[align=center]تأكيد مناط التكفير بالموالاة
سلطان العميري[/align]
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين .. وبعد
فقد نشر الشيخ / عبد الله القرني بحثه في تحرير مناط الكفر بموالاة الكفار , واختلفت المواقف حوله بين مؤيد ومعارض , واختلفت أساليب كل منهما في إبداء الموافقة أو المعارضة .
وكان من المعارضين لذلك البحث الأخ / الموحد , ولقد كانت مناقشته علمية هادئة هادفة , ظاهر منها قصد الحق والتباحث العلمي , فهي تستحق أن تحترم وتقدر .
فأنا في الحقيقة أحييه على النفس العلمي الجميل , وأتمنى من كتابنا في الشبكة وفي الصحف وغيرها أن ينتهجوا هذا النهج الجميل , حتى ترتقي بحوثنا العلمية , ونصل فيها إلى الحق المنشود .
ومع هذا كله فلست من الموافقين له فيما قال وكتب , وحتى أبدي ما أخالف الأخ فيه لا بد من تحرير أفكاره التي طرحها , فإنه لم يرتبها , وهي في تصوري كما يلي :
1-خطأ منهجي في كتابة البحث .
2- حصر الموالاة في القلب مخالف لأصل أهل السنة في ارتباط الظاهر بالباطن .
3- حصر معنى الموالاة في القلب مخالف للغة واستعمالات الشرع .
4- مخالفة الإجماع .
5- مخالفة لنصوص صريحة .
6- الغرض الدنيوي وتعليق الأحكام به .
7- تقرير أن الأصل في الموالاة الكفر إلا ما استثني .
8- توجيه حديث حاطب و كلام الشافعي .
وقبل الوقوف مع هذه الأفكار لا بد من التذكير بمحل البحث في هذه المسألة , وتحريره هو أن يقال : إن موالاة الكفار لا تخلو من حالين :
الأول : إما أن تكون من أجل محبتهم لدينهم , فهذه كفر بالإجماع من الفريقين .
الثاني : وإما أن تكون بمجرد الموالاة العملية , وأما القلب فهو مبغض لكفرهم ولدينهم . هذه الصورة هي محل البحث والنقاش .
فمحل البحث إذن في تحرير مناط التكفير بالموالاة , لا في يـبان ما يدخل في مسمى الموالاة , وهذا التنبيه له أهمية سيأتي بيانها .
القضية الأولى
دعوى الوقوع في خطأ منهجي في البحث وهو عدم ذكر القول المخالف في المسألة .
والتعليق على ما ذُكر من وجوه :
1- هذه الدعوى غريبة من الأخ الموحد وهو يعلم أن الباحثين يختلفون في طرائق بحثهم للمسائل فمنهم من يعرض لكل ما يتعلق بالمسألة من أقوال وأدلة , ومنهم من يعرض لقول واحد منها , فليس كل من كتب بحثا علميا يلزمه أن يذكر كل ما قيل في المسألة , وهذا أمر بدهي , فالأئمة الذين كتبوا في الفقه أو الأصول أو غيرها لم يلتزموا أن يذكروا كل الأقوال في المسألة المبحوثة , ولم يعبهم أحد في صنيعهم هذا , فالاقتصار على قول واحد في بحث المسألة , وبيان أدلته طريقة من طرق التأليف الصحيحة .
نعم يكون هذا الصنيع معيبا إذا التزم في أول البحث أن يذكر كل الأقوال , ثم لم يذكرها , أو ادعى الإجماع على قوله , وهو ليس كذلك , والشيخ القرني لم يلتزم أن يذكر كل الأقوال , ولم يدعي الإجماع على قوله , فما وجه العيب إذن في فعله , وإذا كان لا بد أن يعاب القرني في طريقة بحثه فليتوجه العيب إذن إلى كل الأئمة ممن لم يذكر ما يخالف قوله في المسألة التي بحثها , وهم كثير .
