انتشر بين كثيرٍ من المُثقفين والمتعلِّمين والشباب عامة ، ما يُسمَّى بمقياس هاوكينز للوعي ، أو سُلَّم هاوكينز لمعرفة وعي الإنسان .
وهذا المقياس وضعه العالِم الأمريكي ديفيد هاوكينز ، وهو عالم نفساني وفيلسوف في نفس الوقت .

وسوف أنقد هذا المقياس أو السُّلم بالعدل كما أمر الله تعالى ” إعدلوا هو أقرب للتقوى ” ( المائدة : 8) .

مقياس الوعي- عند هاوكينز – مُقسَّم إلى عِدة مستويات تراكمية ، تبدأ بمشاعر سلبية ثمانية متتالية وهي : العار والذنب والخمول والأسى والخوف والشهوة والغضب والكبرياء . وتسمى هذه المستويات بالمرحلة الخطرة في الوعي ،لأنها تضر بصحة الإنسان العقلية والنفسية . ولكل مستوى من هذه المستويات ما يُسمَّى بالإحساس والنظرة الى الحياة . فمثلاً العار إحساسه هو الذُّل ، ونظرته إلى الحياة تعيسة. ويُقاس عليها بقية المستويات الخطرة .


وبعد هذه المرحلة الخطرة تأتي المرحلة العادية في الوعي ، وتُوصف بأنها أدنى مراحل الوعي ، وهي الشجاعة والحِياد ، ثم المرحلة الايجابية وهي ثلاثة أقسام : الرغبة والتسليم والحكمة . ثم مرحلة قِمة الإيجابية وهي ثلاث أيضاً : الحب والفرح والسلام ، ثم مرحلة الإستنارة وهي أعلى مراحل التنوير .
وقد وضع هاوكينز تردُّدات لكل مرحلة سلبية أو إيجابية ، لتقريب وتحديد فهم كل مرحلة للمتلقِّي أو المتدرِّب .
وحتى يعرف الإنسان درجة وعيه- عند هاوكينز – يلزمه الإطلاع على مشاعر كل مرحلة . فمثلا الإستنارة مشاعرها المثالية ، والحياد مشاعرها الثقة ، والغضب مشاعرها العدائية ، والخمول مشاعرها اليأس ، وهكذا.

• يمكن إجمال الملاحظات على هذا المقياس في النقاط الآتية :
1- هذ المقياس مُفيد من حيث تدريب النفس على تحسين الوعي الأخلاقي والتربوي ، لكنه لا يفي بالتهذيب الباطني القلبي القائِم على تجريد وتحسين النيات والمقاصد وإصلاح السريرة . فمستويات الوعي الصحيحة في المقياس هي تسعة فقط ، سبق تعدادها قبل أسطر ، وقد خَلت تماماً من أخلاق الفطرة السليمة ، والإخلاص والتوحيد والإيمان بالله تعالى . وقد ثبت في المرفوع : ” لا عمل لمن لا نِية له ، ولا أجر لمن لا حِسبة له “.أخرجه البيهقي بإسناد صحيح . والنيات والمقاصد الصحيحة من ثمرات الإيمان والتوحيد .

