إن الحمد لله ، نحمده ، ونستعينه ، ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، وسيئات أعمالنا ؛
من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .
أما بعد: وردت عدة آثار في كيفية تعلم الصحابة - - القرآن، منهما:

1- أثر عبد الله بن مسعود - -: قال الإمام ابن جرير الطبري: حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق المروزي، قال: سمعت أبي يقول:
حدثنا الحسين بن واقد، قال: حدثنا الأعمش، عن شَقيق،
عن ابن مسعود، قال: «كانَ الرجل مِنَّا إذا تعلَّم عَشْر آياتٍ لم يجاوزهُنّ حتى يعرف معانيهُنَّ، والعملَ بهنَّ».
أثر صحيح: رواه ابن جرير الطبري في تفسيره، وأشار إلى صحته ،
وقال الشيخ أحمد شاكر: هذا إسناد صحيح. وهو موقوف على ابن مسعود، ولكنه مرفوع معنى، لأن ابن مسعود إنما تعلم القرآن من رسول الله - -. فهو يحكي ما كان في ذلك العهد النبوي المنير.


2- أثر عبد الله بن عمر - -: قال الإمام أبو جعفر الطحاوي:
حَدَّثَنَا فَهْدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ،
قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: « لَقَدْ عِشْنَا بُرْهَةً مِنْ دَهْرٍ وَأَحَدُنَا يَرَى (وفي رواية: يُؤْتَى) الْإِيمَانَ قَبْلَ الْقُرْآنِ، وَتَنْزِلُ السُّورَةُ عَلَى مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَنَتَعَلَّمُ حَلَالَهَا وَحَرَامَهَا، وَأَمْرَهَا وَزَاجِرَهَا، وَمَا يَنْبَغِي أَنْ نُوقَفَ عِنْدَهُ مِنْهَا، كَمَا تَعَلَّمُونَ أَنْتُمُ الْيَوْمَ الْقُرْآنَ، ثُمَّ لَقَدْ رَأَيْتُ الْيَوْمَ رِجَالًا يُؤْتَى أَحَدُهُمُ الْقُرْآنَ قَبْلَ الْإِيمَانِ، فَيَقْرَأُ مَا بَيْنَ فَاتِحَتِهِ إِلَى خَاتِمَتِهِ، وَلَا يَدْرِي مَا أَمْرُهُ وَلَا زَاجِرُهُ، وَلَا مَا يَنْبَغِي أَنْ يَقِفَ عِنْدَهُ مِنْهُ، وَيَنْثُرُهُ نَثْرَ الدَّقْلِ ».

أثر حسن: رواه الطحاوي في "أحكام القرآن"، وفي " شرح معاني الآثار"، والحاكم في "المستدرك"، وقال: «هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَا أَعْرِفُ لَهُ عِلَّةً وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ»، ووافقه الذهبي.
ورواه أبو جعفر النّحاس في "القطع والائتناف"، وقال: « وقول ابن عمر: لقد عشنا برهة من الدهر، يدل على أن ذلك إجماع من الصحابة».
ورواه ابن نصر في "قيام الليل"، وابن منده في "الإيمان"، وقال: «هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ عَلَى رَسْمِ مُسْلِمٍ وَالْجَمَاعَةِ إِلَّا الْبُخَارِيَّ».
ورواه الهروي في "ذم الكلام"، والمستغفري في "فضائل القرآن"، والبيهقي في "السنن الكبرى"، وابن عساكر في "تاريخ دمشق".
وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد": « رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ ».
وعزاه ابن حجر في "إتحاف المهرة" للحاكم، وسكت عن قوله: «صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ».


3- أثر أبي عبد الرحمن السلمي - -: قال أبو جعفر الفريابي: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ حِسَابٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي عَبْدِالرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قَالَ: « إِنَّمَا أَخَذْنَا الْقُرْآنَ عَنْ قَوْمٍ أَخْبَرُونَا أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا تَعَلَّمُوا عَشْرَ آيَاتٍ لَمْ يُجَاوِزُوهُنَّ إِلَى الْعَشْرِالْأُخِرِ حَتَّى يَعْلَمُوا مَا فِيهِنَّ مِنَ الْعَمَلِ، قَالَ: فَتَعَلَّمْنَا الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ جَمِيعًا, (وفي رواية: كنا إذا تعلمنا العشر من القرآن لم نتعلم العشرالتي بعدها حتى نتعلم حلالها وحرامها وأمرها ونهيها)، وَإنَّهُ سَيَرِثُ الْقُرْآنَ بَعْدَنَا قَوْمٌ يَشْرَبُونَهُ شُرْبَ الْمَاءِ لَا يُجَاوِزُ هَذَا، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى حَنَكِهِ».أثر صحيح مروي عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي: رواه الفريابي في "فضائل القرآن"، وأبو الفضل الرازي في " فضائل القرآن وتلاوته"، وابن سعد في "الطبقات"، وابن وضاح في "البدع والنهي عنها"كلهم من طريق حماد بن زيد. ورواه عبد الرزاق في المصنف ومن طريقه المستغفري في "فضائل القرآن". وراه الطحاوي أيضا من طريقي سفيان الثوري وهمام بن يحيى.
وهؤلاء روواعن عطاء قبل أن يختلط.ورواه أحمد، وابن أبي شيبة في "المصنف" وفي "المسند"، والمستغفري في "فضائل القرآن"، من طريق محمد بن فضيل. ورواه الطحاوي في"شرح مشكل الآثار"، والحاكم في "المستدرك"، والبيهقي في"شعب الإيمان" و"السنن الكبرى"، من طريق شريك بن عبد الله.وراه الطبري في "جامع البيان" من طريق جرير بن عبد الحميد. وقال الشيخ أحمد شاكر: «هذا إسناد صحيح متصل.أبو عبد الرحمن: هو السلمي، واسمه عبد الله بن حبيب، وهو من كبار التابعين. وقد صرح بأنه حدثه الذين كانوا يقرئونه، وأنهم كانوا يستقرئون من النبي - -، فهم الصحابة. وإبهام الصحابي لا يضر، بل يكون حديثه مسندًا متصلا».