إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ
الحديث عن الوالدين والإحسان إليهما، وصحبتهما بالمعروف يبدأ ولا يكاد ينتهي؛ لأنه حديثٌ متشعبٌ طويلٌ ذو شجون، وسيدور ههنا حول آيتين من آيات الحكمة في سورة الإسراء، والآية هي قوله _تعالى_: [وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً(23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً (24)].
والذي يلاحظ أن هاتين الآيتين اشتملتا على مزيد بيان لحقوق الوالدين لم يكن في بعض الآيات الأخرى الآمرة بالبر، كآيةِ الحقوق العشرة من سورة النساء، وأولِ آيةٍ من آيات الوصايا العشر في الأنعام، حيث أمرتا بالإحسان إلى الوالدين فحسب.
وكذلك آيتا سورة لقمان حيث أوصتا بالوالدين، وبالأم، وذكر حملها، وبمصاحبة الوالدين بالمعروف.
وقريب منها الآيات التي تضمنت الوصية بالوالدين في سورة الأحقاف.
فآيتا الإسراء زادتا في التفصيل، والإيصاء بالبر حالَ كِبرَ الوالدين، فجاء الأمرُ فيهما بالإحسان، والتحذيرِ من التأفف والنهر، كما جاء الأمرُ بالقولِ الكريم، وخفض الجناح، والدعاءِ للوالدين.
ولا ريب أن حال الكبر حالٌ تقتضي مزيداً من الرعاية, والعناية، والمداراة؛ إذ الوالد _أباً أو أماً_ قد يستغني عن أولاده حال شبابه، وصحته، وقوته، ونشاطه؛ فيكون له من ذلك ما يجعله يقوم بحاجاته،ويبحث عما يشرح صدره،بخلاف ما إذا كبر في السن، ووهن منه العظم، واشتعل الرأس شيباً، وبدأت صحته في النزول، وكثرت مراجعاته للأطباء، وصارت ذاكرتُه تتضاءل، وبدأ سمعه وبصره في الضعف أو التلاشي على نحو قول الأول:
من عاش أخلقتِ الأيامُ جِدَّتَهُ@ وخانه ثقتاهُ: السمعُ والبصرُ
فينبغي _ والحالة هذه _ لمن يريد سعادة الدارين من الأولاد أن يراعي تلك الحال، وأن يقدم قصارى ما يستطيع لوالديه من أنواع البر؛ لأن العمر قصير، والفرصة لا تتكرر، والأجر مضاعف، والعاقبة حميدة في العاجل والآجل.
فمما يُذكَّر به الولد _ابناً أو بنتاً_ أن يراعي حال كِبَرِ السنِّ للوالد، وما يصحبه من تكدر مزاج، وقلة نوم، وكثرة فراغ، وفقدانِ كثيرٍ من الأحبة والأصحاب الذين يأنس بهم، ويأنسون به.
وربما صحب ذلك فقرٌ، وقلةُ ذاتِ يدٍ، وربما عاش الوالد معزولاً عن العالم؛ حيث يريد أن يتكلم، ويعبر عما في داخله، ويرغب فيمن يجاذبه أطراف الحديث، فلا يجده.
وإذا اجتمع إلى ذلك أمراض يُحْتاج معها إلى مراجعات كان ذلك ألماً على ألم؛ فينبغي للولد مراعاةُ تلك الحال، والحرص الشديد على إسعاد والده، وإدخال السرور عليه، وملاطفته بالحديث، بل واستطعامه إياه وإن كان الحديث معلوماً مكروراً .
كما يحسن به مراعاةُ الوالد في البِرِّ المالي، وأن يستقطع جزءًا من ماله بحسب حاله؛ فَيُقدِّمَهُ له كلَّ شهر، ويكون له حدٌّ أدنى لا يقل عنه بحال، بل يكون قابلاً للزيادة، وألا يتواكل الإخوة بعضهم على بعض في ذلك.
ثم إن من الإحسان في إيثار الوالد بجانب من المال أن يُنَوَّعَ له في فئات المال، فتكون مثلاً من فئات الريال، والخمسة، والعشرة، والخمسين، والمائة وهكذا.
