إننا لنجد القرآن بعد عرض كل قضية قرآنية في تصحيح العقائد او إبطال الأديان الباطلة ، او التعريف بالآخرة أو برحمة الله ونعمته السابغة ينتقل عموديا-لو صح التعبير- إلى الكون وقوانينه وسننه، أو أفقيا أو إلى عالم الأرض والإنسان، والنحل (هذا الطائر الجميل) هو (مثال) لهذا المشهد (القريب)
هناك خطة، لو صح التعبير، هناك حكمة من وراء السرد والعرض، هناك ارتباط خفي وجلي بين الآيات في السورة الواحدة، هناك ترابط مقصود بين الحجة والسنة الكونية، بين الأسباب وعلاقتها بالرب، وعلاقتها من جهة بالخلق والنماء البشري والحيواني والنباتي، كما ان هناك خطة ل تفكيك الباطل وهزه وخلخلته، تراها مبثوثة صورها وظلالها في الآيات والسور ثم ترى الوحي يدفعك دفعا خفيفا لطيفا لكن ملفتا الى ان تمد بصرك للكون وتجعله أمامك دوما لا تبهت صورته المدهشة في نفسك ولايضيع من إهتماماتك، بل هو أمام بصرك كلما رفعت رأسك أو في خيالك كلما آويت إلى مضجعك، لترى إعجاز الله الكوني الذي لايقدر عليه البشر المنكرون للحق، انه اذن مد بصر الإنسان للكون ورجوعه إلى النفس والجسد، وأسراره وآياته، كما يلي ذلك -في السورة- بيان تنزيل للرحمة أو الإشعار بها ، وصلة ذلك بالتحريض على الجدال بالحسنى او التؤدة في البيان وعدم الاستعجال، فليس لك من الأمر شيء، إنما هي دعوة أمرها إلى الله كما أنها منه، وماعليك الا الصبر عليها، ثم إعلم أن الله مع المؤمنين (وفي سورة النحل: وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ )
.والسؤال الآن هل نتبع نحن طريقة القرآن في الدعوة، في الخطبة، في الحوار، في النظر للكون!؟

تبدأ سورة النحل بتنزيه الله عن النقائص والمعايب والشرك، بعد التذكير بأمر الله الآتي، ثم تعرض بعد ذلك مباشرة خلق السموات والأرض ثم الإنسان والأنعام "خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (3) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (4) وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (7) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ"
قال صاحب الظلال:" يأخذ في عرض الآيات . آيات الخلق الدالة على وحدانية الخالق ; وآيات النعمة الدالة على وحدانية المنعم ; يعرضها فوجا فوجا , ومجموعة مجموعة . بادئا بخلق السماوات والأرض وخلق الإنسان .(خلق السماوات والأرض بالحق , تعالى عما يشركون . خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين).
(خلق السماوات والأرض بالحق). . الحق قوام خلقهما , والحق قوام تدبيرهما , والحق عنصر أصيل في تصريفهما وتصريف من فيهما وما فيهما . فما شيء من ذلك كله عبث ولاجزاف . إنما كل شيء قائم على الحق ومتلبس به ومفض له وصائر في النهاية إليه . . (تعالى عما يشركون). . تعالى عن شركهم , وتعالى عما يشركون به من خلق الله الذي خلق السماوات والأرض , وخلق من فيهما وما فيهما , فليس أحد وليس شيء شريكا له وهو الخالق الواحد بلا شريك .
(خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين) ويا لها من نقلة ضخمة بين المبدأ والمصير . بين النطفة الساذجة والإنسان المخاصم المجادل الذي يخاصم خالقه فيكفر به ويجادل في وجوده أو في وحدانيته . وليس بين مبدئه من نطفة وصيرورته إلى الجدل والخصومة فارق ولا مهلة . فهكذا يصوره التعبير , ويختصر المسافة بين المبدأ والمصير , لتبدو المفارقة كاملة , والنقلة بعيدة , ويقف الإنسان بين مشهدين وعهدين متواجهين:مشهد النطفة المهينة الساذجة , ومشهد الإنسان الخصيم المبين . . وهو إيجاز مقصود في التصوير" .
