القرآن الكريم والنظرية البنائية الجديدة ( 2 )

«الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ» سورة هود الآية (1)

الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) الرحمن الآيات (1-4).


يصف الله كتابه القرآن الكريم بأنه كتاب أُحكمت آياته ثم فُصِّلت من لدن حكيم خبير، وقد ذكرت هذه الآية العظيمة لأنها تحتوي على كل الصفات والشروط المطلوبة للنص القياسي ذي المرجعية المعرفية المطلوبة، ولأنها تنص صراحة على حقيقة إحكام الآيات ثم تفصيلها، وهذا ما نحتاجه لاستنباط ودراسة النظرية البنائية الجديدة من نص القرآن الكريم.

وقد افتتحت هذه السورة وهذه الآية بذكر الحروف (ألف) (لام) (راء)، وقد ذكر المفسرون في تفسير هذه الحروف التي سموها فواتح السور أو الحروف المقطعة أقوالاً متنوعة أذكرها باختصار لفائدة القارئ غير المتخصص، وهي:

القول الأول: أنها فواصل بين السور.

القول الثاني: أنها اختصار لكلمات كما ورد عن ابن عباس في مثل قوله تعالى:الم (1) سورة البقرة يعني: أنا الله أعلم. ومعنى قول ابن عباس (أنا الله أعلم) يعني الألف: أنا، واللام: الله، والميم: أعلم، لأن القرآن نزل بلغة العرب، وقد كان العرب يذكرون الحرف ويريدون به تمام الكلمة.

القول الثالث: أنها افتتاح اسم من أسماء الله تعالى. فالألف، مثلا مفتاح اسمه: الله، واللام مفتاح اسمه: اللطيف، الميم مفتاح اسمه: المجيد، ويكون معناه: الله اللطيف المجيد.

القول الرابع: ما روي عن عمر وعثمان وابن مسعود أنهم قالوا: الحروف المقطعة من المكتوم الذي لا يفسر.

الرأي الخامس: أنها حروف أقسم الله بها كما أقسم بالفجر وبالعصر وبالطور.

الرأي السادس: أنها دوال على ما يسمى بحساب الجمَل.

القول السابع: أن الله سبحانه أراد بهذه الحروف أن ينبه العرب أن هذا القرآن هو من جنس هذه الحروف التي يعرفونها ويتكلمون بها، ومع ذلك تحداهم الله أن يأتوا بسورة من مثله.

بالإضافة إلى أقوال أخرى، ولكنني وأنا أذكر هذه الأقوال لا أريد أن أقدم درساً في التفسير؛ بل أريد أن أنطلق من هذه الآية للحديث عن أول المعطيات أو المكونات التي نحتاجها وهو (النص القياسي)، وهو القرآن الكريم وشروطه وصفاته لاستنباط النظرية البنائية الجديدة، منطلقاً من فرضية بنائية مهمة، وهي أنه إذا كان هذا القرآن مبنياً من هذه الحروف فإن في ذلك إشارة قوية إلى الوظيفة البنائية الدلالية لتلك الحروف وعلاقتها بنص القرآن، وهذا ما نبحث عنه في الدراسة البنائية البيانية.

أبدأ بالحديث عن معنى كلمة (آية)، الآية في لغة العرب هي (العلامة)، وقد ذكرت في معجم لسان العرب بما يلي:

والآيةُ: من التنزيل ومن آيات القرآن العزيز؛ قال أَبو بكر: سميت الآية من القرآن آية لأَنها (علامة) لانقطاع كلام من كلام.

ويقال: سميت الآية آية لأَنها جماعة من حروف القرآن. وآيات الله: عجائبه.

وقال ابن حمزة: «الآية من القرآن كأَنها (العلامة) التي يُفْضَى منها إِلى غيرها كأَعلام الطريق المنصوبة للهداية، كما قال: إِذا مَضَى عَلَمٌ منها بدا عَلَم والآية: (العلامة)».

إذاً الآية هي (العلامة)، والعلامة هي من أهم المصطلحات وهي الحجر الأساس في النظرية البنيوية اللغوية، وهي أيضاً الحجر الأساس في بناء النظرية البنائية الجديدة. والفرق بين الآية والعلامة، من ناحية لغوية بحتة، هو أن العلامة هي الشيء الذي له ظهور بين يستدل به على أمر ما، وأما الآية فهي العلامة التي يصاحب ظهورها إعجاز و إبهار. فهل المقصود بالآيات تلك التي تنتهي بما يعرف بفواصل الآيات أم أن الآيات هي أيضاً حروف هذا الكتاب التي يبني منها آيات الكتاب التي هي بحق علامات معجزة لهذا الكتاب العظيم؟

ورد في تفسير ابن كثير ما يلي: «وأما قوله: (أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ) أي: هي محكمة في لفظها، مفصلة في معناها، فهو كامل صورة ومعنى. هذا معنى ما روي عن مجاهد، وقتادة، واختاره ابن جرير وقوله: (مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِير) أي: من عند الله الحكيم في أقواله، وأحكامه، الخبير بعواقب الأمور».