وإذا كانت تلك الأوراق النقدية جديدة فحسن وذلك من تمام المعروف:
وما كل هاو للجميل بفاعل@ ولا كل فعال له بمتمم
وفيه مزيد من الفائدة، وهي أن الأوراق النقدية الجديدة لم تتداولها الأيدي؛ فتكون أبعد من انتقال العدوى والأمراض للوالد، كما أن لكل جديد لذة .
وربما يكون الأولى أن يَفْتَحَ الولدُ حساباً لوالده، فَيُوْدِعَ فيه كلَّ شهرٍ مبلغاً معيناً.
ومن البر في هذه السياق أن الحال في بعض الأحيان تقتضي أن يكون الوالدان أو أحدُهما في منزل وبقيةُ الأولاد في منازل أخرى، فمن البر ههنا ألا يترك الوالد وحيداً في المنزل خصوصاً إذا لم يكن قادراً على القيام بنفسه.
ومن البر في ذلك أن يكون هناك وقت يجتمع فيه الإخوة بحسب ما يتيسر لهم مع الوالدين، وأن يُعْمَر ذلك الاجتماع _قدر المستطاع_ بالأنس، والبشر، والأحاديث الجميلة، وأن ينأى عن إثارة المشكلات بين الأولاد.
ومن البر في تلك السن أن يُعطى كلٌّ من الوالدين هاتفا جوالاً خاصاً به إذا لم يكن عنده؛ لأن الهاتف العادي قد لا يسعف في كثير من الأحيان؛ إذ غالباً ما يكون عاماً؛ فمن الجميل أن تهدي لوالدك جوالاً، وألا تستشيره في ذلك؛ لأن أغلب الوالدين يرفض؛ إما لحيائه وعزة نفسه، أو لأن النفوس لا تألف الجديد بسهولة، أو قد يكون مُسْتَصْعِباً استعمالَه؛ فإذا أحضرته له، وشرحت له طريقة الاتصال والرد بأيسر ما يكون _ كان ذلك داعياً له أن يقبله.
ويحسن _أيضاً_ في هذا الصدد أن تجعل هذا الهاتفَ باسمك، وتقومَ بتسديد رسومه عن الوالد حسب قدرتك واستطاعتك، أو يكون ذلك بالاشتراك مع الإخوة.
ومن البر الذي يحتاجه الوالد في حال كبره، ويحسن بالولد مراعاته القيام على علاج الوالد؛ خصوصاً إذا كان لديه أمراض مزمنة كالسكر، والضغط؛ فيحسن بالولد أن يتعلم كيفية التعامل مع هذه الأمراض، وأن يتابع حالة والده في ذلك.
وإذا كان المرض يحتاج إلى مراجعة مستشفى كبعض حال الغسيل الكُلوي _ فإنه يحسن بالولد أن يعرف مواعيدَ والده؛ فلا يضطر والدَه إلى أن يتصل به لتذكيره، أو أمْرِه بالمجيء؛ ليوصله، بل على الولد أن يبادر من تلقاء نفسه؛ لأن الوالد قد يستحيي، وقد يشعر بشيء من الذل خصوصاً إذا تردد الولد في المجيء، أو تأخر، أو سوَّف، أو أبدى قلة رغبة؛ فذلك مما يكدر الوالد، وربما يجعله ينصرف عن طلب ذلك من ولده، بخلاف ما إذا بادر الولد في المجيء، وأقبل على والده بكل سرور وارتياح، وبشاشة؛ ففي هذا مزيد برٍّ وإحسان، وإسعادٍ للوالد.
ومن البر الجميل في حال الكبر البرُّ بالهدية ؛ سواء كان الوالد فقيراً أو غنياً؛ فالهدية تفرح النفس، وتدخل السرور على القلب، وبعض الأولاد لا يخطر بباله ذلك المعنى؛ فتمضي السنون، والمواسم، بل والأعمار ببعض الأولاد دون أن يُفَكِّر في تقديم هدية لوالده.
وربما سافر الولد بعيداً أو كان في مكان بعيد عن والديه، فإذا همَّ بالقدوم إليهما لم يفكر بتقديم أيِّ شيءٍ لهما.
وهذا نوعُ جفاء وتقصير وغفلة؛ فيحسن بالولد أن يقدم لوالديه الهدايا بين الفينة والأخرى سواء في الأعياد، أو المناسبات، أو حال القدوم من سفر، أو حال الشعور بتكدر خاطر الوالد.
