننا خلقناك أيها الإنسان وخلقنا فوقك هذه السماوات ولم نغفل عن القيام بمصالحك وما تقوم به حياتك، أي أننا لم نخلقك عبثاً ولم نخلقك هملاً ولم نخلقك ونهملك ونغفل عنك بل خلقناك وقمنا بمصالحك وهذا توطئة وتمهيد أننا خلقناك وأننا قمنا بمصالحك وما تقوم به حياتك من السكن والمأكولات والمشروبات ثم أرسلنا لك الرسل لماذا؟ لتوحِّد الله ، ولذلك سيأتينا في آخر الآية أن قول الله (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115)) فقلت لكم أن بين فاتحة السورة وخاتمتها مناسبات أي أنه قد تقرر وقد مُهِّد أنك قد خُلِقْت وخلق لك ما تقوم به مصالحك، هل يكفي هذا؟ لا، مصالحك الجسدية هيئة لك كما أن مصالحك الروحية وهي بعث الرسل وإنزال الكتب كذلك، الهدف ما تدور في فلكه هذه السورة وهو تقرير توحيد الله وإفراده بالعبادة ونبذ الشرك عن الله .ثم قال سبحانه (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ) الآن بدأ يعدد نعم الله على عبيده التي لا تعدّ ولا تحصى منها إنزال الماء بقَدَر، ما المراد بالماء هنا؟اختلف المفسرون فيه على قولين: فقال بعضهم: أن المراد بالماء هنا المنزل هو ماء المطر، وقال بعضهم: بل المراد هو الماء العذب من الأنهار الأربعة: سيحون وجيحون والفرات والنيل كما الآبار والعيون، ولذلك قال مجاهد: ليس في الأرض ماء إلا وهو من السماء، قال ابن عطية معلقاً على قول مجاهد: يقيَّد هذا بالعذب وإلا فالأجاج ثابتٌ في الأرض مع القحط، أيهما أرجح ؟ الذي هو المطر، ما يصح أن نقول كِلا القولين من نعمة الله ؟ يصح أن نقول أن المراد به المطر والمراد به الماء العذب في الأنهار والعيون والآبار وغير ذلك.(فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ) أي جعلنا الماء إذا نزل من السحاب يخلد في الأرض وجعلنا الأرض قابلةً له. ثم قال الله (وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ) أي لو شئنا أن لا تمطر لفعلنا، ولو شئنا لصرّفناه عنكم إلى السباخ والبراري والبحار والقفار لفعلنا، ولو شئنا لجعلناه أجاجاً لا ينتفع به كذلك لفعلنا، ولو شئنا لجعلناه لا ينزل في الأرض بل يأتي على أعلاها لفعلنا، أي أن الله امتنّ علينا بأمرين: بإنزال الماء وسكونه في الأرض وعدم ذهابه إلى البحر.(فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ) أي أخرجنا لكم بما أنزل من الماء (جَنَّاتٍ) أي بساتين وحدائق ذات بهجة (مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ) أي فيها نخيل وأعناب، وخُصَت النخيل والأعناب هنا يا إخواني هذا مما كان يألفه أهل الحجاز في مكة والطائف وذُكِرت مثالاً، وقال السعدي: خصهما لفضلهما وكثرة منافعهما التي فاقت بها بقية الأشجار. (لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ) (لكم فيها) الضمير يعود إلى ماذا؟ يحتمل عوده على الجنات ويحتمل على النخيل والأعناب، والأعمّ هو القول الأول لأنَّا قلنا أن النخيل والأعناب ذُكِرَت مثالاً. (وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ) هنا حرف العطف كأنه معطوف على شيئاً مقدّر، تقديره: تنظرون إلى حسنه ونضجه ومنه تأكلون، يعني كأن الآية (فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ) تنظرون إلى حسنه ونضجه (وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ). ثم قال الله : (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ) سيناء قرأت بفتح السين وبكسرها (سِينَاءَ) وكلاهما قراءات متواترة، والشجرة المقصود بها الزيتونة والطور هو الجبل قال بعض العلماء: لا يُسَمّى الجبل طوراً إلا إذا كان فيه شجر، فإن عَرِيَ عنها - أي عن الشجر - سمي جبلاً لا طوراً، وطور سيناء هو طور سينين، الذي كلّم الله عليه موسى بن عمران وما حوله من الجبال التي فيها شجر الزيتون. (تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ) أي تخرج بالدهن، أو تأتي بالدهن. (وَصِبْغٍ) أي أُدُم (لِلْآكِلِينَ) أي فيها ما ينتفع به من الدهن والاصطباغ. قال ابن عطية : والمراد في هذه الآية تعديد نعمة الزيت على الإنسان وهي من أركان النعم التي لا غنى للصحة عنها ويدخل في معنى الزيتونة شجر الزيت كله على اختلافه بحسب الأمصار، فإن بعض الأمصار يستخرجون الزيت من أشجار أخرى غير شجرة الزيتون.ثم قال الله (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ) الأنعام هي الإبل والبقر والضأن والماعز. (لَعِبْرَةً) أي في خلقها وسائر أخبارها ومنافعها (نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا) أي يشربون من ألبانها الخارجة من بين فرثٍ ودم ويأكلون من حُمْلَانِهَا ويلبسون من أصوافها وأوبارها وأشعارها، ويركبون ظهورها ويُحَمِّلُونَهَا الأحمال الثقيلة إلى البلاد النائية كما قال سبحانه (وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ (7) النحل) فكل هذا من نِعَم الله . ثم قال الله (وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (21) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ) نسقيكم قُرِئَت بالفتح (نَسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا) وقُرِئَت (نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا).ثم قال الله (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) قال ابن عطية: هذا ابتداء تمثيل لكفار قريش بأمم كفرت بأنبيائها فأُهلِكوا، وفي ضمن ذلك الوعيد بأن يحل بهم ما حل بأولئك، ونوح أول نبي أرسل إلى الناس. إذاً بدأ الآن يقرر القضية التي أشرنا إليها وهي قضية توحيد العبادة لله .ما كان رد قوم نوح؟ (فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ) يعني السادة والأكابر (مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ) يعني هو مثلكم مخلوق مثلكم يأكل مما تأكلون ويشرب مما تشربون ويريد يقول أنا والله آتيكم بوحي من السماء يريد أن يتفضل عليكم وأن يكون أميراً عليكم يأمركم وينهاكم، وهذه الشُبْهة طالما ردّ بها أقوام الأنبياء دعوة أنبيائهم فإنهم كانوا يقولون (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً) يعني يرسل بشر مثلنا لنتبعه يعطينا خلقاً آخر غير الخلق حتى يكون له فضل علينا أما أنت أيها البشر فإنك مخلوق مثلنا! وقد جاء في سورة الأنعام مر عليكم رد الله عليهم هذه الشبهة إذ لو أنزل عليهم ملائكة وأرسلوا لقالوا هؤلاء ملائكة يتحملون ما لا نستطيع أن نتحمل، نحن بشر ضعاف لو أرسل إنسان مثلنا حتى يأمرنا بشيء نراه يفعله ونفعل مثله، فهم أرادوا الحجاج واللجاج ولم يريدوا أصلاً يعني أرادوا ردّ الدعوة فقط. (إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ) يعني مجنون فيما يزعم أن الله أرسله إليكم واختصّه (فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ) يعني انتظروا به ريب المنون واصبروا عليه مدة حتى تستريحوا منه.(قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ) يخبر عن نوح أنه دعا ربه ليستنصره على قومه كما قال في آية أخرى (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ) وقال هاهنا (رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ). يقول الله (فَأَوْحَيْنَا) استجيبت دعوته (فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ) جاء أمرنا بإغراق هؤلاء ونصرتك يا نوح. (وَفَارَ التَّنُّورُ) قال ابن عباس: التنور وجه الأرض، وقال ابن كثير: أي صارت الأرض عيوناً تفور حتى فار الماء من تنور النار الذي عادةً تخرج منه النار فخرج منه الماء معناه أن الأرض كلها قد فارت إيذاناً بالغرق ونُصرَة نوح . (فَاسْلُكْ فِيهَا) أي أدخِل في هذه السفينة (مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) أي من كل صنف ذكراً وأنثى لأن الله قد أمر بإغراق أهل الأرض كلهم إلا من سيبقى على ظهر هذه السفينة. وأن يحمل فيها أهله (إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ) من الذي سبق عليه القول؟ دل في آيات أخرى -وهذا من تفسير القرآن بالقرآن- زوجته وابنه، زوجته كما في سورة التحريم وابنه كما في سورة هود. (وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) أي لا يأتيك رحمة وشفقة عندما تراهم يغرقون فإن الله قد أمر بإغراقهم فلا محيد عن إغراقهم ولا شفاعة فأنت دعوت عليهم واستجيب لك. (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) وقد امتثل نوح كما قال في آيات أخرى ومرّت هذه السورة مفصلة وكان من عادة القرآن أن يأتي بالقصة موجزة ومبسوطة، فهذه القصة مبسوطة في سورة هود وقد مرّت عليكم (وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا (41)).قال الله (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ) فذكر ابتداء أمره وانتهاء سيره (وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا) أي بعد إغراقهم وأن الأرض تأخذ هذا الماء. (وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (29) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ) أي هذا الصنيع وهو إنجاء المؤمنين وإهلاك الكافرين (لَآيَاتٍ) لحجج ودلالات (وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ) أي لمختبرين للعباد بإرسال المرسلين.ثم قال الله (ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ) الضمير يعود إلى من؟ إلى قوم نوح (قَرْنًا آخَرِينَ) من هم القرن الآخرين؟ اختلف فيه المفسرون على قولين:القول الأول: أن المراد بهم عاد فإنهم كانوا مستخلفين من بعد قوم نوح كما دلت على ذلك آيات أخرى. وقيل المراد هنا في هذه الآية قوم ثمود ورجّحه ابن عطية، ابن عطية يرى أن المراد هنا في هذه الآية هم قوم ثمود لا قوم عاد ويستدل بسياق الآيات لأنه قال بعدها (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ) والذين أُخِذوا بالصيحة هم قوم صالح وهذا كذلك رأي ابن جرير الطبري أن المراد بهذه الآية (ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (31) فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا) أي صالح.إذاً يا إخواني ما المراد بقوله تعالى: (ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ)؟ القول الأول: أنهم قوم عاد لأنهم هم الذين استخلفوا من بعد قوم نوح ونبيهم هود. القول الثاني وهو رأي ابن عطية وابن جرير الطبري وهم من أئمة التفسير: قوم ثمود والدليل على ذلك سياق الآيات وأن الله أخذهم بالصيحة، هو الأقرب نعم أنهم قوم ثمود، قال القرطبي تعليقاً على قول ابن عطية: وممن أُخِذَ بالصيحة أيضاً أصحاب مدين قوم شعيب فلا يبعد أن يكونوا هم، يضيف القرطبي قولاً ثالثاً يقول: وممن أُخِذَ بالصيحة أيضاً أصحاب مدين قوم شعيب فلا يبعد أن يكونوا هم، فقوله: (ثُمَّ أَنْشَأْنَا) لا يقصد الترتيب على القولين الثاني والثالث لا يقصد الترتيب الزمني (فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا) من هو الرسول؟ ترى مهم في الأقوال التفسيرية أن الإنسان يتسق الترجيح عنده، إن رجحنا أن القرن هؤلاء هم عاد فيكون الرسول هود، وإن رجحنا أن المراد بالقرن هنا ثمود فيكون صالح، وإن رجحنا أنهم أصحاب مدين فيكون شعيب، لماذا اختلف العلماء هنا؟ لأنه لم يُذْكَر اسم النبي ولا اسم القوم، ذكرت مجملة تفسَّر من آيات أخرى. قال (فَأَرْسَلْنَا) قرناً لم يذكر لا عاد ولا ثمود ولا أصحاب مدين (فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا) كذلك لم يذكر من هو هذا الرسول. (فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) كما قال نوح (أَفَلَا تَتَّقُونَ (32) وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) نفس الشبهة التي رد بها أصحاب نوح على نوح (يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ) ما فيه شيء يزيد عليكم، ثم عقبوا (وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ) كيف تطيعون بشر مثلكم يأمركم بأشياء يعني؟ لماذا ما أنزل كما قالوا: (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) إذا كان نازل القرآن لماذا ينزل على هود وإلا على صالح لماذا لا ينزل على كبار القوم؟ كما قالوا عن محمد .(أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ) إنكار للبعث (هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (36) إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) ينزهون الله انظروا كيف الشبه (إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) والله إنكم أنتم الكاذبون (وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ) هنا لما أيقن أنه لا فائدة من دعوتهم قال ماذا؟ (قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ) فقال الله: استجاب الله دعوة نبيه كما قال النبي : « لكل نبي دعوة مستجابة ».(قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ) أي بمخالفتك وعنادك (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً) أي هباءً، لا شيء (فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) أي جعلناهم كما كانوا أمة تسير جعلناهم غثاء كغثاء السيل قد رموا من الصيحة، أخذتهم الصيحة فأصبحوا جيفاً (فَبُعْدًا) دعاء (فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) فإن رد دعوة الرسل من أعظم الظلم. ثم قال الله (ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ) هنا في هذه السورة أراد أن يُجْمِل قصص الأنبياء لأنه قد بسطها في مواضع أخرى. (ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ) أي من بعد هؤلاء أمماً وخلائق (مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ) يعني يأخذون حسب ما قُدِّر لهم في كتاب الله في اللوح المحفوظ قبل كونهم، أمة بعد أمة، وقرناً بعد قرن، وجيلاً بعد جيل، وخَلَفاً بعد سلف (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى) يعني تتتابع، يتبع بعضهم بعضاً كما قال سبحانه (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ). (كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ) يعني أراد أن يوجز يقول خلقنا خلقاً أرسلنا رسلاً علامتهم (كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ) يعني أمثال وأخبار وعبرة كما قال سبحانه (فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ)، (فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ) كما قال قبلها (فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) فالذي لا يؤمن هو الظالِم.ثم قال سبحانه (ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ) يخبر أنه بعث نبيه ورسوله موسى وأخاه هارون معيناً له ووزيراً إلى فرعون بآيات وحجج واضحات (وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ) ما هي الآيات التي جاء موسى وهارون؟ العصا واليد هما السلطان المبين الذي وقع بهما التحدي لما قال (بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ) التي وقع بها التحدي هما آيتان العصا واليد ويدخل في سائر عموم الآية سائر آيات موسى كالبحر والمرسلات الستة المذكورة في سورة الأعراف، هل من آيات موسى التوراة؟ الآن قلنا نحن (ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ) قلنا إن الآيات المذكورة هي العصا واليد التي وقع بهما التحدي ويدخل في عموم اللفظ بقية الآيات التي أُيد بها موسى، لكن هل التوراة يدخل هنا في هذه الآية؟ يدخل في هذه الآية، هل هناك قول آخر؟ هناك ملحظ مهم في سياق الآيات تأملوها، أحبّ إليّ أن تكتشفوها أنتم، العلماء قالوا: ليس المقصود في هذه الآية التوراة لماذا؟ لأن التوراة ما نزل إلا بعد إغراق فرعون فقد أُنزِلت على بني إسرائيل ولم تُنزَل على فرعون، لأن الله قال هنا (ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ) إلى من؟ إلى فرعون، ومعلوم أن التوراة إنما أُنزلت بعد إغراق فرعون ولذلك لا تخلطوا، بعض الناس يدور في فلكه أن التوراة قد أُيد بها موسى أمام فرعون وهذا لا يتسق لأن التوراة إنما أُنزِلت بعد إغراق فهي أرسلت إلى بني إسرائيل (فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ) أي قاصدين العلو بالظلم والكبرياء (فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا) أولاً قالوا لبشر لما أرسل، أرسل اثنين قالوا مثله بشرين، لو أرسل ثلاثة قالوا نؤمن لثلاثة؟! إذاً هم أرادوا ردّ الدعوة لم يريدوا قبول الدعوة أصلاً (فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا)؟! (وَقَوْمُهُمَا) قوم من؟ انظر الضمائر، قوم موسى وهارون هؤلاء البشرين. (لَنَا عَابِدُونَ) ما معنى عابدون؟ يعني هل هم يعبدونهم العبادة التي هي التوحيد؟ لا، يقصد أي خادمون متذللون يعني قوم الذين هم القبط قوم موسى أهله ومن أُرسِل فيهم لنا مسَخّرون مذللون كيف يرسل موسى منهم؟! كيف يكون هذا؟! (لَنَا عَابِدُونَ) الطريق المُعَبّد هو المُذَلّل، وعلو هؤلاء هو الذي ذكره الله في آية أخرى (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا). وقال السعدي: (وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ) أي معبّدون بالأعمال والأشغال الشاقة، يعني كانوا لنا عمّالاً كانوا يخدموننا هؤلاء (لَنَا عَابِدُونَ) يعني خادمون مطيعون متذللون خدم كيف يرسل موسى منهم؟! (فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ) ما نوع الهلاك هنا؟ الغرق، تفسير القرآن بالقرآن.ثم قال الله (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) هنا (آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ) ما هو الكتاب؟ التوراة، متى آتى موسى الكتاب؟ بعد إهلاك فرعون. (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ) يُخبِر تعالى عن عبدٍ من عباده وهو عيسى ، ابن مريم من هو؟ نُسِبَ لأمه لأنه لم يكن له والد (وَأُمَّهُ) من هي؟ مريم. (آيَةً) أي حجة قاطعة على قدرة الله فإنه خلق آدم من غير أب ولا أم، وخلق حواء من ذكرٍ بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر، وخلق بقية الناس من ذكرٍ وأنثى. (وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ) الربوة هي المكان المرتفع من الأرض وهو أحسن ما يكون فيه النبات حتى بعض الأحياء في المدن إذا وجدوا مكان مرتفع سموها ربوة لأن هواءها يكون جيداً، أحسن ما يكون النبات في المكان المرتفع. (وَآوَيْنَاهُمَا) يقول السعدي هذا والله أعلم (وَآوَيْنَاهُمَا) أي وقت وَضْعِ مريم لعيسى (إِلَى رَبْوَةٍ) أي آوينا مريم (إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ) ما هي ذات القرار ومعين؟ اختلف المفسرون فيها على قولين: Ø القول الأول: أنها أنهار دمشق، ودمشق معروفة بكثرة الأنهار كما في غوطتها وغيرها، غوطة دمشق مشتهر فيها كثرة الأنهار والعيون. Ø وقيل: أنه بيت المقدس الربوة التي ذات القرار والمعين هي بيت المقدس وهذا هو الراجح ورجحه ابن عطية وهو المذكور في قوله تعالى في سورة مريم (إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا) أي شرق بيت المقدس لما جاء وضعها.(إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ) المعين هو الماء الجاري وهو النهر وهو الذي قال الله (قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا). لما ذكر الرسل وموقف أتباعهم منهم قال سبحانه (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ) يقول ابن كثير : أمر الله عباده المرسلين أجمعين بالأكل من الحلال والقيام بالصالح من الأعمال، انظروا الاستنباط! يقول: فدلّ هذا على أن الحلال عونٌ على العمل الصالح. المطعم الحلال والمأكل الحلال والمشرب الحلال من أعظم الإعانة على العمل الصالح، والذي يأكل حراماً ويشرب حراماً يكون من أقوى المثبّطات لترك العمل الصالح لأنه قال (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ) وعطف عليها (وَاعْمَلُوا صَالِحًا).(يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ) قال الحسن البصري: أما والله ما أمروا بأصفركم ولا أحمركم ولا حلوكم ولا حامضكم ولكن قال: انتهوا إلى الحلال، فقوله: (الطَّيِّبَاتِ) ليس المقصود به أطايب الطعام وإنما هو الحلال، الأكل الحلال أيّاً كان حلال فهو طيب وأيّاً كان حراماً فهو خبيث وإن كان من أشهى المأكولات. وقد جاء في الصحيح أن النبي قال: « يا أيها الناس إن الله طيبٌ لا يقبل إلا طيباً وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا) وقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يقول: يا رب يا رب، ومطمعه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغٌذّيَ بالحرام، فأنّى يستجاب له؟!! » وتعلمون أن أعظم الأعمال الصالحة هو الدعاء، من أعظم أبواب العمل الصالح هو الدعاء.ثم قال الله سبحانه (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) أي دينكم معاشر الأنبياء واحد اتفقت الشرائع ودعوة الرسل على التوحيد ولم يختلفوا واختلفوا في تفاصيل الأحكام الشرعية. أي دين الأنبياء واحد، وملتهم واحدة وهي الدعوة إلى الله وحده لا شريك له. ثم قال سبحانه (وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ) وأنتم مرّ علينا كل واحد يقول (اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) والتقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو ثواب الله وأن تترك معصية الله على نور من الله، تخشى عقاب الله. ثم قال سبحانه (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا) الزُبُر جمع زبور وهي الكتب إما المنزّلة عليهم تنازعوا فيها أو كتباً ألّفوها وكتبوها لأنفسهم، يحتمل هذا وهذا (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا) فتقطعوا أمرهم أي الأمم التي بُعِثَ إليهم الأنبياء وأرسلت إليهم الرسل وأُيدوا بالكتب (كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) كل حزب يفرحون بما فيهم من الضلال لأنهم يحسبون أنهم مهتدون. ثم قال (فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ) الغمرة ما عمّهم من الضلال وفعل بهم مَفْعَل الماء الغَمِر بما حصل فيه (فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ) وهذا تهديد لا توقيت، أي أمهِلهم حتى حين هلاكهم كما قال سبحانه (فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا)، (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ).(أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ) أي أيحسبون هؤلاء أن ما نعطيهم من الأموال والأولاد لأنهم عندنا مقرّبون؟ فإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، فإعطاء الدنيا كثرة الأموال والأولاد ليست معياراً لرضا ربك عليك ولا لحبّه لك بخلاف فهمهم السقيم حينما قالوا (نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ). (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ) أن هذا استدراج وإمهال من الله . قال قتادة حول هذه الآية (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ) قال: مُكِرَ والله بالقوم في أموالهم وأولادهم، يا ابن آدم فلا تعتبر الناس بأموالهم وأولادهم، ولكن اعتبرهم بالإيمان والعمل الصالح.بهذا نكون قد انتهينا من المجلس الثاني من هذه المجالس المباركة وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. |
| #31 | |||
| |||
| درس الظهر - المجلس الثالث المجلس الثالث (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ﴿٥٧﴾ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ﴿٥٨﴾ وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ ﴿٥٩﴾ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ﴿٦٠﴾ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ﴿٦١﴾) بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. يقول الله (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ) الإشفاق هو أبلَغُ الخوف. قال ابن عطية في المناسبة بين هذه الآيات والتي قبلها: لما فرَغ من ذِكْر الكَفَرة وتوعّدهم عقّب بذِكر المؤمنين ووعدهم، وذكر ذلك بأبلغ صفاتهم. وقال السعدي : لما ذكر تعالى الذين جمعوا بين الإساءة والأمن ذكر الذين جمعوا بين الإحسان والخوف. ولذا قال الحسن البصري حول هذه الآيات: إن المؤمن جمع إحساناً وشفقة، وإن الكافر جمع إساءة وأمناً. (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ) أي هم مع إحسانهم وإيمانهم وعملهم الصالح مشفقون من الله خائفون منه وجِلون من مكره بهم. (وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ) يؤمنون بآياته الكونية والشرعية كقوله عن مريم (وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ) الكلمات الشرعية والكونية. (وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ) وهذه القضية التي تُعنى بها هذه السورة وهي دعوة الأنبياء أي (وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ) معه غيره فيفردونه بالعبادة ويوحّدونه ويعلمون أنه سبحانه الأحد الصمد المعبود بحقّ وما سواه من المعبودات فهي عبادة باطلة، فيؤمنون به رباً ويخلصون العبادة له إلهاً لا شريك له. ثم قال سبحانه (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) أي يعطون العطاء وهم خائفون أن لا يُتَقَبّل منهم لخوفهم أن يكونوا قد قصّروا في القيام بشرط الإعطاء وهذا من باب الاحتياط. وقد جاء تفسير هذه الآية في حديث روته عائشة أنها قالت: يا رسول الله (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) أهو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر ويخاف الله ؟ فقال النبي : « لا يا ابنة الصديق ولكنه الذي يصلّي ويصوم ويتصدّق وهو يخاف الله ». قال ابن عطية في تفسيره بعد ذِكْرِه لهذا الحديث عند هذه الآية: ولا نَظَرَ مع الحديث، أي أن تفسيرها هو هذا التفسير الذي ذكره النبي .ثم قال الله (أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) فجعلهم من السابقين. أي هؤلاء الذين يفعلون هذه الأفعال يصومون، يتصدّقون، هل هم يمنّون على الله بعبادتهم؟! هل هو إذا تكابر في المجلس وجلس متربعاً قال: أنا صلّيت كذا وكذا وفعلت كذا وكذا وأنفقت كذا وكذا؟! لا، إنما يفعلونه لله ويخافون أن لا يُتَقَبَّل منهم. ولذلك قال بعض السلف: لو أعلمُ أن الله تقبّل لي حسنة واحدة لتمنيت الموت، استدلالاً بقوله (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) حصر، أي أن القبول محصورٌ بمن اتقى، يقول: لو تُقبل مني حسنة معناه أني من المتقين. وقد استدلّ القرطبي بقوله تعالى (أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) على أن الصلاة في أول وقتها أفضل من تأخيرها. وأقول ما لم يدلّ الدليل على فضل تأخيرها كالإبراد في صلاة الظهر أو تأخير صلاة العشاء إلى الثلث الأول، وإلا الأصل أن الصلاة في أول وقتها أفضل من تأخيرها.ثم قال الله (وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) يخبر تعالى عن عَدْلِهِ وشَرْعِهِ على عباده في الدنيا أنه لا يكلِّف هذه النفوس إلا ما تُطيق وتستطيع القيام به فلا يكلِّفُهم ما لا يطيقون وقد جاء ذلك في آيات أخرى كما في خواتيم سورة البقرة (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا).ثم قال الله (وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ) ما المراد بالكتاب هنا؟ قال بعضكم اللوح المحفوظ وقال بعضكم كتاب الأعمل وقال بعضكم القرآن. المفسرون لم يذكروا إلا كتاب الأعمال أو القرآن، أما اللوح المحفوظ ما ذكر لأن القضية قضية مجازاة هل يجازى الإنسان بما في اللوح المحفوظ وإلا بما كُتب عليه؟ بما كُتب عليه، ولذلك (وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ) إختلف فيه المفسرون على قولين: Ø منهم من قال كتاب الأعمال التي كُتبت على الإنسان (كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ) Ø والقول الثاني أنه القرآن (وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ) أي هذا القرآن ينطق بالحق أيهما أرجح؟ الأول لأن السياق يقتضيه وأن المراد به كتاب الأعمال لأنه قال (وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) تحدثنا عنها (وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ) وخاتمة الآية يقول (وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) أي أنه يكتب عليهم ما عملوا، ورجّح هذا القول ابن عطية وابن كثير رحمة الله عليهم. ثم قال سبحانه (وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) أي لا يُبْخَسون من الخير شيئاً. ثم قال رادّاً على هؤلاء الكفار (بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا) أي في غفلة وضلالة، هم غافلون أنه سيُكتب عليهم كل شيء، لاهون في هذه الدنيا. (مِنْ هَذَا) أي من القرآن هذا قول، وقيل (مِنْ هَذَا) أي من كتاب الأعمال، أيهما أرجح؟ كتاب الأعمال، لأننا رجحنا قبل قليل. (بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ) ما معنى (من دون ذلك)؟ أي من دون الشرك قاله ابن كثير عن ابن عباس، هذا معنى. المعنى الثاني قال ابن عطية: الإشارة من ذلك إلى الغمرة والضلال المحيط بهم (وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ) أي من دون هذه الغمرة والضلال. ومعنى الآية هذا على قول ابن عطية بل هم ضالّون مُعرِضون عن الحق وهم مع ذلك لهم سعايات فسادٍ فوَسَمَهُم وتعالى بحالتيّ شرّ وعلى هذا التأويل فالإخبار عما سلف من أعمالهم وعما هم فيه الآن. (وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ) القول من الشرك معناه يتكلم عن الأعمال الماضية أي هم في غمرة وفي ضلال وفي شرك، ولهم أعمال دون الشرك من معاصٍ وسائر الذنوب. القول الثاني قول ابن عطية ، يقول ابن عطية : أن الله وصفهم بحالتيّ شرّ ما مضى من زمانهم عندما قال (بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ) الآن (أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ) أي سيعملونها ما مضى وما يُستقبل، أي أنهم عملوا ومصرّون على أعمالهم.(حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ) قال بعض المفسرين أن (حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ) أي مترفي قريش لأن الخطاب لهم الآن (بِالْعَذَابِ) قيل ذلك كان يوم بدر حينما قُتِلَ كبارهم ورؤساؤهم، وقيل: بل ذلك بالجوع حينما دعا عليهم النبي بقوله: « اللهم سبعاً كسبع يوسف » على قريش. (إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ) من هم الذين يجأرون؟ قال (حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ) والترف تعرفونه هو زيادة النعمة كما قال الله (وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ). (إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ) من الذي جأر؟ المُترفون، الذي جأر هم المترفون. من الذي قال (لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ) الملائكة قالوا لهم، يعني (حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ) أخذنا يعني بدأنا بأخذهم وعاينوا العذاب، وبدأوا يحسون بالعذاب، بدأوا يجأرون ردّت عليهم الملائكة فقالوا (لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ) يعني قد كُتِبَ عليكم العذاب. ومن المفسرين من جعل العذاب للمترفين والذي يجأر هم أهل المترفين في مكة بعد موتهم، وهذا يعضُد من قال أنهم قتلى بدر. قال القرطبي: وهذا قول حسن، يعني (أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ) أخذناهم بمعنى أهلكناهم (إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ) أي يجأر من؟ أهلهم، هذا قول. القول الثاني: أن الذي جأر من؟ المترفين حال نزول العذاب ومعاينة العذاب عليهم. أيهم أولى؟ تأملوا سياق الآيات نقول إن الجأر للمترفين أو لأهل المترفين؟ (إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ) السياق يؤيّد أن الذي جأر المترفون (إِنَّكُمْ مِنَّا) أي قد كُتِبَ عليكم العذاب. (قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ) أي إذا دُعيتُم أبيتم وإن طُلِبتُم امتنعتم كما قال الله (ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ). ثم قال سبحانه (مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ) مستكبرين به، الاستكبار عنه أو به؟ يعني هل كفار قريش يستكبرون الآن؟ وإذا قلنا القول الأول والقول الثاني كل واحد له معنى (مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ) القول الأول: مستكبرين حال منهم حين نكوصهم عن الحق وإبائهم عليه استكباراً عليه واحتقاراً أي مستكبرين عن الحق، و (بِهِ) الضمير يحتمل ثلاثة أشياء: القول الأول: (مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ) أي بالحَرَم، الخطاب لقريش الآن (مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ) أي أنهم يحتقرون هذا الشيء (مُسْتَكْبِرِينَ) أي يتكبرون، ذُمّوا لأنهم كانوا يسمرون فيه بالهُجْرِ من الكلام (مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا) أي أن هذا الحرم ماذا تفعلون به؟ تقولون فيه القول المستكبِر قول الهجر يعني لا تقدّرون الحرم حق قدره (مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ) أي بالحرم. القول الثاني: (بِهِ) أي بالقرآن، كانوا يسمرون ويذكرون القرآن بالهجر من الكلام إنه سحر، إنه شعر، والسمر يكون ليلاً وتقولون أنه كاهن وغير ذلك من الأقوال. القول الثالث: (مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ) أي محمد إذا جلستم في الليل تسمرون ما يكون شغلكم إلا محمد تسبونه وتضربون له الأمثال الباطلة أنه شاعر وكاهن وساحر ومجنون إلى آخره. يعني هذا القول الأول أن الاستكبار يعني مستكبرين بهذا الشيء حال من استكبارهم وإبائهم فإن كان الحرم فإنهم يقولون في الحرم ما لا يصلح أن يُقال في الحرم! وإن كان القرآن فإنهم يتهمون القرآن بأنه كهانة وشعر! أو بمحمد !.القول الثاني يختلف عن القول الأول تماماً، قال (مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ) أي بالبيت تفتخرون به وتعتقدون أنكم أولياؤه بمعنى أنكم استكبرتم بأنكم أهل البيت بردّكم الحق. واضح الفرق بين القولين؟ (مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ) القول الأول: أي أنهم استكبروا عن الحق نكوصاً وإباء استكباراً وعلى هذا القول الضمير يحتمل ثلاثة أشياء وكلها صحيحة القول الثاني: أن الاستكبار حصل بسبب أنكم تدّعون أنكم أهل البيت يعني تقولون نحن أهل البيت حتى أنهم كانوا من الاستكبار وش يكونون؟ الناس يذهبون إلى عرفة وهم ما يذهبون إلى عرفة قريش ويقولون نحن أهل البيت ما نخرج من الحرم يسمونه الحمس أي يفتخرون بالبيت ويعتقدون، ففخركم إذا جلستم في الليل في أنديتكم نحن أهل البيت، ونحن سَدَنَته، ونحن الذين نُطعِم الحجاج، ونحن الذين نفعل، فردّكم هذا عن اتباع الحق ولم تستجيبوا لدعوة محمد تعتقدون أن فعلكم وكونكم أهل الحرم شافعٌ لكم في ردكم هذا الحق.ثم قال الله (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ) القول المراد به هنا القرآن. يقول تعالى مُنكِراً على المشركين في عدم تفهمهم للقرآن وتدبرهم وإعراضهم عنه مع أنهم قد خُصُّوا بهذا الكتاب الذي لم ينزَّل إلا على محمد . (أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ) فكان اللائق بهؤلاء أن يقابلوا نعمة الحَرَم ونعمة الرسول محمد ونعمة القرآن أن يقابلوها بماذا؟ أولى الناس أن يتبعوا محمد من؟ من بُعِثَ فيهم محمد أهل الحرم، قال (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ) أي ولو تدبروا القرآن لوجدوه زاجراً عن معصية الله، لو تدبروه وعقلوه، والتدبر هو التعقّل والتفكّر، ولذلك قال السعدي معلّقاً على هذه الآية: دل على أن تدبر القرآن يدعو إلى كل خير ويعصِم من كل شر. كيف أخذها السعدي ؟ هذا الاستنباط من أين أخذه السعدي؟ يقول: إن تدبر القرآن يدعو إلى كل خير ويعصم من كل شر. كيف أخذها السعدي ؟ نريد في هذه الآيات، نعم، هم الآن أهل الحرم أثبت الله على أنهم مستكبرين وأنهم لم يتّبعوا النبي فقال الله رادّاً عليهم (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ) بمعنى لو أنهم تدبروا القرآن لدلّهم على نبوة النبي واتّبعوه. (أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (68) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ) أفهم لا يعرفون محمد وصدقه؟ّ يعني ما السبب الذي جعلهم يعني هل كونهم أهل الحرم يأتيهم القرآن ويأتيهم النبي رجل يعرفون أمانته وصدقه من صغره ما هو شخص غريب أول مرة يرونه، يقولون هذا رجل لا نعرف تاريخه، لا نعرف التاريخ له، يكون صادق يكون كاذب، لكن هذا النبي محمد يعرفونه منذ طفولته، منذ نعومة أظفاره، بل سمّوه الأمين. ولهذا قال جعفر بن أبي طالب للنجاشي: أيها الملك إن الله بعث فينا رسولاً نعرف نسبه وصدقه وأمانته فهو معروف. (أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ) إذاً لماذا لم يُسلِموا؟ (أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ) يعني أنهم يقولون إن محمد جُنّ أي افتراه من عنده أو به جنون لا يدري ما يقول؟ يعلمون أن محمداً بكامل قواه العقلية. (بَلْ جَاءَهُمْ) أي النبي (بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ) يُحتَمل أن هذه الجملة جملة حالية أي حالهم حين جاء الحق أكثرهم كاره له وبالتالي وضعوا تصور مسبق ولم يهتدوا، وإلا لو سمعوا رأوا الحق وسمعوا الحق وصفوا قلوبهم وأتوا وسمعوا سماع المسترشد لكنهم أتوا وهم أصلاً قد بيّتوا ردّ هذا الحق ويحتمل أن تكون خبرية مستأنفة أي (وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ) خبر من الله كما قال في آيات أخرى (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) والمعنى أنه لا يلزّم أن يكون قد ثبت أن اتباع الأنبياء هم القِلَّة.ثم قال الله (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ) قال بعض المفسرين الحق هنا هو الله ، وضعّف هذا القول ابن عطية وقال: هذا ليس من نمط الآية وذكر قولاً آخر وهو أن الحق هنا هو الصواب المستقيم وقال هذا هو الأحرى. ولا يظهر لي -والله أعلم- تعارض بين القولين فإن القرآن أو محمد أو الله أو الصراط المستقيم لا تعارض بينها إذا لو اتبع هؤلاء أهواء هؤلاء المشركين النتيجة (لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ) لماذا؟ لفساد أهواءهم واختلافها.(بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ) يقول الله بل أتيناهم بهذا القرآن بذكرهم ما هو؟ أي القرآن (فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ) أي عن كتابهم (مُعْرِضُونَ (71) أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا) يعني هل أنت يا محمد تسألهم أجراً؟ السبب في ردّهم الدعوة أنك يا محمد قد طلبت منهم أجراً وهم عاجزون عن دفع هذا الأجر أو لا تستحق هذه الدعوة؟! (فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ) أي أنت لا تسألهم أجرةً ولا شيئاً ولا مالاً على دعوتك إياهم إلى الهدى بل أنت محتسب الأجر عند الله . (فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ) كما قال عن سائر أنبيائه (قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ)، (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ)، (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا)، (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا) فكلها أثبتت أن الأنبياء لا يأخذون على دعوتهم أجوراً أو يطلبون بل إنهم يحتسبون ذلك عند الله . (وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) روى الإمام أحمد عن ابن عباس أن رسول الله أتاه فيما يرى النائم ملكان فقعد أحدهما عند رجليه والآخر عند رأسه فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: إضرب مَثَل هذا ومَثَل أمته، الملك يقول أحدهما: اضرب مثل لمحمد ومثل أمته، فقال: إن مثله ومثل أمته كمثل قوم سُفْر - يعني على سفر - انتهوا إلى رأس مفازة، فلم يكن معهم من الزاد ما يقطعون به المفازة ولا ما يرجعون به - لا يستطيعون أن يذهبون يتقدمون ولا يرجعون -، فبينما هم كذلك إذ أتاهم رجل في حُلّة حَبِرَة، فقال: أرأيتم إن أوردتكم رياضاً مُعْشِبة، وحياضاً رواءً تتبعوني؟ يعني انقطعت بهم السبل وهو كما كان حال قريش، إن الله مَقَتَ الناس عربهم وعجمهم ولم يبقَ إلا بقايا من أهل الكتاب، يعني بعث النبي في أحلك الجهل والضلال كحال هؤلاء الذين كانوا لا يستطيعون أن يتقدمون، فبعث النبي قال معي النور وأهديكم إلى النور. فقالوا: نعم. طبيعي الواحد يقولوا لهم الآن هم انقطعوا يقول لهم: أتتبعوني أعطيكم رياضاً معشبة وحياضاً رواءً - يعني مليئة - فانطلق، فأوردهم رياضاً مُعشِبة وحياضاً رواء، فأكلوا وشربوا وسمِنوا فقال لهم: ألم ألفِكُم على تلك الحال؟! فجعلتم لي إن وردت بكم رياضاً معشبة وحياضاً رواء أن تتبعوني؟ قالوا: بلى، قال: فإن بين أيديكم رياضاً أعشب من هذه، وحياضاً أروى من هذه، يعني أن أمامكم الجنة، شيء عظيم، أعظم مما أعطيتكم من هذه، كأني النبي يقول: هذا الإيمان وفيه شيء آخر غير الإيمان الجزاء الأخروي مثل هؤلاء الذين اتبعوه فعلموا صدقه، يعني فعلاً أوردهم رياضاً قال: لا هناك رياض أحسن، فقالت طائفة: صدق والله، وقالت طائفة: قد رضينا بهذا نُقيم عليه. أي أنك يا محمد مهمتك الأولى والأخيرة أنك تدعوهم إلى صراط مستقيم.(وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ) لا يؤمنون بالبعث، لا يؤمنون بيوم القيامة (عَنِ الصِّرَاطِ) عن هذا الصراط المستقيم (لَنَاكِبُونَ) أي لعادلون جائرون منحرفون، مع أنه مستقيم لكنهم سينحرفون. يقال: نَكَبَ فلان عن الطريق إذا زاغ عنها. يقول الله وهو أعلم بهم وحالهم (وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ) أي لو رفعنا عنهم العذاب بعدما رأوه (لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) يخبر عن غِلَظِهم وكفرهم بأنه لو أراح عللهم وأفهمهم القرآن لما انقادوا له ولاستمروا على كفريهم وعنادهم وطغيانهم كما قال: (وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ) وقال في آية أخرى (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) فهذا من باب علمه تعالى بما لا يكون لو كان كيف يكون. أي أنهم لو ردوا إلى هذه الدنيا أو رفع عنهم العذاب ما آمنوا.(وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ) أي ابتليناهم بالمصائب والشدائد (فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ) أي فما رَدَّهُم عن ذلك عما كانوا فيه من الكفر والمخالفة بل استمروا على ضلالهم وغيهم (فَمَا اسْتَكَانُوا) أي ما خشعوا ولقد دعا عليهم النبي " سبع كسبع يوسف " قتل منهم كبراؤهم في بدر ومع ذلك استمروا في غيهم (فَمَا اسْتَكَانُوا) أي ما خشعوا (وَمَا يَتَضَرَّعُونَ) أي ما دعوا، التضرع هو الدعاء لله ، كما قال سبحانه: (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا) أي دعوا (وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ) عن ابن عباس أنه قال: جاء أبو سفيان إلى رسول الله فقال: يا محمد - لم يسلم بعد - أنشدك الله والرحم، قد أكلنا العلهز يعني: الوبر والدم من دعاء النبي عليه فأنزل الله (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا) يعني يعلمون أن النبي دعا عليهم ومع ذلك أبو سفيان من كبرائهم يأتي إلى النبي يطلب منه أن يدعو ليرفع عنهم العذاب إذا كنت تعلم أن هذا نبي وأنه دعا عليكم واستجيب له وتطلب منه أن يدعو ليرفع عنكم لماذا لا تؤمنون به؟ وهذا مصداق هذه الآيات. (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (76) حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ) المبلس الذي قد نزل به الشر ويئس من زواله ونسخه بخير. (إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ) أي حتى إذا جاءهم أمر الله وجاءتهم الساعة بغتة وأخذهم من عقاب الله ما لم يكونوا يحتسبون فعند ذلك أبلسوا من كل خير، وأيسوا من كل خير، وأفلسوا من كل خير، وأيسوا من كل راحة، وانقطعت آمالهم ورجاؤهم.ثم يذكر يذكرهم بالنعم التي عليهم يقول أنزلت الكتب وأرسلت الرسل انظروا التناسب (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ) يعني يذكرهم بنعمه لماذا لم يستجيبوا أن جعل لهم سمعاً، وبصراً، وقلوباً، عقولاً وفهوماً، يدركون بها الأشياء، يميزون بين الخير والشر، بين الحسن والقبيح، بين الصادق والكاذب، بين الأمين والخائن. (قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ) أي ما أقلّ شكركم لله على ما أنعم به عليكم، قيل معنى (قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ) أي شكراً قليلاً ما تشكرون، ورجّحه ابن عطية، القول الثاني أي ما أقل شكركم لله (قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ) فيه قولان لأهل التفسير: (قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ) أي ما أقل شكركم لله، الثاني: شكراً قليلاً ما تشكرون. ما الفرق بين القولين؟ الأول الذي قلنا: شكراً قليلاً ما تشكرون، نفى عنهم الشكر جملة وتفصيلاً، هذا رأي ابن عطية . أما قولنا: ما أقل شكركم لله فهو أثبت لهم القليل من الشكر، ما هو الأليق بحالهم؟ نفي الشكر عنهم جملة وتفصيلاً.ثم قال (وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ) أخبر عن قدرته وسلطانه في برئه الخليقة وبثّهم لها في سائر أقطار الأرض على اختلاف أجناسهم ولغاتهم، ثم يوم القيامة يحشرهم (وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ) ذكر المبدأ والمعاد. (ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (79) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) يحيي الرِمَم ويميت الأمم (وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) أي عن أمره تسخير الليل والنهار كل منهما يطلب الآخر طلباً حثيثاً، يتعاقبان لا يفتران، ولا يفترقان بزمان كما قال سبحانه (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ).(أَفَلَا تَعْقِلُونَ) أي أفليس لكم عقول تدلكم على العزيز العليم؟ الذي قد قهر كل شيء، وعز كل شيء، وخضع له كل شيء، (أَفَلَا تَعْقِلُونَ) جعل لكم السمع والبصر، وهو الذي بدأكم، وهو الذي إليه حشركم، وهو الذي أراكم شيئاً ترونه تعاقب الليل والنهار (أَفَلَا تَعْقِلُونَ). ثم قال مخبراً عن منكري البعث الذين أَشبَهوا مَنْ قَبْلَهُم من المكذبين: (بَلْ قَالُوا) مع كل ما ذكرنا، وكل ما قررنا، وكل ما أخبرنا من الأمم السابقة وردّ أقوامهم عليهم، ما ذكرنا من الأدلة (بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ) من هم الأولون؟ الذين ذكروا في أول هذه السورة قوم نوح وقوم عاد (أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (35) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ). (بَلْ قَالُوا) من هم الذي قالوا؟ كفار قريش (مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (81) قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ) يعني يستبعدون وقوع ذلك بعد صَيْرُورَتِهِمْ إلى الْبِلَى (لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) هذا الوعد ما هناك نبي إلا قال: أنتم تبعثون، ما رأينا آباءنا ما أتى البعث، هذه (أَسَاطِيرُ) يعني أكاذيب وأحاديث (الْأَوَّلِينَ) يتسلون بها لا حقيقة لها. فهذه النتيجة التي وصلوا إليها بعد كل هذه الأمور، بعد كل هذه التقريرات، بعد كل هذه المواعظ من الأمم السابقة ومنهم هم، بعد تقرير ما قرره لهم، النتيجة؟ النتيجة التي قالها كفار قريش من مات على كفره وإلا منهم من أسلم ماذا قالوا؟ (بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (81) قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ) أي هذا ديدنهم، تشابهت قلوبهم وتشابهت ردودهم، كما اتفق الأنبياء في دعوتهم إتفق أقوام الأنبياء في ردّ دعوتهم. وبهذه الآية نكون قد وصلنا إلى ختام هذا المجلس أسأل الله لي ولكم العلم النافع والعمل الصالح وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ونلتقي بكم بعد صلاة العصر إن شاء الله. |
| #32 | |||
| |||
