التوافق الايقاعي بين العلم والقران
نايف عبوش
من الملاحظ ان القران الكريم قد ارسى قاعدة قويمة لتعامل الانسان مع حقائق الحياة، والظواهر الكونية، وما وراءها من حقائق خارج مدركاته، فحقق بهذا المنهج السديد جوا من القوامة التي تحقق للإنسان المتساوق معها الحياة الافضل على قاعدة(ان هذا القران يهدي للتي هي اقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات ان لهم اجرا حسنا).
وفي ظل هذا الهدي الإلهي، تمكن الجيل النبوي من الصحابة، والتابعين، ومن تلاهم، ممن استوعبوا النهج الرباني على مراداته الحقيقية، من بناء حضارة إنسانية زاهرة، تخطت ذاتها في المكان والقيم، لتشع بالعطاء والنور على العالمين، حيث لا تزال بصماتها، حتى بعد أن أخذت بالتراجع عن الدور، بعد أن دبت فيها عوامل الضعف والانحلال، تحمل في طياتها خميرة الهام التحضر المعاصر، في الكثير من إرهاصات انجازاته العلمية، والفلسفية، والفنية.
وعندما تليف العقل العربي المسلم في وقت لاحق، وتوقف عن العطاء، وعجز عن مسايرة التمدن، وصناعة التقدم، وحاصرته العولمة بعاصفتها الهوجاء، بما تمتلكه من عناصر التأثير، في فضاء مفتوح بكل الاتجاهات، نشأ تصور زائف لدى الكثير من النخب بتأثير الاغتراب، بأن الدين الإسلامي رجعي، ولا يناسب العصر، ولا يفتح الأفاق أمام عقل الإنسان لتطوير علومه، وتنمية قدراته التقنية، متناسية أن دين الإسلام، هو الذي حول العرب من مجرد قبائل تغط في الجهل والوثنية، تعيش على هامش الحضارة، إلى أمة متنورة، قادت العالم، وأسعدت البشرية لقرون طويلة.
ولعل من يتلو القرآن الكريم بتدبر، يلاحظ أن لفظة (العلم) وردت فيه أكثر من مرة، للدلالة على النسك التعبدية، والمعاني الدينية، التي نزلت على النبي محمد - - من السماء، باعتباره دين هداية للناس بالدرجة الأولى إضافة إلى دلالتها على القوانين المركزية التي تحكم الظواهر الكونية، حيث يتعايش (العلم) و(الدين)معا في لغة الخطاب القرآني، بألفة متجانسة، لا تقبل التناقض، كما قد يتوهم البعض من النخب المهووسة ممن اصيب بعمى الاستلاب، والانبهار بمعطيات الحضارة المعاصرة، وبما أبدعته من منجزات علمية وتكنولوجية.ولا جرم أن هذا التوافق الإيقاعي بين القران الكريم والعلم، هو ناموس رباني محكم، يراعي حاجة الإنسان الملحة للتوازن بين الروح والمادة، ويكبح جماح النزق المهووس، لترجيح عنصر المادة، تحت وطأة قصور عقل الإنسان عن استيعاب ما وراء المحسوس، بما يفسح المجال للعلم والعقل، بتجاوز حدود طاقتهما، فيقعا في خطأ الحكم بإقحام كل التصورات، لضوابط العلم التجريبي وحسب خلافا لقاعدة (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا)، فيقع عندذاك خلل التناقض،حيث(انها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور).
وبذلك النهج القراني الرشيد، استجاب الإسلام بتوازن تام، إلى متطلبات سعادة الإنسان ببعديها المادي العلمي المحض، والمعنوي العقدي الديني، على حد سواء، وإذا كان القران في جانب اعجازه العلمي ، الذي تضمنته الكثير من نصوصه الصريحة، والأحاديث النبوية الصحيحة، قد أشار إلى حقائق علمية، لم تكن معروفة للناس وقت نزول القرآن، بسبب عدم تطور الأدوات العلمية يوم ذاك، وكشفت العلوم الحديثة، ومن خلال تطور التقنيات، وأدوات البحث العلمي، وتراكم الخبرة، والمعرفة الإنسانية، بالصورة التي هي عليها اليوم، صحتها، وأثبتت تطابق حقائق القران ، مع النتائج العلمية الحديثة، التي توصلت إليها، فلا جرم أن ذلك التوافق، مقصود قطعاً في مرادات القران، وليس محض صدفة،ويأتي مصداقاً لقول الله تعالى: ( ويرى الذين أُوتوا العلم الذي أُنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد)، في سياق تراتبية جدلية صارمة، لا انفصام لها، تجعل العلم وسيلة مضافة، للهداية إلى صراط الله العزيز الحميد، وإذا كان القران قد أحاط بالكليات الغيبية، وألمح إلى الحقائق العلمية بإشارات معجزة، فلا شك انه قد ترك للعقل الإنساني حرية التفكير في الكون، وما خلق الله - تعالى -فيه من عوالم، ليتأملها بعناية،ويتفحصها بدقة، ويبحث فيها بعمق، ويكتشف تلك الحقائق، وفقا لمستوى تمكنه العلمي، وبالتالي العمل على تسخيرها لاستخداماته الحياتية، وفقا للناموس المركزي الإلهي (هو الذي سخر لكم ما في الأرض جميعا)، إضافة إلى ما تضيفه له تلك الاستكشافات العلمية، من أدوات محسوسة للتيقن، وتعميق الإيمان بحقيقة توافق الوجود الإنساني، وارتباطه بآفاق الكون، ابتداء من ذاته الإنسانية (فلينظر الإنسان مم خلق)، وانتهاء بآفاق الكون(سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم انه الحق). ومن هنا نلاحظ أن القران قد فضل المتعلمين على غير المتعلمين في سياق اعمال النظر والبحث في الظواهر الكونية (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون)، في إشارة واضحة لتحقيق هذا الغرض السامي من توافق العلم مع نهج القران،وهو ما اثبتته الاكتشافات العلمية المعاصرة بشكل قاطع.
وحيث ليس هناك ثمة تناقض بين العلم والقران على طول الخط، فلا شك ان هذه الحقيقة انما تدفع المسلم ليعبد الله على علم بيقين مطلق،وترسخ ايمانه بالغيب،وتحصنه في نفس الوقت من سلبيات التوهم بقدرة العلم بمفرده على الاحاطة الشاملة بكل حقائق الوجود.