الوقف على قوله: (عِيسَى ابن مريم) النساء: 157.
قوله تعالى: ]وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ (مـ) رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ[ النساء: 157.
التوجيه النحوي :
معرفة الوقف يكون بالنظر إلى توجيه (رَسُولَ اللَّهِ): فيها قولان :
الأول : صِفَةً لِعِيسَى، أو بدَلٌ، أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ مِنَ الْمَسِيحِ[1]
الثاني : منصوب بفعل محذوف، عَلَى إِضْمَارِ أَعْنِي أو أمدح رسول الله[2]
وقد جوز الوجهين النحاس والعكبري
قال النحاس: « رَسُولَ اللَّهِ: بدل، وإن شئت على معنى أعني». [3]
وقال العكبري: وَ« (رَسُولَ اللَّهِ) : بدَلٌ، أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ مِنَ الْمَسِيحِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ (رَسُولَ اللَّهِ) صِفَةً لِعِيسَى، وَأَنْ يَكُونَ عَلَى إِضْمَارِ أَعْنِي».[4]
توجيه علماء الوقف :
اختلف أهل الوقف والابتداء على أقوال:
الأول: تام: وهو قول أبو جعفر النحاس
الثاني: وقف بيان، وهو قول الأشموني.
الثالث: أولوية الوصل، وهو قول الأشموني في أحد وجهيه.
الرابع: لا وقف، وهو أحد وجهي الداني.
الخامس: لم يذكر وقفا كلا من ابن الأنباري، والسجاوندي، والأنصاري[5]
واختيار الوقف التام باعتبار استئنافا مع بعده معنى ولفظا، فهم لم يقروا بأنه رسول وضح ذلك النحاس والداني:
قال أبو جعفر النحاس: (ممن قرأنا عليه يقول التمام وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريمقال : لأنهم لم يقروا بأنه رسول الله فيكون متصلا.[6]
قال الإمام الداني : قال: وقال قائل: الوقف على قوله وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم ثم يبتدئ: رسول الله قال: لأنهم لم يقروا أنه رسول الله، فينتصب ((رسول الله)) من الوجه الأول بـ ((أعني))، والوقف عندي على ((رسول الله)) وهو كاف. وينتصب على البدل من ((عيسى)) [7]
ومن اختار وقف البيان وهو يقابل اللازم، لئلا يوهم الوصل معنى غير مراد، وهو اعتراف اليهود بالرسالة، وهم لم يعترفوا إنما قالوها على سبيل التهكم، وهو قول الأشموني في أحد أقواله قال : الوقف على «ابن مريم» وقف بيان، ويبتدئ «رسول الله»؛ على أنه منصوب بإضمار أعني؛ لأنهم لم يقروا بأنَّ عيسى ابن مريم رسول الله، فلو وصلنا «عيسى ابن مريم» بقوله: «رسول الله» -لذهب فهم السامع إلى أنَّه من تتمة كلام اليهود الذين حكى الله عنهم، وليس الأمر كذلك، وهذا التعليل يرقيه إلى التمام؛ لأنَّه أدل على المراد، وهو من باب صرف الكلام لما يصلح له، ووصله بما بعده أولى؛ فإنَّ رسول الله عطف بيان، أو بدل، أو صفة لعيسى كما أنَّ عيسى بدل من المسيح، وأيضًا فإنَّ قولهم: «رسول الله» هو على سبيل الاستهزاء منهم به كقول فرعون: إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27) [الشعراء: 27] [8]
ومن رأى عدم الوقف على (ابن مريم) فباعتبار أن ]رَسُولَ اللَّهِ [ منصوبة على البدل من عيسى ، أو عطف بيان، أو صفة فلا يفصل بينهما، و اختيار الداني في أحد أقواله
أقوال علماء التفسير:
اختلف المفسرين في توجيه قوله: ( رسول الله ) كما يلي:
القول الأول: أنها من كلام الله تعالى، وهو قول : مقاتل، والسمرقندي، والكرماني
قال مقاتل بن سليمان (ت 150هـ): وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم (، ولم يقولوا : رسول الله، ولكن الله تعالى قال : ( رسول الله) اهـ [9]
قال السمرقندي (ت375 هـ): وقولهم " يعني وبقولهم " إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله " هذا قول الله لا قول اليهود وقول اليهود إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم ثم قال الله تعالى " رسول الله " [10]
قال الكرماني(ت505هـ): « (رَسُولَ اللَّهِ) من كلام الله يريد أعني رسول الله » . [11]
قال ابن عطية (541 هـ " رسول الله " إنما هو إخبار من الله تعالى بصفة لعيسى وهي الرسالة على جهة إظهار ذنب هؤلاء المقرين بالقتل ولزمهم الذنب اهـ[12]
القول الثاني: جواز الوجهين مع أولوية الاستنئاف على أنها من كلام الله تعالى، وهو قول الثعالبي.
