إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
هذا الموضوع مغلق.
X
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • البروفيسور عبد الله الطيب فقيد العلم واللغة

    [align=center]بسم الله الرحمن الرحيم[/align]
    كثيرة هي الفواجع والمصائب في هذه الحياة الدنيا، وأكثر هذه الفواجع وآلمها موت العلماء، تلك المصيبة التي تتعدى آثارها بيت الفقيد وأهله وصحبه، لتصل إلى آماد بعيدة في الأمة عامة.
    وفي أحيان كثيرة يقف المرء مشدوهاً أمام هذه المصائب ولربما حاول استبعادها من شدة وقعها لأول وهلة، إذ يفزع الإنسان في لحظة ما إلى آمال حبيسة في نفسه سرعان ما تجيش لتتحكم في سلوكياته، وهذا ما عبّر عنه أبو الطيب المتنبي حينما بلغه خبر موت من كان مولعاً بحبها فما أن وصله الخبر حتى قال:
    [align=center]طوى الجزيرة حتى جاءني خبر* فزعت فيه بآمالي إلى الكذب[/align]
    وهذا الذي كان عندما سمعت بموت العالم الكبير الحبر البحر البروفيسور عبد الله الطيب علامة السودان في العربية وعلومها بل وإمام العربية الكبير في وقت تعاجز الناس فيه عن مجرد النطق السليم بالعربية الفصيحة.
    لقيت أنا البروفيسور في السودان وتعرفت إليه عن قرب، ولقد كان وديعاً متواضعاً لا تحس وأنت تجالسه بأي غربة تجوب حولك، كان يوم لقيته أستاذاً للعربية في جامعة الخرطوم ومديراً لمجمع اللغة العربية هناك، تلمحه فتلمح من ثناياه تراثاً عربياً إسلامياً فواراً، وغيرةً على العربية والدين قلما تجدها عند أدباء اليوم. كان هذا هو أول لقاء به، ثم كان اللقاء الثاني الكبير يوم شرفت به مناقشاً لرسالتي في الدكتوراه، فرأيت منه بحراً زاخراً وعلماً كبيراً متواضعاً لم تزده مناصبه إلا رقة وحنانا.

    مسيرة حياته :
    ولد الفقيد رحمة الله تعالى بغرب الدامر – قرية في السودان – في رمضان عام 1339 هـ الموافق 1921م.
    تعلم بمدرسة كسلا والدامر وبربر وكلية غوردون بالخرطوم والمدارس العليا ومعهد التربية ببخت الرضا وجامعة لندن بكلية التربية ومعهد الدراسات الشرقية والأفريقية.

    نال درجة البكالوريوس في الآداب عام 1948 م من جامعة لندن، ونال الدكتوراه من جامعة لندن SOAS عام 1950م.
    امتد تاريخه الأكاديمي أكثر من نصف قرن، انتقل فيها إلى بلدان عدة وتبوأ فيها بعض المناصب الأكاديمية.
    فقد عمل محاضراً في معهد دراسات الشرق الأوسط وأفريقيا في لندن، ومدرساً بكلية أم درمان الأهلية، وكلية غوردون وبخت الرضا، وكلية الخرطوم الجامعية وجامعة الخرطوم وغيرها.
    - تولى عمادة كلية الآداب بجامعة الخرطوم ( 1961 – 1974 ).
    - كان مديراً لجامعة الخرطوم ( 1974 – 1975 ).
    - أول مدير لجامعة جوبا ( 1975 – 1976 ).
    - أشرف على إنشاء كلية عبد الله باييرو في جامعة أحمد بيلو في ( كانو ) بنيجيريا وكان أول عميد لها. وأصبحت الكلية فيما بعد جامعة مستقلة.
    - عمل أستاذاً للدراسـات العليا في كليـة الآداب والعلـوم الإنسانية في جامعة سيدي محمد بن عبد الله في مدينة فاس بالمغرب.
    - عيّن أستاذاً ممتازاً مدى الحياة ( Professor Emeritus ) بجامعة الخرطوم في سنة 1979م.
    - كان عضواً في هيئة تحرير الموسوعة الأفريقية في غانا.
    - عضو عامل بمجمع اللغة العربية بالقاهرة منذ عام 1961م.
    - أول رئيس لمجمع اللغة العربية بالخرطوم.
    - رئيس اتحاد الأدباء السودانيين.
    - أستاذ زائراً لعدد من الجامعات العربية والأفريقية والبريطانية.
    - منح الدكتوراه الفخرية من جامعة الخرطوم سنة 1981م ومن جامعة باييرو ب(كانوا) بنيجيريا سنة 1988م ومن جامعة الجزيرة بالسودان سنة 1989م.
    - شارك في عدة مؤتمرات في السودان وخارجه.
    - له مساهمات في الصحافة والإذاعة والتلفزيون.
    - فسّر القرآن الكريم كله من إذاعة أم درمان بين عامي 1958 – 1969 مع تلاوة الشيخ صديق حمدون .
    - نال جائزة الملك فيصل العالمية عام 2000م.

    هذه المناصب المختلفة والأعمال المميزة تدل على أن الرجل كان يحتل مكانة مرموقة في الأوساط الثقافية والأكاديمية في الوطن العربي.
    والفقيد تنوعت اهتماماته وتعددت لتشمل مختلف مجالات الفكر والأدب واللغة العربية، فهو شاعر وكاتب وروائي ودارس متعمق في الأدب العالمي وله إسهامات أدبية متميزة في مجال النقد الدبي القديم عند العرب، وفي حقول الفكر والأدب عموماً. فهو محيط بالشعر العربي وتاريخه وقضاياه إحاطة قلّ أن تتوافر في كثير من الدارسين .
    وقد أخبرني الدكتور إحسان عباس أن الدكتور عبد الله الطيب يكاد يحفظ الشعر الجاهلي الذي وصلنا بعجره وبجره، وهذه شهادةٌ أخرى من معاصرٍ خبير.
    اهتم الدكتور عبد الله الطيب بالكتابة والتأليف إن بالعربية أو الإنجليزية، تناولت قضايا الشعر والنثر والنصوص، وله عدة دواوين شعرية ومسرحيات وقصص للأطفال فمن دواوينه أصداء النيل، وبانات رامة، وأغاني الأصيل وزواج السمر ... وغيرها.
    وأشهر كتاب له في هذا الميدان كتابه المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها، ويقع في خمسة أجزاء، استغرق تأليفه أكثر من خمسة وثلاثين عاماً حيث صدر الجزء الأول عام 1955م في مصر والخامس عام 1990م في الخرطوم، وللحديث عن هذا الكتاب بقية ستأتي إن شاء الله تعالى.

