جاء في أحد المواقع التنصيرية:

ونعرف من الاناجيل الاربعه القائمه في المسيحيه حتى اليوم، وبشهادة التاريخ المسيحي كله، ان الانجيل الواحد دوّن بأربعة احرف او نصوص، الانجيل بحسب متى، الانجيل بحسب مرقس، الانجيل بحسب لوقا، الانجيل بحسب يوحنا، وبحسب لغة الحديث الاسلامي نترجم هذا الواقع بقولنا: نزل الانجيل على اربعة احرف"، باختلاف الالفاظ واتفاق المعاني. ولم يختلف فيها المسيحيون، ولم يقتتلوا عليها، مع ان كل واحد منها ظهر في مكان وفي زمان غير الاخرين. بل قبلوها جميعهم.

ولكن
بفارق تميزت به الأناجيل وهو أنه:
لم يكن المسيحيون بحاجه الى اتلاف حرف من تلك الحروف الاربعة للانجيل، لان الاحرف الاربعة رسوليه قدسيه موحى بها، فهي تتمتع بعصمة الوحي

وهذه
الدعوى قديمة، أجاب عنها الإمام ابن حزم بتفصيل، اختصاره:
كل
هذا لا متعلق لهم بشيء منه على ما نبين بما لا إشكال فيه على أحد من الناس، وبالله التوفيق:
- أما قولهم: إننا مختلفون في قراءة كتابنا، فبعضنا يزيد حروفاً وبعضنا يسقطها فليس هذا اختلافاً، بل هو اتفاق مِنَّا صحيح؛ لأن تلك الحروف وتلك القراءات كلها مبلَّغ بنقل الكوافِّ إلى رسول الله أنها نزلت كلها عليه، فأيُّ تلك القراءات قرأنا فهي صحيحة، وهي محصورة كلها مضبوطة معلومة لا زيادة فيها ولا نقص، فبَطُل التعلُّق بهذا..
- وأما قولهم: إن طائفة من علمائنا الذين أخذنا عنهم ديننا ذكروا أن عثمان إذ كتب المصحف الذي جمع الناس عليه، أسقط ستة أحرف من الأحرف المنزلة، واقتصر على حرف منها، فهو ظنٌّ ظنه ذلك القائل، أخطأ فيه، وليس كما قال.
بل كل هذا باطل ببرهان كالشمس وهو: أن عثمان لم يكن إلا وجزيرة العرب كلها مملوءة بالمسلمين، والمصاحف والمساجد، والقراء يُعلِّمون الصبيان والنساء وكل من دب وهب، واليمن كلها، وهي في أيامه مدن، وقرى البحرين كذلك، وعُمَان كذلك وهي بلاد واسعة مدن وقرى ومُلكُها عظيم، ومكة والطائف والمدينة والشام كلها كذلك، والجزيرة بالعراق كذلك ومصر كلها كذلك والكوفة والبصرة كذلك في كل هذه البلاد من المصاحف والقراء ما لا يحصي عددهم إلا الله تعالى وحده فلو رام عثمان ما ذكروا، ما قدر على ذلك أصلاً.
- وأما قولهم: إنه جمع الناس على مصحف [ كَتَبَه بهواه ] فباطل، ما كان يقدر على ذلك لما ذكرنا، ولا ذهب عثمان قط إلى جمعِ الناس على مصحف كَتَبَه، إنما خشي أن يأتي فاسق يسعى في كيد الدين، أو أن يهم واهمٌ من أهل الخير، فيبدل شيئاً من المصحف يفعل ذلك عمداً وهذا وهماً فيكون اختلاف يؤدي إلى الضلال، فكتب مصاحف مجتَمَعَاً عليها، وبعث إلى كل أفق مصحفاً. لكي: إن وهم واهمٌ أو بدَّل مبدلٌّ، رجع إلى المصحف المجتمع عليه فانكشف الحق، وبطُل الكيد والوهم.
- وأما قول من قال: " أبطلَ باقي الأحرف الستة ". فقد كذب من قال ذلك، بل الأحرف السبعة كلها موجودة عندنا، قائمة كما كانت، والحمد لله رب العالمين.[1]

قلت:
لا يوجد أي وجه تشابه بين اختلاف القراءات القرآنية المتواترة، وتناقض وتحريف الأناجيل الأربعة (بل وطبعات الإنجيل الواحد)؛ لأن:
1. القراءات المتواترة كلها معلوم مضبوط محدَّد، لا يُختلف في لفظ واحد منها، تجدها ذاتها في أوائل كتب التفسير أو القراءات، والكتب المعاصِرة هيَ هيَ.
فلا يُقبَل ابتداع قراءة ما، بزعم أنها الأليق بالسياق القرآني، أو لأنها أصحّ.
في المقابل: تخضع طبعات الكتاب المقدس لتحريف أهواء الكتبة، دون نكير من خاصَّة المؤمنين به وعامَّتهم.[2]
2. لكل قراءة سند متصل إلى رسول الله ، بأسانيد متواترة، لرواة معلومين، يستحيل تواطؤهم على الكذب.
في المقابل: لا يوجد سند متصل واحد لأيٍّ من الأناجيل.
3. يستحيل وجود قراءة متواترة تتناقض مع قراءة أخرى، بل تتكامل في معناها.[3]
ودليل ذلك: أن القراءات معلومة مبيَّنة في مختلف كتب السَّلَف والخَلَف، ومع كثرة بحوث ودراسات المستشرقين ـ وتلاميذهم ـ منذ مئات السنين، إلا أنهم لم يُظهِروا قراءة واحدة متواترة، تتناقض مع قراءة أخرى. في مقابل ما يُرى بأدنى تأمُّل من تناقض الواضح بين الأناجيل، واختلاف كلمات وجُمَل الإنجيل الواحد من طبعة لأخرى.

---------------------------

الهوامش
1) انظر: الفِصَل في الملل والأهواء والنحل، ابن حزم 2 /64-65.
2) أحصى باحثون ألمان مائتي ألف خطأ واختلاف في مخطوطات الكتاب المقدس، بينما لم يجدوا أخطاء وتناقضات في مخطوطات القرآن الكريم، في مشروع ضخم استمر لسنة 1934م، وذلك بعقد مقارنات بين آلاف المخطوطات. انظر مقال: عرض لكتاب: مراحل جمع القرآن، دراسة مقارنة مع التوراة والإنجيلد. محمد مصطفى الأعظمي، مجلة المجتمع، عدد 1629، تاريخ 4 / 12/ 2004م، الكويت.
3) قال ابن الجزري في النشر 1 /28: " مع كثرة اختلاف القراءات وتنوعها، لم يتطرق إليه [أي القرآن الكريم] تضاد ولا تناقض ولا تخالف، بل كله يصدق بعضه بعضاً، ويُبيِّن بعضه بعضاً، ويشهد بعضه لبعض. على نمط واحد، وأسلوب واحد. وما ذاك إلا آية بالغة، وبرهان قاطع، على صدق ما جاء به النبي ".