إذاً هذه (العلامات) المعجزة هي محكمة في لفظها، وهذا هو إحكام البناء، ومنه يستطيع الدارس أن يدرس الخصائص البنائية لهذه الحروف. ومفصلة في معناها في نص القرآن، وهذا هو تفصيل البيان ومنه يستطيع الدارس أن يدرس الخصائص البيانية لهذه الحروف التي ترتبط بالخصائص البنائية. وقد ظهر لي بعد دراسة هذه الحروف أن هناك علاقات بنائية وبيانية وثيقة بين الدلالة (القياسية) لتلك الحروف ومعاني الكلمات الواردة في نص القرآن الكريم، وعلى وجه الخصوص في السور التي افتتحت فيها تلك الحروف؛ وكأنها مفاتيح لدراسة النص دراسة بنائية تفصيلية.

فما هو المقصود بالدلالة القياسية للحروف؟

القياسي هو الشيء الذي له أبعاد وحدود واضحة ومحددة يمكن القياس عليها، وكما ذكرت من قبل، كل حرف من حروف اللسان العربي له أبعاد وحدود صوتية وصورية واضحة، فحرف الألف مثلاً مكون من ثلاثة أصوات واضحة وهي (الهمزة واللام والفاء)، وله صورة رسمها واضح ومحدد بالصورة (ا)، مما يجعل من رسم الحرف (ا) رسماً قياسياً يمكن القياس عليه.

إذاً الحرف في اللسان العربي له دلالة قياسية يمكن استثمارها في بناء معاني الكلمات الواردة في النص، وذلك عن طريق دراسة الخصائص البنائية (الشكلية) للحرف في حالته المستقلة عن أية سياق، ثم الاستفادة من هذه الدلالة في استنباط معاني الكلمات التي تشتق من تلك الحروف، والأمر يحتاج إلى مثال تطبيقي لشرح ذلك للقارئ من نص القرآن الكريم، وهذا هو الهدف الأول لأية دراسة بنائية.

الآية الأخرى العظيمة المفيدة في دراسة النظرية البنائية هي الآية التي وردت في سورة الرحمن بقول الله تعالى: الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4)، الرحمن الآيات ( 1-4)، فهذه الآيات تشير إلى حقائق لسانية مهمة منها:

أولاً- العلاقة الوثيقة بين أن الله ( عَلَّمَ الْقُرْآَنَ ) وبين ( خلق الإنسان، علمه البيان ) ، وهذا يؤكد أن القرآن الكريم هو كتاب الإنسان الأول، وهذا يؤكد المرجعية المعرفية المطلقة للقرآن الكريم.

ثانياً- تشير أيضاً إلى مسألة (تعليم) القرآن الكريم، فجملة الرحمن علم القرآن تعني أنه تعالى علم الإنسان القرآن وتشير أيضاً إلى معنى آخر وهو أنه تعالى جعل للقرآن الكريم علامات وبواسطة هذه العلامات يمكن تعليم القرآن للإنسان، وهذا ما يقوم به معلم القرآن الكريم حين يبدأ تعليم الطالب بدراسة وتهجئة الحروف التي هي العلامات الأولى في مسألة التعليم والقراءة، وكيف ترتبط تلك الحروف بعلاقات داخل الكلمة ثم داخل الجملة لصناعة المعاني المطلوبة، أي أننا أمام العلاقة (القياسية) الأولى بين تعليم القرآن بكل معاني كلمة (علم القرآن) وبين خلق الله تعالى للإنسان وتعليمه القرآن بكل معاني عَلَّمَهُ الْبَيَانَ؛ والعلاقة واضحة أيضاً بين الكتاب الذي أُحكمت آياته ثم فُصِّلت من لدن حكيم خبير وبين تعليم الإنسان البيان الذي يقوم على استخدام هذه العلامات البيانية المحكمة والمفصلة في نص القرآن الكريم.

ثالثاً- تشير هذه الآية أيضاً إلى مسألة مهمة في النظرية البنائية وهي مسألة العلاقة بين الكتابة (أي النص) واللسان (أي البيان) ومن يأتي منهما قبل الآخر؛ فالقرآن الكريم هو النص هو الكتابة و لذلك هو أيضا ( الكتاب )، والإنسان هو اللسان هو البيان، والبيان هو الوظيفة الأولى للسان، وهو يقوم بترجمة هذه العلامات (اللسانية) إلى معاني يمكن إنتاجها وتداولها والاستفادة منها، ولذلك فإن هناك علاقة قياسية وثيقة بين دراسة اللسان ودراسة العلامة اللسانية المرسومة في الكتاب.

إننا أمام إشارات بنائية قوية تشير إلى أن هذه الحروف في فواتح السور ما هي إلا مفاتيح يمكن لها أن تفتح الدراسة البنائية باستخدام العلاقات البنائية داخل ذلك النص القياسي ذي الصفات البنائية القياسية المميزة.

وفي المقالة القادمة سأقدم تطبيقاً كاملاً على حرف (ألف) يظهر كيف ترتبط ثلاثة معطيات وهي: النص القياسي والعلاقة القياسية واللسان القياسي في صناعة الدلالة القياسية، وكيف ننطلق منها لبناء النظرية البنائية الجديدة.

والله تعالى أعلم.