• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • المنهج السديد في عرض مادة التوحيد

      المنهج السديد في عرض مادة التوحيد
      تجربة ذاتية لتدريس مادة العقيدة
      بقلم : د . أحمد بن أحمد شرشال

      لماذا مادة التوحيد ؟ !
      من خلال تجاربي الشخصية الطويلة مع شرح ابن أبي العز لمتن الطحاوي لمست عزوفاً ونفوراً من قِبَلِ بعض الطلاب في القسم الجامعي[*] عن فهم واستيعابه هذا الشرح .
      ولا غرو في ذلك ؛ فقد كنت أعاني شيئاً من ذلك وأقاسيه عندما كنت طالباً ؛
      لأن أستاذ هذه المادة كان يتلو علينا هذا الشرح ، ويردد كل ما فيه ؛ ولا ندري كيف
      دخل في الموضوع ، ولا كيف خرج منه ؟
      ولما صرت إلى ما صار إليه ، وأُسند إليّ تدريس هذه المادة وقعت فيما وقع
      فيه أستاذي ، وانتابتني حيرة وارتباك في عرض الموضوع ، وأدركت عدم انسجام
      الطلاب مع هذه المادة الأساسية ؛ بل إنني سمعت كلاماً منهم فيه بعض التهوين من
      شأن مادة العقيدة .
      فتوقفت ملياً في النظر في إعراض بعض الطلاب ونفورهم من هذه المادة ،
      وقلّبت الأمر على جميع وجوهه في محاولة لاستكناه الحقيقة وتشخيص الداء .
      وبينما كنت أفكر إذ لاح لي أن المنهج والطريقة في عرض موضوعات
      العقيدة بأسلوب السرد ، وكثرة حكاية ضلال المتكلمين ، ورصد شبهاتهم ؛ هو الذي
      سبّب هذا النفور ، وعكس هذه الحال ؛ فضاع القصد في خضم هذا الركام لا في
      العقيدة نفسها معاذ الله وإنما هو في العرض والتقديم .
      ومن ثم قمت بهذه المحاولة عساها تكون مرغوبة ، وسطرت هذه الفكرة علها
      تكون مفيدة ، وجعلت ذلك بعنوان : (المنهج السديد في عرض مادة التوحيد) .
      وطبقت هذا المنهج وهذه الطريقة في تدريسي لهذه المادة الأساسية ، فوجدت
      أثره في الطلاب نافعاً والإصغاء إليه كاملاً والتطلع إليه سريعاً ، وتحول النفور إلى
      رغبة ، والخروج من المحاضرة إلى حضور واستقرار ، وظهر البِشْر على محياهم ؛ وكلما دخلت عليهم قابلوني بوجوه مستبشرة ، وساد في القسم الوئام والاحترام
      والتقدير .
      ومن باب : (من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها ... ) ، رأيت
      أن لا أستأثر بذلك ، فأسطِّر تجربتي ، وأنقلها لإخواني .
      أصل المنهج المقترح :
      أقول ومن الله أستمد العون والتوفيق : إن هذه الطريقة لم تخرج عن المنهج
      السلفي ، وقصارى ما فيها الجمع والحصر للآيات القرآنية والأحاديث النبوية في
      الموضوع ، ثم شرح هذه الآيات ؛ وعن طريق المقارنة والموازنة نصنف المعاني
      المشتركة بطريق الشرح اللغوي لمفردات الموضوع وعناصره الأساسية ؛ وهذا لا
      يكون إلا بعد الاستقراء والاستنتاج ، وإن كان هذا العمل مرهقاً للأستاذ إلا أن
      نتائجه النافعة تنسيه مشقة البحث .
      وبعد ذلك نعقب ، ونورد كلام العلماء ونصوص الأئمة : قبولاً ، ورداً ،
      ومناقشة واقتباساً واستشهاداً وهنا يكون محل رد الشبهات ودحضها إن كانت لا تزال
      قائمة ، وقد تتهاوى تلقائياً .
      نماذج تطبيقية :
      مفهوم العرش في اللغة والقرآن : وأضرب لذلك مثلاً حياً تطبيقياً إذا كنا
      بصدد شرح قول الإمام الطحاوي : (..والعرش والكرسي حق ..)[1] .