و(خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ ) أمر من لطائف خلق الله (وقد كانت النطقة وماورد من مراحل خلق الجنين مما لايعلمونه في وقتهم بالطرق العلمية(خصوصا أن السورة مكية وتنزلت على قوم لايعرفون كثيرا من أسباب العلوم والحضارة) فكان التنبيه عليها هنا تنبه على الخفي من لطائف صنع الله، وإفتتاح القرآن لمنهج العلم الإسلامي القادم في مجال الحياة والإنسان والكون، وصلة ذلك بخلق مالاعلم لنا به أو النفاذ إلى ماسمح الله به بعد أن أعطى جملة من مفاتيحه في كتابه المجيد، وصلة ذلك بلطف تنزيل المعرفة الجديدة، بلطف التنزيل للوحي وصلة ذلك في السورة المكية نفسها(النحل) بالإنزال للمطر،للإحياء او غير ذلك من تيسير السبل ووضع العلامات في البحر والبر والجو (السماء)، وارتباط ذلك بسبيل الله نفسه،"وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ" من هنا جاء الكلام عن الطرق وتمهيدها ، والسبل وتيسيرها، ثم ركوب الخيل والحمير، وبمناسبة الطرق ومايوصلنا عن طريقها الى مقاصدنا في الأسفار وغيرها، يقدم القرآن لفتة عجيبة تتعلق بالطرق والسبل (وسيأتي بيان :سبل النحل، وهدايته العجيبة اللطيفة لذلك، وهو ماينبه على العلاقة اللطيفة الجليلة بين الله وابداعه في عالم المخلوقات، اللطيقة ،والغليظة لو صح التعبير(الأسود، النمور.. الضبع ،الحوت) وعلاقة ذلك الترميز وضرب المثل والعرض اللطيف الموحي بالوحي ومساره ومسيره ولطفه ومعنى لفظه وجرسه!!)، قال صاحب الظلال:" وفي معرض النقل والحمل والركوب والسير لبلوغ غايات محسوسة في عالم الأرض , يدخل السياق غايات معنوية وسيرا معنويا وطرقا معنوية . فثمة الطريق إلى الله . وهو طريق قاصد مستقيم لا يلتوي ولا يتجاوز الغاية . وثمة طرق أخرى لا توصل ولا تهدي . فاما الطريق إلى الله فقد كتب على نفسه كشفها وبيانها:بآياته في الكون وبرسله إلى الناس: (وعلى الله قصد السبيل . ومنها جائر . ولو شاء لهداكم أجمعين). .والسبييل القاصد هو الطريق المستقيم الذي لا يلتوي كأنه يقصد قصدا إلى غايته فلايحيد عنها . والسبيل الجائر هو السبيل المنحرف المجاوز للغاية لا يوصل إليها , أو لايقف عندها !"
: (يخلق مالاتعلمون) ، ومن ذلك : مايحمل الإنسان أو يطير به في أسفاره وحركته التجارية ،وهو شبيه بالمنة بالسفن والبحر والنهر والمحيط!!، وكأنها ، الجملة الكثيفة المعاني ، (يخلق مالاتعلمون) هي إشارة إلى الطائرات الحاملات ملايين من الخلائق يوميا، بوقار اصطناعي ، في السماء مثلا أو الجاريات يسرا ، التي تجري في حبك السماء ، وطرقها، والتي تقود الناس إلى مصالحهم في جميع انحاء الأرض، كالسيارات تجري على الأرض تسهيلا للأسفار (ولافرق بين هداية الله للكواكب والسيارات السماوية وهدايته للإنسان للطائرات والسيارات والفلك في البحر!) ، وفي سورة الذاريات المكية" وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (1) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (2) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (3) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (4) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (5) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (6) وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (7) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (8) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (9) قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (10) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ" ثم والعجيب التعقيب، بعد كلمة(يخلق مالاتعلمون) بالفلك والمراكب البحرية، (في هذا السياق، أي وكأن هناك ترابط بين المعروف والمشهور والمعتاد: الخيل والبغال والحمير... والسفن أو الفلك، وبين مالم يعلموه في وقتهم من خلق الله الآتي، والمرتبط بالطرق والسبل) وأما الفلك فهي التي تسير على الماء، مذللة ، (والبحر مذلل ومسخر وفيه العلم والآيات العلمية العجيبة(اللطيفة الخفية، الحاملة للخير والناس والتجارة) كلها مجانا للإنسان، نعم ثم الفلك للسير في الأرض للمنافع، ثم الجبال والأنهار والسبل مرة أخرى، وعلاقة النجوم بالأسفار
