نشأة النحو
معنى النحو:
النحو في الأصل مصدر ( نحا ينحو ) إذا قصد ويقال نحا له وأنحى له وإنما سمي العلم بكيفية كلام العرب في أعرابه وبنائه ( نحوا ) لأن الغرض به أن يتحرى الإنسان في كلامه إعرابا وبناء طريقة العرب في ذلك
وحده عندهم أنه علم مستنبط بالقياس والاستقراء من كلام العرب والقياس ألا يثنى ولا يجمع لأنه مصدر ولكنه ثني وجمع لما تقل وسمي به ويجمع على ( أنحاء ونحو ) [1]
حال العرب مع لغتهم قبل وضع النحو:
كان العرب ينطقون عن سليقة فطروا عليها ، فلا يجهدون الذكر في أي ترتيب، المفردات أو بناء الجمل ، وهم في حال معرفه تامة بأساليب كلامهم على وفق ما جبلوا عليه، وما توارثوه من أسلافهم . غير أنهم بعد مجيء الإسلام ، ومخالطتهم المعاجم مالت ألسنتهم إلى اللحن ، والخروج عن أصول الكلام إلى مالا تحمد عقباه ، فكانت غيرتهم على الدين وعربيتهم دافعاً لوضع النحو.[2]
نشأت اللغة العربية في أحضان جزيرة العرب خالصة لأبنائها مذ ولدت نقية سليمة مما يشينها من أدران اللغات الأخرى.
لبثت كذلك أحقابا مديدة كان العرب فيها يغدون ويروحون داخل بلادهم على ما هم عليه من شظف العيش، غير متطلعين إلى نعيم الحياة وزخارفها فيما حولهم من بلاد فارس والروم وغيرها، وإن دفعتهم الحاجة إليها حينا، وتبادل المنافع حينا آخر.
على أنه كان في أسواقهم الكثيرة التي تقام بينهم طوال العام غناء أي غناء في عيشتهم البدوية القانعة، ومن أشهرها عكاظ "بين نخلة والطائف" كانت تقام شهر شوال1، وبعده مجنة "بمر الظهران" من أول ذي القعدة إلى عشرين، وبعده ذو المجاز "خلف عرفة" إلى أيام الحج.
ولقد كان في هذه الأسواق فوق ما تضمه من مرافق الحياة ومتطلبات المعيشة منتديات للأدب، يعقدون فيها المجامع ذات الشأن يتبارى فيها مداره الخطباء2، ومفوهو الشعراء من القبائل المتنائية الأصقاع، يعرضون فيها مفاخراتهم ومنافراتهم ومعاظماتهم وكل ما يعن لهم في جيد الخطب وبديع الشعر

