" ولا تحاجهم بالقرآن فإنه ذو وجوه "


أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ :[ "إِنَّهُ سَيَأْتِي نَاسٌ يُجَادِلُونَكُمْ بِشُبُهَاتِ الْقُرْآنِ فَخُذُوهُمْ بِالسُّنَنِ فَإِنَّ أَصْحَابَ السُّنَنِ أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللَّهِ"][1] قال وأخرج الدارمي واللالكائي في السنة عن عمر بن الخطاب قال : [سيأتي ناس يجادلونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله].
وأخرج اللالكائي في السنة عن علي بن أبي طالب قال : [سيأتي قوم يجادلونكم فخذوهم بالسنن فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله].
وأخرج ابن سعد في الطبقات من طريق عكرمة عن ابن عباس أن عليا بن أبي طالب أرسله إلى الخوارج فقال : [اذهب إليهم فخاصمهم ولا تحاجهم بالقرآن فإنه ذو وجوه، ولكن خاصمهم بالسنة]
وأخرج من وجه آخر أن ابن عباس قال : [يا أمير المؤمنين فأنا أعلم بكتاب الله منهم في بيوتنا نزل، قال صدقت ! ولكن القرآن حمال ذو وجوه ؛ نقول ويقولون، ولكن حاجهم بالسنن فإنهم لن يجدوا عنها محيصا. فخرج إليهم فحاجهم بالسنن فلم يبق بأيديهم حجة].
وأخرج سعيد بن منصور عن عمران بن حصين : [ أنهم كانوا يتذاكرون الحديث فقال رجل : دعونا من هذا وجيئونا بكتاب الله ! فقال عمر : إنك أحمق ! أتجد في كتاب الله الصلاة مفسرة ؟! أتجد في كتاب الله الصيام مفسرا ؟! إن القرآن أحكم ذلك والسنة تفسره ]"[2]
وفي حديث عليّ : [لا تُنَاظِروهم بالقرآن فإِن القرآن حَمَّال ذو وُجُوه"]أَي يُحْمَل عليه كُلُّ تأْويل فيحْتَمِله، وذو وجوه أَي ذو مَعَانٍ مختلفة.[3] +[4]

إن ما جاءنا من هذه المصادر ينبغي أن ننظر إليه ليس بعين التقديس، ولا بعين التقدير الذي نجل به الصحب الكرام عموما, والخلفاء الراشدين خصوصا، إنما ينبغي أن ننظر إليه بعين الناقد البصير وبالعلم المحرر عن كل الشبهات والأفكار المعلبة، فقد حثنا القرآن الكريم بأن لا نخر على آياته صما وعميانا، فكيف بغيره من الأقوال ؟.



القرآن حمال ذو وجوه

روى الدراقطني قال : نا محمد بن مخلد بن حفص إملاء من كتابه نا القاسم بن الفضل بن بزيع سنة تسع وخمسين ومائتين نا زكريا بن عطية نا سعيد بن خالد حدثني محمد بن عثمان عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قال : قال رسول الله [ أعطيت جوامع الكلم واختصر لي الحديث اختصارا] وبإسناده قال : قال لي رسول الله : [ القرآن ذلول ذو وجوه فاحملوه على أحسن وجوهه][5]

4672 ابن عباس[ القرآن ذو وجوه فاحملوه على أحسن وجوهه][6]
وعن أبي قلابة قال : قال أبو الدرداء [ لا تفقه كل الفقه حتى ترى القرآن وجوها] [7]


دراسة حديثية :

فلرب متسرع يقول : " بأنها أحاديث واهية، لا يعتد بها ولا يستند إليها " مستندا في ذلك إلى رد المحدثين لرواية زكرياء بن عطية لقول أبي حاتم فيه منكر الحديث كذا في الميزان، وقال أبو الطيب محمد آبادي : " ذكره السيوطي في الجامع الصغير ، عن عمر بن الخطاب وقال شارحه العزيزي في شرحه السراج المنير : إسناده حسن والله أعلم".