      معنى هذه الجملة : أن العرش والكرسي حق ثابت بالكتاب والسنة ، و (حق)
      خبر المبتدأ وهو (العرش) قال ابن مالك :
      والخبر الجزء المتم الفائدة كالله بر والأيادي شاهدة
      واقتداء بقوله تعالى : ] وَاًتُوا البُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا [ [البقرة : 189] على أحد
      وجوه التفسير ؛ فإن بابنا الوحيد الذي نلج منه إلى هذا الموضوع هو القرآن والسنة .
      ونبدأ بالجزء الأول ؛ لأن كلام الطحاوي تضمن موضوعين : العرش ،
      والكرسي ؛ وكلاهما ثابت بدلالة الكتاب والسنة كما سيأتي مفصلاً .
      ونقول : إن مادة : (عرش) في جميع صيغها وردت في ثلاث وثلاثين موضعاً
      في كتاب الله مختلفة الصيغ والأبنية ، وتتفق في معنى مشترك وهو العلو والارتفاع .
      قال القرطبي : (وأصل التعريش : الرفع . يقال : عرش يعرش ، إذا بنى
      وسقف) [2] .
      وقوله : ] وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا [ الواردة في البقرة والكهف والحج
      معناها : خلت من السكان ، وتهدمت ، وسقطت سقوفها .
      العرش : سقف البيت . والعروش : الأبنية المسقفة بالخشب . يقال : عرش
      الرجل يعرش : إذا بنى وسقف بخشب . والعريش سقف البيت .
      قال القرطبي : (وكل ما يتهيأ ليظل أو يكنّ فهو عريش ، ومنه عريش
      الدالية) [3] يقصد عريش الكرم وهو شجر العنب ؛ فيكون المعنى : سقط
      السقف ، ثم سقطت الحيطان عليه ؛ واختاره ابن جرير الطبري . وهذه الصفة في خراب المنازل من أحسن ما يوصف به .
      وقريب من هذا المعنى في قوله تعالى : ] وَهُوَ الَذِي أَنشَأََ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ
      وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ [ [الأنعام : 141] معروشات : ما يحتاج أن يتخذ له عريش يحمل
      عليه فيمسكه وهو الكرم وما يجري مجراه .
      وجاء في القرآن معنى آخر للعرش يؤول إلى الأول وهو عبارة عن السرير
      الذي يجلس عليه الملك للحكم : أي سرير المملكة ومنه قوله تعالى : ] وَلَهَا عَرْشٌ
      عَظِيمٌ [ [النمل : 23] .
      حقيقة العرش : وإذا عرفنا معنى العرش في الاستعمال اللغوي واللسان
      العربي : فما حقيقته هنا في هذه الآيات السبع ، وفي غيرها مما كان مضافاً إلى الله
      ؟
      الجواب : لا نعلم ذلك ولا يجوز لنا أن نقيسه على الأول ؛ لأن الأول من عالم
      الشهادة وهو محسوس وملموس ومضاف إلى البشر ، والثاني من عالم الغيب
      ومضاف إلى الله والله امتدح ] الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [
      [البقرة : 3] .
      وطريقنا الوحيد في ذلك : أن نتلمس بعض الأوصاف عند الذين اصطفاهم الله
      وأعلمهم بذلك ؛ كما بين ذلك القرآن فقال : ] عَالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى
      غَيْبِهِ أَحَداً (26) إلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ [ [الجن : 26-27] .
      ولذلك فإننا نتلمس أوصاف العرش من القرآن ومن السنة فنقول :
      ثبت في القرآن أن العرش على الماء : ] وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ [ (هود :7) وثبت أن للعرش قوائم تحمله الملائكة حافين حوله يسبحون بحمد ربهم ؛ فقد قال
      تعالى : ] وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ [ [الحاقة : 17] وقال في وصفه
      أيضاً : ] وَتَرَى المَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [
      [الزمر : 75] ، وقال أيضاً : ] الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [ (غافر : 7) ، ثم نتدرج إلى وصف من هو أعلم الخلق بربه ؛ إذ قال : (إن عرشه على سماواته لهكذا) وقال بأصابعه : (مثل القبة .. الحديث) [4] .
      وثبت في وصفه أنه فوق الفردوس كما في صحيح البخاري عن النبي : (إذا
      سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس ؛ فإنه أوسط الجنة ، وأعلى الجنة ، وفوقه عرش
      الرحمن) [5] .
      ونحن إذ نستعرض هذه النصوص نستنتج أن العرش : سرير ذو قوائم ،
      تحمله الملائكة ، وهو كالقبة على العالم ، وهو سقف المخلوقات على الصفة التي
      تليق بعرش الله . وقد فهم هذا المعنى بعض الشعراء ، وذكره مشهور عندهم في
      الجاهلية والإسلام .