عاد ذلك كله على اللغة بتثبيت دعمائها وإحكام رسوخها وجودة صقلها وبقيت كذلك متماسكة البنيان غير مشوبة بلوثة الإعجام، إلى أن سطع نور الإسلام على ما حول الجزيرة العربية بالفتوحات الإسلامية ودخل الناس في دين الله أفواجا ثم تتابعت الفتوحات في عهد الخلفاء الراشدين، فوصلت في عهد سيدنا عمر بن الخطاب -رضى الله عنه- شرقا إلى نهري السند وجيحون، وغربا إلى الشام ومصر، فكان من الطبعي هبوط العرب ومعهم عشائرهم وعمائرهم إلى هذه الأمصار التي افتتحوها ودخلت تحت حوزتهم، وبحكم الفتح قد كثر تملكهم للموالي في البلاد المفتوحة عنوة.
كما كان من الطبعي تقاطر الوافدين من هذه الأمصار المفتوحة إلى الجزيرة العربية، إذ فيها المدينة المنورة حاضرة الإسلام، ومقر الخلفاء الراشدين وعلية الدولة. وفيها مكة المكرمة، وبها الكعبة المشرفة التي يؤمها كل من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
وهكذا ازداد هذا النزوح من الجانبين كلما توالت الفتوحات تترى في عهد بني أمية، فلقد بلغت الفتوحات في عهدنا شرقا الهند والصين وشمالا سيبريا، وغربا ما وراء جبال البرانس بالأندلس، وجنوبا السودان، كما امتدت إلى جزائر البحر الأبيض المتوسط، فهذه المملكة المترامية الأطراف كانت تخفق عليها الراية الإسلامية التي تآخى تحت ظلها الجميع "الأحمر والأسود"، وانمحت بينهم فوارق الجنس والوطن، ودينهم الإسلام وكتابهم القرآن ولغتهم العربية.
وكان أثرا لهذه الفتوحات من لدن كانت أن اختلط العرب بغيرهم اختلاطا مستمرا في البيوت والأسواق، والمناسك والمساجد، وتصاهروا واندمجوا في بعضهم حتى تكون منهم شعب واحد اجتمع فيه الصريح والهجين، والمقرف والعبد، اقتضى كل أولئك أن يستمع بعضهم من بعض وأن يتفاهموا في كل ما يتصل بهم ولغة التخاطب الوحيدة بينهم في كل ما يحيط بهم هي العربية، فكان لزاما على غير العربي أن تكون لغته العربية مهما عالج في ذلك وعانى، كما كان لزاما على العربي أن يترفق بغير العربي ويتريث معه في التخاطب، ضرورة التعاون بين الطرفين فكل منهما يسمع من الآخر، والسمع سبيل الملكات اللسانية فما اللغة إلا وليدة المحاكاة وما يصل إلى السمع.
وبطول هذا الامتزاج تسرب الضعف إلى نحيزة العربي وسليقته، على أن غير العربي كان ينزع قسرا عنه إلى بني جلدته، وإن طال لبثه بين ظهراني العرب، فقد كان في عهد الرسول -- صهيب يرتضخ الرومية، وسلمان الفارسية، وبلال وسحيم عبد بني الحسحاس الحبشية.
وتولد من هذا كله أن اللغة العربية تسرب إليها اللحن، ووهنت الملاحظة الدقيقة التي تمتاز بها وهي اختلاف المعاني طوعا لاختلاف شكل آخر الكلمة، فإن هذه الميزة كانت موفورة لديهم وهم يعبدون عن مخالطة سواهم من ذوي اللغات الأخرى التي خلت منها.
ولقد كان هذا النوع أول اختلال طرأ على اللغة العربية، منذ كان الإسلام، وكان الموالي والمتعربون، وطفق يزداد رويدا رويدا ما طال الزمن وتفسحت رقعة الإسلام.[3]

قال بن خلدون: "فلما جاء الإسلام وفارقوا الحجاز لطلب الملك الذي كان في أيدي الأمم والدول، وخالطوا العجم، تغيرت تلك الملكة بما ألقي إليها السمع من المخالفات التي للمتعربين، والسمع أبو الملكات اللسانية، ففسدت بما ألقي إليها مما يغايرها لجنوحها إليه باعتياد السمع، وخشي أهل العلوم منهم أن تفسد تلك الملكة رأسا ويطول العهد بها فينغلق القرآن والحديث على المفهوم، فاستنبطوا من مجاري كلامهم قوانين لتلك الملكة مطردة شبه الكليات والقواعد يقيسون عليها سائر أنواع الكلام ويلحقون الأشباه بالأشباه مثل "أن الفاعل مرفوع والمفعول منصوب والمبتدأ مرفوع"، ثم رأوا تغير الدلالة بتغير حركات هذه الكلمات فاصطلحوا على تسميته إعرابا وتسمية الموجب لذلك التغير عاملا، وأمثال ذلك، وصارت كلها اصطلاحات خاصة بهم فقيدوها بالكتاب وجعلوها صناعة لهم مخصوصة، اصطلحوا على تسميتها بعلم النحو"[4]

وضع النحو:
"والنحو عربي النشأة فكراً ووضعاً ( وزعم بعض المستشرقين إن علم النحو منقول من لغة اليونان لأن لآن وضعه في العراق إنما كان بعد خلاط العرب للسريان وتعلمهم ثقافتهم، وللسريان نحو قديم ورثوه عن اليونان).
ولكننا نقول: إن الدافع الذي مهد لنشأة الدراسات النحوية هو الخوف على نصوص القرآن الكريم من التحريف نتيجة لتوسع رقعة الدولة الإسلامية ودخول غير العرب من الدين الجديد.
ولذا نقر بسبب وضع النحو، اعني قواعد النحو المكتوبة، كما نقر بالحقبة التي دونت فيها تلك القواعد، وهي القرن الأول للهجرة، بلا تحرج أو تخوف، أو تردد، ولا تسلم بما ذهب إليه مصطفى صادق الرافعي بقوله: ( أما تاريخ وضع النحو فلا سبيل إلى تحقيقه البتة ) واستناداً إلى هذه المقولة ذهب إبراهيم مصطفى إلى ( إن معرفة واضع النحو في العربية يكاد يكون معضلة. اللحن إلى الألسنة فمالت إلى اللكنة ، وكان ما كان من أمر النشأة .
والنحو كما نعرفه ينموا مع لغة الإنسان، يتعلمه من محيطه الضيق يعيش بين أفراده، بسليقة صافيه ، قبل أن يتعلم قواعده المدونة، ولهذا نذهب إلى إن هذا العلم لم يبدأ التفكير به إلا بعد تصدع السليقة، وتسرب اللحن ، وليس مستبعداً أن يتواءم الاهتمام بتدوين قواعده والدين الإسلامي الجديد .
الذي لم يكن خاصاً بالعرب وحدهم . كما إن مبادئ الدين الإسلامي السامية التي وجدت، وأخت بين المسلمين من جميع الأجناس جعلت الاختلاط بين العرب ميسوراً، وبذلك تسرب"[5]