قال الثعالبي ( ت : 875 هـ) : « ( رَسُولَ اللَّهِ، إنما هو إخبارٌ من اللَّه تعالى بصفةٍ لعيسى، وهي الرسالةُ، على جهة إظهار ذَنْب هؤلاء المُقِرِّين بالقَتْل، ولزمهم الذنْبُ، وهم لم يقتلوا عيسى لأنهم صَلَبُوا ذلك الشخْصَ على أنه عيسى، وعلى أنَّ عيسى كَذَّابٌ ليس برَسُولِ اللَّه، فلزمهم الذنْبُ مِنْ حيث اعتقدوا أنَّ قتلهم وَقَعَ في عيسى، قال ص[محمد الصفاقسيّ]: وعِيسَى: بدل أو عطف بيان من الْمَسِيحَ، ورَسُولَ اللَّهِ كذلك، ويجوزُ أنْ يكون صفةً ل عِيسَى، وأنْ يكون نصباً على إضمار أعني، قُلْتُ: وهذا الأخير أحسنها مِنْ جهة المعنى» . [13]
القول الثالث : أنه من تتمة الحكاية من قول اليهود وهو قول ابن كثير.
قال ابن كثير (ت:774هـ) : « رَسُولَ اللَّهِ أَيْ (2) هَذَا الَّذِي يَدَّعِي لِنَفْسِهِ هَذَا (3) الْمَنْصِبَ قَتَلْنَاهُ. وَهَذَا مِنْهُمْ مَنْ بَابِ التَّهَكُّمِ وَالِاسْتِهْزَاءِ، كَقَوْلِ الْمُشْرِكِينَ: يَا أَيُّهَا الَّذِي نزلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ [الْحِجْرِ: 6] » . [14]
القول الرابع: جوز الوجهين مع ترجيح أنه من تتمة حكاية اليهود، وهو قول ابن حيان
قال ابي حيان (754: ( وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ الظَّاهِرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مِنْ قَوْلِهِمْ قَالُوا ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِهْزَاءِ، كَقَوْلِ فِرْعَوْنَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ وَقَوْلِهِ: إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ «3» وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَضَعَ الذِّكْرَ الْحَسَنَ مَكَانَ ذِكْرِهِمُ الْقَبِيحِ فِي الْحِكَايَةِ عَنْهُ رَفْعًا لِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَمَا كَانُوا يُذَكِّرُونَهُ بِهِ. ذَكَرَ الْوَجْهَيْنِ الزَّمَخْشَرِيُّ، 4/ 125 البحر المحيط
القول الخامس: جوز الوجهين بدون ترجيح أحدهما، وهو قول عامة المفسرين، كالأصفهاني، والزمخشري، وابن الجوزي، والرازي، والقرطبي، والبيضاوي، والنسفي، والخازن، والنيسابوري، و محمد الحسني الشافعي، وأبو السعود، والألوسي، ومحمد رشيد، وابن عاشور
قال الراغب الأصفهاني ت:502هـ): « إن قيل: كيف حكى عنهم أنهم قالوا قتلنا رسول الله، ولم يقروا بكونه رسولا؟، قيل: هو أن يكون ذلك من جملة الحكاية وذكروه على سبيل التهكم زعما منهم أنه لو كان رسولا لما قدرنا على قتله، ويجوز أن يكون ذلك من قول الله تشريفا له لا حكاية عنهم، كأنه قال أعني رسول الله ونفى قتله وذكر أن ذلك شُبِّه لهم » . [15]
قال الزمخشري (ت: 538هـ): « فكيف قالوا (إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ) ؟ قلت: قالوه على وجه الاستهزاء، كقول فرعون (إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) ويجوز أن يضع اللَّه الذكر الحسن مكان ذكرهم القبيح في الحكاية عنهم رفعاً لعيسى عما كانوا يذكرونه به وتعظيما لما أرادوا بمثله كقوله: (لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً) » [16].