      وقال الشوكاني في بيان صفة العرش : (وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة
      صفة عرش الرحمن وإحاطته بالسماوات والأرض وما بينهما وما عليهما) [6] .
      وحينئذ لا يجوز لنا أن نتجاوز الوصف الذي حدده الله في القرآن وبينه
      النبي-- في السنة .
      الاستواء في اللغة ، وفي القرآن : ونعود مرة أخرى إلى كتاب الله ناظرين في
      معنى قوله : ] اسْتَوَى [ وبيان وجوه استعمالها في القرآن .
      حقيقة الاستواء في اللغة : التساوي واستقامة الشيء واعتداله . وورد في كلام
      العرب على معان اشترك لفظه فيها ؛ فيكون بمعنى الاستقرار ، ويكون بمعنى
      القصد ، ويأتي بمعنى العلو والركوب ؛ ويأتي بمعنى المماثلة والمساواة كقوله تعالى : ] هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ [ [الرعد : 16] ،
      وجاء بهذا المعنى في سبع عشرة موضعاً [7] . ومنها ما يكون بمعنى بلوغ القوة
      العقلية والبدنية وكمالهما ؛ ومنه قوله تعالى : ] وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى [
      [القصص : 14] أي بلغ مبلغاً يؤهله لقبول العلم والحكمة .
      ومنها : ما يجيء بمعنى الاستقرار والرسو نحو قوله تعالى : ] وَاسْتَوَتْ عَلَى
      الجُودِيِ [ (هود : 44) ، وجاءت بمعنى الركوب على الدابة وعلى الفلك كقوله
      تعالى : ] فَإذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الفُلْكِ [ [المؤمنون : 28] ومنه قوله
      تعالى : ] وَالَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (12)
      لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ [ [الزخرف : 12-13]
      وجاء هذا الفعل هنا متعدياً بحرف الجر ] عَلَى [ الذي فيه معنى الاستعلاء
      والركوب .
      قال ابن كثير : (لتستووا متمكنين مرتفعين) [8] ، فتكون هنا بمعنى : علا
      على الدابة والفلك واستعلى على ظهرها متمكناً منها . وجاء هذا الفعل متعدياً بـ
      ]إلَى [ في موضعين في قوله : ] ثُمَّ اسْتَوَى إلَى السَّمَاءِ [ [البقرة : 29] وفي الآية
      11 من سورة فصلت . قال أبو العالية : استوى ارتفع . وقال مجاهد : استوى علا . وقد فسرها الطبري بالعلو بعد أن ذكر أقوالاً كثيرة حيث قال : (وأوْلى المعاني في
      قوله ] ثُمَّ اسْتَوَى إلَى السَّمَاءِ [ علا عليهن ، ودبرهن
      بقدرته ، وخلقهن سبع سماوات) [9] . وذكر ابن حجر في تفسير : ] اسْتَوَى [
      أقوالاً عديدة ثم قال : (وأما تفسير ] اسْتَوَى [ علا فهو صحيح وهو المذهب الحق
      وقول أهل السنة ؛ لأن الله وصف نفسه بالعلو[10]. أما الحافظ
      ابن كثير : فقد جعل الفعل ] اسْتَوَى [ متضمناً لمعنى القصد والإقبال ؛ لأنه عُدِّيَ
      بـ : (إلى) أي قصد إلى السماء [11] وهنا يجب علينا أن نتوقف ونقارن بين هذه
      الآيات التي كان الاستواء فيها على الدابة وعلى الفلك بالآيات السبع السابقة التي
      كان الاستواء فيها على العرش وإلى السماء ؛ وكلها تعدت بحرفي الجر : ] عَلَى [
      و ] إلَى [ فهل يتفق هذا الاستواء بذاك ؟ اللهم ! لا ؛ لأن استواء البشر العاجز
      الفاني لا يشابه استواء الكامل المتفرد بألوهيته وربوبيته ؛ فيكون استواء الله على
      عرشه يليق بجلاله وسلطانه ، واستواء البشر على مركوبه يليق بفقره وعجزه .
