قول الحق : وَ تَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَ سَبِّحْ بِحَمْدِهِ ۚوَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا [الفرقان:58] .. يمثل دستور المؤمن في الحياة :
1/ وَ تَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ .. إشارة - و الله أعلم - إلى أن من توكل على شئ وُكل إليه و تنقضي حاجته بانتهاء هذا الشئ أو تستمر باستمراره .. فالعبد خلق ضعيف لا يقوم بمفرده بل لابد له من سند يسنده في مجريات حياته حتى يستطيع توفير رغائبه و إدراك مصالحه بصرف النظر عن قيمتها في ميزان الحقيقة , و لأجل فهو يجد ضرورة عن اللجوء إلى سند ما يتوكل عليه في قضاء حوائجه و تحصيل مبتغياته , خاصة تلك التي تكون فوق طاقته و أعظم من امكانياته , و من ثم يجئ قول الحق تعالى تنبيها للإنسان على ضرورة أن يتخذ وكيلا و سندا إلا الله باعتباره الواحد الأحد الحي القيوم الذي يتصف بصفة الكمال المطلق في كل شئ أما غيره من الأشخاص و الأشياء فهي كلها زائلة فانية مهما بدت للرأي الأول قوية عظيمة .. و هذا الأمر قائم على معنى من معاني النفس و ذلك أن من توكل على الله و هو مدرك لعظمته و كبريائه و اتصافه بصفات الكمال المطلق لاجرم أنه لا يخشى شيئا بل يكون ممتلئا ثقة و تفاؤلا هادئا مطمئنا لأنه على يقين صادق أن سند توكله حي دائما بلا حدود و لا فناء و من ثم تكون له اعتبارات غير التي يعتبرها الناس و تكون طريقته في التعاطي مع ملابسات الحياة متفردة متميزة عن شتى طرائق الناس و هم بعداء عن الله تعالى , أما من توكل على شئ ما مثلا : وظيفة , جاه , مال , إنسان ... إلخ , فإنه لا يزال - و لو في اعماق شعوره - قلقا مضطربا مهما تذكر أن هذا الشئ أو هذا الشخص سيأتي يوم و يفنى أو يموت أو ينكث العهد .. إلى شتى العوارض التي تعرض لكل ما هو مخلوق سواء كان شخصا أم شيئا , و لهذا تجد بعض الناس إذا فقدوا وظائفهم كأن القيامة قامت , و بعضهن إذا مات الزوج أو طلقهن كأن الموت حضر , و بعضهم إذا خسر مالا كأن الحياة نادت عليه ببؤسها و شقائها .. و بهذا يتبين لنا أن التوكل ضرورة نفسية قبل أن يكون فريضة دينية و ما ذلك إلا للآثار الجميلة التي يفيضها في النفس .
2/ و سبح بحمده تنبيه للإنسان على أن الله تعالى محمود على كل حال , سواء صادفت أقداره هوى من العبد أم لا , لأن الله له الحكمة المطلقة و الرحمة الشاملة و القدرة الفائقة , فلا يقدر شيئا للعبد أو عليه إلا لحكمة بل لحكم قد يدرك العبد منها أحيانا بعض معانيها و لكنه كثيرا ما يجهلها , و من ثم يجب على العبد أن يكون موصولا بالله ممتلئا ثقة به مهما تقلبت به الدنيا و تغيرت معه الحياة و نسأل الله العافية .. فإن الأمر بالتسبيح بعد التنبيه على ضرورة اتخاذ الله تعالى وحده سندا و وكيلا باعتباره الحي الذي لا يموت تنبيه للإنسان على ما قلنا , فإن الله تعالى بحكمته الفائقة قد يقدر بعض الأقدار التي تصادف هوى من العبد و ما ذلك إلا لقصور الإدراك العقلي للإنسان و عدم احاطته بمعاني الحكمة الإلهية في الوجود , فالله عندما يقدر قدرا ما , فإن هذا القدر لا يكون مطلقا منفصلا عن باقي معاني حكمته في الكون و الحياة بل يكون نتيجة لبعضها و سببا لبعضها الآخر في تشابك دقيق و تداخل عميق , و لهذا الأمر بالتسبيح تنزيها لله تعالى عن إساءة الظن به مهما وجد العبد بعض الأقدار التي لا تسير مسير هواه , فلو كشف الغطاء للعقل الإنسان عن حقائق الأقدار الإلهية سواء الشخصية أم الغيرية لما وجد امكانية أن يقول لقدر حدث ليته لم يحدث أو لقدر لم يحدث ليته حدث .
3/ و كفى به بذنوب عباده خبيرا تنبيه للإنسان أن ما قد يصيبه في حياته من الآلام و المعاناة و ما قد يكابده من المشاق و الأتعاب و ما قد يواجهه من المشاكل و العراقيل أي الأقدار التي تكون على غير هواه , إنما مرد كل هذا إلى ذنوبه و معاصيه , فإن الذنب مطردة للنعم مجلبة للنقم , و ما يعفو الله عنه أعظم و أجل .. فالمشكلة التي يواجهها الإنسان في حياته لا تعني في معناها العميق إلا أن هناك خطأ ما ارتكبه سواء من جهة التفكير و الإعتبار أم من جهة العمل و الممارسة , و طاعة الله تعالى و اتباع منهجه كما ينبغي يعصم الإنسان من هذا الخطأ .. هذا من حيث المبدأ , أما واقعا فإن الإنسان بحكم أنه خلق ضعيف لابد له من الخطأ و الزلل سواء في الإعتبار التقديري أم في العملي التطبيقي , و بالتالي فالآية تنبيه له بأنه يجب أن تلوم نفسك مهما وجدت ما لا تحب أو امتنع عنك ما فيه ترغب . و هذا يشكل في نفس العبد داعية التنبه و اليقظة حتى لا يقع في الذنب - و ما الذنب إلا خطأ ارتكبه الإنسان سواء في دافع العمل " النية " أم في العمل نفسه " الإتباع " - لأن الله تعالى خبير بكل شئ .
و خلاصة الآية إذن : أيها الإنسان اجتنب الذنوب ما استطعت , و كن واثقا بربك الجليل , و اجعله سندك الوحيد و هو أنت تواجه تقلبات الواقع . فبهذا وحده تفلح و تكون من السعداء في الدنيا و الآخرة .