فلئن ضعفه المحدثون لكون راويه زكرياء بن عطية قال عنه أبو حاتم :" منكر الحديث " فلقد قال عنه العقيلي : " مجهول النقل عن سعد بن محمد بن المسور ولا يتابع عليه "[8]، وقال عنه ابن حجر : " روى عنه الحلال وأبو أمية الطرسوسي " [9] ، فإن هذا الجرح لا يضر الحديث لكونه جاء من جهة أخرى عن كبار الصحب مثل عمر وعلي وابن عباس وغيرهم، ومعلوم لدى المحدثين أن رواية الصحب إن لم يكن سبيلها الاجتهاد فهي في حكم المرفوع[10].أو كما قال الجزائري : " لأن رواية الصحابة إما أن تكون عن النبي أو عن صحابي والكل مقبول "[11].
ولربما كان هذا سبيل العزيزي في تحسين الحديث، إلا أني هنا أضيف بأن الحديث صحيح لغيره، وهذا ما سنذهب إليه بعد عرض معاني الحديث.

معاني الحديث :

قال الزركشي : " وفى الحديث أن النبي قال : "[القرآن ذلول ذو وجوه محتملة فاحملوه على أحسن وجوهه" وقوله ذلول يحتمل وجهيه] :
أحدهما : أنه مطيع لحامليه ينطق بألسنتهم ؛
الثاني : أنه موضح لمعانيه حتى لا تقصر عنه أفهام المجتهدين.
وقوله ذو وجوه يحتمل معنيين : أحدهما أن من ألفاظه ما يحتمل وجوها من التأويل، والثاني أنه قد جمع وجوها من الأوامر والنواهي والترغيب والترهيب والتحليل والتحريم.
وقوله فاحملوه على أحسن وجوهه يحتمل أيضا وجهين :
أحدهما : الحمل على أحسن معانيه ؛
والثاني : أحسن ما فيه من العزائم دون الرخص والعفو دون الانتقام.
وفيه دلالة ظاهرة على جواز الاستنباط والاجتهاد في كتاب الله وقال أبو الليث : النهي إنما انصرف إلى المتشابه منه لا إلى جميعه، كما قال تعالى :
فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ (آل عمران: 7)
لأن القرآن إنما نزل حجة على الخلق، فلو لم يجز التفسير لم تكن الحجة بالغة، فإذا كان كذلك جاز لمن عرف لغات العرب وشأن النزول أن يفسره، وأما من كان من المكلفين ولم يعرف وجوه اللغة فلا يجوز أن يفسره، إلا بمقدار ما سمع فيكون ذلك على وجه الحكاية لا على سبيل التفسير فلا بأس به، ولو أنه يعلم التفسير فأراد أن يستخرج من الآية حكمة أو دليلا لحكم فلا بأس به " [12]
وتبنى السيوطي[13] هذا المعنى من غير إشارة إلى مصدره، كما ساق السيوطي له شواهد :

" 2838 وقد أخرجه ابن عساكر في تاريخه من طريق حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي الدرداء قال : "إنك لن تفقه كل الفقه حتى ترى للقرآن وجوها". قال حماد : فقلت لأيوب : "أرأيت قوله حتى ترى للقرآن وجوها أهو أن يرى له وجوها فيهاب الإقدام عليه ؟ قال نعم، هو هذا".

2839 وأخرج ابن سعد من طريق عكرمة عن ابن عباس أن علي بن أبي طالب أرسله إلى الخوارج فقال : "اذهب إليهم فخاصمهم ولا تحاجهم بالقرآن فإنه ذو وجوه، ولكن خاصمهم بالسنة"

2840 وأخرج من وجه آخر أن ابن عباس قال له : "يا أمير المؤمنين فأنا أعلم بكتاب الله منهم، في بيوتنا نزل! قال : صدقت! ولكن القرآن حمال ذو وجوه ؛ تقول ويقولون، ولكن خاصمهم بالسنن فإنهم لن يجدوا عنها محيصا. فخرج إليهم فخاصمهم بالسنن فلم تبق بأيديهم حجة".

