• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • سطور السنا

      قصيدة نبوية لعلي الجارم
      كانت قضية الرسوم المسيئة إلى أصحابها المتطاولة إلى مقام النبي الأعظم ، محمد - - المتهافتة دون أن تبلغه - مُظهِرَة لكوامن المحبة ، وسواكن الوجد ، ومذخور العشق ، مما لم يُتوقع أن يبلغ - من العمل - هذا المدى ، ولا أن يدرك هذه الغاية ، فسارت المسيرات ، وعُقدت المؤتمرات ، وأُلفت الكتب ، وأنشدت القصائد ، وأنشئت المواقع ، وأُطلقت القنوات ، وصَدحت الأناشيد ، وعَنَى الأمرُ الصغيرَ والكبير ، والرجل والمرأة ، والعربي والأعجمي ، والمتعلم والأمي ، والإسلامي والعلماني ، والمتدين والمتهاون ، فعبَّر كل عن غضبه وإنكاره ، وعن حبه وإكباره ، وصاحوا الصيحة المدوية : إلا رسولَ الله ، وحاشا محمدَ بنَ عبد الله ، فكانت قضيةً مُوقِظة مذكِّرة ، باعثة ناشرة ، نافعة غير ضارة . وهكذا يجري قضاء الله ، فتكون الْمِحَنُ مِنَحًا ، وتكون المصائب فوائد ، والنكبات عوائد ، وهكذا تتحقق سنن الله في عسى أن تكرهوا ، وعسى أن تحبوا ، ( وما يعلم جنود ربك إلا هو ) ، ( ويمكرون ويمكر الله ) ، ( إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سيبل الله ، فسيُنفقونها ، ثم تكون عليهم حسرة ، ثم يُغلَبون ) .
      وإن أنْسَ لا أنس ما شهدته على قناة الجزيرة مباشر من اجتماع حاشد في إستانبول سد الأفق ، وغمر الساحات والميادين ، وملأ الدروب والسكك ، وبعد انقضاء الخطب والكلمات قامت طفلة تسرد مناجاةً للرسول الكريم الحبيب - - تذكر ما عاناه في سبيل إيصال الخير إلينا ، وما قاساه في طريق هدايته لنا ، وما لاقاه لتبلغ الرحمة العالمين ، وتمس بشاشة الإيمان قلوب الناس أجمعين ، فأوذي وكُذِّب ، وحوصر وأخرج ، وطورد وحورب ، ونابذه المولى وابن العم ، والقريب وذو الرحم ، وسال من وجهه الدم ، وهي تسرد كل ذلك بنغم مُحَزِّن ، وحرارة متعدِّية ، ولفظ مسترسل ، فخشعت الأصوات ، وانكسرت الأبصار ، وذرفت الدموع ، ورقت القلوب !
      * * *
      دُعيت مرة إلى ندوة شعرية خصصت للقصائد النبوية - بمناسبة تلك الرسوم - ولم يكن لي شيء ذو بال أقوله في ذلك المقام ، فقلت : إن لم أشارك بِمَقُولي ، فلأشارك بِمَنْقُولي ، فحملت ثلاث قصائد لثلاثة من فحول المعاصرين ، واحدة لعلي الجارم المصري ( 1882-1949 ) ، وستأتي - إن شاء الله - وأخرى لبدوي الجبل محمد سليمان الأحمد الشامي ( 1903-1981 ) ، وأولها :
      بِنُورٍ على أم القرى وبطيب * غسلت فؤادي من أسًى ولهيب
      وثالثة لمحمد بهجة الأثري العراقي ( 1904-1996 ) ، وأولها :
      خلت العصور ، وأنت أنت الأوحدُ * ذكرى مقدسة ، ومجدٌ سرمدُ
      ولم يسعف الوقت إلا لإلقاء قصيدة بدوي الجبل . وكنت أفكر في جمع القصائد النبوية للمعاصرين ، ثم شُغلت عن ذلك ، وأما القدماء فقامت على أشعارهم في مدح النبي - - دراسات ، وتجد قدرا صالحًا منها في الحماسة المغربية للجراوي ( -609 ) ، ومِنَح المِدَح لابن سيد الناس ( -734 ) .
      * * *
      وأما علي الجارم فهو أزهري درعمي ، ودرس التربية في انجلترا ، وكان كبير مفتشي اللغة العربية بمصر ، ووكيلا لكلية دار العلوم ، ومن مؤسسي مجمع اللغة العربية بالقاهرة، وهو صاحب ( النحو الواضح ) و( البلاغة الواضحة ) مع مصطفى أمين ، وكان الكتابان فتحًا في التأليف المدرسي لقواعد اللغة العربية ، بما فيهما من عصرية ، وتنسيق ، وتمرين ، واقتصار على ما يقيم الألسنة والأيدي ، ويغذي الملكات والأذواق .