      وقد يتماثل اللفظان ولكن يجب أن يعبر كل واحد بمعنى لائق بالمقام الذي قيل
      فيه ؛ فالقرآن حكى وصف الهدهد لعرش بلقيس فقال : ] وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ [
      [النمل : 23] وبيّن القرآن وصف عرش الرحمن فقال : ] رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ [
      [النمل : 26] كلاهما وصف بالعظمة وبينهما من البون ما لا يعلمه إلا الله ؛ فعرش
      بلقيس عظيم بين عروش الملوك مثلها ، وعرش الرحمن أعظم ؛ فلا بد من اعتبار
      المقام في فهم الكلام .
      وهنا يجب أن يتوقف دور العقل والتوهم والتخيل وإفساح المجال للسمع
      والنقل وحده ؛ وهو الكفيل بضمان عدم الوقوع في الردى وهو التشبيه والتأويل .
      فاستواء البشر على الفلك والأنعام معقول المعنى محسوس مشاهد ، واستواء الله
      على عرشه لا تدركه العقول ؛ لأن الأول مضاف إلى البشر ، والثاني مضاف إلى
      الواحد الأحد : ] لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [ [الشورى : 11] .
      منهج السلف في مثل ذلك :
      وهذا هو منهج السلف في إثبات الاستواء لله على وجه يليق بجلاله وكماله من
      غير تكييف ولا تشبيه ولا تمثيل [12].
      ولهذا قال الإمام مالك : (الاستواء معلوم ، والكيف مجهول ،
      والسؤال عنه بدعة) [13] .
      قال الحافظ الذهبي في كتاب العلو بعد ذكره لقول مالك : وهو قول أهل السنة
      قاطبة : أن كيفية الاستواء لا نعقلها بل نجهلها ، وأن استواءه معلوم كما أخبر في
      كتابه ، وأنه كما يليق به : لا نتعمق ، ولا نتحذلق ، ولا نخوض في لوازم ذلك نفياً
      ولا إثباتاً ؛ بل نسكت ونقف كما وقف السلف ، ونعلم أنه لو كان له تأويل لبادر إلى
      بيانه الصحابة والتابعون ؛ ولما وسعهم إقراره وإمراره والسكوت عنه ؛ ونعلم يقيناً
      مع ذلك أن الله لا مثل له في صفاته ولا في استوائه ولا في نزوله
      [14] .
      الكرسي في القرآن واللغة : ثم نواصل الشرح إلى الجملة الثانية : (والكرسي
      حق) أقول : إن الكرسي حق ثابت في كتاب الله وسنة نبيه-صلى الله
      عليه وسلم- ، نؤمن به على ما جاء في كتاب الله ، ولا نشتغل في البحث عن
      صفته . وقد ورد في القرآن في موضعين :
      أولهما : في قوله تعالى : ] وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا
      وَهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ [ [البقرة : 255] .
      ثانيهما : في قوله تعالى : ] وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً [ [ص : 34] .
      ويجب علينا بادئ ذي بدء أن نفرق بين الاستعمالين للفظ (كرسي) في الآيتين : الأول مضاف إلى الله والثاني مضاف إلى نبي الله سليمان . فالأول
      مضاف إلى الخالق ، والثاني مضاف إلى المخلوق . فإذا علمنا هذا فإننا لا نقع في
      مزالق المتكلمين ؛ فتماثل اللفظين يجب أن يُفهم من كل منهما معنى يليق بالمقام ،
      وإذا تأملنا الكرسي المضاف إلى المخلوق في اللغة نجد أن ابن منظور ذكره في مادة : (كرس) وقال : كرس : تكرس الشيء وتكارس : تراكم وتلازب . وتكرس أسّ
      البناء : صلب واشتد .
      والكرس : أبوال الإبل والغنم وأبعارها يتلبد بعضها على بعض في الدار ثم
      قال : والكرسي في اللغة الشيء الذي يعتمد عليه ويجلس عليه كما يقال : اجعل لهذا
      الحائط كرسياً : أي ما يعتمد عليه [15] .
      أقول : ولعل هذا هو المراد في قوله تعالى : ] وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً [
      وهو الكرسي الذي كان يجلس عليه نبي الله سليمان للحكم ؛ فهذا معقول
      المعنى ؛ فهو بمقدار ما يسع شخصاً واحداً في جلوسه ؛ فإن زاد على مجلس واحد
      وكان مرتفعاً فهو العرش كما تقدم في قوله تعالى : ] وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العَرْشِ [
      [يوسف : 100] فهذا هو الكرسي المضاف إلى البشر معقول المعنى ، مشاهد
      محسوس ؛ فهو من عالم الشهادة .