قال صاحب الظلال: "...(ويخلق ما لا تعلمون). . يعقب بها على خلق الأنعام للأكل والحمل والجمال , وخلقالخيل والبغال والحمير للركوب والزينة . . ليظل المجال مفتوحا في التصور البشري لتقبل أنماط جديدة من أدوات الحمل والنقل والركوب والزينة , فلا يغلق تصورهم خارج حدود البيئة , وخارج حدود الزمان الذي يظلهم . فوراء الموجود في كل مكان وزمان صور أخرى , يريد الله للناس أن يتوقعوها فيتسع تصورهم وإدراكهم , ويريد لهم أن يأنسوا بها حين توجد أو حين تكشف فلا يعادوها ولا يجمدوا دون استخدامها والانتفاع بها .ولايقولوا :إنما استخدم آباؤنا الأنعام والخيل والبغال والحمير فلا نستخدم سواها .وإنما نص القرآن على هذه الأصناف فلا نستخدم ما عداها ! .إن الإسلام عقيدة مفتوحة مرنة قابلة لاستقبال طاقات الحياة كلها , ومقدرات الحياةكلها ومن ثم يهيء القرآن الأذهان والقلوب لاستقبال كل ما تتمخض عنه القدرة ,ويتمخض عنه العلم , ويتمخض عنه المستقبل . استقباله بالوجدان الديني المتفتح المستعد لتلقي كل جديد في عجائب الخلق والعلم والحياة"، وأُضيف: أن القرآن نفسه هو الذي فتح الطريق إلى هذه المعرفة والوصول إلى تحققها في عالم الواقع!
فلاشك ان نعم السير في الأرض وفتوحات الله للإنسان، بالمعرفة والهداية إلى الفعل والإكتشاف ،(الأمور التي مهد لها القرآن ووضع نرتها الكلية ورؤيتها الشاملة العلمية والعقلية) هي من ( النعم غير المفكر فيها دهريا وعلمانيا)، ثم الكلام عن معرفة الله بالأسرار (الكلام الخفي أو المخفي، وصلة ذلك بالكلام عن الوحي الخفي كما يسمى، وسيأتي الكلام عن الوحي ولطف التنزيل، والمطر وتنزيله والإحياء اللطيف للثمار ومافي الأرض جميعاّ، "هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (10) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (11) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (12) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (13) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (14) وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (15) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ "
قال صاحب الظلال تعليقا على قوله تعالى :" أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (17) وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (18) وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (19) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (20) أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاء وَمَايَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (21)
:وفي مقابل الجبال الرواسي يوجه النظر إلى الأنهار الجواري , والسبل السوالك .والأنهار ذات علاقة طبيعية في المشهد بالجبال , ففي الجبال في الغالب تكون منابع الأنهار ; حيث مساقط الأمطار . والسبل ذات علاقة بالجبال والأنهار . وذات علاقة كذلك بجو الأنعام والأحمال والانتقال . وإلى جوار ذلك معالم الطرق التي يهتدي بهاالسالكون في الأرض من جبال ومرتفعات ومنفرجات , وفي السماء من النجم الذي يهدي السالكين في البر والبحر سواء .الدرس الثالث:17 - 21 الله الخالق المنعم وعجز المعبودين من دونه عن أي شيء
وعندما ينتهي استعراض آيات الخلق , وآيات النعمة , وآيات التدبير في هذا المقطع من السورة يعقب السياق عليه بما سيق هذا الاستعراض من أجله . فقد ساقه في صدد قضيةالتعريف بالله سبحانه وتوحيده وتنزيهه عما يشركون:(أفمن يخلق كمن لا يخلق ? أفلا تذكرون ? وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم . والله يعلم ما تسرون وما تعلنون , والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون , أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون). .وهو تعقيب يجيء في أوانه , والنفس متهيئة للإقرار بمضمونه: (أفمن يخلق كمن لايخلق ?). . فهل هنالك إلا جواب واحد:لا . وكلا: أفيجوز أن يسوي إنسان في حسه وتقديره . . بين من يخلق ذلك الخلق كله , ومن لا يخلق لا كبيرا ولا صغيرا ? (أفلاتذكرون) فما يحتاج الأمر إلى أكثر من التذكر , فيتضح الأمر ويتجلى اليقين" .