      وأما الشعر فشاعر من الأكابر ، قال فيه العقاد : " إن الجارم ركن من أركان مدرسة شعرية تستحق الآن أن تُعرف بملامحها ، وأن تستقل بعنوانها ، فلا تلتبس بمدرسة أخرى تُنسب إلى علم من أعلام الشعر المخضرمين بين القرن التاسع عشر والقرن العشرين ، إنها مدرسة يجوز أن نسميها بمدرسة "دار العلوم" ... فإذا سمينا أركان هذه المدرسة الثلاثة ، وهم : حفني ناصف ، ومحمد عبد المطلب ، وعلي الجارم ، بترتيب السن أو الجيل - فمن السهل أن نلمس وجوه الشبه بين كل منهم وصاحبيه ... فالدرعمي لغوي عربي سلفي عصري ، ولكن على منهج فريد في بابه بين مناهج المعاهد السلفية والمدارس الإفرنجية ، وبين مناهج المحافظة والتجديد ، ومناهج الابتداع والتقليد " .
      وقد أخذني الإعجاب بالمقدمة التي كتبها الشاعر لديوانه ، حتى هممت أن أجعلها مختار هذه الكلمة ، وأدع القصيدة ، وفيها يصف الشعر ، ومنزلته من الكلام ، وخصائصه من الفنون ، وما الذي يجعل بعضه جيدًا يُطرب ، وبعضه رديئًا يُهمَل ، يقول : " حاول عبد القاهر الجرجاني في كتابيه : ( أسرار البلاغة ) ، و( دلائل الإعجاز ) ، أن يشرح ما بهر نفسه من ضروب البلاغة في بعض ما ساق من الشواهد فأخفق وأخفق ، وطالما نظرت مبتسمًا إليه وهو يكِدّ ويكدح ، ويعلو ويسفل ، ويحاول الوصول إلى مواطن السحر فلا يستطيع ، ويتلمس اللفظ لشرح ما يجول بنفسه فلا يوفق ، والغيظ ينفخ أوداجه ، والألم تسمعه في نبرات لفظه ، يرسل الصيحة إثر الصيحة ، كأنما يدعو إلى اصطياد ظبي نافر ، أو إلى التوثب إلى أجنحة طائر ، ثم هو بعد طول الصياح ، وشدة الإلحاح ، لم يعمل شيئًا ، ولم يترك في كف القارئ شيئًا ! " .
      وضرب أمثلة من الشعر الجيد لا يُدرَك مأتى جودته ، ولا يُعرف السيبل إلى وصف جماله ، إلا أن يُسمع ، ويذاق ، فيعرف الخبير النقَّاد أنه من الضرب النفيس المضنون به على غير أهله ، ومن غير أهله من وصفهم الجارم بقوله : " وقد يخلط من لا بصر له بالشعر بين تأثير الحال التي قيل فيها الشعر وتأثير الشعر نفسه ، وكثيرًا ما نال الشاعر تصفيق الجماهير واستحسانهم لأنه يتجه إلى عاطفة فيهم سريعة الالتهاب ، سهلة الإثارة ، وكثيرًا ما يلجأ بعض الشعراء في موضوع بعيد عن عاطفة العامة إلى الاستطراد إلى ذكر ما يثير نفوسهم استجداء لصيحات الاستحسان وطلب الإعادة . وهذا دجل أدبي نعوذ بالله منه ، وهذا إفساد للفن ممن يريدون الالتصاق بالفن ، شأن هؤلاء شأن صغار المصورين ( يقصد الرسامين ) الذين يعمدون إلى دريهمات العامة بالإكثار من الألوان الزاهية البراقة ، وإن ضاع الانسجام ، وقُتل الفن الرفيع قتلا ! " .
      وإذا كان الشعر الجيد يستعصي على وصف روحه ، والإحاطة بكنهه ، ومعرفة المادة الفعالة التي جعلت له هذه المنزلة من القيمة ، وهذه الأثر من الإطراب ، وهذا النوع من الإمتاع ، في رأي علي الجارم ، وهو من كبار رجال التربية والتعليم - فهل تظن أنني قادر على أن أصف لك القصيدة المختارة في هذه الكلمة ، وأعرفك ما فيها مما يكون في الشعر الأصيل ، والكلام الجليل ؟! ولكني أقول : إنها قصيدة جديرة بأن تُنشد ، وأن تُختار ، وأن تُحفظ ، وأن تُعد في قصائد المحدَثين البليغة في المديح النبوي ، وإن لم يكن لها شهرة : ( ولد الهدى ) أو ( سلوا قلبي ) ، والشهرة على كل حال حظوظ مقسومة ، بلا أسباب معلومة !