قال ابن الجوزي (ت:597هـ): « وفي قوله تعالى: رَسُولَ اللَّهِ قولان: أحدهما: أنه من قول اليهود، فيكون المعنى: أنه رسول الله على زعمه. والثاني: أنه من قول الله، لا على وجه الحكاية عنهم» . [17]
قال عز الدين عبد السلام (ت:660هـ: « رَسُولَ اللَّهِ في زعمه، من قول اليهود، أو هو من قول الله - تعالى - لا على جهة الحكاية» . [18]
قال فخر الدين الرازي (ت: 606هـ): فكيف قالوا إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله والجواب عنه من وجهين: الأول أنهم قالوه على وجه الاستهزاء كقول فرعون إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ( الشعراء 27 ) وكقول كفار قريش لمحمد وَقَالُواْ يأَيُّهَا الَّذِى نُزّلَ عَلَيْهِ الذّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ( الحجز 6
والثاني أنه يجوز أن يضع الله الذكر الحسن مكان ذكرهم القبيح في الحكاية عنهم رفعاً لعيسى عما كانوا يذكرونه به اهـ [19]
قال القرطبي 671هـ): « (رَسُولَ اللَّهِ) بَدَلٌ، وَإِنْ شِئْتَ عَلَى مَعْنَى أَعْنِي » . [20]
قال البيضاوي (ت685هـ) : « رَسُولَ اللَّهِ أي بزعمه ويحتمل أنهم قالوه استهزاء، ونظيره إن رسولكم الذى أرسل إليكم لمجنون وأن يكون استئنافاً مِن الله بمدحه، أو وضعاً للذكر الحسن مكان ذكرهم القبيح» . [21]
قال النسفي (ت 710هـ) : « (رسول الله هم لم يعتقدة هـ رسول الله لكنهم قالوا استهزاء كقول الكفار لرسولنا يَا أَيُّهَا الذى نُزّلَ عَلَيْهِ الذكر إِنَّكَ لمجنون ويحتمل أن الله وصفه بالرسول وإن لم يقولوا ذلك» . [22]
قال الخازن (ت:741هـ): « وفي قول رسول الله قولان: أحدهما أنه من قول اليهود فيكون المعنى أنه رسول الله على زعمه. والقول الثاني أن من قول الله لا على وجه الحكاية عنهم وذلك أن الله تعالى أبدل ذكرهم في عيسى القول القبيح بالقول الحسن رفعا لدرجته عما كانوا يذكرونه من القول القبيح» . [23]
قال ابن الجوزي (ت597: ( في قوله رسول الله قولان:
أحدهما أنه من قول اليهود فيكون المعنى أنه رسول الله على زعمه
والثاني أنه من قول الله لا على وجه الحكاية عنهم هـ زاد المسير / ج2/ 244.