    بين الدكتور طه حسين وعبد الله الطيب:
    كان الدكتور طه حسين ألوكة الألسنة في ذلك الزمان الذي عاش فيه ويندر، أن يوجد أديب أو كاتب لا يذكر طه حسين، بغض النظر عن نوعية هذا الذكر. وقد كان حديث الناس في مجالسهم ومنازلهم وكان الاتصال به يمثل نوعاً من الكبرياء المعرفية – إن صحت هذه النسبة – لدى كثير من الأدباء أو المتأدبين في ذلك الوقت، ومطمحاً عزيزاً لنفوس كثيرين أيضاً.
    وقد كان الدكتور عبد الله الطيب أحد الطامحين إلى هذه الصلة، وقد يسّر الله تعالى هذه الصلة عن طريق المستشرق ألفريد جيوم، وقد قدّم له الدكتور الطيب في طالعة كتابه المرشد ثناءً يقول فيه: ولأستاذي الكريم العلاّمة ألفريد جيوم، عميد الدراسات الإسلامية بمعهد اللغات الشرقية بلندن، لدي يد لا تنكر فقد كان لا يني يشجعني برسائله، على بعد ما بيننا من المسافة، ثم تجمل فحملني رسالة تقديم لطيفة إلى الدكتور طه حسين كانت هي فاتحة اللقاء بيني وبينه .
    ثم توالت الرسائل بين الدكتور الطيب والدكتور طه حسين، وقد نشرت مجلة القاهرة في عدد إبريل من عام 1995 اثنتي عشر رسالة كان أرسلها الدكتور عبد الله الطيب إلى الدكتور طه حسين. ونلمح من هذه الرسائل مدى الإعجاب الذي كان يكنه الطيب للدكتور طه، ففي هذه الرسائل كان يخاطبه بسيدي الجليل وأحياناً سيدي ومولاي العظيم، وأحيانا سيدي ومولاي الأستاذ الكبير، وأحياناً سيدي وأستاذي الجليل، وأحياناً سيدي أستاذنا الجليل أستاذ الجيل.
    ويبدو لي من خلال هذه الرسائل أن هذا الإعجاب لم يكن فطرياً فحسب وإنما لغايةٍ أخرى، ففي جميع الرسائل تقريباً كان الحديث من الدكتور الطيب عن كتابه المرشد ورغبته في أن يقدم الدكتور طه لهذا الكتاب حتى يتسنى لهذا الكتاب أن يكتب له الذيوع والانتشار بمقدمة الدكتور طه له وإلا فسيبقى خاملاً غير سائر.
    ولم تنتشر مجلة القاهرة ردود الدكتور طه على رسائل الدكتور عبد الله الطيب، ولكنا نلمح بطئاً شديداً في الرد إذ لم يشر الطيب إلا مرة أو مرتين بوصول الرد إليه ولربما كان هذا من حوافز الإلحاح الشديد لدى الطيب على الدكتور طه ليكتب تقديماً لكتابه.
    وفعلاً وبعد لأي شديد كتب الدكتور طه هذا التقديم الذي صدر به الجزء الأول من كتاب المرشد وسنقف عند هذا التقديم بعد قليل، ولكن لنمضي الآن مع هذه الرسائل.
    وفي هذه الرسائل أيضاً ندرك التقدير الذي حظي به الدكتور طه من الدكتور الطيب، إذ كان يلقبه بمعلم الجيل وذخره، كما في الرسالة المؤرخة في 18/3/1954م، وفي رسالة أخرى لقبه بقوله: بحر الأدب الزاخر ومنبعه الأصيل وفيها أيضاً العالم الحبر الجليل الأديب عميد العربية الذي طبق ذكره الآفاق.
    هذا بالإضافة إلى ما في هذه الرسائل من الثناء للدكتور طه حسين، فإنا نأخذ منها تصريح الدكتور الطيب بمنهجه العلمي والنقدي وحرصه على الإنصاف، فهو مثلاً مع حرصه الشديد على أن يقدم الدكتور طه كتابه فقد كان حريصاً على إبراز معايبه إن وجدت، يقول في رسالة إلى الدكتور طه: ولا أحتاج هنا أن أذكر أن حرصي على أن ينبه سيدي معايب كتابي ليس بأقل من حرصي على أن يلمح بجانب من طرفه بعض محاسنه وهذه موضوعية واضحة جداً. ونلمح إضافةً إلى هذا شيئاً من الإنصاف في العلاقة مع من لا يتلاءم معه في الأفكار على نحوٍ ما، فهو يقول مخاطباً الدكتور طه بشأن الدكتور محمد النويهي: هذا وربما يسرك يا سيدي أن تعلم أني سأعمل التدريس بكلية الخرطوم الجامعية ابتداءً من الصيف القادم مع الدكتور محمد النويهي وهو رجل أحترم ذكاءه وفطنته، وإن كان لا يعجبني منهجه في دراسة الأدب.
    ولعل هذا الاحترام المتبادل بيننا، أن يمكنني ويمكنه، كل من ناحيته، أن نتعاون على خدمة العربية في هذه البلاد، وميدان الدراسة الجامعية بعد فيه سعة لاختلاف في المناهج والآراء مادام روح العلم هو المهيمن على هذا الاختلاف.
    لعمرك إن هذا يمثل الروح العلمية النزيهة المطلوبة وليت كثيراً ممن يدرسون في الجامعات والمعاهد يتنبهوا إلى مثل هذا الخلق النبيل ليجنوا من ثماره فوائد كبيرة على التعليم الجامعي خاصةً والتعليم العام عامةً، لما فيه من كبح جماح المنازعات بين الناس وخصوصاً المتعلمين منهم والله تعالى المستعان.
    ونجد في هذه الرسائل كذلك حديثاً عن كتاب مجهول للدكتور طه حسين وهو كتاب مرآة الإسلام، ففي رسالة مؤرخة بتاريخ 3/10/1960م يقول الدكتور عبد الله الطيب: سيدي الكريم، الدكتور طه حسين، أطال الله بقاءه، السلام عليك يا سيدي، وإليك مني التحيات والطيبات. وتالله يفتأ قلبي يذكرك ويتمنى لقاءك، وقد قرأت ( مرآة الإسلام ) مراراً. ولا أملك إلا أن أقول كما قال أبن مسعود : ( إذا ذكر الصالحون فحيهلاً بعمر ) فأبقاك الله للإسلام وللعربية ذخراً.
    وقد سمعت في أثناء مناقشتي للدكتوراه في السودان من أحد المناقشين أن طه حسين قد رجع عن آرائه في هذا الكتاب، وهي معلومة حرية بالدرس. ومن عجب أن هذا الكتاب لا يكاد يذكره أحد، وإنه لجدير بالباحثين أن يفتشوا عن هذا الكتاب، ويعيدوا قراءته، فإن صحّ ما نقلته عن المناقش فينبغي أن تعاد قراءة طه حسين من جديد إنصافا للتاريخ، وحسماً لآراء لا تزال تتردد بين الفينة والأخرى، وحسماً لنزاع لا يزال يطل برأسه بين الباحثين، إذ لا يزال طه حسين يثير لغطاً بين الباحثين إلى هذا اليوم.
    وإني لأرجو أن يتوافر على هذا الكتاب باحث جاد ليحسم هذه المسألة التي ذكرتها ولا أدري هل سبق أحد بمثل هذا القول أم لا؟

