قوله تعالى
( فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (93) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (94) ) الصافات

قوله ( فراغ ): أي مال مسرعا، وأقبل عليهم سرا.

قال الواحدي في الوجيز: فمال.
وبه قال السمعاني.

قال ابن قتيبة: أي مالعليهميضربُهم.

قال الزجاج: فمال عَلَى الأصنام.

قال ابن أبي زمنين: أي مال على آلهتهم.

قال الراغب الأصفهاني: أي مال، وحقيقته: طلب بضرب من الرَّوَغَان، ونبّه بقوله: (على) على معنى الاستيلاء.

وقال مقاتل، والزمخشري: فأقبل
وزاد مقاتل: عليها.

قالأبو حيان في البحر المحيط: أي أقبل عليهم مستخفيا ضاربا.

قلت ( عبدالرحيم ): ومنه قوله تعالى ( فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين ): قال ابن أبي زمنين: فمال.
وبه قال السيوطي.

قال ابن قتيبة: أي عدل إليهم في خفية. ولا يكون "الرَّواغُ" إلا أن تخفي ذهابك ومجيئك.
قال في البحر: فراغيدل على سرعة مجيئه بالقِرى.

وقال الرازي: ( فراغ ) فإن الروغان يدل على السرعة والروغ الذي بمعنى النظر الخفي أو الرواح المخفي أيضا كذلك ، ثم الإخفاء فإن المضيف إذا أحضر شيئا ينبغي أن يخفيه عن الضيف كي لا يمنعه من الإحضار بنفسه حيث راغ هو ولم يقل هاتوا ، وغيبة المضيف لحظة من الضيف مستحسن ليستريح ويأتي بدفع ما يحتاج إليه ويمنعه الحياء منه.

استطراد:
قلت ( عبدالرحيم ): فهذا إبراهيم الأُمة_ _ لا تراه إلا مسارعا في الخيرات؛ كما رأيت من إسراعه ونشاطه في كسر الأصنام تارة، وأخرى في إسراعه في الإكرام وحق الضيف أخرى، وكذا إسراعه في امتثال أمر ربه لما أمره بذبح ولده ( إني أرى في المنام أني أذبح ). و كل ذلك مصداقا لقوله ( إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ). فاقتف سبيلهم. قال الله ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ).
انتهى

قوله ( عليهم ) : يضربهم.
قاله الواحدي.

قال الزجاج: وهي الأصنام لأنهم جعلوها معبودةً بمنزلة ما يميز...

قال البقاعي: بغاية النشاط والخفة والرشاقة يضربهم.

قوله ( ضربا باليمين ): ضربا شديدا قويا بيده اليمنى؛ وهو الحنيف الغيور؛ غار لما عبدت دون ربه.

قالمقاتل: بيده اليمين.

قال أبو حيان في البحر: بيمين يديه.

قال في الوجيز: بيده اليمنى.

قال ابن قتيبة في تأويل المشكل: لأن في اليمين القوة وشدّة البطش، فأخبرنا عن شدة ضربه بها.

قال الزمخشري: ومعنى ضربا باليمين ضربا شديدا قويا، لأن اليمين أقوى الجارحتين وأشدهما.

قال أبو السعود: وقوة الآلة تقتضي قوة الفعل وشدته.

قال الطبري: فمال على آلهة قومه ضربا لها باليمين بفأس في يده يكسرهن.

قال القاسمي: أي التي هي أقوى الباطشتين، فكسرها.

قال السمرقندي: يعني أقبل يضربهم بيمينه.

قال النحاس: قال أبو جعفر يجوز أن يكون معنى (باليمين) بالقوة كما تقدم ويجوز أن يريد اليد.

وقيل: بالقسم؛ لأنه حلف أن يكسرها في قوله ( وتالله لأكيدن أصنامكم ).

نكتة:

قلت ( عبدالرحيم ): وخص الله يده اليمنى في قوله ( ضربا باليمين ) _ والله أعلم _ لأن الشؤمى ( الشمال ) أضعف من اليمنى،
ولقد حمدت الله أن سبقني إليه البغوي، وغيره؛

قال البغوي:" كان يضربهم بيده اليمنى لأنها أقوى على العمل من الشمال".

وقال مكي: فذكر اليمين؛ لأن فيها القوة وشدة البطش، فأخبر بذلك عن شدة الضرب. انتهى كلامه.