| درس العصر - المجلس الأول درس العصر الدرس 89: تفسير سورة المؤمنون من آية 84 حتى آية 10 من سورة النور الملقي: د. أحمد بن محمد البريدي موعدها: 3:55:00 م 1432/11/08 هـ المجلس الأول (قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٨٤﴾ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴿٨٥﴾ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴿٨٦﴾ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴿٨٧﴾ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٨٨﴾ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ﴿٨٩﴾ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴿٩٠﴾ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴿٩١﴾ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿٩٢﴾) بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. يقول الله (قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٨٤﴾ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ) في هذه الآيات يسأل الله ثم يجيبون والإجابة لسان حالهم فيدعوهم إلى التذكّر والتعقّل والعلم (كل ذلك) -كما قلت لكم في الجلسة الماضية- دعوة لهؤلاء باتّباع النبي . فقرر الله وحدانيته واستقلاله بالتصرف والخلق والملك ليرشد إلى أن الله الذي لا إله إلا هو لا تنبغي العبادة إلا له. ولذلك أمر الله نبيه محمداً أن يخاطب هؤلاء المشركون كل ذلك إمعاناً في إقامة الحجة (قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا) من مالكها الذي خلقها من الذي يملكها؟ من الذي خلقها ومن عليها ومن فيها من الحيوانات والنباتات والثمرات وسائر أصناف المخلوقات كبرت أم صغرت تعلمونها وشيئاً لا تعلمونها في البر والبحر؟ (قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٨٤﴾ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ) إنهم سيقولون لله لأنهم لا يستطيعون أن يجيبوا بغير هذا الجواب. أي فسيعترفون لك يا محمد بأن ذلك لله وحده لا شريك له، فقل لهم إذا كانوا يعرفون ذلك أفلا يتذكرون أن العبادة لله وحده؟ وأن العبادة ينبغي أن لا تكون إلا لمن خلق ورزق. فلما ذكّرهم بالأرض التي يعيشون فيها ذكّرهم بأن يرفعوا أعينهم قليلاً إلى السماء فهناك آية أخرى تدل على عظمة الله وأنه المستحق للعبادة فقال قل لهم يا محمد (قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) أي من ربُّ أو من خالق العالم العلوي بعد إقراركم بأن الله الذي خلق العالم السفلي الأرض ومن عليها ومن فيها؟ من رب السموات السبع؟ بل من رب العرش العظيم؟ والذي العرش -كما جاء في بعض الآثار - السموات إنما هي جزء يسير من هذا المخلوق العظيم. ما الكرسي بالنسبة للسموات والأرض إلا كحلقة ألقيت في فلاة وما الكرسي بالنسبة للعرش إلا كذلك. فهذه السموات السبع بل ورب العرش العظيم الجواب (سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ) أفلا تتقون الله بعد إقراركم بهذه الأشياء؟! وقد وُصِف العرش بالعِظَم وسُمِّيَ العرش عرشاً لارتفاعه ولا يقدّر خلقه إلا الله . وُصِفَ في هذه الآيات بالعِظَم كما وُصِفَ في آخر السورة بالكَرَم فقال (رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) أي الحسن البهيّ فقد جمع هذا العرش بين العظمة في الاتساع والعلو وبين الحُسْن الباهِر ولهذا قال من قال إنه من ياقوتة حمراء وقال ابن مسعود إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار نور العرش من نور وجهه. (سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ) إذا كنتم تعترفون بهذا الشيء أفلا تخافون عقابه؟! ألا تحذرون من عذابه؟! كيف تشرِكون معه غيره وأنتم تقرّون بهذه الأمور؟! (قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ) أي المُلك لله أي بيده الملك (مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا (56) هود) فهو سبحانه المالِك المتصرِّف بخَلْقه وهو الذي يُجير ولا يُجار عليه سبحانه. (قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ) كانت العرب إذا كان السيّد فيهم فأجار أحداً لا يُخفَر في جواره وليس لمن دونه أن يجير عليه لئلا يقتات على ملكه وحكمه فذكّرهم الله فيما يعرفونه فيما بينهم فما بالك بالخالق وهو يُجير ولا يجار عليه؟ أي هو السيد العظيم الذي لا أعظم منه الذي له الخلق والأمر لا معقب لحكمه الذي لا يمانَع ولا يخالف ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون فسيكون جوابهم (سَيَقُولُونَ لِلَّهِ) أي سيعترفون أن السيّد العظيم الذي يُجير ولا يُجار عليه هو الله وحده لا شريك له فقال الله (قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ) أنّى تذهب عقولكم في عبادتكم معه غيره مع اعترافكم وعلمكم بذلك؟ أي من الذي سلب عقولكم وسحرها وجعلها لا تؤمن بالله تعالى ؟. والقضية هنا هل هي تحقيق الألوهية أو تحقيق الربوبية؟ والاستدلال بالربوبية على الألوهية لأنهم يعترفون به رباً (قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ (87)) فالنداء والذي يطالبهم به النبي هل هو إقرارهم بأنه رب السموات؟ لا، لأنهم معترفون. هل هو إقرارهم أنه هو رب الأرض؟ لا، لكنه يطالبهم بتحقيق التوحيد والذي بعثت من أجله الرسل توحيد العبادة لله وهذه الآيات هي الاستدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية. (بَلْ أَتَيْنَاهُم بِالْحَقِّ) بعد هذا كله أخبرناهم أعلمناهم بأنه لا إله أي لا معبود بحقٍّ إلا الله وأقمنا الادلة الصحيحة الواضحة القاطعة الموجِبة لإفراد الله بالعبادة كما قال في آخر السورة (وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ). كل هذا من بداية السورة إلى الآن وهي تعالج إفراد العبادة لله . (بَلْ أَتَيْنَاهُم بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) إنهم لكاذبون في عبادتهم مع الله غيره إذ لا دليل لهم على ذلك ولا برهان، فالمشركون لا يُشركون بالله بدليل واضح بل بشُبَه يختلقونها ويخترعونها لأنفسهم وإلا لقد قامت الأدلة العظيمة القاطعة الكبيرة على وجوب إفراد العبادة لله . (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ) ينزّه في هذه الآية نفسه أن يكون له ولد أو شريك في الملك توجب معه التصرف أو صرف العبادة لهؤلاء. ثم على فرض أنكم تدّعون أن الآلهة متعددة وأن مع الله إلهاً غيره فلا يخلو من ثلاثة أمور: الأول أن يذهب كل إله بخلْقِه وسلطانه فيعبده خلقه وسلطانه وأنتم من خلق الله وسلطانه فيجب عليكم إفراد العبادة له الثاني أن يعلو بعضهم على بعض فمن علا فهو الإله الحق -وهذا كله من باب التسليم على أن هناك إله يخلق أو أن مع الله إله أو شريك في الملك هذا كله على التسليم - فمن علا فالإله الذي يعلو ويغلِب هو الإله المعبود حقاً. الحالة الثالثة أن يكونوا تحت قهر وسلطان إله واحد وهذا هو الموجود فهو المستحق بالعبادة فلماذا تصرفون العبادة لغيره؟ لماذا تصرفون هذه العبادة التي أمرتم أن تفردوها له لغيره؟ (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ) هذه الحالة الأولى (وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ) أو يعلو بعضهم على بعض يكون هو المستحق أو يكون هو إله واحد مستحق للعبادة، النتيجة لا يجوز صرفها إلا لله . (سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ) ينزّه الله نفسه عما يصفه به الظالمون المعتدون في دعواهم الولد والشريك بلا دليل. (عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) أي لا تظنون أن هناك إله تعرفونه أنتم ولا يعرفه تدّعون فالله نفى وهو (عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) (فَتَعَالَى) سبحانه (عَمَّا يُشْرِكُونَ) تقدس وتنزه عما يقوله الظالمون والجاحدون أن مع الله إلهاً آخر يستحق العبادة وأن تُصرَف له العبادة. ثم يقول الله مخاطباً نبيه بعد كل هذه التقريرات (قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ) يقول إن عاقَبتهم وأنا أشاهد ذلك فلا تجعلني فيهم يأمر الله نبيه أن يدعو بهذا الدعاء (قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ) أي تكتب عليهم العذاب وأنا بين أظهرهم (رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) كما جاء من دعاء النبي : "وإذا أردت بقوم فتنة فتوفّني إليك غير مفتون" لماذا قال الله لنبيه هذا الشيء؟ لأنه قد قصّ عليه في أول السور قصص أمم أرسلت إليهم الرسل وأُيدوا بالآيات فكذبوا فعُذبوا فأمره أن يدعو بهذا الدعاء (قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ) من العذاب (حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ (77) المؤمنون) (رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ). (وَإِنَّا) للعظمة أي لله (عَلَى أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ) أي الله لو شاء لأراك يا محمد ما يحلّ بهم من البلاء والنقم والمِحَن، لكن هل ستدعو عليهم يا محمد كما دعت الأمم السابقة؟ لا، وإنما أمره الله أنه في بداية دعوته أمره بقوله (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ) وهذه في سورة مكية لم يؤمر النبي بالقتال ولم يؤمر بالجهاد وإنما أُمر بهذا الشيء (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ) والله إن الدفع بالتي هي أحسن هي الترياق والعلاج النافع في مخالطة الناس. من لا يستطيع أن يدفع بالتي هي أحسن لا يستطيع أن يخالط الناس فإن الناس أخلاق وطباع مختلفة تماماً مؤتلفة ومتنافرة فأرشده إلى الترياق النافع إلى العلاج النافع وهو الدفع بالتي هي أحسن. ولاحظوا أنه قال أحسن لم يقل إدفع بالحسن يعني إختر أحسن الألفاظ وأحسن الأفعال وأحسن الأجوبة لردّ هؤلاء الأذى (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ) إدفع بالتي هي أحسن كما قال الله مقرراً في آية أخرى (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ) قال (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) فصلت) يعني أنك يا محمد تحتاج للصبر على أذى قريش للصبر على طباعهم للصبر على ردّ دعوتهم فإنك بخُلُقك وبطريقتك وبدفعك بالتي هي أحسن سترى أثره في دعوتك والشواهد من سيرة النبي أنه امتثل أمر ربه ودفع بالتي هي أحسن وكان هناك جملة من المواقف دفع بالتي هي أحسن فأسلم من آذاه (فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا (35) فصلت) لا يستطيع كل إنسان أن يدفع بالتي هي أحسن وأنت شاهد من نفسك كم مرة أخطأ عليك أحد فقابلته بخطأ مثله فغضبت وغضب وصارت مشكلة وكم مرة أخطأ عليك خطأ فنظرت إليه وابتسمت أو أديت إليه السلام فخجل على نفسه واعتذر؟! هذا مجرَّب. ثم قال الله (وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ (98)) ما علاقة هذه الآية بالتي قبلها؟ يقول ابن القيم أُمِر في هذه الآيات أن يحترز من شياطين الإنس بدفع إساءتهم إليه بالتي هي أحسن وأن يدفع شر شياطين الجن بالاستعاذة منهم فإن شياطين الإنس لا يدفعهم إلا المعاملة بالتي هي أحسن والدفه بالتي هي أحسن أما شياطين الجن فيدفعهم الاستعاذة منهم. (وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ) همز الشيطان هو جنون الشيطان وأمره أن يستعيذ ولا يدفع لأن الشياطين لا تنفع معهم الحيل ولا ينقادون بالمعروف وقد جاء "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه" فالهمز الجنون إذا أُفرِد والنفخ الكبر والنفث السحر. قال ابن القيم فُسّرت الهمزات بالنفخ والنفث وقد يقال وهو الأظهر أن همزات الشياطين إذا أفردت دخل فيها جميع إصابتهم ابن آدم وإذا قُرنت بالنفخ والنفث كانت نوعاً خاصاً ولذلك قوله (رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ) من جنونهم ونفحهم وكِبْرِهم من كل ما قد يصيبونك به لأنه هنا أُفرِد لوحده فإذا قرن مع غيره فإن الهمز هو الجنون. (وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ) أي يحضرون في شيء من أمري أي يكونون معي في أموري حينما أعملها فإن من حضر معه الشيطان كان معدّاً للهمز، يقال في المثل جاء وجاء معه ابليس يعني أحضر الشر معه لذلك أمرنا أن نستعيذ من الشياطين. (وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ) قال ابن القيم فتضمنت هذه الاستعاذة أن لا يمسّوه ولا يقربوه ولا يصطحبوه لأن الشيطان إذا حضر وقعت الفتنة. ثم قال الله (حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ) يُخبِر تعالى عن حال المحتضر من الكافرين أو المفرّطين في أمر الله وقيلهم عند ذلك (لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) وهذا المعنى قد جاء في آيات كثيرة من كتاب الله (وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ (44) ابراهيم) (أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ (44) ابراهيم) (يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا (53) الأعراف) (وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (12) السجدة) (يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27) الأنعام) (هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ (44) الشورى) (فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ (11) غافر) (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ (37) فاطر) كل هذه الآيات أتت لتقرير هذا المعنى (لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا) أين أنت لما كنت في الدنيا؟ لماذا لم تعمل صالحاً؟ (إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا) قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أي لا بد أن يقولها لا محالة كل محتضر ظالم (رب ارجعون)، ويحتمل أن يكون ذلك علّة لكلمة (كلا) أي لأنها كلمة اي سؤاله الرجوع هو كلام منه ولو رُدّ لعاد لما نُهي عنه، وهذا الفرق بين القولين. القول الأول أن هذه كلمة يقولها كل محتضّر لما يرى الموت يقول (رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا (100)). القول الثاني أنه يقولها كلاماً لا حقيقة كما تشهد له الأدلة الأخرى أنه لو رُدّ لعاد لما نهي عنه (وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28) الأنعام). قال قتادة والله ما تمنى أن يرجع إلى أهل ولا إلى عشيرة ولكن تمنى أن يرجع فيعمل بطاعة الله فرَحِمَ الله امرءاً عمل في ما يتمناه الكافر إذا رأى العذاب إلى النار. (وَمِن وَرَائِهِم) أي أمامهم وهي من ذوات الأضداد تستخدم كما قال (وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79) الكهف) أي أمامهم. (وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ) البرزخ في كلام العرب الحاجز بين مسافتين ثم يستعار لما عدا ذلك فالمراد به هي المدة التي بين موت الإنسان وبين بعثه يوم القيامة هذا يسمى البرزخ وهي حياة برزخية وهي حياة تختلف جذرياً عن الحياة التي نعيشها - كما ودعنا نسأل الله أن يرحمهم قبل قليل أمواتاً قد انتقلوا إلى الحياة البرزخية ودعوا حياة الدنيا- (إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) أي يستمر به العذاب إلى يوم البعث وهذا فيه إثبات عذاب القبر وأن الكافر يُعذّب في قبره والمفرّط يعذب في قبره نسأل الله العافية. قد جاء الاستعاذة من عذاب الأرض يعذب إلى أن يُبعث كما جاء في الحديث "فلا يزال مُعذّباً فيها" أي في الأرض. ثم قال (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ) نلاحظ في هذه الآية نفي وجود الأنساب والتعارف يوم القيامة فإذا نفخ في الصور التي هي النفخة الثانية نفخة البعث كما جاء في آيات أخرى إثبات الأنساب ووجود النسب (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) عبس) اثبت أن هناك والداً وولداً وزوجة وأخاً واباً، فما الجمع بين الآيتين؟ النفي هنا ليس لنفي وجود الأنساب أصلاً وإنما المراد بها الأنساب النافعة أي من لم ينفعه عمله لم ينفعه نسبه يوم القيامة فقوله (فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ) ليس المراد به نفي النسب وإنما نفع النسب ويوم القيامة مواطن مختلفة. ثم قال الله (وَلَا يَتَسَاءلُونَ) وفي آية أخرى أثبت أن هناك من يسأل بعضهم بعضاً والجواب عما ظاهره التعارض كذلك أن يوم القيامة مواطن مختلفة فموطن يتساءلون وموطن يسأل بعضهم عن بعض (فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) أي من رجحت حسناته على سيئاته ولو بواحدة كما قال ابن عباس فأولئك هم الملفحون. هناك ميزان، ميزان يوم القيامة، هناك حسنات وسيئات، الميزان هناك يوم القيامة ليس بالأموال ولا بالأولاد ولا بالجاه ولا بالأنساب وإنما المعيار الحقيقي حسنات وسيئات توضع الحسنات في كفة وتوضع السيئات في كفة فإن ثقلت الحسنات فقد كُتِب له الفلاح وهو الفوز بالجنة والنجاة من النار (فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) قال ابن عباس أولئك الذين فازوا بما طلبوا ونجوا من شر ما منه هربوا. والصنف الثاني (وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ) أي ثقلت سيئاته على حسناته (فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ) أي خابوا وخسروا وباؤوا بالصفقة الخاسرة ولذلك قال (فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ) أي ماكثون دائمون مقيمون (تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ) اللفح هو الإصابة بالوهج والإحراق (وَهُمْ فِيهَا) أي في هذه النار (كَالِحُونَ) والكَلَح هو إنكشاف الشفتين بين الأسنان والكلوح تكشر في عبوس أي أن هيأتهم مقززة (تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ) أي تغشى وجوههم النار وكما قال في آية أخرى (لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَن ظُهُورِهِمْ (39) الأنبياء) وقد روى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري قال "تشويه النار فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سُرّته" تصوروا هذا المشهد! ثم قال (أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ) هذا توبيخ وتقريع لأهل النار على ما ارتكبوه من الآثام والكفر وانتهاك المحارم وفعل العظائم (أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ) أرسلنا لكم الرسل وأنزلنا لكم الكتب وأزلنا شُبَهكم وأقمنا الحجج قالوا جوابهم (قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ) يعني غلب الشقاء علينا، أهذا جواب مقنع ينجي من النار؟! لماذا لم تفعل؟ لماذا لم تستجب؟ (قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ) يعني نحن الآن عرفنا الحقيقة وعرفنا القضية (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا) أي من النار (فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ) وهم كاذبون في هذا. (قَالَ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (108) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا (110)) قرئت سُخرياً بالضمّ من السُخرة والتخديم يعني اتخذتموهم خَدَماً عندكم وهم يدعونكم إلى عبادة الله (سُخريا) بالضم من السخرة وقرئت سِخرياً بالكسر من السخرية والاستهزاء أي سخرتم بهم (حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ) أي حملكم بغضهم على أن نسيتم معاملتي وكنتم منهم أي من صنيعهم وعبادتهم تضحكون كما قال الله (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) المطففين) والنتيجة (إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا) على أذاكم وسخريتكم واستهزائكم (أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ) الذين فازوا برضى ربهم وجنته وأنتم الخاسرون الذين كان مآلكم النار (تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ). ثم قال الله يوبّخهم (قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112)) كم كانت إقامتكم في الدنيا؟ (قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا (113)) ثم رأوا وإذا الدنيا على طولهم ما يتصورون أنهم بقوا يوما فاستدركوا على أنفسهم فقالوا (أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) يعني هذه الدنيا التي جعلها الله مزرعة الآخرة في يوم القيامة يستكثر من في النار أنهم بقوا فيها يوماً (قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا) لا، اليوم كثير لأنه مرّ كطيف (أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) (فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ) إسأل الذين كانوا يعدّون هذه الأيام، فأجابهم الله (قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا) يوماً أو سنة أو عشرة أو مائة أو مائتين هي بالنسبة للآخرة قليلة. (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) كما قال الله (أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى (36) القيامة) أي أنما خلقناكم هملاً لا حكمة لنا بخلقكم ولا بإنزال الكتب ولا بإرسال الرسل خلقناكم هكذا! كما قال الله (وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (17) المؤمنون). (فَتَعَالَى اللَّهُ) تعالى الله أن يخلقكم عبثاً (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) أي بهيُّ الشكل -كما قلنا أنه قد وُصِفَ العرش بالكرم وبالعِظَم في الآية الماضية- فتعالى الله أن يخلق هذا الخلق ويتركهم هَمَلاً لا قيمة لهم في الدنيا وليس لهم رسالة يخلقهم كالحيوانات (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ). ثم قال الله (وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ) هذه الخاتمة لاحظوا تسلسل السورة من أولها كلها لتقرير التوحيد ختمها بقوله (وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ) (لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ) وهذه جملة معترضة وهو ليس له برهان ولا يمكن أن يأتي إنسان ببرهان بعد هذه الأدلة التي ذكرها الله ووجوب إفراد العبادة له. (فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ) الله هو الذي يحاسبه. ثم قال (إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ) لا فلاح لهم ولا نجاة حينما يحاسبهم ربهم. ثم دعا النبي أن يدعو بهذا الدعاء في خاتمة هذه السورة (وَقُل رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ) الإنسان بحاجة إلى لمغفرة والرحمة (وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ) فالغَفَر إذا أُطلِق فهو محو الذنب وستره عن الناس. والرحمة هو أن يُسدَّد الإنسان إذا قُرنت بالمغفرة هو أن يرحمه ويسدده ويوفقه في أقواله وأفعاله وأنت سبحانك خير الراحمين. ونحن نقول في ختام هذا المجلس وفي ختام تفسير هذه السورة رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. |
| #33 | |||
| |||
| درس العصر - المجلس الثاني المجلس الثاني (سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴿١﴾ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿٢﴾ الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴿٣﴾) بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. تفسير سورة النور، هذه السورة هي سورة مدنية إشتملت على جملة من الأحكام والقضايا المهمة ويصح أن نقول أنها سورة الأسرة المسلمة لما فيها من ذكر أحكام الأسرة، وقد اشتملت على جملة من الأحكام المهمة حتى قال عمر علِّموا نساءكم سورة النور. وأما مقصود هذه السورة وهدفها فهو ذكر العفاف والستر والمحافظة على هذه الأسرة. هذا هو مقصود السورة فقد اشتملت على جملة من المواضيع والأحكام التي تدور حول هذا المقصود، ولذا فلو تأملنا في مواضيع هذه السورة وجدناها قد عالجت جريمة الزنا وحذّرت منه وذلك من طريقين:الطريق الأول: العقوبة المحدّدة للزُناة وهذا بعد حصول الجريمة. الطريق الثاني: طريق الوقاية قبل حصول الجريمة ويدخل في ذلك حدّ القذف والنهي عن إشاعة الفاحشة في المؤمنين وتحريم مناكحة الزّناة والأمر بِغَضّ البصر والاستئذان في البيوت والاستئذان داخل البيوت ومعرفة أوقات العورات ووضع الثياب وغير ذلك. فهذه السورة أيها الأحبة جاءت بالطرق والوسائل التي تساعد على حفظ الفرج من إقامة الحد على الزناة والنهي عن مناكحتهم وغير ذلك مما جادت به هذه السورة كما سيأتينا. أما مكان نزولها فهي -كما قلت لكم- مدنية بإجماع أهل العلم وعدد آياتها قيل إثنان وستون وقيل ثلاث وستون وقيل أربع وستون وأربع وستون هو المشهور والموجود في المصحف الذي بين أيدينا والسبب في اختلاف هذا العدّ أن من العلماء من وصل آية (يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَال (36)) بآية (رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ (37)) فجعلها آية واحدة إذا جمعناها تصبح عدد آيات السورة ثلاث وستين يعني سقطت آية. ومنهم من زاد ذلك بوصل آية (يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (43)) بآية (يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (44)) فيكون مجموع آيات السورة اثنان وستون. هل ورد في فضلها شيء؟ لم يرد في فضلها شيء إذ لم يُنقَل عن النبي شيء ولكن لما إشتملت عليه من الأحكام أمر عمر الناس أن يعلِّموا نساءهم هذه السورة.قال الله (سُورَةٌ) السورة لغةٌ من "السؤر" بالهمز أو من "السور" أما في الاصطلاح فهي طائفة من الآيات ذات فاتحة وخاتمة. السورة هي مجموعة من الآيات تفتتح وتختم فهذه يطلق عليها سورة. قال الله (سُورَةٌ) المعنى هذه سورة، جاءت "سورة" بلفظ النكرة لتفخيم أمرها وأنها سورة عظيمة ينبغي أيها التالي لها أن تتدبر معانيها لأنها قد إشتملت على جملة كبيرة من الأحكام، فهو ينبّه القارئ حينما نكّر السورة بالاعتناء بها. (أنزَلْنَاهَا) أي أنها مُنْزَلة كسائر القرآن المُنْزَل. (وَفَرَضْنَاهَا) التعبير بالفرض في مطلع هذه السورة -كما قال بعض العلماء- يوحي أن ما فيها من آداب وأحكام محكمٌ ليس بمنسوخ مع أن بعض أهل لعلم ذكر أن بعض آياتها قد نُسِخَ كما سيأتي. لكن التعبير بالفرض يوحي بأن ما فيها من أحكام محكمٌ ليس بمنسوخ (وَفَرَضْنَاهَا) أي بيّنا الحلال والحرام والأمر والنهي فيها. (وَأَنزَلْنَا فِيهَا) أي في هذه السورة (آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ) يعني مفسِّرات واضِحات أي أنزلنا فيها آيات، ما صفة هذه الآيات؟ واضحات مفسِّرات. (لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) أي تتّعظون وتأخذون بأحكامها.ثم قال الله (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ) لماذا قُدّمت المرأة هنا على الرجل؟ جرت العادة أن يُقدّم الرجل على المرأة في الخطاب إلا في وسائل الإعلام عندما يقولون "سيداتي سادتي" هذا من باب قضية حقوق المرأة لكن جرت العادة في الخطاب الشرعي أن يقدّم الخطاب للرجال على النساء فلماذا قدّم الخطاب للنساء هنا في هذه الآية؟ فقال (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي) ما قال الزاني والزانية؟ قال العلماء لأن الزنى في حقّ النساء أشنع ولذلك مع أن الفتن في الغالب إنما تأتي من قِبَل النساء والزنى في حقهنّ أشنع، ما الحكم؟ قال (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ) هذه الآية فيها حكم الزاني والزانية وللعلماء فيه تفصيل ونزاع فإن الزاني لا يخلو إما أن يكون بِكْراً وهو الذي لم يتزوج أو مُحْصناً المحصن يدخل فيه الرجال والنساء، من هو المُحْصَن؟ هو الذي قد وطأ في نكاحٍ صحيح وهو حُرٌ بالغٌ عاقل فلو تزوج الإنسان ووطئ في نكاح صحيح وهو حرٌ بالغٌ عاقل فهو يسمى محصناً وإن طلّق كما إن المرأة إذا تزوجت تسمى محصنة وإن طُلِّقت. فهذه الآية فيها حكم الزاني غير المُحصَن هذه الآية هي تذكر حكم الزاني غير المُحصَن (فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ) كما في الآية. العلماء اتفقوا على أن هذه الآية ناسخة لآية النساء وهي آية الحبس وآية الأذى قال الله فيها (وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً (15) النساء) الذي هو الحبس (وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا (16) النساء) إتفق العلماء على أن هذه الآية ناسخة لآية الحبس ولآية الأذى المذكورة في سورة النساء واختلف العلماء في هذه الآية هل هي عامة للمحصن وغير المحصن ثم نُسِخَ المحصن منها؟ يعني أنها نزلت أولاً هذه الآية في المُحصن وغير المُحصن لكن نُسِخَ المحصن منها إما بالسنة المتواترة في الرجم الذي ثبت عن النبي أنه رجم المحصن ولم يكتفِ "واغدوا يا أنيس إلى امرأة هذا (يعني متزوجة) فإن اعترفت فارجمها" ولم يكتفٍ بالجلد. أو بالقرآن المنسوخ لفظه (والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة) هذا مذهب من أهل العلم. القول الثاني قالوا ليس في الآية نسخٌ بل قالوا هذه الآية عامة في المحصن وغير المحصن وزادت السنة الرجم للمحصن وقالوا إن الزيادة ليست بنسخ. إذ قالوا أن المحصن يُجْلَد ثم يُرجَم لكن فعل النبي يردّ هذا إذ النبي رجم ولم يجلد كما سيأتينا. القول الثالث ليس في الآية نسخ وأنها خاصة في البكر وأن الآية إنما سيقت مساق من زنا وهو بكر. وعلى كل فالمقطوع به أن عقوبة الزاني البكر جلد مائة واختلف العلماء في تغريب العام يُغرَّب عاماً فالجمهور يرون تغريبه أما أبو حنيفة فهو يرى أن أمر التغريب وهوأن يطرد من البلد الذي هو فيه سنة كاملة أو يسجن سنة كاملة يعني أن يُبعَد عن البيئة التي هو فيها، فهو يقول مرجعه إلى الإمام إن شاء غرّب وإن شاء لم يغرِّب. والقول الصحيح قول الجمهور لأنه ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي قال "والذي نفسي بيده لأقضينّ بينكما بكتاب الله، الوليدة والغنم رد، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، أُغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها" قال: فغدا عليها فاعترفت، فأمر بها رسول الله فرُجِمَت". هذا دليل على أن البكر الزاني سواء رجل أو امرأة إذا زنى وهو بِكر فإنه يُجلَد مائة جلدة ويغرَّب عن بلده أو يسجن عاماً كاملاً فالجلد من القرآن والتغريب من السُنّة والسُنّة حُجّة كما تعلمون.قال الله (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا) لماذا عبّر بالجلد دون الضرب؟ لماذا لم يقل والزانية والزاني فاضربوا كل واحد منهما مئة جلدة؟ قال العلماء السِرُّ في ذلك أن قصد الشارع في هذه العقوبة هي الإيلام وليس مجرّد الضرب وأنه لا بد أن يتألم حالَ جَلْدِه حتى يتّعظ. هل يُجمع بين الرجم والجلد للمُحصَن؟ اختلف العلماء فيه على قولين منهم من قال يُجمع بين الجلد والرجم وهم الذين يقولون أن السنة زادت على هذه الآية ويستدلّون بفعل عليّ حيث جَلَد المرأة الزانية يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة. لكن الصحيح والذي ثبتت به الأحاديث أن النبي رجم المُحصن بلا جَلْد وهو الذي استقرّ عليه الأمر. (وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ) في دين الله أي في حُكْم الله، يعني لا ترأفوا بهذا الزاني وبتلك الزانية، وليس المقصود الرأفة الطبيعية وإنما المقصود الرأفة التي تصل إلى أن يُسْقَط عنها الحدّ بحيث ترأف به حتى تسقط عنه الحدّ أما كونك ترأف بهذا الإنسان الذي يُجلَد الرأفة الطبيعية هذا أمر فطري طبيعي لكن أن ترأف به فتُسقِط حداً من حدود الله فهذا هو المنهي عنه في هذه الأية حينما الله قال (وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ). قال مجاهد الحدود إذا رُفِعت إلى السلطان فتُقام ولا تعطّل، هذا من حقوق الإنسان السويّ أن تجلد الزاني فيبقى المجتمع نقياً طاهراً. (إِن كُنتُمْ) إغراء لهم (إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) إغراء لمقيمي الحدّ أي أقيموا الحدود إن كنتم متّصفين بالإيمان بالله واليوم الآخر فافعلوا وأقيموا الحدود على من زنا وشددوا عليه الضرب. ثم قال الله (وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ) هذا فيه تنكيلٌ للزناة وتقريعٌ وتوبيخٌ وفضيحة. والطائفة هو الرجل فما فوقه وقال بعض أهل العلم الرجل إلى الألف وقال الزُهري ثلاثة نَفَرٍ فصاعداً. وفائدة حضور عقوبة الزنى فائدة للزاني ولِمَن حَضَر فهي إغلاظٌ وتوبيخٌ للزناة واتّعاظٌ وعبرةٌ لغيرهم ممن يحضرون فالحكمة من شهود العذاب هذا -لذلك الحمد لله الآن الحدود إنما تقام في وضح النهار بحمد الله- ليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين.ما الأمور التي يثبت بها الزنى؟ يقول العلماء إن الأمور التي يثبت بها الزنا سواء كان للرجل أو المرأة: Ø الإقرار فإذا أتى رجلٌ وأقرّ على نفسه بالزنا فيُقام عليه الحدّ كما فعل رسول الله في ماعِز والغامدية "يا رسول الله إني زنيتُ فطهّرني" لأن الحدود كفّارات، هذا الطريق الأول أن يُقرّ على نفسه.Ø الثاني البينة وهو أن يشهد أربع شهود وهذه نادرة في التاريخ وهذان الأمران باتفاق أهل العلم. Ø وتزيد المرأة بينة ثالثة وهي الحمل وهو مختلف فيه هل هو بينّة أم لا؟ هل إذا حملت إمرأةٌ ليست ذات زوج نحكم عليها بالزنا وإن لم تعترف وإن لم يشهد عليها أربعة؟ بعض العلماء قال لا، لأن هناك شُبهة ربما حملت غضباً عنها إلى آخره والراجح والأصل أنه يثبُت عليها جريمة الزنا وهو رأي شيخ الإسلام ابن تيمية إلا إذا أثبتت غيره وإلا الأصل أنه قرينة ودليل على فعل الفاحشة نسأل الله العافية والسلامة. ثم قال الله (الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) هذه الآية في الواقع أنها مشكلة، لماذا؟ لاحظوا معي أن الله قال (الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) السبب في إشكال الآية ما المراد بالنكاح هنا؟ هل هو النكاح بمعنى العقد والزواج؟ أو النكاح هنا بمعنى الوطء وهو فعل الزنا؟ هل هي هذه الآية لبيان حكم الزنا؟ أو للتشنيع؟ هذه المسألة إختلف فيها العلماء على قولين، يرى إبن القيم أن المراد هنا (الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً) أن المراد به النكاح، المراد به الزواج وهو العقد أي أن الزاني لا يتزوج إلا زانية. ويرى أن الرجل أُمِرَ أن يتزوج المرأة العفيفة فإن لم يفعل ذلك ولم يفعل ما أمره الله ولم يعترف بحُكْمِ الله فهو مُشرِكٌ مثلها، هذا تقدير الآية عند ابن القيم . وإن التزم وخالف ونكح ما حُرِّم عليه لم يصحّ النكاح فيكون زانياً هذا تقدير الآية. يعني ابن القيم يقول أن الزاني لا ينكح يعني لا يتزوج يعني أمر بعدم الزواج، يقول الله (الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً) يقول ابن القيم لأنه إما أن يمتثل هذا الأمر ويعترف به ويخالفه ويعلم أنه منهيٌ عن المرأة الزانية فهو زانٍ مثلها لأن العقد غير صحيح، هذا رأي ابن القيم. أو أن لا يعترف بهذا الحُكم فهو مُشرِك مثله وشنّع ابن القيم على من قال أن النكاح هنا بمعنى الوطء وضعّفه وقال هذا قول ضعيف ولا يصحّ إلا ما ذكره ابن القيم . لكن في الواقع أنا لما تأملت الآية وجدت أن ما قرّره ابن القيم يُشكِل عليه جملة من الاشكالات ولذا فإن معنى الآية -والذي يظهر والله تبارك تعالى أعلم- أن معنى النكاح هنا في هذه الآية الوطء وإن قال بعض العلماء إن الوطء لا يُعرَف النكاح في القرآن بمعنى الوطء أبداً وإن كل ما ورد النكاح في القرآن فهو بمعنى العقد نردّ عليهم بقوله (حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ (230) البقرة) فإن المراد قطعاً هنا في هذه الآية الوطء أم عقد الزواج؟ الوطء. فهو موجود في القرآن بالتالي فترجيحنا أن الزاني لا يطأ إلا زانية أو مشركة متّسِق ووارد في القرآن كذلك، وهذا هو رأي ابن عطية ورأي الطبري إمام المفسرين. يقول ابن عطية إن معنى الآية يكون: الزاني لا يطأ في وقت زناه إلا زانية من المسلمين أو من هي أخسّ منها من المشركات، يقول هذا المعنى. يقول ابن عطية أن المراد بالنكاح هنا الوطء وأن المراد "الزاني لا يطأ في وقت زناه إلا زانية من المسلمين أو من هي أخسّ منها من المشركات" ومن أدلّتهم كذلك أن المؤمن لا يجوز له أن يتزوج المشرِكة بالإجماع وبالتالي فمعنى الآية "الزاني لا يطأ إلا زانية أو مشركة" أي زانية مثله من المسلمين أو أخسّ منها امرأة من المشركات والزانية لا يطؤها إلا زانٍ من المسلمين أو أخسّ منه من المشركين. ثم قال الله (وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) الإشارة بـ(ذلك) إلى ماذا المحرّم؟ على قول ما رجحه ابن عطية ابن جرير (وحرم ذلك) أي الزنا وعلى قول ابن القيم الذي يقول أن النكاح بمعنى العقد أي "وحُرِّم الزواج على المؤمنين". فتكون الآية هي بيان الواقع والحال ولم تتعرض للزواج وهذا هو رأي ابن عباس فإنه قال النكاح هنا في هذه الآية بمعنى الجماع، فتكون الآية هي تحكي الواقع حال الزنا ولم تتعرض لحكم الزواج من الزانية أو من العفيفة وإنما هذا قد دلّت عليها آيات أخرى كما قال (مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ (25) النساء). ثم قال الله (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا (5)) المناسبة أن الله لما بيّن حدّ الزنا وشنّع على فاعله بيّن حكم من يقذفون الأبرياء بالزنا بدون دليل. (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ) ما هي المحصنات؟ لفظ الإحصان هنا يختلف، الإحصان المراد في حدّ الزنا يختلف عن الإحصان في حدّ القذف، الإحصان في الزنا من وطئ في نكاح صحيح وهو حرٌ عاقلٌ بالغ أما الإحصان في القذف فهو المرأة العفيفة أو الرجل العفيف ليس المقصود بالمحصن هنا الذي سبق أن تزوج فيجوز أن يقذف الإنسان البِكْر. نقول الإحصان في حدّ الزنا يختلف معناه عن الإحصان في حدّ القذف فالإحصان في حدّ الزنا معناه الوطء في نكاح صحيح وهو حرٌ بالغٌ عاقل، أما الإحصان في حد القذف (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ) ليس معناها المتزوجين والمتزوجات وإنما المقصود العفائف. (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ) والذين يرمون المحصنين؟ هل فقط هذا الحكم خاصٌ بالنساء أو يشمل الرجال أيضاً؟ قوله المحصنات، من العلماء من قال أن المراد (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ) تقدير الأنفس المحصنات فيدخل فيه الرجال والنساء. قال الله (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ) لماذا ذُكِرَ هنا الوصف ولم يذكر وصفاً آخر؟ بمعنى لم يقل والذين يرمون المسلمين أو الذين يرمون المسلمات أو الرجل أو النساء لماذا ذُكِرَ وصف الإحصان؟ قال العلماء ذكر المحصنات بالوصف هنا لفائدة وهو أن هذا الحدّ للمحصَن أما من اشتهرت بالزنى كالبغايا فليس على قاذفها حدّ إنما جُعِلَ هذا هو الحدّ للمرأة العفيفة أما المرأة البغيّ التي اشتهرت بالزنا وعُرِفَت به فهل على قاذفها حدّ؟ ليس على قاذفها حدّ. قال الله (فَاجْلِدُوهُمْ) إذا ما أتوا بأربعة شهداء إجلدوهم ثمانين جلدة، لماذا شدد الله أمر القذف؟ رحمة بالعباد لأن هذا يتسق مع الحفاظ على الأسرة المسلمة كما سيأتينا (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) إذا كان الناس في مجالسهم يقولون فلانة زنت وفلان زنى هذا مما يقلل هيبة لفظة الزنى عند الناس، فجاؤوا إلى هذا السياج العظيم يعني إذا قلت فلان أو فلانة زنت فيلزمك أن تأتي بأربعة شهداء! إذا لم تأتي وهذا نادر أن تأتي بأربعة شهداء فالعقوبة (وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) ثلاثة أحكام – أول شيء الجلد كم؟ ثمانين، وعدم قبول شهادتهم، والحكم بفسقهم. ثم قال الله (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا) إختلف العلماء في هذا الإستثناء على ماذا يقع؟ هل يعود إلى الجملة الأخيرة وهي نفي الفِسْق؟ أم يعود إلى الجملة الأخيرة والتي قبلها وهي ردّ الشهادة؟ إختلف فيه العلماء على قولين: Ø أما الجلد فقد جُلِد وانتهى، أقيم وأنتهى كفارة له وردعاً لأمثاله. بعض العلماء قال إن الاستثناء يعود إلى نفي الفِسق عنه وإلا يصبح مردود الشهادة إلى أن يموت، هذا القول الأول. Ø والقول الثاني قالوا إن الإستثناء يعود على الجملتين فإذا تاب فإنه يرتفع عنه اسم الفسق وتُقبل شهادته وهذا هو الراجح من أقوال أهل العلم. (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء) الشهادء هؤلاء رجال أو نساء؟ رجال، ما الدليل على أنهم رجال؟ في الآية الدليل، الدليل هو قاعدة العدد أن المعدود يختلف عن العدد تذكيراً وتأنيثاً، الآن (أربعة) مؤنث أم مذكر؟ مؤنث، فشهداء الآن دل على أنهم رجال ذكور إذن أربعة شهداء، قاعدة العدد تثبت على أن الشهادة المرادة في هذه الاية هى شهادة الرجال وهو قول جمهور أهل العلم خلافاً لابن حزم الذي يجيز شهادة النساء. ألفاظ القذف ثلاثة: التصريح فإذا قال رجل يا زاني فهذا يوجِب الحدّ إذ قد صرّح برميه بالزنا. الثاني: الكناية كأن يقول يا خبيث يا فاسق والثالث: التعريض أمي ليست بزانية أختي ليست بزانية أو زوجتي ليست بزانية وهو يكلّم شخصاً آخر، ماذا يفعل؟ مفهوم المخالفة يقول أمي ليست بزانية يعني أمك ماذا؟ ألفاظ القذف هي التصريح – الكناية - التعريض. التصريح بلا خلاف بين أهل العلم على أنه يوجِب الحدّ أما الكناية والتعريض فهاتان لا يُحَدّ فيهما من قالها إلا إذا وجدت قرينة تدل على أنه أراد القذف بمعنى أنه لا يجب الحد إلا في العبارة الصريحة فإذا عرّض أو كنّى فلا نوجِب عليه حدّ القذف إلا إذا كان عندنا قرائن تدل على أنه أراد القذف حقيقة. وبهذه الآية نكون قد انتهينا بحمد الله من هذا المجلس وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. |
| #34 | |||
| |||
| درس المغرب - المجلس الأول درس المغرب الدرس 90: تفسير سورة النور من آية 11 حتى آية 27 الملقي: د. أحمد بن محمد البريدي موعدها: 6:13:00 م 1432/11/08 هـ المجلس الأول (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿١١﴾ لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ ﴿١٢﴾ لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ ﴿١٣﴾ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿١٤﴾) بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. يقول الله (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (7)) إلى آخر الآيات هذه الآيات فرجٌ من الله وزيادة مخرجٍ للأزواج إذا قذف أحدهم زوجته وتعسّر عليه إقامة البينة أن يلاعنها كما أمر الله وتسمى آيات اللِّعان. ومناسبتها لما قبلها أن الله لما ذكر القذف الحاصِل بين الناس فيما بينهم في المجتمع المسلم ذكر ما هو أخصّ من ذلك وهو القذف الحاصل في الأُسرة الواحدة بين الزوجين. وسبب نزول هذه الآية كما جاء في الصحيح عن ابن عباس أنه لما نزلت (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4)) قال سعد بن عبادة – وهو سيد الأنصار – هكذا نزلت يا رسول الله؟ فقال رسول الله : يا معشر الأنصار ألا تسمعون إلى ما يقول سيدكم؟ قالوا: يا رسول الله لا تلُمه فإنه رجلٌ غيور، والله ما تزوج امرأة قطّ إلا بِكراً، وما طلّق امرأة له قطّ فاجترأ رجلٌ منا على أن يتزوجها من شدة غيرته. فقال سعد: والله يا رسول الله إني لأعلم أنها حقّ وأنها من الله، ولكني قد تعجبت أني لو وجدت لكاعاً (زوجته) تفخّذها رجلٌ لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركه حتى آتي بأربعة شهداء، فوالله لا آتي بهم حتى يقضي حاجته. قال: فما لبثوا إلا يسيراً حتى جاء هلال بن أمية – وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم – فجاء من أرضه عشاءً فرأى عند أهله رجلاً فرأى بعينيه وسمع بأذنيه فلم يهيّجه حتى أصبح فغدا على رسول الله فقال: يا رسول الله إني جئت أهلي عشاء فوجدت عندها رجلاً فرأيت بعينيّ وسمعت بأذني، فكَرِهَ رسول الله ما جاء به واشتدّ عليه واجتمعت الأنصار فقالوا: قد ابتُلينا بما قال سعد بن عبادة، الآن يضرب رسول الله هلالَ بن أمية ويُبطِل شهادته في المسلمين، فقال هلال: والله إني لأرجو أن يجعل الله لي منها مخرجاً، فقال هلال: يا رسول الله إني قد أرى ما اشتدّ عليك مما جئت به والله يعلم إني لصادق، والله إن رسول الله يريد أن يأمر بضربه إذ نزل على رسول الله الوحي، وكان إذا نزل عليه الوحي عرفوا ذلك في تربُّد جلده – يعني فأمسكوا عنه حتى فرغ من الوحي – فنزلت (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (7)) الآية، فسُرّيَ عن رسول الله فقال: أبشِر يا هلال فقد جعل الله لك فرجاً ومخرجاً. فقال هلال: قد كنت أرجو ذلك من ربي. فقال رسول الله : أرسلوا إليها (أي زوجة هلال)، فأرسلوا إليها فجاءت فتلاها رسول الله عليهما وذكّرهما وأخبرهما أن عذاب الآخرة أشدّ من عذاب الدنيا، فقال هلال: والله يا رسول الله لقد صدقت عليها. فقالت: كَذَب. فقال رسول الله : لاعنوا بينهما. فقيل لهلال: إشهد، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، فلما كان في الخامسة قيل: يا هلال اتقِ الله فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة فإن هذه هي الموجِبة التي توجب عليك العذاب، فقال والله لا يعذّبني الله عليها كما لم يجلدني عليها، فشهِد في الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم قيل لها: إشهدي أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين. فلما كانت الخامسة قيل لها: اتقي الله فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة وإن هذه هي الموجِبة التي توجب عليك العذاب، فتلكّأت ساعة ثم قالت: والله لا أفضح قومي فشهِدَت في الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. ففرّق رسول الله بينهما وقضى أن لا يُدعى ولدها لأبّ ولا ترمى هي به ولا يرمى ولدها، ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحدّ، وقضى أن لا بيتَ لها عليه ولا قوتَ من أجل أنهما يفترقان من غير طلاق ولا متوفّى عنها. وقال الذي لا ينطق عن الهوى: إن جاءت به أصيهب أريسح حمشَ الساقين فهو لهلال، وإن جاءت به أورَق جعداً جمالياً خدْلَج الساقين سابِغ الإليتين فهو للذي رُميت به. فجاءت به يعني أورق جعداً جمالياً خدلج الساقين سابغ الإليتين (أي أشباهه كأشباه الرجل الذي رُميت به بمعنى أنه قد وجب عليها الزنا). فقال رسول الله : لولا الأيمان (اي التي حلفتها عندي) لكان لي ولها شأن (بمعنى أنه قد درأ عنها العذاب تلك الشهادات مع أنه قد تبين زناها فيما بعد). ولهذا الحديث شواهد أوردته بكامله لأنه قد ورد في الصحيح أن القصة لعويمر العجلاني والذي جاء عن النبي أنه قال أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الإليتين خدلج فهو لشريك بن سحماء وشريك بن سحماء هو الذي وطيء المرأة فهل سبب نزول هذه الآية هلال بن أمية أو سبب نزولها عويمر؟ وأنتم تذكرون أننا قررنا عندما شرحنا مقدمة التفسير صيغ أسباب النزول وتكلمنا عن الصريح وغير الصريح وجدنا أن هذه الأسباب كلها صريحة في أنها سبب نزول هذه الآية سواء كانت لعويمر العجلاني أو لهلال بن أمية رضي الله عن الجميع. ومن هنا افترق العلماء حيال هذه الروايات على طائفيتن: الطائفة الأولى حملتها على تعدد السبب بحيث أنها وقعت لهلال ثم وقعت لعويمر فنزلت الآيات علاجاً لكلا القصتين وأنت تعلمون أن تعدد السبب لا يصح إلا إذا تقارب الزمان. الطائفة الثانية قالت إن الآية لأحدهما إما لهلال أو لعويمر والآخر أخذ حكمها بحيث أنه قد نُفِّذ فيه الحكم ولم يكن سبباً للنزول، لاعن كما لاعن صاحب سبب النزول الطائفة الثالة من أهل العلم من رأى أنها قصة واحدة لعويمر وأن السبب لعويمر وذكر هلال فيها خطأ في الرواية ويستدلون على ذلك أن أشباه الولد الذي ذكره النبي في قصة عويمر وفي قصة هلال متشابهة وهذا لعله هو الأقرب والأليق بمجتمع الصحابة . إذن هذه الآيات هي آيات الملاعنة، طريقة الملاعنة -نسأل الله العافية والسلامة- أن يقول أشهد بالله -لا بد أن يقول أشهد لأن الله سماها شهادات- أشهد بالله أن زوجتي زنت يكررها أربعاً والخامسة يقول لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به من الزنا، إذا شهد هذه الشهادات الأربعة والخامسة فإن الحدّ قد وجب عليها ولا بد أن تُرجم. وحتى ترفع عنها الحدّ لا بد أن تشهد هي أربع شهادات بالله والخامسة أن غضب الله عليها ولذلك قال الله (وَيَدْرَأُ عنْهَا الْعَذَابَ) أي الحدّ ومعنى العذاب أي الحدّ وإلا قد وجب عليها الحدّ بمجرد لعان الزوج والله جعل هذه الشهادات الأربع بمقام الشهود الأربعة وهنا وجب عليها الحدّ فلا يدرأ عنها إن سكتت رُجِمَت وإن شهِدَت فتشهد أربع شهادات وتقول أشهدُ بالله أنه كاذب فيما رماني به والخامسة تقول أن غضب الله عليّ إن كنت من الكاذبين وإن كانت المرأة حاملاً فللزوج أن ينفي الولد ويقول أشهد بالله أن ما في بطنها ليس مني –نسأل الله العافية والسلامة- وبالتالي لا ينسب له هذا الولد بل يُنسَب لأمه. لماذا في شهادات الرجل قال (وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) أما في شهادات المرأة فقال (وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ) لماذا خُصّ الزوج باللعن بينما خُصّت المرأة بالغضب؟ قال العلماء خُصّت المرأة بالغضب إما لأن اللعن جارٍ على ألسنة النساء فلا يعبأن به يلاحظ على كثير من النساء هداهن الله أن اللعن جار على ألسنتهن وبالتالي إذا لاعنت وكانت تكرره كثيراً ليس له هيبة في قلبها. وقال ابن كثير بل إنها خُصّت بالغضب لأن هذا صفة من علِمَ الحقّ ثم جحده لأنها هي تعلم حقيقة إن كانت زانية أو غير زانية فهي صفة الغضب صفة من علم الحق وجحده كما أن اليهود يوصفون بالمغضوب عليهم لماذا؟ لأنهم علموا الحق وجحدوه فكذلك هذه المرأة هي تعلم حقيقة الأمر فإن لاعنت فمعناه أنها علمت الحق وجحدت. ثم ذكر الله في هذه الآيات أن هذا من لطفه وفضله ورحمته وأن هذا فرج للأزواج لأن الزوج إذا رأى ما يكره في بيته إن سكت احترق جوفه وإن تكلم حُدّ بالقذف فجعل الله هذا اللعان له مخرجاً وفرجاً ولذلك قال بعدها (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ) أي لولا فضل الله عليكم لحرجتم ولشقّ عليكم كثير من أموركم. (وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ) على عباده أي وإن كان بعد الحلف والأيمان المغلّظة، (حَكيمٌ) فيما يشرعه ويأمر به وينهى عنه. ومعنى (تَوَّابٌ حَكِيمٌ) أي يقبل توبة التائب وحكيم في تشريع هذه الحدود، هذا ما يتعلق بآيات اللِّعان. ثم بعد ذلك بدأ الله بذكر حادثة الإفك وهي قصة عائشة رضي الله عنها الطاهرة المطهّرة الصدّيقة بنت الصديق. وهذه القصة هي متعلقة ببيت النبوة تصوروا ونحن نتكلم أنا أقطع وأنا أتكلم بكلام بتفسير الآيات السابقة المتعلقة بالزنا والقذف والملاعنة النفوس تقشعر لأن هذا ليس بالأمر الهيّن، فما بالكم إذا كان هذا الأمر في بيت النبوة؟! في بيت محمد ، إن هذا لهو قمة الابتلاء! إنك لا تتصور رجلاً ذا جاه، ذا منصب أن ينتشر في الناس وعند الناس حديثٌ عن زوجته فما بالكم بصاحب الرسالة ؟! ما بالكم بالنبي أن يُرمى في أهله؟! ولا شك إنها لن تؤثر على نفس النبي فحسب بل إنها ستؤثر على دعوته وعلى أتباعه فإن الطيبات للطيبين. هذه الواقعة حصلت في بيت النبي ، وعانى النبي منها شهراً كاملاً، ثلاثون يوماً وهو لا يعلم حقيقة الأمر وهذا يدُلّ على بشريته ويدلُّ على أن القرآن من الله إذ لو كان النبي يفتريه كما يدّعي من يدّعي لافتراه من أول يوم وطهّر بيته وارتاح من هذه القضية. والقصة بخلاصة أن النبي كان في بعض أسفاره وكان إذا أراد أن يخرج أقرع بين نسائه فخرجت معه عائشة تقول عائشة: وخرجت مع رسول الله وذلك بعدما أُنزِل الحجاب (أي آيات الحجاب التي في سورة الأحزاب) وأنا أُحمَل في هودجي -وكانت عائشة خفيفة الحِمل- تقوم فقمت حين آذن بالرحيل فذهبت لتقضي حاجتها فلما رجعت فقدت قلادة لها فذهبت تبحث عنها وكانت صغيرة خفيفة اللحم فأتى المكلّفون بحمل عائشة وهودجها فحملوه ولم يشعروا لخفة عائشة . تقول فأتيت فإذا القوم قد رحلوا فجلست مكاني وغلبت عيني فنِمْت وكان صفوان بن المُعَطِّل السُلَمي وراء الجيش فلما أصبح وأتى فعرفني حين رآني و قد كان رآني قبل أن يضرب الحجاب أي يضرب عليّ الحجاب فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني تقول فخمّرت وجهي بجلبابي -وهذا يدل أن تغطية الوجه هو المراد بالحجاب-. تقول عائشة – انظروا سياق القصة- والله ما كلّمني بكلمة ولا سمعت منه كلمة إلا استرجاعه حين عرفني أي أنه قال إنا لله وإنا إليه راجعون. زوجة النبي علِمَ أنه مبتلى إذ لا يحق له أن يتركها وإذا حملها وقدم ماذا يقول الناس عنه؟ فانطلق يقودها فأتى بها في رابِعة النهار. تقول عائشة حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا موغرون في نحر الظهيرة يعني في رابعة النهار الظهر، والذي يفعل الفاحشة هل يأتي في رابعة النهار أو يأتي خلسةً ليلاً حتى لا يُشعر به؟! لكن ما بال المنافقين، هم الذين يتصيدون، فوجدوا في هذه القصة فرصةً للطعن في نبوة النبي . تقول عائشة: فهلك من هلك في شأني وكان الذي تولى كبره عبد الله بن أبيّ بن سلول فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمنا المدينة شهرا والناس يفيضون في قول أهل الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك - من فضل الله على عائشة أنها مرضت فلم تخرج وتسمع من الناس – شهراً كاملاً وكان النبي يأتي عائشة لكن يأتيها وقد سمع هذا القول الثقيل فكان يقول كيف تيكم؟ تقول فذلك الذي يريبني ولا أشعر بالشرّ فإن النبي لم يكن يقول فقط هذه الكلمة فإنه كان هو القائل خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي فخرجت مع أم مسطح فأخبرتها بما حصل فعائشة رضي الله تعالى عنها علمت فقالت فازددت مرضاً إلى مرضي إلى أن النبي بدأ يسأل أصحابه فاستشار علي وسأل حتى زوجاته سأل ضريرتها التي كانت تساميها في المنزلة زينب بنت جحش سالها ما رأيك بعائشة قالت أحمي سمعي وبصري والله ما رأيت إلا خيراً- كانت فرصة للضرائر أن تدخل – فقالت يا رسول الله أحمي سمعي وبصري فلا أقول إلا خيراً والنبي يعاني والمشركون يتكلمون ويلوكون في مجالسهم تصوروا أن يكون عالماً من العلماء أو أميراً من الأمراء أو رئيس دولة يبلى بهذا البلاء الناس يتلقفون عن المشاهير والمعروفين نسأل الله العافية فالناس يتكلمون. وقام النبي وخطب وقال ما علمت والله في أهلي إلا خيراً ثم تنازع الأنصار إلى بقية القصة والشاهد أن النبي أتى إلى عائشة –هنا أتى المحكّ- فقال لها أما بعد يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، ما أتاها من أول ما سمع حتى سأل الزوجات وسأل الأقارب وسأل الجيران وسأل الخادمة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه " قالت فلما قضى رسول الله مقالته، قلُص دمعي حتى ما أحس منه قطرة -الآن واجهها النبي بالحقيقة- فقلت لأبي: أجِب عني رسول الله فيما قال. فقال: والله! ما أدري ما أقول لرسول الله . فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله . فقالت: والله ! ما أدري ما أقول لرسول الله . فقلت، وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيراً من القرآن: إني والله لقد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا حتى استقر في نفوسكم وصدقتم به. فإن قلت لكم إني بريئة والله يعلم أني بريئة لا تصدقوني بذلك. ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني بريئة لتصدقونني. وإني والله ما أجد لي ولكم مثلاً إلا كما قال أبو يوسف – يقولون من شدة الموقف نست اسمه-: فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون. تقول عائشة ثم تحوّلت فاضطجعت على فراشي. قالت وأنا والله حينئذ أعلم أني بريئة وأن الله مبرئي ببراءتي ولكن، والله ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي يتلى ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله فيّ بأمر يتلى. ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله في النوم رؤيا –ورؤيا الأنبياء حق- يبرئني الله بها. قالت: فوالله ما رام رسول الله مجلسه، ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل الله على نبيه قالت، فلما سُرّيَ عن رسول الله وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال" أبشري يا عائشة! أما الله فقد برأك" فأنزل الله : (إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (24) النور) عشر آيات. وطويت هذه الصفحة بآيات عشرٍ ببراءة عائشة تتلى إلى يوم القيامة فأين هؤلاء الروافض الذين يقعون في عائشة رضي الله عنها ويطعنون في عرضها وقد نزل فيها ما نزل جازاهم الله بما يسحقون ولذلك قال العلماء أجمعوا على كفر من رمى عائشة بالزنا أجمعوا على كفره لماذا؟ لأنه مكذِّب للقرآن. وفي بقية أزواج النبي قولان لأهل العلم: منهم من ألحقها بعائشة ومنهم من جعلها خاصة والصحيح أنهنّ كعائشة كما قرر ذلك ابن كثير . لعل قائلاً يقول تقول عائشة أنزل آيات عشر في براءتي ونحن إذا قرأنا سورة النور وجدنا أن القصة التي تتحدث عن حادثة الإفك ستة عشر آية فما الجمع؟ قال ابن عطية في الجواب عن هذا الإشكال الآيات التي نزلت في عائشة وما اتصل بذلك من أمر الإفك 16 آية من الآية الحادية عشر إلى السادسة والعشرين فكأن عائشة عدّت الآيات التي اختصت بها وهي عشر آيات والتي أنزلت مباشرة في براءتها مما رميت به. ثم قال أبو بكر لا أنفق على مسطح ابن خالته وكان ينفق عليه فأنزل الله (أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) بقية الآيات. الآيات التي نزلت في حادثة الإفك ستة عشر آية وقول عائشة عشر آيات تقصد ما اختصت هي بها أي التي تحدثت عن براءتها. نعود بعد سرد هذه القصة إلى تفسير الآيات وقد اختلف قبل ذلك المؤرخون في تاريخ هذه الغزوة فقيل سنة ست وقيل خمس وقيل أربع وهو الراجح وفائدة تحديد تاريخ هذه الغزوة كما سيأتيكم في سورة الأحزاب عند الحديث عن الحجاب ونصّت عائشة (وكان يعرفني قبل أن تنزل آيات الحجاب) معنى أن آية الحجاب نزلت متقدمة. قال الله (إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ) الإفك هو قلب الأحوال عن حالها بالأقوال وصرفها عن جهة الصواب وبذلك شُبِّه الكذب كما قال ابن عطية أي بالكذب والبهت والافتراء. (عصبة) أي جماعة وهم ما بين العشرة إلى الأربعين. (منكم) أي من المخاطبين (لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم) الله أكبر هذه البشارة! قضية كبرى أشغلت الرأي العام شهراً يقول الله (لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ) أي في الدنيا والآخرة، لسان صدق في الدنيا ورفعة منازل في الآخرة وإظهار شرف لهم باعتناء الله بعائشة أم المؤمنين حيث برّأها من فوق سبع سموات. ولهذا لما دخل عليها ابن عباس وهي في سياق الموت في اللحظات الحرجة ما الذي كان يريد أن يرجّي عائشة به؟ فقال أبشري يا عائشة فإنك زوجة رسول الله وكان يحبك ولم يتزوج بكراً غيرك –هذه كلها مقدمات- ونزلت براءتك من السماء. قال الله (لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم) أي من هؤلاء الذين تكلموا في هذه القصة ورموا أم المؤمنين عائشة بشيء من الفاحشة (لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ) أي نصيب عظيم من العذاب و(اكتسب) مستعملة في الشر والمآثم لأنها تدل على اعتمال وقصد كما أن كسب تستعمل في الخير وقد تستعمل كسب في الأمرين أما اكتسب فإنها تستعمل في الشر. (وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ) قال المفسرون الضمير في كبره يعود إلى ماذا؟ معناه الذي تولى كبره أي الذي ابتدأ به أي الذي تكلم به بداية وقيل الذي كان يجمعه ويستوشيه لأن الواحد قد يتكلم بالكلمة ويلقيها ويتلقفها أصحاب الأقاويل وأصحاب الإذاعات فينشرونها بين الناس. أيهما أصحّ الذي ابتدأ به أو الذي أشاعه؟ كِلا الأمرين، من بدأ به له عذاب عظيم ومن تكلّم به وأشاعه له عذاب عظيم أي على ذلك. وأكثر أهل العلم على أن المراد بذلك هو عبد الله بن أبي بن سلول المنافق. وقال بعض أهل العلم إن الذي تولى كبره المراد به حسان بن ثابت شاعر رسول الله لكن علّق عليه ابن كثير بقوله "وهو قول غريب" يقولو لولا أنه وقع ذكره في صحيح البخاري ما يدل على ذلك لما كان للإيراده كبير فائدة فإنه من الصحابة الذين كان لهم فضائل ومناقب. وقد ورد في البخاري أن عائشة رضي الله قالت: وأيّ عذاب أشد من العمى؟ تقصد حسان بن ثابت. لكن أكثر أهل العلم يرون أن الذي تولى كبره هو عبد الله وإيراد حسان قول غريب. وقد حدّ النبي -لأنه قذف وليس قذفاً عادياً- حدّ النبي حسان وحمنة بنت جحش ومسطح كفّارة لهم ولم يُذكَر أنه قد حدّ عبد الله بن أبي. فقال بعض العلماء السبب في عدم حدّ عبد الله وأنه هو الذي تولى كبره أنه من المنافقين وأن الحدود كفارات ولا يمكن أن يكفّر النفاق، ما رأيكم بهذا الكلام، صحيح؟ أنا أقول ضعيف لأن المنافق تجري عليه أحكام الإسلام هو يبطن النفاق وإلا لماذا سمي منافقاً؟ لأنه يبطن النفاق ويُظهر الإسلام فتجري عليه أحكام الإسلام. لكن العلماء قالوا إن عبد الله بن ابي كان رجلاً ذكيا فلم يقذف صراحة لم يقذف القذف الذي يوجِب الحدّ لذلك وصفه القرآن (وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ) لكنه لم يقذف صراحة كان يجمعه ويستوشيه دون أن يتكلّم به وقد نصّ على ذلك عروة بن الزبير يقول كان عبد الله بن أبي ذكياً هو رمى هذا السهم فتلقفه أصحاب الأقاويل وتكلموا به لكنه هو يعلم أنه لا يستطيع أن يتكلم صراحة، يعلم أن حقيقة الأمر كذب وبهتان وبالتالي فهو لم يتكلم به صراحة. وهذا لعله الأقرب وإلا لو تكلم وقذف عبد الله بن أبي لحُدّ كما غيره ولذلك جاء لفظ القرآن بقوله (وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ) ولم يقل قذفه يعني جمعه واستوشاه وأشار به لكنه لم يقذف صراحة وقد يكون هذا أخطر ممن يقذف صراحة.بهذه الآية نكون قد انتهينا من هذا المجلس ونستأنف إن شاء الله تعالى في المجلس القادم عند قوله (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ) وصلى الله وسلم على نبينا محمد. |
| #35 | |||
| |||
| درس المغرب - المجلس الثاني المجلس الثاني (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ ﴿١٥﴾ وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ﴿١٦﴾ يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿١٧﴾ وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿١٨﴾) بسم الله والصلاة والسلام على روسل الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. يقول الله بعدما ذكر براءة عائشة رضي الله عنها مما رُميت به من الزنى (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ) سمعتم خبر قذف عائشة هذا توجيه وتأديب من الله للمؤمنين الذين وقعوا في عِرْض النبي حين أفاض بعضهم وتكلّم بهذا الكلام السوء (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً) في (أنفسهم) قال العلماء في تفسيرها بأنفسهم حقيقة أي قاسوا ذلك الكلام على أنفسهم ظنّوا بأنفسهم أي فكما أنه لا يليق بهم فأمّ المؤمنين لا يليق بها أن تفعل من باب أولى، وقد فعل ذلك أبو أيوب الأنصاري وامرأته فقد جاء عند الإمام محمد ابن إسحاق أن أبا أيوب قالت له امرأته أم أيوب: يا أبا أيوب أما تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ معناه أن الحديث انتشر حتى تكلم الناس به فى بيوتهم، قال نعم، وذلك الكذب، مباشرة حتى لم يجعل لنفسه مجالاً لأن الشيء يا إخوانى يُقال إكذب إكذب حتى يصدّقك الناس فهو نفى مباشرة قال وذلك الكذب. ثم سأل أم أيوب قال أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ يعني هل يا أم أيوب أنت تفعلين الزنى؟ قالت لا، والله ما كنت لأفعله، قال فعائشة خيرٌ منك.انظر هذا البيت الذى رُبي! قال عائشة خير منك قال فعائشة والله خير منك. وهذا هو اللائق يا إخواني أن يقول أن هذه الآية نزلت في أبي أيوب يعني لما سمعت هذا الخبر عن عائشة وأنا أقول هذا تأديب للمؤمنين عامة جاءك خبر عن فلان من الناس قِس ذلك على نفسك أيليق هذا بك وبأهل بيتك؟ كما قالت أم أيوب لا، استنكرت كيف أنا أفعل! صعب، قال والله عائشة خير منك. وقال بعض العلماء عبّر بالنفس هنا عن الإخوان أي ظنّ المؤمنين والمؤمنات بإخوانهم خيراً فجعلهم بمنزلة النفس الواحدة من أخوتهم أي ظنوا بإخوانكم خيراً كما قال الله تعالى (اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ (54) البقرة) أي يقتل بعضكم بعضاً أيهم أرجح؟ كِلا الأمرين، أن تظن في نفسك وأن تظن ذلك بإخوانك، هذا أدب. وقالوا ما يكفي أن تظن في نفسك ما يكفي أن يكون ذلك في قلبك فقط لا بد أن تتكلم وتنافح وتدافع (وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ) إفك فقط لا، (ِإفْكٌ مُّبِينٌ) يعني واضح الإفك واضح الكذب، هل يليق ببيت النبوة هل يليق بالصدّيقة بنت الصديق؟! لا يكفي أن تظن أن تقول والله ما أتوقع هذا بل لا بد أن تكذِّب الخبر (ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ) ظنّ المؤمنون يعني هلّا ظنّ المؤمنون. (هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ) لماذا إفك مبين؟ لو تأملنا القصة التى ذكرت لكم قبل قليل فإن رمي عائشة هو من صنيع المنافقين وإلا فمجيء أم المؤمنين راكبة جهراً على راحلة صفوان فى وقت الظهيرة والجيش بكامله يشاهدون ذلك ورسول الله بين أظهرهم هل هذا فعل الزانية؟! حاشاها. إلا كانوا تأخروا حتى يدخلون ليلاً ولا يدري بهم أحد. ولذلك قال (وَقَالُوا) أي بألسنتهم وأسمَعوا من حولهم (هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ). ثم قال الله (لَوْلَا) أي هلّا (جَاؤُوا عَلَيْهِ) أي جاؤوا على ما قالوا برمي عائشة بالزنى (بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء) يشهدون على صحة ما جاؤوا به. إن كان هذا في المسلمين فيما بينهم ففي عائشة رضى الله عنها أولى وفي بيت النبوة أولى وأحرى (فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء) ولن يأتوا بالشهداء لأنه لا حقيقة له (فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ) أي في حكم الله كاذبون فاجرون مفترون. ثم قال الله (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) أيها الخائضون فى شأن عائشة لولا فضل الله عليكم بأن قُبلت توبتكم وإنابتكم إليه في الدنيا وعفا عنكم لإيمانكم وهذا الحديث فيمن حُدّ (لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُم فِيهِ) من قضية الإفك وما تحدّثتم به (عَذَابٌ عَظِيمٌ) هنا مبهم لكنه أشد مما حصل للقاذف من عقوبة الدنيا من الجلد والتوبيخ. يقول ابن كثير عند هذه الآية -وهذا فيمن عنده إيمان يقبل الله بسببه التوبة كمسطح وحسان وحمنة- فأما من خاض فيه من المنافقين كعبد الله بن أُبي وأضرابه فليس أولئك مرادين في هذه الآية لأنه ليس عندهم من الإيمان والعمل الصالح ما يُعادل هذا ولا ما يعارضه. ثم ذكر قاعدة جميلة ابن كثير قال: وهكذا شأن ما يرد من الوعيد على فعلٍ معين يكون مطلقاً مشروطاً بعدم التوبة أو ما يقابله من عمل صالح يوازنه أو يرجح عليه. ثم قال الله (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ) تلقّون ماذا؟ حادثة الإفك خبر الإفك قصة الإفك أي يرويه بعضكم عن بعض هكذا تقولونه بألسنتكم ليس عن علم ليس عن مشاهدة يرويه بعض عن بعض سمعت فلان عن فلان عن فلان يقول عائشة فعلت كذا وكذا تقول من قال؟ قال سمعته من فلان وفلان، وهذه سمعته عن فلان هذه من أوهى الأحاديث وأضعفها. (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم) القول لا يمكن أن يكون بغير الأفواه فلماذا قيّده الله هنا بالأفواه مع أنه لا يكون إلا بالأفواه؟ يقول العلماء لبيان أن هذا الإتهام ليس له أساس وواقع وإنما هو كلام يدور في الأفواه فقط. أُنظروا الآيات كيف برئت عائشة ويأتي هؤلاء الروافض قبّحهم الله الصمّ البكم يرمونها رضي الله عنها! الروافض الذين وصفهم أحد السلف بقوله أنهم لو كانوا طيوراً لكانوا رَخَماً ولو كانوا دواباً لكانوا حميراً أخس الحيوانات ولا يُعرَف عن قوم أحلّوا الكذب سواهم، يبرئها الله من فوق سبع سموات ويرمونها؟! انظروا كيف قرر القرآن براءتها يقول (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ) ليس عن علم ليس عن مشاهدة إنما هو أخبارعن فلان وفلان (وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم) وقيّد القول بالأفواه مع أنه لا يكون القول إلا بالأفواه لبيان أن هذا الإتهام إنما هو إتهام فقط يلاك بالألسن لا حقيقة له لا وجود له كلام يدور في الأفواه فقط (وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ) أي تقولون ما لا تعلمون ليس عندكم أدلة ليس عندكم وبراهين بل الأدلة والبراهين هي بضد قولكم الأدلة والبراهين والقرائن مجتمعة على ضد ما تقولون به وتتهمون به عائشة رضى الله عنها. (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً) أتحسبون أن رمي أم المؤمنين عائشة وبيت النبوة وعرض محمد هيّن؟ (وتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ) تحسبون ذلك يسيراً؟ لو لم تكن زوجة النبى لما كان هيناً، فكيف وهي زوجة النبي ؟! كيف يقال في زوجة النبي ما قيل؟ الله يغار لهذا ، الله لا يُقدر زوجة نبي من أنبيائه ولذلك لما قال الله في سورة التحريم (فَخَانَتَاهُمَا(10) التحريم) ليس المقصود الخيانة الزوجية وإنما خانتاهما بمخالفتهما لدينهما وإن الله لا يرضى لنبي أن يتزوج امرأة غير عفيفة. وفي الصحيحين مصداقاً لقوله تعالى (وتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ) " إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يدري ما تبلغ يهوي بها في النار أبعد ما بين السماء والأرض" وفي رواية "لا يُلقي لها بالاً". ثم قال الله زيادة (وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ) توجيه آخر (وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ) تأديب آخر بعد التأديب الأول بعدما أمرهم بالظن خيراً وبتكذيب الخبر قال (وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا) وألا يُشعر به نفسه وألا يتكلم به وألا ينقله فإن الأخبار والنقل والإشاعات كم سببت من الويلات فإذا علق بنفسه، لنفرض أنه علق بنفسك شيء مما قيل فلا تتكلم (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا) ما ينبغي أن نتكلم بهذا الكلام ولا نتفوه به ولا نذكره لأحد (سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ) سبحان الله أيقال هذا الكلام على زوجة رسوله وحبيبة خليله! ثم قال الله موجهاً لهم (يَعِظُكُمُ اللَّهُ) أي ينهاكم ويتوعدكم (أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً) أي أن يقع منكم ما يشبه هذا أبداً فيما يُستقبل، لمّا وجههم فيما مضى حذّرهم وأنذرهم فيما يُستقبل أن لا يتكرر. ففي هذه المرة تيب عليهم وحٌدوا لكن في المرة القادمة إن تكلموا لا يدرون ما الله سيكتب عليهم أو بماذا يحل بهم. ولهذا قال (إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) إغراءً لهم بالإيمان أي أن هذا ليس من خلق المؤمنين، إن الحديث بهذه القضايا وذكرها في المجالس بل والظنّ والخواطر بها ليس من أخلاق أهل الإيمان ليس من أخلاق المؤمنين. إن كنتم تؤمنون بالله وشرعه وتعظمون رسوله . ثم قال الله (وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ) أي يوضح لكم الأحكام الشرعية والحكم القدرية (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) أي عليم بما يُصلح عباده حكيم في شرعه وقدره. بعد هذه التوجيهات وهذه الآداب التي وجه الله بها المجتمع المسلم حينما تنتشر فيه مثل هذه الشائعات أتى التأديب الثالث وهذا عامٌ في كل مجتمع. قال الله (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا) ماذا نفهم من هذه الآية؟ هل قضية الذين يحبون أن تشيع الفاحشة هم الذين ينشرونها بكل ما تحمله؟ أو أن مجرد الحديث بها والقذف وتداول الأخبار من محبة الفاحشة وإشاعة الفاحشة ونشرها وهذا وعيد شديد أيها الإخوة. لماذا جعل الإسلام حدّ القذف صارماً فى هذه القضية؟ لأن الأصل في المجتمع المسلم الطُهْر والعفاف وتداول مثل هذه الأخبار إنه مما يهوّنها على الناس فإن الناس إذا سمعوا بالأخبار هذه الأخبار كثيراً يقولون كثرة الإمساس تقلل الإحساس ولذلك أوصد القرآن كل باب يخدش طهارة هذا المجمع وعفافه ولذلك قلنا لكم أن مقصود سورة النور هو الطهر والعفاف والستر وبيان الطُهْر وأن يحافظ هذا المجتمع المسلم. ثم قال (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ) أي الذين يختارون وهذا تأديب لمن سمع شيئاً من الكلام السيء فقام في ذهنه شيء منه وتكلم به فلا يُشيعه ويذيعه فقال سبحانه (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا) أي يختارون ظهور الكلام عنهم بالقبيح، ما جزاؤهم؟ (في الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) ما هو العذاب الأليم الذي في الدنيا؟ قال بعض العلماء الحدّ حدّ القذف إن أشاع في فلان وتكلم في فلان هذا أحد الأقوال في المسألة بأن العذاب الأليم في الدنيا هو الحدّ وقد ذكر هذا ابن كثير ولذلك قال (وَالْآخِرَةِ) أي وفي العذاب. لكن يشكل على هذا لو فسرنا العذاب الأليم في الدنيا بالحدّ ظهر عندنا إشكال وهو أن الحدود كفارات فكيف يعاقب في الآخرة لأنه قال(لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ)؟ والجواب عن هذا أن نقول إن العذاب الأليم المراد به في الآية عامٌ فى الحدّ وغيره من أنواع المصائب. فيكون الحدّ على الفعل وهو القذف إذا قذف، وهذا في الدنيا وعذاب في الآخرة على محبة إشاعة الفاحشة لأنها من أعمال القلوب والتي لا يطّلع عليها إلا الله فربما يموت ولم يتب منها. حتى تتبين لكم هذه الآية: إنسان قذف فلاناً بالزنا ماذا يجب أن نفعل به؟ نُلزِمه بالبيّنة أربعة شهود إذا لم يأت بالبينة نجلده الحدّ ونرد شهادته ونحكم عليه بالفسق فإن تاب وكذّب نفسه تُقبَل شهادته على القول الصحيح ويرتفع عنه الفسق على القول الصحيح يرتفع عنه الفسق. لكن الآية هل تتعرض للقذف أو تتعرض لعمل القلبي؟ تتعرض لعمل قلبي (يحبون) المحبة أين محلها؟ القلب محل القلب ولذلك قال الله (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ) أحياناً إنسان يشيع الفاحشة ويتكلم بأشياء ويشيع بأصناف سواء بالقذف أو بغيره أم بنشر الفاحشة أو بأسبابها أو تهيأتها هذا ما جزاؤه هل يُحَدّ؟ هذه القضية ليس الحديث فيها عن القذف خصوصاً لأن القذف أحد أنواع محبة الفاحشة ولذلك هنا نقول أان العذاب الأليم فى الدنيا هو جملة المصائب التى يُبتلى بها الإنسان نتيجة محبته لإشاعة الفاحشة، وفي الآخرة يعذَّب كذلك ودليلنا على أن هذه الآية أعمّ من قضية القذف خاتمة الآية لأن خاتمة الآية يُترجم عن معناها إذ قال الله (واللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) أي يعلم ما في قلوبكم. نستأنف الحديث عن قول الله عزوجل (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ) ولذلك قررتُ لكم أن هذه الآية أعمّ من قضية القذف حتى نقول إن العذاب الأليم هو الحدّ وأن إشاعة الفاحشة تكون بالقذف وغيره. ويرى ابن عطية أن محب إشاعة الفاحشة كأمر المحاربين الذين قد توعِّدوا بالصلب وفي الآخرة بالعذاب يعني يقول إن أمرهم عظيم فكما أنهم يُعاقبون فى الدنيا يعاقبون كذلك في الآخرة الذين قال الله تعالى فيهم (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) المائدة) مع أنهم أقيمت عليهم هذه الحدود يقول ابن عطية إن أمر محبي الفاحشة أمرهم عظيم كأمر هؤلاء المحاربين الذين أُقيمت عليهم الحدود ومع ذلك لهم في الآخرة عذاب عظيم. ثم قال الله (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّه رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) جواب (لولا) محذوف تقديره: ولولا فضل الله عليكم ورحمته لفضحكم بذنوبكم ولم يستركم ولعذّبكم لكنه رؤوف بعباده رحيم بهم فتاب على من تاب في هذه القضية وطهّر من طهّر بالحدّ الذي أُقيم عليه. ثم قال الله مبيناً أن كل ما حصل إنما هو من إتّباع خطوات الشيطان، فقال سبحانه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) كل هذا إرشاد للمجمتع المسلم في هذه القضايا (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ) أي طرائقه ومسالكه وما يأمر به والشيطان لما يُطلَق يراد به الشيطان الأكبر الذي هو إبليس والشيطان قال العلماء مأخوذ من شَطَن بمعنى أن النون أصلية أي بعُد ومنهم من قال من "شاط" إذا احترق. (لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ) أي طرائقه ومسالكه وما يأمر به، لماذا؟ النتيجة (وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ) هذا تنفير وتحذير من ذلك بأفصح عبارة وأوجزها وأبلغها وأحسنها فخطوات الشيطان عمله ونزغاته. قال قتادة كل معصية فهي من خطوات الشيطان، وهذا صحيح. ثم قال (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ) أي حينما اتبعتم خطوات الشيطان والخطوات جمع خُطوة وهي ما بين القدمين في المشي، فكأن المعنى لا تمشوا في سبيله وطرقه من الأفعال الخبيثة لأنه يأمر بالفحشاء والمنكر والفحشاء ما فحش والمنكر ما استنكرته النفوس. ثم قال (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً) أي أنه لولا فضل الله لما تبتم ولما وقعت التوبة عليكم ولما وفقكم لتزكية نفوسكم من شركها وفجورها كما قال الله (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) الشمس). (وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ) أي من خلقه فيضل من يشاء ويرديه في مهالك الضلال والغيّ. (وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) انظروا خاتمة الآية، أي سميع لأقوال عباده عليم بمن يستحق منهم الهدى والضلال. إلى هنا تكون الآيات الخاصة بعائشة قد انتهت والتي قالت أُنزلت فيّ عشر آيات. ثم قال الله (وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى) وسبب نزول هذه الآية أن ممن وقع في عرض عائشة مسطح ابن خالة أبي بكر وكان رجلاً فقيراً فكان أبو بكر يُنفق عليه فكأن أبا بكر إستكثر أن يقع في عرض ابنته وهو يأكل من صدقاته فحلف ألا يطعمه الصديق رضي الله عنه. يعني شيء كبير لو كنت يا مسطح من سائرالناس كان ربما يكون الأمر هيّن ولكن أنا أنفق عليك ولما يتكلم الناس بأمر تكون أنت أول المتكملين يا مسطح؟! فقال والله لا أُنفق عليه أبداً معاقبة له، فأنزل الله ، انظروا مصداق قوله (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ) حتى مسطح الذي رمى عائشة رأف به الله فقال (وَلَا يَأْتَلِ) معناه يُقصِّر من أَلَوْتُ الشيء أي قصّرت فيه وقيل من الأليّة وهي الحَلِف أي لا يحلف (أُوْلُوا الْفَضْلِ) أي أهل الطول والصدقة والإحسان والزيادة ويقصد به في هذه الآية أبو بكر رضى الله عنه (وَالسَّعَةِ) أي الجِدَة (أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) يقولون كلها اجتمعت في مسطح من أولي القربى كان ابن خالته وكان مسكيناً فقيراً وكان من المهاجرين، أي لا تحلفوا ألا تصلوا قرابتكم من المساكين والمهاجرين وهذا في غاية الترفق والعطف. ثم قال الله (أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ) المسكين إذا أُطلِق فهو يدخل فيه الفقير والمسكين وإذا ذكر المسكين مع الفقير كما فى آية الزكاة فالمراد به المسكين الذي يجد بعض كفايته وأما الفقير الذي لا يجد شيئاً، فهما إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا. (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) أمرهم بالعفو والصفح أي عمّا تقدّم منهم من الإساءة والأذى، وهذا من حِلْمه تعالى وكرمه، والصفح أبلغ من العفو لأنه قال وليعفوا ويزيدون على ذلك بالصفح أيضاً لأن الصفح أبلغ من العفو وأخصّ منه فالعفو هو ترك المعاقبة على الذنب الذي يستحقه الجاني بمعنى الإنسان لما يعفو عن فلان أي لا يعاقبه، أما الصفح فهو خلق زائد بحيث لا يكون معه تثريب ولا تعنيف فهو أبلغ. قد يقول عفوت عنك ولا تعد لهذا ثانية وإذا تكرر منك سأفعل وأفعل لكن في الحقيقة هل هو عاقبه؟ ما عاقب، هذا يسمى العفو لكن الله أمر بالعفو وزيادة عليه الصفح فهو أبلغ وهو العفو الذي لا تثريب معه أن يعفو وكأن شيئاً لم يكن فهو التغاضي عن الذنب تماماً كأنه ما فعل الذنب ونسيانه مطلقاً ولذلك قال (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا) لماذا أمرهم الله تعالى بهذا؟ قال (أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) الجزاء من جنس العمل، أنتم تذنبون وتخطئون ألا تريدون الله أن يعفو عنكم بل وليس يعفو يصفح كأن شيئاً لم يكن؟ فقال أبو بكر بلى والله إني لأحب ثم أجرى على مسطح ما كان يفعله. (أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) إغراءٌ لهم بأن يكون هذا الخُلُق سائداً في المجتمع المسلم رجاء مغفرة الله فلهذا كان الصدّيق وكانت بنته الصديقة رضي الله عنهما.بهذه الآية نكون قد انتهينا من المجلس السابع في هذا اليوم ونفتتح إن شاء الله بعد صلاة العشاء المجلس الثامن وذلك بقول الله (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿٢٣﴾) وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. |
| #36 | |||
| |||
| درس العشاء الدرس 91: تفسير سورة النور من آية 28 حتى آية 31 الملقي: د. أحمد بن محمد البريدي موعدها: 7:56:00 م 1432/11/08 هـ (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿٢٣﴾ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿٢٤﴾ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ﴿٢٥﴾ الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴿٢٦﴾) بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. كنا تكلّمنا في المجلس الماضي عن قوله تعالى (وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) وقلنا أن سبب نزول هذه الآية مسطح بن أتات رضي الله عنه، وقلنا أنه قد اجتمع في مسطح الأوصاف الثلاثة أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله كما قلنا أنه لما ثبت لمسطح الهجرة في سبيل الله تبيّن لما أن الكبائر لا تحبط الأعمال إذ أن مسطح وقع في كبيرة من الكبائر وهي القذف ومع ذلك أثبت له الهجرة في سبيل الله فدلّ ذلك على أن الأعمال إنما تحبط بالشِرك إذا مات الإنسان على ذلك كما قال سبحانه (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ (65) الزمر). ثم وقفنا عند قوله (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ) الرمي هو القذف بالزنى، يرمون أن يقذفونهن بالزنا. والمحصنات يدخل فيها الرجال قطعاً وخُصّت النساء لأن القذف في حقهن أشنع أو نقول أن هناك تقدير وهو :إن الذين يرمون الأنفس المحصنات الغافلات المؤمنات ليدخل في نفس الآية الرجال والنساء. المحصن هنا ما المراد به؟ العفيف. وقلنا أن المُحصَن في القذف يختلف تعريفه عن المُحصن في الزنا والمراد في هذه الآية القذف ولذلك المراد بالمحصن هنا والمحصنات أي العفيفات. (الْغَافِلَاتِ) الغافلات جمع غافلة وصفٌ آخر للمحصنات والمراد به أنه لم يخطر لها بالُ فِعل الفاحشة لبُعدها عنها وهذا من كمال عفّتها فكيف تُرمى؟! مُحصنة بل زيادةً عن ذلك غافلة لم يخطر على بالها لم تحدِّث بها نفسها. ثم قال الله (الْمُؤْمِنَاتِ) وصفٌ زائد، و(الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ) خرج مخرج الغالِب فإن الغالب في المُحصنة وهي العفيفة أن تكون مؤمنة وأن تكون غافلة عن فِعل الفاحشة. (لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) اللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله . (وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) وهذا من بقية قصة حادثة الإفك ولها ارتباط بها فإن عائشة محصنة وغافلة ومؤمنة بل أثتت لها خادمتها أنها غافلة أن الداجِن تأتي تأكل من يدها من غفلتها فلا يخطر على بالها فعل الفاحشة . وهي عامة في كل نساء المسلمين وعائشة تدخل في هذا دخولاً أولياً لا سيما وهي سبب نزول هذه الآيات. وقد قررنا أن بقية أزواج النبي كعائشة على القول الصحيح. بعض أهل العلم خصّ هذه الآية بعائشة قال إن هذه الآية سيقت مساق أي مخصوص بها عائشة فقط وليست عامّة والسبب في ذلك أنه لم يُذكَر فيها حدّ القذف، لا يوجد في الآية حدّ القذف خلاف الآية الأولى (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) وهنا في هذه الآية قال (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) لم يذكر حدّاً ولذلك ذهب بعض أهل العلم أن هذه الآية خاصة في عائشة لعدم ورود الحدّ فيها وأن من قذف عائشة فله اللعن في الدنيا والآخرة وله العذاب العظيم. ويرى بعض أهل العلم أن الآية عامّة وليست في عائشة خاصّة، وهذا هو رأي ابن جرير الطبري إمام المفسرين وتابَعَه على ذلك ابن كثير رحمة الله عليهم. أما ما الإجابة بعدم ذكر الحدّ فقالوا الإجابة في ذلك أن هذه الآية أتت مجملة فسّرتها الآية الأولى التي في أول سورة النور التي ذكرت الحدّ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا أي الحدّ المذكور في الآية الأولى. ومن العلماء من أجاب أن هذه الآية ذكرت أولاً بدون ذكر التوبة إذ لم يُذكر في هذه الآية توبة (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) لم يُذكَر توبة ولم يُذكَر حدّاً ثم نزلت الآية التي في أول السورة والتي ذُكر فيها التوبة ولا شك أن القذف من الموبقات. وهل يصحّ أن نقول أن هذه الآية نزلت فيمن لم يُقَم عليه الحدّ فله اللعن لأن كثيراً من الناس يقذِف ولا يشهد عليه أربعة أنه قذف فهذا وعيد آخر لمن لم يُقم عليه حدّ القذف. بمعنى أنه ليس معنى أنه قد لم يستطع أن يُقم عليك الحدّ أنك قد سلِمت من هذا القذف، نستطيع أن نقول هذا؟ أنا أقوله الآن بنفسي فإن قاله أحد من أهل العلم فأنا أقول به لأني لم أجد أحداً قال به ولكنه شيء انقدح في نفسي وقلت لم لا تكون هذه الآية فيمن قذف ولم يتُب ولم يُطَهّر بحدّ وتلك الآية فيمن تاب وطُهِّر بالحدّ، فإن وجدتم أحداً قال به فأنا أقول به وهو يجمع بين الآيتين والله أعلم. ولا شك أن القذف من السبع الموبقات كما جاء في السُنّة، جاء في الصحيح أن النبي قال: "اجتنبوا السبع الموبقات" يعني المُهلِكات، وذكر السابعة منها قذف المحصنات الغافلات المؤمنات". (لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) يذكر بعض أهل العلم مسائل اللعن عند هذه الآية، فهل يجوز لعن الكافر؟ قال بعض أهل العلم الذي مات على كفره وعُلِم كفره كفرعون وهامان يجوز، كما أن لعن الكافرين على وجه العموم جائز أما لعن الكافر المعيّن فهل يجوز؟ نقول لا يجوز، والسبب لأن اللعن هو أن تدعو عليه ببقائه على كفره والمسلم ليس بلعّان، المسلم خُلُقُه هداية الناس لا الدعاء عليهم بالبقاء على الكفر والفسق. إذن الكافر المعين والفاسق المعين فيه خلاف بين أهل العلم بين جوازه وعدم جوازه والأولى عدم فعل ذلك لأن اللعن يقتضي الدعاء على الملعون بالبقاء على الكفر أو الفسق. ثم قال الله متوعِّداً محذِّراً وهذا مما يعضد ما قلت لكم أن هذه الآية لعلها تكون فيمن لم يُقَم عليه الحد ولم يتُب (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) إن لم يشهد عليك الناس ويقيمون عليك الحدّ فإن لسانك ويدك ورجلك شاهد عليك بما قذفت به ذلك المؤمن البريء. (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) سواء بالقذف أو بغيره وقد جاء في حديث أنس بن مالك قال كنا عند النبي فضحك حتى بدت ونواجذه، فقال أتدرون ممَ أضحك؟ فقلنا الله ورسوله أعلم، قال: من مجادلة العبد ربه يوم القيامة يقول يا رب ألم تجرني من الظلم؟ فيقول بلى، فيقول لا أجيز شاهداً إلا من نفسي، فيقول الله كفى بنفسك اليوم عليك شهيداً وبالكِرامِ عليك شهوداً فيُختَم على فيه ويقال لأركانه إٍنطقي فتنطق بعمله فتشهد اليد وتشهد الرِجْل ويشهد الفرج ويشهد اللسان ثم يُخَلّى بينه وبينه الكلام فيقول: بُعْداً لكنّ -أي أيتها الأعضاء- وسُحقاً فعنكنّ كنت أناضل، يعني عنكنّ أن تمسكنّ النار كنت أناضل. ثم قال الله (يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ) قال ابن عباس أي حسابهم وكل ما في القرآن (دِينَهُمُ) فمعناه حسابهم وكذا قال غير واحد من أهل العلم. (يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ) قُرِئت الحقَ بالفتح (الحقَ) صفةٌ للدين وقُرِئت (الحقُ) صفةٌ لله لفظ الجلالة أي يوفيهم الله الحقُّ دينَهم وهي قراءة شاذّة. (وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ) أي الثابت أن وعد الله ووعيده وحسابه هو العدل الذي لا جورَ فيه. ثم قال الله (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ) الخبيث هو الرديء كما قال تعالى (وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ (267) البقرة) أي الرديء منه. ما معنى (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ)؟ اختلف فيه أهل التفسير على قولين: Ø القول الأول الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال أي الخبيثين من الرجال يقولون القول الخبيث. والخبيثون من الرجال للخبيثات من القول والطيبات من القول إلى آخره. فالحديث عن القول لارتباطه بحادثة الإفك ولأن الله قال بعدها (أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ) واختار هذا ابن جرير الطبري ووجّه بأن الكلام القبيح أولى بأهل القُبح من الناس والكلام الطيب أولى بالطيبين من الناس، فما نسبه أهل النفاق لعائشة هم أولى به وهي أولى بالبراءة والنزاهة منهم ولذلك قال (أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ) Ø القول الثاني أن المراد بذلك الأشخاص: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء، تعريض بمن؟ النبي طيب فلا بد أن تكون زوجته طيبة فالمراد به الأشخاص. هل هناك تعارض بين القولين؟ لا تعارض بين القولين فالقول الثاني يعود باللازم على القول الأول. أي معنى القول الثاني ما كان الله ليجعل عائشة زوجة لرسول الله إلا وهي طيبة لأنه أطيب من كل البشر. ثم قال (أوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ) لم يقل أولئك مبرأون من الإفك لماذا نصّ على القول هنا؟ قال للعلماء للإشارة إلى أن الإفك بكامله لم يعدو أن يكون قولاً لا حقيقة له لا واقع له، لا أساس له لا يعدو أن يكون قولاً (أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ) أي عن بُعَداء عما يقوله أهل الإفك والعدوان. (لَهُم مَّغْفِرَةٌ) أي بسبب ما قيل فيهم من الكذب لأن الإنسان إذا ابتلي أُعطي من الحسنات أو غُفِر له من السيئات. الابتلاء إما أن يكون رفعةً في الدرجات أو مغفرةً للسيئات لذلك قال (لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) اي عند الله في جنات النعيم وفيه وعدٌ بأن تكون زوجة النبي عائشة زوجةٌ له في الجنة. بهذه الآية يكون قد انتهى الحديث عن حادثة الإفك، المجموع 16 آية عشرٌ خاصة بعائشة وستةٌ متصلة بحادثة الإفك.ثم قال الله بعدها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا) الآن بدأ بأدب شرعي جديد وهو من الآداب التي تحفظ المجتمع المسلم وتحترم خصوصيته وهو خُلُق رفيع لأن الله قد جعل لهذه البيوت حُرمة فناداهم باسم الإيمان إغراءً لهم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ) أي البيوت التي تسكنونها سواء تلك البيوت التي ملكتموها أو التي استأجرتموها فإن المستأجِر مالِك، لا أحد يقول أنت مستأجر ليس لك دخل صاحب البيت الأصلي يقول الله أمرنا أن لا ندخل البيوت معه فمفتاح ويدخل على بيوت الناس التي أجّرهم ويقول أنا صاحب البيت، نقول لا، الله قال (لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ) أي التي تسكنونها لا يقصد فقط التي تملكونها، التي تسكنونها سواء كانت ملكاً أو إيجاراً. (حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا) استفعال من الأُنس الذي هو ضد الوحشة وهو رأي الطبري ، وقال آخرون أن الاستئناس هنا بمعنى الاستئذان والأول أرجح لماذا؟ لأن الاستئناس أعمّ من معنى الاستئذان، ربما يؤذن للإنسان ولا يستأنس به، فإذن قال الله (لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا) ويدخل فيه الإستئذان لأن الاستئذان أول باب من أبواب الاستئناس لكن الاستئناس أعم ربما يستأذن الإنسان وأنت تدعه يدخل ولا تدري ماذا يريد، فأمرنا الله أن ندخل بيوت الغير حينما نستأنس أي يستأنسون بنا أي استفعال من الأنس يأنسون لنا. ثم قال (وَتُسَلِّمُوا) أمرهم أن لا يدخلوا بيوتاً غير بيوتهم حتى يستأنسوا أي يستأذنوا ويحصل بهم الأنس ويسلّموا بعده فيستأذنوا قبل الدخول ويسلّموا بعده. قال بعض أهل العلم أن سبب نزول هذه الآية فيما ذكره الطبري أن امرأة من الأنصار قالت: يا رسول الله إني أكون في منزلي على الحال التي لا أحب أن يراني فيها والد ولا ولد وأنه لا يزال يدخل عليّ رجل من أهلي وأنا على تلك الحال فنزلت هذه الآية. وقد جاء في السُنة آداب الاستئذان منها أن الاستئذان ثلاث فإن أذن للإنسان وإلا يرجع، الأمر الثاني –وكل هذا من باب احترام حرمة البيوت - أن لا يقف تلقاء الباب. جرت العادة في القرى والهِجَر أن تكون الأبواب مفتوحة ففتح الباب ليس إذناً بالدخول فلا بد من الاستئذان ولا بد من السلام بل فضلاً على الاستئذان أن يحصل بك الأُنس. من الآداب التي وردت بها السنة في الاستئذان أن لا يقف أمام الباب ربما فتح الباب فكشف ما بداخله وإنما يكون يميناً أو شمالاً. من الآداب أن لا يطّلع من النوافذ، من الثقب، فإن النبي قد أهدر عين من رأى. وهذه كبيرة أن يهدر دم من اطّلع على بيوت الناس! من آداب الاستئذان أن يعرّف بنفسه بعض الناس يقول من؟ يقول أنا، من أنت؟! لا بد أن تقول أنا فلان ابن فلان، أو تقول أبو عبد الله! قد يعرفون عشرة أبو عبد الله، أبو عبد الله يريدونه أن يدخل وتسعة لا يبغونهم! فلا بد أن تُخبر بشيء يحصل به الأنس تقول أنا فلان ابن فلان. ولذلك أخرج جماعة عن جابر قال أتيت النبي في دين كان على أبي فطرقت الباب قال من؟ قلت أنا، فقال النبي أنا، أنا! كأنه كرِه ذلك. من أنت؟ وكُره النبي لأنه لا يعرف صاحبها حتى يفصح عن اسمه أو كنيته المشهور بها وإلا يستطيع كل إنسان أن يعبّر عن نفسه بقوله أنا فلا يحصل المقصود من الاستئذان الذي هو الاستئناس المأمور به في الآية. أيهما يقدّم الاستئذان أم السلام؟ الله قال (حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا) وقلنا أن من أعلى أبواب الاستئناس الاستئذان، وجاء في السُنّ’ أن رجلاً استأذن على النبي فقال إرجع فقل: السلام عليكم أأدخل؟، ففي الآية قدّم الاستئذان وفي الحديث قدّم السلام، فهو قال السلام عليكم أأدخل؟ (أأدخل) هذا هو الاستئذان، السلام عليكم هو السلام وأأدخل هو الاستئذان فأيهما يقدّم؟ الآية قدّمت الاستئذان والأحاديث كما قلنا قدّمت السلام. قال بعض أهل العلم، جمهور أهل العلم يرى أنه يقدّم السلام لماذا؟ قالوا لأن السُنّة مفسِّرة للقرآن والقرآن هل أتى بالترتيب أو بالعطف بالواو التي لا تقتضي الترتيب؟ أتى بالعطف بالواو التي لا تقتضي الترتيب قال (حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا) لم يقل "ثم تسلّموا". العطف بالواو لا يقتضي الترتيب فلما أتتنا السُنّة وبيّنت أنه يُبدأ بالسلام ثم الاستئذان نقول إنّ السنة مفسِّرة للقرآن وعلى هذا فالأولى أن يبدأ الإنسان بالسلام جمعاً بين الآية والحديث. بماذا يكون الاستئذان؟ الحديث ذكر "أأدخل؟"، هل نلتزم بهذه الكلمة؟ أو هناك صيغ أخرى يمكن أن نستأذن بها؟ نقول إن الاستئذان يحصل بأيّ كلمة يُفهم منها طَلَبُ الإذن عُرفاً دقّ الباب، ضرب الجرس، المهم أيّ شيء أو أيّ كلمة يُفهَم منها الإذن عُرفاً فيَصدُق عليه معنى الاستئذان. (حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ) يعني أن هذا الخُلُق الذي أرشدناكم إليه خيرٌ لكم، (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) لوجود المصالح، تصوروا أن هذا الخُلُق ليس موجوداً بين الناس؟ ماذا سيكون حالهم؟ هل سيكون للبيوت حرمة؟ لا، ولذلك من انتهك حرمة البيوت فقد خالف هذا الهديَ القرآني والهدي النبوي ولذلك عُبِّر عن الاستئذان بالاستئناس يعني لا يكفي مجرد الإذن، إمعان في قضية الخلق لا بد أن يحصل المقصود من دخولك وهو الاستئناس، وأن تلقي التحية وهي السلام فهو خيرٌ للطرفين لمن؟ للمستأذِن وللمستأذَن خيرٌ لكم، خيرٌ لِكِلا الطرفين المستأذِن إن كان في حال لا يريد أن يأذن فلا يأذن ويكون عدم إذنه بألّا يُجيب. إذا ما أجاب يستمر في طرق الباب؟! يضرب الجرس إذا ما أجاب يضرب الباب بحصاة كبيرة جداً؟! ويضرب بوق السيارة؟! هذا إزعاج، أنت أُمِرت بالاستئذان ثلاثاً فإذا لم يؤذن لك فهو لا يخلو من أمرين إما أن يكون صاحب البيت غير موجود وإما أنه لا يريد أن يأذن لك وهذا من حقّه إما أن الوقت غير مناسب أو هو لا يريدك مشغول بشيء معين لا يريد أن يأذن لك. فلك أن تستأذن ثلاثاً فقط فإن أُذِن لك وإلّا ترجع (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ). قال (فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ) وذلك لما فيه من التصرف في مُلك الغير بدون إذنه، أنت تعلم أن البيت ليس فيه أحد، ما معنى الاستئذان؟ أتسور الباب والسور وأدخل؟! (فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ) أي إذا ردّكم من الباب قبل الإذن أو بعده كأن يقول أخي الكريم أعتذر الآن عن استقبالك لكذا وكذا أو أعتذر الآن عن استقبالك، لا تزعل عليه لا تتضايق منه. قال أحد المهاجرين طلبت عمري كله هذه الآية فما وجدتها أن أستأذن على بعض إخواني فيقول لي إرجع فأرجِع وأنا مغتبط لقوله (وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا ُوَ أَزْكَى لَكُمْ) هذه تزكية. (فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا) أي في هذه البيوت التي هي بيوت الغير، هذا هو معنى الآية. وقال مجاهد إن لم يكن فيها متاع وضعّفه الطبري وابن عطية. ثم قال الله (لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ) هذه الآية الكريمة أخصّ من الآية التي قبلها وهي تقتضي جواز دخول البيوت التي ليس لها أحد إذا كان فيها متاع، كيف إذا كان فيها متاع؟ هل هناك بيوتاً ليس لها أحد؟! قال العلماء المقصود بالمتاع هنا لا يُقصد به الأدوات يعني أن فيها أدوات لكم داخل هذه البيوت وإنما المقصود المنفعة لكم، أي ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونة، ما هي البيوت غير المسكونة؟ يقول العلماء كبيت الضيف كانت العرب تضع بيتًا بعيداً عن بيوتهم يسمونه بيت الضيافة هذا ليس له أحد بمعنى أنه قد فُتِح وأُذن لكل من أتى أن يدخل، فيها متاع لكم أي فيها منفعة لكم لأنك إذا دخلت ضُيّفْت وهي موجودة الآن في بعض القرى يجعلون بيتاً مستقلاً بيت شعر أو غيره للضيافة ليس فيه حرمة لا يمكن أن ترى فيه ما تكره، هو معدّ للسائرين. ومن العلماء من قال أن بيوتاً غير مسكونة مثل البيوت المهجورة وأنت مسافر الآن تجد بعض البيوت مبنية لم تنتهي بعد تستظل بها ساعة ساعتين وتمشي، فيها منفعة لك تستظل بظلها. قال بعض العلماء "وبيوت مكة" بيوت مكة فيها منفعة لك انظر أي بيت فندق زمزم أو شركة مكة وادخل فيها، ما رأيكم؟! انظر الفنادق المحيطة بالحَرَم وادخل بسم الله! مجاناً! فيها منفعة لك أنت تصلي في الحرم وتستظل وترتاح! هذا على قول من قال هذا القول على قول من قال أن بيوت مكة لا تُملك أصلاً هناك بعض أهل العلم يرى أن بيوت مكة والتي حول الحرم لا تُملك ولا يجوز أن يملكها شخص وإنما هي لعامّة المسلمين، وهذا القول ضعيف والصحيح أنها تُملك وقد أثبت النبي أن لعقيل داراً "وهل ترك لنا فيها عقيل من رباع وودور". لذلك ليس المقصود بيوت مكة أن ينظر الإنسان أحسن فندق ويدخل فيه! لا. وقال بعض أهل العلم المراد بيوتاً غير مسكونة الفنادق، منازل الأسفار وهي الفنادق التي في طرق المسافرين ذكر ذلك قتادة ومجاهد فقالوا أن المراد بالآية هي الفنادق، كيف الفنادق؟ تختار فندقاً وتدخله؟! ما المقصود في الفنادق؟ كان العرب يضعون بيوتاً يستقبلون بها الناس ويسمونها فندقاً، الآن الفتادق خمس نجوم وسبع نجوم وثلاث وأربع نجوم وهي غالية الآن وغير مسموح لك أن تدخل إلا بمالك، فالإنسان لا يأخذ هذه الأقوال ويطبقها على واقعه فإن المصطلحات تختلف. ويدل هذا على أن الفنادق موجودة من قديم حتى قال القرطبي في تفسيره يقول أن إكرام الضيف لا يجب في هذا الوقت قالوا لماذا؟ قال ينزل في الفندق لأنه كان يسكن في قرطبة في إسبانيا، قال من لم يجد له منزلاً ينزل في فندق، هذا رأيه ، وعلى كل حال المقصود (ليس عليكم جناح) رفع الحرج أن ندخل يوتاً غير مسكونة ليس لها صاحب، فيها متاع ليس المقصود فيها أدوات وإنما فيها منفعة لنا (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ) ختم هذه الآية بتحذيرهم من دخول بيوت غير المسكونة أو أن تدخل شيئاً ليس لك فيه منفعة سواء كان مسكوناً أو غيره (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ). إذن البيوت المراد التي ليس لها ساكن والمتاع المراد به الذي فيه منفعة الاستظلال. وقلنا أن من قال أن المراد بها بيوت مكة هذا على قول من قال أن بيوت مكة لا تُملك وهو قول ضعيف. ومن قال أن المقصود بها الفنادق فإنه لا يعني بها الفنادق التي تؤجّر وإنما أراد بها الفنادق التي كانت في السابق والتي كانت تعدّ للمسافرين مثل ما يسمى مدائن الحجاج. مدائن الحجاج لا يحتاج الإنسان أن يستأذن هي أعدّت له يرتاح فيها ساعة ساعتين ينام فيها ليلة ثم يكمل بقية سفره فهي منازل المسافرين التي أعدّت قصداً لهؤلاء المسافرين، هذا المراد بهذه الآية. وبنهاية هذه الآية نكون قد انتهينا من تفسير ما يتعلق بهذا المجلس ونكمل إن شاء الله الأسبوع القادم عند قول الله (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) أسأل الله لي ولكم العلم النافع والعمل الصالح وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. |
| #37 | |||
| |||
| وهذا ملف الأسبوع الرابع كاملاً بصيغة وورد |
| #38 | |||
| |||
| الأسبوع الخامس الدرس 92: تفسير بقية سورة النور وسورة الفرقان – د. أحمد بن محمد البريدي، عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم درس الظهر تفسير سورة النور من آية 30 حتى آيه 57 الملقي: د. أحمد بن محمد البريدي موعدها: 12:55 م 1432/11/15 هـ المجلس الأول (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴿٣٠﴾ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿٣١﴾) بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. يقول الله (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ) هذا أمرٌ من الله لنبيّه محمد أن يقول للمؤمنين أو أن يأمر المؤمنين بأن يغضّوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم والعِلّة في ذلك (ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ) والغضّ يُطلَق على الطريّ ومنه حديث " من أراد أن يقرأ القرآن غضّاً " أي طرياً. وغضّ الصوت خفضه، وغضّ البصر ارخاء الجفن على الجفن بدون إطباق، فإن أطبق الجفن على الجفن سمي إغماضاً. والمراد بالآية صرف البصر يميناً أو شمالاً أو إلى الأرض أي صرف البصر عما نُهيَ النظر إليه. وقد جاء في صحيح مسلم عن جرير بن عبد الله البجلي قال: " سألت النبي عن نظر الفَجأة فأمرني أن أصرف بصري " وفي حديث آخر " لك الأولى وليست لك الثانية "، وجاء في الحديث الصحيح كذلك عن أبي سعيد أن النبي قال: " إياكم والجلوس على الطرقات، قالوا: يا رسول الله ما لنا بد من مجالسنا نتحدث فيها، فقال رسول الله : إن أبيتم فأعطوا الطريق حقّه، قالوا: وما حقُّ الطريق يا رسول الله؟ قال: غضُّ البصر وكفُّ الأذى وردُّ السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " فغضّ البصر من إحدى حقوق الطريق لمن جلس فيه. وقد جاء في فضل غضّ البصر وحفظ الفرج مثبتاً ما في هذه الآية ما جاء عن النبي في الحديث الذي رواه البخاري " من يكفل لي ما بين لَحييه وما بين رجليه أكفل له الجنة " وما بين اللحيين اللسان وما بين الرجلين الفرج حفظ الفرج المأمور في الآية. لماذا قدّم الله غضُّ البصر على حفظ الفرج؟ لأن غضّ البصر من أسباب حفظ الفرج.يقول الله (يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ) لماذا لم يقل (من فروجهم) في الفروج أو لم يقل يغضوا أبصارهم؟ لماذا فرّق بين البصر وبين الفرج فأتى بـ (من) في غضّ البصر ولم يأت بـ (من) في حفظ الفرج؟ يقول العلماء : أتى الله بـ (من) في غضّ البصر لأن الأصل في النظر الإباحة إلا ما استثني ولذلك أتى بـ(من) التبعيضية فالأصل أن الإنسان ينظر، ما جعل الله له من نعمة البصر ينظر فيها ما شاء لكنه مأمور بغضّ بصره عن أشياء، ولذلك أتى بـ(من) التبعيضية فأنت مأمور بالغضّ عن ما نُهيت عن النظر إليه. أما الفرج فقال العلماء: لم يأتي بـ (من) التبعيضية لأن الأصل في الفرج الحظر إلا ما استثني وهو بابٌ واحد الزواج. إذاً هذا السرُّ في مجيء (من) التبعيضية في غض البصر وعدم مجيئها في حفظ الفرج. قال ابن عطية "البصر هو الباب الأكبر للقلب وأعمر طرق الحواس إليه وبحسب ذلك كثر السقوط من جهته ووجب التحذير منه".حفظ الفرج له صورتان: الصورة الأولى: حفظه بمنعه من الزنا كما قال سبحانه (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) المؤمنون). الصورة الثانية: حفظ الفرج من النظر إليه والذي نسميه بستر العورة. قال النبي " احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك " وفي الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : " كتب على ابن آدم حظّه من الزنا أدرك ذلك ما لا محالة فزنا العينين النظر، وزنا اللسان النطق، وزنا الأذنين الاستماع،... إلى آخر الحديث ".لماذا أًمِرنا بالغضّ من أبصارنا وبحفظ فروجنا؟ مذكور في الآية قال الله (ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ) والضمير في (لهم) يعود للمؤمنين (ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ) أي أطهر لقلوبهم وأنقى لدينهم.(إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) ما مناسبة خاتمة الآية لمضمونها؟ تحذيرٌ للمؤمنين من مخالفة ما أُمِروا به في هذه الآية خفية فربما ينظر الإنسان إلى ما حرّم الله ولم يره أحد أو يفعل ما حرّم الله ولا يراه أحد فختم الله الآية بقوله (إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) تحذيرٌ للمؤمنين بألّا يفعلوا ما نهوا عنه في هذه الآية فالله مطّلعٌ على سرائرهم.ثم قال الله بعد ذلك (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ) الأصل كما قررنا في الأسبوع الماضي أن الخطاب في القرآن عامٌ للرجال وللنساء على حد سواء إلا ما دلّ الدليل على خصوصية أحدهما، هل المؤمنات يدخلن في قوله (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ)؟ نعم، داخلات في هذا لا محالة، فلماذا خُصّت النساء بالأمر هنا لوحدهن مع أنهن داخلات في نفس حكم الأول في الأمر الأول وهو أمر المؤمنين؟ يقول العلماء تعالى: إنما خصّ الله المؤمنات هنا مع دخولهن في الخطاب الأول لتأكيد التزامهن بذلك ولرفع اختصاص الحُكْم بالرجال، فكما أنهن موضع الفتنة وقد أُمِرَ الرجال بعدم النظر إليهنّ فكذلك هنّ مأمورات، هذا أمر. والأمر الثاني ما ذكره ابن كثير وهو عطف ما ذُكِر بعد ذلك عليه لأن هذه الأشياء مختص بها النساء، بقية الآية قد اختصت بها النساء فأعاد الأمر بغضّ البصر وحفظ الفرج ليعطف ما بعده عليه من عدم إبداء الزينة، إلى آخره. إذاً السبب أحد أمرين أو كِلا الأمرين لتأكيد التزام النساء بذلك ولرفع اختصاص الرجال، الأمر الثاني لأن هناك أشياء تنفرد بها النساء فأراد عطف هذه الأشياء عليها ولذلك أعاد الأمر بحفظ الفرج والغضّ من البصر فقال (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ). والكلام في سبب مجيء (من) هنا كالحديث في الآية السابقة. قال ابن عطية : "أمر الله النساء في هذه الآية بغضّ البصر عن كل ما يُكرَه من جهة الشرع النظر إليه". لعلّ أحداً يقول: هل يجوز للمرأة أن ترى الرجل؟ نحن قلنا إن الرجل لا يجوز له في الآية السابقة أن يرى المرأة إلا ذوات المحارم، لأنها موضع الفتنة. فهل يجوز للمرأة أن ترى الرجل؟ اختلف فيه أهل العلم على قولين: Ø القول الأول: أنه لا يجوز للمرأة النظر إلى الرجال الأجانب بشهوة ولا بغير شهوة واحتج كثيرٌ منهم بما رواه أبو داود والترمذي عن أم سلمة أنها كانت عند رسول الله وميمونة قالت: "فبينما نحن عنده فأقبل ابن أم مكتوم فدخل عليها وذلك بعدما أُمِرنا بالحجاب، فقال رسول الله احتجبا منه، فقلت: يا رسول الله أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟ فقال رسول الله : أعمياوان أنتما ألستما تبصرانه؟" قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. Ø وذهب آخرون من العلماء إلى جواز نظرهن إلى الأجانب بشرط عدم وجود الشهوة كما ثبت في الصحيح أن رسول الله جعل ينظر إلى الحبشة وهم يلعبون بحرابهم يوم العيد في المسجد وعائشة أم المؤمنين تنظر إليهم من ورائه وهو يسترها منهم حتى ملّت ورجعت، وهذا والله أعلم هو الأقرب.قال (وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ) قال سعيد بن جبير: عن الفواحش، وقال قتادة: عما لا يحلّ لهن، وقال مقاتل: عن الزنا، وقال أبو العالية: كل آية أُنزلت في القرآن يذكر فيها حفظ الفروج، فهو من الزنى إلا هذه الآية (وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ) أن لا يراها أحد. قال ابن عطية جامعاً لهذه الأقوال: أمر الله النساء بهذه الآية بغض البصر عن كل ما يُكره من جهة الشرع النظر إليه.ثم قال الله (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) اختلف العلماء في المستثنى هنا، الله أمر النساء أن لا تبدي زينتها إلا ما ظهر منها فما هو المستثنى هنا؟ قال ابن مسعود (هذا القول الأول): كالرداء والثياب (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) أي ما لا يمكن إخفاؤه من زينتها كردائها وثيابها هل يمكن أن تستر ثيابها؟ لأنها تسترها بعباءة والعباءة تحتاج إلى ستر فقال: استثني ما لا يمكن إخفاؤه من زينتها ومراد ابن مسعود أي الزينة المكتسبة التي ليست من أصل الخِلْقة، فقوله: الرداء والثياب، مراده الزينة المكتسبة التي ليست من أصل الخلقة. وقال ابن عباس : (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) أي وجهها وكفّيها فأُمِرت بألا تُظهر من زينتها إلا وجهها وكفّيها أي الزينة الخَلْقية هذا مراد ابن عباس أيهما أرجح؟ تفسير ابن مسعود هنا أو تفسير ابن عباس؟ لو تأملنا ألفاظ القرآن -وهذه قاعدة مهمة- لوجدنا أن القرآن ذكر الزينة ما يقرب من 17 مرة، تأملناها وسبرناها وجدنا أنه يريد بها الزينة المكتسبة لا الزينة التي هي من أصل الخلقة فقول الله : يا ابن آدم (يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ (31) الأعراف) المراد به الزينة المكتسبة لا الزينة الخَلْقية، قال الله (فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا (60) القصص) وقال (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً (8) النحل) وقال (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ (46) الكهف) فكل هذا يدلّ على أن الزينة حينما تُذكر في القرآن فإنه يريد بها الزينة الخارجة عن أصل المزيّن بها ولا يراد بها بعض أجزاء المزيّن بها وبالتالي فإذا أعملنا هذه القاعدة القرآنية والتي نصّ عليها الشنقيطي في أضواء البيان نجد أن قول ابن مسعود هو الراجح وأن المستثنى هنا في هذه الآية (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) أي الزينة المكتسبة التي لا يمكن إخفاؤها. وهذه الآية متعلقة بآيات الحجاب التي في سورة الأحزاب وسيأتي إن شاء الله تعالى لكم مزيد بيان وتوضيح عند قوله (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ) فهناك بسْطُ المسألة والغرض هنا في هذه الآية هو بيان أن الزينة التي استثنيت من عدم إبدائها هي الزينة المكتسبة التي لا يمكن اخفاؤها وهو رأي ابن مسعود رضي الله عنه. ولذلك قال ابن عطية : ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية أن المرأة مأمورة بأن لا تبدي وأن تجتهد في الاخفاء لكل ما هو زينة، يقول: هذا الذي يظهر في الآية مأمورة بأن لا تبدي وأن تجتهد في الاخفاء لكل ما هو زينة، ويقع الاستثناء في كل ما عليها فظهر بحكم الضرورة فيما لا بدّ منه كإصلاح شأن ونحو ذلك فما ظهر -يقول ابن عطية- على هذا الوجه فهو معفي عنه. بمعنى أن المرأة مأمورة بأن تخفي زينتها فإن ظهر شيء بلا إرادة منها كأن أرادت أن تصلح شأنها فظهر شيء منها فهو معفو عنه. إذاً الآية يا إخواني مسوقة مساق حفظ زينة المرأة لأن ذلك من أسباب تحقيق غضّ البصر وحفظ الفرج.قال الله (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) الضرب هو الالقاء، وسمي ضرباً مبالغة في الستر، ما قال "ليلقين"، قال (وَلْيَضْرِبْنَ) مبالغة في ستر المرأة لزينتها. كانت المرأة في الجاهلية تأتي مسْفِحَةً بصدرها، لا يواريه شيء، وربما أظهرت عنقها وذوائب شعرها وأقرطة آذانها فأمر الله نساء المؤمنات بأن يضربن بخمرهن على جيوبهن، فمن أظهرت تلك الحالة فهي مشابهة لنساء أهل الجاهلية، وقد ميّز الله نساء المؤمنات بالستر والعفاف وضرب خمرهن على جيوبهن كما قال الله في سورة الأحزاب (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ). (بِخُمُرِهِنَّ) الْخُمُرُ جمع خِمَار، وهو ما يخمّر به أي يغطّى به، (وَلْيَضْرِبْنَ) أي ليشددن (بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) فلا يُرى منه شيء. تقول عائشة كما جاء في البخاري "يرحم الله نساء المهاجرات الأول لما أنزل الله (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) شققن مروطهن فاختمرن بها".قال (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ) البعولة هم الأزواج (أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ) فهؤلاء هم محارم المرأة التي يجوز أن تظهر عليهم بزينتها، ولكن من غير تبرّج وتبهرج فتظهر من زينتها ما يظهر غالباً. تأملوا هذه الآية ذكر الأزواج والآباء وآباء البعولة والأبناء وأبناء البعولة والإخوان وبني الإخوان وبني الأخوات، ألا يوجد في المحارم ما لم يُذكَر في هذه الآية؟ المرأة فقط يجوز لها أن تكشِف لهؤلاء وغيرهم لا يجوز لها أن تكشف لهم وأن تُظهِر زينتها؟ لو تأملنا هذه الآية لوجدنا عدم ذكر العمّ والخال مع أنهم من المحارم فلماذا؟ العمّ والخال لم يذكرا في هذه الآية المسوقة مساق المحارم وكذلك لم يذكرا في آية الأحزاب فلماذا؟ هل نقول إن العمّ والخال تحتجب منهم المرأة؟ قاله بعض السلف وأظنه عكرمة لكنه قول ضعيف قالوا لأن الخال والعم ينعتوا البنات هذه لأبنائهم فمنعوا في هذه الآية من النظر لكن الصحيح أن العم والخال من المحارم. فلماذا لم يذكر العم والخال في هذه الآية؟ للعلماء أولاً نتفق على أن العم والخال من المحارم وأنه يجوز للمرأة أن تظهر زينتها عنده أي تكشف له، لكن كيف نجيب عن الآية؟ الجواب أحد جوابين: Ø قالوا إن العمّ والخال إنما هما أتيا من جهة الأب والأم، فالعمّ أتى من جهة الأب والخال أتى من جهة الأم فأغنى ذكر الآباء والأمهات عن ذكرهم، ولذلك قال: عمُّ الرجل صنو أبيه كما جاء في الأثر، هذا جواب. Ø لكن عندنا جواب أقوى من هذا الجواب، هذا وإن كان تلمس شيئاً من عدم ذكر العم والخال في هذه الآية فعندنا جواب أقوى وهو أن الله قد استغنى عن ذكر العمّ والخال في هذه الآية بذكر أبناء الإخوة وأبناء الأخوات. إبن الأخ من أين أتى؟ من جهة العمومة فاكتفى بذكر الفرع عن الأصل، إبن الأخوات أتى من جهة الخؤولة فاكتفى بذكر الفرع عن الاصل. إذاً نقول إن الله قد استغنى عن ذكرهم بأبناء الأخوة وأبناء الأخوات إذ مناط التحريم في أبناء الإخوة وأبناء الأخوات العمومة والخؤولة وهي ثابتة في أبناء الإخوة وأبناء الأخوات فيكون العمّ والخال من باب أولى إذا كان إبن الاخ أو إبن الاخت يجوز الكشف له فالعم والخال من باب أولى.هل صوت المرأة عورة؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين والصحيح أن صوت المرأة ليس بعورة وليست مأمورة بعدم الحديث فإنها كانت تحدِّث رسول الله وتتكلم معه وكانت تقضي شؤونها لكن المنهي عنه هو الخضوع بالقول. المرأة منهية عن الخضوع بالقول وهو ترقيق الكلام (فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ (32) الأحزاب) أمرٌ لزوجات النبي فغيرهنّ من باب أولى.قال الله (أَوْ نِسَائِهِنَّ) إختلف العلماء في المراد بنسائهن على أقوال، قيل: النساء المؤمنات، فإذا قلنا النساء المؤمنات، هل يجوز الكشف للمشركات؟ لا. وقيل: النساء المختصات بهن بالصحبة والخدمة، بمعنى اللاتي يخالطنها كثيراً رفعاً للحرج، وقيل: النساء مثلهن، وهذا هو الراجح أي النساء لا يجب أن تخفي المرأة زينتها عن المرأة مثلها.قال الله (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ) أي من نساء المشركين، فيجوز لها أن تُظهِر زينتها لها وإن كانت مشركة لأنها أمتها، وإليه ذهب سعيد بن المسيب، وقال الأكثرون بل يجوز أن تظهر على رقيقها من الرجال والنساء واستدلوا بحديث فاطمة عندما قال رسول الله : " إنه ليس عليك بأس، إنما هو أبوك وغلامك " لكن الآن قضية المماليك ليست موجودة الآن وإنما نشير إليها إشارة.مسألة قبل أن ندخل في التابعين، المحارم هؤلاء هل هم على درجة واحدة؟ لا، ليس معنى أنهم ذُكِروا في هذه الآية أنه يجوز أن تُظهِر المرأة لهؤلاء كلهم بدرجة واحدة، قال ابن عطية : لكن تختلف مراتبهم في الحرمة بحسب ما في نفوس البشر فالأب ليس كابن الأخت. ثم قال الله (أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ) يعني كالأجراء والأتباع الذين ليسوا بأكفاء، يعني الذين ليس لهم همّ بالنساء، ليس له حاجة بالنساء. ثم قال الله (أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ) العورة هو كل ما يستحيا منه يسمى عورة (أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ) لصِغَرِهم فمتى ما ظهروا على عورات النساء وميّزوا فإنهم تحتجب منهم.ثم قال الله (وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ) النهي للمرأة لماذا؟ (لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ) أمر الله لها أن تخفي ما ظهر من زينتها وأن لا تُظهِر ما خفيَ منها وكل هذا مزيد من الستر والعفاف، أمرها الله أن تخفي ما ظهر من زينتها وألا تُظهِر ما خفيَ من زينتها قال (وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ) لأن بعض النساء كانت تلبس الخلاخل في أرجلها زينة فإذا مرّت من عند الرجال ضربت برجلها الأرض حتى يُسمع صوت خلخالها وهذا إغراءً للرجل، فأمرها الله بأن يبقى المخفيّ مخفياً ولذلك قال الله (وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ) قال السعدي : يؤخذ منه قاعدة سدّ الوسائل، فالأصل في ضرب الرجل في الأرض الإباحة، فلما كان وسيلة لعلم الزينة مُنِع منه، وقال ابن كثير: وكذلك إذا كان شيء من زينتها مستوراً فتحرّكت بحركة لتظهر ما هو خفيٌ منها دخل في هذا النهي، ليس المقصود فقط هو النهي عن ضرب الرجل بالخلخال بل هي منهية عن كل أمر يكون سبباً لظهور زينتها، ومن ذلك التعطّر والتطيّب عند خروجها فهذا منهيٌ عنه.ثم ختم الله هذه الآية بقوله (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) أي افعلوا ما أمركم به من هذه الصفات الجميلة والأخلاق الجليلة، لأن ذلك من أسباب الفلاح. قال العلماء: شروط التوبة: الاقلاع عن الذنب، والندم على ما فات، والعزم على أن لا يعود، وشرطٌ رابع يتعلق بحقوق العباد وهو ردّها أو التحلّل منهم.قبل أن نختم هذه الآية قال مكيّ عنها: ليس في كتاب الله آية أكثر ضمائر من هذه الآية فإنها جمعت 25 ضميراً للمؤمنات من مخفوض ومرفوع، فهي من أكثر الآيات ضمائر. من المسائل المتعلقة بهذه الآية عورة الرجل مع الرجل هذه يذكرها أهل العلم استطراداً وإلا هي غير مذكورة، عورة الرجل مع الرجل فيه خلاف بين أهل العلم والجمهور على أنها من السُرّة إلى الركبة وهو الراجح كما قال النبي : " غطّي فخذك فإن الفخذ عورة ". عورة المرأة مع المرأة كالرجل مع الرجل. عورة المرأة مع المحارم نقول يجوز للمرأة أن تُظهِر ما يظهر غالباً كشعرها ورقبتها ويديها ورجليها أي ما يظهر غالباً، إذ ليس ما تُظهِره عند زوجها كما تُظهِره عند بقية محارمها.وبهذه الآية نكون قد انتهينا بحمد الله من المجلس الأول وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. |
