إن غاية مقصد العقلاء الفوز ، وهو ضد الخسران ، ولا يوجد فوز هو أعظم من النجاة من النار ؛ قال الله تعالى : ] فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [ [ آل عمران : 185 ] ؛ وقال U : ] قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [ [ الزمر : 15 ] .
والصيام عبادة جعلها الله تعالى لصاحبها وقاية من النار ؛ ففي الصحيحين عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ t قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ e يَقُولُ : " مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، بَعَّدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا"؛وروىأحمدوالنسائي وابن ماجة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t عَنْ رَسُولِ اللَّهِ e قَالَ : " مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ؛ زَحْزَحَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ بِذَلِكَ الْيَوْمِ سَبْعِينَ خَرِيفًا " . وروى الترمذي والطبراني عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ t عَنْ النَّبِيِّ e قَالَ : " مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، جَعَلَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ خَنْدَقًا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ " ، وروى الطبراني مثله عن أبي الدرداء t ، وروى الطبراني عن عَمْرُو بن عَبَسَةَ t : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e : " مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَعُدَتْ مِنْهُ النَّارُ مَسِيرَةَ مِائَةِ عَامٍ " .
فهذه أحاديث متضافرة على أن الصيام يزحزح صاحبه عن النار ، فيكون من الفائزين ؛ وهذا يفسر قول النبي e في أحاديث كثيرة : " الصِّيَامُ جُنَّةٌ " ؛ فقد روى أحمد والنسائي وابن ماجة عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ t قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ e يَقُولُ : " الصِّيَامُ جُنَّةٌ ، كَجُنَّةِ أَحَدِكُمْ مِنْ الْقِتَالِ " ، وفي لفظ : " الصِّيَامُ جُنَّةٌ مِنْ النَّارِ ، كَجُنَّةِ أَحَدِكُمْ مِنْ الْقِتَالِ " ؛ وروى أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t عَنِ النَّبِيِّ e قَالَ : " الصِّيَامُ جُنَّةٌ وَحِصْنٌ حَصِينٌ مِنَ النَّارِ " . وَعَنْ جَابِرٍ t أَنَّ رَسُولَ اللهِ e قَالَ : " قَالَ رَبُّنَا U : الصِّيَامُ جُنَّةٌ ، يَسْتَجِنُّ بِهَا الْعَبْدُ مِنَ النَّارِ ، وَهُوَ لِي ، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ " ؛ وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ t قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ e يَقُولُ :" الصَّوْمُ جُنَّةٌ مَا لَمْ يَخْرِقْهَا "؛ وروى الطبراني عَنْ أَبِي أُمَامَةَ t قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e : " الصِّيَامُ جُنَّةٌ ، وَهُوَ حِصْنٌ مِنْ حصونِ الْمُؤْمِنِ ، وَكُلُّ عَمِلٍ لِصَاحِبِهِ ، وَالصِّيَامُ لِي ، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ " .
والجنة : الوقاية والحماية ؛ فهي ما يتقي به المرء ويحتمي ، ومنه سمي الترس مِجَنًّا ؛ لأنه يُحتمى به من طعنات الرماح وضربات السيوف ونحوها ؛ ولذلك قال e : " كَجُنَّةِ أَحَدِكُمْ مِنْ الْقِتَالِ " ؛ وروى عبدالرزاق عن ابن مسعود t قال : الصيام جنة الرجل كجنة أحدكم في البأس ؛ ورواه ابن أبي شيبة بلفظ : الصوم جنة من النار ، كجنة الرجل إذا حمل من السلاح ما أطاق .
قال ابن عبد البر : الجنة : الوقاية والستر عن النار ؛ وحسبك بهذا فضلا للصائم .ا.هـ . وقيل : الجُنَّة : سِتْرٌ وَمَانِعٌ مِنْ الْآثَامِ ؛ قلت : وهما متلازمان ، إذ الستر من الآثام ستر من النار ؛ وَقَالَ اِبْنُ الْعَرَبِيِّ : إِنَّمَا كَانَ الصَّوْمُ جُنَّةً مِنْ النَّار لِأَنَّهُ إِمْسَاك عَنْ الشَّهَوَات ، وَالنَّار مَحْفُوفَة بِالشَّهَوَاتِ .ا.هـ . قال ابن حجر بعد أن نقل قول ابن العربي : فَالْحَاصِل أَنَّهُ إِذَا كَفّ نَفْسه عَنْ الشَّهَوَات فِي الدُّنْيَا ، كَانَ ذَلِكَ سَاتِرًا لَهُ مِنْ النَّار فِي الْآخِرَة ( [1] ) ؛ قلت : ويؤيده قوله e : " يَسْتَجِنُّ بِهَا الْعَبْدُ مِنَ النَّارِ " أي : حماية ووقاية يحتمي بها من النار ، كالمجنِّ الذي يقيه عندَ القتالِ من الضَّرب ؛ وقوله e أيضًا : " وَهُوَ حِصْنٌ مِنْ حصونِ الْمُؤْمِنِ " ، أي التي يتحصن بها من النار .