2- أن يقال : إن القرني لم يغفل ذكر ما يتعلق بالقول الآخر تماما , بل قد ناقش أدلته في مواطن من البحث , فقد ناقش الاستدلال بقوله تعالى :" ومن يتولهم منكم فإنه منهم " على التكفير بالموالاة , وبين عدم صحة الاستدلال بها , وكذلك عرض له في مواطن أخرى من البحث .
القضية الثاني
وهي أن حصر الموالاة في القلب مخالف لأصل أهل السنة في ارتباط الظاهر بالباطن .
فقد ذكر الأخ الموحد أن الشيخ القرني بنى بحثه على أن الموالاة والمعاداة أصلها في القلب , وأما ما يظهر منها على الجوارح فهو من كمالاتها .
وذكر أن هذا مخالف لأصل أهل السنة في مسألة ارتباط الظاهر بالباطن , وبيان ذلك : أن كل باطن لا بد له من ظاهر يدل عليه وكل ظاهر لا بد له من باطن يستلزمه , وفي هذا يقول :" فالشيخ هنا وفقه الله ذكر لنا جميع الأعمال الظاهرة التي تنافي كمال الولاء والبراء الباطن وتنقص من أصل البراءة من الكفار ولا تنافي أصلها أو تنقضها ، وجعل منها نصرة الكفار ومظاهرتهم وتوقيرهم وإكرامهم وتقديمهم ... إلخ
ولم يذكر الشيخ وفقه الله ما ينافي أصل البراءة من الأعمال الظاهرة !!!
فإذا كان الولاء والبراء له أصل وكمال في الباطن فلابد لهذا الباطن أن يستلزم أمرا ظاهرا بالضرورة .
فإذا ذكر الشيخ ما ينافي كمال الولاء فنحن نطالبه بما ينافي أصله في الظاهر ...
وإلا فإن الله لا يعلق أحكاما على أمور باطنه ، ولا يمكن أن يقال إن أصل الدين أو ركنا فيه لا يستلزم أمرا ظاهرا قط أو لا ينافيه شيء في الظاهر قط ..."
وكذلك وضـح هـذه الفكرة بمسـألة العـبادة وكونها مشتملة على الخضوع وأعمال ظاهرة .................. .
والجواب على ما سبق يقال فيه :
إن الأخ الموحد خلط بين الكلام على في حقيقة الإيمان باعتباره مركبا من جملة أعمال ظاهرة وباطنه , وبين الكلام في كل فرد فرد من أعمال الإيمان باعتباره وحده , فظن أن كل ما ينطبق على الأيمان في حالته الأولى ينطبق على كل فرد من أفراده مستقلا .
والحقيقة أن الأمر ليس كذلك , وبيانه :أن من المعلوم أن الإيمان لا بد فيه من الظاهر والباطن , فإيمان ظاهر بلا باطن لا يتصور , وإيمان باطن بلا ظاهر لا يتصور , وإنما كان حال الإيمان كذلك , لأن هذا هو مقتضى الضرورة الفطرية , فإن الإنسان لا يمكن أن يعيش بظاهر لا باطن له , ولا بباطن لا ظاهر له , لأن النفس البشرية فيها قوتان : قوة علمية وقوة عملية , فلا بد من أن تتوافق وتتوافر تلك القوتين , وإلا اضطربت النفس وفسدت , وهذا في الحقيقة من إبداعات ابن تيمية فإنه حرص على أن يربط حقيقة الإيمان عند أهل السنة بهذه الضرورة الفطرية ,وبين أن كل من خالف أهل السنة في حقيقة الإيمان فهو مخالف لتلك الضرورة فضلا عن مخالفته للضرورة الشرعية .