2- المقصود بالوعي في سُلَّم هاوكينز هو تهذيب النفس ومعرفة مشاعرها والترقِّي في الفضائل . وهذا معنى محدود وقاصر في التربية الإسلامية.
والصحيح أن الوعي هو التدبُّر والفهم وسلامة الإدراك ، مع تزكية النفس وتطهيرها من النِّيات والمقاصد الفاسدة والمرذولة . وقد قال الله تعالى : ” قد أفلح من زكَّاها وقد خاب من دسَّاها ” ( الشمس : 9-10 ) وقد قال ابن حزم (ت: 456هـ) تعالى :” إذا تكاثرت الهموم تساقطت “، لأن الله تعالى يبتلي العبد ليرتقي إيمانه وتعلو مرتبته.
3-مقياس هاوكينز مبنيُّ على أصلٍ فلسفي مُظلم باطل قديم ، بدأ بما يُسمَّى بنظرية التنوير ، وهي إعتناق الأخلاق بدل الشرائع ، نعوذ بالله ونبرأ من ذلك .
فالفلاسفة اعتبروا أن المقصود بالشرائع والعبادات تهذيب أخلاق النفوس وتعديلها ، لتستعد بذلك لقبول الحكمة العملية والعلمية، إذ إنهم رأوا النفس لها شهوة وغضب بقوتها العملية ، ولها تصور وعلم بقوتها العلمية، فقالوا: وكمال الشهوة في العِفة وكمال الغضب في الحلم والشجاعة . وهذه مغالطة منهم لتحييِّد الدِّين عن الأخلاق.
4-مقياس هاوكينز لم يُؤسِّس لمستوى التوبة أو التراجع عن الخطيئة ، لا في المراحل الإيجابية للوعي ، ولا في غيرها من المراحل الدُّنيا الأكثر خطورة . فلا يوجد في المقياس ما يُشير إلى الوعي الأخلاقي الديني الذي يأمر بتزكية النفس وتطهيرها من الخطايا والأوزار . فهو يدور في فراغ بلا غاية سامية ، فغايته كالعدم ! .
5-علماء النفس الغربيون يُؤسِّسون للوعي بمنظور الرغبة والرهبة فقط ، وفي الإسلام يُؤسَّس للوعي بمنظور الإيمان والإحتساب وقصد الخير والعمل الصالح ، سواء ظهرت الثمرة أم لم تظهر. وفي المرفوع : ” وفي كُّل كبدٍ رطبةٍ أجر ” .
وفي سُلَّم هاوكينز لم يُؤسَّس لهذا المعنى للوعي بالمنظور التربوي الشرعي ، فلا يصح متابعته في هذا ، لأن ما بُني باطلٍ فهو باطل .
6-يقوم مقياس هاوكينز على التحفيز على الوعي عبر الترهيب الدنيوي من التقصير في العمل فحسب ، مثل تحديده لمستوى العار والذنب ، وهذا خطأ في المفهوم الشرعي ، فلا بُدّ من تصحيح المقصد والنية طواعية من غير إجبار أو إكراه ، ولا بُدّ من الإرشاد إلى البدل عند الزجر ، وهذا لا يكون إلا بالصبر والتدريب على الفضائل . وهذه المرحلة دقيقة جداً، وقد فخَّم اللهُ شأنها في قوله تعالى : ” وما يُلقَّاها إلا الذين صبروا وما يُلقَّاها إلا ذو حظٍ عظيم ” ( فصلت: 35) .
7-مقياس هاوكينز رغم فائدته في التدريب على الفضائل ، غير أنه لم يُراعٍ التوازن بين الروح والجسد ، فلا يصح تغليب واجبات الروح على الجسد ، ولا تغليب واجبات الجسد على الروح.
فتطبيق هذا المقياس قد يُورث المغالطة للنفس أو الملل والنفرة منه .
فما فائدة المشاعر الفيَّاضة بلا عملٍ أو إحسان إلى النفس ومتابعة الفطرة الصحيحة في التعرف على خالقها وموجدها من العدم ، والتضرُّع الى الله والتفكر والتدبُّر والفهم ؟! .
8-كتب تطوير الذات وتنمية الوعي ، التي تُروًّج لها المكتبات اليوم ، لا خير فيها إن لم تكن مُستقاة من مشكاة النبوة وعلى الميزان الشرعي الذي يراعي جوانب الروح والجسد.
وقد قال الإمام ابن تيمية(ت: 728هـ ) – تعالى- : ” قوى الإنسان ثلاث: قوة العقل، وقوة الغضب، وقوة الشهوة فأعلاها القوة العقلية التي يختصُّ بها الإنسان دون سائر الدوابِّ، وتشركه فيها الملائكة، كما قال أبو بكر عبدالعزيز من أصحابنا وغيره ، خُلق للملائكة عقول بلا شهوة، وخُلق للبهائم شهوة بلا عقل، وخُلق للإنسان عقل وشهوة، فمَن غلَب عقلُه شهوتَه، فهو خيرٌ من الملائكة، ومن غلَبت شهوتُه عقلَه، فالبهائم خيرٌ منه ” أهـ .
9-هناك فضائل لم تُذكر في سُلًّم الوعي عند هاوكينز مثل الِعفة والإيمان والعدل والصبر . وهذا يدلُّ على نقص هذا السُّلم وعدم شموليته كما تقدَّم . ولعل سبب ذلك أن هاوكينز يعتقد أن بعض الفضائل تنوب عن بعض ، وهذا باطل في المفهوم الشرعي ، لأن مفاهيم الإيمان والتوحيد لا يمكن إستبدالها بما شابهها .
10-الدِّين الحق يدور على أربعة قواعد لا مزيد عليها : الحبُّ والبُغض والفعل والترك ، كما قرَّره ابن القيم(ت: 751هـ ) تعالى في كتابه الروح . فيمكن التدرُّج في الوعي عن طريق معرفة أسماء الله وصفاته والتفكر في مخلوقاته وما برأه في الكون والنفس .


والمقصود أن هذا المقياس لا يصلح للوعي الإسلامي ، ويبدو أنه أُسِّس لغايات غير محمودة شرعًا وعلماً ، كما تقدَّم في أول المقال ، والصواب إستمداد الوعي من نور الوحيين فحسب، وقد تقرَّر عند الأصولييِّن أنه يجب على المكلَّف فعل المأمور به كُّله ، فإن عجز عن بعضه وقدر على البعض الآخر ، وجب عليه فعل المقدور عليه . والله الهادي .

هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

د/ أحمد بن مسفر العتيبي

( منقول )
نَقد مِقياس هاوكينز | مدونة المتوقِّد