أمثلة : (بعد أن ساق الشواهد ساق الأمثلة أنقل منها نموذجا واحدا)
2841. وهذه عيون من أمثلة هذا النوع من ذلك الهدى يأتي على سبعة عشر وجها :
1- بمعنى الثبات اهدنا الصراط المستقيم ؛
2- والبيان- أولئك على هدى من ربهم ؛
3-والدين- إن الهدى هدى الله ؛
4- والإيمان- ويزيد الله الذين اهتدوا هدى ؛
5- والدعاء- ولكل قوم هاد وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا ؛
6- وبمعنى الرسل والكتب- فإما يأتينكن مني هدى ؛
7-والمعرفة- وبالنجم هم يهتدون ؛
8- وبمعنى النبي - إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى [14]؛
9- وبمعنى القرآن- ولقد جاءهم من ربهم الهدى ؛
10-والتوراة- ولقد آتينا موسى الهدى ؛
11- والاسترجاع- وأولئك هم المهتدون ؛
12- والحجة-لا يهدي القوم الظالمين بعد قوله تعالى ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه، أي لا يهديهم حجة ؛
13- والتوحيد- إن نتبع الهدى معك ؛
14- والسنة- فبهداهم اقتده وإنا على آثارهم مهتدون ؛
15- والإصلاح -وأن الله لا يهدي كيد الخائنين ؛
16- والإلهام- أعطى كل شيء خلقه ثم هدى أي ألهمهم المعاش ؛
17- والتوبة- إنا هدنا إليك ؛
18- والإرشاد- أن يهديني سواء السبيل "[15].
وفي فعل السيوطي هذا دليل على التبني والقبول له، وجاء بالشرح الوافي وبالشواهد للمتن تنزيها له عن السند الذي تكلم فيه .
أضف إلى ذلك بأن المحدث إذا استدل بحديث فقد رفع عنه الشبهة –كما أصل المحدثون ذلك –.

ابن حزم ورأيه في الحديث :

قال ابن حزم : " [إن القرآن ذلول ذو وجوه، فاتقوا ذله وكثرة وجوهه]، وبه إلى ابن وهب أنبأ مسلمة بن علي عن هشام عن الحسن أن رسول الله قال فذكر حديثا وذكر فيه القرآن وفيه : "وما منه آية إلا ولها ظهر وبطن وما فيه حرف إلا وله حد ولكل حد مطلع" قال علي : هذه كلها مرسلات لا تقوم بها حجة أصلا، ولو صحت لما كان لهم في شيء منها حجة بوجه من الوجوه لأنه لو كان كما ذكروا لكل آية ظهر وبطن لكنا لا سبيل لنا إلى علم البطن منها بظن ولا بقول قائل، لكن ببيان النبي الذي أمره الله تعالى بأن يبين للناس ما نزل إليهم، فإن أوجدونا بيانا عن النبي بنقل الآية عن ظاهرها إلى باطن ما صرنا إليه طائعين، وإن لم يوجدونا بيانا عن النبي فليس أحد أولى بالتأويل في باطن ما تحتمله تلك الآية من آخر من تأول أيضا.
ومن الباطل المحال أن يكون للآية باطن لا يبينه النبي لأنه كان يكون حينئذ لم يبلغ كما أمر وهذا لا يقوله مسلم، فبطل ما ظنوه. وقد أتت الأحاديث الصحاح بحمل كل كلام على ظاهره كما حدثنا عبد الله بن ربيع التميمي قال : ثنا محمد بن معاوية المرواني عن أحمد بن شعيب النسائي ثنا محمد بن عبد الله بن المبارك ثنا أبو هشام واسمه المغيرة بن سلمة المخزومي بصري ثقة. قال علي : وأنبأناه أيضا عبد الله بن يوسف بن نامي عن أحمد بن فتح عن عبد الوهاب بن عيسى عن أحمد بن محمد عن أحمد بن علي عن مسلم بن الحجاج حدثني زهير بن حرب ثنا يزيد بن هارون قال علي : واللفظ لفظ المغيرة، قال المغيرة ويزيد ثنا الربيع بن مسلم ثنا محمد بن زياد عن أبي هريرة قال : خطب رسول الله الناس فقال : ["إن الله تعالى قد فرض عليكم الحج،] فقام رجل فقال أفي كل عام ؟ فسكت عنه حتى أعاده ثلاثا، فقال [لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ما قمتم بها، ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بالشيء فخذوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه..."] [16]

رأيي في الحديث :

فضلا عن ضوابط المحدثين، أرى أن ما بينه الزركشي من معان للحديث، وما جاء به السيوطي من بيان، وما ساقه ابن حزم من اعتراض، كل ذلك ينسجم في خيط رفيع الفهم للآية التالية، والتي تشهد بأن بعض نصوص القرآن تحتمل تأويلات كثيرة، وهذا ما دل عليه الحديث.
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ(آل عمران:7).

معاني الآية :

قال الطبري في تفسير هذه الآية : " يعني بقوله جلَّ ثناؤه: هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَـيْكَ الكِتابَ أن الله الذي لا يخفـى علـيه شيء فـي الأرض ولا فـي السماء، هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَـيْكَ الكِتابَ يعنـي بـالكتاب : القرآن. وقد أتـينا علـى البـيان فـيـما مضى عن السبب الذي من أجله سُمّي القرآن كتابـا بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع.