فلما كان الصيام يقي صاحبه منَ المعاصي في الدُّنيا ؛ كان له في الآخرة جُنَّةٌ من النار ، وإنْ لم يكن له جُنَّةٌ في الدنيا من المعاصي ، لم يكن له جُنَّةٌ في الآخرة من النار ؛ ومن هنا جاء في حديث أبي عبيدة t : " مَا لَمْ يَخْرِقْهَا " ، يعني : بالكلام السيئ ونحوه من الآثام ؛ وقال بعضُ السَّلف : الغيبةُ تخرقُ الصِّيامَ ، والاستغفارُ يرقَعُهُ ، فمن استطاع منكم أنْ لا يأتي بصوم مخرَّقٍ فليفعل ( [2] ) . وقال ابنُ المنكدر : الصائمُ إذا اغتاب خرق ، وإذا استغفر رقع . وروى عبد الرزاق عن هشام عن حفصة بنت سيرين عن أبي العالية قال : الصائم في عبادة ما لم يغتب أحدًا ، وإن كان نائمًا على فراشه ؛ فكانت حفصة تقول : يا حبذا عبادة وأنا نائمة على فراشي ؛ قال هشام : وقالت حفصة : الصيام جنة ما لم يخرقها صاحبها ، وخرقها الغيبة .
والمعنى : إن الصائم إذا فعل من هذه المنهيات شيئًا فقد خرق ذلك الساتر الذي بينه وبين النار بفعله ؛ فإذا تاب واستغفر ، فقد رقع هذا الخرق ، فيبقى الساتر وإن كان مرقعًا ؛ فليجتهد الصائم على الحفاظ على ساتره دون ترقيع .
فَيَنْبَغِي لِلصَّائِمِ أَنْ يَصُونَ صيامَه مِمَّا يُفْسِدهُ وَيَنْقُص ثَوَابه ؛ وفي هذا السياق ما رواه مَالِك والشيخان عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ e قَالَ : " الصِّيَامُ جُنَّةٌ ؛ فَإِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا ، فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ ، فَإِنْ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ : إِنِّي صَائِمٌ ، إِنِّي صَائِمٌ " ؛ وَما رواه النسائي عَنْ عَائِشَةَ - - عَنِ النَّبِيِّ e قَالَ : " الصِّيَامُ جُنَّةٌ مِنَ النَّارِ ، فَمَنْ أصْبَحَ صَائِما فَلا يَجْهَلْ يَوْمَئِذٍ ؛ وَانِ امْرُؤ جَهِلَ عَلَيْهِ فَلا يَشْتِمْهُ وَلا يَسُبَّهُ ؛ وَلْيَقُلْ : إِنِّي صَائِمٌ " الحديث .
فتأمل - رحمني الله وإياك - بيان النبي e لك : كيف تحفظ صيامك وتصونه ليكون لك جنة من النار ؛ فنهاك - أيها الصائم - عن الرَّفَثِ ، والمراد به هُنَا : الْكَلَامالْفَاحِش؛كالشتموالخناوالغيبةوالجفاء،وأنتغضبصاحبكبمايسوءه، والمراء .. ونحو ذلك ؛ كما نهاك - أيضًا - أن تََجْهَل ؛ أَيْ : تَفْعَل شَيْئًا مِنْ أَفْعَال أَهْل الْجَهْل كَالصِّيَاحِ وَالسَّفَه وَنَحْو ذَلِكَ .
بل وفوق هذا قال لك e : ؛ " فَإِنْ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ ، " وَانِ امْرُؤ جَهِلَ عَلَيْهِ فَلا يَشْتِمْهُ وَلا يَسُبَّهُ ، وَلْيَقُلْ : إِنِّي صَائِمٌ " ، أي : فإن رأى الصائم من امرئ مبادأة بالشتم أو المقاتلة ؛ فلا يقابل ذلك بمثله ؛ فإن الجهل لا يليق بحال الصائم ، بل عليه أن يقول : " إِنِّي صَائِمٌ ، إِنِّي صَائِمٌ" ؛ ففيها تذكرة له بأن الصيام جنة فلا يجهل ، ولا يقابل الجهل بمثله ؛ كما أن فيها تذكرة لمن يريد أن يشاتمه أو يقاتله ؛ فلعله أن يكف .
إن الانتصار على النفس في معركة ترى النفس أنه لابد من الانتصار لها - مع القدرة على الانتصار - لرتبة عالية في الجهاد الذي يجعل صاحبه في وقاية من الوقوع في الإثم المستوجب لعذاب النار ؛ والجزاء من جنس العمل ، فمن عفا عُفي عنه ، ومن غَفَرَ غُفِرَ له ؛ والله تعالى يقول : ] وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ [ النور : 22 ] .
إن الصائم متعلق بثواب الله تعالى وفضله ، فليكن حريصًا على تحصيل هذا الثواب والفضل بالإتيان بشروطه واجتناب موانعه ؛ والصيام يُكسب الصائم وقاية حتى من الرد على من يسبه أو يريد الشجار معه ؛ كما يمنعه من فحش الكلام والصخب الذي يزعج الآخرين ويُذهب وقار الإنسان .. إنه صائم ، فلابد أن يكون خلقه خلق الربانيين الملتزمين أوامر الله المنتهين عن نواهيه ، المتخلقين بما أمر من أخلاق .
وفقنا الله تعالى والمسلمين لذلك ؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه .

[1] - انظر فتح الباري : 4 / 104 .

[2] - أخرجه : البيهقي في شعب الإيمان ( 3644 ) عن أبي هريرة .