"وقد اتفق العلماء على أقوال ومراجع يعتمد عليها في اللغة لتكون مرجعا للاحتجاج مثل أشعار العرب الجاهليين وهم الذين يسمونهم أصحاب الطبقة الأولى والمخضرمين ويطلق عليهم أصحاب الطبقة الثانية والإسلاميون فالأكثر على الاستدلال بهم ويطلق عليهم أصحاب الطبقة الثالثة وأما المولدون والمحدثون كبشار وأبي نواس، وهم أصحاب الطبقة الرابعة فقد أخذ الأكثرون بعدم الاعتداد بأشعارهم".[6]
ثم أتى النحاة فاطلعوا على ما انتهى إليهم من كلام العرب. وقد كان عليهم أن يأخذوا بتأمله وتدبُّره، ويعمدوا إلى تقسيمه وتصنيفه، ويمضوا في تتبعه واستقرائه ذلك ليستشفوا النظم التي صيغت بها اللغة المحكية ويكشفوا عن سنن ما جرت به ألسنة العرب على السليقة وطاعت به قرائحهم على السجية.
وهكذا عكف النحاة على اللغة ينعمون فيها النظر، يسبرون غورها ويعجمون عودها فاستبطنوا دخائلها واستجلوا غوامضها. أحصوا مسائلها واستقروا دقائقها. فما جرى من كلام العرب على سنن استنبطوا حكمه وحملوا غير المنقول على المنقول منه وجعلوه قياساً لنظائره. ومضوا يعللون هذا القياس ويسببونه. فإذا سُمع شيء يأباه قياسهم هذا اتسعوا له، وأخذوا به إذا اشتهر وشاع. فإذا ندر أغفلوه وأوجبوا فيه القياس، حملاً له على أمثاله، وتأصيلاً لما استنوه من حدود وقوانين. وقد عقب البغدادي فيما حكاه المزهر (1/37) على هذا فقال: "اعلم أن اللغوي شأنه أن ينقل ما نطقت به العرب ولا يتعداه. وأما النحوي فشأنه أن يتصرف فيما ينقله اللغوي ويقيس عليه".[7]
قال ابن جني: "لكن القوم بحكمتهم وزنوا كلام العرب فوجدوه على ضربين: أحدهما ما لا بد من تقبله كهيئته، لا بوصية فيه ولا تنبيه عليه، نحو صحراء ودار وما تقدم، ومنه ما وجدوه يُتدارك بالقياس وتخف الكلفة في علمه على الناس فقننوه وفصَّلوه إذ قدروا على تداركه من هذا الوجه القريب، المغني عن المذهب الحزن البعيد".[8]
أول من وضع النحو:
اختلف المحققون في أول من وضع النحو على أقوال كثيرة فمنهم من قال علي ابن أبي طالب – - ومنهم من قال عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، ومنهم من قالنصر بن عاصم، ومنهم من قال أبو الأسود الدؤلي، ومنهم من قال عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي. وكلامهم طويل في ذلك ليس المقام لسردها الآن. وكثير من الروايات في ذلك لا تصح وأقوى الأقوال عند العلماء أن الذي وضع علم النحو أبوالأسود الدؤلي وعبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي.