      محمد رسول الله
      لعلي الجارم

      تحية ناء من شذى المسك أطيب
      ومن قطرات المزن أصفى وأعذب

      وتبريح أشواق إذا ما تنفست
      يكاد لها فحم الدجى يتلهب

      وقلبٌ يضيق الصدر عن نبضاته
      فيخفق غيظًا بالجناح ويَضرِب

      تلفَّتَ في الأضلاع حيران يائسًا
      وأنَّ كما أنَّ السجين المعذَّب

      تُعاوده الذكرى فتنكأ جرحه
      ويا رُبَّ جرح حار فيه المطبِّب

      ويخدعه طيف الخيال إذا سرى
      فيبعث آمال الشجيِّ ويذهب

      ومن أبصر الأيام خلف قناعها
      رأى الدهر يلهو ، والأمانيَّ تكذب

      عجائب أحداث تليها عجائب
      وصبري على تلك العجائب أعجب !

      ولولا حياة الوهم أودى بأهله
      زمان بأشواك الحقائق مخصِب

      تبسمْ إذا ما قطَّب الدهر وجهه
      وصفقْ له في دَوره حين يلعب

      يموت الفتى من قبل أن يعرف الفتى
      من الأمر ما يأتي وما يتجنَّب

      وسيان ما يَدريه والشَّعر فاحم
      أثِيثٌ ، وما يدريه والشعر أشيب

      وقالوا : حياة المرء درس ، فقهقهت
      صروف الليالي والقضاء المغيَّب

      إذا ما جهلتَ النفسَ وهي قريبة
      فأيُّ المعاني بعد نفسك أقرب ؟

      * * *

      حنانًا لقلبي ! كيف طاحت به المنى
      وعز على الأيام ما يتطلَّب

      يغازله في مطرح النَّسر مأرب
      ويختله في مسبح الحوت مأرب

      يكاد إذا مر الحجازُ بذكره
      وجيرتُه - من صدره يتوثب

      بلاد بها الرحمن ألقى ضياءه
      على لابتيها والعوالم غيهب

      تكاد إذا مرت بها الشمس غُدوة
      حياءً بأهداب السحاب تَنقَّب

      يجلِّلها قدس من الله سابغ
      وينفَحها نشر من الخلد طيب

      إذا نسَب الناسُ البلادَ رأيتَها
      إلى جنة الفروس تُعزَى وتُنسَب

      وإن نَضَبت أنهارها فبحسبها
      من الدين نهر للهدى ليس ينضُب

      إذا ما جرى في الأرض فالجدب مُخصِب
      وإن هو جافى الأرضَ فالخصب مُجدِب

      يفيض على الأقطار يُمنًا ورحمة
      ويزأر في أذْن العُتاة ويصخَب

      تفجَّرَ من نبع النبوة ماؤه
      له الحق وِرد والسماحة مشرب

      ووحَّد بين الناس ، لا البُعد مبعد
      عن الساحة الكبرى ، ولا القرب مُقْرب

      فليس لدى الإسلام شرق ومشرق
      وليس لدى الإسلام غرب ومغرب

      هم الناس إخوان سواءٌ على الهدى
      بطيء المساعي والشريف الْمُهَيَّب

      فما حط من قدر الفزاري فاقة
      ولا زاد في قدر ابن أيهم منصِب

