كيف تُقرأ التراجم؟




ليس كل قارئ للتراجم يستفيد منها الاستفادة المطلوبة، وإنما يكون هذا لمن صنع التالي، والله أعلم:
أولاً: إرادة التغيير:
لابد للقارئ للتراجم أن ينوي أن يستفيد مما فيها، وأن يغير من نفسه بما تحويه من أخبار جليلة وتفاصيل رائعة، فإنه إن لم تتوجه إرادته ونيته لهذا فلا غَرْوَ أن تمر عليه الترجمة كأنه لم يقرأها، وليكثر من تأمل جلال تلك التراجم، وروعتها حتى يقارن حاله بحالها، ويبكي على نفسه وتقصيرها، وضعفها.
ثانياً: الصبر:
قراءة التراجم تحتاج إلى صبر وطول نَفَس حتى يستفاد منها، خاصة التراجمَ الطويلة التي تبلغ مائة وخمسين فأكثر، وتعويد النفس على قراءة ترجمة طويلة كل أسبوع مثلاً والصبر عليها مفيد للغاية، إن شاء الله تعالى.
ثالثاً: التخيّر:
لابد لمبتدئ القراءة في كتب التراجم أن يتخير الكتب السهلة السلسة، وألا يتوجه للمطولات المخيفات للمبتدئين. ولابد له أن يتخيرَ من التراجم ما يصاحبها التشويق، وما يكثر فيها القصص والأخبار إلى أن تصبح القراءة في كتب التراجم عليه سهلة، ثم له بعد ذلك أن يقرأ ما يشاء، وهذه القصص والأخبار المشوقة تكثر في تراجم السلف خاصة.
رابعاً: الحذر من تراجم أهل الضلال:
ليحذر المبتدئ في قراءة كتب التراجم، الآخذ في الغوص في مطولاتها، والباحث عن دررها ولآلئها، ليحذر كل الحذر من تراجم المضلين من أمثل أهل الحلول والاتحاد، أو الصوفية المنحرفة الشاطحة، أو الروافض الضُّلال، أو المعتزلة، أو الخوارج، أو الدهريّة الملحدين، أو الفلاسفة المضلين - ويُعرفون بالحكماء في كتب التراجم القديمة - فإنه إن صنع ذلك فلا يأمن على نفسه من التأثر بضلالهم، والضلال بشبهاتهم، والإعجاب برياضاتهم ومجاهداتهم البدعية، خاصة إن لم يكن من أهل العلم الشرعي؛ أو لم يعرف القواعد الشرعية، والضوابط الحُكمية، والمزالق الحِكْمية، ولم يدرس المزالق العقدية لتلك الفرق الرديّة، والمذاهب الكفريّة، أو البدعيّة، فحذارِ حذارِ من قراءة تلك التراجم من قِبَل مَن لم يعرف الحق من الباطل، والله المستعان.
خامساً: عدم الافتتان بها:
ينبغي الحذر عند قراءة التراجم من الافتتان بها، والفتنة بالتراجم ممثلة في الآتي:
1- الانبهار بالقدوات الكبار.
2- عدم الفهم أو ضعفه لبعض جوانب الشخصية المترجم لها: وهذا داء وبيل، يؤدي إلى مهاجمة تلك الشخصية ومناصبتها العداء لا لشيء إلا لأن القارئ لم يفهم جوانب معينة من حياة الشخصية التي يقرأ ترجمتها، ومن هنا ينبغي على من وقف على شيء لم يفهمه أن يتأنى ويتروى قبل أن يلج في مضايق الهجوم والتشهير بالباطل، ومثل ذلك.
3- نسبة الإنجاز إلى الشخصية المترجم لها وحدها فقط: وهذا أمر يقع كثيراً، خاصة في تراجم الشخصيات الجهادية كصلاح الدين الأيوبي، على سبيل المثال؛ فالمسلمون اليوم متعلقون بسيرة صلاح الدين تعلقاً غريباً لم يكن على هذا الوجه لدى أسلافهم ممن فهموا السنن، وعرفوا أن البطل لا يظهر منفرداً عن مجتمعه الذي عاش فيه بل هو نتاج عوامل عديدة أظهرته وأبرزته، والمجتمع الذي عاش فيه صلاح الدين هو الذي دفعه وساعده على تحقيق الانتصارات؟! تضافر عوامل عديدة في تحقيق الانتصار، بل يكفي أنه كان القائد الذي حقق آمال المجتمع الذي صقل مواهبه، وارتقى بقدراته، وهذّب من نفسه حتى صار البطلَ الذي يتغنى الجيل اليوم باسمه، ويسأل الله تعالى - أن يرزق الأمة صلاح دين آخر، إذاً الأمر ينبغي أن يكون وسطاً بين طرفين، وقصداً بين ملكين. ملك التعظيم الشديد لشخص القائد ونسيان كل العوامل الأخرى التي ساهمت بقوة في الدفع به لتحقيق النصر، وملك التهوين من شأن القائد والتقليل من صنيعه.
«يذكر بعض المؤرخين أن الفرد مهما كان من التفوق والبطولة فهو وليد بيئته الاجتماعية، ويعبر عنها تعبيراً مباشراً، والفرد لا يستطيع أن يكون ذا أثر خطير في حياته الاجتماعية، إلا بأن تلتقي إرادته وأهدافه بإرادة وأهداف المجتمع وتتفاعل الإرادتان في اتجاه واحد ونحو غاية واحدة، ورغم ذلك لا نقلل من شأن القائد؛ لأن ما يقوم به من أعمال هي تحقيق لطموح مجتمعه الذي عاش فيه».
وقال الأستاذ د. عماد الدين خليل: «معظم الدراسات التي تعاملت مع التاريخ الإسلامي انصبت اهتماماتها بالدرجة الأساس على الجوانب السياسية والعسكرية، وأهملت الجانب الاجتماعي، وقد دفعها هذا في كثير من الأحيان إلى تأكيد أثر البطل الفَرْد في التاريخ وتضخيم مساحته على حساب الجماعة».
وزيادة في الإيضاح قال الأستاذ: «الدراسات التي تناولت حياة صلاح الدين الأيوبي اتبعت منهج التاريخ الفردي الذي يركز على شخص القائد وجهوده في مواجهة التحدي الصليبي، دون أن تبرز الطابع الجماعي للنخبة والأمة في الإعداد والجهاد، كما أن هذا المنهج لا ينتبه للجهود الجماعية التي سبقت نور الدين محمود وصلاح الدين الأيوبي وأخرجت جيلهما، ولا يقدم حلقات الحديث التاريخي وافية متكاملة، ولا يحيط بقوانين التغيير التي يوُجّه إليها القارئ الكريم بل يُبقي التاريخ يدور في فلك الأشخاص العباقرة لا في فلك الأفكار الصحيحة، والله - حسب هذا المنهج - يغير ما بقوم من أحوال سيئة إذا تغيرت أشخاص القيادة فيهم وليس إذا غيروا ما بأنفسهم من معتقدات وتصورات وقيم وتقاليد وعادات، ومن الطبيعي أن الإسهام التربويّ الذي توفره هذه الدراسات سيقتصر على إمداد القائد الفرد بما يستلهم به روح المسؤولية والنهوض بعبئها وحده، ويجعل الأمة تنتظر ظهور قائد من مثل نور الدين محمود أو صلاح الدين الأيوبي».

د. محمد بن موسى الشريف

المصدر: ظƒظٹظپ طھظڈظ‚ط±ط£ ط§ظ„طھط±ط§ط¬ظ…طں