تحدثنا في مقال سابق (الإسلام المهنة، والنفع، ومآذن سويسرا) عن أن الإسلام هو عمل ومهنة وليس دين فقط، والمطلوب ممن يعمل به أن يتحمل مسؤوليته التي سيسأله الله عنها، وإستقينا هذا الفهم من قوله عليه الصلاة والسلام: (ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)، فلكل واحد منا مسؤوليته التي يجب أن يهتم بها، وقلنا حينها أن هذه المسؤولية تنبع مما إستخلفه الله في كل فرد منا، من قدرات وميزات، يعتقد أنه متفوقٌَ بها على الآخرين، وقلنا إن هذا هو مجال الإستخلاف لكل فرد، وهو مجال المسؤولية المناطة به.

لكن ماهي المحصلة النهائية لهذا الإستخلاف، أعني إستخلاف الأفراد وبالتالي إستخلاف الأمة، أليست هي إقامة الدين وتحقيق النهضة الإنسانية وتقديم النموذج الحقيقي الذي إختاره رب العالمين ليكون النموذج الخاتم، وبالتالي تكون نهضة الأمة، هي إحدى إنعكاسات هذا الإستخلاف، وهذا الإستخلاف هو إحدى إنعكاسات النهضة، فالنهضة والإستخلاف، مترافقان، وأزعم أن النجاح في أحدهما يستلزم النجاح في الآخر.

ما أريد قوله هو أن الإستخلاف هو عملية تراكمية، لن تحدث فجأة، تماماً كالنهضة، فهما لن يحدثا بين يوم وليلة، ولا يجب أن نتوقع أو أن نطلب من رب العالمين أن يقول سبحانه: كن…فيكونا، هكذا بدون مقدمات، وبدون جهد منا، فهما لا ينشأن بمعجزة أو واقعة طارئة، فزمن المعجزات إنتهى منذ بعثة النبي محمد عليه الصلاة والسلام.

وبالتالي أيها الأحبة، فلا يخفى عليكم حال الأمة اليوم، وتعرفون أن مع كثرة المتأسفين على حالها، قد نجد حلولاً تتجاوز هذا العدد، تتراوح بين المعقول واللامعقول، بين إعادة إختراع العجلة، وبين تقديم حلول إبداعية حقيقة، بين تجريب المجرب (أياً كان)، وبين الحرص على إستنباط حل مناسب وواقعي لحال الأمة اليوم، وليس حلاً كان مناسباً في مرحلة ما، أو نافعاً لأمة ما.

والملفت للنظر أن الجميع، أو الأغلب الأعم ، تراه متفقاً على مركزية قوله تعالى (حتى يغيروا ما بأنفسهم) كقاعدة أساسية وجوهرية نحو التغيير والإصلاح المنشود.

لكن، هل أدركنا فعلاَ الأبعاد الحقيقية لهذه الآية، وهل هناك حلول عملية جماعية يقتضيها هذا التغيير "بالنفس"، أم أن التغيير يبقى محصوراً في إطار المواعظ العامة والأخلاق، وزيادة الصلاة والصوم وسائر العبادات الأخرى.

بطبيعة الحال، لا ندعي في هذه المحاولة أننا سنحيط بكل جوانب هذه الآية، فهذا إدعاء، فضلاً عن عدم جوازه شرعاً، لا نملك أن نطلقه على أنفسنا، ليس تواضعاً لكن إعترافاً بمدى قصور إدراكنا ومعرفتنا عن إحاطتها بكلمات الله، وحسبنا في هذه الوقفة أن نتعرض لفكرة أو إثنتين تتعلقان بهذه الآية، والفكرة المباشرة أن التغيير يبدأ بالنفس.

قبل أن نشرع في ذلك، أحب أن أوضح أنه في القرآن الكريم، نجد محورين لبناء النفس الإنسانية، أو لبناء الإنسان:

المحور الأول: بناء ذاتي أو رأسي أو فردي، دعامته الأساسية إقامة الشعائر وأدائها، والحفاظ على الأخلاق، والدليل على ذلك كل تلك الآيات المبثوثة في القرآن عن العبادات.
لكن هذا لم يكن كافياً لبناء الإنسان، فالإنسان المسلم تحديداً يتحرك في إطار الجماعة، ومسؤوليته تتجاوز دائماً بناءه الذاتي، لتصل لبناء الجماعة، وهذا هو المحور الثاني لبناء الإنسان في القرآن، أو المحور الأفقي، أما دليله، فهو أنك لا تجد في القرآن الكريم آية واحدة تقول يا أيها المسلم أو المؤمن.

قد يتبادر للذهن هنا، أن المطلوب أن تتحول إقامة الشعائر أو إصلاح الأخلاق لتصبح على مستوى الجماعة بدلاً من حصرها على مستوى الفرد، ولا شك أن هذا مطلوب وواجب، لكنه ليس كل المطلوب وليس كل الواجب.

هنا يأتي قوله تعالى (حتى يغيرواما بأنفسهم)...

منذ فترة وأنا أفكر في هذه الآية وأسأل نفسي: لماذا لم يقل حتى يغيروا ما في أنفسهم، بل قال ما بأنفسهم؟؟

يفيد حرف الباء في اللغة العربية المجاورة والإلصاق، كقولنا ممرت بأحمد، أو أمسكت بيد أحمد، كما تفيد الظرفية الزمانية كقولنا تقطع الطائرة المسافة بساعة واحدة، وتفيد الظرفية المكانية كقولنا نزلت بدمشق، في حين تفيد “في” الظرفية الزمانية والمكانية، كقولنا: صمت في رمضان في دمشق، من هنا نجد أن الباء تشمل معاني في، فالتغيير في داخل النفس، لكنها تحمل معنى آخر عن التغيير لما هو ملاصق للنفس، أو بجوراها.

هذا الجوار للنفس، قد يكون نفساً أخرى، قد يكون مجتمعاً كاملاً، وقد يكون ظرفاً تمر به تلك النفس، بكلمات آخرى إن هذه الآية تتضمن معنى أن تغيير الأوضاع الإجتماعية يتم بصورة مباشرة، وبالتعرض لهذه الأوضاع ومعالجتها، وليس عبر التغيير داخل النفس كما قد يُفهم من هذه الآية على سياق واسع.

لنتأمل مرة أخرى قوله تعالى (((ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ))) [الأنفال : 53] وقوله تعالى (((لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ))) [الرعد : 11] ولنركز في الآيتين على قوله تعالى (((إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ)))، متجاوزين بعض الجزئيات عن النعمة وزوالها.

هناك محوران يجب توضيحهما لنفهم الآية…

المحور الأول أن في الآية تغييران، أحدهما حدوثه معلق والآخر حدوثه مطلق، المعلق هو تغيير الله ، علّق حدوثه على حدوث التغيير الثاني المطلق، وهو تغيير الأفراد لما بأنفسهم.

إذن حقيقة هناك تغيير واحد، هو التغيير البادئ من الأشخاص، والمتعلق بهم وبقرراهم، فإن أرادوا التغيير، فالله لن يوقف إرادتهم، لإنه وكما هو واضح أنه أعطى إذنه سبحانه بالتغيير، بل وعلّق التغيير بإرادتهم، بمعنى أنه لن يغير شيئاً من عنده، حتى يبدؤوا هم بالتغيير، سواءّ للخير أو للشر، حينها سيتبدل حالهم وفق ما أحدثوه من تغيير، من هنا أيضاً نقول أن التغيير يحدث بإذن رباني، والإرادة الربانية المرتبطة بأذهاننا بكلمة “كن”، لا ينبغي أن يفهم منها أن تبقى الأوضاع على ما هي عليه حتى لحظة زمنية واحدة، تنقلب بعدها رأساً على عقب بصورة فجائية. "لصاحب الظلال كلام رائع في هذا المعنى عند تناوله لهذه الآية"


أما المحور الثاني، فهو أن التغيير ليس محصوراً فقط على تغيير مافي داخل النفس، بل يتعداه لإصلاح مافي داخل المجتمع من أوضاع مختلة، سواءّ دينية كعدم الصلاة والصوم، أو أخلاقية كالكذب والغش، أو اجتماعية كالظلم والقهر والتعدي على حقوق الناس، بل وحتى أوضاع إقتصادية وسياسية، وكلها من مجالات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فتغيير هذه الأوضاع يتم بمباشرتها ومعالجتها، وليس فقط بالإنكفاء والارتداد لإصلاح داخل النفس وزيادة عبادتها، حينها تكتمل صورة التغيير المنشود.

إضافة لذلك تجدر ملاحظة أن التغيير هو عمل جماعي، وليس عمل فردي، يتم في جماعة (بقوم) (على قوم) (حتى يغيروا) (أنفسهم)، فالتغيير المنشود (الذي سيأذن به سبحانه) والتغيير الفعلي (الذي تقوم به الجماعة) هو تغيير جماعي ينعكس على كل المحيط والمجتمع.
أعرف أن هذا الكلام قد لا يعجب البعض، لكن هذا لا يعني أنه خاطئ بطبيعة الحال، كما أنه لا يتضمن ولا يقترح صورةً لشكل هذا التغيير، سواء ثورة أو حرب أو حوار، لكن ما أود تاكيده على ضرورة إدراك أن هذا التغيير لا يقتصر على تغيير مافي داخل النفس من إصلاح وغيره، بل متعلق بالأوضاع المعاشة، ولهذا شواهد كثيرة.

من هذه الشواهد، معركة أحد، فجميعنا نعرف أن الرماة عندما غيروا وضعهم وتركوا مواقعهم، حدث الإلتفاف على جيش المسلمين ووقعت الهزيمة، وكان قادراً على إيقافها، لكن سنته إقتضت أنه لا يغير حتى يغير البشر من أفعالهم، فكان المسلمون متجهين إلى النصر، فغيروا في حالهم ومواقعهم، فحدث بنتيجة هذا التغيير الهزيمة، فالله كان قادراً على منع جيش قريش من الإلتفاف، لكنه لم يشأ أن يحدث ذلك، ولم يأمر بعكس ذلك.
من هنا كان قولنا في بداية المقال، أن النهضة والإستخلاف لا تحدث بمعجزة ولا يمكن أن نجلس بلا عمل وننتظر أن يقول رب العالمين "كن"، لأن سنته اقتضت أن يعمل الإنسان ويغير ليحقق مراد الله منه.

من هذه الشواهد أيضاً قوله عليه الصلاة والسلام حينما سُئل أنهلك وفينا الصالحون يارسول الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام: (نعم إذا كثر الخبث)، ومنها ماورد في الأثر من قوله عليه الصلاة والسلام: (أوحى الله إلى ملك من الملائكة أن أقلب مدينة كذا وكذا عل أهلها، قال إن فيها عبدك فلانا لم يعصك طرفة عين، قال اقلبها عليه وعليهم، فإن وجهه لم يتمعر في ساعة قط)

نعم ايها الأحبة، فهذا العبد لم يمارس الفهم الصحيح للدين، حينما إنكفأ على ذاته ونفسه، ولم يبادر لإصلاح ما حوله وهو مصداق لقوله في الحديث المرفوع: (المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المسلم الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم ).

إن هذا تماماً عكس الصورة النمطية عن هذه الآية في أذهاننا، أن عليك أن تصلح نفسك فقط، وكل شيء سيكون جيداً بالتالي، إن هذا التصرف، أزعم أنه سيكوّن مايعرف بالتدين السطحي في المجتمع، وهو أن ترى المساجد مملوؤة بالمصلين، لكن ترى مع ذلك انعدام الصدق والأمانة، وقلة احترام الوقت واحترام الآخرين، وترى الظلم ممارس من الكبير على الصغير ، ومن القوي على الضعيف، ولا أحد ينادي لاسترداد الحق، في حين أن المفروض أن تكون صلاتك هي حافزك لقول الحق ودفع الظلم.

إن هذا يذكرني بمقولة للأستاذ جودت سعيد أن التوحيد مشكلة إجتماعية وسياسية، وليست فقط مسألة عقدية، بمعنى أننا يجب أن نمارس التوحيد في حياتنا العادية، وليس فقط أثناء صلاتنا وكافة اشكال عباداتنا، ويتجاوز ذلك إخلاص نيتنا لله عزوجل، ليصبح إدراكنا أن الرازق والمدبر هو الله ، وحده وليس أحد آخر كرب العمل هو حافزنا لقول الحق، دون الخوف من إنقطاع الرزق، و أن يصبح إدراكنا أنه سبحانه هو العادل هو حافزنا لممارسة العدل والقول به في كل أنماط تفاعلاتنا، أقول أن نمارس وأن نفعل، لا أن ندرك فقط، فالإدراك متحقق بتوحيدنا له سبحانه وتعالى، لكن علينا أن نمارس هذا الإدراك.

لكن قد يأتي من يقول أن هذا الكلام غير دقيق، من ناحية ضرورة التدخل لتغيير وضع سلبي أو سيء، وبسهولة يمكنه أن يستشهد بقوله عليه الصلاة والسلام (إنها ستكون فتن ، ألا ثم تكون فتنة ، المضطجع فيها خير من الجالس ، والجالس فيها خير من القائم ، والقائم فيها خير من الماشي ، والماشي فيها خير من الساعي إليها ، ألا فإذا نزلت أو وقعت ، فمن كانت له إبل فليلحق بإبله ، ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه ، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه ، ومن لم يكن له شيء من ذلك فليعمد إلى سيفه ، فيدق على حده بحجر ، ثم لينج إن استطاع النجاء ، اللهم هل بلغت ، اللهم هل بلغت) الحديث صححه الألباني في الصحيح الجامع.


لكن لا أرى أن هذا الإستشهاد صحيح، فالنبي عليه الصلاة والسلام يتحدث هنا عن فتنة، وقتل وقتال، لكن ما نتحدث عنه هو الإصلاح والبناء والتغيير المستمر، والمرتبط بكل أوقات حياتنا، وليس النشاط المرتبط بإحداث الفتنة أو أحداثها، الإصلاح وليس القتال، الإصلاح بالحكمة والموعظة الحسنة، وبالتالي فهذا منحى مختلف وبعيد عن مانقوله في هذا المقال.
أرجو أن تلاحظوا أيها الأحبة، أنني لست ضد المناداة بإصلاح النفس أولاً، وأعلم تماماً أن هذا هو مجال كبير للعمل، ومجال حيوي وهام للإصلاح، لكن أقول حتى يكتمل، يجب أن ينعكس بشكل مباشر في المجتمع، ولا يحسبنّ أحدٌ أن هذا الإنعكاس سيحدث فرقاً كبيراً في وقت قصير، فالتغيير عمل تراكمي، يحدث بتراكمات صغيرة، ليصل لشكله النهائي المنشود.


نهاية، لابد من التأكيد مرة أخرى، على ضرورة إعادة التفكير في آيات الله، بالطريقة التي نتمكن منها من إستنباط سننه في هذا الكون، مما يعود بالنفع علينا، وإقامة النموذج الإسلامي الذي يقدم النموذج الخاتم للبشرية، بمايليق بالموحدين لرب العزة وبمايليق بجهده عليه الصلاة والسلام في تبليغ الدين، وجهد من تبعه بإحسان إلى يوم الدين.