قال النيسابوري (ت: 850هـ ): « (رَسُولَ اللَّهِ قالوه على وجه الاستهزاء كقول فرعون إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ [الشعراء: 27]
أو أنه تعالى جعل الذكر الحسن مكان القبيح الذي كانوا يطلقونه عليه من الساحر ابن الساحرة والفاعل ابن الفاعلة» . [24]
قال محمد الحسني الشافعي ( ت: 905هـ): « (رَسُولَ اللهِ) أي: من يزعم أنه رسول الله أو سموه رسولاً استهزاء، فالذم بسبب جرأتهم على الله تعالى وتبجحهم بقتله بعد ما أظهر المعجزات». [25]
قال أبو السعود (ت:982هـ): « (رَسُولَ الله: نظمُ قولِهم هذا في سلك سائر جناياتِهم التي نُعيت عليهم ليس لمجرد كونِه كذباً بل لتضمُّنه لابتهاجهم بقتل النبيِّ والاستهزاءِ به فإن وصفَهم له بعنوان الرسالةِ إنما هو بطريق التهكّم به عليهِ السَّلامُ كَما في قوله تعالى يا أيها الذى نُزّلَ عَلَيْهِ الذكر الخ ولإنبائه عن ذكرهم له بالوجه القبيحِ على ما قيلَ من أن ذلك وُضِع للذكر جميل من جهته تعالى مكان ذكرهم القبيح، وقيل نعت له من جهته تعالى مدحاً له ورفعاً لمحله وإظهاراً لغاية جَراءتِهم في تصدِّيهم لقتله ونهايةِ وقاحتِهم في افتخارهم بذلك » . [26]
قال الألوسي (ت 1270 هـ: ( وَقَوْلِهِمْ على سبيل التبجح . إِنَّا قَتَلْنَا المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ رَسُولَ الله ذكروه بعنوان الرسالة تهكماً واستهزاءاً كما في قوله تعالى حكاية عن الكفار : يأَيُّهَا الذى نُزّلَ عَلَيْهِ الذكر [ الحجر : 6 ] الخ، ويحتمل أن يكون ذلك منهم بناءاً على قوله عليه الصلاة والسلام وإن لم يعتقدوه، وقيل : إنهم وصفوه بغير ذلك من صفات الذم فغير في الحكاية، فيكون من الحكاية لا من المحكي، وقيل : هو استئناف منه مدحاً له عليه الصلاة والسلام ورفعاً لمحله وإظهاراً لغاية جراءتهم في تصديهم لقتله ونهاية وقاحتهم في تبجحهم» . [27]
قال العلامة محمد رشيد رضا ( ت/ 1354هـ : ( وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ أَيْ : وَبِسَبَبِ قَوْلِهِمْ هَذَا فَإِنَّهُ قَوْلٌ يُؤْذِنُ بِمُنْتَهَى الْجَرْأَةِ عَلَى الْبَاطِلِ، وَالضَّرَاوَةِ بِارْتِكَابِ الْجَرَائِمِ، وَالِاسْتِهْزَاءِ بِآيَاتِ اللهِ وَرُسُلِهِ . وَوَصْفُهُ هُنَا بِصِفَةِ الرِّسَالَةِ لِلْإِيذَانِ بِتَهَكُّمِهِمْ بِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَاسْتِهْزَائِهِمْ بِدَعْوَتِهِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا ادَّعَى النُّبُوَّةَ وَالرِّسَالَةَ فِيهِمْ، لَا الْأُلُوهِيَّةَ كَمَا تَزْعُمُ النَّصَارَى، عَلَى أَنَّ أَنَاجِيلَهُمْ نَاطِقَةٌ بِأَنَّهُ كَانَ مُوَحِّدًا لِلَّهِ - تَعَالَى - مُدَّعِيًا لِلرِّسَالَةِ ; كَقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ إِنْجِيلِ يُوحَنَّا (3:17 وَهَذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الْأَبَدِيَّةُ : أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الْإِلَهُ الْحَقِيقِيُّ وَحْدَكَ، وَيَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ) .وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ : رَسُولَ اللهِ مَنْصُوبًا عَلَى الْمَدْحِ، أَوْ الِاخْتِصَاصِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى فَظَاعَةِ عَمَلِهِمْ، وَدَرَجَةِ جَهْلِهِمْ، وَشَنَاعَةِ زَعْمِهِمْ اهـ تفسير القرآن الحكيم» . [28]