قلت: وهذا في حق المخلوق؛ أن تكون إحدى يديه خير من الأخرى؛ أم الخالق _ جل ذكره _ فكلتا يديه يمين؛ كلتا يديه غاية في الكمال، والخير،

فما رواه مسلم في صحيحة من حديث عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله : " يطوي الله السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون. ثم يطوي الأرضين بشماله، ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ "

فيجب أن يفهم قوله:" ثم يطوي الأرضين بشماله".
في ضوء قوله في الحديث الآخر الذي رواه مسلم وغيره من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص، عن النبي قال: «إن المقسطين عند الله على منابر من نور، عن يمين الرحمن ، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا»،
والشاهد قوله ( وكلتا يديه يمين ): فإن ثبت حديث ابن عمر فلا تعارض بين الحديثين؛ فنثبت لله صفة الشمال على ما يليق به_ _ وأن شماله غاية في الكمال من القوة والخير والبركة؛ كيمينه ( ليس كمثله شيء ).

قال العثيمين ( مجموع فتاوى الشيخ ): فإذا كانت محفوظة فهي عندي لا تنافي، "كلتا يديه يمين" لأن المعنى أن اليد الأخرى ليست كيد الشمال بالنسبة للمخلوق ناقصة عن اليد اليمنى، فقال: "كلتا يديه يمين" أي ليس فيهما نقص، فلما كان الوهم ربما يذهب إلى أن إثبات الشمال يعني النقص في هذه اليد دون الأخرى قال: "كلتا يديه يمين"، ويؤيده قوله: "المقسطون على منابر من نور على يمين الرحمن" فإن المقصود بيان فضلهم ومرتبتهم وأنهم على يمين الرحمن سبحانه.
انتهى

وقال الفراء في قول ( ضربا باليمين ):أي بالقوّة والقدرة.

قلت ( عبدالرحيم ): ومنه قوله تعالى ( ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ): قال الطبري: لأخذنا منه بالقوة منا والقدرة.
قوله ( فأقبلوا ): دل على أنه من مكان بعيد.
قاله البقاعي.

قلت ( عبدالرحيم ): ويدل على شدة غضبهم لآلهتهم، وشدة غيرتهم عليها، ومحبتهم لها، حتى أخذتهم العزة بالإثم. قال الله ( ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله ):فأهل الإيمان أجدر أن يغاروا ويصبروا على دين الله.
انتهى

قوله ( إليه ): أي إلى إبراهيم بعد ما رجعوا.
قاله القاسمي.

قوله ( يزفون ): يسرعون.
قاله الإيجي الشافعي، وابن قتيبة، والبقاعي، وأبو حيان، والسمرقندي، والقاسمي.

وزاد القاسمي: لمعاتبته على ما صدر منه.
والمعنى: جاءوا مسرعين، على عجل؛ ليبطشوا به. يقال: زف وأزف؛ إذا أسرع في مشيه.
قال البغوي: فأسرعوا إليه ليأخذوه.

قال الخضيري: يعدون مسرعين غاضبين.

وقيل: فأقبلوا يستعجلون.

وقيل: يُرْعِدُونَ غضبا.
حكاه يحيى بن سلام في التصاريف.

قال القاسمي: ولما قامتعليهمالحجة، عدلوا إلى أخذه باليد والقهر.

قال السعدي: بعدما بحثوا وقالوا: مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ، وقيل لهم سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ.

المصدر:
تحفة الأريب بما في القرآن من الغريب لأبي حيان الأندلسي، غريب القرآن لابن قتيبة، المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني، معاني القرآن للزجاج، معاني القرآن للنحاس، معاني القرآن للفراء، تأويل المشكل لابن قتيبة، تفسير مقاتل، الوجيز للواحدي، تفسير السمعاني، تفسير ابن أبي زمنين، الكشاف للزمخشري، البحر المحيط لأبي حيان، التفسير الكبير للرازي، نظم الدرر في تناسب الآيات والسور للبقاعي، تفسير أبي السعود، تفسير الطبري، محاسن التأويل للقاسمي، تفسير السمرقندي، تفسير البغوي، الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي القيسي، جامع البيان للإيجي الشافعي، التصاريف ليحيى بن سلام، تفسير الجلالين، تفسير السعدي، مجموع فتاوى العثيمين.

كتبه: أبو المنذر عبدالرحيم بن عبدالرحيم بن عبدالرحمن آل حمودة المصري المكي.
للاشتراك، للإبلاغ عن خطأ: 00966509006424