والمقصود هنا أن جنس الظاهر لا بد أن يكون مستلزما لما في الباطن , بمعنى أن أعمال الظاهر جملة لا بد لها من محرك يستوجب ظهورها على الجوارح وهذا المحرك هو ما يقوم بالقلب من معاني كالحب والخوف والرجاء ونحوه , هذا هو الذي يدل عليه كلام ابن تيمية , فإنه قال في بيان ضرورة التلازم بين الظاهر والباطن :" وقد تقدم أن جنس الأعمال من لوازم إيمان القلب , وان إيمان القلب التام بدون شيء من الأعمال الظاهرة ممتنع "( ), وقال أيضا :" الْأَعْمَالَ الظَّاهِرَةَ الصَّالِحَةَ لَا تَكُونُ ثَمَرَةً لِلْإِيمَانِ الْبَاطِنِ وَمَعْلُولَةً لَهُ إلَّا إذَا كَانَ مُوجِبًا لَهَا وَمُقْتَضِيًا لَهَا وَحِينَئِذٍ فَالْمُوجَبُ لَازِمٌ لِمُوجِبِهِ ، وَالْمَعْلُولُ لَازِمٌ لِعِلَّتِهِ وَإِذَا نَقَصَتْ الْأَعْمَالُ الظَّاهِرَةُ الْوَاجِبَةُ كَانَ ذَلِكَ لِنَقْصِ مَا فِي الْقَلْبِ مِنْ الْإِيمَانِ فَلَا يُتَصَوَّرُ مَعَ كَمَالِ الْإِيمَانِ الْوَاجِبِ الَّذِي فِي الْقَلْبِ أَنْ تُعْدَمَ الْأَعْمَالُ الظَّاهِرَةُ الْوَاجِبَةُ ؛ بَلْ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ هَذَا كَامِلًا [ وُجُودُ هَذَا كَامِلًا ] كَمَا يَلْزَمُ مِنْ نَقْصِ هَذَا نَقْصُ هَذَا ؛ إذْ تَقْدِيرُ إيمَانٍ تَامٍّ فِي الْقَلْبِ بِلَا ظَاهِرٍ مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ كَتَقْدِيرِ مُوجَبٍ تَامٍّ بِلَا مُوجِبِهِ وَعِلَّةٍ تَامَّةٍ بِلَا مَعْلُولِهَا وَهَذَا مُمْتَنِعٌ "( ) .
ويتضح من هذا الكلام أن المقصود بضرورة التلازم بين الظاهر والباطن هو التلازم بين جنس الظاهر بالباطن .
والمقصود هنا أن القول بضرورة التلازم بين الظاهر والباطن هو فيما يتعلق بجنس العمل الظاهر لا فيما يتعلق بأفراد العمل , فإنه لا ضرورة في التلازم بينها وبين ما في الباطن من أصل الإيمان , بمعنى أنه إذا انتفى عمل ظاهر معين - لا جنس العمل - بالكلية من حياة المسلم فإنه لا يلزم بالضرورة أن يدل على انتفاء ما في القلب من أصل الإيمان , فلا يقال مثلا : من ترك صيام رمضان كلية فلم يصم في حياته ولا مرة واحدة إن هذا لا يمكن أن يكون مؤمنا , لأنه لو كان مؤمنا لتلازم ظاهره بباطنه لأن أصل أهل السنة أن الظاهر والباطن لا بد أن يتلازما , فهذا الكلام ليس بصحيح والاستدلال بهذا الأصل هنا ليس صحيحا , لأنه استدلال بأصل في غير محله , لأن محله في جنس العمل الظاهر لا في أفراد العمل .
ويدل على صحة هذا التقرير تعامل العلماء , وبيان ذلك : أن جمهور العلماء لما قالوا بأن ترك صيام رمضان ليس كفرا أو ترك الحج ليس كذلك , فإنهم يقصدون الترك الكلي , بمعنى أن من تركه كلية طوال حياته ولا يقصدون الترك الجزئي , وهم يدركون تماما أن مقتضى قولهم ولازمه أن من لم يصم في حياته ولم يحج ولو مرة واحدة أنه لا يكفر بذلك , يعنى أن تركه هذا لا ينافي أصـل ما قـلبه من الإيمان , مـع أنـه ترك لعمل ظاهر بالكلية .
فتحصل مما سبق أن مقصود العلماء بضرورة التلازم بين الظاهر والباطن إنما هو فيما يتعلق بجنس العمل لا في أفراد العمل الظاهر , ولم يستثنَ من الأعمال الظاهرة إلا ما استثنته الشريعة كما سيأتي .
ولا يلزم من هذا التقرير الذي هو فك الارتباط الضروري بين الظاهر والباطن في أفراد الأعمال الظاهرة أن يكون فيه موافقة للإرجاء , لأن المرجئة تقول بفك الارتباط بين الظاهر والباطن في جنس العمل , فضلا عن أفراده كما هو معلوم , ومخالفة أهل السنة هو في القول باستحالة الانفكاك بين جنس ما في الظاهر عما في الباطن , وبهذا تحصل المفارقة بين مذهب أهل السنة مذهب المرجئة , فالفرق بين أهل السنة والمرجئة هو أن الإيمان الباطن لا بد أن يستلزم عملا في الظاهر , لا أن كل عـمل في الظاهر - فعلا أو تركا - لا بد أن يـدل على ما في القلب من أصل الإيمان . وهذا أعني تقرير التلازم الضروري بين جنس الظاهر وما في الباطن , وتقري أن أفراد ما في الظاهر من أعمال - المكفرات العملية - إنما تدل على ما في الباطن بدلالة النصوص , قرره الشيخ القرني في مواطن متعددة من كتبه الذي اتهمه الأخ / الموحد بعدم ضبط هذا الأصل , وفي هذا يقول القرني :"ونعود الآن إلى بيان الالتزام الظاهر المشروط في أصل الدين فنجد أنه يتضمن أمرين :
الأول : ترك النواقض , ولا خلاف في اشتراطه لتحقيق الالتزام الظاهر وبقاء وصف الإسلام ........... .
الثاني : الالتزام بجنس العمل , وهو إجماع أهل السنة والجماعة ........ وهذا هو مناط النزاع بين أهل السنة والمرجئة "( ) , وهذا ما ذكر أيضا في كتابه الجديد وعنوانه " أصول المخالفين لأهل السنة في الإيمان "( )
ومما ينبغي أن يعلم أن كل ما سبق إنما هو من حيث الأصل , بمعنى أن الانفكاك ليس كليا دائما , بل بعض أعمال الظاهر يستدل بها على ما في القلب من كفر أو إيمان , ولكن الاستدلال بها ليس من جهة التلازم الضروري بين الظاهر والباطن وإنما راجع إلى اعتبارات أخرى .
وهنا يقال : ما في الظاهر يدل على ما في الباطن بعدة اعتبارات :
الاعتبار الأول : في جنس العمل , فإذا انتفى جنس العمل من الظاهر في هذا يدل على انتفاء ما في القلب من الإيمان , وهذا أمر واضح لا إشكال فيه .
الاعتبار الثاني : أن تدل نصوص الشريعة على أن هذا الفعل المعين يدل فعله أو تركه على انتفاء أصل الإيمان في القلب , وهو ما يسمى بالمكفرات العملية .
فهذه المكفرات العملية تدل على التلازم بين الظاهر والباطن , بمعنى أن الظاهر يدل على ما في الباطن من إيمان وكفر , ولكن هذه الدلالة جاءت من دلالة النصوص الشرعية لا من دلالة التلازم الضروري الفطري بين ما في القلب وما في الجوارح , فالمرجع في تحديدها وبيانها هو النصوص الشرعية , لا ضرورة التلازم بين الظاهر والباطن .
فمن ترك الصلاة تركا كليا أو سجد لصنم , أو فعل أي فعل من المكفرات العملية , فليس في قلبه شيء من الإيمان - وهذا الحكم من حيث الإطلاق لا من حيث الفاعل المعين - , وحكمنا على ما في قلبه إنما جاء من طريق النصوص الشرعية , لا من تطبيق قاعدة التلازم بين الظاهر والباطن , لأن هذا ليس محلها , لأن كلامنا في دلالة عمل جزئي لا في جنس العمل , ومن كفر من العلماء يترك الصلاة إنما كفر لأن النصوص دلت عنده على أن تركها كفر , لا على أن العمل الظاهر المفرد لا بد أن يدل على ما في القلب من الإيمان أو الكفر .
وعلى هذا فلا يصح أن يقال لمن لم يكفر يترك الصلاة - الترك الكلي - , بمعنى أنه لا يحكم على من لم يصلِ في حياته ولا صلاة واحدة بالكفر : إنه مخالف لأصل أهل السنة في مسألة ارتباط الظاهر بالباطن , لأن مخالفته في دلالة أمر جزئي على ما في الباطن لا في دلالة جنس العمل .
وكذلك القول في من قال إن الموالاة الظاهرة للكفار لا يكفر بها فاعلها , وإنما يكفر بما يقوم في قلبه من حب الكـفار لدينهم لا يلـزم منه أنه مخالف في أصل ارتباط الظاهر بالباطن .
فمحاكمة هذا القول على أصل الارتباط بين الظاهر والباطن هو في الحقيقة تنزيل للأصل في غير محله , فلا يمكن أن يكون صحيحا .
وعلى هذا فلا يحق لمن يرى أن الموالاة العملية منها ما هو كفر أن يستدل على قوله بأصل الارتباط بين الظاهر والباطن , وإنما يحق له الاستدلال بالنصوص التي يراها دالة على قوله , ويكون البحث في تحرير دلالة النصوص في الموالاة العملية وهل تدل على الكفر أم لا , وهذا الأمر لم يفعله الأخ الموحد , فهو لم يربط البحث في حكم الموالاة العملية بدلالة النصوص , وإنما ربطها بالتلازم بين الظاهر والباطن , وهذا فيه خروج عن محل البحث .
فتحصل من هذا أن الفعل الظاهر المفرد لا ضرورة بينه وبين دلالته على ما في القلب بمجرده , وإنما لا بد فيه من اعتبارات أخرى , كدلالة النصوص الشرعية , كما سبق شرح ذلك .
فإن قيل : إذا كان يمكن أن يقوم في قلب المسلم ما هو كفر ولا يوجد في العمل الظاهر ما يستلزمه ويدل عليه , فكيف يحكم على من كان حاله كذلك , وأي فائدة في تعليق الحكم على أمر باطن لا يمكن للأعمال الظاهرة أن تدل على حقيقته ؟!! .
قيل في الجواب :
1- أن يقال : إن البحث في مسائل الإيمان والكفر , ومحاولة التأصيل لها له عدة مقاصد منها :
أ - أن يعرف العبد المؤمن ما الذي يكفر به من الأعمال حتى يحذرها ويتجنبها فيحافظ على إيمانه , وما الذي لا يكفر به في خاصة نفسه , وما الأعمال التي من الإيمان حتى يفعلها ويزيد إيمانه بها , ومعرفة ذلك مهم لأن الإيمان إنما يثبت وينتفي ويزيد وينقص بالأعمال .
ب - أن يُعرف كيف نحكم على الآخرين ممن تلبس ببعض أعمال الكفر , ولا شك أن هذا مقصود للشرع , ولكنه ليس المقصود الوحيد .
وهذا القصد الثاني وقع الاهتمام به أكثر من القصد الأول , فأدى ذلك إلى ضعف التأصيل لمسائل الإيمان , لأن الهم أصبح عند كثير ممن يدرس هذه المسائل هو أنه كيف يحكم على الفاعل المعين لتلك الأعمال المكفرة .
2- أن هذا الاعتراض مبني على الخلط بين مجالين مختلفين , وهما : الأول : البحث في حكم الفعل المعين في الشرع من غير نظر إلى فاعله , والثاني : البحث في تحقق هذا الفعل المعين وانطباق حكمه على المعين , وهذان المجالان مختلفان , فالبحث في حكم الفعل في الشرع المقصود منه أن يعرف حكم الله سبحانه في هذا الفعل المعين , والبحث في تحقق حكم الفعل في الفاعل المعين المقصود منه أن يعرف حال هذا الفاعل المعين هل ينطبق عليه حكم فعله الذي فعله أم أنه لا يحكم عليه بمقتضى ذلك الفعل , لقيام مانع أو فقد شرط في حقه .
القضية الثانية :
دعوى أن حصر معنى الموالاة في الحب القلبي مخالف للغة العرب و لاستعمالات الشرع
يقول الأخ / الموحد في تقرير هذه الدعوى بعد ما نقل نصوصا في معنى الموالاة :" ولذلك فإن لنا أن نقول إن الولاء له عدة معاني منها النصرة والمحبة والقرب إلى غير ذلك مما ذكر وهو في أصل الوضع ...
وهذه المعاني قد تتلازم وقد لا تتلازم وكما قلت هي في أصل الوضع من معاني الولاء ، وفي اصطلاح الشارع كثير منها فلم نحصرها في معنى واحد ولماذا لا نتعامل مع كل هذه المعاني الصحيحة ونرى حكم الشرع في كل منها حال استعماله لها ؟!
فالواجب أن نراقب استعمال الشرع لأي من هذه المعاني لا إن نختزلها في صورة واحدة ونغض الطرف عن بقية الصور وكأن هذه الصور والمعاني ليس من معناه ..."
والجواب عن هذه الدعوى من وجوده :
1- أن الأخ الموحد لم يفرق بين ما يدل على الموالاة وبين ما يبين مناط التكفير بها , فما ذكره غاية ما يدل عليه أن ما في الظاهر يدخل في مسمى الموالاة , والبحث ليس في تحرير ما يدخل في مسمى الموالاة , وإنما في تحرير مناط التكفير بها , وهذا الخلط الذي وقع فيه الأخ الموحد أشكل عليه في كثير من كلامه .
فمن حصر مناط التكفير بالموالاة في الحب القلبي , لا ينفي أن ما في الظاهر يدخل في الموالاة , وإنما ينفي أن يكون ما في الظاهر من الموالاة داخلا في مناط التكفير بها , فلا بد من التفريق إذن بين البحث في تحرير ما يدخل في مسمى الموالاة وبين البحث في تحرير مناط التكفير بها , وهذا ما لم يفعله الأخ الموحد .
فمن أراد أن يثبت أن الموالاة الظاهرة للكفار كفر لا يصح له أن يقتصر على إثبات دخولها في مسمى الموالاة فقط , لأن منازعه لا يخالف في ذلك , وإنما يجب عليه أن يثبت من النصوص ما يدل على كونها مناطا للتكفير .
فتحصل مما سبق أن هناك فرقا بين البحث فيما يدخل في مسمى الموالاة وبين البحث في تحرير مناط التكفير بها , وأنه لا يلزم من دخول العمل في مسمى الموالاة أن يكون داخلا في مناط التكفير بها , وهذه النقطة مهمة جدا لا بد من الوقوف عندها .
2- أن حقيقة هذه الدعوى أن الموالاة المكفرة ليست خاصة بالموالاة القلبية , بل من والى الكفار بعمله الظاهر فهو كافر , لأن المولاة تطلق على ما في القلب وما في الظاهر من الأعمال .
وهنا يقال : من كفر بالموالاة العملية :
أ- إما أن يكون سبب التكفير بها لأنها دليل على ما في القلب من الحب للكفار والبغض لله ولدينه , فمن والى الكفار على المسلمين في الظاهر لا يمكن أن يكون محبا لله ولدينه , و لكن يلزم على هذا القول بأن الموالاة راجعة إلى ما قام بالقلب من حب وبغض , وهذا مخالف لما قرره الأخ / الموحد من أن الموالاة تكون بالظاهر ولو لم يكن ثمة حب في القلب .
فيلزمه أن يقر بصحة القول بأن أصل الموالاة راجع إلى ما القلب من الحب والبغض , ويبقى الخلاف في دلالة العمل الظاهر من الموالاة للكفار هل يدل على ما في القلب من الحب والبغض أم لا ؟ , وهنا يظهر اثر الخلط بين ما يدخل في مسمى الموالاة وبين ما يدخل في مناط التكفير بها .
ب- وإما أن يكون سبب التكفير بها هو ما ظهر من الموالاة للكفار في أعمال الجوارح , من التفات إلى ما تدل عليه من أعمال القلب .
فالتكفير بهذه الصورة يخالف ما قرره الأخ الموحد من التلازم الضروروي بين ما في القلب وما في الظاهر من أفراد أعمال الإيمان , وهو مخالف لأصل أهل السنة من أنه لا يحق أن نحكم على معين بالكفر مع علمنا بإيمانه في الباطن .
2- أن هناك فرقا بين الكلام في المعنى الأصلي للفظ وبين ما يطلق عليه من معاني , فبعض الألفاظ العربية تطلق على عدة معاني ولكنها ترجع كلها إلى معنى واحد , وهذه الطريقة يستعملها الأئمة , ومن أشهر من استعملها ابن فارس في المقاييس فإنه يرجع كل لفظ إلى معناه الأصلي فتراه يذكر في كل لفظ المعنى الأصلي الذي ترجع إليه جميع إطلاقات اللفظ , وهذا ما فعله في لفظ الموالاة , فإنه أرجعه إلى أصل واحد هو القرب , وفي هذا يقول :" الواو واللام والياء أصل صحيح يدل على قرب , من ذلك الولي القرب , يقال : تباعد بعد ولى أي قرب , وجلس مما يليني أي يقاربني .
والولي المطر يجيء بعد الوسمي سمي بذلك لأنه يلي الوسمي .
ومن الباب المولى الممتق والمعتق والصاحب والحليف وابن العم والناصر والجار كل هؤلاء من الولي وهو القرب , وكل من ولى أمر آخر فهو وليه , وفلان أولى بكذا أي أحرى به وأجدر.
فأما قولهم في الشتم أولى لك فحدثني علي بن عمر قال سمعت ثعلبا يقول أولى تهدد ووعيد"( ) فابن فارس جعل للفظ الموالاة أصل واحد وهو القرب , وكذلك ابن تيمية جعل المعنى الأصل لهذا اللفظ راجع إلى القرب والحب , وفيه ذا يقول :" وَ " الْوِلَايَةُ " ضِدُّ الْعَدَاوَةِ وَأَصْلُ الْوِلَايَةِ الْمَحَبَّةُ وَالْقُرْبُ وَأَصْلُ الْعَدَاوَةِ الْبُغْضُ وَالْبُعْدُ . وَقَدْ قِيلَ : إنَّ الْوَلِيَّ سُمِّيَ وَلِيًّا مِنْ مُوَالَاتِهِ لِلطَّاعَاتِ أَيْ مُتَابَعَتِهِ لَهَا وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ . وَالْوَلِيُّ الْقَرِيبُ فَيُقَالُ : هَذَا يَلِي هَذَا أَيْ يَقْرُبُ مِنْهُ . وَمِنْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا أَبْقَتْ الْفَرَائِضُ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ أَيْ لِأَقْرَبِ رَجُلٍ إلَى الْمَيِّتِ . وَأَكَّدَهُ بِلَفْظِ " الذَّكَرِ " لِيُبَيِّنَ أَنَّهُ حُكْمٌ يَخْتَصُّ بِالذُّكُورِ وَلَا يَشْتَرِكُ فِيهَا الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ "( ) .
فهؤلاء العلماء فرقوا بين المعنى الأصلي للفظ الموالاة وبين المعاني الأخرى التي يطلق عليها وهي راجعة المعنى الأصلي .
هذا القسم الأول من مناقشة الأخ الموحد فيما أورده على مناط التكفير بالموالاة , ويعقبه القسم الآخر قريبا إن شاء الله تعالى .