| #39 | |||
| |||
| درس الظهر - المجلس الثاني المجلس الثاني (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴿٣٢﴾ وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿٣٣﴾ وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ﴿٣٤﴾) بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. يقول الله (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ) هذه إحدى طرق الوقاية من الزنا وهو الزواج، ومناسبتها لما قبلها أن الله لما أمر بغضّ البصر وحفظ الفرج بيّن أن من وسائل تحقيق ذلك "الزواج". وقد أمر الله في هذه الآية إنكاح الأيامى والصالحين من العباد والإماء فهو أمرٌ بالتزويج ولهذا ذهب طائفة من العلماء إلى وجوب الزواج على كل من قدر عليه واحتجّوا بظاهر قوله : " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغضّ للبصر وأحصنُ للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ". والأيامى جمع أيّم ويقال ذلك للمرأة التي لا زوج لها ويقال كذلك للرجل الذي لا زوجة له، وسواء كان تزوج ثم فارق فإنه يسمى أيّم، أو لم يتزوج أصلاً فإنه يسمى أيّم وهو مأمورٌ بالزواج.قال الله (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ) (الصالحين من عبادكم) قال السعدي : يحتمل أن المراد به صلاح الدين وهو الذي لا يكون فاجراً، ويحتمل أن المراد به الصالحون للتزوج المحتاجون له، ثم قال : ولا يبعد إرادة كِلا المعنيين، لكن أنا أسألكم لماذا خصّ الصالحين دون غيرهم؟ لماذا قال (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ) لماذا لم يقل "ومن عبادكم"؟ قال العلماء : لأن الصالحين هم المهتمون بإعفاف أنفسهم، فما دام أن الوليّ أو الرجل قادر على تزويج ابنه أو ابنته فليزوجها وهذا يا إخواني نلاحظ أن كثيراً من الطيبين بفضل الله يتزوجون مبكِّراً لماذا؟ مصداقاً لهذه الآية لأنهم هم المهتمون بإعفاف أنفسهم.ثم قال الله (إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) سبب الربط بين النكاح والغنى في هذه الآية لإبطال ما كان يتصوره البعض من أن الزواج سببٌ للفقر كانوا يقولون إن الزواج سببٌ للفقر لأنه يحتاج إلى نفقة، ثم يأتيك أولاد يحتاجون إلى نفقة، فالله أبطل ما كانوا يعتقدون بل إن الزواج -أخذ بعض أهل العلم من هذه الآية- أن الزواج من أبواب تيسير الرزق، وقد قال النبي : " ثلاثة حقٌ على الله عونهم، وذكر منهم الناكِح يريد العفاف " أي المتزوج يريد إعفاف نفسه.ثم قال الله (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) إن من لم يستطع الزواج فعليه بالاستعفاف وطريق ذلك كما أخبر النبي في الحديث الصحيح " الصوم فإنه له وِجاء " ومن طريق ذلك كما نفهم من سياق الآيات غضّ البصر وحفظ الفرج.ثم قال الله (وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ) واحد يقول أننا أمرنا أن نزوِّج مَنْ تحت أيدينا فهل هو أمرٌ لنا؟ نقول نعم، هو أمرٌ لنا من باب أولى. قال الله (وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا) ملك اليمين هذه من المسائل التي انقطعت في هذا الزمان، لماذا انقطعت؟ هل لعدم وجود الحروب؟ لأن الرِقّ أين طريقه يا إخواني؟ طريق الرِقّ هو الحروب، هل سَلِم العالم من الحروب؟ لا، وإنما انقطع بقرار من هيئة الأمم، فالرِقّ الآن لا يوجد، لكن من المسائل المتعلقة به يقول الله (وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) يعني من ما ملكتم أيمانكم من عبيدكم من مواليكم يريدون أن يعتقوا أنفسهم يقول الله (فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا). لماذا أمر الله الأسياد بمكاتبة عبيدهم؟ لأن الاسلام يتشوّف للعِتق، ما حُكْم الكتابة؟ اختلف فيها أهل العلم على قولين: قالوا إن الله أمر في هذه الآية أمر إرشاد واستحباب لا أمر تحتّم وإيجاب فلا يجب على السيد أن يطيع عبده إذا أراد الكتابة. وقال بعض أهل العلم: بل الأمر للوجوب واختار هذا ابن جرير، وهو الراجح لتشوّف الإسلام للعتق إذا كان هذا رأي جيد ويريد أن يعتق نفسه فأعتقه ويعطيك مالاً بدل ما تبيعه على زيد أو عبيد واشتري غيره، وإلا لا؟ دع هذا يكون حراً، أما الذي يرضى لنفسه أن يكون عبداً أبد الدهر فأَبْقِه، لكن الذي يريد أن يتشوف إلى الحرية -وهذا رد على هيئة الأمم وغيرهم الذين ينتقدون يقولون إن الإسلام فيه الرق- الإسلام يتشوف إلى العتق وقد دعا إلى الإعتاق وجعل قبل ذلك من الكفارات والذي كثيراً ما تقع عتق الرقبة بل إن من كفارات اليمين الذي كثيراً ما يقع فيه الناس أحد كفارات اليمين هي عتق الرقبة. الإسلام ليس مقصوداً له الرق وإنما يتشوف إلى العتق (إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا) شرط، ليس كل عبد أو مملوك يأتي ويطلب المكاتبة يجب على سيده أن يكاتبه، لا، قال الله (إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا) قال بعضهم (خَيْرًا) أمانة، وقال بعضهم: صدقاً، وقال بعضهم: حيلة وكسباً، وقال بعضهم: مالاً، والصحيح من هذه الأقوال كلها صحيحة إلا قوله: مالاً، لأن الله قال (إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ) حرف الجر (فِيهِمْ) ولم يقل: إن علمتم عندهم أو لهم، وإلا قريش تسمي الخير مالاً في لغة قريش لما يطلقون الخير (إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا) يطلقون الخير على المال.قال الله (وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ) أمرٌ آخر يعني لا تكتفوا أن تكاتبوهم فقط، بل (وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ) اختلف فيه أهل العلم على قولين: ما هو المال الذي آتاه؟ قال بعضهم: هو مال الزكاة فإن للمُكاتَب حقٌ فيه، أموال الزكوات للمكاتب حق فيه لو جاء واحد وقال أنا كاتبت سيدي بخمسين ألف ريال لتاجر من التجار وأريدك تعطيني زكاة مالك يجوز أو لا يجوز حتى تعتق هذا الرجل؟ يجوز، وقال بعضهم (وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ) يعني ضعوا عنهم بعض ما كتبتم عليه، يعني مثلاً إذا لو كاتبته بخمسين ألف وجاء بأربعين عرفت أن الرجل صادق وجاد ضع عنه بقية هذه المكاتبة لأن الله هو الذي وهبك هذا المال وجعل هذا مملوكاً لك وجعلك سيداً. أيهما أصح الأول الزكوات وإلا طرح المال؟ نقول لا مانع من كلا أمرٌ بكلا الأمرين. (وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا) إذا ما أرادت تحصناً نُكْرهها على البِغاء؟ ما فائدة الشرط؟ هذا الشرط لبيان الواقع لأن الذي لا يريد التحصن لا يقع عليه الإكراه بل يأتي إلى الزنا مطيعاً راغباً، فهو لبيان الواقع هذا، ولذلك قال ابن عطية (إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا) راجع إلى الفتيات، وذلك أن الفتاة إذا أرادت التحصن فحينئذ يمكن أن يُتصور أن يكون السيد مُكرِهاً ويمكن أن يُنهى عن الإكراه وإذا كانت الفتاة لا تريد التحصن فلا يتصور أن يقال للسيد لا تُكرهها لأن الإكراه لا يتصور وهي مريدةٌ للزنا فهذا أمرٌ في سادةٍ وفتيات حالهم هذه. ما معنى حالهم هذه؟ حالهم أنها تريد تحصناً وهو يكرهها. يقول: وذهب هذا النظر عن كثير من المفسرين، فهو لبيان واقع حال هؤلاء. وسبب النزول كما قيل عبد الله بن أبي بن سلول كان له إماء وكان يكرههن على الزنا يريد المال والولد. فإذاً (إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا) هذا الشرط لبيان الواقع الذي كان عند نزول الآية وأنه لا يتصور الإكراه إلا لمن أرادت التحصّن. لماذا كان يكرهها عبد الله بن أبي؟ قال (لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) أي تريدون شيئاً من عرض الدنيا من مالِهنّ ومهورهنّ وأولادهنّ ولذا نهى النبي عن كسب الحجّام ومهر البغي وحلوان الكاهن.ثم قال الله (وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ) الضمير يعود إلى الفتيات. (فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ) لأن النبي قال: " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرِهوا عليه ".ثم لما فصّل الله هذه الأحكام قال (وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ) يعني القرآن فيه آيات واضحات مفسرات. (وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ) أي خبراً عن الأمم الماضية وما حل بهم في مخالفتهم أوامر الله كما قال سبحانه (فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ). (وَمَوْعِظَةً) أي زاجراً عن ارتكاب المأثم والمحارم، (لِلْمُتَّقِينَ) أي لمن اتقى الله. هل يكون القرآن موعظة لغير المتقي؟ لا، إنما يؤثر فيمن اتقى الله ولذلك قال ابن مسعود: إذا سمعت (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) فأرعِ لها سمعك فإنما خيرٌ تؤمر به أو شرٌ تُنهى عنه.ثم قال الله (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ) قال ابن القيم : ضرب الله لهذا النور ومحله ومحامله ومادته مثلاً بمشكاة، يعني ضرب الله مثلاً لنوره مثلاً بالمشكاة، ما هي المشكاة؟ هي الكوّة في الحائط، المشكاة في قول جمهور المفسرين هي الكوّة في الحائط، وقال ابن عباس: هو موضع الفتيلة من القنديل، لكن الأشهر هو القول الأول. فهي مثل الصدر وفي تلك المشكاة زجاجة من أصفى الزجاج حتى شُبِّهت بالكوكب الدريّ في بياضه وصفائه وهي مثل القلب وشُبِّه بالزجاجة لأنها جمعت أوصافاً هي في قلب المؤمن وهي الصفاء والرقة والصلابة. فقال الله (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) يعني هادي السموات والأرض، وقال السُدّي (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) بنوره أضاءت السموات والأرض، قال ابن القيم : النور يضاف إلى الله على أحد وجهين إضافة صفة إلى موصوفها وإضافة مفعول إلى فاعله. فالأول الذي هو إضافة الصفة إلى موصوفها كقوله (وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا) فهذا إشراقها يوم القيامة بنوره إذا جاء لفصل يوم القيامة، ومنه الدعاء المشهور " أعوذ بنور وجهك الكريم ".أنا أسألكم أيها الأخوة هنا في هذه الآية: هل هو من باب إضافة الصفة إلى الموصوف؟ أو من باب إضافة المفعول إلى الفاعل؟ (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) يصح أن نقول هنا في هذه الآية أنها إضافة الصفة إلى الموصوف وعلى هذا نحمل من قال من السلف إن قوله (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) قال فبنوره أضاءت السموات والأرض، فهو من باب إضافة الصفة إلى الموصوف. ويصح أن يكون من باب إضافة المفعول إلى الفاعل وعليه نحمل من قال: الله هادي السموات والأرض. النور في كلام العرب هو الأضواء المُدرَكة بالبصر، ويستعمل مجازاً فيما صحّ من المعاني ولاح فيقال كلام له نور، هل لما يقال كلام له نور هل ترى نوراً؟ لا، وإنما هذا استعير هذا الشيء الحسي إلى شيء معنوي، فالله نور السموات والأرض يشمل هداه في السموات والأرض ونوره الحقيقي كما قال النبي " أنت نور السموات والأرض ومن فيهن ".ثم قال الله (مَثَلُ نُورِهِ) الضمير يعود إلى ماذا؟ فيه قولان لأهل التفسير: Ø القول الأول أنه عائد إلى الله أي مثل هداه في قلب المؤمن قاله ابن عباس. Ø القول الثاني: أن الضمير عائد إلى المؤمن الذي دل عليه سياق الكلام والتقدير: مثل نور المؤمن الذي في قلبه كمشكاة، فشبه قلب المؤمن وما هو مفطور عليه من الهدى وما يتلقاه من القرآن المطابق لما هو مفطور عليه. أيهما أرجح يا إخواني؟ الأول هو الراجح وأن الضمير عائد إلى الله ، وسبب تضعيفنا للقول الثاني لأنه يعود إلى غير مذكور، يعني نحتاج أن نتكلّف حتى نعيد الضمير إلى المؤمن.(كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ) المصباح هو الذبالة التي تضيء، (الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ) أي هذا الضوء مشرق في زجاجة صافية قال أُبيّ وهو نظير قلب المؤمن. (الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ) من الدر أي كأنها كوكب من درّ، قال أبيّ بن كعب: كوكب مضيء. (يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ) أي يستمد من زيت زيتون شجرة مباركة فالشجرة المباركة هي شجرة الزيتون. (زَيْتُونَةٍ) بَدَل من شجرة أو عطفُ بيان، (لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ) هذا وصفها أي ليست في شرقي بقعتها فلا تصل إليها الشمس من أول النهار، ولا في غربيها فيتقلص منها الفيء قبل الغروب، بل هي في مكان وسط، تأتيها الشمس من أول النهار إلى آخره. (يَكَادُ زَيْتُهَا) يعود الضمير إلى الشجرة (يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ) لضوء إشراق الزيت. قال الله (نُورٌ عَلَى نُورٍ) يعني بذلك إيمان العبد وعمله، يعني نور النار ونور الزيت، فالمؤمن يتقلب في خمسة من النور، فكلامه نور، وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة (نُورٌ عَلَى نُورٍ) يعني نور النار ونور الزيت حين اجتمعا أضاءا ولا يضيء واحد بغير صاحبه، كذلك نور القرآن والإيمان إذا اجتمعا في قلب المؤمن فلا يكون واحد منهما إلا بصاحبه، فالمنافق الذي يقرأ القرآن هل يرى نوراً؟ وكذلك المؤمن الذي لا يقرأ القرآن، فالقرآن والإيمان إذا اجتمعا أضاءا في قلب المؤمن (نُورٌ عَلَى نُورٍ).قال الله (يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ) أي هذا النور الذي ضرب الله له مثلاً يهدي الهداية متعلقة بمشيئة الله فيختار من يشاء ويحرمه من يشاء (وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) أي هو أعلم بمن يستحق الهداية ويستحق هذا النور وممن يستحق حرمانه. هذا الآن عندنا مُشَبّه ومُشَبّه به قال ابن القيم : في هذا التشبيه لأهل المعاني طريقان:Ø الطريق الأول: طريقة التشبيه المركب وهو أقرب مأخذاً وأسلم من التكلُّف، وهو أن تشبِّه الجملة برمّتها بنور المؤمن من غير تعرض للتفصيل، تقول: إن الله ضرب لنوره مثلاً بنور المؤمن حينما يجتمع معه القرآن. من غير تعرض لتفصيل كل جزء من أجزاء المشبّه ومقابلته بجزء من المشبّه به، وعلى هذا يقول ابن القيم: عامة أمثال القرآن. هذه الطريقة الأولى وهي الأسلم، أن نشبّه هذا النور بنور المؤمن.Ø الطريقة الثانية: طريقة التشبيه المفصل فتجعل كل شيء مذكور في هذه الآية في المشبّه ما يقابله من المشبَّه به فمثلاً تقول: المكشاة صدر المؤمن، والزجاجة قلبه، وهكذا، لكن أيهما أوضح للمتلقي؟ الطريقة الأولى طريقة التمثيل المركب وأن الله شبّه نوره بقلب المؤمن بما ذكر في هذه الآية.يقولون إن الشيخ صالح البليهي رحمة الله عليه: سئل ما رأيك نعمل الشاي من ماء زمزم هل يجوز أو لا يجوز؟ قال الشيخ رحمة الله عليه: شاي وماء زمزم، نور على نور، اجتمعت شاي جيد وماء زمزم لا شك أنه أطيب الماء، نور على نور. الآن حتى الناس يقولون نور على نور إذا أرادوا أن شيئاً اجتمع مع شيء آخر مثله وأحسن منه قال: نور على نور. ثم قال الله (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) ما مناسبة هذه الآية لما قبلها؟ قال السعدي : لما كان نور الإيمان والقرآن أكثر وقوعه في المساجد ذكرها منوِّهاً بها. وقال ابن كثير : لما ضرب الله تعالى مثلاً لقلب المؤمن وما فيه من الهدى والعلم ذكر محل ذلك وهي المساجد التي هي أحب البقاع إلى الله. قال الله (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ) أذِنَ أي أمر وقضى، وهو إذن شرعي أو كوني؟ شرعي، لأنه محبوب إلى الله لكن لا يلزم حصوله. ولكن أنتم تعلمون أن الفرق بين الإذن الكوني والإذن الشرعي، أن الإذن الشرعي محبوبٌ إلى الله لكن لا يلزم حصوله، والإذن الكوني القدري لا بد من وقوعه لكن ربما يكون محبوباً وربما لا يكون محبوباً لله . وجاء في القرآن كثير الإذن الشرعي والإذن الكوني. (أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) قال السعدي: قوله (أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) هذان مجموع أحكام المساجد، فيدخل في رفعها بناؤها، وكنسها، وتنظيفها، وصيانتها عن اللغو فيها، ويدخل في قوله تعالى (وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) الصلاة كلها فرضها ونفلها، وقراءة القرآن، والتسبيح والتهليل، وتعلّم العلم وتعليمه - كمجلسكم هذا - والاعتكاف، وسائر أنواع العبادات. والخلاصة أن ترفع حسّياً ومعنوياً، أن تُبنى وتنظف وتهيّأ للعبادة وتقام فيها الصلوات وسائر العبادات. وقد جاء في السنة جملة من أحكام المساجد منها فضل بنائها كما قال النبي : " من بنى مسجداً لله يبتغي به وجه الله، بنى الله له مثله في الجنّة "، تحريم نشد الضالّة فيها جاء في الحديث: أن رجلاً أنشد في المسجد، فقال: من دعا إلى الجمل الأحمر؟ فقال النبي : " لا وجدت - دعاء عليه -، إنما بنيت المساجد لما بنيت له "، كما حرّم فيها البيع والشراء وهذا يا إخواني يقع من كثير من الباعة بعض المساجد لها باحة يصلي فيها الناس بعض الصلوات فيجلس يبيع في هذه الباحة وهذه الباحة لها أحكام المسجد لأنها متصلة بها فينبغي أن تُنهى الباعة عن الجلوس وأن يخرجوا إذا أردوا البيع والشراء أن يخرجوا خارج المسجد وعن باحته المتعلقة به، " إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد، فقولوا: لا أربَحَ الله تجارتك ".من المسائل يا إخواني التي انتشرت في هذا الزمان السؤال في المسجد إذا صلوا الناس قام واحد وقال يا جماعة أنا صار علي حادث وأنا قدّر الله عليّ وأنا أبي مريض وعليّ إيجار وعليّ كذا فهل يجوز؟ لو تأملنا يا إخواني ما منع منه من البيع والشراء ونشد الضالة فإن هذا مثله ولذلك ينبغي أن يمنع هؤلاء من السؤال لأنفسهم في المساجد، فإن المساجد لم تُبنى لهذا ولذلك ينهوا عن أن يقوموا أمام الناس، لكن لو جلس خارج المسجد وجلس كما هو عادة الناس إذا جلس فقيرٌ أو مسكينٌ خارج المسجد أعطوه هذا شيء أما سؤاله أمام الناس وحديثه عن حاله فشيء آخر وينبغي أن يُمنع منه وأن يقال له: إن المساجد لم تُبنى لهذا. (وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) اسم الله. (يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا) الضمير يعود إلى المساجد (بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ) الغدو هو أول النهار، والآصال هو آخر النهار. قال السعدي : خصّ هذين الوقتين لشرفهما ولتيسير السير فيهما إلى الله ورسوله، ولذلك جاء عن ابن عباس أن المراد بالغدوّ صلاة الصبح، وبالآصال صلاة العصر، وهما أول صلاتين فرضهما الله على العباد وقد جاء في الحديث الصحيح: " من صلّى البردين دخل الجنة ".قال الله (رِجَالٌ) إشعار بأن المساجد إنما بنيت للرجال، وأن الرجال هم المأمورون بإقامتها لكن هل تُمنَع منه النساء؟ يقول النبي " لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وبيوتهن خيرٌ لهن". فالأولى أن تصلي المرأة في بيتها لكن قول الله (رِجَالٌ) إشارة إلى أن المأمورين بإقامة الصلاة هم الرجال. (رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ) هذا خبرٌ من الله عن هؤلاء الرجال أي أنهم إذا سمعوا إقامة الصلاة تركوا البيع والشراء وأتوا إلى المسجد، فهذا خبرٌ كما أخبر الله عنهم هنا فقد أمرهم هناك في سورة المنافقون (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ) وفي سورة الجمعة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ) فالله مدح هؤلاء الرجال بأن الدنيا لا تشغلهم عن ذكر خالقهم ورازقهم (رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ). جاء عن ابن عمر أنه كان في السوق فأقيمت الصلاة فأغلقوا حوانيتهم ودخلوا المسجد فقال ابن عمر: فيهم نزلت (رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ) أي في حكمهم وليس هذا سبب النزول.(يَخَافُونَ) لماذا أغلقوا وتركوا البيع والشراء؟ (يَخَافُونَ يَوْمًا)، اليوم ما هو؟ يوم القيامة. (تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ) مقصد الآية وصف يوم القيامة أنهم يخافون ذلك اليوم العظيم الذي قال الله عنه (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ) وكما قال سبحانه (إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ) كل ذلك أوصاف لذلك اليوم العظيم.ثم قال (وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ) أي يتقبل منهم الحسن ويضاعفه لهم كما قال (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا)، (وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ) وقال هنا (وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ). انظروا خاتمة الآية لما تركوا البيع والشراء لماذا؟ واحد يقول: يا أخي أنت مسكين أنت غريب يا أخي الزبائن أتوا يشترون ويبيعون كم يفوتك من الربح؟ تُغلِق ثم الناس يتفرقون ويروحون وما يرجع الزبون والمشتري ختم الآية بقوله (وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) فإن الأرزاق بيد الله فكما تغلق مكانك وتغلق تجارتك ومحلك فإن الرزق الذي تنتظره من الله هو الذي يرزق وهو الذي أمرك بإغلاق محلك فلا تخشى على رزقك. انظروا يا إخواني دائماً يقول العلماء أن خاتمة الآية يترجم عن مضمونها ولها مناسبة بها.ثم قال الله (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ) السراب هو ما ترقرق من الهواء في الهجير في فيافي الأرض المنبسطة وأوهَمَ الناظر إليه على بعد أنه ماء، سُمّيَ بذلك لأنه ينسرب كالماء (كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ) بقيعة هل هي كلمة أو كلمتين؟ الباء حرف جر و(قيعة) جمع قاعٍ والقاع هو المنخفِض المنبسِط من الأرض، البعض الذين يقرأون سريعاً يظن أنها كلمة واحدة، لكن الصحيح أن الباء حرف جر والمقصود بالبقيعة هي القيعة جمع قاع، مثل ما ذكر الله في سورة الكهف (تَزَاوَرُ عَنْ) هل هي كلمة أو كلمتين؟ كلمتين (تزاور) وحرف الجر (عن).(كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ) من الذي جاءه؟ جاء الظمآن، (لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا) إنما هو سراب (وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ) وجد الله عنده أي عند حسابه على أعماله، هذا المثل ضربه الله لمن؟ ضربه الله لأعمال الكافرين.ثم قال الله (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ) يعني في بحر عميق (يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا) يقول العلماء : هذان مثلان ضربهما الله لنوعين من الكفار: Ø فأما الأول من هذين المثلين وهو قول الله (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ) فهو للكفّار الدُعاة إلى كفرهم الذين يحسبون أنهم على شيء من الأعمال والاعتقادات يعني لم يكتفوا بالكفر فقط وإنما دعوا إلى الكفر يظنون أنهم يحسنون صنعاً كما قال الله في آية لكن إذا كان يوم القيامة هل يجدون هذه الأعمال؟ لا يجدون كما قال (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا) Ø المثل الثاني (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ) قال العلماء: هذا مثال للأتباع، يعني الأول مثال للمتبوعين، والثاني للأتباع الرعاع المقلِّدون لأئمة الكفر، فهذا مَثَل قلب الكافر الجاهل البسيط المقلِّد الذي لا يدري أين يذهب ولا يعرف حاله (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا) هذا مثال لذلك الكافر التابع لغيره من غير عِلْم المقلِّد، والمثال الأول مثال للدُّعاة، مثال للمتبوعين. ماذا تلاحظون يا إخواني؟ قال الله (ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ) مثل ما قال هناك في قلب المؤمن وفي أحوال المؤمنين (نُورٌ عَلَى نُورٍ) وهنا قال (ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ) ولذلك عقّبها بقوله (وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ) أي من لم يهده الله فهو هالك جاهل حائر بائر كافر كما قال (مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ) وذلك في مقابل ما قال الله لما تكلم عن نوره (يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ) فبين هذه الآيات وبين التي قبلها مقابلة، الأولى المؤمن ومعه نور الله هذه الآية تحكي الكافر سواء كان داعية تابعاً أو متبوعاً ومعه الظلمات ولذلك قال الله (يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ). وقال (وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا) في هذه الآية (فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ). فنسأل الله العظيم أن يجعل في قلوبنا نوراً، وعن أيماننا نوراً، وعن شمائلنا نوراً وأن يُعظِم لنا نوراً، وأن يجعل لنا نوراً. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. |
| #40 | |||
| |||
| درس الظهر - المجلس الثالث المجلس الثالث (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴿٤١﴾ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ﴿٤٢﴾) بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. يقول الله (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ) يخبر الله في هذه الآيات أنه يسبح له من السموات والأرض أي من الملائكة والأناسي والجانّ والحيوان حتى الجماد كما قال (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ (44) الإسراء). (وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ) أي في حال طيرانها تسبِّح ربها وتعبده بتسبيح ألهمها وأرشدها إليه. ثم قال الله (كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ) معنى (كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ) أي كلٌ له صلاة وعبادة بحسب حاله اللائقة به وقد ألهمه الله تلك الصلاة والتسبيح أي (كُلٌّ قَدْ عَلِمَ) من الذي علِم؟ من في السموات والأرض. أي كلٌ له صلاة وتسبيح خاصة به تليق به قد علِمَها، هذا معنى. ويحتمل أن الضمير يعود إلى الله (كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ) أي كلٌ قد عَلِم اللهُ عباداتهم وإن لم تعلموا بها أيها العباد إلا ما أطلعكم الله عليها. الآن عندنا في معنى (كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ) عندنا معنيان: Ø المعنى الأول (كُلٌّ قَدْ عَلِمَ) الضمير يعود إلى من في السموات والأرض Ø والقول الثاني يعود إلى الله أيهما أرجح؟ تأملوا خاتمة الآية قال الله (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ) لو رجّحنا القول الثاني ستكون خاتمة الآية تكرار، لو قلنا أن المراد كلٌ قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون في صلاتهم وتسبيحهم معناه تكرار إذن الاحتمال الأول أو المعنى الأول أصحّ لسياق الآيات لأن الله ختم الآية (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ) فدلّ على أن المعنى الثاني مذكور في خاتمة الآية فلم يبقَ إلا المعنى الأول وهو كلٌ قد علم صلاته اللائقة به وتسبيحه، هل تسبيح الطير وصلاته وعبادته مثل تسبيح وصلاة الجماد والإنس والجن؟ لا، كلٌ قد علم صلاته وتسبيحه. ثم أخبر الله أن له ملك السموات والأرض فقال (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي هو الحاكِم المتصرِّف الذي لا معقِّب لحُكمه وهو الإله المعبود الذي لا تنبغي العبادة إلا له . (وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ) أي المرجِع يوم القيامة فيحكم فيه بما يشاء فهو الخالق المالك له الحكم في الدنيا والآخرة وله الحمد في الأولى والآخرة . ثم قال سبحانه (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا) الرؤية هنا رؤية عين أو رؤية عِلْم؟ رؤية عين. يُزجي معناه يسوق والإزجاء يستعمل في سَوْقِ كلّ ثقيل ومدافعته كالسحاب (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي) أي يسوق (سَحَابًا) السحاب هو بداية المطر وما يحمله من خيرات (ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ) يؤلّف بين السحاب أي يجمعه بعد تفرقه سحابة هنا سحابة هناك ثم تجتمع (ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا) أي متراكباً يركِّب بعضه فوق بعض أي أول ما ينشأ السحاب سحاباً متفرقاً ثم المرحلة الثانية يجمع متفرّقه تلتحم السحابة هذه بتلك ثم يجعل بعضه فوق بعض (فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ) الودق أي المطر، يخرج من خلاله أي من خلله وكذا قرأها ابن عباس والضحّاك. ثم قال الله (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ) كم فيها من حرف (من)؟ ثلاثة، الأولى لابتداء الغاية والثانية للتبعيض والثالة لبيان الجنس، هذا على قول من قال أن في السماء جبال حقيقية جبال بَرَد ينزّل الله منها البَرَد إذا قلنا أن من الأولى لابتداء الغاية والثانية للتبعيض والثالة لبيان الجنس فهذا على قول من قال إن الجبال جبال حقيقية في السماء من برد. القول الثاني الجبال كناية عن السحاب وهو الراجح وأن الله شبّه السُحُب بالجبال أي سُحُبٍ كالجبال وعلى هذا تكون (من) الثانية لابتداء الغاية لكنها بدل من الأولى وليست للتبعيض. إذن إذا قلنا الجبال جبال حقيقية فتكون (من) الثانية للتبعيض زإذا قلنا إنها كناية عن السحاب فهي بدل من الأولى لابتداء الغاية وهو الراجح. الراجح أن الجبال كناية عن السحاب وليس المقصود جبال حقيقية من بَرَد. قال الله (فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء) الضمير في (به) يعود إلى ماذا؟ إختلف المفسرون في عَوْد الضمير هنا فقال بعضهم المراد به نوعي البَرَد والمطر، فإذا قلنا أنه نوعي البرد والمطر يكون قوله تعالى (فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء) رحمة (وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء) تأخير الغيث عنهم. لكن إذا قلنا أن المراد به البَرَد يكون معنى الآية (فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء) أي بالبَرَد نقمة (وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء) رحمة، أيهما أرجح؟ هل الأرجح المطر أو الأرجح البرد؟ إذا عاد الضمير إلى المطر فتفسير (فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء) يختلف عما إذا قلتم يعود إلى البَرَد، لأن فيصيب به رحمة إذا كان المطر لكن إذا كان البَرَد، هل إصابة البَرَد رحمة؟لا، الأقرب والله أعلم أن الضمير يعود إلى البَرَد لأمرين: Ø الأول لأنه أقرب مذكور (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ) فهو أقرب مذكور Ø الأمر الثاني أن الإصابة لا تأتي غالباً إلا في الشرّ ومنه سُميّت المصيبة والمصائب. إذن الضمير يعود إلى البَرَد لأنه أقرب مذكور. (يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ) يكاد ضوء برقه من شدته يخطف الأبصار إذا تبعته وتراءته وذلك من قوته. ثم قال الله (يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) أي يتصرف فيهما فيأخذ من طول هذا في قصر هذا حتى يعتدلا ثم يأخذ من هذا في هذا فيطول الذي كان قصيراً ويقصر الذي كان طويلاً والله هو المتصرِّف فيهما نحن في هذه الأيام نلاحظ أن الليل بدأ يأخذ من النهار ففي بلادنا وأيامنا هذه الليل بدأ الآن يأخذ من النهار من أوله ومن آخره فطلوع الفجر يتأخر وغروب الشمس كذلك يتقدّم. (إِنَّ فِي ذَلِكَ) أي فيما ذكر (لَعِبْرَةً لِّأُوْلِي الْأَبْصَارِ) لذوي القلوب المُبصِرة التي تعرف أن لهذا الكون خالقاً ومدبراً كما قال الله (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ (190) آل عمران). ثم قال الله (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ) الدابة هي كل ما يدبّ على الأرض أي يتحرك ويدخل فيه الطير في الهواء والحوت في الماء. (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء) قيل من نطفة التي هي المنيّ وفي هذا تغليب لما خُلِق من نطفة على غيره لأن بعض المخلوقات لا تُخلق من نطفة وإنما تُخلق من الانقسام. وقيل المراد (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء) أي من الماء المعروف لأنه يدخل في تركيب كل حيّ كما قال (وجعلنا من الماء حيّ). ثم قال الله (فَمِنْهُم) الضمير يعود إلى المخلوق (مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ) في هذه الآية نلاحظ أن الله عزّ وجل رتّب الخلق على الأعجب فما كان يمشي بلا آلة أعجب ممن يمشي برجليه ومن يمشي برجليه أعجب ممن يمشي على أربع، فالله رتّب هذه الآية على الأعجب في الخلق بدأ بذكر من يمشي على بطنه ثم ذكر من يمشي على رجلين ثم ذكر من يمشي على أربع. وقوله (علَى أَرْبَعٍ) نلاحظ أن بعض الأشياء لها أكثر من أربع أرجل فماذا ذكرت الأربع واكتفي بها؟ قالوا لأن الأربع بها قوام المشي وما زاد عن الأربع فهو زيادة في الخِلّقة لا يُحتاج إليه، هكذا قال بعض المفسرين. ويمكن أن نقول أن الله هو وجل قد ذكر الأعمّ الأغلب في الخلق فكون أحد يزيد عن أربع هذه مخلوقات قليلة، الأعمّ الأغلب إما يمشي على بطنه كالزواحف أو يمشي على رجلين كالإنسان أو يمشي على أربع كالأنعام الإبل البقر الغنم وغير ذلك وسائر الحيوانات. ولهذا قال (يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاء) أي بقدرته ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ولذلك ختم الآية مناسبة لمضمونها فقال (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فخَلَقَ هذا بلا رجلين وهذا برجلين وهذا بأربع لتعلموا أن من مشى على رجلين أو على أربع أرجل فإنما هما سبب إذ قد أجرى الله مخلوقات للمشي بلا آله إن الله على كل شيء قدير. ثم قال (لَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) أي أن الله أنزل في هذا القرآن من الحكم والأمثال الينة المحكمة الكثيرة وأنه يرشِد إلى تفهمها وتعقلها أولي الألباب والبصائر من أراد الله لهم الهداية والاعتبار والتذكر ولذلك قال ابن عطية هذه آية اعتبار إذا قرأها الإنسان فليقرأها معتبراً وليتذكر من خلق هذه المخلوقات ومن رزقها فهو المستحق للعبادة وهو المستحق لإفراد العبادة له . ثم قال الله (وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم) لو تأملنا هذه الآيات تتحدث عن صنف من البشر هم المنافقون ولذلك إذا عرفنا أنها تتحدث عن المنافقين فنعلم أنها مناسبة لما قبلها لأن الله ذكر المؤمنين وذكر الكفار ثم بيّن أن هناك صنف يُظهرون الإيمان ويبطنون الكفر وهم المنافقون فقال (وَيَقُولُونَ آمَنَّا) أي المنافقين يقولون قولاً بألسنتهم لا يجاوز حناجرهم لم يصل إلى قلوبهم (آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا) دعوى آمنا بالله وآمنا بالرسول وأطعنا كذلك أننا آمنا وعملنا! يقول الله (ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ) أي يخالفون اقولهم بأعمالهم فيقولون ما لا يفعلون ولذلك ختم الآية بقوله (وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ). أي أن الإيمان أيها المدّعون ليس فقط دعوى باللسان وإنما هو قولٌ باللسان وتصديقٌ بالجَنان وعملٌ بالأركان. ثم قال الله (وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ) أي إذا طُلِبوا إلى اتباع الهدى بما أنزل الله أعرضوا واستكبروا (إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ) كما قال سبحانه في آية أخرى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ (60) النساء) إلى أن قال (رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا (61) النساء). لكن هل هم دائماً يُعرِضون عن حكم الله؟ لا، (وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ) أي أنهم غير معرضين إلا لأنهم يعرفون أن الحق ليس في صفهم لكن متى ما كان الحق في صفهم يأتوا إليه مذعنين بمعنى أنهم إذا رأوا الحق في صالحهم أتوا إلى النبي نفاقاً فإذعانهم لم يكن عن اعتقاد أن ذلك هو الحق بل لأنه موافقٌ لهواهم ولذلك لما خالف الحق قصدهم أو حينما يخالف الحق قصدهم في مواطن أخرى فإنهم يعرِضون كما وصفهم الله . فمن صفات المنافقين أنهم يُعرِضون عن الحكم إذا كان في غير صالحهم ويذعنون إذا كان الحكم في صالحهم (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ (85) البقرة). ثم قال الله مبيناً حالهم، لماذا يذعنون هنا ويعرضون هناك؟ قال (أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ) لازمٌ لها (أَمِ ارْتَابُوا) أي قد عرض عليهم شكٌ في دين الله ؟ (أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (بل) هنا للإضراب، ما المراد بها؟ قال العلماء: Ø الإضراب هنا إما إنكاري بمعنى أنهم لا يتحاكمون للأسباب التالية يعني أنهم يذعنون إذا كان لهم الحق ويعرضون إذا كان الحق مع غيرهم لأحد الأسباب الثلاثة إما لأن في قلوبهم مرض وإما لأنهم مرتابون وشاكّون في دين الله أم يخافون أن يظلمهم الله . Ø المعنى الثاني أن يكون للإضراب الانتقالي أي ولا واحد من هذه الثلاثة أي ليس في قلوبهم مرض ولا يشكّون وهم يعلمون أن ما ذُكِر في هذه الحكومة حق ويقين ولا يخافون أن يحيف الله عليهم لأنه لا يمكن أن يحكم النبي بغير العدل بل السبب الحقيقي وراء حالهم هذا هو الظلم والعدوان (بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) فإما أن يكون السبب هذه الأمور الثلاثة أو يكون ولا واحد من هذه الأمور الثلاثة فهم ليس في قلوبهم مرض ولم يرتابوا ولا يخافون أن يحيف الله عليهم إنما فعلوا ما فعلوا من أجل ظلمهم. ثم قال (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ) المناسبة ظاهرة لأنه لما ذكر حالة المعرضين عن الحكم الشرعي ذكر حالة المؤمنين الممدوحين المذعنين له فقال (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) أي هؤلاء هم المؤمنون حقاً أيها المنافقون، أنتم تقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا لكن هل هذا إيمان حقيقي؟ لا، يتبين لما تأتي إلى التحاكم فإنك إن حُكِم لك أذعنت وإن حُكِم لغيرك أعرضت لكن المؤمن الحقيقي الذي يقول سمعنا وأطعنا سواء كان الحكم له أو عليه. (أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) في مقابل ذلك (بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ). ثم قال الله (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ) ما مناسبة هذه الآية لما قبلها؟ في الآية السابقة نلاحظ أن هناك طاعة مخصوصة وهي التحاكم فلما أثنى الله على المؤمنين بأنهم يطيعون ربهم طاعة خصوصة وهي طاعة التحاكم أثنى عليهم بالطاعة عموماً وأنهم يطيعون الله دائماً وأبداً في كل أحوالهم فقال (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) فلما ذكر فضل الطاعة في الحكم خصوصاً ذكر فضلها عموماً أي يطع الله فيما أمر ونهى، يطيع الله فيما أمر ويطيع الله في ترك ما نهى ويخشى الله أي فيما مضى من ذنوبه ويتقه فيما يستقبل من أموره (فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ). ما معنى التقوى هنا في هذه الآية؟ التقوى هنا في هذه الآية المراد بها ترك المحظور على وجه الخصوص والسبب في أنهم يقولون أن التقوى هنا هي ترك المحذور لأنها اقترنت بالخشية والطاعة فإذا اقترنت التقوى بالخشية والطاعة فالمراد بها ترك المحظور وإذا أفردت لوحدها فالمراد بالتقوى فعل المأمور وترك المحظور كما قلنا في تعريف التقوى: أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله وأن تترك معصية الله على نور من الله تخشى عقاب الله هذا تعريف التقوى إذا أُفرِدت أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية بفعل أوامره واجتناب نواهيه. إذا قرنت بالطاعة فإن معناها يكون ترك المحظور فحسب لأن الأمر بالمعروف أو بالطاعة قد ذُكِر وقُرِن معها. إذن التقوى هنا في هذه الآية (وَيَتَّقْهِ) هل هي فعل المأمور وترك المحظور؟ أم هي ترك المحظور فحسب؟ هي ترك المحظور، لماذا؟ لأنها قُرِنت بالطاعة. ثم قال الله (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُل لَّا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ) أقسموا من هم؟ المنافقون، جهد أيمانهم أي بلوغ الغاية في عقدها وانعقادها ولذلك غالباً الكذّاب إذا رأيت الإنسان يحلِف الأيمان المغلّظة ففي الغالب أنه كاذب لأن الصادق لا يحلف إلا إذا طلب منه أن يحلف يميناً واحدة، لكن الكذّاب كاد المريب أن يقول خذوني. (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ) جهد أيمانهم يعني بلوغ الغاية في انعقاد اليمين. (لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ) بالخروج للغزو (لَيَخْرُجُنَّ) يقولون نحن عندنا طاعة عندنا طاعة دائمة في كل شيء حتى في الغزو في الحرب نخرج، فماذا أجابهم الله؟ (قُل لَّا تُقْسِمُوا) لا تحلفوا (طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ) للعلماء في قوله (طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ) قولان: Ø الأول قد عُلِم طاعتكم فهي معروفة أي طاعة قولٍ لا فعل معه، هذا القول الأول، طاعة معروفة يعني أن طاعتكم نعرفها وخبرناها فهي معروفة مجرد أقوال لا أفعال معها وعلى هذا فهي بمعنى الخبر أي تخبر عن طاعتهم عن شيء قد عُرِفوا به يقسمون جهد ايمانهم فإذا أتى الجهاد وأُمروا بالخروج تخلّفوا، هذا ديدنهم دائكاً الكذاب يُكثِر الحلف لذلك ينبغي للإنسان أن لا يكثر الحلف (وَلاَ تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ (224) البقرة) احفظوها بألا تحلفوا كثيراً واحفظوها بأنكم إن حلفتم أن تبروا بها. ولذلك كثر عن المنافقين الحلف فقال (يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ (96) التوبة) أي شيء يحلفون. (اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً (16) المجادلة) إذن يدين المنافقين الحلف والإكثار من الحلف فلا ينبغي أن يكون ذلك ديدن المؤمن. Ø القول الثاني في معنى (طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ) قال العلماء هذا أمرٌ وليس بخبر أي ليكن أمركم طاعة معروفة أي من غير حلف ولا إقسام لا يحتاج أن تقسموا هذا أمرٌ لكم أي ليكن أمركم طاعة معروفة بالمستقبل بالمعروف من غير حلف ولا إقسام كما أن المؤمنين لا يحلفون عندما يطيعون ربهم فكونوا أنتم مثلهم يعني (قُل لَّا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ) إما اخبار أن طاعتكم مجرد أقوال لا أفعال معها أو أمرٌ لهم بعدم الإقسام مستقبلاً وأطيعوا كسائر المؤمنين بلا حلف. الطاعة معروفة من غير إقسام أمرناكم بالخروج أُخرجوا كما يخرج المؤمنون والآية تحتمل كِلا المعنين. (إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) أي هو خبير بكم وبمن يطيع ممن يعصي فالحلف وإظهار الطاعة وإبطان ما خلافه وإن راجعة للمخلوق فإن الخالق يعلم السرّ وأخفى لا يروج عليه شيء من ذلك التدليس بل هو خبير بضمائر عباده وإن أظهروا خلافها. ثم قال الله (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) أي اتبعوا كتاب الله وسنة رسوله (فإن تولوا) أي تتلوا عنه وتتركوا ما جاءكم به (فَإِنَّمَا عَلَيْهِ) أي النبي (مَا حُمِّلَ) من إبلاغ الرسالة وأداء الأمانة (وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ) من تعظيم ذلك والقيام مقتضاها (وَإِن تُطِيعُوهُ) أي تطيعوا رسولكم (تَهْتَدُوا) لأنه يدعو إلى صراط مستقيم وهو (صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ (53) الشورى). ثم قال الله (وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) أي إنما على نبينا فقط البلاغ وهذا من رحمة الله بأنبيائه إذ الله كلّفهم بالبلاغ، هل كلّفهم بهداية الناس؟ لأنه يأتي نبي وليس معه أحد، هل يقال معاذ الله نبي لم ينجح في دعوته؟! لا، لأن الله قد أمره فقط بالبلاغ كما قال (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (40) الرعد) (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ (21) لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ (22) الغاشية) ولذلك الإنسان مأمور بالدعوة إلى الله، مأمور بالأمر بالمعروف بالنهي عن المنكر، هل الاستجابة مما كلّف الله بها الداعين؟ لا، لكن إذا استجيب فالحمد لله تحققت الثمرة وإذا لم يستجب قامت الحجة. ثم قال الله (وعد الله من قبلهم) الوعد يكون بالخير ويكون بالشر، فالخير كما في هذه الآية والشرّ كما في قوله تعالى (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ (47) الحج) فالوعد هنا وعدٌ بالخير وهو أنه قد وعد نبيه محمداً أنه سيجعل أمته خلفاء في الأرض أي سينصرهم ويجعلهم ائمة ولذلك لم يمت النبي حتى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين وسائر جزيرة العرب وأرض اليمن بكمالها وأخذ الجزية من مجوس هجر وبعض أطراف الشام وهداه هرقل ملك الروم وصاحب مصر والاسكندرية ثم لما مات رسول الله قام بالخلافة بعده أبو بكر فحارب المرتدين وأرسل الجيوش إلى فارس والروم ثم قام بالخلافة بعده عمر ثم عثمان ثم عليّ ثم قامت الدولة الأمورة ثم قامت الدولة العباسية ثم الدولة العثمانية فامتدت المماليك الإسلامية إلى أقصى مشارق الأرض ومغاربها ففتحت بلاد المغرب إلى أقصى ما هنالك من الأندلس وقبرص والقيروان وغير ذلك وهذا كله من تحقيق هذا الوعد الذي وعد الله المؤمنين (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) هذه الآية الكريمة كقوله تعالى (وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26) الأنفال) هذه الآية نزلت والنبي لم يفتح مكة بعد، نزلت سورة النور في السنة الرابعة في بداية الدولة الاسلامية ومع ذلك حصل هذا الوعد وتحقق وعد الله لعباده المؤمنين. (كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) كما قال تعالى عن موسى (عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129) الأعراف). ثم قال الله (وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ) كما قال لموسى (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ (6) القصص). (وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ) النبي قال لعديّ بن حاتم حين وفد عليه: أتعرف الحيرة؟ قال لم أعرفها ولن قد سمعت بها قال والذي نفسي بيده ليتمنّ الله هذا الأمر حتى تخرج الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت من غير جوار أحد ولتفتحن كنوز كسرى بن هرمز، قال كسرى بن هرمز؟ يعني شيء عظيم – كأن يقال الآن تفتح أميركا- قال نعم، كسرى بن هرمز وليبذلنّ المال حتى لا يقبله أحد، قال عدي بن حاتم فهذه الظعينة تخرج من الحيرة تطوف بالبيت قال أنا رأيته وهو في حياته ولقد كنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، كان من الجيش، والذي نفسي بيده لتكونن الثالثة التي هي "ليبذلنّ المال" في آخر الزمان، هذا المال يبذل ولا يتلفت له أحد. قال لأن رسول الله قد قالها، هذا مقتضى الإيمان. قالها قبل أن تُفتَح كسرى وأنا رأيت اثنتين فلا بد من حصول الثالثة. الشرط في التمكين والاستخلاف وتبديل الخوف إلى أمن (يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) كما قال النبي حقّ العباد على الله أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً. إذن الشرط في الاستخلاف وتبديل الخوف والتمكين في الأرض هو إفراد العبادة لله وترك الشرك (يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) أي فمن خرج عن طاعتي بعد ذلك فقد فسق عن أمر ربه وكفى بذلك ذنباً عظيماً ولذلك الصحابة لما كانوا أقوم الناس بعد النبي كان نصرهم بحَسَبِهم وأظهروا كلمة الله في المشارق والمغارب وأيّدهم تأييداً عظيماً وتحكموا يسائر البلاد. ولما قصّر الناس بعدهم في بعض الأوامر نقص ذلك الظهور بحسبهم فكلما كان الناس إلى ربهم أقرب نَصَرَهم الله وكلما تركوا عبادة الله وأشركوا معه غيره نقص هذا التمكين. (وَمَن كَفَرَ) قيل أراد كُفر النِعم إذا وقعت فيكون الفسق هذا فسقاً غير مُخرِج من الملّة وقيل أراد الكفر والفسوق المُخرجين من الملة وهذا ظاهر قول حذيفة فإنه قال: كان على عهد النبي نفاق وقد ذهب ولم يبق إلا كفرٌ بعد إيمان وقد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي قال: لا تزال طائفة من أمتي على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى يوم القيامة. وبهذه الآية نختم هذا المجلس وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. |
| #41 | |||
| |||
| درس العصر الدرس 93: تفسير سورة النور من آية 58 حتى آية 20 من سورة الفرقان الملقي: د. أحمد بن محمد البريدي موعدها: 3:50:00 م 1432/11/15 هـ المجلس الأول (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴿٥٥﴾ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴿٥٦﴾ لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴿٥٧﴾) بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وقفنا في المجلس السابق عند قول الله (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) والمناسبة بين هذه الآية وبين الآية التي قبلها ظاهرة فإن الله لما قدم عمل الصالحات في الآية السابقة بيّنها في هذه الآية فنصّ على أعظمها وهي إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ثم عمّم ذلك بطاعة الرسول لأنها عامة في جميع الطاعات في كل ما أمر به النبي . والجزاء كما ختم الله في هذه الآية قال (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) فإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة النبي من أعظم أسباب الرحمة، والرحمة من أعظم أبوابها إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة النبي كما قال في الآية الأخرى (أُولَـٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ الله). ثم قال (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ) لا تحسبن أي لا تظنّ يا محمد (الَّذِينَ كَفَرُوا) أي الذين خالفوك وكذّبوك وآذوك وكذّبوا برسالتك وعاندوك لا تحسبنّهم معجزين في الأرض، أي لا يعجزون الله بل هو قادرٌ عليهم وسيعذِّبهم أشدّ العذاب ولهذا قال (وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ) أي مأواهم في الدار الآخرة (النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ) أي لبئس المآل مآل الكافرين وبئس القرار قرار الكافرين إذ مآلهم ومصيرهم نارُ جهنم عندما خالفوك وعاندوك. ثم قال الله بعدها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) لعل قائلًا منكم يقول ما الفرق بين هذه الآية وبين الآية التي تكلّمنا عنها في الأسبوع الماضي وهي قول الله في أول السورة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا) فما الفرق؟ هذه فيها الأمر بالاستئذان كما تلك فيها الأمر بالاستئذان، فما الفرق بين الآيتين؟ الأولى ذكرت استئذان الأجانب بعضهم على بعض وهم القادمون من خارج البيوت إلى البيت، وفي هذه الآية ذكرت أحكام الاستئذان أو استئذان الأقارب بعضهم على بعض وهم من كانوا داخل البيت. فتلك في استئذان الأجانب بعضهم على بعض وهذه في استئذان الأقارب. قال الله (لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) (مَلَكَت أيمانكم) هم الجواري والعبيد قال بعض المفسرين يُراد بها الرجال خاصّة فأمَرَ الله المؤمنين أن يستأذن عليهم مماليكُهم أو عبيدُهم. وقيل بل هي عامّة في الرجال والنساء سواءً كان أمَةً أو عبدًا أُمروا بالاستئذان وهذا هو رأي الطبري . (وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ) أي الأطفال الذين لم يبلغوا الحلم مأمورون بالاستئذان على أهلهم ثلاث مرات أي قد أُمروا، هل هم أُمروا بالاستئذان في كل حال؟ هؤلاء هل هم أُمروا بالاستئذان ليلًا ونهارًا؟ لا، وإنما قال الله ثلاث مرات أي أُمِرتُم بالاستئذان في ثلاثة أحوال:Ø الحال الأول قال الله (مِّن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ) لأن الناس إذ ذاك يكونون نياماً في فُرُشِهم وقد جرت عادة النائم التخفّف من ملابسه فربما اطّلع الأولاد أو المماليك على ما ليس لهم الإطلاع عليه من العورات وغيرها. Ø ثم قال الله (وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ) الظهيرة هي وقت القيلولة نصّ الله على وضع الثياب هنا دون بقية الوقتين الآخرين لقِصَر هذا الوقت فبيّن أن العِلّة هي وضع الثياب فيتخفف الإنسان من ثيابه أي ربما يقول قائل وقت القيلولة قصير فلا يتخفّف الإنسان من ثيابه وإنما نكتفي بالوقتين الأول والثالث، نقول لا، لأن الله قد نصّ على ذلك ذكر العِلّة وهي عِلّة غالبة وإلا الإنسان مأمور في هذا الوقت. ووضع الثياب قيل لأجل النوم قال (حِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ) قيل من أجل النوم وقيل من أجل الحرّ ويُسمّى ظهيرة لأن النهار يظهَر فيه ويشتدّ. Ø الوقت الثالث قال الله (وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ) إذ هو كذلك وقت النوم. إذًا الخلاصة من بعد صلاة العشاء إلى الفجر أُمروا بالاستئذان، في الليل من بعد صلاة العشاء إلى الفجر يُأمر, بعد المغرب؟ لا, في النهار؟ وقت واحد أُمروا بالاستئذان الذي هو وقت الظهيرة أما بعد صلاة الفجر؟ بعد صلاة العصر؟ هذه الأوقات الثلاثة التي كان الناس غالبًا ما ينامون فيها بخلاف أحوال الناس اليوم -جعلوا النهار ليل والليل نهار - لكن نتكلم عن غالب أحوال الناس أو الأصل في أحوال الناس أنهم ينامون ليلًا ويستيقظون نهارًا ويجعلون وقت القيلولة راحةً لهم فيُؤمر الخَدَم والأطفال أن لا يهجموا على أهل البيت في هذه الأحوال لِمَا يُخشى أن يكون الرجل مع أهله أو نحو ذلك من الأعمال أو ربما ظهرت بعض العورات وتخفف الإنسان من الثياب. ولذلك قال الله بعدها (ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ) العورة هي كل ما يُستحى منه أي إذا دخلوا في حال غير هذه الأحوال فلا جناح عليكم في تمكينكم إياهم من ذلك ولا عليهم إذا رأوا شيئًا في غير تلك الأحوال لأنه قد أُذِن لهم. قال (طَوَّافُونَ عَلَيْكُم) أي في الخِدمة وغير ذلك فإن الخدم يخدمونكم هؤلاء المماليك وهؤلاء العبيد يخدمونكم فلو أمرناهم بالاستئذان في كل حال ووقت كما في الأطفال شقّ ذلك عليهم. فالطوّاف يُغتَفر فيه ما لا يُغتَفر في غيره الذي يأتي باستمرار ويتكرر كثيرًا ولذلك فإن سؤر الهرّة ليس بنَجِس والعلة لأنها من الطوّافين عليكم والطوّافات. ما حكم هذا الاستئذان؟؟ ذهب أهل العلم إلى وجوبه وهذا هو قول الجمهور وذهب بعض أهل العلم إلى استحبابه والأقرب هو القول الأول لما نرى من عناية الإسلام بحفظ العورات والمحافظة عليها فأمر الله الآباء أن يؤدبوا أبناءهم ومن تحت يدهم من الخدم بتعليمهم هذا الخلق الإسلامي الرفيع بأن يستأذنوا في هذه الأحوال الثلاثة ولمّا كانت هذه الآية مُحْكَمة ولم تنسخ بشيء وكان عمل الناس بها قليلاً جدًا، الناس في وقت ابن عباس يعملون بها قليلًا فما بالكم بحالنا اليوم؟! أنكر عليهم عبد الله ابن عباس فعن سعيد بن جبير قال ابن عباس: ترك الناس ثلاث آيات فلم يعملوا بهنّ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ) إلى آخر الآية, والآية التي في النساء (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ) والآية التي في الحجرات (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّـهِ أَتْقَاكُمْ) يقول ابن عباس: ترك الناس ثلاث آيات فلم يعملوا بهن، هذا في زمن ابن عباس فما بالكم بأحوال الناس؟! ولذلك نرى كثيرًا من الأبناء الصغار يحدِّثون بأشياء تحدث بين آبائهم عندما لم يلتزم الآباء في الخُلُق الإسلامي بتعليمهم آداب الاستئذان. قال ابن عطية معلّقًا على عبارة ابن عباس قال: عبارة ابن عباس بترك الناس إغلاظٌ وزجر إذ لم تُلتزم حقّ الإلتزام وإلا فما قال الله هو المعتّقد في ذلك عند العلماء المكتوب في تواليفهم أعني أن الكرم، التقوى، وأما أمر الاستئذان فإن تغيير المباني والحُجُب أغنت عن كثير من الاستئذان وحدّته إلى حدّ آخر وأين أبواب المنازل اليوم من مواضع النوم؟ لأنه كان الناس بينهم وبين الآخرين ربما يكون الحاجز قطعة قماش أو غيره الحمد لله اليوم البيوت أوصدت ويستطيع الإنسان إقفالها ولذلك يُشرع للآباء أن يُغلِق الباب سواء كان أعلمهم بالاستئذان من الخارج أو هو يقوم يمنعهم من الدخول في هذه الأوقات الثلاث. قال الله (كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّـهُ لَكُمُ الْآيَاتِ ۗ وَاللَّـهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) أي عليمٌ بحالِكُم، حكيمٌ بما يشرعه لكم. ثم قال بعدها (وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ) الأطفال ما هو ضابط الطفل؟ السنّ الذي يؤمر الطفل به بالاستئذان لا يوجد تحديد دقيق والأقرب أنه راجعٌ إلى تمييزه فإذا بدأ الطفل بالتمييز فإنه يؤمَر بذلك، متى ما بدأ الطفل يعرف أن هذه عورة وأن هذا مما يستحيى منه وأنه يجب على الإنسان تغطيته فإنه إذا ميّز هذه الأمور فإنه يؤمَر أو فليؤمر بالاستئذان في كل وقت، ولذلك قال الله (وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ) أي إذا بلَغوا وعرَفوا (فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ) أي الأجانب بحيث يكون يستأذن كل وقت وإن لم يكن في الأحوال الثلاث. (كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) أي كما استأذن الكبار من ولد الرجل وأقاربه (كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّـهُ لَكُمْ آيَاتِهِ ۗ وَاللَّـهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ). ثم قال الله (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ) القواعد هنّ اللواتي انقطع عنهن الحيض ويئسن من الولد (اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا) أي لم يبق لهن تشوّف إلى التزويج (فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ) أي ليس عليها من الحَرَج في التستّر كما على غيرها من النساء. قال ابن مسعود يضعن ثيابهن أي الجلباب أو الرداء وكذا روي عن ابن عباس ومجاهد وغيره. (غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ) هذا شرط آخر (غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ) أي لا يتبرجنّ بوضع الجلباب أي يُرى ما عليها من الزينة. ثم قال الله (وأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ) فمعنى هذا أن وضع الثياب رخصة لهنّ وليس مستحبّاً فالمستحبّ حتى في القواعد من النساء هو التستّر وعدم وضع الثياب. إذن خلاصة شروط وضع المرأة لثيابها ثلاثاً: Ø الأول أن تكون من القواعد كبيرة Ø الثاني أن لا يكون لديها رغبة في الزواج Ø الثالث أن لا تقصد بوضع ثيابها التبرّج والتبرج هو طلب الظهور أي إظهار زينتها ألا تقصد بوضع ثيابها إظهار زينتها. مع هذه الشروط الثلاثة المشدّدة ختم الله الآية بقوله (وأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ) أي تلك القواعد فلا يضعن ثيابهن خيرٌ لهنّ (وَاللَّـهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).ثم قال الله بعدها (لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ) اختلف المفسرون في المعنى الذي رُفِعَ من أجله الحَرَج عن الأعمى والأعرج والمريض في هذه الآية. Ø فقال بعض السلف أنها نزلت في الجهاد أي ليس عليهم في الجهاد حَرَج، هؤلاء لا يلزم أن يخرجوا الأعمى والمريض والأعرج لا يستطيع أن يجاهد أي أنهم لا إثمَ عليهم في ترك الجهاد لضعفهم وعجزهم كما قال في سورة براءة (لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّـهِ وَرَسُولِهِ ۚ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ ۚ وَاللَّـهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿٩١﴾ وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ) هذا هو القول الأول في معنى رفع الحرج عن الأصناف الثلاثة الأعمى والأعرج والمريض أنها في الجهاد والتخلُّف عن الجهاد. Ø وقال بعض المفسرين المُراد هاهنا أنهم كانوا يتحرّجون من الأكل مع الأعمى أي أنها نزلت في الأكل معهم، فالأعمى لا يرى الطعام وما فيه من الطيبات إذا أكلت مع الأعمى فإنك تأكل الطيّب وتدع له غير ذلك، فربما سبقه غيره إلى الطيّب. ولا مع الأعرج لأنه لا يتمكن من الجلوس فيقتات عليه جليسه، وكذلك المريض فإنه لا يأكل كما يأكل الصحيح. فقالوا إنّ هذا الحرج المرفوع في الأكل مع هذه الأصناف الثلاثة والعِلّة في ذلك أن هؤلاء الأصناف الثلاثة لا يستوفون حقّهم من هذا الطعام. Ø القول الثالث أنها في الأكل كذلك لكن العِلّة أنهم كانوا يتقزّزون ويتحرّجون من الأكل مع هؤلاء تقذرًا وتقززًا لأن الأعمى ستذهب يده يمينًا وشمالًا، ما هو القول الراجح؟ القول الراجح أنه لا مانع من حمل الآية على كل هذه المعاني لأن الله أجمل هنا أو عمّم ولم يخصّ فالمراد هو نفي الحرج عن هؤلاء بالنسبة للتكاليف التي تستوجب السلامة من هذه العيوب العمى والعَرَج والمرض فالحرج مرفوعٌ عنهم في كل ما يضطرهم إليه العذر. ثم قال الله (وَلَا عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ) ما معنى (وَلَا عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ)؟ أي نفي الحرج، (أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ) إلى آخر الآية، ما سبب ذكر البيوت هنا مع أنها معلومة؟ معلوم أنه لا حرج على أن يأكل الإنسان من بيته. لما ذُكِرَت بيوت الإنسان مع أنه قد عُلِمَ أنه لا حرج عليه أن يأكل في بيته إذا ما أكل في بيته أين يأكل؟! لكن لماذا ذُكِرَت؟ قال بعض المفسرين نُصّ على البيوت هنا ليعطف غيره في اللفظ وليساوي ما بعده في الحُكم ليعطف عليه غيره في اللفظ، يعني ليس عليكم حرج أن تأكلوا في بيوتكم يعني هذا الحرج مرفوع كما هو مرفوع عن بيوتكم في بقية ما ذُكر في الآية. أي إن أكلت في بيتك أو أكلت في بيت أبيك أو بيت أمك فإن الحُكْم واحد لا حرج عليك في ذلك. وقال بعض أهل العلم إن المراد بالبيوت هنا بيوت الأبناء لقول النبي "أنت ومالك لأبيك" إذ لم تُذكر بيوت الأبناء هنا فكُنِّي عنها أو عبِّر عنا ببيوتكم أي أن بيوت أبنائكم كبيوتكم. ثم قال الله (أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ) كل ذلك ظاهر، بيوت العمّات بيوت الأخوال بيوت الخالات كل ذلك ظاهر. ثم قال (أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ) ما معنى ملكتم مفاتحه؟ يعني ما حزتم وصار في قبضتكم، أو ما ملكتم مفاتحه من البيوت أي ما حُزتُم وصار في قبضتكم. وعند جمهور المفسرين يدخل في الآية الوكلاء والعبيد والأُجراء بالمعروف. وعن عائشة قالت: كان المسلمون يرغبون في النفير مع رسول الله فيدفعون مفاتحهم إلى ضمنائهم ويقولون قد أحللنا لكم أن تأكلوا ما احتجتم إليه فكانوا يقولون إنه لا يحلّ لنا أن نأكل إنهم أذنوا لنا عن غير طيب أنفسهم وإنما نحن أُمناء فأنزل الله (أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ). قال السعدي هذا الحرج المنفي عن الأكل في هذه البيوت المذكورة في هذه الآية كلها حتى بيت الصديق أو الصاحب، يقول السعدي هذا الحرج المنفي عن الأكل في هذه البيوت كل ذلك إذا كان بدون إذن والحكمة معلومةٌ من السياق، الحكمة في رفع الحرج معلومةٌ من السياق فإن هؤلاء المذكورين في هذه الآية قد جرت العادة والعُرْف بالمسامحة في الأكل فيها -أنت تدخل بيت والدك وبيت عمك وتأكل إذا أعطوك- قد جرت العادة والعرف بالمسامحة في الأكل فيها لأجل القرابة القريبة أو التصرّف التام أو الصداقة -لاحظوا يا إخواني كلام السعدي دقيق جدًا- فلو قُدّر في أحد هؤلاء عدم المسامحة لم يجز الأكل ولم يرتفع الحرج نظرًا للحكمة والمعنى. يقول السعدي إن رفع الحرج بناءً على ما غلب بين الناس في عُرفِهم وعادتهم وأن هؤلاء يتسامحون فيما بينهم فالأب يسمح لابنه أن يأكل من بيته والعمّ كذلك والخال والخالة لكن لو علمت أن فلاناً من هؤلاء سواءً بلسان مقاله أو بلسان حاله لا تطيب نفسه بالأكل من بيته بلا إذن فإنه لا يجوز لك أن تأكل من بيته قبل أن يأذن لك. من أين أخذها السعدي؟ يقول السعدي للحكمة والمعنى يعني رفع الحرج. الله لما رفع الحرج لأنه قد جرت العادة بالمسامحة فإذا لم تحصل مسامحة فالحرج موجود، وإذا كان في عُرْفِهم المسامحة فالحرج مرفوع. قال الله (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا) جميعاً أو متفرقين قال الطبري في هذه الآية ردٌّ لمذهب جماعة من العرب كانت لا تأكل أفراداً البتّة، يعني لا يرون أن الأكل فرادى لا بد أن يصحبهم فيه ضيف فيمتنعون من الأكل حتى يجدوا أحدًا يشاركهم في مأكلهم فأباح الله رفع الحرج عنهم إذا تيسر أحد أن يأكل أحد معك يأكل وإذا ما يتيسر فليس عليك جناح أن تأكل لوحدك فهو رفعٌ للحرج. قال ابن عباس عن هذه الآية لما أنزل الله هذه الآية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ (29) النساء) قال المسلمون إن الله نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل والطعام أفضل من الأموال فلا يحلُّ لأحد منا أن يأكل عند أحد فكفّ الناس عن ذلك فأنزل الله (لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ) إلى قوله (أَوْ صَدِيقِكُمْ). وكانوا أيضًا يأنفون ويتحرّجون أن يأكل الرجل الطعم وحده حتى يكون معه غيره فرخّص الله لهم في ذلك فقال (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا) فيجوز للإنسان أن يأكل وحده، والأكل مع الجماعة أفضل وأبرك فقد جاء في الحديث أن رجلًا قال للنبي إنا نأكل ولا نشبع قال "فلعلكم تأكلون متفرقين اجتمِعوا على طعامكم واذكروا اسم الله يُبَارَك لكم فيه". ثم قال (فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا) (سَلِّمُوا عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ) أي ليسلِّم بعضكم على بعض عبّر عنها بالنَفْس لأن المسلمين كالجسد الواحد وهو تعبير قرآني (فاقتلوا أنفسكم) أي يقتل بعضكم بعضاً. قال مجاهد إذا دخلت المسجد فقل السلام على رسول الله وإذا دخلت على أهلك فسلّم عليهم وإذا دخلت بيتًا ليس فيه أحد فقل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. وقال جابر إذا دخلت على أهلك فسلّم عليهم تحية من عند الله مباركة طيبة. قال ابن عباس عند قوله تعالى (تحية من عند الله مباركة طيبة) ما أخذت التشهد إلا من كتاب الله سمعت الله يقول (فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّـهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً). ثم ختم الآية بقوله (كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّـهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) تلاحظون أن في هذه السورة على وجه الخصوص كثيرًا ما يقول (كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّـهُ لَكُمْ آيَاتِهِ) (آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ) (لَّقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ) كل هذا يدلّ على أن هذه السورة ما فيها من أحكام محكمةٌ ليست منسوخة وأن الله قد بيّنها بيانًا شافيًا. ثم قال (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّـهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ) الأمر الجامع يراد به ما للإمام حاجةً لجمع الناس فيه لإذاعة مصلحة حينما يجمعهم، فهو أدبٌ أرشد الله عباده المؤمنين فكما أمرهم بالاستئذان عند الدخول أمرهم بالاستئذان عند الانصراف. ولذلك قال النبي : إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلّم فإذا أراد أن يقوم فليسلّم فليست الأولى بأحقّ من الآخرة. لم يذهبوا حتى يستأذنوا النبي إن من يستأذنك يا محمد فإنهم هم المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله. ثم وجّه الله نبيه برفع الحرج عن الناس (فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّـهَ ۚ إِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) ولذلك إنما جُعل الإذن أن يقال لك نعم أو لا، يظن بعض الناس أن مجرد الاستئذان لا بد أن تقول نعم، والله قال (فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ) (فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ) هل قال فائذن لهم قال (فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ) أي إئذن لبعضهم ولا تأذن للبعض الآخر. ثم قال الله (لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا) ما معنى دعاء الرسول هنا؟ اختلف المفسرون في معناه على قولين: Ø القول الأول قال ابن عباس كانوا يقولون يا محمد يا أبا القاسم فنهاهم الله عن ذلك إعظامًا لنبيّه بحيث يقولون يا رسول الله يا نبي الله فالمقصود بالدعاء هنا هو النداء. قال مجاهد أمر الله أن يُهاب نبيه وأن يبجّل وأن يُعظّم وأن يسودّ. ويشهد للقول الأول جملة من الآيات كما قال الله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا (104) البقرة) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ (2) الحجرات) (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ (4) الحجرات) إلى غير ذلك. فهذا من باب الأدب في مخاطبة النبي حينما ننادي النبي لا نقول يا محمد وإنما نقول يا رسول الله يا نبي الله، هكذا أرشد الله عباده وهذا القول الأول. Ø القول الثاني أنها من الدعاء وليست من النداء أي لا تعتقدوا أن دعاءه على غيره كدعاء غيره فإنه مستجاب الدعوة، يعني لا تتهاونوا في دعائه عليكم فاحذروا أن يدعو عليكم فتهلكوا. أيهما اصح؟ القول الأول أصحّ وهو الظاهر من السياق لأن النبي لم يكن معتادًا أن يدعو على الناس كثيرًا فقد حُفظ عن دعائه على غيره أحاديث معدودة أنه دعا على غيره فالمقصود بذلك النداء. ولذلك قال ابن كثير وهو الظاهر من السياق أي الظاهر من سياق الآيات أن المراد بها النداء. وقال ابن عطية عن القول الثاني والذي يقول أن المراد بها دعاء النبي على غيره: ولفظ الآية يدفع هذا القول والأوّل أصح. ثم قال (قَدْ يَعْلَمُ اللَّـهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا) اللواذ هو الروغان والمخالفة وهو مصدر لاوذ وليس بمصدر لاذ، أي يتسللون لواذًا عن نبي الله وعن كتابه. وقال مجاهد لواذًا أي خلافاً. (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ) أي عن أمر النبي وهو سبيله وطريقته وشريعته (أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ) أي أن تصيب قلوبهم أي في قلوبهم من كفر ونفاق أو بدعة أو يصيبهم عذاب أليم في الدنيا بقتلٍ أو حدٍّ أو حبسٍ أو نحو ذلك وبهذا جعلها ابن كثير كلها في الدنيا. ابن كثير يرى على هذا التفسير أن تصيبهم فتنة أي في قلوبهم أو عذاب أليم أي بقتلٍ أو حدّ أنها في الدنيا. ومنهم من قال أن الفتنة في الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة. قال ابن عطية الفتنة في هذا الموضع الاختبار والرزايا في الدنيا أو بالعذاب الأليم في الأخرى ولا بد للمنافقين من أحد هذين. ثم قال الله (أَلَا إِنَّ لِلَّـهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا ۗ وَاللَّـهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) ختم الله هذه السورة بأن له ما في السموات والأرض وأنه يعلم ما أنتم عليه و قال سبحانه (قَدْ يَعْلَمُ) و(قد) هنا يا إخواني للتحقيق وليست للتقليل وقد ورد مثلها كثيرًا كما قال الله في الآية السابقة (قَدْ يَعْلَمُ اللَّـهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا) وقال (قَدْ يَعْلَمُ اللَّـهُ الْمُعَوِّقِينَ (18) الأحزاب) (قَدْ سَمِعَ اللَّـهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا (1) المجادلة) (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ (33) الأنعام) (قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ (144) البقرة) فكل هذه الآيات فيها تحقيق الفعل بـ(قد) تحقيقًا وليس تقليلًا كما يقول المؤذّن تحقيقًا وثبوتًا "قد قامت الصلاة" أي تحقق إقامة الصلاة. فقوله تعالى (قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ) أي هو عالمٌ به مشاهد به لا يعزب عنه مثقال ذرة وهذا يشهد له الآيات الكثيرة في كتاب الله كما قال سبحانه (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ﴿٢١٧﴾ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ﴿٢١٨﴾ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ﴿٢١٩﴾ الشعراء) وقال سبحانه (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ (61) يونس) (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ (33) الرعد) (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّـهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا (6) هود) (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا (59) الأنعام) أي كلُّ ذلك في عِلْم الله . ثم قال (وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ) أي في يوم القيامة (فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا) أي كل هذه الآداب وهذه الأحكام المذكورة في السورة ينبئهم الله إن هم امتثلوا وعملوا وأطاعوا الرسول وامتثلوا ما جاء في هذه السورة وفي غيرها يخبرهم بما فعلوا في الدنيا من جليل وحقير وصغير وكبير كما قال الله (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَـٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا (49) الكهف) كما قال هنا في هذه الآية (وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا ۗ وَاللَّـهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) والله عليم بكم إن امتثلتم ما أمرناكم في هذه السورة وفي غيرها. وبهذا نكون قد انتهينا من تفسير هذا السورة وبها نختم هذا المجلس وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. |
| #42 | |||
| |||
| درس العصر - المجلس الثاني المجلس الثاني (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ﴿١﴾ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ﴿٢﴾ وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا ﴿٣﴾) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين ونصلّي ونسلِّم على البشير النذير محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. يقول الله بسم الله الرحمن الرحيم (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ) هذه السورة إسمها سورة الفرقان سميت بذلك لقول الله (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ) وهي سورة مكية أي نزلت بمكة. ولما نقول سورة مكية أي نزلت قبل الهجرة سواءً كانت نزلت بمكة مكاناً أو نزلت خارج مكة كما إذا قلنا أن السورة مدنية فالمقصود بها بعد الهجرة فسواءً نزلت في المدينة أو خارج المدينة لأن من القرآن ما نزل في مكة ومنه ما نزل في المدينة ومنه ما نزل بينهما ومنه ما نزل في الطائف أو في تبوك أو في بدر. فالمكّي والمدني ضابط الزمان في المكّي والمدني هو الضابط الصحيح لتعريف المكّي فنقول هذه السورة مكيّة أي أنها نزلت قبل هجرة النبي . ما مقصود هذه السورة؟ قال القرطبي مقصود هذه السورة ذكر موضع عِظَم القرآن وذكر مطاعن الكفار في النبوّة والردّ على مقالاتهم. إذاً هذا هو مقصود هذه السورة، الحديث عن القرآن والنبوّة وردّ المطاعن التي طعن بها المشركون في هذين الأمرين ولا شك أن من طعن في نبوة النبي فقد طعن في القرآن ومن طعن في القرآن فقد طعن في نبوة النبي . وهذه السورة فيها إيناس للرسول وتقوية عما واجهه به المشركون في ردِّ ما جاء به من الإيمان والقرآن حينما قالوا (إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ) قالوا عن ماذا؟ عن القرآن. (وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) وقالوا عنه (أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا) (إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا) وقالوا (لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً) (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ) فكل هذا إيناسٌ للنبي وتسليةٌ له عن تلك الهجمات الشرسة في شخصه ، في نبوّته، وفي كتابه. فإن المشركين في هذه السورة لم يألوا جهداً في ردّ نبوة النبي وإنكار ما جاء به من القرآن ولذلك افتتحت هذه السورة بقوله (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ). (تبارك) فعل مضارع من (بارك) مأخوذ من البركة و(تبارك) فعل مختصٌ بالله تعالى ومعناه أي كثرت بركاته. ومن ضمن هذه البركات إنزال القرآن فقال سبحانه (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ) أي ومن بركاته إنزال هذا الفرقان. وقد كرّر الله هذه اللفظة (تبارك) في السورة ثلاث مرات: Ø في أوّلها حين قال (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ) Ø والموضع الثاني عندما قال (تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاء جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَلِكَ) Ø والثالث عند قوله تعالى (تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا) (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ) وصف النبي بالعبودية لأنها أشرف المقامات أن تكون عبداً لله ولذلك ما قال (على نبيه) بل قال (عَلَى عَبْدِهِ) كما قال في أول سورة الكهف (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ (1) الكهف) والفرقان هو القرآن. (لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) الضمير في (ليكون) يعود للرسول كما قال بعض المفسرين وقال بعض المفسرين القرآن وأيهما أصح؟ لا مانع من حمل الآية على كِلا الأمرين فالنبي للعالمين نذيراً وهذا الكتاب كذلك نذيرٌ للعالمين إذ لا تعارض بين القولين. (للعالمين) عامٌ في كل إنسيّ و جنّي عاصره أو جاء بعده. هنا نقول العالمين هم الثقلان الجنّ والانس، (الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الفاتحة) ما المراد بالعالمين هناك؟ المراد كل ما سوى الله، فلماذا قلنا هنا العالمين هم الجنّ والإنس وقلنا هناك أن العالمين كل ما سوى الله؟ سياق الايات. إذ هنا المكلّف والمعنيّ بالنذارة والبشارة من هم؟ هم الجنّ والأنس -ولذلك خذوا قاعدة -الكلمة القرآنية تفسر بحسب سياقها لا تفسر الكلمة القرآنية تفسيراً واحداً في كل القرآن وإنما تفسر بحسب سياقها. (عَلَى عَبْدِهِ) كما قلنا (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ) وكما وصفه في إنزال القرآن وصفه كذلك في الاسراء (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ (1) الإسراء) وصفه بالعبودية (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ (19) الجن).ثم قال الله (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا) ردٌ على اليهود والنصارى والمشركين الذين يقولون إن عيسى ابن الله أو عزير ابن الله أو الملائكة بنات الله. (وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ) يقول بعض أهل العلم هذا ردٌ على عبدة الأوثان. (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ) ردٌ على طائفة يقولون إن الشيطان أو الظُلْمة تخلق مع الله، فهي ردٌ لجميع الطوائف تنزّه سبحانه عن الولد وعن الشريك ثم أخبر أنه (خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) أي كل شيء مما سواه مخلوقٌ مربوب وهو خالِق كل شيء. ثم قال (وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً) من هم الذي اتخذوا من دونه؟ هؤلاء الذين اشركوا أي اتخذوا من دون الله آلهة، ما صفة هذه الآلهة؟ (لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا) أيستحقون أن يكونوا آلهة؟! إذا كان هؤلاء الذين تعبدونهم لا يخلقون بل هم مخلوقون ولا يملكون لأنفسهم فضلاً عن غيرهم لا في دفع الضر ولا في جلب النفع ولا يملكون لهم ولا لغيرهم موتاً ولا يملكون حياةً ولا يملكون النشور بل هذه كلها من اختصاص من؟ الله . فإذاً من المستحق للعبادة؟ من الذي يجب أن يُتَّخذ إلهاً؟ هو الله .ثم قال الله (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا) الذين كفروا هم قريش، (إِنْ هَذَا) الضمير يعود إلى القرآن المُخبَر عنه (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ). (إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ) ما المناسبة بين هذه الآية والتي قبلها؟ قال بعض أهل العلم لما قرر الله بالدليل القاطع الواضح صحة التوحيد وبطلان ضدّه قرّر هنا في هذه الآية صحة الرسالة وبطلان من عارضها أو إعترضها وهي مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. أين قرّر التوحيد بالدليل القاطع؟ في أي آية؟ (لَّا يَخْلُقُونَ). أين تقرر الرسالة؟ وهي معنى شهادة أن لا إله إلا الله أليس كذلك؟ وأين قرّر معنى الرسالة؟ في قوله (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ) فلما قرّر صحة التوحيد قرّر في هذه الآية صحة الرسالة. (إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ) الإفك هو الكذب (افْتَرَاهُ) أي يعنون النبي . (وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ) يقولون أنتم لا تظنون حتى إنه إفتراه أنه يعرف أن يفتري حتى الافتراء والكذب ليس من عنده إمعاناً في ردّ النبي ! فهو كذب وأعانه عليه قوم آخرون أنظروا كيف بلغ كقار قريش من العتوّ وردّ النبي ! وانظروا إلى حلمه وخلقه حينما استمر في دعوتهم ولم يدعو عليهم وقال لعل الله أن يُخرِج من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئاً. (وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ) أي إستعان على جمعه بقوم آخرين قيل إنهم اليهود وقيل عبيدٌ للعرب من الفرس أعانوا النبي هكذا يزعم كفار قريش. (فَقَدْ جَاؤُوا) من هم الذين جاؤوا؟ هؤلاء الكفار، (ظُلْمًا) أي قد افتروا هم قولاً باطلاً يعلمون أنه باطل ويعرفون أنه كذب (وَزُورًا)ً والزور هو تحسين الباطل أي أنهم جاؤا بالظلم وحسّنوه ما اكتفوا أنهم جاؤوا بالظلم إنما جاؤوا بالظلم وحسّنوا هذا الظلم وزوروه حتى يكون هو الحقيقة يعني هل فقط قالوا أن هذا إفك وكذب وتركوه؟ لا، قالوا إفك وأمعنوا وقالوا كذّاب حتى ما يعرف يذكب وأعانه عليه قوم آخرون، وهل إكتفوا بهذا؟! قالوا لا، بل (جَاؤُوا ظُلْمًا وَزُورًا) وحسنوا هذا الباطل حسنوا مقالتهم حتى يصدقه غيرهم. (وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) شُبهة أخرى! وهذا لما قيل لهم هناك أخبار موجودة نعرف أنها موجودة في الكتب نعرفها قالوا هذه أساطير الأولين كتب الأولين إستنسخها ليست قرآناً! لم يُرسل! لم يُنزّل عليه! (فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ) يعني تُقرأ عليه (بُكْرَةً وَأَصِيلًا) في أول النهار وآخره وهذا الكلام لسخافته وكذبه كل أحدٍ يعلم بطلانه إذ قد عُلِمَ بالتواتر وبالضرورة أن محمداً رسول وأنه لم يكن يعاني شيئاً من الكتابة فكان رجلاً أمياً في أول عمره وفي آخره وليس كذاباً بل كانوا يسمونه الصادق ويسمونه الأمين.ثم قال الله (قُلْ أَنزَلَهُ) قل يا محمد أنزل من؟ القرآن، (الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي الله الذي أنزل القرآن المشتمل على أخبار الأولين والآخرين إخباراً حقاً صدقاً مطابقاً للواقع أنزله مَنْ؟ (الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) الله يعلم السرّ فقط أم يعلم السرّ والجهر؟ فلِمَ لم يُذكَر الجهر هنا؟ لأنه من باب أولى إذا عَلِم السر فعلمه بالجهر من باب أولى وهذا من بلاغة القرآن. (قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) الله أكبر! أنظروا خاتمة الآية (إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا) ماذا تفهمون من هذه الآية؟ والله إن هذا القرآن عجب! قالوا إفك، أساطير، زوروه، ثم مع كل هذه الافتراءات دعاهم القرآن إلى التوبة والإنابة وذكّرهم برحمته . فهؤلاء مع كذبهم وافترائهم وفجورهم وقولهم عن الرسول والقرآن ما قالوا يدعوهم إلى التوبة والإقلاع عن ما هم فيه كما قال الله في قول اليهود والنصارى (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) المائدة) ثم قال الله بعدها (أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (74) المائدة) وكما قال الله في أصحاب الأخدود (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا (10) البروج) يقول الحسن البصري عن هذه الآية أنظر إلى هذا الكرم والجود قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والرحمة. ولو درس دارسٌ مواطن دعوة القرآن للمغفرة والرحمة والتوبة حينما يذكر أشدّ أنواع الذنوب لوجد من ذلك عجباً.ثم قالوا شبهات أخرى، مرة يطعنون في القرآن ومرة يطعنون فيمن أتى بالقرآن في صاحب الرسالة وكما قلت لكم تذكروا كلامي أني قلت لكم هذه الآية تسلية للنبي عما واجهه به المشركون. فقال (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ) قالوا أي كفار قريش (مَالِ هَذَا الرَّسُولِ) هذا الرسول لماذا يأكل الطعام مثلما نأكل ما ميزته عنا؟ ليس هناك أي ميزة لمحمد حتى يُرسَل ولا يُرسَل أبو جهل (لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31) الزخرف)! (وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ) يتردد فيها ويقول أنا رسول ومن عند لله ويوحى إلي ويتكسّب أنت الرسول يفترض أن معك كنز ما دام أنت مرسل من عند الله ما يحتاج تذهب للأسواق وتبيع وتشتري! (لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ) شيء آخر أي هلّا أنزل عليه ملك يكون شاهداً على صدقه يعني المفروض أن يأتي معه ملك كلما قال أنا رسول قال الملك معه هو صادق، انظر العتو والإستهتار والإستهزاء بالنبي ! (فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا) كما قال فرعون (فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاء مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (53) الزخرف) وكذلك قال هؤلاء على السواء (تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ (118) البقرة). ثم قال (أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ) أو علم كنز ينفق منه (أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا) تسير معه حيث سار، يعني يقولون أنت تقول أنا رسول ومعي قرآن وأنت مثلنا تأكل الطعام وتمشي في الأسواق لا بد يصير معك جنة تمشي معك، أنظر كيف يستهزئون وكيف التعنت والعناد! وزادوا على ذلك (وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا) يعني هذا رجلٌ ساحر مسحور كذّاب أفّاك، كذبوا والله فهم أهل البُهْت وأهل الكذب. إذ لو جاء الرسول ملكاً لقالوا ما نسطيع لا بد أن يكون مثلنا حتى نفعل مثل ما يفعل ويكون قدوة لنا أما أن تأتي لنا بملك لا قدرة لنا به، إذ ليس مرادهم البحث عن الحق دائماً أصحاب الحجج لا يُسَدّ له باب كلما أغلقت باباً فتح آخر. ولذلك قال الله (انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا) أي جاؤوك بما يكذبونك به من قولهم ساحر مسحور مجنون كذّاب شاعر وكلها أقول باطلة فضلّوا عن طريق الهدى (فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا). ثم قال (تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاء) وهذا الموضع الثاني من قوله تبارك (تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاء جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَلِكَ) لو شاء الله (جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَلِكَ) الضمير في (ذلك) على ماذا يعود ؟ إما أنه يعود إلى ما ذكروه في النقاش من الكنز والجنّة في الدنيا أي ما ذكروه في هذه الأشياء. أو يعود إلى أكله الطعام ومشيه في الأسواق. ويرى الطبري القول الأول بأنه أظهر في الضمير. أما ابن عطية فيرى أن الكل محتمِل ويعود إلى ما ذُكِر وهذا الصحيح الكُلّ محتمل إلى كل ما ذكروه. قال (تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاء جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا) قريش كانوا يسمون كل بيت من حجارة قصراً سواءً كان صغيراً أو كبيراً أما البيت فيسمونه إذا كان من الخيام يسمونه بيتاً وإذا كان من الحجارة يسمونه قصراً وسمي قصراً لأنه قُصِرَ على الداخلين فيه.قال (بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ) أي إن ما يقوله هؤلاء ليس طلباً للحق وإنما تكذيباً وعناداً. (وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ) وأعتدنا لمن هذه حاله أي أرصدنا لمن كذّب بالساعة (سَعِيرًا) أي عذاباً أليماً حاراً لا يطاق في نار جهنم.(إِذَا رَأَتْهُم) أي جهنم (مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ) في مقام الحشر (سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا) لجهنم (تَغَيُّظًا) هل التغيظ يسمع أو يرى؟ التغيظ لا يسمع وإنما المسموع أصواتٌ دالةٌ على التغيّظ كما قال ابن عطية . (وَزَفِيرًا) الزفير صوت ممدود كصوت الحمار عند نهيقه. (وَإِذَا أُلْقُوا فِيهَا) أي ألقوا في النار هؤلاء الذين كذبوك سمعوا لها شهيقاً وهي تفور (تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ (8) الملك) أي يكاد ينفصل بعضها من بعض من شدة غيظها على من كفر بالله نعوذ بالله من نار جهنم. ثم قال الله (وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ) قال عبد الله مثل الزجّ في الرمح إذا ألقوا في ضيقها (مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ) أي مكتّفين أي مربوطٌ بعضهم إلى بعض وروي أن ذلك بسلاسل من نار نعوذ بالله وقال ابن كثير: مكتفين أيديهم إلى أكتافهم، ولا تعارض بين القولين فمقرّنين أنهم مكتّفون وكذلك مقرونٌ بعضهم ببعض فاجتمع عليهم ضيق المكان وتزاحم السكان وقرنهم بالسلاسل والأغلال نعوذ بالله من النار، اجتمع عليهم شرُّ حال. (وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا) أي بالويل والحَسْرة والخيبة (لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا) تدعون ثبوراً واحداً تقولون يا ويلتاه لا، بل ويلات وويلات. (لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا) والثبور هو الهلاك وهو يجمع الهلاك والويل والخسار والدمار كما قال موسى لفرعون (وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَونُ مَثْبُورًا (102) الإسراء) أي هالكاً. (قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ) أي قُل يا محمد لهؤلاء المكذبين المعاندين (أَذَلِكَ خَيْرٌ) (أذلك) الضمير يعود إلى ماذا؟ إلى ما ذكر من أحوالهم في النار. (خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ) المناسبة ظاهرة إذ أنه لما بيّن الله جزاء الظالمين بيّن هنا جزاء المتقين (قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ) أي يا محمد هذا الذي وصفناه من حال أولئك الأشقياء الذين يحشرون على وجوههم مقرّنين مكتّفين إجتمع عليهم ضيق المكان وتزاحم السكان والأغلال والسلاسل خيرٌ أم جنة الخلد التي يخلد فيها ووعد فيها المتقون. تلك الجنة التي (لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاؤُونَ) من ملاذ ومآكل ومشارب وملابس ومراكب ومناظر فيها ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر أذلك خيرٌ أم تلك الحال؟ لا شك. قال في آخر الآية (كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْؤُولًا) اختلف فيه المفسرون في المراد (كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْؤُولًا) على قولين:Ø القول الأول (وَعْدًا مَسْؤُولًا) أي واقعاً لا محالة، يعني وعداً واجباً والوعد الواجب واقعٌ لا محالة، الوعد الواجب من الله واقعٌ لا محالة أي ما وعد الله به المتقين وعداً متحققاً واجباً سيكون.Ø وقال بعض المفسرين (وَعْدًا مَسْؤُولًا) أي سلوا الذي وعدناكم ننجزكم أي نحن وعدناكم فسلوه يوم القيامة أن ينجزكم يعني تقولون يا ربنا أين جنة الخلد التي وعدتنا؟ الفرق واضح بين القولين. ثم قال الله (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ) (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ) قال ابن عطية عند قوله تعالى (وَمَا يَعْبُدُونَ) يريد كل شيء عُبِد من دون الله فغلَّب عبارة عما لا يعقل من الأوثان لأنها كانت الأغلب وقت المخاطَبة ولذلك يجيب من يعقِل بهذا الجواب ومن لا يعقل يقدّرهم الله على هذا الجواب فينطقون. يقول الله (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ) يحشر العابِد والمعبود فيسألهم هذا السؤال (أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ) ماذا سيكون الجواب؟ سيقولون أحد أمرين: إما نحن أضللناهم أو همّ ضلوا السبيل، هل نجد في الجواب هذا الجواب؟ لا، (قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاء) لأن الجواب إما أن يقولوا نحن ضللناهم أو هم ضلوا السبيل لكنهم أجابوا بجواب آخر فما وجهه؟ قال الفرّاء معناه ما كان ينبغي لنا أن نعبد غيرك ونتخذ غيرك ولياً معبوداً فكيف ندعو أحداً إلى عبادتنا؟! أي إذا كنّا نحن لا نعبد غيرك فكيف ندعوا أحداً إلى أن يعبدنا؟! فاقتضى هذا الجواب جواباً وتنزيهاً. هذا الجواب جواباً وتنزيهاً أي مُحالٌ أن ندعوهم، إذا كنا نحن لا نستطيع أن نعبد غيرك ولا يليق بنا أن نعبد غيرك فكيف ندعو غيرنا أن يعبدنا يا رب؟! (قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاء) قُرِئت بفتح النون (أَن نَّتَّخِذَ) نحن وقُرِئت بالضم (أَن نُتَّخَذَ) أي ما ينبغي لأحد أن يعبدنا وهي قريبةٌ من المعنى الأول. (وَلَكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَاءهُمْ) أي طال عليهم العمر (حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ) أي نسوا ما أنزلته عليهم على ألسنة رسلك من الدعوة إلى عبادتك وحدك لا شريك لك. (وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا) قال ابن عباس أي هلكى، قال قتادة والله ما نسي قومٌ ذِكْرَ الله إلا باروا وفسدوا وأفسدوا، من أين أخذها؟ من هذه الآية. وبيّن الله في هذه الآية أن سبب نسياهم بما جاءت به أنبياءهم ما متّعهم الله بالنعم الدنيوية وأدرّها عليهم وعلى أسلافهم ففي هذا تحذير أن الدنيا بزخرفها وزينتها ليست دليلاً على أن الإنسان على الحق ولذلك قال الله (وَلَكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَاءهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا). (فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا) أي فقد كذّبكم الذين عبدتم فيما زعمتم أنهم فيكم أولياء وأنكم اتخذتموهم قرباناً يهني هؤلاء كذبوكم، يا من عبدتم المعبود كذّبكم أنت لما تقول فلان قال لي ويقول ما قلت له معناها بطلت الحجة فلان أمرني فيقول كذاب ما أمرته! (فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ) أي هؤلاء كذبوكم بدعواكم (فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا) لا تقدرون على صرف العذاب عنهم ولا الانتصار لأنفسهم. (وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ) أي يشرك بالله (نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا).ثم قال (وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ) تسلية للنبي لا تظن يا محمد أنك بدع من هؤلاء الرسل، ما أرسلنا قبلك من المرسلين كل المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام كما يعيبك به هؤلاء ما أرسلنا ملكاً، (وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ) أي يتاجرون للتكسّب والتجارة وذلك غير منافٍ لحالهم ومنصبهم فإن الله جعل لهؤلاء المرسلين من السِمات الحسنة والصفات الجميلة والأقوال الفاضلة والخوارق الباهرة ما يستدلّ به كل ذو لبّ وذي عقل على نبوتهم إذ ليس أكلهم الطعام ومشيهم في الأسواق علامةً على عدم النبوة بل الأنبياء قبلك كانوا يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق كما قال الله في آية أخرى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى (109) يوسف) وقال في آية أخرى (وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (8) الأنبياء) أي أنهم كانوا جسداً يأكلون الطعام. قال القرطبي هذه الآية أصلٌ في تناول الأسباب وطلب المعاش بالتجارة والصناعة وغير ذلك. إذا كان الأنبياء والمرسلون يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق يتاجرون ويبيعون ويشتون ولا يكونون عالة على غيرهم فغيرهم من باب أولى. ولذلك كان زكريا نجّاراً وكان داوود يأكل من عمل يده والنبي كان يقول ما من نبي إلا ورعى الغنم وهو رعاها كذلك لقراريط أهل مكة فليس هذا قدحاً في نبوة النبي ولا في الأنبياء الذين قبله. ثم قال الله (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً) أي إختبرنا بعضكم ببعض وبلونا بعضكم بعضاً (أَتَصْبِرُونَ) فالصحيح فتنة للمريض المريض يقول ليتني كنت صحيحاً! والغني فتنة للفقير والرسول المخصوص بالرسالة فتنة لأشراف الناس من الكفار يقولون كيف أنزل على محمد ولم ينزل على رجل من القريتين عظيم؟! والآمر بالمعروف فتنة للمأمور والعكس. يقول الله (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ) أي أتصبرون على هذه الفتنة (وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا) أي أعلم بمن يستحق أن يوحى إليه كما قال (اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ (124) الأنعام). قال محمد ابن اسحاق عند قوله تعالى (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ) قال يقول الله لو شئتُ أن أجعل الدنيا مع رسلي فلا يخالَفون لفعلت ولكني قد أردت أن أبتلي العباد بهم وأبتليهم بهم. وفي صحيح مسلم عن عياض ابن حمار عن رسول الله "يقول الله إني مبتليك ومبتلٍ بك". فالله جعل العباد فتنة وهو أعلم حينما جعل الرسالة في محمد أيها الكفار المعاندون فتنةً لكم لنعلم مدى عبوديتكم وانقيادكم لله وهو أعلمُ وأبصر حينما جعل الرسالة فيه لا في غيره. وبهذا نكون قد انتهينا من هذا المجلس وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. |
| #43 | |||
| |||
| درس المغرب الدرس 94: تفسير سورة الفرقان من آية 21 حتى آية 54 الملقي: د. أحمد بن محمد البريدي موعدها: 6:06:00 م 1432/11/15 هـ المجلس الأول (وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا ﴿٢١﴾ يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا ﴿٢٢﴾ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا ﴿٢٣﴾ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا ﴿٢٤﴾ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا ﴿٢٥﴾ الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا ﴿٢٦﴾) بسم الله الرَّحمن الرَّحيم، الحمدلله رَبِّ العالمين والصَّلاة والسَّلام على المَبْعُوث رحمةً للعالمين، نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين. يقول الله تبارَك وتعالى (وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا) · يَرْجُون: فسَّرَها أبُو عُبيدة في كتابِهِ (مَجاز القُرآن) بـ(يخافُون). · وقال ابن عَطِيَّة : الذِّي يظْهَرُ لي أنَّها على بَابِها لأنَّ خوْف الله تعالى مُقْتَرَنٌ أبداً بِرَجَائِه، ولا شَكَّ أنَّ الخَوْفَ والرَّجاء كجَناحَيّ طائِرْ لا غِنَى للإنسان عنهُما فالإنسان سائِرٌ بين الخَوْف والرَّجاء.(لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ) للمُفسِّرين في معناها قولان: القول الأوَّل: (لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ) أيّ بالرِّسالةِ كما نُزِّلَ على الأنبياء، فأُوحِيَ إلينا كما أُوحِيَ إليهم ويَشْهَدُ لهذا المَعنى قولُهُم في آيةٍ أُخْرى (وإذا جاءَتْهُم آية قالُوا لنْ نُؤمِنَ حتَّى نُؤتَى مثل ما أُوتِيَ رُسُلُ الله (124) الأنعام) القول الثاني: (لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ) أَي فَنَرَاهُم عَيَاناً يُخبِرُوننا أنَّ مُحمَّداً رسُولُ الله كقولهم (أو تأتِيَ بالله والمَلائكَةِ قَبِيلاً (92) الإسراء) ولهذا قال (لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا ) فسَواءٌ قالُوا هَذا المَعْنى أو المَعْنى الأوَّل كُلُّ ذلك منْهم عناداً واستكباراً. ولهذا ردَّ الله عزَّ وجل عليهِمْ بقوله (لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا). لَعَلَّ قائلاً يقول: لماذا لم يُجَابُوا إلى ما طَلَبُوا؟ والجواب أنَّ الله قد أجاب عن هذا الأمْرِ بقوله (ولو أننَّا نزَّلنا إليهم الملائكة وكلَّمَهُم المَوْتى وحَشَرْنا عليهم كُلَّ شيءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤمِنُوا إلاَّ أنْ يشَاءَ الله (111) الأنعام ). إذْ هَل هُمْ شَاكُّون في نُبُّوّة النَّبي صلى الله عليه وسلَّم ويُريدون بُــرْهاناً ودليلاً حتَّى نُعطيهم إيَّاه؟ أو قالُوا ذلك عناداً واستكباراً؟ عِنَاداً واستكباراً. والمُعَانِدْ والمُستَكْبِر لو أَجَبْتَهُ لَفتَحَ لكَ باباً آخَر من العِنَادِ والاستكبار والجِدَال. إذْ إنَّ مقصُودَه رَدُّ الحَقِّ لا البَحْثَ عن الحَقّ، ولذلك خُتِمَت الآية بقوله (لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا).ثُمَّ قال الله بعدها (يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ) أجَابَهُم الله بشيءٍ آخَر، أيَّ أنتُم تُريدون أن تَرَوْنَ الملائكة؟ سَتَرَوْن الملائكة، لكن متى؟ في وقْتٍ لا بُشرى لكُم فيه. وقَدْ اخْتَلَفَ المُفَسِّرون في هذه الرُّؤيةِ أين تكُون؟Ø قال بعضهم: تكُونُ في الدُّنيا وذلك وقتَ الاحتضار، حينما تُبشِّرُهُم الملائكة بالنَّار، سَتَرون الملائكة لكن في وقت،عند احْتضاركُمْ، وانِتْقالِكُم من هذه الدُّنيا سَتَرَوْنَ الملائكة، تُبَشِّرُكُم بنارِ جهنَّم، تُبشِّرُكُم بالنَّار وغَضَبْ الجَبَّار. فتقولُ المَلائكة للكَافِرْ عند خُرُوج رُوحِه: "أُخرُجِي أيَّتُها النَّفْسُ الخَبِيثة في الجَسَدْ الخبيث، اُخْرُجي إلى سُمُومٍ وحَمِيم وظِلٍّ من يحْمُوم". فَتَأْبَى الخُرُوجْ – تِلْك النَّفس- وتتَفَرَّق في البَدَنْ فيَضْربُونه كما قال الله سبحانه (ولو تَرَى إذْ يتوَفَّى الذِّينَ كفروا الملائكة يَضربُون وُجُوهَهُم وأدْبارَهُم (50) الأنفال) (ولو تَرى إذْ الظَّالمُون في غَمَراتِ المَوْت والملائكةُ باسِطُوا أيديهم (93) الأنعام) أي بالضَّرْب (أَخْرِجُوا أنفُسكُم اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عذابَ الهُونِ) إذاً سَتَروْنَ الملائكة. تريدون أنْ تَروْنَ الملائكة؟ سَتَرَوْنَ الملائكة لكِن سَتَرَوْنَهُم حينمَا يُبَشِّرُونكُم بالنَّار وقْت احتضاركم، في وقْتٍ أنتُم فيه أضْعَفْ حال. بخلافْ المُؤمنين الذِّين تُبَشِّرُهُم الملائكة بِرَوْحٌ وريْحَان، تُبَشِّرُهُم بالخَيْرات،وحُصُولُ المَسَّرات (إنَّ الذِّين قالُوا ربُّنا الله ثُمَّ استقامُوا تتنزَّلَ عليهُمُ الملائكة ألاَّ تَخَافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بالجنَّة (30) فصّلت). اُنظُروا إلى الفَرق، فَرْقٌ كبير بين مَنْ عَتَا عُتُواً كبيراً وَطَلَبَ رُؤية الملائكة حتَّى يُؤْمِنَ بالرَّسُول، يُقال له سَتَراه، لكن في وقْتٍ لا تَستطيعُ فيه العمل، في لَحَظاتِ عُمُرِكَ الأخيرة. هذا قَوْل من أقوال المُفسِّرين وأنَّ الرؤيا حاصلةً في الدُّنيا وهي خُروج الرُّوح. Ø القول الثَّاني: (يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ) يعني يوم القيامة وأنَّ تلْكَ الرُّؤيا سَتَروْن الملائكة، لكن سَتَرَوْنَهُم يوم القيامة وقْت الجزاءِ والحِسَاب، لا وقت العمل. وهذا قولُ مُجاهِدٍ والضَّحَاك، ورجَّحَهُ ابنُ عطِيَّةَ رحمةُ الله عليه، وأنَّ الرُّؤيا حاصِلَةٌ لهُم يوم القيامة، ولا تَعَارُض بين القَوْلين. فسَيَروْنَهُم عند الاحتضار والاحتضار هيَ بدايةُ نُقْلَتِهِم من الدُّنيا إلى الآخرة وسَيَروْنَهُم يوم القيامة، وعلى كُلٍّ سَواءً قُلْنا أنَّهُ في الدُّنيا، أو في الآخرة، أو في الدُّنيا والآخرة فهل هذه الرُّؤيا نافعة لهُم؟ - كما قيل الجَزَاء من جِنْس العَمَل- أردتُم رؤيةَ الملائكة عِناداً واستكباراً، وجعلتُموهُ دليلاً لِقَبُولِ الرِّسالة، ونحَنُ نعْلَم أنَّ ذلِكْ من باب العِنادْ لا من باب الاسترشادْ، فالجزاءُ من جِنْس العَمَل. سَتَرَوْنَ الملائكة لكن في وقْتٍ لا تنتَفِعُون بهذه الرُّؤيا. (وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا) (ويقُولون) مَنْ القَائِلْ؟ اخْتَلَف فيه المُفسِّرون كذلك على قَوْلين: · القول الأوَّل أنَّ القَائِلَ الملائكة، أيّ تقُولُ المَلائكة للكَافرين حرامٌ مُحَرَّمٌ عليكُمُ الفَلاحَ اليوم. وأَصْلُ (الحِجْر) المَنْعْ. ومنه يُقال حَجَرَ القاضي عَلَى فُلان، إذا مَنَعَهُ التَّصَرُّفَ في ماله إمَّا لِسَفَهٍ، أو فَلَسْ، أوْ صِغَرٍ أو نَحْوِ ذلك. ومنه سُمِّيَ (الحِجْر) عند البيت الحرام لأنَّه يَمنَعُ الطُوَّافْ أنْ يَطُوفُوا فيه، وإنَّما يُطافُ من ورائه. ويُقال للعقْل (حِجْرٌ) لأنَّه يمنَعُ صاحِبَهُ من تَعاطِي ما لا يليق. ولذلك الملائكة يقولون (حِجْراً محْجُوراً) أيّ حراماً مُحرَّم عليكمُ الفَلاح اليوم. هذا القول الأوَّل وأنَّ القائلَ الملائكة، وهُو قول مُجاهد وعِكْرِمَة. · وحَكَى ابن جَرير الطَّبري في تفسيره عن ابْن جُرَيْج أنَّه قال ذلك مِن كلامِ المُشْركين، فإنَّهم حِينَ يَروْن المَلائكةَ في تِلْك المَشَاهِدْ، سواءً كان في الاحتضار أو في يوم القيامة يتعوَّذُون منهم ويقُولون (حِجْراً محْجُوراً) لأنَّ الملائكة أتَتْهُم في تِلْك الحَالْ للعَذَاب، وذلك أنَّ العَرب كانُوا إذا نَزَلَ بأحدهم نازلة أو شِدَّة كان يقول (حِجْراً مَحجُورا).فالرَّاجِح هو الأوَّل. ولذلك ابن كثير علَّقَ على قول ابن جُرَيْج بقوله: هذا وإنْ كانَ له مأخَذْ لكنَّه بالنِّسبة إلى سياقِ الآية بعيد فَإنَّ قولهم (ويقولون حِجراً مَحْجُـوراً) فإنَّما هُـو من كلام الملائكة على الصَّحيح. ثُمَّ قال الله (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا). (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ) أَيّ هؤلاء الكُفَّار.(فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا) لماذا؟ لأنَّه فَقَدَ الشَّرْط الشَّرعي إمَّا الإخْلاص وإمَّا المُتابعة. إذْ لا يُقبَل العمل إلاَّ أن يكُونَ خالِصاً لله، أو على وِفْقِ هدْي نبيِّه صلى الله عليه وسلّم. فأعمالُ الكُفَّار لا تَخْلُو من واحِدٍ من هذَيْن وقد يجمَعُ الكافِرُ كِلا هَذَيْنِ الأَمْرين يجمَعُ عدم الإخْلاص ويجمَعُ عدم المتابعة. (وَقَدِمْنَا) أي عَمِدنا (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا) · الهَبَاء هو: شُعاعُ الشَّمس إذا دَخَل في الكُوَّة. · وقيل الهَبَاء: هُو المَاءُ المِـهْــــراق. · وقيل الهَبَاء: وَهَجُ الدَّوَابّ. · وقيل الهَبَاء: هُوَ يَابِسُ الشَّجَرِ إذا ذَرْتْهُ الرِّيح. كُلُّ ذلك رُوي عن السَّلَف، ومُرادُهُم تقريبُ هذا العَمل، فَهُو (تفسيرٌ تقريبي) إذْ حَاصِلُ هذه الأقْوال التَّنبيه على مَضْمُون الآية وذلك أنَّهم عَمِلُوا أعمالاً إعتَقَدُوا أنَّها شيء فلمَّا عُرِضَتْ على المَلِكْ الحَكِيم العَدْل تبيَّنَ أنَّها لا شَيءَ بالكُليِّة شُبِّهَت بذلك الشَّيءِ التَّافِهْ الحقيرِ المُتَفَرِّق، الذِّي لا يَقْدِرُ صاحِبُه على جَمْعِهْ فضْلاً عن غيره. كما قال سبحانه في آيةٍ أخرى (مَثَلُ الذِّين كفَروا بِربِّهم أعْمالُهُم كَرَمادٍ اِشتَّدَت به الرِّيح (18) إبراهيم) وقَدْ مَرَّ علينا كذلك في سورة النُّور (والذِّين كفروا أعمالُهُم كسَرابٍ بِقِيعةٍ يحسَبُهُ الظّمآنُ ماءً حتَّى إذا جاءَهُ لم يَجِدْهُ شيئاً (39)). وقد جاءَ وصْفُ الهَبَاء في القُـرآن بِوَصْفَيْن: الوَصْف الأوَّل: بالمَنْثُور كما في هذه الآية قال (هَبَاءً منثوراً) الوَصْف الثَّاني: بالمُنْبَثّ كما في قوله تعالى في سُورةِ الواقعة عن الجِبَالْ (فكانَتْ هباءً مُنبثَّاً) · وقيل إنَّ (المَنْثورَ والمُنبَثَّ) بمعنىً واحِد · وقيل بل (المُنْبَثّ) أرَقُّ، وأدَقُّ من المَنْثُور. ثُمَّ قال الله سبحانُه وتعالى (أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا) لمَّا أقول هذا الماء خيرٌ من ذلك الماء، ماذا تَفهَمْ؟ الجواب أنَّ كِلا المَائَينْ فيهِمَا خَيْر، فالله سُبحانه وتعالى هنا قال (أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا) أي خيرٌ مُسْتَقَرَّاً من أَصْحَاب ومُسْتَقَرّ أهل النَّار، فهل في النَّار خيْر؟ لا خَيْرَ في مُستَقَرِّ أهل النَّار. · ولذلك هُنَا قال العُلمَاء (خَيْرٌ) جاءَت للتَّفضيلِ بين شَيئين لا شِرْكَةَ بَيْنهُما. · وقال ابنُ عَطِيَّة: ويُحتَمَل أنَّ اللَّفْظَةَ إنَّما تضمَّنَتْ تفضيلَ الجنَّة جُمْلة وحُسَنَ هوائِها. · (أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ) أي يوم القيامة (خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا ) · وهَذا مِصْداقُ قولِهِ (لا يَستوي أصْحابُ النَّارِ وأصْحابُ الجَنَّة (20) الحشر)· وكما قال في آيةً أُخرى (خالِدينَ فيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرَّاً ومُقاماً (76) الفرقان). (وَأَحْسَنُ مَقِيلًا) ما وجْه ذِكْرِ المَقيلِ هُنا؟ الوجْه الأوَّل:المَقِيلُ هنا هو وقْتُ القيلُولة وهْو نِصْفُ النَّهار. وسبَبُ ذكر المَقِيلِ هنُا دون غيره من الأوقات كما قال ابن عبَّاس: إنَّما هي ضَحْوَة أَيّ ضُحَى، فَيَقيلُ أولياءُ اللهِ على الأَسِّرَة نصْفَ النَّهار مع الحور العِين. ويَقيلُ أعداء الله مع الشَّياطين مُقَرَّنِيِّن. وقال سعيد بن جُبَير: يَفِرِغُ الله من الحِسَابْ نِصْف النَّهار، فيقيلُ أهْلُ الجنَّة في الجَنَّة، وأهل النَّار في النَّار. وقال ابن مسعود: لا يَنْتَصِفُ النَّهار حتَّى يقيلُ هؤلاء وهؤلاء. فسَببُ ذكر المقيل دونَ غيره من بقيَّة الأوقات أنَّه إلى المقيل ينتهي الحِسابْ. فلا يأتِي وقْت القيلُولة إلاَّ وقد استقَرَّ أهل الجنَّة في الجَنَّة واستقَرَّ أهل النَّارِ في النَّار، نسْألُ الله الجنَّة ونستعيذُ به من النَّار، هذا وجْــه. والوجْهُ الآخر: ما قالَهُ ابنُ عطِيَّة قال: يُحتَمَلُ أنَّ اللَّفظة إنَّما تضمَّنَت تفضيل الجنَّة جُملةً وحُسْنِ هوائها، والعَرَبُ تُفَضِّلُ البلادَ بِحُسْن المَقِيل لأنَّ وقْتَ القيلُولة فيه يَبْدُو فَسَادَ البلاد- يعني إذا كانَ المقيلُ لهُم حَسَناً فأكيد أنَّ بقيَّة الأوْقات أَحْسَن- لأنَّ فسَاد الأوقات وفساد البلاد يبدأ وقت القيلُولة فإذا كان (أحْسَنُ مقيلاً) فالمراد إذا كانَ مقيلهُم حَسَنْ فبقيَّة الأوقاتِ أحسن.ثُمَّ قال الله (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا) يُخبِرُ سُبْحانه وتعالى عن هَوْل يوم القيامة وما يكونُ فيه من الأُمُورِ العَظيمة، فمنها انشقاق السَّماء، وتَفَطُّرِهَا، وانفرِاجها بالغَمَام. والغَمام هو ظُلَل النُّور العظيم الذِّي يُبهِر الأبْصار، وتتنزَّلُ الملائكة كما قال (هَلْ ينظُرون إلاَّ أن يأْتِيَهُمُ الله في ظُلَلٍ من الغَمَامِ والملائكة (210) البقرة) وقال في آيةٍ أخرى (فيومَئذٍ وَقَعَتِ الواقعة (15) وانْشَّقَتِ السَّماء فهِيَ يومَئذٍ واهِية (16) الحاقة) (إذا السَّماءُ انْشَّقتْ (1) الانشقاق) (إذا السَّماءُ انْفطرَت (1) الانفطار). كُلُّ ذلك بيانُ حالِ هوْلِ يومِ القيامة. في ذلك الوقت حينما تَتشَقَّقُ السَّماء بالغَمام، وحينما تتنزَّلُ الملائكة تنزيلاً (المُلْكُ يومئِذٍ الحَقُّ للرَّحمن) كما قال في آيةٍ أُخرى (لِمَنِ المُلْك اليوم لله الواحِد القَهَّار (16) غافر). وقد جَاء في الصَّحيح: أنَّ الله يطوي السَّماوات بيمينه، ويأخُذ الأرَاضين بِيَدِهِ الأُخرى فيقول: أنا المَلِكْ، أنا الدَّيَان، أينَ مُلُوك الأرض؟ أين الجبَّارُون؟ أين المُتكَبِّرون؟ (الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ) أي في ذلك اليوم (الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ) المُلْكَ الحقيقي. ولذلك قالُوا إنَّ الله لمَّا قال (مَالِكِ يومِ الدِّين) خصَّ مُلْكَه بيوم الدِّين مع أنَّه يملِك يوم الدِّين ويَمْلك يوم غيره؟ فَلِماذا خُصَّ يوم الدِّين؟ قالُوا لأنَّه لا يَدَّعِي في ذلك اليوم المُلْك غيره لا يستطيع أَحَدْ، أمَّا في الدُّنيا فالمُدَّعُــون َكثير. (لِمَن المُلك اليوم) (المُلْكُ يومئِذٍ الحَقُّ للرَّحمن). ثُمَّ قال الله (وَكَانَ يَوْمًا) أَيّ ذلك اليوم (عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا) أي شديداً صَعْباً، لأنَّهُ يومُ عَدْلٍ، وقَضَاءٍ، وفَصْل. كَمَا قال في آيةٍ أُخْرى (فَذلِكَ يومئِذٍ يومٌ عسيرْ (9) على الكافرين غيرُ يسير (10) المدثر) هذا حالُ الكافرين، المُكَذِّبين، المعاندين. أمَّا حالُ المُتَّقين، أتباع الأنبياء (لا يَحزُنُهمُ الفَزَعُ الأكْبَرْ وتَتَلقَّاهُمُ الملائكة هذا يَوْمُكُم الذِّي كُنتُم تُوعَدون) ثُمَّ قال الله (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا) جاء في سبَبْ نُزُولها أنَّ الظَّالِمَ عُقبَة ابن أبي مُعَيْط وأنَّ (الفُلان الخَلِيلْ) أُميَّةَ بن خَلَف وذلك أنَّ عُقبَة أرادَ أنْ يُسْلِمْ وكانَ أُميَّة صاحِباً له، مُلازِماً خليله، فنَهَاهُ عن ذلك، فقال الله عزّ َوجل (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا). عَضُّ اليدَيْن هو فِعلُ النَّادِمِ المَلْهُوفْ المُتَوَجِّع علامةً على شِدَّة النَّدَم (يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اِتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28)) وسواءً كانَ سبب نُزولها عُقبة أو غيرُه فهي عامَّةٌ في كُلِّ ظالم سيأتي يوم القيامة ويقول هذه المَقالة سيقول (يَا لَيْتَنِي اِتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا) وهذا يَدُلُّكَ على الحِرْصِ على الصَّاحِبْ الذِّي يَدُلُّكَ على الحَقّ ويُعينُكَ عليه. (لقد أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ) لماذا يتحسَّر؟ لماذا يَعُضُّ على يديه؟ لماذا يَنْدَم؟ هَلْ فاتَتْهُ الأمْوال؟ هل فَاتَتْهُ الكُنُوز؟ التِّجارات؟ يقول (لقد أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ) أيّ عن القُرآن (بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي) أيّ بعد بُلُوغِهِ إليّ. (وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا) أيّ يَخْذُلُه عن الحَقّ ويَصْرِفُهُ عنه ويَسْتَعْمِلْهُ في الباطِل ويَدْعُوهُ إليه. ثُمّ قال الله (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا) أيّ أنَّ المُشْركين كانُوا لا يُصْغُون للقرآن ولا يستَمِعُونه كما قالوا في آيةٍ أُخرى (وقال الذِّين كفروا لا تَسْمِعُوا لهذا القُرآن والْغَوْا فيه (26) فصّلت) وكانُوا إذا تُليَ عليهُم القُرآن أكْثَرُوا اللَّغَطَ والكلام في غيره حتَّى لا يَسْمَعُوه. فهذا من هَجْر القرآن. وهَلْ للهَجْر صُورَةٌ واحِدة ؟ لا ، فهذه إحدى صُوَرِ هَجْرِ القُرآن. ومن صِوَرِ هجْره: Ø تَرْكُ الإيمان به وتصديقِه فذلك من هِجْرانِه Ø تَرْكُ تَدبُّرُه وتَفَهُّمِهِ فذلك من هِجْرانه Ø تَركُ تلاوته والعمَل بما فيه فذلك من هِجْرانه Ø بل قال ابن القيِّم تعالى: إنَّ تَرْكَ الاستشفاءِ به مِنْ هِجْرانِه. فليست صورة هَجْر القرآن صورة واحِدة، بل صُوَر مُتعَدِّدة. قال ابن زيدٍ : هُوَ تنبيهٌ للمُؤمنين على مُلازَمَة المِصْحَف، وألا تكُونَ الغَبْرَة تَعْلُوهُ في الــبُيُوتِ وتشتَغِلَ بغيره وهذه إحدى صُوَر تَرْكِ الهَجْر وهِي التِّلاوة.ثُمّ قال الله (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ) أي كما حَصَل لَكَ يا مُحمَّد في قومِكَ من الذِّين هَجَروا القرآن، كذلك كانَ ذلك في الأُمَم المَاضِين، جَعَل الله عزَّ وجل لِكُلِّ نبيٍّ عدُواً من المُجرمين، يَدعُو النَّاسَ إلى ضَلالهم وكُفْرِهِم، كما قال سبحانه (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شياطينَ الإنْسِ والجِنّ (112) الأنعام). (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ) ولذا خَتم الآية بقوله ( وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا) لِمَنْ اِتَّبَع رسوله صلى الله عليه وسلَّم، وآمَنَ بكتابِهِ، وصَدَّقَه، فإنَّ الله هَادِيه وناصِرَه.وإنَّما قال (هادِياً ونصيراً) لأنَّ المُشركين كانوا يَصُّدُون النَّاس عن اِتِّباع القرآن لئَلاَّ يَهْتَدُوا فَختَمَ الآية بِضِدِّ ما يُؤَمِّلُون. وهذه مناسبة خاتِمَة الآية بقوله (وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا) أي كمَا لَغَوْا في القُرآن واتَّخَذُوا هذا القُرآن مهْجُوراً وكانُوا لَكَ أعْداء لِيَصْرِفُوا النَّاس، فإنَّ الهداية لهذا القرآن واتِّباعِه هي لله عزَّ وجَل (وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا) أي اِكْتَفِي بِربِّكْ هَادِياً ونصيراً. ثُمَّ قال (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ) كلمة (كذلك)· يُحتَمَل أنَّها من قول الكُفَّار أَي (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ) فيكُون الوَقْف عند (كذلك). فإذا وقفنا عند (كذلك) فيكُون الكلام من حديث الكُفَّار. · ويُحتَمَل أن يكُونَ مُستأْنَفاً من كلامِ الله تبارَك وتعالى لا مِنْ كَلامِهم (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً) فيكون الوِقْف عند قوله تعالى (واحدة) وهُو أوْلى، لماذا؟ لأنَّ المعنى كما أنْزلناهُ أرَدْناه. فالإشَارة إلى نُزُولِهِ مُتَفَرِّقاً، أي أنَّهُم يقولون: الكُتُب السَّمَاوية - هذه إحدى الشُّبَهْ ألم أقُل لكم يا إخواني أنَّهُم ذكَروا شُبَه كثيرة في القُرآن، مرَّةً يضربُون في القُرآن، ومرَّةً يضربُون بمن أَتَى بالقُرآن، هَذِه المرَّة في القُرآن ، لمَّا اِنتهَوا أنَّه إفْك وأنَّهُ أسَاطيرُ الأوَّلين قالوا الآن سَنُسَلِّم لَكَ يا مُحمَّد أنَّ هذا القُرآن من عند الله، لماذا لمْ ينْزِلْ القُرآن جُمْلة واحِدة مِثْل ما نَزَل التَّوراة والإنجيل؟ لماذا ينْزِل مُتفَرِّقاً؟ هل رأيتُم العُتُو والاستكبار! قالوا لِنُسَلِّم أنَّه من عند الله وأنَّه كتاب، لماذا لم يَنْزِلْ جُمْلة واحدة؟! ولذلك قال الله عزَّ وجل (كذلك لِنُثبِّتَ به فُؤادَك) أَي نَزَّلناهُ مُتَفرِّقاً (لِنُثبِّتَ به فُؤادَك). هذه الآية تُثْبِتْ أنَّ القُرآن نَزَل مُفَرَّقاً كالآية التِّي في سُورة الإسراء (وقُرآناً فَرقْناهُ لِتَقْرأَهُ على النَّاس على مُكْثٍ). عندنا آياتٍ أُخْرى تُثبِتْ لنا أنَّ القُرآن أُنْزِلَ جُملة: · مثل قوله سبحانه (إنَّا أنزلناهُ في ليلة القَدْر (1) القدر). · ومثل قوله تعالى (إنَّا أنزلناهُ في ليلةٍ مباركة (1) الدخان). · ومثل قوله (شَهْرُ رمضان الذّي أُنزِلَ فيه القُرآن (185) البقرة) .ما الجَمْع بين الأَمْرين؟ ما الجَمْع بين الآيات التِّي تُثبِتْ أنَّ القُرآن نَزلَ جُمْلة وبين الآيات الدَّالة والوقائعِ المعروفة على نُزُول القرآن مُفرَّقاً؟ العلماء في جَمْعهم بين هذه الآيات على فريقين: الفريق الأوَّل قالوا أنَّ للقرآن نُزُولين: (القَوْل الأوَّل في الجَمْع بين القَولين) · النُّزول الأوَّل من اللَّوح المحْفُوظ إلى السَّماء الدُّنيا، وهذا النُّزُول يحتاجُ إلى دليل، ودليله حديث ابن عبَّاس – - حينَما قال: أُنْزِلَ القُرآن جُملةً واحِدة من اللَّوح المحْفُوظ إلى السَّماء الدُّنيا. قد يقول قائل: هذا قول ابن عبَّاس وليس قولاً للنَّبي صلى الله عليه وسلَّم، وابن عبَّاس لا يُوحى إليه، نقُول إنَّ العلماء في مثل هذه الأحاديث التِّي لا مجال للرأي فيها أنَّها من المَرْفُوع حُكْماً وقد صحَّحَ هذا الأَثَر جَمْعٌ من أهل العلم.· النُّزول الثَّاني: يقول أحدكم أنَّ النُّزول الثَّاني من السَّماء الدُّنيا إلى الأرْض وأنا أقولُ أنَّ ما قالَهُ الأَخْ مذْكُورٌ في كثيرٍ من كُتُب علوم القُرآن وهُو خَطأ. لماذا خَطأ؟ هل القُرآن لمَّا نَزل على النَّبي صلى الله عليه وسلَّم نَزَلْ من السَّماء الدُّنيا؟ لا، وإنَّمَا تكلَّم الله به وسَمِعَهُ جبريل وجبريل بلَّغَه النَّبي صلى الله عليه وسلَّم. فالصَّحيح أنْ نقول -وهذا تقرأوه كثيراً في بعض كُتُب علوم القرآن: أنَّ النُّزول الثَّاني من السَّماء الدُّنيا إلى الأرض، وهذا خَطأ ولا دَليلَ عليه فصَحِّحُوا هذا- بل النُّزول الثَّاني نُسَمِّيه الوَحِي، وهو أنَّ الله عزَّوجل تَكلَّم به وسَمِعَهُ جبريل وبلَّغَه النَّبي صلى الله عليه وسلَّم. هذا القول الأوَّل في الجَمْع بين هذه الآيات.القول الثَّاني: قال بعض العلماء الذِّين لا يُثبِتُون حديث ابن عبَّاس يقولون: إنَّ القُرآن له نُزُولٌ واحِد وهو النُّزول المُفَرَّق. قلنا لهُم: ما رأيْكُم بقوله تعالى (إنَّا أنزلناهُ في ليلة القَدْر)؟ (إنَّا أنزلناهُ في ليلةٍ مباركة)؟ (شَهْرُ رمضان الذّي أُنزِلَ فيه القُرآن)؟ قالوا المُراد به ابتَدَأْنا إنْزاله، وبه قال الشِّعبِي ، وقال به جَمْعٌ من أهْل العِلْم وعلى رأْسِهِم من المُعاصِرين شيخنا الشِّيخ ابن عُثيمين- رحمَةُ الله عليه- لأنَّه يُضَعِّفْ حديث ابن عبَّاس. وقَدْ ناقشْتُهُ في رسالتي وأجَبْتْ عمَّا يقولُهُ الشِّيخ - رحمَةُ الله عليه- وأثبَتْ أنَّ للقُرآن نُزولَيْن، وأنَّهُ لا تَعارُضَ بين هذه الآيات[1]) (1).(ابْتَدأْنا إنْزاله) - قول جميل- لكن يحْتاجُ إلى شيءٍ آخر، وهُو أنَّه يَثْبُتْ تاريخياً أنَّه بَدَأَ إنزال القُرآن لمَّا كان النَّبي صلى الله عليه وسلَّم في غار حراء، يَثْبُت تاريخياً أنَّه نَزَل في رمضان، لا بُد أنْ يَثبُت لنا أنَّه قَدْ نَـزَلَ حتَّى نُصَحِّح هذا القَوْل، يَثبُتْ أنَّ الوَحيَ بدأ حِينما نزل على النَّبي صلى الله عليه وسلَّم (اقْرأْ باسِمِ ربِّكَ الذِّي خَلَق) أي بَدَأ في رمضان. والصَّحيح – أيُّها الإخوة- : الجواب الأوَّل: أنَّ للقُرآن نُزُولين: Ø النُّزول الأوّل: من اللَّوح المحفُوظ إلى السَّماء الدُّنيا وهُو من مَكْتُوبٍ إلى مكْتُوب وليس فيه قضيَّة الوحي، وأُنزِلَ إكْراماً لهذه الأُمَّة، وإشْعاراً بأَهمية هذا القُرآن الذِّي سينْزل. Ø النُّزول الثَّاني: هُو الوَحي، والذِّي نَزَل مُفَرَّقاً ودلَّت عليه هذه الآيات. ما فائدة نُزُوله مُفرَّقاً؟ الفوائد كثيرة نصَّ عليها أهل العِلم- راجِعُوها في كُتب عُلوم القرآن - منها: · التَدَّرُج في التَّشريع. · ومراعاة الأحكام. وغيرها · وأمَّا التِّي نصَّت عليه الآية (لِنُثبِّتَ به فُؤادَك) أي تثبيت فؤاد النَّبي صلى الله عليه وسلَّم (ورَتلْناهُ تَرتيلاً) أي رتَّلْنَا هَذا القُرآن تَرْتيلاً بيْنَّاهُ تَبْييناً، فَسَّرناهُ تَفْسيراً. ثُمَّ قال الله (وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ) أي لا يلْتَمِسُونَ شيئاً يَعيبُون به القُرآن، أو يَعِيبُونك أنت يا مُحمَّد (إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا) إلاَّ نَزَلَ جبريلُ من الله بِجَوابِهِم وفي هذا اعْتِناءٌ كبير لِشَرفِ النَّبي صلى الله عليه وسلَّم حيثُ كانَ يأتِيهِ الوحي صباحاً ومساءً. حتَّى إنَّ كُفَّارَ قُريش لمَّا فَتَرَ الوحي عن النَّبي صلى الله عليه وسلَّم في بداية الدَّعوة، ماذا قالوا؟ قد قَلى مُحمَّد ربُّه. فأنزل الله عزّ َوجل (والضُّحى (1) واللَّيل إذا سَجَى (2) ما ودَّعَك ربُّك وما قَلى (3)) ولذلك نُزُولَ الوحي وتِكْراره فيه شَرَفٌ للنَّبي صلى الله عليه وسلَّم، وشَرَفٌ لهذا القُرآن. ولكِنْ هذا القُرآن الذِّي نَزل في ثلاث وعشرين سنة في الصَّباح وفي المَساء وفي الشِّتاء وفي الصَّيف وفي الحَضَرْ وفي السَّفَر هل تَجِدُونه مُخْتَلِفاً؟ نَزَل منه سُوَراً كاملة، ونَزَل منه سورةً واحدة، ونزلَ بعضُ سُورة، ونزل آية، ونزل بعضُ كلمة، أحياناً ينزِل جبريل ببعض كلمة كما نزل في كلمة (غيرُ أولي الضَّرَر) في سُورة النِّسَاء. لكن كان النَّبي إذا نَزَلَتْ الآية قال: ضَعُوا هذه الآية في مكان كذا وكذا، فترتيبُ الآيات فيما بَيْنها بإجماعِ أهل العِلْم أنَّه (ترتيبٌ توقيفي). فنزل هذا القرآن في ثلاثٍ وعشرين سنة تقرأه من أوِّله وآخره هل تَجِدُونَ فيه اختلافاً؟ -مسألة رسم المصحف أمر آخر- وهذا من بلاغَةِ القُرآن، ومن حِفْظ القُرآن، ومن كَرامَةِ القُرآن. (وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا) فمَقامُك أجَلُّ وأعْلى من مقام الأنبياء التِّي أُنزِلَت عليهُم الكُتُبْ جُملة، بل أنْتَ كان الوحي يأتِيك من بِعثتك إلى مماتِك. ثم قال الله (وأحسَنَ تفسيراً) التَّفسير هُو الظُّهُور، والبيَان، والحَقّ، والمَعْنى، والمدلول الذِّي تضمَّنَهُ الكتاب. ثُمَّ قال بعدها (الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا) عقَّب كذلك بحالهم، كُلَّما أَتَوْا بِشُبْهَة ردَّها، ثُمَّ بَيَّنَ حالهم يوم القيامة. فهذه السُّورة – كما قلت لكم في بدايتها- هي صراع، هي شُبَهْ، يُورِدْها الكُفَّار، يُرَدّ عليهم، يُبيَّن حالهم. قال الله عزَّ وجل (الَّذِينَ يُحْشَرُونَ) أيّ هؤلاء المكذبين بالقرآن (عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ) الحَشْر على الوجوه حقيقي على الصحيح من أقوال أهل العِلم يُحشَر على وجْهه خلافاً لمن قال إنِّهُ استعارة عن الذِّلة المُفرْطَة والدَّليل على أنَّ هذا المشي حقيقي ما جاء في الصَّحيح عن أنَس أنَّ رجُلاً قال: يا رسول الله كيف يُحْشَرُ الكافِرُ على وجْهه يوم القيامة؟ فقال: إنَّ الذِّي أمشاهُ على رجليه قادِرٌ على أن يُمشِيهِ على وجهه يوم القيامة. فهذا المَشْيُ حَقِيقيّ. وبهذه الآية نكون قد انْتهينا من هذا المَجْلس وصلَّى وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحْبِه أجْمعين. 1. [1] للاستزادة: انظر: رسالة الشِّيخ بعنوان: جُهُودُ الشِّيخ ابن عُثيمين وآراؤُه في التَّفسير وعُلُوم القرآن. المبحث الأوَّل: نُزول القُرآن. ص (617-623). مكتبة الرُّشد. |
| #44 | |||
| |||
| درس المغرب - المجلس الثاني المجلس الثاني (وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا ﴿٣٥﴾ فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا ﴿٣٦﴾) بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين ونصلّي ونسلّم على المبعوث رحمة للعالمين محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. يقول الله (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ) الكتاب هو التوراة (وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيراً) الوزير هو المعين وهو من يحمل الوزر أي ثقل الحال (فَقُلْنَا اذْهَبَا) من هما؟ الضمير لموسى وهارون (إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) من هم القوم الذين كذبوا بآياتنا؟ قوم فرعون وملؤه من القبط قال (فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيراً) في الآية حذف كثير دل عليه ما بقي منها والتقدير تقدير المحذوف فقلنا اذهبا فأدّيا الرسالة فأدّيا الرسالة فكذّبوهما فأتت فدمرناهم تدميراً. انظر كيف القرآن يبسط القصة قصة موسى وفرعون مرت كثيراً تجدها أحياناً تقارب العشرة أوجه كما في الأعراف والقصص لكن هنا كم آية؟ وهذه طريقة القرآن يذكرها مرة مُجملة ويذكرها ومرة مبسوطة. فالله أراد أن يتوعّد من كذّب برسوله محمد ، يقول تعالى متوعداً من كذب برسوله من مشركي قومه بهؤلاء الذين كذبوا، يعني يقول أنتم تكذبون محمداً قد كذّب أقوام الأنبياء أنبياءهم فعُذِّبوا ودُمِّروا فقصّ عليهم وأشار إلى قصة موسى، الذين كذّبوا فما كان جزاء تكذيبهم؟ (فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيراً). ثم قال (وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ) قوم نوح لما كذبوا الرسل أو الرسول؟ الرسل، نوح أُرسل إليهم فلماذا قال (وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ) أليس نوح أول رسول إلى الأرض؟ نوح أول رسول أرسل إلى الأرض فلماذا قال الله (وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ) وهم إنما كذبوا رسولاً واحداً وهو نوح إذ لم يرسل أحد قبل نوح؟ الجواب أن من كذّب رسولاً فكأنما كذّب كل الرسل. وهناك رابط أو علاقة تأملوها بين الحديث الآن عن محمد وأشار إلى نوح أنهم كذّبوا الرسل وإنما هو رسول واحد فكأنهم كذّبوا كل الرسل الذين أتوا بعد نوح وهم ما كذّبوا إلا نوح، فكذلك أنتم بتكذيبكم محمد كذّبتم الرسل، إذا كان قوم نوح حُكم عليهم أنهم كذّبوا الرسل وهم لمّا يرسلوا فقط لأن دعوة الرسالة واحدة وهي إفراد العبادة لله فتكذيبكم لمحمد تكذيبٌ لكل الرسل، هذا الملحظ اللطيف في الجمع عندما قال الله (وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً) بيّن الله أنهم لما كذّبوا أُغرِقوا وجعلهم للناس آية عبرة يعتبرون بها فلم لا تعتبرون أنتم؟! كما قال الله (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاء حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَة* لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (12) الحاقة) أي وأبقينا لكم من السفن ما تركبون في لجج البحار لتتذكروا نعمة الله في إنجائكم من الغرق. (وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَاباً أَلِيماً) يعرّض بالمشركين أي وأعتدنا لكم أيها الظالمين إن كذّبتم بمحمد عذاباً أليماً فالتكذيب الحاصل منكم الآن سيعود عليكم وبالاً كما عاد على الأمم السابقة. ثم قال الله (وَعَاداً وَثَمُودَ) عاد أصحاب هود وثمود أصحاب صالح (وَأَصْحَابَ الرَّسِّ) أصحاب الرسّ اختلف العلماء فيها على أقوال بعضهم قال هم أهل قرية من قرى ثمود وبعضهم قال إنهم أصحاب يس وقيل إنهم من قرى اليمامة وقيل بئرٌ بأذربيجان وقيل الرسّ بئر رسّوا فيه نبيهم أي أدخلوه وهو حي ودفنوه، واختار ابن جرير الطبري أن أصحاب الرس هم أصحاب الأخدود الذين ذُكروا فى سورة البروج أن أصحاب الرسّ هم أصحاب الأخدود الذين ذكروا في سورة البروج هذا هو اختيار ابن جرير الطبري . ثم قال الله (وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً) لأن المقصود في هذه السورة ليس ذكر القصة وإنما المراد الإشارة إلى قصتهم وبيان حالهم حينما كذّبوا رسلهم. (وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً) بين المذكورين أي أمماً بين أضعاف من ذُكر أهلكناهم كثيراً. (وَكُلّاً ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ) أي بيّنا له الحجج ووضحنا لهم الأدلة أي كما قال قتادة أزحنا عنهم الأعذار (وَكُلّاً تَبَّرْنَا تَتْبِيراً) أي أهلكنا إهلاكاً كما قال الله تعالى (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ (17) الإسراء) والقرن هو الأمّة من الناس كما قال الله (ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (31) المؤمنون) -وقد تكلمنا عنها فى سورة المؤمنون في الإسبوع الماضى- حدّهم بعضهم بمائة وعشرين سنة ومنهم من قالوا مائة ومنهم من قال ثمانين ومنهم من قال أربعين والأطهر أنهم الأمة المتعاصرة في الزمن الواحد يسمون قرناً ولذلك قال النبي " خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ". ثم قال الله (وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ) قرية لوط وهي سدوم وقد أهلكها الله بالقَلْب وبالمطر بالحجارة من سجيل (وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ) مروا عليها ورأوها أثناء تجارتهم وسفرهم (الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ) مطر السوء هي الحجارة السجيل التي أخبر الله أنهم عُذِّبوا بها حينما قال (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ (74) الحجر) كما قال في آية أخرى (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (138) الصافات) وهنا قال (لَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ) أي أن هذه القرية المكذّبة تقولون نوح تقولوا ما ندري أين نوح، هذه قصة! لكن سنعطيكم أمة هذه أمة تمرون عليها قد عُذّبت. (أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا) أى فيعتبرون بما حلّ بأهلها من النكال والعذاب (بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُوراً) أي أن المارّين بها من الكفار لا يعتبرون بها لم يجعلوها عبرة وهي عبرة وآية لماذا؟ السبب لأنهم كانوا لا يرجون نشوراً لأنهم يعتقدون أن لا بعث وأن هذه الدنيا هي آخر المحطات هي أول المحطات وآخرها وأن لا بعث (لَا يَرْجُونَ نُشُوراً). ثم قال مزيد من تسلية النبي - دائماً يكون السورة لها نَفَس واحد ومقصد واحد وقضية تتحدث عن هذا الشيء وتسترسل ثم تعود- قلنا أن هذه السورة سورة الفرقان أهم قضية لها هي الدفاع عن النبي والدفاع عن القرآن وفيها تسلية للنبي ، قال (وَإِذَا رَأَوْكَ) وإذا رأوك يا محمد يقولون ويستهزؤن بك يتخذونك هزواً يتندّرون بك يقولون (أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً) ما لقى إلا محمد! ما لقى إلا أنت! ما وجد غير أنت يا محمد اليتيم! وهذا مصداق قوله (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31) الزخرف) أنت يتيم مسكين لا أبّ لا أم. (وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً) أي على سبيل التنقصّ والازدراء كما قال الله (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (32) الرعد) هل يكتفون بهذا؟ (إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا ً) يعني كاد أن يُضِلّنا عن عبادتنا الحقّة لكن نحن قومٌ صبرنا فهل الصبر محمود في هذا الموضع؟ صبرٌ مذموم مآله نار الجحيم. (لَوْلَا أَن صَبَرْنَا) أي كاد يثنيهم عن عبادة أصنامهم لولا أنهم تجلّدوا واستمروا في عبادتها. ثم قال الله لهم متوعداً ومهدداً (وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً) مناسبة خاتمة الآية مناسبة، افتتحت (إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا) واختتمت (وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً) أن من كتب الله عليه الشقاوة يا محمد فإنه لا يهديه أحد إلا الله (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً) (أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً (8) فاطر) ولذا قال هنا (أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً) أنت تكون عليه وكيلاً؟ يعني لستَ ممن يكون عليهم وكيلاً أنت ليس عليك إلا البلاغ، لماذا يقولون هذا القول؟؟ لأنهم اتّخذوا الهوى إلهاً يُعبَد من دون الله (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ) قال ابن عباس الهوى إلهٌ يُعبَد من دون الله والهوى قائد إلى كل فساد (أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً) قال ابن عباس كان الرجل في الجاهلية يعبد الحجر الأبيض زماناً فإذا رأى غيره أحسن منه عبد الثاني وترك الأول هل هذا عقل أم هوى؟ هذا هوى. ثم قال الله (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ) السمع المنفي هنا والعقل هو السمع النافع والعقل النافع وليس نفي السمع والعقل مطلقاً (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً) لماذا أضلُّ من الأنعام؟ لأن الأنعام تعقِل ما خُلِقت له وأدّت مهمتها فإنها خُلِقت للزينة وللركوب وللألبان وأدّت ما عليها وذهبت أما هؤلاء هل وعَوا ما خُلِقوا له؟ خُلقوا لعبادة الله وحده لا شريك معه وأشركوا معه غيره مع قيام الحجة وإرسال الرسل، إن هم إلا كالأنعام في الجهل بالمنافع وقلة التحسس للعواقب بل هم أضلّ من هؤلاء الأنعام. ثم قال الله (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ) الرؤية هنا يجوز أن تكون رؤية عين ويجوز أن تكون رؤية علم يقول الله (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ) كيف مدّ الظل؟ هنا بدأ الله يبيّن الأدلة الدالّة على وجوده وعلى قدرته التامة على خلق الأشياء المختلفة والمتضادة فقال (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ) أي ألم تر يا محمد إلى ربك كيف مدّ الظل، ومدُّ الظل كما قال المفسرون هو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، ما معنى مدّ الظل؟ الآن إذا طلعت الشمس هل الظل ممدود؟ لا، الظلّ يكون عندما يكون على شجرة يكون تحت ظلها أو حائط أو غير ذلك لكن ظلّ ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس هل هو مرتبط بأشياء أخرى؟ لا، وإنما هو ظلٌ ممدود يغطي كل شيء ولذلك قال (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ) يعني ليس شمساً وليس ليلاً وإنما هو ظلٌ ممدود وهذا من قدرته . ولذلك قال ابن عطية : تظاهرت أقوال المفسرين على أن هذا الظل هو من الفجر إلى طلوع الشمس، لكن ابن عطية يعترض على بدايته ولا يعترض على نهايته يقول وذلك معترض بأن ذلك في غير نهار بل في بقايا الليل فلا يُقال له ظل يعني أن الإعتراض هنا يعترض ابن عطية على بدايته يقول أنه ليس من بعد طلوع الفجر مباشرة لأن بعد طلوع الفجر من بقايا الليل وإنما هو يبدأ من أول الإسفار إلى بزوغ الشمس, على كل حال سواءً قلنا من طلوع الفجر كما هو قول أكثر المفسرين أو على رأي ابن عطية وهو من الإسفار إلى طلوع الشمس كيف مدّ الظل. قال سبحانه (وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِناً ولو شاء) لو شاء الله لجعل هذا الظلّ دائماً لا يزول لكن هل هو يزول او يزول؟ متى يزول؟ يزول إذا طلعت الشمس، الله تعالى يبيّن الأدلة الدالة على قدرته وإيجاد الأشياء المتضادة، ليل نهار بينهما ظلٌ ممدود، يعني لا تنسبه إلى الليل ليس من صفاته الليل وهو الظلمة وليس من صفاته النهار وهي الشمس المحرقة وإنما هو منطقة ظلّ (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِناً) أي هذا الظل لا يزول يستمر ظلاً. (ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً) أي لولا أن الشمس تطلع عليه لما عُرِف بمعنى أنا جعلنا الشمس دليلاً على الظل الممدود كيف؟ إذا طلعت الشمس ذهب الظل وبقي الظلّ المقصور على الأشياء يعني ظل محدود مقصور على أشياء فجعل الشمس دليل على هذا الظل الممدود ولذلك قال الله (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً) أي لولا أن الشمس تطلع عليه لما عُرِف فإن الضد لا يُعرف إلا بضِدّه وقال قتادة والسُدّي دليلاً يتلوه ويتبعه حتى يأتي عليه كله بحيث ينتفي هذا الظل الممدود ويحل محلّه الشمس. قال (ثمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا) أي الظل وقال بعض المفسرين أي الشمس أيهما أصح؟ الظلّ، لأنه لو أراد الشمس لقال قبضناها. (قَبَضْنَاهُ) أي الظل (قَبْضاً يَسِيراً) أي سهلاً هل تشعرون بين ذهاب الظلّ هذا وبين طلوع الشمس؟ قبضناه هذا الظلّ إلينا قبضاً يسيراً أي سهلاً وقال ابن عباس سريعاً وقال السُدّي قبضاً خفيّاً حتى لا يبقى في الأرض ظل إلا تحت سقف أو تحت شجرة وقد أظلّت الشمس ما فوقه وقال بعضهم قليلاً قليلاً وكل هذه الأقوال صحيحة فإنها من باب التقريب. (ثمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً) نرى طلوع الشمس فالظل هذا يُقبض قبضاً يسيراً لا نشعر به. ثم قال الله (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاساً) قال الطبري وُصف الليل باللباس تشبيهاً حيث أنه يستر الأشياء ويغشاها -ومن العجب أن بعض الفقهاء يقولون يجوز أن يصلي الإنسان بالليل عارياً وتُقبَل صلاته واستدلوا بهذه الآية قالوا إن الليل لباس- والمقصود (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاساً) وصف باللباس تشبيهاً أنه يستر الأشياء. كما قال الله (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) الليل) وقال (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (4) الشمس) (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاساً وَالنَّوْمَ سُبَاتاً) ما معنى سباتاً؟ أي قاطعاً للحركة الإنسان يكِدّ ذهنه وجسده ويشقى ويتعب فإذا نام قام في الصباح وكأن شيئاً لم يكن فجعل الله من رحمته هذا النوم قاطعاً للحركة سباتاً لراحة الأبدان فإذا جاء الليل وسكنت هذه الجوارح استراحت فحصل النوم الذي به راحة البدن. ثم قال الله (وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُوراً) أي ينتشر الناس فيه لمعايشهم ومكاسبهم وأسبابهم كما قال (وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (73) القصص) فهي مرتبة، الآية ترتيبها (جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ) الترتيب جعل لكم الليل لتسكنوا فيه وجعل النهار لتبتغوا من فضله. ثم قال الله (وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) أي أنه بمجئ السحاب بعدها أي أن السحاب تبشّر بالمطر فالرياح أنواع منها ما يثير السحاب ومنها ما يحمله ومنها ما يسوقه ومنها ما يكون بين يدي هذا السحاب مبشراً ومنها ما يكون قبل ذلك يقُمُّ الأرض ومنها ما يُلقّح السحاب ليُمطِر، فهذه أحد أنواع الرياح (وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) ولذلك الرياح تطلق على الخير والريح على الشر. ثم قال الله (وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً) طهوراً كسَحور ووقود، أي أنزلنا من السماء ماءً آلة يُتطَهّر بها. (لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً) أي أرضاً قد طال انتظارها للغيث فهي هامدة لا نبات فيها ولا شيء، كما قال (فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5) الحج) وكما قال في آية أخرى (وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً) (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (28) الشورى) وقال (فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (50) الروم). ثم قال الله (وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ) أمطرنا هذه الأرض دون هذه وسقنا هذه السحاب فمرّت على هذه الأرض ولم تمطر ومرّت على تلك فأمطرت. ولذلك كان هارون الرشيد إذا رأى سحابة يقول أمطري حيث شئت فإن خراجك سوف يأتيني، كناية عن اتساع مملكة الإسلام وكذلك الرياح (وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ) أي تأتي السحابة تمرّ على الأرض فتسقي هؤلاء وتترك هؤلاء. قال ابن مسعود وابن عباس ليس عامٌ بأكثر مطراً من عام، يعني يقول أن المطر سنوياً كميته واحدة ولكن الله يُصرفه كيف يشاء ثم قرأ هذه الآية (وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُم لِيَذَّكَّرُوا) أي أن الله صرّف هذا المطر والغيث ليذكروا للتذكير يعني قلبك أيها المتلقي مثل هذه الأرض فكما أن هذه الرياح وهذا المطر نزل على تلكم فكذلك القرآن يقرأه هذا فيهتدي ويقرأه الآخر فلا يهتدي. (لِيَذَّكَّرُوا) وليتذكروا من الذي ساقه من الذي أمر أن تمطر هنا وألا تمطر هناك؟ هو الله . قال الله (فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً) أي بربهم وقد جاء في الحديث الصحيح تصديقاً لهذا القول أن النبي لما صلّى بهم صلاة الصبح بالحديبية على أثر سماء كانت من الليل: أتدرون ماذا قال ربكم الليلة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال: (قال الله: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي، فأما من قال: مطرنا برحمة الله وبرزق الله وبفضل الله، فهو مؤمن بي، كافر بالكوكب. وأما من قال: مطرنا بنجم كذا وكذا، فهو مؤمن بالكوكب كافر بي)، فهو حديث صحيح. (فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً) وذلك أن الله هو الذي صرّفه فجعل هذا المطر غيثاً لتلك وحرم تلك فلم يُغثها. ثم قال الله (وَلَوْ شِئْنَا) بعد تقرير هذه الأدّلة قال (وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً) يدعوهم إلى الله ، لو شئنا يا محمد لبعثنا في كل قرية نذير في مكة نذير وفي المدينة نذير وفي الطائف نذير وفي كل قرية لكن خصصناك يا محمد أنك أنت النذير الأوحد الذي بُعثت إلى الناس كآفة تدعوهم إلى الله خصصناك بالبعثة إلى جميع الأرض وأمرناك أن تُبلِّغ هذا القرآن (أُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ (19) الأنعام) (وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً * فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ) جاهدهم بماذا؟ بالقرآن لأن السورة سورة مكية ولم يكن هناك جهاد ولذلك الجهاد هو جهاد الكلمة جهاد القرآن. قال (وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَاداً كَبِيراً) أي بالقرآن كما قال ابن عباس، (جِهَاداً كَبِيراً) أي إجتهد في جهادهم إجتهد في ابلاغهم هذا القرآن فإنه سلاحك في هدايتهم كما قال الله في آية أخرى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ (73) التوبة). ثم قال (وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجًٌ) أي خلق المائين الله تعالى يبين الأشياء الدالة على قدرته خلق الأشياء المتضادة ليل نهار، ظل شمس، خلق ماءً عذباً وماءً أجاجاً (وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ) أي تلك المياه التي في الأنهار والعيون والآبار فهذا هو البحر الحلو الفرات العذب الزُلال. (وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجًٌ) يقصد بذلك ماء البحر. قال ابن كثير ليس في الوجود بحرٌ ساكن وهو عذب فرات. إذن الله ينبّه أنه مرج البحرين الآن يا إخواني هذا بحر على الشاطئ لو حفرت بجواره بئراً يخرج منه ملح أو ماء حلو؟ حلو، من الذي ميّز بينهما؟ قال (وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً) لا يطغى أحد على أحد. يقول ابن عطية: فترى البحر قد اكتنفته المياة العذبة على ضفتيه، أي ترى البحرالأجاج اكتنفته المياة العذبة على ضفتيه فسبحان من خلقها وسبحان من أوجدها! (وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً) أي جعل بين العذب والمالح حاجزاً وهو اليابس من الأرض (وَحِجْراً مَّحْجُوراً) أي مانعاً كما قلنا أن الحِجر هو المنع أي مانعاً أن يصل أحدهما إلى الآخر كما قال في آية أخرى (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ (20) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21) الرحمن) وقال في آية أخرى (أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (61) النمل). ثم قال سبحانه (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً) قال القرطبي النسب والصهر معنيان يعمّان كل قربى تكون بين آدميين وقال ابن عطية النسب هو أن يجتمع إنسان مع آخر في أب أو في أم قَرًب ذلك أو بعد والصهر هو تواشح المناكحة فقرابة الزوجة هم الأختان وقرابة الزوج هم الأحماء، أي يقول سبحانه (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً) أي خلق الإنسان من نطفة ضعيفة فسوّاه وعدَّله وجعله كامل الخلقة ذكراً أو أنثى كما يشاء. (فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً) فهو في ابتداء أمره نسيب ثم يتزوج فيصير صهراً ثم يصير له أصهار وأختان وقرابات وكل ذلك من ماء مهين. ولذلك ختم الله الآية بقوله (وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً) و(كان) للدوام، كان وما يزال، فهى مسلوبة الزمان أي كان ربك ولا يزال قادراً على ذلك أو قديراً كما نص الله . وبهذا نكون قد ختمنا هذا المجلس وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. |
| #45 | |||
| |||
| درس العشاء الدرس 95: تفسير سورة الفرقان من آية 55 حتى نهاية السورة الملقي: د. أحمد بن محمد البريدي موعدها: 7:49:00 م 1432/11/15 هـ (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا ﴿٥٥﴾ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ﴿٥٦﴾ قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا ﴿٥٧﴾ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا ﴿٥٨﴾ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا ﴿٥٩﴾ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا ۩﴿٦٠﴾) بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. يقول الله (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ) هذا إخبارٌ من الله عن جهل المشركين في عبادتهم غير الله من تلك الأصنام والأوثان التي لا تملك لهم الضر ولا تملك لهم النفع بلا دليل قادتهم إلى عبادتها ولا حجة أدت إلى عبادتهم إنما هي مجرد آراء وتشهي وأهواء فهم يقاتلون في سبيل هذه الأصنام ويوالون ويعادون لها ومن أجلها ولهذا قال الله في خاتمة هذه الآية (وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا) أي عوناً في سبيل الشيطان على حزب الله ومثل هذه الآية قول الله (وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ (74) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُّحْضَرُونَ (75) يس). وقول الله (وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا) فيها تأويلان: Ø الأول أن الظهير بمعنى المُعين فتكون الآية بمعنى توبيخهم على ذلك، ذلك أن الكفار يعينون على ربهم غيرَهم من الكفرة ويعينون الشيطان بأن يطيعوه ويظاهروه Ø والتأويل الثاني ذكره الطبري في تفسيره وهو أن يكون الظهير فعيلاً من قولك ظهرت الشيء إذا طرحته وراء ظهرك واتخذته ظهرياً وفي هذا توبيخ واحتقار لهؤلاء الكفرة. ثم قال الله (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ) أي ما أرسلناك يا محمد إلا لأمرين البشارة والنذارة تبشّر المؤمنين وتُنذر الكافرين (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا) تبشّر بالجنة من أطاع الله وتنذر بين يدي عذاب شديد لمن خالف أمر الله. ثم أمر الله نبيه محمداً أن يقول لهؤلاء الكفار المدعويين (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ) أي هذا البلاغ وهذا الإنذار لا أسألكم عليها أجراً وأجرة أطلبها من أموالكم وإنما افعل ذلك ابتغاء وجه الله (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَن شَاء أَن يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا) أي طريقاً ومسلكاً ومنهجاً يقتضي فيها بما جئت به. الاستثناء هنا (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَن شَاء) ما معنى الاستثناء؟ بعض أهل العلم يرى أن الاستثناء هنا منقطع ومعنى منقطع أن ليس بين المستثنى والمستثنى منه علاقة كأن يقول قام القوم إلا حماراً فهذا الاستثناء منقطع إذ هل الحمار من القوم؟ فبعض أهل العلم يقولون إن هذا الاستثناء هو من قبيل الاستثناء المنقطع فليس المستثنى منه جزء من المستثنى والمعنى لكن مسؤولي ومطلوبي من شاء أن يهتدي ويؤمن ويتخذ إلى ربه طريق نجاة فليفعل، هذا المعنى. وهل في هذا أجر؟ هذا الكلام هل معناه أن النبي أخذ على دعوته أجراً؟ لا، هذا رأي. ومن العلماء من فسّر الاستثناء بتفسير آخر فقال المعنى لا أسألكم أجراً إلا الإنفاق في سبيل الله فهو المسؤول وهو السبيل إلى الرب، وقال به الطبري . فالاستثناء على هذا المعنى كالمتصل أي لا أسالكم عليه أجراً إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً فليدفع أجراً ليس لي وإنما في سبيل الله، هذا الذي ذكره الطبري فيكون الاستثناء هنا كالمتصل. والتأويل الأول أظهر. ثم قال الله سبحانه (وَتَوَكَّلْ) يا محمد، دعوة لمحمد وأتباعه، (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ) أي في أمورك كلها كن متوكلاً على الله الحيّ الذي لا يموت أبداً لا تتوكل على تلك الأصنام والمعبودات التي لا تنفع بل توكل على الباقي على النافع على الضار الذي يملك النفع والضر . (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ) أي في أمورك كلها كما قال الله (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3) الحديد) أي الدائم الباقي السرمدي الأبدي الحيّ القيوم . وقد قال النبي لسلمان الفارسي عندما لقيه في بعض فجاج المدينة فسجد له فقال لا تسجد لي يا سلمان واسجد للحيّ الذي لا يموت، وهو مُرسَل حسن. ثم قال سبحانه (وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ) أي إقرن بين حمده وتسبيحه ولهذا كثيراً ما كان النبي يقول: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، يقرِن بين التسبيح والتحميد. أي أخلص له العبادة والتوكل كما قال (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (9) المزمل). (فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ (123) هود) (قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا (29) الملك) أي الله سبِّح بحمد الله واجمع بين التسبيح والتحميد وقد امتثل نبيه محمداً فقال سبحانك اللهم ربنا وبحمدك. ثم قال الله في خاتمة الآية (وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا) أي يا محمد ليس عليكم من ذنوب هؤلاء، أنت عليك البشارة والنذارة ثم تتجه إلى ربك وتتوكل عليه وتسبح بحمده والله سوف يتولى ذنوب عباده (وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا) أي لعلمه التام الذي لا تخفى عليه خافية ولا يعزل عنه مثقال ذرة. ثم قال سبحانه (الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) في ستة ايام خلقها الله بدأ خلقها يوم السبت هذا في مسلم لكن العلماء قالوا أن هذا وهم والصحيح أنها بدأت يوم الأحد وخُتمت يوم الجمعة. هل هذه الأيام كأيامنا؟ قال بعض العلماء كأيامنا وقال بعض أهل العلم كأيام القيامة لكن على فرض أنها كأيامنا يقول ابن عطية "تقديراً" لأن الله لم يخلق قبلها الشمس والقمر الذي بهما يُستدل على الليل والنهار وبالتالي ستة أيام مقدّرة. (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) أي يدبر الأمر ويقضي الحق وهو خير الفاصلين . (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) استواء يليق بجلال الله وعظمته فنؤمن بالاستواء ونؤمن بالعرش والعرش من مخلوقات الله العظيمة إذ السموات والأرض بالنسبة إلى الكرسي كحلقة ألقيت في فلاة والكرسي موضع قدمي الرب بالنسبة إلى العرش كقلادة وضعت في فلاة فسبحان الخالق! والله سبحانه قد استوى على العرش فالاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة كما قال إمام دار الهجرة مالك بن أنس بخلاف من فسرها من المفسرين بالاستيلاء أو غيرها من التفسيرات التي هي في الحقيقة صرف للفظ عن ظاهره والله تعالى قال (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) وقد جاء الاستواء بلفظ (على) في سبع مواضع من القرآن. (فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا) أي استعلم عنه من هو خبير به عالم بع فاتبعه واقتدي به وقد علم أنه لا أحد أعلم بالله من عبده ورسوله محمد سيد ولد آدم الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. ثم قال الله (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا) قال الله تعالى منكرا على المشركين الذين يسجدون لغير الله من الأصنام والأنداد (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ) قالوا لا نعرف الرحمن وكانوا ينكرون أن يُسمّى الله باسمه الرحمن كما أنكروا ذلك يوم الحديبية حين قال النبي للكاتب اكتب بسم الله الرحمن الرحيم فقالوا لا نعرف الرحمن ولا الرحيم ولكن اكتب كما كنت تكتب "باسمك اللهم" فأنزل الله (قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَـنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ (110) الإسراء). وقال في هذه الآية (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ) أي لا نعرفه ولا نقِرّ به ولا نعترف به. (أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا) فقط تقول لنا اسجدوا فنسجد؟! (وَزَادَهُمْ نُفُورًا) أي استكباراً فقد ذكروا في هذه الآية تكلموا عن القرآن وتكلموا عن الرسول الذي جاء بالقرآن ولما أمرهم بالسجود أبوا واستكبروا وزادهم نفوراً. وهذه إحدى سجدات القرآن وهذا الموضع متفق فيه عند أهل العلم أنه إحدى السجدات -لأن بعض السجدات قد اختلف فيها أهل العلم هل يُشرع عندها السجود أو لا يُشرع- هذه من السجدات المتفق عليها. وسجود التلاوة سُنّة وليس بواجب على الصحيح من أهل العلم لكن فضلها عظيم. قال إذا سجد ابن آدم أدبر الشيطان وقال أُمر ابن آدم بالسجود فسجد وله الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فليَ النار. وهل يكبِّر الإنسان حينما يسجد؟ وحينما يرفع؟ أما في الصلاة فنعم يكبِّر في سجوده وفي رفعه لأن النبي كان يكبِّر في كل خفضٍ ورفع في الصلاة، وأما خارج الصلاة فالصحيح إنه يُشرع التكبير عند السجود ولا يُشرع التكبير عند الرفع من سجود التلاوة. ثم قال الله (تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا) وهذا هو الموضع الثالث الذي ذكر الله فيه كلمة (تبارك). يقول ممجِّداً نفسه ومعظِّماً على جميل ما خلق في السماء من البروج، ما هي البروج؟ قال بعض المفسرين هي الكواكب العِظام وقال بعض المفسرين هي قصور في السماء، ما الراجح؟ الكواكب، لأنها هي التي تُشاهَد حال نزول القرآن والقرآن لا يتكلم عن شيء غيب، شيء لا يرونه، ولذلك لما أقسم الله إنما يقسم بشيء معروف (وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) البروج) ليست القصور التي في السماء، هل يقسم بشيء لا يرونه؟ عادة القرآن أن يقسم بما هو مشاهد ومعروف كما قرر ذلك ابن القيم رحمة الله عليه. (تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا) السراج هو الشمس المنيرة كما قال سبحانه (وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (13) النبأ). ثم قال (وَقَمَرًا مُّنِيرًا) أي مضيئاً كالسراج في الوجود كما قال (تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا) قال أيضاً في آية أخرى (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا (5) يونس) فالشمس منيرة كالسراج والقمر مشرق بنور آخر غير نور الشمس. وقال نوح لقومه (أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (15) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (16) نوح). ثم قال سبحانه (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً) أي يخلف كل واحد منهما الآخر يتعاقبان لا يفتران إذا ذهب هذا جاء هذا فالدنيا إما ليل وإما نهار (لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ (40) يس). قال (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً) أي يخلف كل واحد منهما الآخر وقيل (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً) أي مختلفين هذا بسواده وهذا بضيائه، لماذا جعل الليل والنهار؟ (لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا) فهما وصفان لعباده وصفهما الله في هذه الآية وهما التذكر والشكور. ثم قال سبحانه (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا) عباد الرحمن، العبودية نوعان: العبودية العامة وهي عبودية الربوبية كما قال سبحانه (إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93) مريم) وهذه العبودية يشترك فيها الخلق كلهم. الثاني العبودية الخاصة وهي عبودية التألّه والعبادة. هذه الآية أي نوع من أنواع العبادة المقصودة؟ العبادة الخاصة (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ) الذين عبدوا الله وتألّهوا له وأضافهم إلى الرحمن ليدل على أنهم حصّلوها برحمة الله وتوفيقه لهم. (الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا) أي بسكينة ووقار وبغير استكبار كما قال سبحانه (وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا (18) لقمان) فعباد الرحمن من صفاتهم أنهم يشمون على الأرض هوناً وليس المراد أنهم يمشون كالمرضى من التصنّع رياءً وتصنعاً، لا، فقد كان سيد ولد آدم ممن يمشي على الأرض هوناً وكان إذا مشى كأنما ينحطّ من صبب وكأنما الأرض تطوى له لكن المقصود هو مشي الوقار والسكينة وعدم الاستكبار وليس مشي الرياء والتصنّع وأن يمشي كأنه مريض حتى يصدُق عليه أنه من عباد الله الذين يمشون على الأرض هوناً، كلا. وروي عن عمر أنه رأى شاباً يمشي رويداً فقال ما بالك أأنت مريض؟ قال لا يا أمير المؤمنين فعلاه بالدُرّة وأمره أن يمشي بقوة. فالمراد بالهون هنا السكينة والوقار كما قال النبي "إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنت تَسْعَون واتوها وعليكم السكينة". قال الحسن البصري حول هذه الآية وهي قوله تعالى (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا) قال إن المؤمنين قومٌ ذُلُل ذلّت منهم الأسماع والأبصار والجوارح حتى تحسبهم مرضى وما بالقوم من مرض وإنهم لأصحاء ولكنهم دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرهم ومانعهم من الدنيا علمُهم بالآخرة فقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، أما والله ما أحزنهم حزن الناس ولا تعاظم في نفوسهم شيئاً طلبوا به الجنة أبكاهم الخوف من النار وإنه من لم يتعزّى بعزاء الله تقطع نفسه على الدنيا حسرات ومن لم ير الله نعمة إلا في مطعم أو في مشرب فقد قلّ علمه وحضر عذابه. ثم قال سبحانه (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا) إذا سَفِهَ عليهم الجُهّال بالقول السيء لم يقابلوهم بجهل مثله بل يعفون ويصفحون ولا يقولون إلا خيرا كما قال سبحانه (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ (55) القصص). فقالوا (سَلَامًا) أي سداداً وقيل ردوا رداً معروفاً من القول وقيل سلاماًً أي سلامة وبراءة مما ذُكِر وكل هذه الأقوال مرادة. ثم وصفهم الله تعالى بوصف آخر فقال(وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا) ما مناسبة هذه الآية لما قبلها؟ قال العلماء إن الله لما وصف نهار عباده ذكر في هذه الآية وصف ليلهم فهم (يبيتون) والبيات لا يكون إلا ليلاً (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا) كما قال سبحانه (كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) الذاريات) وكما قال سبحانه (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا (16) السجدة) وقال سبحانه (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ (9) الزمر) ولذلك قال (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65)) أي ملازماً دائماً ولذلك قال الحسن كل شيء يصيب ابن آدم ويزول عنه فليس بغرام وإنما الغرام هو اللازم ما دامت السموات والأرض. ولذلك (إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا) أي ملازماً عنا لا ينفك أبداً. ثم قالوا (إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا) أي بئس المنزل النار وبئس المنظر منظر النار وبئس المقيل والمنزل منزل أهل النار. ثم وصفهم بوصف آخر في أموالهم فقال (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) أي ليسوا مبذّرين في إنفاقهم فيصرفون فوق حاجتهم ولا بخلاء على أهلهم فيقصِّرون في حقهم فإنهم قوم وسط ليسوا بأهل إسراف ولا تبذير، فالسرف مذموم والتبذير مذموم (وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) كما قال سبحانه (وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ (29) الإسراء). قال بعض السلف ما جاوزت به أمر الله فهو من سرف وقال بعضهم السرف النفقة في معصية الله وهذا من أضعف الأقوال لأن المعصية قليلها وكثيرها حرام. ثم قال سبحانه (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ) ماذا تلاحظون في صفاتهم؟ الآن بدأ بنوع آخر، قال بعض أهل العلم إن الصفات المذكورة قبل هذه الآية هي صفات تحلّ,ا بها وهذه الصفات الآن صفات التخلي فمدحهم الله بما تحلّوا به وبما تخلّوا عنه فقال (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ) خصّ هذه الأمور الثلاثة لأنها من أكبر الكبائر ففي الشرك فساد الأديان وفي القتل فساد الأبدان وفي الزنا فساد الأعراض. وقد سُئل رسول الله أيّ الذنب أكبر؟ قال أن تجعل لله نداً وهو خلقك، قال ثم أيّ؟ قال أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، قال ثم أيّ؟ قال أن تزاني حليلة جارك. قال ابن مسعود : وأنزل الله تصديق ذلك (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا) يلق أثاماً أي نكالاً أي ومن يفعل واحدة من هذه الأمور المذكورة يلقى نكالاً، وقيل جزاءً وهو أشبه بظاهر الآية، يلق أثاماً أي جزاء لأن الله فسره فيما بعد إذ قال (يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي يكرر عليه ويغلّظ (وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا) أي حقيراً أي يخلد في ذنبه وفي عذابه مهاناً حقيراً ذليلاً (إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) أي إلا من تاب في الدنيا إلى الله والتوبة لا بد أن تكون قبل غرغرة الروح فمن تاب تاب الله عليه. وفي هذه الآية دلالة على صحة توبة القاتل ولا تعارض بين هذه الآية وبين آية النساء التي قال فيها (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا (93)) فإن تلك مطلقة وهذه مقيدة فيحمل المطلق على المقيّد فآية النساء تُحمَل على من لم يتب وهذه الآية تُحمَل على التائب. (فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ) قولان لأهل العلم في معنى التبديل هنا: Ø القول الأول أنهم بدّلوا مكان عمل السيئات بعمل الحسنات فكما أنهم كانوا يعملون أعمالاً سيئة فإنهم بعد التوبة سيعملون أعمالاً حسنة وهذا معنى التبديل على هذا القول أي أن الله بدّل أعمالهم من سيئات إلى حسنات وهذا يكون في الدنيا. Ø القول الثاني أن تلك السيئات تنقلب بنفس التوبة إلى حسنات وهذا قد ثبتت به السنة وصحّت به الآثار المروية عن السلف فقد روى الإمام أحمد عن أبي ذر قال قال رسول الله : إني لأعرف آخر أهل النار خروجاً من النار وآخر أهل الجنة دخولاً إلى الجنة، يؤتى بالرجل فيقول نحّوا كبار ذنوبه وسلوه عن صغارها فيقال له عملت كذا وكذا فيقول نعم لا يستطيع أن ينكر من ذلك شيئاً فيقال فإن لك بكل سيئة حسنة فيقول يا رب عملت أشياء كبيرة لا أراها هاهنا - ما دام المسألة فيها تبديل وقد ذكرت صغار فإني يا رب قد عملت أشياء كبيرة وأريد حسنات كبيرة فضحك رسول الله حتى بدت نواجذه. انظروا رحمة الله ! فالتبديل تبديل حقيقي فالسيئة بعد التوبة تنقلب إلى حسنة. Ø بعض أهل العلم يقول إن التبديل من السيئة إلى الحسنة هو خاصٌ بالتوبة فمن تاب من ذنب بدلت سيئته حسنة لكن من فعل ذنوباً ثم كُفِّرت هذه الذنوب بصلوات وغير ذلك كما ثبت بذلك السنن فإنها تُكَفَّر ولا تُبَدّل جمعاً بين الأقوال. ثم قال مخبراً عن عموم رحمته بعباده وأنه من تاب تاب الله عليه من أي ذنب كان كبيراً وأو صغيراً (وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا) أي فإن الله يقبل توبته كما قال سبحانه (وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا (110) النساء) وقال (أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (104) التوبة) (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) الزمر). ثم قال سبحانه (وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا) لا يشهدون الزور، الزور كل باطل زوّر وزُخرِف فأعظمه الشِرك ويصدُق عليه ما ذكره أهل التفسير هنا من المعاصي لأن العلماء هنا أو بعض السلف قال (لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ) قال بعضهم الشرك وقال بعضهم الكذب وقيل الفسق وقيل الباطل وقيل اللغو والغنى لا تعارض لأن الزور يشمل هذا كله فأعلاه الشرك وهو درجات. ما معنى (لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ)؟ قال أهل العلم المراد بها شهادة الزور وهي الكذِب العَمْد كما ثبت في الحديث الصحيح قال رسول الله ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ (ثلاثاً) قلنا بلى يا رسول الله، قال الشرك بالله وعقوق الوالدين وكان متكئاً فجلس فقال ألا وقول الزور وشهادة الزور، هذا القول الأول في معنى (وَالَّذينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ). القول الثاني أن المراد لا يشهدون أي لا يحضرون فيكون الشهود بمعنى المشاهدة أما القول الذي سبقه فيكون بمعنى الشهادة. الفرق بين القولين أن هذا القول يكون بمعنى المشاهدة أي لا يشهدون أي لا يحضرون الزور سواء كان شركاً أم لهواً غناء أو لغواً أو فسقاً أو فحشاً، وهذا أعمّ أم أخصّ؟ أعمّ وهو الأولى لأنه يدخل فيه القول الأول. (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا) أي إذا مرّوا عَرَضاً مرّوا بشيء من هذا مروا كراماً لم يتدنسوا منه بشيء. ثم قال الله (وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا) فهذه من صفات المؤمنين كما قال سبحانه (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الأنفال). (وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا) بخلاف الكافر الذي إذا ذُكّر بآيات ربه استمر على حاله كأن لم يسمعها، أصم أعمى! ثم قال (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ) أي هؤلاء العباد (رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ) أي يسألون الله أن يُخرج من أصلابهم وذرياتهم من يوحّده ويعبده وحده لا شريك الله، سبحان الله! فلم يكتفوا بعبادتهم وإنما دعوا ربهم أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله ويوحّده. (قُرَّةَ أَعْيُنٍ) يحتمل أن يكون من القرار ويحتمل أن يكون من القرّ وهو البرد وهو الأشهر لأن دمع السرور يقولون بارد ودمع الحزن ساخن فمن هذا يقال "أقرّ الله عينك وأسخن الله عين عدوّك". هم يسألون الله أن يهب لهم من أزواجهم وذرياتهم ما تقرّ به أعينهم سروراً يعبدون الله ويُحسِنون في عبادته. ثم قال سبحانه (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) قال النخعي لم يطلبوا الرياسة، لم يطلبوا (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) يعني أن نكون أمراء على المؤمنين بل أرادوا أن يكونوا قدوة في الدين وهذا حسنٌ يُطلب ويُسعى إليه. البعض يقول كيف هؤلاء عباد الرحمن يمشون على الله هونا ويسألون الله أن يكونوا أمراء ورؤساء والناس تبعٌ لهم؟ نقول المقصود (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) أي قدوة يُقتدى بنا الخير كما قال الله عن ابراهيم (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً (120) النحل) يعني إماماً. ثم قال الله (أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ) أي يوم القيامة ومناسبة هذه الآية أن الله لما ذكر أوصاف عباده المؤمنين ذكر جزاءهم أي هؤلاء أولئك المتصفون بهذه الصفات يجزون يوم القيامة الغرفة وهي الجنة سميت غرفة لارتفاعها (بِمَا صَبَرُوا) والصبر يشمل الصبر عن معصية الله والصبر على طاعة الله. (وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا) أي في الجنة، (تَحِيَّةً وَسَلَامًا) يبتدرون فيها بالتحية والإكرام. (خَالِدِينَ فِيهَا) أي خالدين في هذه الجنة (حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا) أي حسُنَت منظراً وطابت مقيلاً ومنزلاً بخلاف منزل أهل النار المذكور في هذه السورة. ثم قال الله (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي) أي لا يبالي ولا يكترث بكم إذا لم تعبدوه فإنه إنما خلقكم لعبادته وتوحيده وتسبيحه، (لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ) لولا إيمانكم ما بالى بكم ولا اكترث بكم. ثم قال الله (فَقَدْ كَذَّبْتُمْ) ختام لهؤلاء الكفرة، بعدما ذكر البشارة والنذارة والرسل والقرآن وهذا البيان فقد كذبتم أيها الكافرون (فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا) أي فسوف يكون تكذيبكم لزاماً عليكم مقتضياً لهلاككم ودماركم في الدنيا والآخرة ويدخل في ذلك دخولاً أولياً عذابهم يوم بدر فالخطاب هنا توجه من الذكر كأنه كان يعرّض أي يقول عباد الرحمن هذه صفاتهم لكن هل أنتم اتصفتم بهذه الصفات؟! كلا، ولذلك إلتفت إليهم وكأنه عرّض بهم ثم التفت إليهم فقال (فَقَدْ كَذَّبْتُمْ) يا من سقنا لكم في هذه السورة الحجج والبراهين (فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا) أي يكون عذاباً ملازماً لكم يوم القيامة سواء كان ذلك في الدنيا أو في الآخرة. وبهذا نكون قد انتهينا من تفسير هذه السورة المباركة نسأل الله أن يغفر لنا زللنا وتقصيرنا إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. |