"ويبدو عند التحقيق أن أول من وضع أصول النحو وقياسه هو عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي (ت 117هـ). ذلك أن سيبويه قد سمى في كتابه من روى عنهم أصول النحو من الأئمة ولم يتجاوز الحضرمي إلى إمام قبله، فالحضرمي على هذا هو رأس البصرية.
وقد حكى السيوطي في المزهر: "وأبو الأسود الدؤلي أول من نقط المصحف.. قال أبو حاتم.. وأما فيما روينا عن الخليل فإنه ذكر أن أبرع أصحاب أبي الأسود عنبسة الفيل، وأن ميموناً الأقرن أخذ عنه" وأردف: ".. ثم توفي وليس في أصحابه أحد مثل عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي. وكان يقال عبد الله أعلم أهل البصرة وأنقلهم، ففرع النحو وقاسه وتكلم في الهمز حتى عمل كتاباً مما أملاه. وكان رئيس الناس وواحدهم".
وهكذا كان الحضرمي أقدم من انتهج القياس وارتاح إليه وأخذ بالأكثر والأغلب. ففي طبقات الزبيدي(25): (قال ابن سلاّم: عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي كان أول من بعج النحو ومدّ القياس وشرح العلل). ونحو من ذلك ما جاء في نزهة الألباء(23) لأبي البركات كمال الدين بن الأنباري، إذ قال: (إنه أول من علل النحو).
أما أبو الأسود الدؤلي ظالم بن عمرو (69هـ) فلم تكن خطته تعدو (نقط المصحف)، أي الاهتداء إلى ما اتخذ رمزاً للشكل في الرفع والنصب والجر صوناً للسان من اللحن. وليس هذا بالأمر اليسير الذي يُستهان بجدواه فيما عاد منه على اللغة من جزيل الفائدة وموفور العائدة فقد كان (الشكل) أرفق على العربية نفعاً وأرجى عاقبة من أي شيء آخر. وقد وفق الأستاذ أحمد أمين، ، حين أشار في (ضحى الإسلام) إلى ذلك، وأيده فيه الأستاذ سعيد الأفغاني في كتابه (أصول النحو) حين قال: "والشكل أعود على حفظ النصوص من حدود النحو: ولعله أعظم خدمة قدمت للعربية حتى الآن"."[9]
خلف الحضرمي أئمة أخذوا بالأكثر والأغلب وعوَّلوا على القياس كعيسى بن عمر الثقفي (149هـ) فقد أسس أصول كتابه (الجامع) على الأكثر، وأسمى ما شذ عن الأكثر لغات، وكذا فعل في كتابه (الإكمال) وهما من مراجع كتاب سيبويه.
وهكذا فعل أبو عمرو زبَّان بن العلاء (154هـ) كما تقدم، وهو أحد القراء السبعة، ويونس بن حبيب (182هـ)، وقد أخذ عنه سيبويه خاصة أصول النحو، كما أخذ عنه الكسائي والفراء، وغيرهم، وكان إماماً في نقد الشعر وفي النحو واللغة.
وخلف هذين الخليل بن أحمد الفراهيدي (175هـ) وهو بحق عميد النحاة، قال الزُّبيدي الإشبيلي الأندلسي في كتابه (مختصر كتاب العين): "فهو الذي بسط النحو ومدّ أطنابه وسبَّب علله وفتق معانيه وأوضح الحِجاج فيه حتى بلغ أقصى حدوده. ثم لم يرض أن يؤلف فيه حرفاً أو يرسم فيه رسماً. واكتفى في ذلك بما أوحى إلى سيبويه من علمه، ولقَّنه من دقائق نظره ونتائج فكره ولطائف حكمته، فحمل ذلك عنه وتقلده، وألَّف فيه الكتاب الذي أعجز من تقدم وامتنع على من تأخر بعده". وقال ابن الأنباري في نزهة الألباء: "وهو الذي بلغ الغاية في تصحيح القياس واستخراج مسائل النحو وتعليله". وقد شفَّت أعمال الخليل حقاً عن عبقرية نادرة إذ اختط للنحو نهجاً سليماً فكان فيه بعيد الغور فسيح الخطوة، وألَّف أول معجم في العربية وهو (كتاب العين) فكان معجماً فريداً رتب فيه المواد على الحروف بحسب مخارجها، وقد التزم نهجه الأزهري في تهذيبه وابن عباد في محيطه والقالي في بارعه.
ورصد الخليل الأصوات اللغوية وصفاتها فكان له فيها رأي متقدم حصيف. وتعلق بموسيقا الشعر فانفرد بوضع العروض واتخذ لأوزان القصيد ستة عشر بحراً كشف فيها عن حذقٍ في الفن ولطافة في الحس. وقال السكاكي في (مفتاحه) في سبق الخليل هذا: "لا يظن أحد الفضول عندهم في هذا الباب من ضمّ زيادة.. فضلاً عن الإمام الخليل بن أحمد، ذلك البحر الزاخر مخترع هذا النوع، وعلى الأئمة المغترفين منه من العلماء المتقدمين/ 275". فلم يشارك الخليل في ميدان من ميادين العلم إلا كانت له القدم الفارعة فبدا فيه أسبق العلماء غير مدافع وأفضلهم غير معارض. وكان أبو محمد التوجي يقول: (اجتمعنا بمكة- أدباء كل أفق- فتذاكرنا أمر العلماء حتى جرى ذكر الخليل، فلم يبق أحد إلا قال: الخليل أذكى العرب، وهو مفتاح العلوم) (المزهر- 2/249).
وجاء الأخفش الأكبر أبو الخطاب عبد الحميد بن عبد المجيد (177هـ) وقد روى عنه سيبويه ولم يذكر أحد أنه كان صاحب قياس أو تعليل، فإذا جاء باستدلال ذهني كان أدنى إلى خصوص اللغة، واتخذ وجهاً من وجوه الاعراب كان ألصق بسلامة المعنى.[10]
وهذا يبين خلاف قول من قال أن أبا الأسود الدؤلي هو واضع علم النحو.وأنه
"كان أول من أسس العربية وفتح بابها ، وانهج سبيلها ووضع قياسها"[11]
إلا إن اعتبرنا أن شهرة ذلك كانت لأبي الأسود الدؤلي لما برز ولمع بنقطه للمصحف.
وضع النحو عربي محض:
نشأ النحو في العراق صدر الإسلام لأسبابه نشأة عربية على مقتضى الفطرة، ثم تدرج به التطور تمشيا مع سنة الترقي، حتى كملت أبوابه، غير مقتبس من لغة أخرى لا في نشأته ولا في تدرجه وقد اختلف العلماء في أول ما وضع منه على رأيين:
أحدهما: أن أول ما وضع من أبوابه هو ما وقع اللحن فيه، ثم استمر الوضع فيما بعده على هذا النمط، وذلك ما ذهب إليه جمهور النحاة اعتدادا بالروايات المستفيضة التي اقترن فيها الوضع باللحن، إلا أن تعيين الباب الموضوع أولا منوط بالرواية التي قوي سندها من بين الروايات.
والآخر: أن أول ما وضع منه ما كان أقرب إلى متناول الفكر في الاستنباط، لأن وضعه مبني على أساس من التفكير في استخراج القواعد من الكلام لداعي انتشار اللحن، فالموضوع أولا ما كثر دورانه على اللسان ثم ما يليه وهكذا، ولذا قيل: إن الموضوع أولا الفاعل ثم ردفه المفعول ثم المبتدأ والخبر وهكذا. وما تقدم هو ما أطبق عليه علماؤنا خلفا بعد سلف.[12]