وأما قوله: مِنْهُ آيَاتٌ مُـحْكَمَاتٌ فإنه يعنـي من الكتاب آيات، يعنـي بـالآيات آيات القرآن. وأما الـمـحكمات: فإنهنّ اللواتـي قد أحكمن بـالبـيان والتفصيـل، وأثبتت حججهن وأدلتهن علـى ما جعلن أدلة علـيه من حلال وحرام، ووعد ووعيد، وثواب وعقاب، وأمر وزجر، وخبر ومثل، وعظة وعبر، وما أشبه ذلك. ثم وصف جل ثناؤه هؤلاء الآيات الـمـحكمات بأنهنّ هنّ أمّ الكتاب، يعنـي بذلك أنهنّ أصل الكتاب الذي فـيه عماد الدين والفرائض والـحدود، وسائر ما بـالـخـلق إلـيه الـحاجة من أمر دينهم، وما كلفوا من الفرائض فـي عاجلهم وآجلهم. وإنـما سماهنّ أم الكتاب، لأنهنّ معظم الكتاب، وموضع مفزع أهله عند الـحاجة إلـيه، وكذلك تفعل العرب، تسمي الـجامع معظم الشيء أُمًّا له، فتسمي راية القوم التـي تـجمعهم فـي العساكر أمهم، والـمدبر معظم أمر القرية والبلدة أمها. وقد بـينا ذلك فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته. ووحد أمّ الكتاب، ولـم يجمع فـيقول: هنّ أمهات الكتاب، وقد قال هنّ لأنه أراد جميع الآيات الـمـحكمات أمّ الكتاب، لا أن كل آية منهنّ أمّ الكتاب، ولو كان معنى ذلك أن كل آية منهنّ أمّ الكتاب، لكان لا شكّ قد قـيـل: هنّ أمهات الكتاب. ونظير قول الله عزّ وجلّ: هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ علـى التأويـل الذي قلنا فـي توحيد الأم وهي خبر لـ«هُنَّ» قوله تعالـى ذكره: وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَـمَ وأُمَّهُ آيَةً ولـم يقل آيتـين، لأن معناه: وجعلنا جميعهما آية ؛ إذ كان الـمعنى واحدا فـيـما جُعلا فـيه " [17]

ويقول الجعدي : " فالذين في قلوبهم مرض وزيغ، وانحراف، لسوء قصدهم يتبعون المتشابه منه، فيستدلون به على مقالاتهم الباطلة، وآرائهم الزائفة، طلباً للفتنة، وتحريفاً لكتابه، وتأويلاً له على مشاربهم ومذاهبهم ليضلوا ويضلوا.

وأما أهل العلم الراسخون فيه، الذين وصل العلم واليقين إلى أفئدتهم، فأثمر لهم العمل والمعارف فيعلمون أن القرآن كله من عند الله، وأنه كله حق، محكمه ومتشابهه، وأن الحق لا يتناقض ولا يختلف. فلعلمهم أن المحكمات معناها في غاية الصراحة والبيان يردون إليها المشتبه الذي تحصل فيه الحيرة لناقص العلم وناقص المعرفة، فيردون المتشابه إلى المحكم فيعود كله محكماً، ويقولون :
آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ(آل عمران: من الآية7)
للأمور النافعة، والعلوم الصائبة
إِلَّا أُولُو الْأَلْبَاب
أي : أهل العقول الرزينة. ففي هٰذا دليل على أن هٰذا من علامة أولي الألباب، وأن اتباع المتشابه من أوصاف أهل الآراء السقيمة، والعقول الواهية، والقصود السيئة." [18]


حكم الحديث :

وبهذا يصبح الحديث صحيحا للآية الآنفة الذكر. فالفقه المنهاجي لا ينظر بمنظار يفصل ويفصم بين ما لدى المحدثين والفقهاء ؛ وإنما هي رؤية منهاجية واحدة لكل من أدلة التشريع في تكامل، وانسجام.[19]
وبهذا يبقى القول الفصل للسنن الإلهية، فهي التي تشهد بصدق القول أو ببطلانه. فبنورها تسطع الحقائق وتظهر، وبنورها ينكشف زيف الباطل ويفتضح.
ولئن سعى الكاذب لتضليل الناس وليلبس عليهم أمر حديث نبيهم، فقد جعل الله لكل نبأ مستقر، ولا استقرار للكذب إلا بفضح قائله ولو بعد حين.ومن هنا كشف كذب الكاذبين بأنهم لا يؤمنون بآيات الله. -ولنا في كذب إخوة يوسف وامرأة العزيز خير مثال-.