| #46 | |||
| |||
| وهذا ملف محاضرات الأسبوع الخامس كاملة بصيغة ملف وورد |
| #47 | |||
| |||
| تم الانتهاء بفضل الله تعالى من تفريغ وتنقيح محاضرات الأسبوع السادس من دورة الأترجة القرآنية وهذا هو تفريغ هذه المحاضرات: الأسبوع السادس تفسير سورة الشعراء وجزء من سورة النمل للشيخ صالح بن عبد الرحمن الخضيري درس الظهر الدرس 96: تفسير سورة الشعراء من آية 1 حتى آية 104 الملقي: صالح بن عبدالرحمن الخضيري موعدها: 01:30 ص 1432/11/22 هـ المجلس الأول (طسم ﴿١﴾ تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ ﴿٢﴾ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴿٣﴾ إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آَيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ ﴿٤﴾ وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ ﴿٥﴾ فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴿٦﴾ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ﴿٧﴾ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿٨﴾ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴿٩﴾) بسم الله الرحمن الرحيم. إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن نبينا محمد عبده ورسوله اللهم صلِّ وسلِّم عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان الى يوم الدين، أما بعد. فهذا المجلس الأول من مجالس التفسير وهذه السورة الكريمة هي سوره الشعراء وبين يدي هذه السورة مسائل: Ø الأولى: أن هذه السورة سورة مكية وقد سبق أن المكيّ هو ما نزل قبل هجرة النبي الى المدينة.Ø المسألة الثانية: جاء في تفسير الإمام مالك، طبعاً هذه السورة تسمى سورة "الشعراء" لقول الله تعالى في آخر السورة (وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُۥنَ ﴿224﴾ الشعراء) ولم تأتي هذه اللفظة في غير هذه السورة وهذا هو الموجود في المصاحف الآن بأنها انفردت من بين سور القرآن بذكر هذه الكلمة"الشعراء" وكذلك جاء في كتب السنة بهذه التسمية, وتسمى سورة "طسم" وجاء في تفسير الإمام مالك المروي عنه جاء أنها سميت "بسورة الجامعة" ولعلها أول سورة جَمعت ذكر الرُسُل أصحاب الشرائع المعلومة الى رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلّم. Ø المسألة الثالثة: أن السورة هذه سورة "الشعراء" فيها تسلية لنبينا محمد و فيها تثبيت لقلبه عليه الصلاة والسلام وفيها مدحٌ للقرآن الكريم في أول السورة وفي خاتمتها -كما سنرى إن شاء الله- وفيها الرد على الطاعنين في القرآن وتنزيه القرآن أن يكون شعراً كما أن فيها وهو النصيب الأكبر من السورة ذكرٌ لقصص الأمم السابقين وما ردوا على رُسُل الله وفيها بيان لعذاب هؤلاء الأقوام وهذا يدل على أنها تحمل إنذاراً لكفار قريش وهو في الوقت نفسه تسلية للنبي عليه الصلاة والسلام وما يلقاه من أذى المكذبين. قال الله تعالى (بسم الله الرحمن الرحيم) وسبق أن التسمية آية من القرآن أُنزلت لتفصل بين السور كما جاء في سنن أبي داود من حديث ابن عباس قال: كان النبي لا يعرف فصل السورة من السورة حتى ينزل عليه "بسم الله الرحمن الرحيم" فهي آية مستقلة أُنزلت لتفصل بين السور على القول الراجح. قوله تعالى (طسمٓ ﴿1﴾ الشعراء) سبق الكلام عن الأحرف المقطعة في أوائل السور مضى الكلام أنها مما أستأثر الله تعالى بالعلم به فهي سرّ الله في كتابه ولله في كل كتاب من كتبه سرّ. قوله "تلك" اسم الإشارة هنا إلى الحاضر في الأذهان من آيات القرآن ( تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ ﴿2﴾ الشعراء) اسم الإشارة هنا (تلك) الى الحاضر في الأذهان من آيات القرآن المُنزّل سواءً الذي أُنزل من قبل أو هذه السورة فيكون المراد به هنا جميع آيات القرآن الكريم التي نزلت قبل هذه السورة. وربما يرجع الى آيات السورة (تلك آيات) أي في سورة الشعراء, والمراد بالكتاب هنا هو القرآن (تلك آيات الكتاب) القرآن. و(المبين) هو الواضح الظاهر فهو بيّن في نفسه، القرآن الكريم بيّن في نفسه واضح في ألفاظه ومعانيه وأيضاً هو مُبينٌ لغيره من الأحكام والشرائع والهدى والحق وصِدْق المرسلين عليهم الصلاة والسلام. فهو مبينٌ يعني واضح بيّن في نفسه ومبينٌ لغيره من الحق والهدى فالقرآن مبين هو بيّن في نفسه واضح وظاهر ما جاء به من الحق وأيضاً هو موضّح ومبيّن لغيره من الأحكام والشرائع والهدى. (لَعَلَّكَ بَـٰخِعٌۭ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ ﴿3﴾) الخطاب هنا لمن؟ ظاهر للرسول عليه الصلاة والسلام، الخطاب هنا لرسول الله محمد . (لعلك باخع نفسك) والباخع هو القاتل المُهلِك لأن البخع إعماق الذبح, ولهذا قال الزمخشري: "البخعُ أن يبلغ في الذبح البُخاع وهو عرقٌ مستبطن الفِقَار وذلك أقصى حد الذبح" فهنا "لعلك باخع نفسك" يعني هنا (لعل) للإشفاق يعني أشفق على نفسك أن تقتلها حسرة على ما فاتك من إسلام قومك كما قال الله في آية أخرى (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَٰتٍ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴿8﴾ فاطر) وقال في أول سورة الكهف (فَلَعَلَّكَ بَـٰخِعٌۭ نَّفْسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا۟ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفًا ﴿6﴾ الكهف) والقرآن يفسر بعضه بعضاً فهنا الله يوطِّن نفس الرسول عليه الصلاة والسلام لأنه كان حريصاً على إسلام قومه حريصاً على هدايتهم كما قال الله (لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌۭ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿128﴾ التوبة). فهنا الله يقول له يا محمد أشفق على نفسك لا تقتل نفسك لا تهلك نفسك (أن لا يكونوا مؤمنين)على عدم إيمانهم يعني فلا تفعل، لا تذهب نفسك عليهم حسرات لأن الهداية بيد الله وفي هذا تسلية للرسول عليه الصلاة والسلام لأنه كما سبق كان حريصاً على إسلام قومه كان شديد الأسف لِمَا يرى من إعراضهم وصدودهم وبُعدِهم فيكون المعنى في الآية إنّ حسرتك وغمّك يا محمد من عدم إيمانهم فيما مضى يوشك أن يوقعك في الهلاك في المستقبل يؤثّر على نفسك, ومعلوم أن الشخص إذا اهتم لشيء وأغتم لأمر أن هذا يؤثر على ماذا؟ يؤثر على صحته، يتأثر. ثم قال الله (إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ءَايَةًۭ فَظَلَّتْ أَعْنَـٰقُهُمْ لَهَا خَـٰضِعِينَ ﴿4﴾ الشعراء) أي لو نشاءُ لأنزلنا آية تضطرهم إلى الإيمان قهراً تقودهم قهراً إلى الإيمان ولكننا لا نفعل ذلك لأنا لا نريد من أحد الإيمان الإكراهي إنما نريد الإيمان الاختياري كما قال الله (وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ ﴿99﴾ يونس) فالله يقول (إن نشأ) لو أردنا "ننزل عليهم من السماء آية"علامة تدل تهديدهم بالإهلاك تهديداً محسوساً يعني تظهر لهم بوارق تُنذِر باقتراب عذاب وليس المراد بالآية القرآن، ليس المراد بالآيات القرآن لماذا؟ لأنه نزل ولم يستفيد لم يقتنعوا من القرآن فقوله (إن نشأ ننزل من السماء آية) ليس المراد به القرآن لأنه القرآن نزل وهم لم يستفيدوا من القرآن إنما المراد بالآية هنا تهديدهم بالإهلاك تهديداً محسوساً لتظهر لهم بوارق ونذر وعلامات تدل على اقتراب عذاب. (فظلت أعناقهم لها خاضعين) يعني ذلت أعناق المكذبين وانقادت و"الأعناق" جمع عُنُق وهي الجارحة المعروفة وإنما جمع (خاضعين) جمع عقلاء لأنه أضاف الأعناق الى العقلاء قال (فظلّت أعناقهم) يعني أعناق العقلاء ولأنه وصفها بفعل لا يكون إلا من العقلاء وهو الخضوع. "فظلت أعناقهم لها خاضعين" يعني خضعوا وانقادوا لهذه الآية المحسوسة التي يرونها لكن ليس من شأننا أن نفعل ذلك. وفي الآية وجه آخر في التفسير (إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ءَايَةًۭ فَظَلَّتْ أَعْنَـٰقُهُمْ لَهَا خَـٰضِعِينَ ﴿4﴾ الشعراء) أعناقهم يعني هم الجماعات من الناس يقول هذا عُنُقٌ من الناس أشراف القوم وكبارهم يسمون عنق (فظلت أعناقهم) يعني كبارهم وهؤلاء الأقوام لها خاضعين وعلى هذا القول ما يحتاج إلى تأويل فهو واضح "فظلت أعناقهم" يعني لهذه الآية يعني كبار القوم لها خاضعين ومعلوم أن هؤلاء الكبار والملأ هم السادة إذا خضعوا وانقادوا خضع من؟ خضع من سواهم. ثم قال الله (وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍۢ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا۟ عَنْهُ مُعْرِضِينَ ﴿5﴾الشعراء) أي كلما جاءهم كتاب من السماء فيه وعظ وتذكير وأمر ونهي (محدث) أي جديدٌ إنزاله قال الله (ومَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍۢ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا ٱسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ﴿2﴾ لَاهِيَةًۭ قُلُوبُهُمْ (3) الأنبياء) وهنا قال (إلا كانوا عنه معرضين) يعني عن الإيمان به فيعرضون بقلوبهم وأيضاً يعرضون بأبدانهم، والإعراض هوالاستهزاء والتكذيب. ثم قال الله (فقد كذبوا) وهذا تأكيد لتكذيبهم (فَقَدْ كَذَّبُوا۟ فَسَيَأْتِيهِمْ أَنۢبَـٰٓؤُا۟ مَا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ﴿6﴾ الشعراء) فالفاء هنا (فقد كذبوا) فصيحة أي فقد تبيّن أن إعراضهم إعراض تكذيب. قبل أخبر الله عنهم بأن سُنّتهم الأعراض عن الذِكر وهنا أخبر أن التكذيب أنه سجيّة لهم لا تتغير ولا تتبدل، فهم يجمعون بين أمرين الأول الإعراض والثانية التكذيب, الإعراض واضح وهو الصدود إعراضٌ بقلوبهم وإعراضٌ بأبدانهم والتكذيب كذلك التكذيب بألسنتهم والتكذيب بقلوبهم. (فسيأتيهم أنباءُ ما كانوا به يستهزؤن) يعني سيقع بهم ما يستحقونه من العذاب. "أنباء" جمع نبأ يعني أخبار وعواقب وهي ما يستحقونه من العقوبة آجلًا وعاجلًا وسميت أنباء لكونها مما أنبأ عنه القرآن في غير ما آية، وجمع هنا قال "أنباء" ما قال نبأ جمع الأنباء باعتبار أنهم استهزؤوا بأشياء كثيرة منها البعث ومنها الرسُول ومنها العذاب في الدنيا ومنها انتصار المسلمين عليهم، كلّ هذه كذبوا بها، فهم كذبوا واستهزؤوا أو لأن الاستهزاء أشدُّ من الأعراض والتكذيب وهو مستلزم لهما يعني الاستهزاء مستلزم للإعراض ومستلزم للتكذيب ولا شك أن الآية الكريمة (فَقَدْ كَذَّبُوا۟ فَسَيَأْتِيهِمْ أَنبـٰٓؤُا۟ مَا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ﴿6﴾ الشعراء) لا شك أنها تحمل وعيداً شديداً لقوله (فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزؤون). ثم ذكر الله بعد ذلك ما يدل على كمال قدرته من الأمور الحسية التي يحصل بها للمتأمل فيها والناظر إليها والمستدلّ أعظم دليل وأوضح برهان فقال "أولم يروا" هنا الاستفهام "أولم يروا" استفهام ماذا؟ (أولم يروا) استفهام إنكاري (أولم يروا) إنكار على عدم رؤيتهم, وإنكار على عدم نظرهم, وإنكار على عدم تأملهم (أَوَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَى ٱلْأَرْضِ كَمْ أَنبتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍۢ كَرِيمٍ ﴿7﴾الشعراء) وقد تكرر في القرآن الكريم لفت النظر الى هذه الأرض وكيف بسطها الله , وأنزل عليها الماء وأخرج النبات، النازل واحد والناتج مختلف متعدد الألوان والأشكال والطعوم كما قال الله (يُسْقَىٰ بِمَآءٍۢ وَٰحِدٍۢ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍۢ فِى ٱلْأُكُلِ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ ﴿4﴾ الرعد). (إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ) من نوع من كل زوج أي من كل نوع, والكريم هو النفيس المرضي في منافعه حسن المنظر هذا كله يدل على وجوب إفراد العبادة لله وحده لا شريك له، يعني إن لم يقتنعوا بنزول القرآن لن يقتنعوا بهذه الآية العظيمة كما قال الله (وَءَايَةٌۭ لَّهُمُ ٱلْأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَـٰهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّۭا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ ﴿33﴾ وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّـٰتٍۢ مِّن نَّخِيلٍۢ وَأَعْنَـٰبٍۢ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ ٱلْعُيُونِ ﴿34﴾ لِيَأْكُلُوا۟ مِن ثَمَرِهِۦ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ ۖ أَفَلَا يَشْكُرُونَ ﴿35﴾ يس) وهذا استدلال بهذه الآية الكريمة قوله تعالى (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ) استدلال مع امتنان, كيف استدلال مع امتنان؟ استدلال على عظيم قدرة الله ووجوب إفراده بالعبادة مع الامتنان عليهم بهذه النعم فهو استدلال مع امتنان وخصّ هذا النوع (من كل زوج كريم) لأن نظر الناس في الأنواع الكريمة أمثل وأشهر لأنها هي التي تأخذ بلُبّ الإنسان ولأنه يُعجب بها الإنسان إذا نظر فإذا تطلَّبها وبحث عنها وقع في الاستدلال فيكونوا الاقتصار على الاستدلال بها في الآية من قبيل التذكير بالمشركين بما هم ممارسون له وراغبون فيه. ثم قال الله تعالى (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ) يعني فيما ذكر من الإنبات في الأرض من الأنواع وما فيها من المنافع (لَآيَةً) دلالة على إحياء الله الموتى بعد موتهم وهنا ذكره الله بلفظ الإفراد "آية " لأنه أراد أن في كل واحد آية كما سبق النازل واحد والناتج أصناف متنوعة متعددة ففي كل ففي كل واحد من هذه النباتات فيها آيةتأمل في رياض الأرض وأنظر إلى أثار ما صنع المليكُ عيونٌ من لجين شاخصات إلى قوله: تدل على أن الله ليس له شريكُ ثم قال الله (وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ) كما قال (وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ﴿103﴾ يوسف) وقال (وَقَلِيلٌۭ مِّنْ عِبَادِىَ ٱلشَّكُورُ ﴿13﴾ سبأ) و (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ (116) الأنعام) (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَٱلْأَنْعَـٰمِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ﴿44﴾ الفرقان) في القرآن الكريم في كتاب الله تركيز على أن الإنسان لا ينظر الى حال الأكثر إنما ينظر الى حال من هداه الله، ينظر إلى الدليل الشرعي، ينظر إلى آيات الله في النفس وفي الكون الآيات الكونية والآيات الشرعية لا ينظر الى حال الأكثر من الناس. (وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) فهو العزيز الذي قهر كل شيء وغلبه له عزّة القَدْر وله عزة القهر وله عزة الامتناع فهو العزيز ومن صفاته صفة العزة، والعزة تشمل عزة القدر وعزة القهر وعزة الامتناع وربما سبق الكلام على هذه الصفة. (الرحيم) بخلقه فلا يعاجل من عصاه بعقوبة بل يؤجله ويُنظره ثم يأخذه أخذ عزيز مقتدر. وفي وصفه تعالى بالرحمة إشارة إلى أنه سبحانه يرحم الرُسُل عليهم الصلاة والسلام بتأييدهم ونصرهم, وستتكرر معنا هاتين الآيتين الكريمتين ستتكرر في السورة في ختام كل قصة يذكرها الله . ثم قال الله وهذه القصة الأولى في السورة وهي قصة موسى مع فرعون الطاغية، وقد بُسِطَت في سورة الأعراف بسطاً قريباً مما هو موجود في سورة الشعراء أو أكثر وسبق أني تكلمت عليها في سورة الأعراف. وكررت قصة موسى ثنّاها الله تعالى في القرآن بأساليب متنوعة حوالي تسعة عشرة مرة بما ليس له نظيرٌ في القرآن لأن قصة موسى عليه الصلاة والسلام تشتمل على حكمٍ عظيمة منها أن موسى ابن عمران هو صاحب الشريعة الكبرى وأعطاه الله التوراة التي هي أفضل الكتب بعد القرآن ومنها أنه واجه عدواً من أعتا الأعداء وهو فرعون الطاغية الذي قال لقومه أنا ربكم الأعلى، ومنها ما في ثنايا قصته من العبر والآيات التي شاهدها قومه، ومنها أيضاً أن بني إسرائيل هم أعتا الأمم، فلهذا كُررت قصة موسى بأساليب وطرق متعددة متنوعة. فهنا الله يقول مسلياً لخليله محمد ابن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (واذكر) يا محمد (وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰٓ) أي اذكر وقت نداء الله لموسى من جانب الطور الأيمن حين كلمة ونبّأه وأرسله، (أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) وصفهم بالظلم لأنهم ظلموا أنفسهم بالكفر وظلموا أيضاً عباد الله وهم بنو إسرائيل بالاستعباد وذبح الأولاد وهنا الآية تبين علّة الإرسال، ما هي علة الإرسال؟ لماذا أرسل موسى؟ ليمنع الظلم والفساد في الأرض فهنا علة الإرسال وهي الظلم الذي صدر منهم واشتهر عنهم والمقصود من سوق هذه القصة هو الموعظة ببيان عاقبة المكذبين وعاقبة المرسلين وهي النصر والتأييد والتمكين وفي هذه السور لم يذكر ما ابتدئ به موسى لأنه مرّ في سورة مرّ ابتداء النداء أول ما كلم الله موسى مرّ في أي سورة؟ سبق في سورة "طه"، مرّ في سورة "طه". وبين هنا في سورة "طه" بيّن الله كرامة موسى على الله ورسالة الله أما هنا فالمقام يقتضي الاقتصار على شرح دعوة موسى لفرعون وقومه وبيان إعراضهم وبيان عقوبة الله لهم ليتعظ من شاء الله له الموعظة مع ما في هذا من بيان بلاغة القرآن وفصاحته وتنويع الأسلوب على المخاطب. ولهذا لو أخذت الآيات من سورة الشعراء وقارنتها بالآيات من سورة الأعراف تجد ثمة بعض الفروق في ثنايا الآيات لأن المقصود بيان العظة والعبرة وتنويع الأسلوب وبيان فصاحة القرآن وبلاغته. (أَنِ ٱئْتِ ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿10﴾ قَوْمَ فِرْعَوْنَ ۚ أَلَا يَتَّقُونَ ﴿11﴾ الشعراء) ألا يخافون عقوبة الله الذي خلقهم ورزقهم؟! ألا يتقون عواقب ظلمهم لأنفسهم وظلمهم لغيرهم فيتركون ما هم عليه من الكفر وظلم الناس ويقصرون أنفسهم على عبادة الله وحده لا شريك له؟! (أَنِ ٱئْتِ ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿10﴾ قَوْمَ فِرْعَوْنَ ۚ أَلَا يَتَّقُونَ ﴿11﴾ الشعراء) قال موسى (قَالَ رَبِّ إِنِّىٓ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ ﴿12﴾ الشعراء) قال معتذراً من ربه ومُبيناً لعُذره إن أخاف إني يكذبوني في الرسالة والنبوة. والخوف هنا قد يكون خوفاً خوف موسى (إني أخاف أن يكذبون) يعني فإذا كذبوني عاجَلتهم يا ربي بالعقوبة وأنا لا أحب أن يكون لهم عقوبة، لا أحب أن يعاقبوا فلو أرسلتَ غيري يعني هذه شفقة من موسى عليهم لأن لا يعاجلوا بالعقوبة لأنهم يعرفون موسى من قبل كما قال فرعون كما سيأتي قال (ألم نربك فينا وليدا) يا ربي إني أخاف أن يكذبوني ويضيق صدري لتكذيبهم إياي ولا ينطلق لساني بتأدية الرسالة كما قال في سورة "طه" وفي سورة "الشعراء". في سورة القصص قال (وأَخِى هَـٰرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّى لِسَانًۭا فَأَرْسِلْهُ مَعِىَ رِدْءًۭا يُصَدِّقُنِىٓۖ إِنِّىٓ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ ﴿34﴾ القصص) و هنا قال (وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (13)) يعني أرسل إليه جبريل بالوحي ليكون معي رسولاً ظاهراً معاوناً لي ولم يذكر المؤازرة هنا لأنها معلومة في غير هذا الموضع كما في سورة "طه (وَٱجْعَل لِّى وَزِيرًۭا مِّنْ أَهْلِى ﴿29﴾ هَـٰرُونَ أَخِى ﴿30﴾ ٱشْدُدْ بِهِۦٓ أَزْرِى ﴿31﴾ وَأَشْرِكْهُ فِىٓ أَمْرِى ﴿32﴾ طه) فأجاب الله طلبه ونبّأ أخاه كما نبّاه (فَأَرْسِلْهُ مَعِىَ رِدْءًۭا) أي معاوناً لي على أمري، قال بعض العلماء ما هناك أخ أعظم بركة على أخيه مثل بركة موسى على هارون ما رضي إلا أن أشركه معه في النبوة والرسالة. ثم قال موسى (وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ ﴿14﴾ الشعراء) الذنب هو قتله للقبطي كما قال الله (فَوَكَزَهُۥ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ ۖ (15) القصص) وتوعّده القبط لئن ظفروا بموسى ليقتلوه فخرج من مصر خائفاً وكان ذلك هو سبب توجهه الى مدين -كما سيأتي في سورة "القصص" إن شاء الله تعالى- وقال موسى هنا (فأخاف أن يقتلون) قال بعض العلماء أن هذا ليس خوفاً من الموت ولكنه خشي العائق من إتمام ما عُهِد إليه مما فيه ثواب جزيل وأجر عظيم. طبعاً إذا قتلوا موسى يخشى أن ينقطع أجره ينقطع ثوابه ولا يتم الرسالة التي عهد الله إليه ومن أهل العلم من قال لا مانع أن يكون موسى خاف خوفاً طبيعياً فالخوف الطبيعي جائز على الأنبياء والرُسُل عليهم الصلاة والسلام. قال الله (كلا) وهذا حرف إبطال (كلا) لا يتمكنون من قتلك فإنا سنجعل لك ولأخيك هارون سنجعل لكما سلطاناً كما قال في القصص (فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا ۚ بِـَٔايَـٰتِنَآ أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلْغَـٰلِبُونَ ﴿35﴾ القصص) (ٱذْهَبَا بِـَٔايَـٰتِنَآۖ إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ ﴿15﴾ الشعراء) كما قال الله (إِنَّنِى مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ ﴿46﴾ طه) وهذه معيّة النصرة معيّة الحفظ ومعية الكلاءة لموسى ولهارون. (فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَآ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿16﴾ الشعراء) أي أرسلنا إليك لتؤمن بالله برب العالمين وهذا مجابهة لفرعون بأنه عبدٌ مربوب وليس برب. (أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ﴿17﴾الشعراء) يعني خلِّ سبيلهم حتى يسيروا معنا إلى فلسطين أطلقهم من حبسك وكُفَّ أذاك عنهم (فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ (47)) كما قال الله في سورة طه فلما سمع فرعون ما قال جعل يجادل ويعارض وعرف موسى لأنه نشأ في بيته قال (قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًۭا) يقول على جهة المنّة والاحتقار لموسى يقول أنت كنت عندنا صغيراً (وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ ﴿18﴾ الشعراء) فمتى جاءتك النبوة والرسالة؟! متى أعطاك الله الرسالة وأنت عندنا قبل سنين؟! (وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِى فَعَلْتَ) وهي قتلك للقبطي (وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ ﴿19﴾ الشعراء) من الكافرين يعني من الكافرين بنعمتي يقول فرعون من الجاحدين حيث أني ربيتك فقتلت رجل من أصحابي فقال موسى مجيباً لفرعون (قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ) حين قتلت القبطي كنت آنذاك جاهلاً مخطئاً أو لم أتعمد قتله بل أردتُ تأديبه فقط فموسى لم يعلم أن وكز القبطي سيؤدي الى موته ولم يتعمد قتل القبطي بل حصل القتل خطأ (فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ (21)) خرجت من بينكم الى مدين ثم أن قتله للقبطي قد غفر الله له ذلك كما قال (قَالَ رَبِّ إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى فَٱغْفِرْ لِى فَغَفَرَ لَهُۥٓۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ﴿16﴾ القصص) خرجت من بينكم فأعطاني ربي النبوة والعلم والفهم فهذا يفيد أن الإنسان ابن يومه لا ابن أمسه وليست العبرة بنقص البداية إنما العبرة بكمال النهاية قد يكون على الإنسان في بدايته مساوئ ومشاكل وأمور معينة ولا يضرّه ذلك كما قال الله (إِلَّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًۢا بَعْدَ سُوٓءٍۢ (11) ) كما سيأتي في النمل (فإني غفورٌ رحيم). الحاصل أن اعتراض فرعون على موسى لا شك أنه اعتراض جاهل أو متجاهل لأنه جعل المانع من أن يكون موسى رسولًا أنه جرى منه القتل. ثم قال موسى (وَتِلْكَ نِعْمَةٌۭ تَمُنُّهَا عَلَىَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ﴿22﴾ الشعراء) وهذا نقضٌ لامتنان فرعون بقلب النعمة نقمة بتذكيره أن نعمة تربيته ما كانت إلا بسبب إذلال بني إسرآئيل كما قال الله (يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ وَيَسْتَحْىِۦ نِسَآءَهُمْ ۚ(4) القصص) وبسبب ذلك ألقت أم موسى بطفلها باليم حيثُ عثرت علية امرأة فرعون فقالت (قرة عين لي ولك) وتربى في بيت فرعون سبحان الله! فموسى قال (وَتِلْكَ نِعْمَةٌۭ تَمُنُّهَا عَلَىَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ﴿22﴾ الشعراء) أصلاً ما هو السبب الذي ساقني الله إليك، ما ساقني الله إليك إلا نتيجة لأذاك لقومي وتعذيبهم وتعذيبك إيّاهم (وَتِلْكَ نِعْمَةٌۭ تَمُنُّهَا عَلَىَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ﴿22﴾ الشعراء) جعلتهم في أخسّ المِهَن وقمت بإذلالهم وتعذيبهم. والمفسرون أخرجوا هذا على جهة الإنكار أن يكون ما ذكر فرعون نعمة على موسى واللفظ هنا لفظ خبر وفيه تبكيتٌ للمخاطَب على معنى أنك يا فرعون لو كنت لا تقتل أبناء بني إسرآئيل لكانت أمي مستغنية عن قذفي في اليم فكأنك تمنّ علي ما كان بلاؤك سبباً له كأنك يا فرعون تمنّ علي على ما كان بلاؤك سبباً له. ولهذا قال الحافظ ابن كثير في معنى الآية أي ما أحسنت إليّ وربيتني مقابل ما أسأت إلى بني إسرآئيل فجعلتهم عبيداً وخدماً تصرِّفهم في أعمالك ومشاق رعيتك أفيأتي إحسانك إلى رجل واحد منهم بما أسأت الى مجموعهم؟! فليس ما ذكرت شيء بالنسبة له أنا، أنا واحد لكن كم أسأت إلى أمم من بني إسرآئيل؟ ثم (قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿23﴾الشعراء) يعني أي شيء تزعم هذا الذي تقول أنه ربك. قال موسى (رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ) يعني الذي خلق العالم العلوي السماوات السبع (وَمَا بَيْنَهُمَآۖ ) والعالم السفلي ودبّرهما بأنواع التدبير (إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ ﴿24﴾ الشعراء) بشيء من الأشياء فهذا أولى ما توقن به يا فرعون! يعني كما توقن بهذه الأشياء التي تعاينها فأيقن أن الله هو خالق الكون. فلما قال موسى ذلك تحيّر فرعون في جوابه تحير في جواب موسى قال (قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ) وهذا سؤال إنسان يتجاهل ولهذا قال الله (وَجَحَدُوا۟ بِهَا (14) النمل) والجحد ما يكون إلا بعد العلم. هنا التفت فرعون قال (أَلَا تَسْتَمِعُونَ ﴿25﴾ الشعراء) ما عنده جواب، قال لقومه (ألآ تستمعون) يعني ألا تعجبون من زعمه أن لكم إلهاً غيري لأنهم كانوا يعتقدون أن فرعون هو ربهم وإلههم كما قال الله (فاستخفّ قَوْمَهُۥ فَأَطَاعُوهُ ۚ(54) الزخرف). فزاد موسى في البيان وزاد في إقامة الحجة على فرعون (قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَآئِكُمُ ٱلْأَوَّلِينَ ﴿26﴾ الشعراء) لأن وجود الإنسان وآبائه أظهر الأدلة عن العقلاء وأعظم البراهين فإن أنفسهم أقرب الأشياء إليهم يستدلون بها على وجود خالقهم، فلما ظهرت هذه الحجة ما أعجبت فرعون، حاد، ما عنده شيء (قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِىٓ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌۭ ﴿27﴾ الشعراء) يعني سبحان اللهّ هنا بدأ يطعن في موسى لما موسى رد عليه الحجج والبراهين حاول أنه يستخفّ بما قاله موسى ويستهزأ به قال فرعون (إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِىٓ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌۭ ﴿27﴾ الشعراء) يتكلم بكلام لا يعقله ولا نعرف صحة هذا الكلام لا نعرفه وأضاف الرسول إلى المخاطَبين قال (رسُولكم) ترفُّعاً بنفسه أن يكون مقصوداً بالخطاب. ثم أكّد التهكم بموسى بقوله (الذي أُرسل إليكم) ليزيد من تهييج السامعين من أجل أنهم لا يتأثرون بدعوة موسى حتى يصرفهم. فزاد موسى في إقامة الحجة وقال (قَالَ رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ﴿28﴾ الشعراء) يعني أنتم في الحقيقة المجانين، أنتم المجانين. إنتقل إلى شيء ما لفرعون به قِبَل ولا يستطيع، فأنت يا فرعون رميت بموسى بشيء في الواقع هو داؤك أنت فأنت في الحقيقة المجنون أنت وأصحابك حيث ذهبت عقولكم إلى إنكار أظهر الموجودات وفاطر الأرض والسموات وما بينهما. فانقطع فرعون في الحجة ثم (قَالَ لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهًا غَيْرِى لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ ﴿29﴾ الشعراء) اللام هنا موطئة للقسم والمعنى أن فرعون أكّد وعيده في القسم بأنه سيجعل موسى من المسجونين من أحد الأفراد المسجونين. فلما سمع موسى هذا الأمر (قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَىْءٍۢ مُّبِينٍۢ ﴿30﴾ الشعراء) يعني أولو جئتك بآية تبيّن صدقي في دعواي؟ قال الله (فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌۭ مُّبِينٌۭ ﴿32﴾ الشعراء) وهذا سبق تفسيره في سورة الأعراف أنه ألقى العصا وصارت حيّة ضخمة مضى بيانه في الأعراف وفي طه (فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌۭ تَسْعَىٰ ﴿20﴾ طه). وهنا لما ألقى هذه الحيّة (قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُۥٓ إِنَّ هَـٰذَا لَسَـٰحِرٌ عَلِيمٌۭ ﴿34﴾ الشعراء) يقول فرعون، يعني فائق في علم السحر يقصد موسى وقد تقدم الكلام على نظير هذه الآيات في سورة الأعراف سوى أن في هذه الآيات زيادة (بسحره) (يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِۦ) وفي هذه الآية أن هذا القول قول فرعون للملأ وفي الأعراف قال (وقال الملأ من قوم فرعون) كيف نجمع بينهما؟ أن فرعون قال لمن حوله فأعادوا الكلام بلفظه موافقةً لفرعون أعادوه لم يكتفوا بقول نعم بل أعادوا قول فرعون ليكون قولهم على تمام قوله (فَمَاذَا تَأْمُرُونَ) ما رأيكم ماذا نفعل؟ أظهر لهم الميل، هل الإله هو يستشير أحد؟ّ ما يستشير أحد الإله!. (فَمَاذَا تَأْمُرُونَ) قالوا (قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (36) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (37)) يعني أرسِل في الأقاليم والمدن ومدارس السحر رجالاً يجمعون كل ساحر خبير متفنن في السحر وهنا جُمع السحرة (فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ) ووعدهم هذا اليوم وهو يوم الزينة كما قال الله في سورة طه (قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزِّينَةِ (59)) وهو اليوم الذي يتفرّغون فيه من أشغالهم. (وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُم مُّجْتَمِعُونَ ﴿39﴾ الشعراء) حثّاً لهم للاجتماع ليشاهدوا ما يكون من موسى والسحرة ولمن تكون الغلبة (لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِن كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (40)) أي قال للناس اجتمعوا لننظر غلبة السحرة لموسى فنتّبع السحرة ولو وفِّقوا لقالوا لعلنا نتّبع المُحِقّ منهم ولِنعرِفَ الصواب. والله الموفق |
| #48 | |||
| |||
| درس الظهر - المجلس الثاني المجلس الثاني (فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ ﴿٤١﴾ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ﴿٤٢﴾ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ ﴿٤٣﴾ فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ ﴿٤٤﴾) بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد. فسبق أن فرعون أرسل في المدائن والأقاليم ومدارس السحر رجالاً يجمعون كلّ ساحر خبير متمكّن من فنون السحر كما قال الله تعالى (قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (36) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (37)). (قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى (57) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ (58) طه) فجمع السحرة لميقات يوم معلوم، تواعدوا في يوم الزينة (قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ) اليوم الذي يتفرغون فيه من أشغالهم (وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ) هل أنتم مجتمعون على شكل سؤال استفهام، هم الآن توجّسوا خيفة من موسى، يعني هذه عادة المُبطِل -مثل ما يقولون بالمثل إنه يولم العصابة قبل الفلقة، المثل العامّي- فهم الآن يحتاطون لموسى لأن فرعون يعلم يقيناً أن موسى إن غلب فسيسحب البساط من تحته وسينصرف الناس إلى موسى وهو عالم بهذا، فلهذا أحبّ أن يعطي موسى كما يقولون ضربة استباقية وسيأتي بيان سخافة عقل فرعون لمّا قال (إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ) مع أن الناس يعلمون يقيناً أن موسى ما كان يعرف السَحَرة ولا التقى بهم. (فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (41) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) حتى هم أُنظر سخافة عقول السحرة! أُنظر أنهم أيضاً ما عندهم قدرة على قلب الأشياء إلى أعيان حقيقة لو كانوا فعلاً يستطيعون أن يقلبوا الليل نهاراً والنهار ليلاً والبعرة ذهباً لما احتاجوا أن يطلبوا أجرة من فرعون كان يسحرون فرعون ويأخذون جميع ما عنده من الذهب، لكن هم أصلاً هم أعجز وأذلّ من ذلك! ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام لما سُئل عن الكُهّان؟ قال إنهم ليسوا بشيء. هنا فرعون وعدهم ومنّاهم أنه يعطيهم ما أرادوا من أجر وأنه سيقرّبهم ويُعلي منزلتهم عنده والخلق كلهم عارفون بأن فرعون كان عبداً ذليلاً مُهاناً مُحتَقراً عاجزاً وإلا أصلاً لما استعان بالسحرة، ألم يدّعي أنه هو ربهم؟! الرب ما يستعن بأحد! ما يحتاج أنه يجلب أناساً متفننين من السحر ويعِدَهم ويرتّب لهم جوائز ويقرِّبهم، الرب ما يحتاج لهذا الشيء أبداً!! فكل الناس يعرفون أن فرعون لكن سبحان الله أُنظر إلى العقول كيف (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ) -لا تغيب عن بالكم هذه الآية العظيمة- (إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) العقول إذا مُسِخَت ما صار الإنسان يفكر بعقله (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) يتفكّرون، أما أشباه البهائم الذين رضوا لأنفسهم بالذِّلة والهوان فهؤلاء لا حيلة فيهم. إذاً وعدهم ومنّاهم وأنه سيعطيهم وسيفعل. (قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ) وفي آية أخرى أنهم هم قالوا (قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى) والحمد لله أن الله وفّق موسى أنه يجعلهم هم الذين يبدأون حتى يرى الناس كيف سحرهم العظيم كما قال الله (وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ) يبهر العقول ففعلاً ألقوا حبالهم وعصيّهم وسحروا أعين الناس كما قال الله في سورة الأعراف (وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ) هنا جاء دور موسى (فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ) ألقى موسى عصاه فإذا هي حيّة تسعى وتلقف ما يأفكون، ألقى موسى عصاه فتحولت حيّة فأكلت سحرهم كله، أكلت الحبال والعصيّ وخاف الناس وفزعوا، هم هربوا خشوا أن تأكلهم. (تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ) تأكل (مَا يَأْفِكُونَ) يعني ما يلقونه ويوهِمون أنه حقٌ وهو باطل. فهنا كما قال الله (فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) وهنا قال (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ) لماذا ألقوا ساجدين؟ لأنهم رأوا الحق. ألقي السحرة ساجدين، الآية في الأعراف نفس التي في الشعراء (قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (47) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ) لا فرعون الذي يدّعي. تحولوا من التحدي السافر لموسى إلى التسليم المطلق الذي يجدون برهانه في أنفسهم عين يقين سيشاهدونه بأعينهم، وهذا دليل على أن الحقّ بَهَرَهم واضّطرهم أن يسجدوا بحيث أن الواحد منهم ما تمالك نفسه أن يقع ساجداً لله مباشرة، وهكذا الإيمان إذا وقر في القلب. إذا وقر الإيمان في القلب وعاين العاقل الإنسان المُبْصِر عظيم قدرة الله ما يتمالك نفسه أن يستسلم لرب العالمين. ولكن الطواغيت المتجبرين كفرعون ومن سلك سبيله لا يُدركون كيف يشرق الإيمان في القلوب، ولا كيف تُخالط بشاشة الإيمان القلوب، فهم لطول ما استعبدوا الناس يحسبون ويعتقدون أنهم كما ملكوا أجسادهم أنهم يملكون أيضاً قلوبهم، وجهلوا أن القلوب بيد علّام الغيوب.قال لهم فرعون متهدداً لهم على الإيمان (آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ) وفي الأعراف (آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ) وهنا قال (آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) كبيرهم الذي علمهم السحر! أصلاً موسى ما يعرفهم كما سبق آنفاً، ولا التقى بهم، ولا بينه وبينهم ترتيب، ومن الذي جمعهم موسى أو فرعون؟! أنت يا فرعون أنت الذي جمعتهم أرسلت في المدائن أناس يجمعونهم ويحشرون الناس فكيف تقول كبيركم الذي علمكم السحر؟! ولكن كان الخبيث حاكماً مستبداً على الأديان والأقوال، وقد تقرر عنده وعندهم أن قوله مُطاع وأمره نافِذ ولهذا بدأ يهدد ولهذا قال (لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ) وفي سورة طه (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (71) قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72)) الإيمان ليس شيئاً يباع ويشترى، الإيمان كما قال الحسن البصري ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلّي ولكن ما وقر في القلب وصدّقه العمل. إذا وقر في القلب يفعل الأعاجيب، الإيمان هو الذي جعل عمير بن الحُمَام لما قال يا رسول الله وكان بيده تمرات قال يا رسول الله ما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء؟ قال نعم، فألقى التمرات وقال والله لئن بقيت حتى آكل تمراتي إنها لحياة طويلة. هذا الإيمان، الإيمان يفعل الأفاعيل في القلوب. لكن هذا من تمويه فرعون ليُريَهم أنهم ما غُلِبوا ولا انقطعت حجتهم فقال إن موسى كبيركم الذي علمكم السحر فتواطأتم أنتم وإياه على أن تنغلبوا له وتنهزموا ويعلم هو -قاتله الله- أنه كذب، لكن إنه الإيمان دعوة موسى، موسى يدعو إلى ماذا؟ إلى توحيد رب العالمين، وفرعون يدعو إلى تعظيم نفسه وأنه هو رب الناس، فهذه واضح أن هذه الدعوة هي التي تزعج وتخيف أنه لا بقاء ولا قرار لحكم الطواغيت مع رب العالمين . لأنهم يحاولون أن ينازعوا الرب وهم هؤلاء الطواغيت يقوم ملكهم على تنحية ربوبية الله ، تنحية شريعة الله وإقامة أنفسهم أرباباً من دون الله يُشرِّعون للناس ما يشاؤون ويعبدون الناس لما يشرِّعون وهذان منهجان لا يلتقيان، إما أن يكون الإنسان عبداً لرب العالمين أو يكون عبداً للعبيد وهؤلاء الطواغيت هم عبيدٌ لشهواتهم وعبيدٌ للشيطان.(قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ) يعني نحن لا يهمنا أن تفعل هذا بنا، لا يضرنا. (إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ) فهم يقولون نحن نطمع أن الله يغفر لنا ذنوبنا وفي آية أخرى (وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) ويحتمل أن فرعون فعل بهم ما توعّدهم به لأنه قادرٌ على أن يفعل بهم هذا، ويُحتمل أن الله منعه منهم، وفي القرآن ما فيه تصريح أنه فعل بهم هذا أو لم يفعل لكن جاء عن ابن عباس أنه فعل بهم ذلك حيث قال إنهم كانوا في أول النهار كُفّاراً فَجَرَة ثم أصبحوا شُهداء بَرَرَة.ثم لم يزل فرعون وقومه مستمرين على كفرهم يأتيهم موسى بالآيات والبينات وكلما جاءتهم آية وبلغت منهم كل مبلغ وعدوا موسى وعاهدوه أن يؤمنوا كما قال الله (وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا). فلما يئس موسى من إيمانهم وحقّت عليهم كلمة العذاب وآن لبني إسرائيل أن ينجّيهم الله من أسرِهم ويمكنّ لهم في الأرض أوحى الله إلى موسى عليه الصلاة والسلام (أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي) أي اخرُج ببني إسرائيل كلّهم أخرجهم من مصر متوجهاً إلى فلسطين، أخرِجهم. (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ) وفي طه (وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (77) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ) وهنا (إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ) يعني سيتبعكم فرعون وجنوده ووقع كما أخبر فإنهم لما أصبحوا إذا بنو إسرائيل قد سروا كلهم مع موسى . قوله (أَسْرِ بِعِبَادِي) متى هذا ليل وإلا نهار؟ ليل.(فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ) أرسل يجمعون الناس ليوقع ببني إسرائيل وقال مشجِّعاً لقومه (إِنَّ هَؤُلَاءِ) أي بني إسرائيل (لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ) إذا صاروا شرذمة قليلين لماذا تجمع الناس؟!! لماذا ما تقضي عليهم أنت والذين معك؟!! (وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ) فلا بد أن ننفذ غيظنا في هؤلاء العبيد الذين أبَقوا منّا وفرّوا، لابد أن ننفّذ الغيظ فيهم (وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ) فعلاً هم غاظوا فرعون وقومه. (وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ) أي الحذر على الجميع منهم, وهم أعداء للجميع وهم أعداء في الواقع لفرعون لأنهم سيزيلون مكانته فيسحقونه سحقاً وهو يوهِم أنه عدوٌ لي وعدوٌ لكم أنتم أيضاً. (وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ) وفي قراءة سبعية (وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَذِرُونَ) وهما لغتان حذرون وحاذرون. فخرج فرعون وجنوده في جيش عظيم ونفير عام لم يتخلّف منهم رجلٌ واحد لحكمة يعلمها الحكيم العليم ما تخلّف منهم إلا أهل الأعذار الذين منعهم العجز.قال الله (فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) بساتين مصر وجناتها الفائقة وعيونها المتدفقة وهذه الزروع التي ملأت أراضيهم وعُمِرت بها حاضرتهم وبواديهم خرجوا منها. (وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ) يُعجِب الناظرين ويُلهي المتأملين، تمتعوا بهذا دهراً طويلاً وقضوا لذّتهم وشهوتهم التي كتب الله لهم عمراً مديداً في هذه الأماكن وهذا البساتين وهذه الجنات والعيون لكنهم قضوها على كفر وفساد وظلمٍ لأنفسهم أولاً وظلمٍ لبني إسرائيل ثانياً، وعاقبة الظلم وخيمة ولهذا في آخر سورة الشعراء (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ).(كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ) هذه البساتين والعيون الجارية والزروع والمقام الكريم أورثها الله لبني إسرائيل الذين كانوا قبل ذلك عبيداً لفرعون والأقباط. كانوا متجهين لجهة فلسطين لكن انتفى المحذور فرجعوا مرة أخرى إلى مصر كما قال الله في سورة الأعراف (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ) ما كانوا يبنون من العمارات كلّها دمّرها الله وأهلكها (كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (59) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ) يعني إتّبع فرعون وقومه موسى وقومه وقت شروق الشمس وساروا خلفهم على غيظ وحَنَق قادرين. (فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ) رأى كلٌ منهما صاحبه (قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى) شاكين لموسى وحزينين يا موسى (إِنَّا لَمُدْرَكُونَ) وذلك أن موسى انتهى ببني إسرائيل إلى سيف البحر ما أمامهم شيء إلا البحر أمامهم وفرعون وجنده خلفهم، قالوا يا موسى (إِنَّا لَمُدْرَكُونَ) فقال موسى عليه الصلاة والسلام مقولةَ الواثق بوعد ربه، المتوكّل على ربه (قَالَ كَلَّا) وهي حرف إبطال يعني ليس الأمر كما ذكرتم إنا مدرّكون، لسنا كذلك (كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) سيدلّني لما فيه نجاتي ونجاتكم أيضاً (كَلَّا) من قال لكم إنا مدركون؟! قال الله (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ) البحر خلقٌ من خلق الله ضربه موسى ضربة واحدة، لا إله إلا الله! فانفلق، هذا الماء هذا البحر بقدرة الله أصبح اثني عشر طريقاً كما قال الله (فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى) اثنا عشر طريق على عدد قبائل بني إسرائيل يمشون في أرض واضحة بيّنة جافّة يابسة فكان الماء بقدرة الله بين هذه الطرق الاثني عشر كالجبال قائماً واقفاً الماء بقدرة الله القوي العزيز (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ). اثنا عشر طريق كل طريق بينهما الماء واقف بحيث أن كل مجموعة تمشي في طريق ما تخاف على المجموعة الثانية تراها من خلال الماء الشفاف كل طريق وكل جماعة يمشون مع طريق يرون أهل الطريق الثاني وهم يعبرون البحر الأحمر هذا، بحر القُلْزُم. (فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ) كالجبل فدخل موسى وقومه. قال الله (وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ) في ذلك المكان (ثَمَّ) تدل على المكان، يعني فرعون وقومه قرّبناهم وأدخلناهم في ذلك الطريق اليَبَس الذي سلكه موسى وقومه (وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ) لما استكمل موسى وقومه خارجين لم يتخلّف منهم أحد، واستكمل فرعون وقومه داخلين إنطبق البحر عليهم فأهلك الله القوم الظالمين، هلكوا عن آخرهم. وهنا قال الله (ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ). فرعون لمّا أدركه الغرق ماذا قال؟ فلمّا أدركه الغرق قال (آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) قال الله (آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً).(إِنَّ فِي ذَلِكَ) في هذه القصة وما فيها من العجائب والنصرة والتأييد لعباد الله المؤمنين (لَآيَةً) لدلالة وحجّة قاطعة وحكمة بالغة على عظيم قدرة الله ورحمته بعباده ونصره لجنده وأوليائه (وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (67) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) فهو العزيز الذي أخذ فرعون، الرحيم الذي رحم موسى ومن معه (وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ) له عزّة القدر وعزّة القهر وعزّة الامتناع. (الرَّحِيمُ) له صفة الرحمة جلّ وعلا رحمته وسعت كل شيء كما قال (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) والرحمة صفة من صفات الله ، صفة من الصفات الفعلية يُثبتها أهل السنة والجماعة على الوجه اللائق بجلاله وعظمته كبقية الصفات. والقول في الصفات كالقول في الذات فأهل السنة والجماعة منهجهم أهل الحق واضح في أسماء الله وصفاته يثبتونها على الوجه اللائق بجلال الله وعظمته من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل كما قال الله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ). |
| #49 | |||
| |||