ثم يأتي الكلام عن الموتى والإحياء ثم الكلام عن إنكار الآخرة (الرجوع إلى الله) وتعلق ذلك الإنكار بالقلوب المنكرة ، والكلام عن الصد عن سبيل الله، وأن الله يمكر بالكافرين ويخزيهم، ثم موقف التقي المناقض لموقف المنكر للحقائق، والجزاء والتوفي للمؤمن والكافر ومايحدث لهما، وذكر الملائكة، وعدل الله في الجميع،(فكتابة الإعمال لها عمال عند الله وهم الملائكة، ولاتنسى صرير أقلام الملائكة في حادثة الإسراء،ثم الكلام عن الإستهزاء وأن عاقبته وخيمة، ثم احتجاج الكفار السفلة بالمشيئة احتجاج المبطل المتعدي وبيان بلاغ الرسل للعقائد والأوامر، والحقائق، ثم عقاب المكذبين لكل ذلك من السنن والآيات إلى الحقائق المنزلات، وفيها العلم والحكمة والخير، وأن الله لايهدي من يضل ولا من يكذب، تلك الأكاذيب الشنيعة المضرة المضلة المفسدة للحياة، وأثناء ذلك ، أو في ثنايا ذلك قال " أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ " ثم علاقة (كن فيكون) بحماية المهاجرين المضطهدين، فاللطيف الخبير الصانع لعجائب الكون ينصر أهل دينه الموحدين، ثم صلة الرسالة العلمية الإيمانية، الربانية القيومية، ، وهي كلام الله، وعلاقة ذلك بالبشرية، وإنزال الذكر للتفكر والتبين، وأن مكر السيئات لاينفع، وعلاقة ذلك بلطائف الله في خلقه ،وعلاقة ذلك بالظلال والأشجار والسموات والأرض (وهنا رجوع بالإنسان للتفكر والنظر في الكون ومخلوقات الله البديعة) ثم إنكار الشرك، والتذكير بالنعمة وعلاقة الإنسان بالنعم ، و التنفير من تشريع الناس لأنفسهم بالباطل لأنفسهم ومثال التقاليد (التشريع العرفي الباطل!) في كراهية ولادة الأنثى، وأن هذا من جملة الظلم في التصور والفعل، ظلم للمرأة ، ومثله التشريعات التي تدفن المرأة في ظلمات الكفر والشهوات القاتلة للنفس والكرامة الإنسانية (الدعارة، نموذجا)وهو مثال عن كيف (تصف السنتهم الكذب) رغم ذلك العدل والعلم والحكمة في الكون المخلوق، وصلة التشريعات الباطلة الظالمة بالتعالي على الناس وتزيين الشيطان لأعمالهم، "وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ" والتعقيب على ذلك ببيان الكتاب وإنزاله، والعدل وحكمه وهو القائل في نفس السورة (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) وفي السورة أيضا ( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) ثم التعقيب المباشر بإنزال المطر !!، والتذكير بالأنعام والفواكه وعلاقتها ولاشك بالمطر المحيي لذلك كله، ثم تفسير عنوان السورة ، وشرحه : وبديع صنع الله فيه، ثم لطف خلق الإنسان والتفكر في إنكساره وتنكسه او الرد إلى أرذل العمر.