بين دلالة الحديث النبوي ومنع الصحب الكرام المخاصمة بالقرآن

لن يتضح الفرق بين مؤتلف دلالة الحديث ومختلف فهم الصحب، إلا بالتمييز بين دواعي الأخذ بالقرآن بفهم شمولي متمكن من ضوابطه اللغوية وقواعده الأصولية، يميز بين سقيم الفقه وصحيحه.
ولئن تطرقت لدلالة الحديث النبوي بسعة الفهم كما سيق ذلك على لسان أئمة الهدى ومنار السبيل، فإنه لجدير بنا الوقوف مع منع الصحب الكرام المجادلة بالقرآن.

بين مقتضى واجب التعظيم للصحب الكرام
وسبيل الأخذ بتفسيرهم :

يقول الشوكاني : " فإن ما كان من التفسير ثابتا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإن كان المصير إليه متعينا وتقديمه أن الذي صح عنه من ذلك إنما هو تفسير آيات قليلة بالنسبة إلى جميع القرآن ولا يختلف في مثل ذلك من أئمة هذا الشأن اثنان، وأما ما كان منها ثابتا عن الصحابة فإن كان من الألفاظ التي قد نقلها الشرع إلى معنى مغاير للمعنى اللغوي بوجه من الوجوه فهو مقدم على غيره، وإن كان من الألفاظ التي لم ينقلها الشرع فهو كواحد من أهل اللغة الموثوق بعربيتهم، فإذا خالف المشهور المستفيض لم تقم الحجة علينا بتفسيره الذي قاله على مقتضى لغة العرب، فبالأولى تفاسير من بعدهم من التابعين وتابعيهم وسائر الأئمة. وأيضا كثيرا ما يقتصر الصحابي ومن بعده من السلف على وجه واحد مما يقتضيه النظم القرآني باعتبار المعنى اللغوي، ومعلوم أن ذلك لا يستلزم إهمال سائر المعاني التي تفيدها اللغة العربية "[20]

والصحابة الكرام يمنعون الاحتجاج بالقرآن في وجوه خصومهم من المسلمين، لكنهم يبيحون استعمال السنة ؛ هل لهم في هذا المنحى صواب يقتدى به ؟ وهل هذا النهي يؤخذ على إطلاقه ؟ ذلك ما ستعالجه الفقرات اللاحقة، بإذن الله .

وقد يقول قائل : " أين هذا من الحديث الوارد عَنْ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ : [وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا بَعْدَ صَلَاةِ الْغَدَاةِ مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقَالَ رَجُلٌ : إِنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَال: [َ أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ يَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّهَا ضَلَالَةٌ، فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَعَلَيْهِ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ[21]]

قال الأحوذي : " فإنه ليس المراد بسنة الخلفاء الراشدين إلا طريقتهم الموافقة لطريقته من جهاد الأعداء وتقوية شعائر الدين ونحوها، فإن الحديث عام لكل خليفة راشد لا يخص الشيخين. ومعلوم من قواعد الشريعة أنه ليس لخليفة راشد أن يشرع طريقة غير ما كان عليها النبي . ثم هذا عمر نفسه الخليفة الراشد سمى ما رآه من تجميع صلاته ليالي رمضان بدعة ولم يقل إنها سنة فتأمل. على أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم خالفوا الشيخين في مواضع ومسائل، فدل أنهم لم يحملوا الحديث على أن ما قالوه وفعلوه حجة.

وقد حقق البرماوي الكلام في شرح ألفيته في أصول الفقه، مع أنه قال إنما الحديث الأول يدل على أنه إذا اتفق الخلفاء الأربعة على قول كان حجة لا إذا انفرد واحد منهم. والتحقيق أن الاقتداء ليس هو التقليد، بل هو غيره كما حققناه في شرح نظم الكافل في بحث الإجماع. انتهى كلام صاحب السبل.