| درس الظهر - المجلس الثالث المجلس الثالث (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ ﴿٦٩﴾ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ ﴿٧٠﴾ قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ ﴿٧١﴾ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ ﴿٧٢﴾ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ ﴿٧٣﴾ قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴿٧٤﴾) بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. قال الله (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (69) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ). هذا هو المجلس الثالث في تفسير سورة الشعراء يبتدئ بقصة الخليل عليه الصلاة والسلام فيقول الله لنبيه محمد (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ) يعني اقرأ يا محمد على قومك نبأ الخليل وخَبَرِه الجليل الذي هو من أعجب أنبائه الكثيرة عليه الصلاة والسلام وأفضل أخباره لأنه تضمن لرسالته ودعوته لقومه ومحاجّته لهم وإبطال ما هم عليه من الشرك ولذلك قيّده بالظرف فقال (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (69) إِذْ قَالَ) والخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام هو إمام الأنبياء جعل الله في ذريته النبوة والكتاب فما بعث الله بعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام نبياً إلا وهو من ذريته. ولقد تكرر في القرآن ثناء الله على الخليل عليه الصلاة والسلام حتى كاد القرآن أن يكون ثناءً عليه. فأثنى الله عليه في معظم سور القرآن وقال الله (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) وقال (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى) وقال (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) لأن إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام ليس له من نفسه شيء، حقّق عبودية الله ، حتى أنه في هذا السبيل جعل ماله للضِيفَان، وعرّض جسده للنيران، وقدّم ولده للقُربان، فاستحق أن يكون خليل الرحمن، ولهذا قال الله لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ). قال لأبيه آزر (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) والقرآن يفسّر بعضه بعضاً وقال تعالى (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42) مريم)، قال لأبيه وقومه (مَا تَعْبُدُونَ) يعني أي شيء تعبدون؟! وهو عليه الصلاة والسلام يعلم أنهم يعبدون الأصنام لكنه أراد أن يُلزِمَهُم الحُجّة وأراد أن يبيّن لهم أن ما يعبدونه ليس من استحقاق العبادة في شيء (مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا). قالوا متبجّحين بعبادتها (قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ) ننحتُها ونعملُها بأيدينا (فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ) أي مقيمين على عبادتها في كثير من أوقاتنا، وقال بعض أهل العلم إنما قال (فَنَظَلُّ) لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل. يقال ظلّ يفعل كذا إذا فعل بالنهار، والليل يقال بات يفعل وهذا من بلاغة القرآن. قال إنما قال (فَنَظَلُّ) لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل، يقال ظلّ يفعل كذا طول نهاره، يعني ظلّ يفعل كذا إذا فعله بالنهار، والليل يقال بات يفعل كذا.قال لهم إبراهيم مبيّناً عدم استحقاقها للعبادة (هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ) هل هذه الأصنام تسمع دعاءكم؟ هل يستطيعون تفريج كروبكم؟ هل يزيلون عنكم كل مكروه؟ (أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ) فأقرّوا أن ذلك كله غير موجود في معبوداتهم وأنها لا تستطيع أن تفعل شيئاً من ذلك وإنما عبدوها لشيء واحد، وجدوا آباءهم على عبادتها فهم على آثارهم يهرعون. ولهذا لما كسّرها الخليل عليه الصلاة والسلام كما في سورة الأنبياء قال (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ). (قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) أجابوه بالتقليد البحت بغير حُجّة ولا بُرهان ومعلومٌ أن التقليد ليس بحُجّة. قال لهم الخليل عليه الصلاة والسلام في سورة الأنبياء لما أجابوه بالتقليد بماذا رد عليهم الخليل لما قالوا (وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ)؟ قال (لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) تحتجّون عليّ بفعل الآباء؟! (أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) يعني احتجّوا بشيء ليس بحُجّة! فالتقليد لا يُعتبر حُجّة، حتى قال أهل العلم أن المُقلِّد ليس معدوداً من أهل العلم، المُقلِّد ليس معدوداً من أهل العلم، ما له نظر في الأدلّة وتمييز ومعرفة صحيحها من سقيمها. وقول الغير يحتج له أو يحتج به؟ لا يحتج به إنما يحتج له يطلب الدليل له، فهؤلاء ما عندهم دليل قالوا (وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) قال إبراهيم (لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) وهنا قال (أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ) ولعل قول إبراهيم هذا كان في أوّل الدعوة قبل أن يعزم على تحطيمها فأظهر هنا قِلّة اكتراثه بهذه بالأصنام قال (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي) فقط، لأنه أيقن بأن سلامته بعد ذلك تدلّ على أن الأصنام لا تضُرّ بأدنى ضرر وإلا لضرّته لأنه بيّن أنه عدو لها، فلعل إبراهيم عليه الصلاة والسلام جاءهم على مراحل: أول ما بدأ قال هذه الأصنام عدو لي أنا بيّنت أنها عدوٌ لي دعوها تضرني ما ضرّته. والأصنام ما لها إدراك حتى توصف بالعداوة فكيف قال إبراهيم (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي)؟ هذا من قبيل التشبيه البليغ أي هم كالعدو لي في أني أبغضهم وأضرهم أفعل بهم المكروه ما يستطيعون أن يدفعون عن أنفسهم شيئاً (إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ) هذا استثناء منقطع، (إِلَّا) بمعنى (لكن) أي لكن رب العالمين ليس كذلك بل هو وليي في الدنيا والآخرة.(الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ) هو المتفرِّد بنعمة الخلق ونعمة الهداية إلى مصالح الدنيا والآخرة، وقد وصف الخليل عليه الصلاة والسلام ربّه بما يستحق العبادة لأجله، فإن الخَلْق والهداية والرزق بيده جلّ وعلا ويدلّ على ذلك قوله (وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) هذا تخصيص لبعض الضروريات فالله هو وحده المنفرِد بذلك، فيجب أن يُفرَد بالعبادة والطاعة , وتترك عبادة هذه الأصنام التي لا تخلق ولا تهدي ولا تُمرِض ولا تشفي ولا تُطعِم ولا تسقي ولا تُميت ولا تُحيي ولا تنفع عابديها بكشف كرب ولا مغفرة ذنب، ولا شك أن دفع المرض والشفاء من المرض بعد نزوله، والإماتة والإحياء ومغفرة الذنوب، نِعَم يجب على العبد أن يشكرها، وأعظم الشكر وأساس الشكر وأكبر الشكر أن يُفرَد الله بالعبادة وحده دون سواه.لماذا أسند إبراهيم المرض إلى نفسه دون غيره من الأفعال المذكورة؟ لماذا قال (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ) ما قال "والذي يمرضني"؟ فعل هذا رعاية للأدب مع الربّ ، وإلا فإن المرض وغير المرض كلّه من الله وكلّه بيد الله، لكن فعل هذا رعاية للأدب مع الله كقوله عن الجنّ أنهم قالوا (وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا). وقول إبراهيم (وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ) المراد بأنه البعث وحُذِفت الياء من هذه الأفعال لكونها رؤوس الآي حتى تتوافق رؤوس الآي.(وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) أطلق على رجاء المغفرة لفظ الطمع تواضعاً لله وهضماً لنفسه ومباعدةً لها من هاجس استحقاق المغفرة، لماذا طمع بذلك؟ لأن الله وعده. والمغفرة ما هي؟ العفو عن الخطايا. لماذا قال (وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) يعني يوم القيامة؟ لأنه اليوم الذي يظهر فيه أثر العفو وهو يوم الجزاء للعباد لأعمالهم. (وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) فلا يقدر على غفران الذنوب في الدنيا والآخرة إلا هو كما قال تعالى (وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ). وقد جاء في صحيح مسلم من حديث عائشة قالت « قلت يا رسول الله إن ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين فهل ذلك نافعه؟ فقال لا يا عائشة، لا ينفعه، إنه لم يقل يوماً رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين». ابن جدعان هذا كان قبل بعثة النبي ، هذا الرجل كان مؤذياً في قريش ما يمكن يقابله أحدٌ إلا يؤذيه، يضرب هذا، ويقتل هذا، يعمل المشاكل مع فلان، يوم من الأيام - ساق قصته الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية - يوم من الأيام يئس من الحياة من كثرة مشاكله مع الناس طلع من مكة حائراً بائراً يائساً زاهقة نفسه من كل شيء، ووجد جبلاً ورأى في المغارة ثعباناً عظيماً دخل يريد أن يغامر مع الثعبان قال إما أقتله كعادتي في الأذى وإلا يقتلني واستريح من الناس ويستريحون مني، قال يهجم على الثعبان ما يتحرك الثعبان ويناظر ويلمس وإذا ثعبان من ذهب ويأخذ الذهب وينظر وإذا في المغارة ذهب أكثر من الذهب الذي في الخارج ويأخذ الذهب هذا ويشتري قطعاناً من الإبل ويأتي إلى قريش ويصِلُهم ويبدأ يُطعِم الناس ويصير له مكانة عظيمة حتى إنه جاء في الحديث أن النبي أخبر عن أبي جهل لما قُتِل قال إني تدافعت أنا وإياه على جفنة ابن جدعان فدفعته فوقع على حَجَر -النبي دفع أبو جهل ففيه أثر في ركبته من هذا- فكان يُطعم الناس وتبدلت حاله بعد البغض والشقاء إلى أن صار محبوباً عند قريش لإطعامه وصلته للناس. فالشاهد إن عائشة استرعى انتباهها هذا الأمر، عبد الله بن جدعان يا رسول الله كان يصل الرحم ويطعم الطعام فهل ذلك نافِعُه؟ قال « لا ينفعه إنه لم يقل يوماً رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين ».(رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا) دعا إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام بعد ذلك فقال (رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا) يعني علماً كثيراً وحكمةً وفهماً، أعرف به الأحكام وأحكم به بين الأنام. وقيل (رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا) يعني حكمة ونبوة، يعني طلب الازدياد من مراتب الكمال والمنزلة وسأل الله على الدوام على ذلك. (رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) أي بالنبيين والمرسلين من قبلي في المنزلة والدرجة. (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ) أي اجعل لي ثناء صدق، وتخليد مكانة مستمر باق إلى آخر الدهر، وهذا التفسير نُقِلَ الإجماع عليه هذا يدخل في إجماعات المفسرين، يعني اجعل لي ثناء صدق وتخليد مكانة مستمرٍ باقٍ إلى آخر الدهر، وقد ذكروا أن هذه الآية مفسرة لقوله تعالى (وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) وقوله تعالى أيضاً (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (108) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ) يعني تركنا عليه ثناءً حسناً. وفعلاً إبراهيم عليه الصلاة والسلام من هذا لسان الصدق الذي كتبه الله له أنه ما بعث الله نبياً إلا من ذريته، وأنه أيضاً إلى الآن يذكر إبراهيم (اللهم صل على محمد وعلى آله محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم). في القرآن في سورة البقرة ذكر الله إبراهيم، في سورة آل عمران، في سورة النساء، في سورة الأنعام، في سورة براءة، في سورة هود، في سورة الحجر، في سورة إبراهيم، في النحل، وفي النحل قال الله لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا). ثم تسلسل ذِكْرُه في القرآن في سورة مريم، وفي سورة الأنبياء، وفي سورة الحج (مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا)، وفي سورة الشعراء هنا، وفي سورة العنكبوت، وفي سورة الممتحنة، وفي سورة النجم (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى)، وفي سورة الأعلى، يعني سبحان الله! معظم سور القرآن ثناء على إبراهيم عليه الصلاة والسلام ذِكْر له. وفي سورة الشورى كذلك، وفي سورة الصافات تفصيل، وفي الزخرف. آية هنا (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ) في آية في سورة مضت مرّت عليكم قريبة من هذا، خبرٌ أخبره الله عن المؤمنين أنهم سيكون لهم لسان صدق ومكانة ومنزلة ما هي الآية؟ (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا) يعني محبةً في قلوب الخلق ومنزلة. وإبراهيم جعل الله له ذلك، حتى إن رجلاً قال للنبي كما في الصحيح قال له يا خير البرية، قال « ذاك إبراهيم » قاله من باب التواضع عليه الصلاة والسلام. وقال ولد لي البارحة ولد سميته باسم أبي إبراهيم. فسيرة الخليل عليه الصلاة والسلام عجبٌ من العجب، وله سبب واحد أنه حقق عبوديته لله ما له من نفسه شيء أبداً يلتمس مراضي الله في كل بقعة وفي كل مكان حتى إن الله لما أمره أن ينقل هاجر وإسماعيل من فلسطين أرض الشام إلى الحجاز (بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ) جاء بهم، وتبعته هاجر قالت يا إبراهيم كيف تتركنا في هذا الوادي الذي ليس فيه أحد؟ وهو ما يكلّمُها لأنه لو التفت تدركه شفقة الوالد على ولده، استمر مقفّي حتى قالت آالله أمرك بهذا؟ فأشار برأسه أن نعم ولا التفت، قالت إذاً لا يضيعنا، فلما صار خلف الثنيّة دعا بهؤلاء الدعوات (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ) إلى آخر الآيات. (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) في الحال (قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا) أسلم إبراهيم وإسماعيل، ولهذا قال الله (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى)، (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا) وكل أمّة من الأمم تتمسّك بالخليل وتعظّمه فصار محبوباً، مقبولاً، معظّماً في جميع المِلل في كل الأوقات، وجعل الله النبوّة في ذريته (وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ).(وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ) فأجاب الله دعاءه ورفع منزلته في جنات النعيم. (وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ) كان أبوه قد وعده أن يؤمن به فوعد أباه أن يستغفر له (سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا) وقال تعالى (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) رجع إبراهيم عن الاستغفار لأبيه لما تبيّن له أنه عدو لله تبرّأ منه. (وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ) يعني لا تفضحني على رؤوس الأشهاد، ولا تلحق بي ذُلّاً وهواناً بمعاتبتي، أو لا تعذّبني يوم القيامة بل أسعدني في ذلك اليوم. وقد روى البخاري عند قوله تعالى (وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ) عن النبي أنه قال « إن إبراهيم رأى أباه يوم القيامة عليه الغَبَرَة والقَتَرَة » وجاء في إسناد آخر عند البخاري عن النبي قال « يلقى إبراهيم أباه فيقول يا ربّ إنك وعدتني أنك لا تُخزني يوم يبعثون، فيقول الله إني حرّمت الجنة على الكافرين ». وفي لفظ عند البخاري أيضاً « يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قَتَرَة وغَبَرَة فيقول له إبراهيم ألم أقل لك لا تعصني؟ فيقول أبوه فاليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم يا ربّ إنك وعدتني أن لا تُخزني يوم يبعثون فأيُّ خزيٍ أخزى من أبي الأبعد فيقول الله تعالى إني حرّمت الجنة على الكافرين. ثم يقال يا إبراهيم ما تحت رجليك؟ - يعني انظر ماذا تحت رجليك - فينظر فإذا هو بذيخ متلطِّخ - الذيخ هو الذَكَر من الضباع، كأنه حُوّل بقدرة الله آزر إلى صورة ذيخ متلطخ بعجرته فيُلقى في النار كذلك، نسأل الله العفو والعافية - فإذا هو بذيخ متلطخ فيؤخذ بقوائمه فيُلقى في النار » جاء في سنن النسائي الكبير بلفظ قال « انظر أسفل منك فنظر إبراهيم فإذا هو -أي آزر- ذيخٌ يتمرّغ في نتنه فأخذ بقوائمه فأُلقي في النار ».(يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ) يعني لا ينفع فيه المال والبنون أحداً من الناس والابن هو أخصّ القرابة وأولاهم بالحماية والدفع والنفع، فإذا لم ينفع فغيره من القرابة والأعوان أولى. لا ينفع في ذلك اليوم إلا الإيمان بالله جلّ وعلا، إخلاص الدين له، التبرؤ من الشرك وأهله كما قال الخليل نفسه عليه الصلاة والسلام قال لقومه (إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ). ولهذا قال الله (أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ) ما هي ملة إبراهيم؟ الحنيفية، هي التبرؤ من الشِرْك وأهله والاستسلام لله ظاهراً وباطناً، إفراد العبادة لله وحده لا شريك له. (إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) هذا هو الذي ينفعه، يا رب ينفعه عندك يوم القيامة وهو الذي ينجو به من العقاب الذي يأتي الله بقلب سليم. والقلب السليم هو الذي سَلِمَ من الشِرك، وسلم من الغِلّ والحِقد والحسد، وسَلِم من الكبر، وسَلِم من الشُحّ وحُبّ الدنيا والرئاسة، فسلم من كل آفة تبعده عن الله ، سلم من كل شبهة تعارض خبره، ومن كل شهوة تعارض أمره. القلب السليم هو الذي يسلَم من كل شبهة تُعارض خبر الله، ومن كل شهوة تُعارض أمر الله، سلم من كل إرادة تزاحم مراد الله، سلم من كل قاطع يقطعه عن الله، قلب مخلص لله ظاهراً وباطناً، قلب حقّق العبودية لله سبحانه وحده لا شريك له. (إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) فلم يقطعه قاطع عن الله . فهذا القلب السليم في جنة معجّلة في الدنيا وفي جنّة في البرزخ وفي جنّة يوم المعاد. ولهذا يقول بعض الصالحين "إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة هي جنة الرضا بالله رباً" قال عليه الصلاة والسلام « ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً ورسولا » لا بد أن يُسَلِّم الإنسان لأمر الله (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا). ما يكون صاحب القلب السليم إذا سمع بدليل من القرآن أو من السُنّة بدأ يلتمس المعاذير لنفسه ليتهرّب من هذا الحكم الشرعي! يأخذ أوامر الله وأوامر رسوله عليه الصلاة والسلام كاملة، يستجيب لله وللرسول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)، (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا)، (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)، (وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ)، (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)، (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) هذا صاحب القلب السليم الذي يقبل دين الله كاملاً (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً) يقبل أوامر الله. لماذا حصل لبعض الناس الآن حصل لبعضهم مرض الشبهات وبعضهم مرض الشهوات؟ لأن هؤلاء الذين حصل لهم هذا ما استسلموا لأمر الله، أما لو اقتنع الإنسان بأنه عبدٌ لله هو بين أمرين إما يكون عبداً لله وإما يكون عبداً للشيطان وشهوته. يقول ابن القيم عن أمثال هؤلاء "هربوا من الرِّقّ الذي خلقوا له، فبُلُوا بِرِّقّ النفس والشيطان". فالقلب أصلاً عليه مدار الأعمال كلها ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث النعمان بن بشير في الصحيحين قال « ألا وأن في الجسد مُضغة إذا صلَحت صلَح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ». فعلينا عباد الله أن نعتني بإصلاح قلوبنا، نبحث ما هي الأشياء التي تصلح قلوبنا، قال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح « إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم». القلب له أثره الواضح، القلب السليم القلب الصالح صاحبه لا يأكل إلا الحلال، ما يأكل إلا المال الحلال، الكسب الطيب فقط، يبتعد عن الخبيث والمتشابه، صاحب القلب السليم لا يحمل غِلّاً ولا حقداً ولا حسداً بل يجاهد نفسه بقدر ما يستطيع، لا يحمل ذلك على أحد من المسلمين. صاحب القلب السليم هو الذي يؤدّي فرائض الله كاملة وينتهي عما نهاه الله. صاحب القلب السليم هو الذي إذا خلا بمحارم الله وتهيأت له فرصة المعصية قال إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ). صاحب القلب هو من السبعة الذين يُظِلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلا ظلّه، "ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله". وما أحوجنا معاشر المسلمين والمسلمات في هذا الوقت هذا الزمن ما أحوجنا أن نعالج قلوبنا، قلوبنا ميتة، ماتت القلوب لأسباب، لفتن الشبهات والشهوات التي تُعرَض على المسلمين صباح مساء عبر القنوات وعبر المواقع، فِتَن أفسدت بعض الفِطَر وأفسدت كثيراً من قلوب الناس، ولهذا تجد القلب يتأثر من نظرة واحدة. الآن تهيأت للناس وفتحت أبواب الشبهات والشهوات، فالآن المبتدعة والكَفَرة يعرُضون فِتَنَهم ويعرضون شُبهاتهم في المواقع وعلى القنوات صباح مساء، وأصحاب الشهوات يعرضون فتنهم في القنوات والمواقع صباح مساء، والقلوب ممتَحنة بين هذه الأشياء: إما داعي الرحمن أو داعي الهوى والشيطان وهناك (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ). ولهذا من دعاء المؤمنين (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) فما أحوجنا في هذا الزمن إلى أن ندعو الله من قلوبنا بأن يثبِّت قلوبنا على الإيمان لأن النبي كان دائماً يقول « يا مقلب القلوب ثبّت قلبي على دينك"، فقيل له يا رسول الله آمنّا بك وصدّقناك فهل تخاف علينا قال ما من العباد أحد إلا وقلبه بين إصبعين من أصابع الرحمن إذا أراد أن يقلبه قلبه » وكانت يمينه المفضلة أنه يقول « لا ومقلِّب القلوب » وفي الحديث الآخر « لقلبُ ابن آدم أشد تقلّباً من القِدِر إذا استجمعت غلياناً » فالقلوب تتغير وتختلف وتتقلّب ولهذا الإنسان عليه أعظم علاج لإصلاح قلوبنا هو الدعاء وتدبر القرآن، قراءة القرآن بالتدبر. يقول ابن القيم "أنفع ما يكون لصلاح القلوب هو قراءة القرآن بالتدبر والتفهّم، ولو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لاشتغلوا بها عن غيرها، فإذا جاء إلى آية وهو محتاجٌ إليها في شفاء قلبه قرأها ثم كرّرها وكرّرها وكررها حتى يصلح القلب".الآن كثير من المسلمين أعرضوا عن كتاب الله حتى صَدَقَ على كثير منهم قول الله (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا) جعل كثير من المسلمين معظم أوقاتهم انشغلوا بالشعر والنشيد وأسرفوا في هذا، وانشغل كثير منهم بالقنوات والمواقع والفايسبوك والتويتر والبلاك بيري وما إلى ذلك من الأجهزة وتجد الواحد ما عنده وقت للسنن الرواتب التي فيها صلاح قلبه، ما عنده وقت لقراءة القرآن التي فيها صلاح قلبه، ما عنده وقت لقيام الليل، ما عنده وقت لصيام النهار، ما عنده وقت لتدبر القرآن وتفهم معانيه، شُغِل عن الفرائض بل بعضهم ربما يدخل عليه الوقت ويخرج الوقت وهو ما صلّى الفريضة التي فرضها الله فضلاً عن الرواتب، فهل هذه حالة ترضي الله؟!ّ إلا ممن منّ الله عليه، قال عليه الصلاة والسلام « بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء. قيل من الغرباء يا رسول الله؟ قال الذين يُصلِحون ما أفسده الناس » ولن يُصلِح الناس أحدٌ وهو فاسد، لن تصلح الناس وأنت فاسد هيهات ما أبعد من تكابد الناس لا يصلحهم إلا من أصلح نفسه أولاً، لأن فاقد الشيء لا يعطيه. (إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) لا تتم سلامة القلب مطلقاً حتى يسلَم من خمسة أشياء كما أشار إلى ذلك الإمام العلامة الحافظ ابن القيم تعالى قال: لا يتمّ للقلب سلامة - يعني سلامة مطلقاً - حتى يسلَم من خمسة أشياء من شِرك يناقضُ التوحيد، وبِدعةٍ تُخالِف السُنّة، وشهوةٍ تُخالِف الأمر (لا بد يَسْلَم من الشهوة التي تخالف أمر الله وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام) وغفلةٍ تناقض الذِكر (يسلم من الغفلة التي تناقص الذكر عكس الذكر تماماً) وهوىً يُناقض التجريد (والتسليم المطلق لله) يعني يسلَم من الهوى الذي هو ضدّ التجريد والإخلاص يعمّ هذه الأمور كلها.الإخلاص الذي هو تصفية العمل عن ملاحظة المخلوقين وإبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام من أصحاب القلوب السليمة قال الله تعالى (وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (83) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) يعني من شيعة نوح عليهم الصلاة والسلام. ولا أدلّ على سلامة قلبه من كونه ليس له من نفسه شيء، كل مراداته وهوى نفسه تحت قدمه إنما هو يلتمس مراضي الله .نسأل الله الكريم ربّ العرش العظيم أن يُصلِح قلوبنا وأعمالنا، وأن يجعلنا وإياكم من أصحاب القلوب السليمة إنه جواد كريم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. |
| #50 | |||
| |||
| درس العصر الدرس 97: تفسير سورة الشعراء من آية 105 حتى آية 191 الملقي: صالح بن عبدالرحمن الخضيري موعدها: 3:49:00 م 1432/11/22 هـ المجلس الأول (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴿٩٠﴾ وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ ﴿٩١﴾ وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ﴿٩٢﴾ مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ ﴿٩٣﴾ فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ ﴿٩٤﴾ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ ﴿٩٥﴾ قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ ﴿٩٦﴾ تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴿٩٧﴾ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٩٨﴾ وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ ﴿٩٩﴾ فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ ﴿١٠٠﴾ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ﴿١٠١﴾ فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿١٠٢﴾ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿١٠٣﴾ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴿١٠٤﴾) بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله, الله صلّ وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد. فقد قال الله في سورة الشعراء (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴿٩٠﴾ وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ ﴿٩١﴾ وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ﴿٩٢﴾ مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ ﴿٩٣﴾ فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ ﴿٩٤﴾ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ ﴿٩٥﴾ قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ ﴿٩٦﴾ تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴿٩٧﴾ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٩٨﴾ وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ ﴿٩٩﴾). قوله تعالى (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ) الإزلاف هو التقريب، أي قُرِّبت وأُدنيت الجنة من أهلها. وقد روى البخاري في الصحيح عن النبي أنه قال [الجنة أقرب إلى أحدكم من شِراك نعله والنار مثلَ ذلك] وهذا الحديث يشير إلى أن الإنسان عليه أن يعتني غاية العناية بلحظات الختام ومفارقة هذه الحياة الدنيا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام [إنما الأعمال بالخواتيم] فالإنسان ينظر ويتأمل بما يُختَم له فإن خُتِم له بخير فهو من أهل السعادة وإن خُتم له بسوء وشرّ والعياذ بالله فهو من أهل الشقاء ولهذا قال الله (وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ). وهذا إنما يكون أي إزلاف الجنة للمتقين وبروز النار للغاوين إنما يكون في يوم القيامة (وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ) وهي اسم من أسماء النار (بُرِّزَتِ) أي أُظهرت وكُشِف عنها وما فيها من العذاب والنَّكال للكافرين الذين ضلّوا عن الحق وأشركوا بالله وردّوا دعوة رسل الله. و (برّزت) مبالغة في أبرزت لأن التضعيف فيه مبالغة ليست في التعدية بالهمزة ونظيره قوله تعالى(وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَىٰ (36) النازعات). (وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ) يعني قالت الملائكة للمشركين للغاوين للضالين (أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ) توبيخًا وتقريعًا لهؤلاء المشركين وإظهارًا لحقارة الأصنام التي عبدوها من دون الله (أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ) من الأصنام والأنداد الذين يمنعوكم من العذاب، هل يدفعون عنكم العذاب؟ (هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ) هل يدفعون عنكم العذاب؟ يدفعون عنكم العذاب أي ينصرونكم, أو ينتصرون يعني يدفعون عن أنفسهم فلم يكن من ذلك من شيء وظهر كذبهم وبان في هذا اليوم العظيم بانَ خِزيهم وظهرت ندامتهم ولاحت خسارتهم وضلّ سعيهم. قال الله (فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ) يعني أُلقوا على رؤوسهم في جهنم (هُمْ) يعني المعبودين (وَالْغَاوُونَ) يعني العابدين لهم (فَكُبْكِبُوا) يعني أُلقوا على رؤوسهم جُمعوا وطرح بعضهم على بعض الكفار وقادتهم الذين دعوهم إلى الشرك قال الله (يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّـهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا ﴿٦٦﴾ وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا ﴿٦٧﴾ رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا ﴿٦٨﴾ الأحزاب). وأيضًا (وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ) وهم شياطينه وأولياؤه الذين يضلّون العباد من الجنّ والإنس فلما جمع هؤلاء الأشرار كلهم قالوا يعني قال الغاوون للشياطين والمعبودين أو جنود إبليس الغاوون لأصنامهم وأوثانهم التي عبدوها (قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ) يعني يجادل بعضهم بعضًا (تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) يعني يقول الضعفاء للذين استكبروا والله إننا لفي خطأ بيّن (إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) يعني كيف نعدلكم بالله في العبادة والمحبة والخوف والرجاء وندعوكم كما ندعوه؟! فتبين لهم حينئذٍ ضلالهم وأقرّوا بعدل الله في عقوبتهم وأن هذه العقوبة في محلها (وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49) الكهف) وقال الله (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (76) الزخرف) قالوا هم (وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ) يعني ما دعانا إلى ذلك الغيّ والضلال إلا المجرمون يعني رؤساؤهم وأئمتهم الذين يدعون إلى النار كما في الآية الآنفة الذكر (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا) قالوا (فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ) يشفعون لنا لينقذونا من العذاب كما قال تعالى (فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ۚ قَدْ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (53) الأعراف). (وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ) يعني ما لهم شفعاء ولا لهم أيضًا قريب مصافٍ ينفعهم بأدنى نفع كما جرت العادة بذلك في الدنيا أنه يشفع القريب ويشفع الصديق. (وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ) وسمي حميماً لأنه يهتم لك من الاحتمام وهو الاهتمام وهو الذي يهمّه ما يُهمّك أو من الحامّة وهي الخاصّة والصديق الخاص. المهم أن هؤلاء الكفار أيسوا والعياذ بالله من كل خير لأنهم كانوا يعتقدون في معبوداتهم أنها شفعاؤهم عند الله وكان لهم أصدقاء من شياطين الإنس والجن فما أغنوا عنهم شيئَا كما قال تعالى (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (67) الزخرف) وهنا تمنّوا العودة إلى الدنيا ليعلموا صالحاً لكن هيهات (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ (54) سبأ) قالوا (فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً) لو أن لنا رجعة إلى الدنيا أو إعادة إليها وهذا منهم على طريق التمني، هم يتمنون لكن هذا يدل على كمال الحسرة والعياذ بالله، التمني الدال على كمال التحسّر (فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) يعني نصير من جملة المؤمنين لنسلَم من العقاب والعذاب ونستحق الثواب لكن هيهات ما يستطيعون! وقد أخبر الله في سورة ص عن تخاصم أهل النار ثم قال (إِنَّ ذَٰلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ ﴿٦٤﴾). (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ) يعني هذا الذي ذكرنا لكم ووصفنا من نبأ إبراهيم ومحاجّته لقومه وإقامة الحُجّة عليهم في التوحيد وما جرى بعد ذلك من الخصومة لعبرة وعلامة لكم واضحة جليّة أنه لا إله إلا الله. (وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ) ما كان أكثر هؤلاء الذين يتلو عليهم الرسول عليه الصلاة والسلام نبأ إبراهيم - وهم قريش ومن دان بدينهم- ما كانوا مؤمنين وهذا فيه نوع من التسلية وفيه نوع من الوعيد أيضًا لمن عصى الله. (وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) كما سبق أي القاهر لأعدائه الرحيم بأوليائه فيصدر عنه تعذيب المشركين وإهلاكهم كما يصدر عنه رحمة المؤمنين وإكرامهم لعزته ورحمته وحكمته.ثم ابتدأت القصة الثالثة, الأولى قصة موسى مع فرعون والثانية قصة إبراهيم والثالثة قصة نوح وقد تكررت أيضًا قصة نوح وما تلاها من القصص عاد وكذلك ثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة ومدين تكررت في الأعراف بهذا التسلسل. (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ) إلى نهاية القصة هنا يذكر الله تعالى تكذيب قوم نوح لرسولهم نوح وما ردّ عليهم وما ردّوا عليه وما هي عاقبة الجميع. ونوح هو أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض, من أولي العزم من الرسل أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض يحذّر من الشرك بهذا القيد، لأن كما قال ابن عباس عند قوله تعالى (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّـهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ (213) البقرة) أن الناس كانوا عشرة قرون كلهم على التوحيد ثم حصل من قوم نوح الشرك وهو أول شرك وقع في الأرض بسبب تعظيم الأصنام ونصب الصور صور أصنامهم كما قال الله تعالى (وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23) نوح) فأنكر عليهم نوح وحذّرهم من الشرك وكانت أمّته هي أول الأمم المشركة على وجه الأرض كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على التوحيد كلهم على الإسلام وقوله تعالى (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ) مع أنه ما بعث فيهم إلا نوح رسول واحد كيف قال (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ)؟ لأن من كذب رسولًا فكأنه كذب جميع المرسلين لأن كل الرسل دعوتهم واحدة "أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره" ومرسلهم واحد وهو الله جلّ جلاله ولأن من آمن برسول لزِمَه أن يؤمن بجميع الرسل (لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ (285) البقرة) (لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ (136) البقرة) من كذّب رسولًا واحدًا فقد كذّب الرسل لأن كل رسول يأمر بتصديق جميع الرسل و دعوتهم كلها واحدة وهي الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له والنهي عن الشِرك. ونوح ممن اصطفاه الله (إِنَّ اللَّـهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) آل عمران). (إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ) كيف أخوهم وهو مؤمن وهم مشركون؟! أخوهم يعني ابن أبيهم وهي أخوّة النسب لا أخوّة الدين، وقيل أخوّة المجانسة كقولك يا أخا تميم تريد يا واحدًا منهم، أو يا أخا الحرب أي يا صاحب الحرب الملازم لها، وبعضهم يقول يا أخا العرب يعني يا من هو واحدٌ منهم. فقد تكون أخوّة النسب وقد تكون أخوّة المجانسة وقد تكون كِلا الأمرين لكن قطعاً ليست أخوّة الدين. فخاطبهم نوح بخطاب لطيف كما هي طريقة الرسل عليهم الصلاة والسلام (أَلَا تَتَّقُونَ) يعني ألا تتقون الله فتتركون عبادة غيره من الأصنام؟! وقدّم الأمر بالتقوى على الأمر بطاعة الله لأن التقوى سبب لطاعة الله . ثم كرّر الأمر بالتقوى والطاعة ليؤكد عليهم ذلك ويقرره في نفوسهم (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ ﴿١٠٥﴾ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ ﴿١٠٦﴾ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ﴿١٠٧﴾ فَاتَّقُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُونِ ﴿١٠٨﴾ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿١٠٩﴾ فَاتَّقُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُونِ) (إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ) رسول من الله إليكم أمينٌ فيما بعثني به وفيما أبلّغكم عنه فلا أزيد في وحيه ولا أنقص منه. (فَاتَّقُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُونِ) فيما آمركم به وأنهاكم عنه فإن هذا هو الذي يترتب على كوني رسولًا إليهم أمينًا. (وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ الْعَالَمِينَ) نلاحظ أن جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام كلهم على هذه الشاكلة كلهم يأمرون بعبادة الله وتقوى الله بطاعته وكلهم أُمَناء على الوحي وكل واحد منهم يقول لقومه (مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ) ما أطلب منكم جزاءً ولا نفعًا لنفسي على نصحي لكم بل أدّخر ثواب ذلك عند الله في يوم الجزاء. وكان قوم نوح يُنكِرون البعث كما دلّ عليه قوله تعالى في سورة نوح (وَاللَّـهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا ﴿١٧﴾ ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا ﴿١٨﴾) فنوح يقول لا أطلب منكم جزاءً ولا نفعًا لنفسي على تبليغ دعوة الله وعلى تبليغ النُصح بل ثوابي عند الله كما قال الله لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ(86) ص) (فَاتَّقُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُونِ) فقد وضح لكم وبان صدقي ونصحي وأمانتي فيما بعثني الله به وائتمنني عليه كرّر ذلك لتكريره دعوة قومه وطول مكثه فيهم كما قال الله (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا (14) العنكبوت) الله أكبر! ولا هناك وسيلة وطريقة من وسائل التبليغ ما سلكها نوح (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا ﴿٥﴾ فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا ﴿٦﴾ وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا ﴿٧﴾ ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا ﴿٨﴾ ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا ﴿٩﴾ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ﴿١٠﴾ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا ﴿١١﴾ وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا ﴿١٢﴾ نوح) فنوح عليه الصلاة والسلام لبث هذه المدة الطويلة وسلك مسالك عِدة لتبليغ دعوة الله ومع ذلك قال الله (وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (40) هود) قال بعض المفسرين ثمانين ما بين رجل وامرأة يعني إذا جلس 950 سنة كل ثلاث سنين يُسلِم واحد، سبحان الله! ولهذا نوح من أولي العزم من الرسل (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ (35) الأحقاف). حتى قالوا لنوح (قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ) وهذا استفهام إنكاري يعني كيف نؤمن بك يا نوح ونتبعك والحال أنه قد اتبعك (الْأَرْذَلُونَ) أكيد منهم القائلين القول هذا, من هم القائلون؟ أكيد هم الكفار لكن أي نوع من الكفار؟ الكُبراء، الملأ، كبار القوم الذين تصدوا لمجادلة نوح واقرأ سورة هود لترى المجادلة, كيف جادلوا نوح. و(الْأَرْذَلُونَ) هم الأقلّون جاهًا ومالًا والرذالة هي الخِسّة والدناءة والحقارة يعني أرادوا بهم ضعفاء القوم وفقراءهم فتكبّر الملأ تكبّروا وتعاظموا أن يكونوا هم والضعفاء سواء في اتّباع نوح وبهذا يُعرَف تكبّرهم عن الحق وجهلهم بالحقائق فأتباع نوح من المؤمنين العقلاء الأخيار الذين اختاروا عبادة الله وحده لا شريك له أما الملأ المستكبرون عن دعوته فهم الأسافل وهم الأراذل وهم الذين لا يعلمون ولا يعقلون ولهذا رد عليهم نوح فقال (قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿١١٢﴾ إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّي ۖ لَوْ تَشْعُرُونَ) يعني أي شيء يلزمني من اتباع هؤلاء لي أنا لم أُكلف بالعلم بأعمالهم إنما كُلِّفت بدعوتهم إلى الإيمان وتوحيد الله ولا يلزمني أن أنقِّب عن حِرَفهم وصنائعهم ومستوياتهم وقبائلهم وأُسَرِهم هذا ليس علي إنما علي أن أقبل منهم الإيمان والتصديق وأَكِل سرائرهم إلى الله (إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّي ۖ لَوْ تَشْعُرُونَ) يعني ما حسابهم بأعمالهم وإيمانهم (إِلَّا عَلَىٰ رَبِّي ۖ لَوْ تَشْعُرُونَ) وجواب (لَوْ) محذوف يعني لو شعرتم أن حسابهم على ربهم لما عبتموهم بصنائعهم وهذا ردٌ لما تضمنه كلام قومه من مطالبته بإبعادهم لأنهم بزعمهم الملأ لا يستحقون أن يكونوا مساوين لهم في الإيمان. ثم صرّح برفض طلبهم فقال (وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ) فإنهم لا يستحقون الطرد والإهانة بل يستحقون الإكرام القولي والفعلي وهذا الطلب من كفار قوم نوح قاله كفار قريش للرسول عليه الصلاة والسلام قالوا ابعد عنا هؤلاء الموالي والضعفاء اطردهم عن مجلسك لنؤمن بك قال الله (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ (52) الأنعام) (وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28) الكهف) ولهذا في صحيح البخاري في قصة هرقل لما ناقش أبا سفيان ومن معه وسأله عن هذا النبي المبعوث قال أأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ قال أبو سفيان ضعفاؤهم قال في آخر الحديث ثم إني سألتك أشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم فأخبرتني أنهم الضعفاء وهؤلاء هم أتباع الرسل. (إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ) ما أنا إلا منذر ومبلِّغ عن الله فمن أطاعني واتبعني وصدّقني كان مني وكنت منه سواء كنت شريفًا أو وضيعًا المهم إستمر قوم نوح عليه الصلاة والسلام على التكذيب واستمرّ هو في دعوتهم فما زادهم إلا إعراضًا حتى قالوا (لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ) لمّا أعياهم الاستدلال لجئوا إلى سلاح المبطلين وهو المناضلة بالأيدي (لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا نُوحُ) عن دعوتنا إلى دينك وعن سبك لآلهتنا وعيبها لنعاقبنك بالرجم بالحجارة حتى نقتلك عند لك أيس من إيمانهم فقال تمهيدًا للدعاء عليهم (رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ ﴿١١٧﴾ فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) كما في الآية الأخرى قال (أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ ﴿١٠﴾ فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ ﴿١١﴾ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ﴿١٢﴾ وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ ﴿١٣﴾ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ ﴿١٤﴾ القمر) وقال تعالى (وَنُوحًا إِذْ نَادَىٰ مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ﴿٧٦﴾ وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿٧٧﴾ الأنبياء) قوم سَوْء بعد المدة الطويلة هذه ألف سنة إلا خمسين عاماً ومع ذلك ما آمن معه إلا قليل. (رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ ﴿١١٧﴾ فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ) الفتح الحُكم وأكّده بقوله (فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا) لإرادة حكمٍ شديد وهو الاستئصال استئصال هؤلاء المكذبين ولذلك أعقبه بالاحتراز بقوله (وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) لأنه دعا بالاستئصال الكامل لهم فدعا عليهم نبي الله نوح بدعوة أحاطت بهم (رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا ﴿٢٦﴾ إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا ﴿٢٧﴾ نوح) فأغرقهم الله أجمعين وأدخلهم النار فبئس القرار (مِّمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ اللَّـهِ أَنصَارًا (25) نوح). وأنجى الله نوحًا ومن معه من المؤمنين في الفلك المشحون المملوء بالأمتعة والأزواج التي حمل فيها من كلٍ زوجين اثنين كما أمره الله تعالى بذلك أي نجيناه ومن معه كلهم وأغرقنا من كذّبه وخالف أمره. (الْبَاقِينَ) يعني جميع قومه (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ﴿١٢١﴾ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) وهذا الختام يقول بعض أهل العلم أن كل قصة تختم بهذه الخاتمة يقول كأن كل قصة كأنها سورة مستقلة (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ﴿١٢١﴾ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) خُتمت. ثم قال (كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ) أنّث الفعل باعتبار إسناده إلى القبيلة لأن عاد اسم أبيهم الأعلى وهم عاد الأولى الذين ذكرهم الله في كتابه وهم أولاد عاد ابن إرم الذين كانوا يأوون إلى العَمَد في البر (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ﴿٦﴾ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ﴿٧﴾ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ ﴿٨﴾ الفجر). (كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ) نقول فيها مثل ما قلنا في قصة قوم نوح أنه من كذب رسولًا فقد كذب جميع الرسل. (أَخُوهُمْ هُودٌ) أخوّة النسب لأنه من بني عاد ويُطلق الأخ مجازًا على المصاحِب مثل ما قلنا سابقًا أخو الحرب أخو العرب إلى آخره. (أَلَا تَتَّقُونَ) ألا تخافون غضب الله؟ وهؤلاء قوم أعطاهم الله قوة وشدة حتى إنهم افتخروا وقالوا من أشد منا قوة فأهلكهم الله بألطف شيء (وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (41) الذاريات) زادت الريح عليهم قليلًا قالوا (من أشد منا قوة) (إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ﴿١٢٥﴾ فَاتَّقُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُونِ ﴿١٢٦﴾ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ الْعَالَمِينَ) سبق تفسير نظيرها في قصة نوح. ثم قال هود عليه الصلاة والسلام لهم (أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ) الريع اختلف المفسرون فيه وحاصله أنه المكان المرتفع عند جوادّ الطرق المشهورة يبنون هناك بنيانًا محكمًا هائلًا على وجه العبث بلا فائدة بدون فائدة تعود لمصلحة الدين ولا الدنيا ويؤذون المارّة ويسخرون منهم كما في قوله تعالى (وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّـهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا (86) الأعراف) فهم يجلسون في المكان المرتفع عند جوادّ الطرق المشهورة ويبنون البنيان المحكم الهائل عبثاً بلا فائدة ويؤذون المارّة وهذا دليل على أن الشخص إذا بنى بنيانًا لمجرد المفاخرة والعبث أنه إنسان تشبه بهؤلاء القوم, عنده سَفَه, أنكر عليهم هود قال (أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ) كل طريق (آيَةً تَعْبَثُونَ) (وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ) والمصانع هي القصور المشيّدة أو مجابِ المياه والبرك (لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ) يعني راجين أن تخلدوا والحال أنه لا سبيل إلى الخلود لأحد (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ ۖ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ ﴿٣٤﴾ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ (35) الأنبياء). ثم قال هود عليه الصلاة والسلام (وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ) إذا بطشتم بالخلق فعلتم ذلك ظلمًا (بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ) قتلًا وضربًا وأخذ أموال والبطش السطوة والأخذ بالعنف وكما قلت أعطاهم الله قوة عظيمة فسخّروها في معصية الله وظلم عباد الله والعبث والسفه واستكبروا وافتخروا وقالوا (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً). (فَاتَّقُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُونِ) اتركوا الشرك وبطر النعمة وأطيعوني حيث علمتم أني رسول الله إليكم ناصح أمين ولمّا أجمل هود عليه الصلاة والسلام التقوى فصّلها قال (وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ) أعطاكم ما لا يُجهَل ولا يُنكَر من الأنعام (أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ) إبل وبقر وغنم (وَبَنِينَ) كثرة نسل (وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) يعني بساتين وأنهار كثّر أموالكم وكثّر أولادكم وأعطاكم أصناف النعم ثم ذكر خوّفهم حلول العذاب فقال (إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) إن كفرتم وأصررتم على ما أنتم فيه من بغي وظلم وشرك ولم تشكروا هذه النعم فإني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم. فهنا زادوا في العتو وقالوا (سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ الْوَاعِظِينَ) قالوا معاندين للحقّ مكذِّبين لنبيهم هود "وعظُك وعدمه سواء عندنا" وهذا غاية العتو والتكبر. والوعظ لا شك أن الوعظ كلام يليّن القلب إذا ذكر الإنسان الوعد والوعيد لكن هؤلاء القوم أقسى من الحجارة ولهذا أردفوا قائلين (إِنْ هَـٰذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ) يعني ما هذا الذي نحن عليه -يعنون دينهم الذي هم عليه- إلا طريقة وعادة آبائنا ودين آبائنا وأجدادنا السابقين ونحن تابعون لهم سالكون وراءهم نعيش كما عاشوا ونموت كما ماتوا ولا بعث ولا حساب. صح عن ابن عباس في قولهم (إِنْ هَـٰذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ) قال دين الأولين, وفي قراءة الكسائي وقراءة ابن كثير وقراءة أبي عمرو (إِنْ هَـٰذَا إِلَّا خَلْقُ الْأَوَّلِينَ) على معنى أنهم قالوا خلقنا كخلق الأولين نموت كما ماتوا ونحيا كما حيوا ولا نبعث كما أنهم إلى الآن ما بُعثوا وقيل (هَـٰذَا إِلَّا خَلْقُ الْأَوَّلِينَ) معناه إن هذا إلا اختلاق الأولين يعني كذبهم كما قال الله (إِنْ هَـٰذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (7) ص). فالآية فيها قراءتان سبعيتان (إِنْ هَـٰذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ) (إِنْ هَـٰذَا إِلَّا خَلْقُ الْأَوَّلِينَ) والمعنى واضح على كِلا القراءتين. ثم أنكروا البعث فقالوا (وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) فلن نُبعَث ولن نحاسب على ما نفعل من الشرك والبطش ونحوهما قال الله (فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ) استمروا على التكذيب ومخالفة نبي الله هود حتى صار التكذيب سجية لهم خُلُقًا (فَأَهْلَكْنَاهُمْ) بم أهلك الله عاد؟ (بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ ﴿٦﴾ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ﴿٧﴾ الحاقّة) وقال (وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ ﴿٤١﴾ مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ ﴿٤٢﴾ الذاريات). (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً) على صدق رسول الله هود وصحة ما جاء به وبطلان ما هم عليه من الشرك والعتو والظلم وما (وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ) مع وجود الآيات المقتضية للإيمان. (وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ) الذي أهلك بقدرته قوم عاد على بطشهم وشدتهم وقوته (الرَّحِيمُ) بنبي الله هود حيث نجاه الله ومن معه من المؤمنين. ثم قال الله تعالى (كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴿١٤١﴾ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ ﴿١٤٢﴾ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ﴿١٤٣﴾ فَاتَّقُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُونِ ﴿١٤٤﴾ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ الْعَالَمِينَ) وثمود اسم للقبيلة الكبيرة من العرب البائدة الذين جاؤوا بعد عاد ومساكنهم معروفة الآن تسمى مدائن صالح وهي بين الحجاز والشام شمال غرب المدينة وهي الحِجر (كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (80) الحجر) وقد مرّ بنا في سورة الأعراف أن النبي لمّا مرّ بمدائن صالح بالحِجر لمّا غزا الشام في غزوة تبوك نهى أصحابه عن الدخول في ديار مدائن صالح إلا لمن كان باكيًا معتبرًا حذرًا أن يصيبه ما أصابهم وقال لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذّبين إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم ما أصابهم. حتى إنهم لما استقوا من بئر القوم وعجنوا العجين أمر أن يُريقوا الماء وأن يُعلفوا العجين للدوابّ وأمرهم أن يستقوا من البئر الذي كانت ترده الناقة وهذا في الصحيح. فدعاهم نبي الله صالح إلى عبادة الله وحده لا شريك له ومما قال لهم (أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ) وهذا الاستفهام للإنكار يعني أتحسبون أنكم تتركون في هذه النعم التي أعطاكم الله آمنين من الموت ومن العذاب باقين في الدنيا لا تؤمرون ولا تنهون؟! (أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا) إشارة في بلادهم أي في جميع ما تشاهدونه وهذا إيجاز بديع وتنبيه على نعمة عظيمة هي نعمة الأمن, كيف أخذنا منها نعمة الأمن؟ لأنه قال (أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا) ثم قال (آمِنِينَ) ونعمة الأمن في الاوطان نعمة عظيمة لا يهنأ الإنسان ولا يتذوق طعم النعم الأخرى إذا فقدها ولهذا قال الله (الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ (4) قريش:4) (قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّـهِ فَأَذَاقَهَا اللَّـهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ (112) النحل). (فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) ذكّرهم بنعم الله بالبساتين والعيون الجارية والزروع والثمرات (وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ) لمَ قال ونخل بعد قوله وجنات؟ أن الجنات تشمل النخيل بل هي أول ما يدخل في هذا حتى إنهم ليذكرون الجنة ولا يقصدون إلا النخل كما يذكرون النَعَم ولا يريدون إلا الإبل فلمَ قال هنا (فِي فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ﴿١٤٧﴾ وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ) قيل إنه خص النخل بإفراده لفضله لأنه سيد الشجر، النخل. أو يكون المراد بالجنات غير النخل من الشجر، جنات عموم الشجر الفواكه وغيرها ثم خصّ النخل. هي أرض زراعية أرض طيبة أرض نخيل ولهذا النبي لمّا مرّ بتبوك وادي القرى كان امرأة عندها نخل قال لأصحابه اخرصوها فخرصوها ثم خرصها النبي وقال للمرأة احفظي بالخرص إلى أن نرجع يوم رجع قالت والذي بعثك بالحق ما زاد ولا نقص شيء عما قلت خرص النبي نفس الذي خرص بالتمام. وقيل لقصد بيان جودته بأن طلعه هضيم فلذلك خصصه، لقصد بيان جودته بأن طلعه هضيم والهضيم اللطيف الدقيق والهضيم بمعنى المهضوم وأصل الهضم شدخ الشيء حتى يلين وقيل المراد (وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ) يعني رُطَب ليّن واستعير هنا للدقيق الضامر وتلك علامة على أنه يخرج تمرًا جيدًا. المهم (وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ) يعني نخل تمرها من أفخ وأفضل أنواع التمور وهذه نعمة عظيمة كيف ما تشكرون هذه النعمة! (وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ) يعني حاذقين وفي قراءة أخرى سبعية (فرهين) يعني أشرين بطرين (فَارِهِينَ) يعني حاذقين و(فرهين) أشرين بطرين يعني بلغ بكم الفراهة والحذق أن اتخذتم بيوتًا من الجبال الصمّ الصلاب بطرًا وأشرًا وعبثًا من غير حاجة إلى سكناها وهذا يجيب على تساؤل بعض من يسأل كيف الأمم أطول أجساداً وأعماراً ونحن إذا مرينا على ديار ثمود ما يكاد الواحد يدخل؟! هم ما بنوها ليسكنوا فيها هم بنوها نوع من العبث والتفنن يعني إظهار البراعة، عبث، نوع من التسلّي ولهذا قال لهم صالح (مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ) حاذقين أو فرهين أشرين وبطرين الإنسان إذا زادت عليه النعمة بدأ يتفنن ويسوي أشياء ما لها قيمة هذا ما فعله هؤلاء القوم. وكانوا حاذقين متفننين بالنحت والنقش كما هو مشاهد من حالهم ممن رأى منازلهم (فَاتَّقُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُونِ ﴿١٥٠﴾ وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ) يعني أئمة القوم وأمراءهم وأسرفوا في الكفر وإنفاق المال في الصدّ عن سبيل الله ولهذا قال (الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ) دأبهم الفساد في الأرض. ومنهم التسعة النفر الذين سيأتي ذكرهم في قوله تعالى (وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ) ردوا على صالح وقالوا (إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ ﴿١٥٣﴾ مَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا) يعني من المسحورين الذين أُصيبوا بالسحر (مَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا) أي فضيلة فقت بها علينا فأوحي إليك من دوننا؟! كما قال في آية أخرى (أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (25) القمر) قال الله (سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (26) القمر) فأعطنا آية إن كنت من الصادقين قال هذه ناقة الله (فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّـهِ نَاقَةَ اللَّـهِ وَسُقْيَاهَا (13) الشمس) ناقة والظاهر أنه جاءهم بآيات أخرى فأعرضوا وطلبوا آية خاصة كما قال تعالى (وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (81) الحجر) فأيده الله بهذه الآية وهي ناقة عظيمة جعلها الله مبصرة كما قال الله (وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً (59) الإسراء) واضحة جلية معجزة ظاهرة تدل على قدرة الله ووحدانيته حتى أن كثيرًا من المفسرين يقول عن الله أخرج الناقة من صخرة صمّاء صلداء وهذا ليس بعجيب على قدرة الله. هذه الناقة (لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ) لكن أعرضوا وقد جاء في مسند الإمام أحمد عن النبي أنه لمّا مّر بالحجر قال "لا تسألوا الآيات قد سألها قوم صالح فكانت ترد من هذا الفجّ وتصدر من هذا الفجّ فعتوا عن أمر ربهم فعقروها فكانت تشرب ماءهم يومًا ويشربون لبنها يومًا فعقروها فأخذتهم الصيحة" وقد حذّرهم صالح من التعرض لهذه الناقة بعقر أو ضرب أو شيء (وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ) فخرجت الناقة ومكثت بين أظهرهم حينًا من الدهر ترد الماء وترعى الشجر تأكل ينتفعون بلبنها يوم كل القبيلة يشربون من ناقة واحدة بأمر الله واليوم الثاني لها البئر ما يرده أحد تشرب الماء كله فعقروها قطعوا قوائمها بالسيف حتى سقطت على الأرض ثم عقروها وأسند العقر إلى جميعهم مع كون العاقر واحدًا لرضاهم بذلك وموافقتهم له (فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ (29) القمر) ولم يكتفوا بذلك بل قالوا (يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (77) الأعراف) قال الله (فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ) لأنهم عرفوا أن العذاب نازل بهم وكان وعدهم قال (تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ۖ ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (65) هود) (فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ﴿١٥٨﴾ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) والعذاب هو الرجفة والصيحة كما في سورة الأعراف وفي سورة القمر وهود الصيحة. والرجفة هي الزلزلة وسماها الله تعالى في سورة القمر وفي سورة هود بالصيحة (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (31) القمر) فهي صيحة عظيمة تزلزلت بها منهم الأرض فصاروا في أرضهم جاثمين يعني ساقطين على ووجوههم موتى هامدين لا يتحركون، نسأل الله العفو والعافية والله الموفق. |
![]() |
| أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
| انواع عرض الموضوع | تقييم هذا الموضوع |
| |