      أما قوله تعالى : ] وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ
      العَلِيُّ العَظِيمُ [ [البقرة : 255] فهو من عالم الغيب كما قدمنا ؛ فيكون طريقنا إلى
      فهمه النقل والنص ؛ لأن الكرسي هنا مضاف إلى الله . ومعنى هذه الجملة
      يقال : وسع فلان الشيء يسعه سعة إذا احتمله وأطاقه وأمكنه القيام به . ولا يسعك
      هذا : أي لا تطيقه ولا تحتمله ؛ ومنه قوله : (لو كان موسى حياً ما وسعه إلا
      اتباعي) أي لا يحتمل غير ذلك . والمعنى أنها صارت فيه ، وأنه وسعها ولن يضيق
      عنها لكونه بسيطاً واسعاً . وقوله : ] وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا [ آده يؤوده : إذا أثقله
      وأجهده أي لا يثقله ولا يشق عليه حفظ السماوات والأرض ومن فيهما [16] .
      والضمير يعود إلى الله ويجوز أن يكون للكرسي ؛ لأنه من
      أمر الله ؛ فالآية تدل على أنه شيء عظيم دون التعرض لذات الكرسي . وروي عن
      عمر قال : قال رسول الله : (إن كرسيه وسع السماوات والأرض ،
      وإن له أطيطاً كأطيط الرحل الجديد من الثقل) [17] .
      الأقوال في معنى الكرسي :
      وهنا يتأخر العقل وينتهي الدور المنوط به ، ويتقدم النقل ؛ فمن التزم النص
      والنقل فاز وظفر بالمطلوب ، ومن خالف فقد وقع بالزلل ، ومن هؤلاء :
      1- جماعة من المعتزلة نفوا وجود الكرسي وأخطأوا في ذلك خطأ بيِّناً .
      واختار هذا الباطل : القفال ، والزمخشري ، وقالوا : ما هو إلا تصوير لعظمته
      وملكه ؛ ولا حقيقة له ، وقيل هو ملكه [18] .
      2- وذهب جماعة إلى أن كرسيه هو قدرته التي يمسك بها السموات والأرض
      كما يقال : اجعل لهذا الحائط كرسياً أي ما يعتمد عليه .
      3- وقيل إن الكرسي هو العرش رواه ابن جرير الطبري عن الحسن
      البصري وذكره ابن كثير واختار هذا جلال الدين السيوطي . قال القرطبي : (وهذا
      ليس بمرضٍ) [19] . وقال ابن كثير : والصحيح أن الكرسي غير العرش ،
      والعرش أكبر منه ؛ كما دلت على ذلك الآثار والأخبار [20] .
      4- وقال جماعة : كرسيه : علمه وهو عبارة عن العلم ، رواه الطبري عن
      ابن عباس من طريقين ؛ ومنه قيل للعلماء : كراسي ؛ لأن العالم يجلس على كرسي
      ليعلِّم الناس ، ومنه الكراسة التي يُجمع فيها العلم ، ورجح هذا ابن جرير
      الطبري [21] ، وهي رواية شاذة عن ابن عباس كما قال الشيخ أحمد شاكر .
      5- والمحفوظ عن ابن عباس كما رواه ابن أبي شيبة في كتاب صفة العرش ، والحاكم في المستدرك عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى : ] وَسِعَ
      كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ [ أنه قال : الكرسي : موضع القدمين ، والعرش لا يقدِّر
      قدره إلا الله [22] ، وصحح هذه الرواية الشيخ أحمد شاكر فقال : (هي
      رواية علم الله شاذة لا يقوم عليها دليل من كلام العرب ؛ ولذلك رجح أبو منصور
      الأزهري الرواية الصحيحة عن ابن عباس التي تقول : إن الكرسي موضع القدمين ، وقال : هذه الرواية اتفق أهل العلم على صحتها ؛ ومن روى عنه في الكرسي أنه
      العلم فقد أبطل) [23] ، ورجحه الشوكاني في تفسيره فقال : (والحق القول الأول
      موضع القدمين ولا وجه للعدول عن المعنى الحقيقي إلا مجرد خيالات تسببت عن
      جهالات وضلالات [24] والله أعلم . وهنا نطوي الكلام خشية الإطالة .