    طه حسين وكتاب المرشد:
    كتب الدكتور عبد الله الطيب في طالعة كتابه هذا يقول: يرجع الفضل الأكبر في إبراز هذا الكتاب من حجاب الخمول إلى جماهير القراء الكرام، إلى الأستاذ العلاّمة عميد الأدب العربي، الدكتور طه حسين، فقد اختلس من زمنه القيّم ساعات لقراءة أصوله، ثم وعد بالتقديم له، ثم سعى سعياً حثيثاً في نشره، كل ذلك فعله ابتغاء وجه الله، واعترافاً بحق الأدب والأدباء وقد وردت مصر غريباً. وصدرت منها بعد لقائه وأنا أشعر بالعزة والكرامة ، وقد قدّم الدكتور طه هذا الكتاب بمقدمة لطيفة أرى من المناسب ذكرها هنا لندرة الكتاب فيما بيننا ولأنها تفصح عن قيمة الكتاب ثانياً، ولأن فيها آراء خاصة بالدكتور طه ثالثاً: وتالياً هذا التقديم.

    يقول الدكتور طه حسين:
    " هذا كتاب ممتع إلى أبعد غايات الإمتاع، لا أعرف أن مثله أتيح لنا في هذا العصر الحديث.
    ولست أقول هذا متكثّراً أو غالياً، أو مؤثراً إرضاء صاحبه، وإنما أقوله عن ثقة وعن بيّنة، ويكفي أني لم أكن أعرف الأستاذ المؤلف قبل أن يزورني ذات يوم، ويتحدث إليّ عن كتابه هذا، ويترك لي أياماً لأظهر على بعض ما فيه، ثم لم أكد أقرأ منه فصولاً، حتى رأيت الرضى عنه، والإعجاب به، يفرضان عليّ فرضاً، وحتى رأيتني ألح على الأستاذ المؤلف أن ينشر كتابه، وأن يكون نشره في مصر، وآخذ نفسي بتيسير العسير من أمر هذا النشر. وأشهد لقد كان الأستاذ المؤلف متحفظاً متحرجاً، يتردد في نشر كتابه، حتى أقنعته بذلك بعد إلحاح مني شديد. وقد يسّر الله هذا النشر، بفضل ما لقيت من حسن الاستعداد، وكريم الاستجابة، من شركة الطبع والنشر لأسرة الحلبي، فشكر الله لهذه الشركة حسن استعدادها، وكريم استجابتها، وما بذلت من جهدٍ قيم، لتطرف قراء العربية بهذا الكتاب الفذّ، الذي كان الشعر العربي في أشد الحاجة إليه.
    وإني لأسعد الناس حين أقدم إلى القراء صاحب هذا الكتاب، الأستاذ عبد الله الطيب وهو شاب من أهل السودان، يعلّم الآن في جامعة الخرطوم، بعد أن أتم دراسته في الجامعات الإنجليزية، وأتقن الأدب العربي، علماً به، وتصرفاً فيه، كأحسن ما يكون الإتقان، وألّف هذا الكتاب باكورة رائعة لآثار كثيرة قيّمة ممتعة إن شاء الله.
    أنا سعيد حين أقدم إلى قراء العربية هذا الأديب البارع، لمكانه من التجديد الخصب في الدراسات الأدبية أولاً، ولأنه من إخواننا أهل الجنوب ثانياً.
    وأنا سعيد بتقديم كتابه هذا إلى القراء، لأني أقدم إليهم طرفة أدبية نادرة حقاً، لن ينقضي الإعجاب بها، والرضى عنها، لمجرد الفراغ من قراءتها، ولكنها ستترك في نفوس الذين سيقرؤونها آثاراً باقية، وستدفع كثيراً منهم إلى الدرس والاستقصاء، والمراجعة والمخاصمة، وخير الآثار الأدبية عندي، وعند كثير من الناس، ما أثار القلق، وأغرى بالاستزادة من العلم، ودفع إلى المناقشة وحسن الاختبار.
    وأخصّ ما يعجبني في هذا الكتاب، انه لاءم بين المنهج الدقيق للدراسة العلمية الأدبية، وبين الحرية الحرة التي يصطنعها الشعراء والكتّاب، حين ينشئون شعراً أو نثراً، فهذا الكتاب مزاج من العلم والأدب جميعاً، وهو دقيق مستقص حين يأخذ في العلم، كأحسن ما تكون الدقة والاستقصاء، وحر مسترسل حين يأخذ في الأدب، كأحسن ما تكون الحرية والاسترسال. وهو من أجل ذلك يرضي الباحث الذي يلتزم في البحث مناهج العلماء، ويرضي الأديب الذي يرسل نفسه على سجيتها، ويخلي بينها وبين ما تحب من المتاع الفني، لا تتقيد في ذلك لا بحسن الذوق، وصفاء الطبع، وجودة الاختيار.