فإذا عرفت أنه ليس المراد بسنة الخلفاء الراشدين إلا طريقتهم الموافقة لطريقته لاح لك أن الاستدلال على كون الأذان الثالث الذي هو من مجتهدات عثمان أمراً مسنوناً ليس بتام، ألا ترى أن ابن عمر قال : الأذان الأول يوم الجمعة بدعة، فلو كان هذا الاستدلال تاماً وكان الأذان الثالث أمراً مسنوناً لم يطلق عليه لفظ البدعة لا على سبيل الإنكار ولا على سبيل غير الإنكار، فإن الأمر المسنون لا يجوز أن يطلق عليه لفظ البدعة بأي معنى كان فتفكر.[22]

" لأن سنة الخلفاء الراشدين المهديين كلهم بلا خلاف منهم ألا يقلدوا أحدا وألا يقلد بعضهم بعضا، وأن يطلبوا سنن رسول الله حيث وجدوها فينصرفوا إليها ويعملوا بها، وقد أنكر عمر أشد الإنكار على رجل سأله عن مسألة في الحج، فلما أفتاه قال له الرجل : هكذا أفتاني رسول الله ، فضربه عمر بالدرة وقال له : سألتني عن شيء قد أفتى فيه رسول الله لعلي أخالفه. رويناه من طريق عبد الرزاق. وقال عمر : "إن الرأي منا هو التكليف، وإن الرأي من النبي كان حقا".

قال أبو محمد : فمن كان متبعا لهم فليتبعهم في هذا الذي اتفقوا فيه من ترك التقليد وفيما أجمعوا عليه من اتباع سنن النبي ، وفيما نهوا عنه من التكلف ؛ فإنه يوافق بذلك الحق وقول الله تعالى وقول رسوله ، وهؤلاء الخلفاء قد خالفهم من في عصرهم، فقد خالف عمر زيد وعلي وغيرهما، عدا عثمان وعمر، عدا عمر أبا بكر في قضايا كثيرة ؛ فما منهم أحد قال لمن خالفه لم خالفتني وأنا إمام ؟ فلو كان تقليدهم واجبا لما تركوا أحدا يعمل بغير الواجب، وأما تمويه من احتج بقوله تعالى :
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً[ (النساء:59) ]
فهذه الآية مبطلة للتقليد إبطالا لا خفاء." [23]
أقول : وبهذا يتضح بأن لا حجة لمحتج ببالحديث.

الهوامش:

[1] - أخرجه الدارمي في المقدمة باب التورع عن الجواب فيما ليس فيه كتاب ولا سنة.
[2] - مفتاح الجنة لعبد الرحمان السيوطي، دار النشر الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة سنة 1399، ط3, ج 1/ ص 59.
[3] - لسان العرب مادة حمل.+
[4] - النهاية في غريب الحديث والأثر. للإمام ابن الأثير. المجلد الأول. حرف الحاء. باب الحاء مع الميم.
[5] - سنن الدارقطني ج: 4 ص: 144 حديث رقم : 8. -14-وانظر حاشية أبي الطيب محمد آبادي في نفس المصدر المسماة التعليق المغني على الدراقطني.وانظر علل الحديث لأبي حاتم رقم: 1764 ، وانظر الجامع في الجرح والتعديبل جمع وترتيب لأبي المعاطي النوري ومن معه.
[6]- الفردوس بمأثور الخطاب ج: 3 ص: 228.
[7] - أخرجه أبو نعيم في الحلية.
[8] - كتاب الضعفاء ج2/442.
[9] - لسان الميزان ج2/560.
[10] - راجع فتح المغيث للسخاوي ج1/154 وتوجيه النظر غلى أصول الأثر للجزائري ج2/561.
[11] - توجيه النظرج2/561.
[12] - البرهان في علوم القرآن ج: 2 ص: 163.
[13] - الإتقان في علوم القرآن ج2/475.
[14] - نفس المصدر ص 410
[15] - الإتقان ج: 1 ص:411- 412
[16] - الإحكام لابن حزم ج: 3 ص: 281.
[17] - جامع بيان في تأويل القرآن.
[18] - في تفسيره المسمى : " تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام الديان :.
[19] - لمزيد بيان عن عرض السنة على الكتاب انظر كتابنا : دراسة الحديث النبوي على نور السنن الإلهية.
[20] - فيض القدير ج1/12.
[21] - قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
[22] - تحفة الأحوذي للمباركفوري، 4 ـ كتاب الجمعة (عن رسول الله ) . 368 ـ باب ما جاءَ في أذانِ الجمعة. الحديث رقم: 513 ـ
[23- الإحكام لابن حزم ج: 6 ص: 241