      من محاسن هذا المنهج في تعليم العقيدة :
      وفي الختام أقول : لعل هذه الطريقة فيها بعض الجدة والابتكار والمرغبة
      فتأخذ بمجامع قلب الطالب ، وتؤثر في سلوكه والفضل لله وحده . ومن محاسنها أنه
      يتعلم اللغة العربية من خلال الشرح اللغوي لمفردات الموضوع الواردة في القرآن
      وتتبع موادها وصيغها المتنوعة ؛ فيكون بذلك حصل له تعلم تفسير القرآن الكريم ؛
      وهو مطلوب لذاته .
      فهذه الطريقة جمعت بين شرفين عظيمين : شرف الوسيلة ، ونبل المقصد ؛
      فالمنهج الذي قصدناه لشرح الموضوع هو في حد ذاته مراد لنفسه إرادة الغايات
      والمقاصد ، مطلوب لذاته ؛ بل إنه من أهم المقاصد لفهم معاني الكتاب العزيز ،
      ولأن العقيدة لا تنفك عن القرآن ، ومن أهم محاسنها ربط الطالب بالقرآن . ومن
      فوائد هذه الطريقة أن يتعلم الطالب الشمولية والاستيعاب لمكونات الموضوع
      وأساسياته ؛ فقد اشتملت على ما ذكره ابن أبي العز وزيادات كثيرة ؛ وإن هذا
      المنهج خلا من السرد وحكايات ضلال المتكلمين وشبهاتهم إلا لماماً .
      ومن محاسنها أيضاً أن يتعلم الطالب العقيدة بطريق غير مباشر ؛ فينبغي أن
      تكون نتيجة يبرهن عليها الأستاذ من خلال الكتاب والسنة بالتحليل والمقارنة ،
      ويجب على أستاذ المادة أن يجعلها ضالة ينشدها في عرضه ونتيجة يصل إليها فهم
      الطالب ذاتياً فتؤثر فيه وتثمر بإذن الله فينقاد ، ويذعن عن طريق الاقتناع الذاتي .
      وهذا المنهج موافق للمنطق العقلي ؛ حيث تدرج العرض بالطالب من المعاني
      المحسوسة إلى المعاني المعقولة إلى حيث يعجز الإدراك وينقطع الطمع ؛ وحينئذ
      نمتطي به سبيل السمع ، ونركب له طريق النص ، فنكل الأمر إلى مولاه ، ونثبت
      اللفظ على ما جاء على مراد الله بدون تشبيه ولا تعطيل ولا تأويل ؛ بل نؤمن به ،
      ولا نبحث عن حقيقته ولا نتكلم فيه بالرأي . والله أعلم .

      (1) قارن شرحنا بشرح ابن أبي العز ، ص 254 .
      (2) الجامع للقرطبي ، 7/272 .
      (3) الجامع للقرطبي ، 3/290 .
      (4) جزء من حديث رواه أبو داود ، 4/369 .
      (5) فتح الباري ، 13/349 .
      (6) فتح القدير ، 2/211 .
      (7) انظر محاسن التأويل للقاسمي ، 7/2704 .
      (8) تفسير ابن كثير ، 4/ 130 .
      (9) تفسير الطبري ، 1/175 .
      (10) فتح الباري ، 13/406 .
      (11) تفسير ابن كثير ، 1/72 .
      (12) انظر معارج القبول ، 1/109 .
      (13) وقد استوعب الشيخ حافظ الحكمي نصوص الأئمة وأقوال الصحابة والتابعين في كتابه القيم : معارج القبول 1/109 .
      (14) محاسن التأويل ، 7/2704 .
      (15) لسان العرب لابن منظور مادة : (كرس) .
      (16) تفسير ابن كثير ، 1/332 .
      (17) ذكره ابن كثير في تفسيره 1/332 .
      (18) تفسير الرازي 14/14 .
      (19) الجامع للقرطبي ، 2/300 ، زاد المسير ، 1/304 .
      (20) تفسير ابن كثير ، 1/333 .
      (21) تفسير الطبري ، 3/32 ، فتح القدير ، 1/272 .
      (22) تفسير ابن كثير ، 1/332 ، زاد المسير ، 1/304 .
      (23) حاشية زاد المسير ، 1/304 .
      (24) فتح القدير ، 1/272 .
      (*) الكاتب أستاذ في (معهد العلوم الإسلامية والعربية) القسم الجامعي في موريتانيا ، التابع لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية .

      مجلة البيان - العدد 122 ص 43

    • #2
      جزاك الله خيرا

      تعليق

      20,125
      الاعــضـــاء
      230,441
      الـمــواضـيــع
      42,204
      الــمــشـــاركـــات
      يعمل...
      X