    وقد عرض الكاتب للشعر، فأتقن درس قوافيه وأوزانه، لا إتقان المقلّد، الذي يلتزم ما ورث عن القدماء، بل إتقان المجدد، الذي يحسن التصرف في هذا التراث، الذي لا يضيّع منه شيئاً، ولكنه لا يفنى فيه فناء، ثم أرسل نفسه على طبيعتها بعد ذلك، فحاول أن يستقصي ما يكون من صلة بين أنواع القوافي وألوان الوزن، وبين فنون الشعر التي تخضع للقوافي والأوزان، فأصاب الإصابة كلها في كثيرٍ من المواضع، وأثار ما يدعو إلى الخصام والمجادلة في مواضع أخرى، فهو لا يدع بحراً من بحور الشعر العربي، إلا حاول أن يبين لك الفنون التي تليق بهذا البحر، أو التي يلائمها هذا البحر، وضرب لذلك الأمثال في استقصاء بارع لهذا البحر، منذ كان العصر الجاهلي، إلى أن كان العصر الذي نعيش فيه، وهو يعرض عليه من أجل ذلك ألواناً مختلفة مؤتلفة من الشعر، في العصور الأدبية المتباينة، ألواناً في البحر إلى أقيمت عليه، وفي الموضوعات التي قيلت فيها، ولكنها تختلف بعد ذلك باختلاف قائليها وتباين أمزجتهم، وتفاوت طبائعهم، وتقلبهم آخر الأمر بين التفوق والقصور، وما يكون بينهما من المنازل المتوسطة، والمؤلف يصنع هذا بالقياس إلى بحور العروض كلها، فكتابه مزدوج الإمتاع، فيه هذا الإمتاع العلمي، الذي يأتي من اطراد البحث على منهجٍ واحدٍ دقيق، وفيه هذا الإمتاع الأدبي، الذي يأتي من تنّوع البحور والفنون الشعرية التي قيلت فيها، وتفاوت ما يعرض عليك من الشعر في مكانها من الجودة والرداءة.
    والمؤلف لا يكتفي بهذا، ولكنه يدخل بينك وبين ما تقرأ من الشعر، دخول الأديب الناقد، الذي يحكّم ذوقه الخاص، فيرضيك غالباً، ويغيظك أحياناً، ويثير في نفسك الشك أحياناً أخرى. وهو كذلك يملك عليك أمرك كله، منذ تأخذ في قراءة الكتاب، إلى أن تفرغ من هذه القراءة، فأنت متنبه لما تقرأ تنبهاً لا يعرض له الفتور، في أي لحظة من لحظات القراءة، وحسبك بهذا تفوقاً وإتقاناً.
    وليس الكتاب قصيراً يقرأ في ساعات ولكنه طويل يحتاج إلى أيام كثيرة، وحسبك أن صفحاته تقارب تمام المائة الخامسة، وليس الكتاب هيناً يقرأ في أيسر الجهد، ويستعان به على قطع الوقت، ولكنه شديد الأسر، متين اللفظ، رصين الأسلوب، خصب الموضوع، قيّم المعاني، يحتاج إلى أن تنفق فيه خير ما تملك من جهدٍ ووقت وعناية، لتبلغ الغاية من الاستمتاع به. هو طرفةٌ بأدق معاني هذه الكلمة، وأوسعها وأعمقها، ولكنها طرفةٌ لا تقدّم إلى الفارغين، ولا إلى الذين يؤثرون الراحة واليسر، ولا إلى الذين يأخذون الأدب على أنه من لهو الحديث، وإنما تقدم إلى الذين يقدرون الحياة قدرها، ولا يحبون أن يضيعوا الوقت والجهد، ولا يحاولون أن يتخففوا من الحياة، ويأخذون الأدب على أنه جد، حلوٌ مر، يمتع العقل، ويرضي القلب، ويصفي الذوق.
    هؤلاء هم الذين سيقرؤون هذا الكتاب، فيشاركونني في الرضى عنه، والإعجاب به، والثقة بأن له ما بعده، ويشاركونني كذلك في ترشيح هذا الكتاب لجائزة الدولة، التي تقدمها الحكومة المصرية لخير ما يصدره الأدباء من كتب، إن جاز لك ولي أن ندل لجنة هذه الجائزة على ما ينبغي أن تدرس من الكتب، لمنح هذه الجائزة.
    أما بعد فإني أهنئ نفسي وأهنئ قرّاء العربية بهذا الكتاب الرائع، وأهنئ أهل مصر والسودان بهذا الأديب الفذّ، الذي ننتظر منه الكثير. "
    هذا هو بأيسر طريق رأي الدكتور طه حسين في الجزء الأول من كتاب المرشد للدكتور عبد الله الطيب، وهو رأي كما هو واضح لا تنقصه الجرأة ولا الصراحة، غير أني سمعت أن من وراء السطور شيئاً آخر، فقد حدثني صديقي الأستاذ التجاني سعيد القاطن بالسودان أن طه حسين كان يبتغي من وراء هذه المقدمة أن يصنع في السودان رجلاً مثله تماماً على طريقته ومذهبه، وأنه بمعاونة المستشرقين وجد بغيته عند الدكتور عبد الله الطيب، ولكنه فيما بعد لم يفلح لأن الدكتور الطيب منحدر من أسرة عريقة في التدين، كما ذكر ذلك هو في رسائله إلى الدكتور طه حسين في الرسالة المؤرخة في 21/9/1954م.
    وكانت النتيجة الحتمية لهذا التدين عند الطيب أن ينحاز إلى الأمة وإلى قرآنها وتراثها، بشكل يتناقض تماماً مع توجهات طه حسين، والله أعلم.