وكل ذلك بحسب الحال، والاستطاعة؛ فالهدية بمعناها ولو كانت عوداً من أراك، ولكن لا ينبغي لذي المال والمكانة أن تكون هديته كهدية من هو أقلُّ منه في ذلك.
ويحسن في هذا الشأن وفي بعض الأحيان أن يزيد الولد في الهدية؛ فإذا اختار لوالده قماشاً، أو طيباً، أو حذاءاً، أو أي شيء مما يناسب حال الوالد زاد في ذلك، وقال لوالده: هذه لك، وهذا لمن تحب من إخوانك، أو أقاربك، أو أصدقائك؛ فتكون الفرحة للوالد مضاعفة.
و لا ريب أن ذلك نوعٌ شريفٌ من أنواع البر الحاضر في أذهان مَنْ ذُلِّلت لهم سُبُلُ المكارمِ تذليلاً.
وأعرف من الناس من إذا سافر لم يرجع من سفره إلا بهدايا لوالديه على النحو الذي ذكر، ويقول أحدهم: إنني إذا سافرت ولم أحضر لوالدتي هدايا أكاد أتوارى خجلاً من نفسي ومنها، وإذا أحضرت الهدايا لها أتمنى أن تطوى لي الأرضُ؛ لأصلَ إليها، وأقدمَ لها ما أحضرته.
ومن جميل البر أن لا تحققَ مع والدك في ما تعطيه خصوصاً إذا كان عاقلاً رشيداً، فلا يَحْسُنَ أن تسألَه: ماذا أنفقت منه، ولماذا أعطيت فلاناً؟ أو أن تقول له: أمسك على المال الذي أعطيك إياه، أو أن تحذره من إعطاء الأطفال والمساكين؛ فهذه حال مَنْ لا يعرف لذة العطاء، ولم يعلم أن آخر ما توصلت إليه فلسفة الأخلاق أن اللذة الحقيقة إنما هي في العطاء دون الأخذ.
فكرام الناس يتمتعون بالعطاء دون الأخذ، فلا يحسن بالولد أن يحرم والديه من هذه اللذة.
ومن جميل البر بالوالد حال الكبر: تحمل جفوته، وعتابه، وأنينه، وشكواه، وكثرة ترداده للقصص.
ومن ذلك تحمل بعض أصحابه الذين يأنس به ويحبهم، وإن كانوا لا يعجبون الولد.
ومن ذلك: السفر بالوالد، والذهاب به إلى من يريد من أصحابه الأوائل.
ومن ذلك اصطحاب الأم إذا أرادت أن تتصدق على بعض صويحباتها، أو بعض الفقراء؛ فإن في ذلك لذة، وفرحة، ونشاطاً، وإخراجاً لها من وَحْدتها.
ومن جميل البر في حال الكبر للوالد أن يعرف كلُّ واحدٍ من الأولاد ما يناسبه من بر والديه؛ إذ الأولاد يتفاوتون في ذلك؛ فمنهم من يحب ممازحة والديه، وهما يرغبان في ذلك، فيحسن به أن يحتسب هذا النوع من البر الذي يليق بحاله.
وبعضهم قد يكون ذا تجارة تقتضي أن يكون بعيداً عن والديه في أغلب الأحيان،أو قد يكون ذا عمل خارج المكان الذي يقطن فيه والده؛ فيكون بره بالاتصال بوالديه، وتشجيع إخوانه القريبين من والديه على ما يقومون به من بر الوالدين.
وبعض الأولاد قد يكون قليل ذات اليد، ولا يستطيع البر إلا بالخدمة؛ فذلك نوع من البر.
وبعضهم قد يكون ذا مالٍ وفيْر؛ فيليق به من البر ما لا يليق بغيره من ذوي الفقر والفاقة؛ فالصورة تتكامل، والواجب يقضى إذا تعاونوا في البر.