لم يطلق على هذا العلم أول ما أطلق اسم النحو وإنما كان يطلق عليه اسم اللغة العربية ثم اشتهر بعد ذلك بهذا الاسم كما بين ذلك الشيخ الطنطاوي فقال: "فالتسمية بالنحو بعد عصره – أي أبو الأسود الدؤلي-، إلا أنها لم تتجاوز الطبقة الثانية، فقد اشتهرت عنها مؤلفات اتسمت بأنها نحوية، وصرح فيها باسم النحو"[13]

[1] اللباب في علل البناء والإعراب لأبي البقاء ص1

[2]دور البصرة في نشأة الدراسات النحوية وتطورها الأستاذ المبارك ص2

[3] نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة للشيخ الطنطاوي ص5-7

[4] مقدمة ابن خلدون ص253

[5] المرجع السابق ص4

[6] دراسات في النحو صلاح الدين الزعبلاوي ص2 بتصرف

[7] المرجع السابق ص3

[8]الخصائص (2/42)

[9] دراسات في النحو صلاح الدين الزعبلاوي ص4

[10] دراسات في النحو صلاح الدين الزعبلاوي ص6-7

[11] اللباب في علل البناء والإعراب لأبي البقاء ص13

[12] نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة للشيخ الطنطاوي ص14

[13] نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة للشيخ الطنطاوي ص 23