    بين عبد الله الطيب وإحسان عباس:
    التقيت الدكتور إحساناً في منزله، وجرى الحديث بيني وبينه عن السودان وعن عبد الله الطيب ، فأبدى ثناءً عاطراً عليه وعلى علمه واهتمامه بالتراث وأن الدكتور الطيب صديقه، ومضت بي الأيام وإذ بالدكتور إحسان عباس يصدر كتاباً بعنوان غربة الراعي، قرأته فقرأت فيه الأسى واليأس، في كل سطرٍ من سطوره، ولفت نظري ما كتبه عن الدكتور عبد الله الطيب، إذ يقول: إنه في عام 1960م حدثت عنده مشكلة في تجديد عقده في العمل في جامعة الخرطوم وفي كلية الآداب التي كان رئيس القسم فيها الدكتور عبد الله الطيب، بعد أن استقال أو أُقيل الدكتور محمد النويهي، فلما حان موعد تجديد العقد كما يقول: استشار رئيس الجامعة رئيس القسم فأبدى رئيس القسم عدم رغبتنه في ذلك إلا بشرط واحدٍ غريب جداً، وهو فصل الأستاذين السودانيين عوض الكريم والمجذوب، كما حدثه بذلك رئيس الجامعة نفسه! وإنه كان يدرك أن هذا الشرط تعجيزي وأن الرئيس حاول إقناع رئيس القسم دون جدوى. لكن لماذا هذا الأمر؟ يقول الدكتور إحسان: كان رئيس القسم قد استاء مني لأنه كان يراني أكثر الجلوس في مكتب أحد الأستاذين اللذين اشترط طردهما، ظناً منه أننا لا نجتمع معاً إلا لاستغابته وإذا كان هو عند نفسه مهما فلم يكن عندنا كذلك، وكان وقتنا أثمن من أن نبدده في أمور هامشية، وكان هناك أديب لبناني اسمه أحمد أبو سعد قد بدأ مشروع إصدار مختارات من الشعر العربي المعاصر لكل بلد على حدة، وأصدر في تلك السلسلة جزءًا يحتوي مختارات من الشعر السوداني، وذكر عبد الله الطيب وذكر أنه يكثر الهجاء لوطنه وأهل وطنه وأضاف: وذلك لا يليق بعباد الله الطيبين، وسألني ( البروفيسور ) عبد الله إن كنت رأيت هذا الكتاب، فأنبأته أنه عندي وأعرته النسخة التي أهدانيها المصنف، فوقر في نفسه أن لي يداً في ما كتبه أبو سعد عنه، والله يعلم أنني لم أكن أعرف المؤلف ولم تكن لي به أدنى علاقة...
    وهذه من الهنات، وإنما أذكرها هنا لأنها قد توضح لمن يتساءلون أسباب مغادرتي للسودان والملابسات التي أحاطت بها .
    هذا ما كتبه الدكتور إحسان عن عبد الله الطيب، وإني لأتساءل كيف استطاع الدكتور إحسان أن يكتشف ما في نفس الدكتور الطيب عنه بهذه الكيفية. لكن كيف ذكر الطيب إحسان عباس؟ لم أجد له فيما قرأت ذكراً إلا في إحدى رسائله إلى الدكتور طه حسين يقول فيها:
    هذا وقد أخبرني زميلُ لي يدعى الدكتور إحسان أن الأستاذ السقا يحسب أنني انسب إليه تأخير طبع الكتاب وهذا ليس بصحيح، وأنا لا أنسب تأخير طبع الكتاب إلا للناشر السيد عبد القوي الحلبي، ولعله أن يكون قد تخرص عليّ هذا التخرّص لدى الأستاذ السقا. والله حسيبه وحسبي إن كان ذلك قد وقع منه.
    هذا كل ما ذكره الدكتور عبد الله الطيب عن الدكتور إحسان والله تعالى أعلم بحقيقة الحال. على أني أتشكك في رواية الدكتور إحسان لأن الدكتور عبد الله الطيب قد نال عدة جوائز وتبوّأ عدة مناصب وأقيمت له لجنة تكريمية على مستوى السودان، أفغفل هؤلاء عن عبد الله الطيب وأنه ممن يهجو بلده وأهله، وكيف لمن يفعل ذلك أن يكرمه أهله, أتساءل وأدع الجواب عليه لعقول السادة القرّاء.
    وعلى كل حال غاب الرجلان وهما بين يدي الرحيم الرحمن والله تعالى نسأل لهما الرحمة والصفح عما بدر منهما.
    وبعد فهذه نبذة لسيرة سمح بها الوقت في الحديث عن عالم العربية الكبير الذي لم ينل حقه من التكريم إلا بعد حين، والذي تجاهلت معظم البلدان الإسلامية والعربية الحديث عنه عند وفاته متناسيةً فضله على العربية وأهلها في السودان وخارجه. رحم الله الدكتور عبد الله الطيب، العالِم المتواضع، وأسكنه فسيح جناته.
    الدكتور جمال محمود أبو حسان
    أستاذ مشارك في التفسير وعلوم القرآن
    جامعة العلوم الإسلامية العالمية/ الأردن

  • #2
    أحسن الله إليكم يا دكتور جمال على هذا المقال الماتع ، وفي الحق أن الدكتور عبدالله الطيب من أفاضل العلماء والأدباء والشعراء المتأخرين ، والأدب السوداني وأهله قد لحق بهم الحيف والظلم فلم يعطوا حقهم من التكريم والثناء الذي هم له أهل ، وذلك لقلة ذات أيديهم ، وما غلب عليهم من الزهد في الظهور. ولو كان الدكتور عبدالله الطيب من أهل مصر لطار به أهل مصر فرحاً ، ولأخذ شيئاً مما يستحقه . وقد أحسنت يا أبا محمد عندما نقلت مقدمة الدكتور طه حسين لهذا الكتاب لندرته ، وقد اعترف الدكتور عبدالله الطيب بفضل الدكتور طه حسين عليه في طباعة الجزء الأول من كتابه (المرشد) في بداية الجزء الثاني فقال نثراً وشعراً :
    (لما قرأت تلك المقدمة البارعة الرائعة ، الصادقة النبيلة ، التي حلى بها علامة العرب ، وعميد الأدب ، الدكتور طه حسين ، صدرَ كتابي الأول ، لم أملك نفسي أن نظمت هذه الأبيات ، وبعثت بها إليه ، حفظه الله وتولاه :
    [poem=font="Traditional Arabic,6,blue,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,gray" type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
    عصتني الطيعات من القوافي = فما أدري وحقك ما أقولُ
    وأعياني البيانُ ، وكيف يجزى= جميلك أيها الشيخ الجليلُ
    عرفتك في الصبا ، وغربت دهراً= وحبك في الجوانح ما يحولُ
    عرفتك في صحائف مشرقاتٍ=كأن سوادها الطرف الكحيلُ
    بلوتك أريحيَّ القلب شهماً=له الغايات والسبق الأصيلُ
    يخلد في كتاب العرب فرداً=كما خلدَ المبردُ والخليلُ[/poem]
    ولست أدري مدى صدق ما ذكرته يا أبا محمد في الغرض الذي كان يرمي إليه طه حسين من احتفائه بالدكتور عبدالله الطيب ، وقد أفضيا إلى ما قدما تولاهما الله بعفوه.
    وأما كتاب الدكتور عبدالله الطيب الخالد (المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها) فهو كتاب لم يحظ بما يستحقه من الذيوع بين الأدباء وطلاب العلم ، وهو من أجود وأفضل وأمتن ما اطلعت عليه في كتب الأدب العربي في القرون المتأخرة ، حتى إنه يكاد يتفوق على كتب المتقدمين لجودته ومتانته ، وسعة علم صاحبه في اللغة والشرع ، ورهافة ذوقه وحسه بما لا يوجد إلا عند كبارالأدباء المتقدمين كالآمدي وعلي بن عبدالعزيز الجرجاني وعبدالقاهر الجرجاني وأضرابهم . ولعل الله ييسر لنا الوقوف مع هذا الكتاب وقفات أدبية ندل على جوانب الإبداع والتميز فيه لعل طالباً للعلم والأدب ينتفع بها إن شاء الله.
    عبدالرحمن بن معاضة الشهري
    أستاذ الدراسات القرآنية بجامعة الملك سعود
    amshehri@gmail.com