لطائف عجيبة ، من الكون إلى الإنسان، إلى النحل، وتنزيل الوحي وتنزيل المطر والعلاقة بينهما "وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (64) وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (65) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (66) وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (67) وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (70) وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (71) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ"
مرورا بتيسير الأسفار وعلاقتها بأمور يبذل فيها الإنسان طاقته لكن الله يمن عليه بإكتشافات وآيات، وقبل ذلك بسنن قابلة ومسيرة وخاضعة ومسخرة!، أما عن علاقة السلوك الحكيم للنحل واللطف المشترك بين هذا الوحي له وذاك الوحي، فهو للإحياء من الموات، والهداية والرحمة..ذلك التنزيل للوحي للحياة والإحياء،وهذا التنزيل(للمطر للحياة والأحياء!)، ذلك التيسير والتذليل، في البر والبحر ، تيسير السبل والطرق، بحرا وبرا وحتى جوا( ويخلق مالاتعلمون) وعجائب ذلك الدالة على لطف اللطيف الخبير وابداعه العجيب وليس له نظير ، كل هذه الأمور لطيفها وكثيفها مرتبطة بعلم الله وقدرته،ثم جعل الأزواج ومافيها من آيات وعجائب نفسية واجتماعية وانسانية وشهوية واقتصادية بل وسياسية(سياسة الأسرة) والرزق العام بالطيبات ثم محاججتهم ،بعد بيان ذلك العلم اللطيف المبثوث في جنيات الكون وحياة الإنسان ونماء الزرع والحيوان وعلاقة ذلك بالآيات الكونية والخلق والقصد الرباني،(والوحي والتنزيل!) بأنهم لم يخلقوا ذلك ولايقدرون عليه، ثم وهنا تأتي الحجة او المحاججة القاطعة : أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون، ثم ضرب سبحانه الأمثال الباطلة من الكفار، ثم سياق مثال رباني(أو مثالين) احدهما عن العبد الذي لايقدر على شيء وهو كل على مولاه والتنبيه بذلك على (الدعوة الهمامة إلى الله، والإهتمام بالإنسان والحياة ودفعهم للحق دفعا، برحمة ولطف، لكن بجد وهمة، حتى ترى آثار الحركة الخيرة للمسلم في الأرض، وهو ماقد كان بروائع حضارتنا)، ثم الله أخرجكم من بطون أمهاتكم لاتعلمون شيئا والطير المسخرات، آيات لقوم يرمنون، والبيوت والملابس الساترة التي تحمي من الحر او البرد، والأثاث والمتاع، والطلال والأكنان، وأن هذا من إتمام النعمة لعلهم يسلمون ، يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها، ثم السياق مناسب للتهديد بالعذاب، وإهانة الشرك والشركاء، وضلال الإفتراء يوم القيامة ثم التحذير من الصد عن سبيل الله والإفساد، وتنزيل الكتاب تبيان لكل شيء، فمن الآيات الكونية وعلاقتها بالحياة والأحياء،حتى التنزيل للكتاب، حتى تنزيل المطر للحياة والنعم رحمة، سبحان الله(تنزيل الكتاب وتنزيل المطر الذي يحيي الله به الزرع ويخرج به الحب والنوى وغير ذلك من الثمار، ثم وهذا كون الله وامره وابداعه، فلاتكونوا كالتي نقضت غزلها، دعوة لالتزام العقد والوفاء بالعهد مع الله ومع الناس، ثم بيان أن الأمر بيد الله، وأن الهداية من عند الله، وغير ذلك من شراء الباطل ولاتشتروا بعد الله ثمنا قليلا والجزاء للصالحين حياة طيبة ،والدعوة إلى قراءة القرآن والإستعاذة بالله، وأن من مع الله لايضيع، ثم التنزيل والنسخ والتدرج والتربية ، وأن ذلك كله سنن للتربية والتثبيت، ثم دفاع عن النبي وانه لم يعلمه بشر، وأن افتراء الكذب مرتبط بالكفر والجهل والعمى والتنكر من القلوب المنكرة، ثم التعريج على قضية الإكراه انشراح الصدر بالكفر ثم رحمة الله بمن هاجر في سبيل الله،(وللرحمة صور إيجابية في السورة نفسها، بحيث يشعر الإنسان بجلال الرحمة مع جلال الحكمة، والسورة كلها من أولها إلى آخرها ببيانها لآيات الله في الكون والحياة إنما تشعرك بالرحمة والخير "ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ " " ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ " " قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ " "فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ") ثم التحدث عن كل نفس، ثم عن القرى الظالمة مع انزال الله النعم عليها، وكفرهم برسولهم، فكفروا ونسوا النعم، ثم تشريع تحريم الميتة وماشابهها، ثم تشريعات الحرام والحلال البعيدة عن الله، وإحلال ذلك مكان شريعة الله، ثم الكلام عن الأنبياء إبراهيم وشكر النعمة، وكيف آتاه الله الخير في الدنيا والآخرة، وإعتداء يهود في السبت، ومرة آخرة الدعوة إلى الجدال بالتي هي أحس، أو العقاب بالمثل والصبر خير للصابرين ولايكون الصبر الا بالله، وأما المكر فأمره إلى الله، والله مع المحسنين المتقين