قال ابن عاشور (1393 هـ: ( رسول الله] : إن كان من الحكاية : فالمقصود منه الثناء عليه والإيمان إلى أنّ الذين يتبجّحون بقتله أحرياء بما رتّب لهم على قولهم ذلك، فيكون نصبُ ) رسول الله ( على المدح، وإن كان من المحكي : فوصفهم إيّاه مقصود منه التهكّم، كقول المشركين للنبي : يَأيّها الذي نُزّل عَلَيْهِ الذكر إنَّكَ لمجْنون ( ( الحجر : 6 ) وقول أهل مدين لشعيب ) أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنَّك لأنْتَ الحليمُ الرشيد ( ( هود : 87 ) فيكون نصب ( رسول الله ) على النعت للمسيح» . [29]
ترجيح الأقوال:
وبعد عرض الأقوال يظهر أن الوجهين جائزان كما يلي:
الوجه الأول: أنها من تتمة كلام اليهود: على تقدير: هَذَا الَّذِي يزعم أنه رسول ويَدَّعِي لِنَفْسِهِ هَذَا الْمَنْصِبَ قَتَلْنَاهُ منْ بَابِ (التَّهَكُّمِ وَالِاسْتِهْزَاءِ) وتفاخرا بما فعلوه، كَقَوْلِ الْمُشْرِكِينَ: يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ.
على هذا التقدير لا وقف حتى يصل الكلام الواحد لئلا يفصل بين النعت والمنعوت، والبدل والمبدل منه.
والوجه الثاني: أن تكون من كلام الله مدحا لعيسى وتقريرا لرسالته واستدل أصحاب هذا الرأي بأنه جعل الذكر الحسن مكان القبيح الذي كانوا يطلقونه عليه، وهوالموافق لرأي عامة المفسرين الأصفهاني، والزمخشري، وابن الجوزي، والرازي، والقرطبي، والبيضاوي، والنسفي، والخازن، والنيسابوري، و محمد الحسني الشافعي، وأبو السعود، والألوسي، ومحمد رشيد، وابن عاشور، وعليه فيجوز الوقف على ( ابن مريم ) والابتداء بما بعده على تقدير أمدح، أو أعنى عيسى بن مريم.
البحث من كتاب مسك الختام في معرفة الوقف والابتداء لـ ( جمال القرش)

[1] الجدول : 6/ 232
[2] إعراب القرآن محي الدين درويش : 2/ 373
[3] إعراب القرآن للنحاس : 1/ 248
[4] التبيان : 1/ 405
[5] الإيضاح: 2/ 609، والقطع : 440، ومنار الهدى مع المقصد: 233
[6] القطع : 190
[7] المكتفى: 56
[8] منار الهدى : 233
[9] .تفسير مقاتل : 269.
[10] بحر العلوم ج/1 / 379
[11] غرائب التفسير وعجائب التأويل: 311
[12] المحرر الوجيز في تفسير 2/ 156 .
[13] الجواهر الحسان في تفسير القرآن : 2/ 325
[14] تفسير القرآن العظيم: 2/ 448
[15] الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل : 1/587
[16] تفسير الراغب الأصفهاني: 4/ 219
[17] زاد المسير: 1/ 494
[18] تفسير العز بن عبد السلام : 364
[19] مفاتح الغيب : 11/80 .
[20] تفسير القرطبي: 6/ 9
[21] التنزيل وأسرار التأويل: 2/107
[22] تفسير النسفي: 1/ 413
[23] لباب التأويل في معاني التنزيل: 1/444
[24] غرائب القرآن ورغائب الفرقان : 2/ 526
[25] تفسير الإيجي جامع البيان في تفسير القرآن: 1/ 427
[26] تفسير أبي السعود : 2/ 251
[27] روح المعاني : 4/ 301 .
[28] تفسير المنار : 6/ 16
[29] التحرير و التنوير : 6/ 20