    تعليق


    • #3
      بارك اله فيك يا أستاذنا الفاضل د. جمال أبو حسان.
      ورحم الله الدكتور الطيب.

      يقول الأخ الشهري: ((ولعل الله ييسر لنا الوقوف مع هذا الكتاب وقفات أدبية ندل على جوانب الإبداع والتميز فيه لعل طالباً للعلم والأدب ينتفع بها إن شاء الله))

      أقول: همتكم.. أعانكم الله, ونحن في الانتظار.

      تعليق


      • #4
        أحسنتما بارك الله فيكما، وهذا ولم يكن عبدالله الطيب بارعاً في علوم العربية فحسب، وناقداً حتى للكبار المتقدمين فقط -ويعرف قوة نقده كل من قرأ الجزء الأول من المرشد كما أشرتما- بل كان بارعاً في علوم الأدب العربي والأدب الغربي جميعاً، ومما اشتهر قوله عن نفسه: هو يعلم الإنجليزية ويعلم الفرنسية ويعلم القليل عن اللغة العربية!وتعجب حقاً إذا سمعته ينتقد شكسبير، أويعلق على فولتير، أوينتقد الأندرومافيل لكمكتون في بحثه الذي أهداه للعلامة محمد شاكر. وقد تعرض في أجزاء من المرشد إلى نقد الأدب الغربي بما لم أجد مثله.

        ويزداد عجبك عندما تقرأ بحوثه التاريخية وإذا سمعته يتحدث في هذا المضمار تقول لايحسن غيره، وليقرأ من شاء بحثه بعنوان: هجرة الحبشة وما وراءها من أنباء، والذي يقرر فيه أن أرض الحبشة القديمة تشمل عامة أرجاء السودان، وليست هي تلك الرقعة المعروفة الآن، والبحث من جملة الأبحاث المقدمة للندوة العلمية الثالثة لدراسات تاريخ الجزيرة العربية فى 15-21 محرم 1404، بقسم التاريخ وقسم الآثار والمتاحف من كلية الآداب بجامعة الملك سعود وهو ضمن الكتاب الثالث: "الجزيرة العربية فى عصر الرسول والخلفاء الراشدين، الجزء الأول.

        وإلى علمه بتاريخ العرب كان عالماً بأنسابهم، ولعله لا أحد يبلغ شأوه في معرفة أنساب عرب السودان إلاّ أن يكون تلميذه البرفسور عون الشريف قاسم.

        ولما كان هذا الملتقى ملتقى أهل التفسير كان من المناسب أن أختم بالإشارة إلى تفسيره، فإن للأستاذ تفسيراً جرى فيه على طريقة اللغويين شمل القرآن الكريم، ولا أظنه قد طبع إلاّ ما حرره وهي الأجزاء الثلاثة الأول، وفيه فوائد جمة، وقد فسر القرآن في عقد الستين وخلال نحو عشر سنين بالإذاعة السودانية بلهجة تغلب عليها العامية ومع ذلكفإن في تفسيره فوائد حسنة.

        هذا والذي يظهر لي من شأن الأستاذ عدم رسوخه في علم الشريعة مع أنه جبل في بعض علوم الآلات المتعلقة بها، ولعل تدينه كان كتدين عامة الناس يعتريه ما يعتريه ولهذا لم يكن رابط وراء اتصاله بطه حسين أكثر من وشيجة اللغة والأدب، وكما اتصل بهذا اتصل بأهل فضل معروفين كأبي فهر محمد شاكر، والعلامة محمود محمد شاكر وله فيه مرثية. ويبدو لي أن دراسته في الغرب واتصاله برجاله أثر فيه غير أن أصل أسرته -على تصوفها- ونشأته الدينية عصمته من الإنجراف نحو ما أراده المستشرقون والشانؤون الحاقدون على القرآن والإسلام.

        تعليق


        • #5
          لمحات عن فضيلته

          غيب الموت الشهر قبل الماضي الأديب واللغوي السوداني الكبير الدكتور عبد الله الطيب الذي أسهم خلال سنوات الستينات والسبعينات الميلادية في إثراء المكتبة العربية بالعديد من المؤلفات الثمينة والتي تعد مراجع للباحثين والمنقبيين في التراث الشعري العربي.
          وبموت عبد الله الطيب فقدت الساحة الأدبية والعالم العربي أديباً من جيل المخضرمين والموسوعيين في الثقافة الإسلامية والعربية ، وستظل آثاره وتحقيقاته العلمية محط اهتمام الدارسين لزمن طويل ؛ لأصالة هذه البحوث وجديتها، فالدكتور عبدالله الطيب عندما أكمل مؤلفه الأول ( المرشد إلى فهم أشعار العرب) يقول أحد مجاليه : إن الدكتور طه حسين تلقاه بإعجاب وتقدير شديدين . وقال : إنه من أهم المؤلفات في القرن العشرين.
          كما أن كتابه (مع أبي الطيب) مثّل أحد إسهامات البروفيسور المرموقة ، فقد كان في حينه رؤية نقدية جديدة في شعر وشخصية الشاعر الذي (ملأ الدنيا وشغل الناس) أبي الطيب المتنبيء ، ويشتمل الكتاب على مقدمة وخمسة فصول، ويقوم على أسلوب مبتكر في النقد يميزه ما بين أسلوب القدامى المحدثين ، ويستخدم إلى حد كبير الطريقة السيكولوجية.
          و جاء البروفيسور الطيب في سِفره القيم بقاعدة تصلح للتعامل النقدي العام مع الشعر حيث قال : ( والصفاء الموسيقي والتجويد والأحكام كل ذلك لا يرتفع بالشعر كما ترتفع به الحيوية) ، ويشرح ما يقصده بالحيوية قائلا : ( ومرادنا بالحيوية عنصر الشعر المنبيء فيه عن صدق التجربة وعمق الانفعال معا).
          وقد أشتمل السِفر المذكور على مقارنات شعرية ، مثل مقارنته بين أشعار أبي الطيب وأبي تمام ، وقد شفع الكاتب سفره بالحواشي حتى لا يترك مجالا للإبهام.
          كما عرف عبدالله الطيب بقراءاته المتعمقة في الثقافة الغربية وبنقده الرصين والأصيل وترجماته للقصائد الجياد من الشعر الإنجليزي ، وله عدة بحوث في النقد أشهرها بحثه في سرقات " ت. س. اليوت " ذلكم الشاعر الذي مثل علامة فارقة بين الشعر القديم والحديث ، فضلا عن أنه ترك أثرا لا تخطئه العين في اتجاهات وصور وأخيلة وبنية القصيدة العربية الحديثة.
          ولد الدكتور عبدالله الطيب في يونيو(1921) في مدينة نائية في شمال السودان تسمى (الدامر) وبها أسرة عبد الله الطيب (المجاذيب) وهي أسرة أشتهر عنها اعتمادها اللغة العربية الفصحى في أحاديثها اليومية ، حتى من أبنائها الذين لم يدخلوا المدارس ، كما أن حفظ القرآن ومدارسته من تقاليد الأسرة التي تشبثت بها ولم تتخلى عنها حتى اليوم , وكثير من أبناء هذه القرية - وعبد الله الطيب منهم - قد حفظوا القرآن في سن مبكرة جداً قد تسبق عن البعض دخولهم للمدرسة , ولما أكمل عبد الله الطيب دراسته الأولية في كتّاب المدينة والمرحلة الابتدائية ارتحل إلى مدارس الخرطوم العليا ، ومنها إلى معهد " بخت الرضا" لإعداد المعلمين قبل أن ينتدب من حكومة السودان للحصول على درجة البكالوريوس من كلية التربية من جامعة لندن.
          وفي بريطانيا انكّب عبد الله الطيب على كتب الأدب باحثاً ومنقباً ، وتفتحت مداركه وذاعت أخبار نبوغه بين أساتذته حتى إن إدارة الجامعة اختارته لإعداد درجة الماجستير والدكتوراه في الأدب العربي على نفقتها . وحين أعد عبد الله الطيب أطروحة الماجستير رأى مشرف البحث أن مستواها أكبر من الماجستير فتم تسجيل البحث لدرجة الدكتوراه مباشرة ، وفي هذه الفترة تعرف الدكتور عبد الله الطيب بزوجته الإنجليزية ( جريز ليدا) والتي أسلمت على يديه فيما بعد.
          عمل الطيب بعد تخرجه لسنتين في جامعة لندن ، ووجد فرصاً أخرى للتدريس في الجامعات البريطانية والأمريكية ، لكنه آثر أن يعود إلى موطنه ليبدأ هناك مرحلة جديدة في مشروعه الفكري والأدبي في جامعة الخرطوم. التي كان يدرس فيها انذاك الأديب الكبير إحسان عباس , وتدرج الطيب في الجامعة حتى صار عميداً لكلية الآداب ثم مديرا لجامعة الخرطوم ، ولم يقتصر نشاط عبد الله الطيب في الجامعات السودانية فقط إنما تعدى ذلك , إذ استطاع أن يؤسس في عام 1964م كلية " عبد الله باييرو " ( كلية الأدب العربي والدراسات الإسلامية ) بجامعة أحمد بيلو ، وهي من أولى الجامعات النيجيرية ، كما أنه عمل كأستاذ كرسي في جامعة محمد بن عبدالله في فاس بالمغرب . وقد نال عبدالله الطيب جائزة الملك فيصل العالمية في فرع الأدب العربي قبيل وفاته بعامين.
          ولم تكن تلك المناصب الرفيعة هي سبب شهرته ، بل كان هو بشخصه سبباً في زيادة الألق الذي يحيط بتلك المناصب ، فعظمة الرجل تكمن في انقطاعه الكامل للعلم طيلة حياته المديدة - يونيو 1921 يونيو 2003- وإيمانه غير المحدود برسالة المعلم وفصاحته البليغة في التعبير عن أدق الأفكار وأكثرها تعقيدا ، تابعه عامة أهل السودان عن طريق برنامجه الإذاعي المتفرد « دراسات في القرآن الكريم » الذي فسر فيه القرآن كاملا بلغة عربية سودانية هي النموذج الراقي للأسلوب السهل الممتنع التي يدركها راعي الغنم في الخلاء.
          وخلال سني حياته أمد " عبد الله الطيب " المكتبة العربية بعدة مؤلفات في اللغة والأدب منها :
          1- المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها ، أربعة أجزاء، 1955م.
          2- من حقيبة الذكريات ، 1989م.
          3- القصيدة المادحة ، 1964م.
          4- أغاني الأصيل « شعر» ، 1976م.
          5- مع أبي الطيب ، 1968م ، تسع كلمات من فاس ، 1986م.
          6- أصداء النيل « شعر» 19571993م
          7- تفسير جزء عم 19701986م
          8- شرح بائية علقمة 1970م
          9- الحماسة الصغرى «جزءين» الجزء الأول ، 1960م ، مطبعة أكسفورد،
          الجزء الثاني ،1970م ، الخرطوم.
          10- تاريخ النثر الحديث في السودان: مصر ، 1959م.
          11- الطبيعة عند المتنبي ، بغداد 1977م.
          12- زواج السحر «مسرحية شعرية».
          13- قيام الساعة «مسرحية شعرية»
          14- أندروكليس والأسد «مترجمة» 1954م
          15- اللواء الظافر « شعر» ، 1968م.
          16- Stories From The Sands of Arabia.
          17- Horses of Arabia.