على أن مِنَ الناس مَنْ قد يفتح عليه في أبواب كثيرة من أبواب البر، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
ومن صور البر الجميلة الخفية التي يراعيها الكرام من الأولاد أن بعض الوالدين في حال الكبر قد يأنس بالأمر أو الجلوس إلى بعض أبنائه أو بناته؛ إما لأنه لا يستحيي منه، أو لأنه يخجل من أمر البقية، أو أنه اعتاد على ذلك الولد، أو لأن ذلك الولد يعرف إشارات والده أكثر من غيره، أو نحو ذلك من الاعتبارات الأخرى؛ فإذا كان الأولاد على درجة من العقل، والبر، والصلاح قَدَروا هذا الأمر قَدْرَهُ، ولم يَعُدُّوا ذلك تفرقةً بين الأولاد، أو ميلاً لأحدهم دونهم، وإنما قالوا بلسان الحال أو المقال: كلُّ ما يسعد والدينا هو سعادة لنا، ولم يشعروا بحسد أو غضاضة تجاه الذي يأنس الوالدان بخدمته لهما، بل يَعدُّون ذلك تكليفاً له، وإراحة لهم، فيقومون بشكره، وتشجيعه، ومَدِّه بالمال إن كان محتاجاً.
ومن صور البر الخفية الجميلة شيوع روح الإيثار من قبل الأولاد تجاه برهم بوالديهم؛ فيتنافسوا في البر تنافساً شريفاً، ويتعاونوا في ذلك تعاوناً محموداً يفي بالمطلوب، ويرفع الحرج دون منة أو تباطؤ، أو لومٍ للمقصر، بل يكون العذر قائماً بينهم في ذلك .
ومن الصور العالية التي لا تتأتَّى لكل أحد مراعاةُ الوالد إذا كان له أكثر من زوجة وذلك بإصلاح الحال، والحرص الشديد على البعد عن كل ما يثير العداوة، بل والحرص على مزيد من الرابطة، والقربى؛ فذلك من أعظم ما يسعد الأب، وإذا سعد الأب عاد أثر تلك السعادة على أمهات الأولاد جميعاً، بخلاف ما إذا تكدر فإنهم جميعاً ربما يصطلون بتلك النار.
ومما يدخل في قبيل ذلك أن يكون بعض الأولاد صغيراً ويحتاج إلى رعاية أو منحرفاً عن سواء السبيل ويحتاج إلى تقويمٍ لعوجه، أو أن يكون راغباً في الزواج وليس لديه ما يكفيه، أو أن يكون مريضاً ويحتاج إلى علاج ومتابعة وهكذا.
ولا ريب أن تلك الأحوال وما شاكلها تكدر صفو الوالد، خصوصاً في حال كبره، وقلة حيلته في التعامل معها، وإيجاد الحلول لها؛ فمن البرِّ بِه _ والحالة هذه _ أن يقوم المستطيع من الأولاد بذلك الواجب، ويتولى _ قدر استطاعته _ سد تلك الحاجة؛ فلا ريب أن ذلك مما يشرح صدر الوالد، ويجعل فرحته مضاعفة؛ حيث يفرح ببر ذلك الولد المحسن، ويفرح بصلاح أحوال أولئك الذين يحتاجون للملاحظة، والرعاية.
ومن البر في ذلك الشأن أن إذا كان الوالد كريماً مضيافاً، ثم كبر في السن، وصار عاجزاً عن القيام بشأن أضيافه _ ألا يقطع الأولاد تلك العادة عن أبيهم، وذلك بالقيام بإعداد الطعام، وتهيئة المجلس، وحسن الاستقبال للقادمين؛ بحيث يكون الوالد لا شأن له إلا التبسط للأضياف، ومؤانستهم بالحديث؛ فتلك _ كسابقتها _ فرحة مضافعة؛ فرحة بالأضياف، وفرحة بالأولاد الذين يراهم على تلك الحالة التي تسر الكرام من الناس.
أما من كان عاطلاً عن المروءات فلا تكاد تحس له وجبةً، ولا تسمع له ركزاً.
ومن ذلك أن الوالد في حال كبره قد يحن إلى مرابعه الأولى بين الفينة والأخرى؛ وقد لا يتسنى له الذهاب إليها؛ فقد تكون بعيدة عنه، أو قد لا يرغب في تكليف أحد أولاده بذلك؛ فمن البر أن يبادر الولد إلى تلبية هذه الرغبة وتعاهد والده فيها.
وحبَّب أوطانَ الرجال إليهمُ@ مآربُ قضَّاها الشباب هنالِكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكَّرتهمُ@ عهودَ الصبا فيها فحنوا لِذلكا
هذا وقد أرانا العيان _ ولله الحمد _ أولاداً أبراراً جعلوا من برهم لوالديهم ذريعة للسعادة، والهناء، والعيش بطمأنينة وسلام.
فهذا شيء مما أوحت به تلك الآية الكريمة: [إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً].