تفسير اللباب لابن عادل - (ج 14 / ص 370)
وفي الحكمة في القسم ههنا وجوه :
أحدها : أن الكفار كانوا يَنْسبون النبي - - للجدال ، ومعرفة طرقه ، وأنه عالم بفساد قولهم ، وأنه يغلبهم بمعرفته بالجدال ، وحينئذ لا يمكن أن يقابلهم بالأدلة ، كما أن من أقام خَصْمُه عليه الدليل ولم يبق له حجة ، يقول : إنه غلبني ، لعلمه بالجدل وعجزي عن ذلك ، وهو يعلم في نفسه أن الحق تبعي ولا يبقى للمتكلم المبرهن غير اليمين ، ليقول : والله إن الأمر كما أقول ولا أجادلك بالباطل لأنه لو استدل بطريق آخر يقول خصمه فيه كقوله الأول ، فلا يبقى إلا السكوت ، أو التمسك بالأيمان ، وترك إقامة البرهان .
الثاني : أن العرب كانت تحترز عن الأيمان الكاذبة ، وتعتقد أنها تخرب المنازل ، فكان النبي - - يكثر الإقسام ، دلالة على أنه صادق ولذلك كان أمره يتزايد ويعلموا أنه لا يحلف بها كاذباً .
الثالث : أن الأيمان التي أقسم بها كلها دلائل أخرجت في صورة الأيمان لينبّه بها على كمال القدرة ، كقول القائل للمنعم : وحقِّ نِعْمَتِك الكثيرة إنّي لا زال أَشْكُركَ . فذكر النعم التي هي سبب مفيد لدوام الشكر ، وإنما أخرجها مُخْرج الإيمان ، إيذاناً بأنه يريد أن يتكلم بكلام عظيم فيصغي إليه السامع أكثر ما يصغي إليه حيث يعلم أن الكلام ليس بمعتبر فبدأ بالحلف .
فصل
أورد القسم على أمور منها الوحدانية ، ولظهور أمرها واعترافهم بها حيث يقولون : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى الله زلفى [ الزمر : 3 ] وقولهم : مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ الله [ لقمان : 25 ] لم يقسم عليها إلا في سورة الصافات ومنها الرسالة وهو في سورتين « وَالنَّجْمِ » « وَالضُّحَى » ، وبالحروف في « يس » ومنها الحشر ، والجزاء وما يتعلق به ، فلكثرة إنكارهم له كرر القسم عليه .
فصل
أقسم الله بجمع السلامة المؤنث في سور خمس ، ولم يقسم بجمع السلامة المذكر في سورةٍ أصلاً ، فلم يقل : والصَّالِحِينَ من عبادي ، ولا المقربين إلى غير ذلك مع أن المذكر أشرف؛ لأن جموع السلامة بالواو والنون في الغالب لمن يعقل .


وقد ذكرها الرازي مطولة ولعل ابن عادل الحنبلي اختصرها