          تعليق


          • #6
            شكر الله لك ..
            وللشيخ الأستاذ الدكتور جعفر شيخ إدريس مقالة في موقعه بعنوان: طالب يذكر طرائف من مناقب شيخه العلامة عبد الله الطيب، ويعني بالطالب نفسه.
            وهذا رابطها:
            http://www.jaafaridris.com/Arabic/aarticles/eltayeb.htm

            أما ما ذكر هنا في 12 فلعله السمر لا السحر.

            كما أن من كتب عن بلد الأستاذ عبدالله وقبيلته يبدو أنه لايمت إلى ما كتب بكبير صلة!

            تعليق


            • #7
              أيها الأفاضل ...بارك الله فيكم وجزاكم الفردوس ..

              ولعل الله ييسر لنا الوقوف مع هذا الكتاب وقفات أدبية ندل على جوانب الإبداع والتميز فيه لعل طالباً للعلم والأدب ينتفع بها إن شاء الله.

              نحن في الإنتظااار
              قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ويبتلي الله بعض القوم بالنعم

              تعليق


              • #8
                أحسنت يادكتور جمال في عرضك سيرة هذا العلَم المظلوم ,وهو بحق شامة في جبين هذا العصر بما سطره في كتابه "المرشد إلى فهم أشعار العرب" ولعلي استنجز من أحد أساتذتي في قسم الأدب وعداً قديماً كان قد وعدني به وهو أن يكتب تقريراً كاملاً عن هذا الكتاب والتعريف به وبيان ميزاته وكيفية الاستفادة منه , فعسى الله أن ييسر ذلك قريباً ,وإن تم فسأعرضه في هذا الموقع المبارك.
                شكراً لكم شيخنا الجليل.

                تعليق


                • #9
                  كما قال الافاضل من قبلي لاصحاب العود في هذه المشاركات نحن بالانتظااااااااااااااااااااااااااااار
                  الدكتور جمال محمود أبو حسان
                  أستاذ مشارك في التفسير وعلوم القرآن
                  جامعة العلوم الإسلامية العالمية/ الأردن

                  تعليق


                  • #10
                    لا زلنا ننتظر الكتابة عن كتاب المرشد
                    واين انت يا دكتور سليمان خاطر جبر الله تعالى خاطرك
                    الدكتور جمال محمود أبو حسان
                    أستاذ مشارك في التفسير وعلوم القرآن
                    جامعة العلوم الإسلامية العالمية/ الأردن

                    تعليق


                    • #11
                      شكر الله لك هذا الإسهام،أخانا المفضال الدكتور جمال.
                      وفي تضاعيف هذه المشاركات كثير من الفوائد وبعض الأوهام عن عبد الله الطيب،ي تعالى برحمته الواسعة.
                      وقد منَّ الله عليّ بنشر كتابه المرشد كاملا في نسخة الكترونية بهذا الملتقى.
                      ولعل البقية تأتي إن شاء الله،وعسى أن يكون بعض ذلك قريبا.
                      بعشر ينال العلم قوت وصحة * وحفظ وفهم ثاقب في التعلم
                      وحرص ودرس واغتراب وهمة * وطول زمان واصطحاب معلم

                      تعليق


                      • #12
                        افكر في تشكيل لجنة لكتابة كتاب وثائقي عن الدكتور عبد الله الطيب اسوة بما صنع تلاميذ العالم العلم محمود محمد شاكر وكذا تلاميذ الدكتور البوطي وما صنعه جمال ابو حسان مع شيخه فما ترون
                        الدكتور جمال محمود أبو حسان
                        أستاذ مشارك في التفسير وعلوم القرآن
                        جامعة العلوم الإسلامية العالمية/ الأردن

                        تعليق


                        • #13
                          فكرة رائعة.
                          وأعرف العشرات ممن يمكنهم المشاركة في ذلك وقد عرفوه عن كثب.
                          تبقى المشكلة في جهة تنسق وتنظم،وأخرى - وآه من أخرى هذه - تمول.
                          والتصور النظري لذلك عندي شبه جاهز،ولعلكم -يا د.جمال - تسهمون بما لكم من خبرة عملية في ذلك. والله الموفق.
                          بعشر ينال العلم قوت وصحة * وحفظ وفهم ثاقب في التعلم
                          وحرص ودرس واغتراب وهمة * وطول زمان واصطحاب معلم

                          تعليق


                          • #14
                            ومن الفوائد :

                            1- على جميل الصلة بينهما = نقد أبو فهر عبد الله الطيب في بعض كتبه نقداً ناعماً من وجه لاذعاً من وجه،وفي هذا درس لمن يظن أن العلاقة الطيبة بين أهل العلم ينبغي أن تغلب على الحيادية العلمية فتتحول العلاقة إلى تطييب للخواطر بلا أي نقاش أو حوار علمي يعمق الخلافُ فيه الودَ.
                            2- كان الدكتور حسين نصار من أعضاء لجنة جائزة الملك فيصل ،ولم يكن من الموافقين على إعطائها للطيب (لولا أن هذا سيصك أسماعكم بعد أيام = لما أذعته).

                            تعليق


                            • #15
                              اين نقد ابو فهر عبد الله الطيب
                              لماذا تظن ان مثل هذه الاخبار تصك الاسماع؟ هل عقمت العربية عندك عن استخدام لفظ خفيف الدم؟ للمداعبة
                              الدكتور جمال محمود أبو حسان
                              أستاذ مشارك في التفسير وعلوم القرآن
                              جامعة العلوم الإسلامية العالمية/ الأردن

                              تعليق

                              19,840
                              الاعــضـــاء
                              231,420
                              الـمــواضـيــع
                              42,345
                              الــمــشـــاركـــات
                              يعمل...
                              X