      يجمِّعهم قلب على الحق واحد
      وإن فُرِّقت أو طانهم وتشعبوا

      إذا صاح في "جيحون" يومًا مؤذن
      أجاب على "التاميز" داع مثوِّب

      وإن ذَرفت من جفن دجلة دمعة
      رأيت دموعَ النيل حيرى تَصَبَّب

      وإن مس جرحٌ من فلسطين إصبعًا
      شكا حاجرٌ منه وأن المحصَّب

      * * *

      بنفسي وليدًا في أباطح مكة
      تتيه به الدنيا ويشرُف يعرُب

      أطل عليها مثلما تبسِم المنى
      ويسطع في الليل الْخُداريِّ كوكب

      وكان لها رمز الحياة فأشرقت
      كما هز أفنانَ الخمائل صيِّب

      وكم مَدَّت الأعناقَ ترقب لمحة
      فطال عليها صبرها والترقُّب

      توالت بها الأيام ، تذهب أحقُب
      وتأتي على اليأس المبرح أحقُب

      إلى أن بدا نور الإله فأقبلت
      عوالمها تشدو بطه وتَطرَب

      وليد له عليا معد ذؤابةٌ
      جلالة أنساب ، ومجد مؤشَّب

      حوته كما اعتاد الأعاريب جَفنةٌ
      وقد ضاق عن آماله الفيح سَبْسَب

      يحييه من طيف الملائك موكب
      ويرعاه من طيف النبيين موكب

      فهل علم الرومان أن مهاده
      قِراب به ماضي الغِرار مشَطَّب

      وأن به نفسًا يُحطَّم دونها
      منيع الصياصي ، والحديد المذرَّب

      وأن به من صولة الله جحفلاً
      يثُلُّ عروش القاسطين ويسلُب

      له الكون ميدان إذا سل سيفه
      وقال لفرسان الملائكة : اركبوا

      يطير عداه منه ذعرًا وخشية
      وإن ملأوا الأرض الفضاء وأجلبوا

      ومن لم يؤدبه البيان وهديُه
      فإن الحسام العَضْبَ نعم المؤدب

      فقد أنزل الله الحديد وبأسه
      لمن سدَّ أذنيه الهوى والتعصب

      وفي صَدْعة الإيوان إنذار أمة
      بأن من الأشياء ما ليس يُشعَب

      * * *

      محمدُ ، أنقذت الخلائق بعد ما
      تنكبت الدنيا بهم وتنكبوا

      وأطلقت عقلاً كان بالأمس مُصْفَدًا
      فدان له سر الوجود المحجَّب

      وأرسلتها من صيحة نبوية
      يمور لها قلب الجبال ويُرعَب

      إذا كان صوت الله في صيحة الفتى
      فأيَّ عباد الله يخشى ويَرهَب ؟

      وبلَّغتَ آياتٍ روائع لفظها
      من الصبح أهدى ، أو من النجم أثقب

      كأن .. وما تغني كأن ؟! فخَلِّها
      فإن من التشبيه ما يتصعَّب

      وماذا يقول الشعر في آي رحمة
      لها الله يُملي والملائك تكتب

      خطبتَ لنا يوم الوداع مشرِّعًا
      وهل لك ندٌّ في الورى حين تخطب ؟!

      فكشّفت أسرار السياسة موجزًا
      وجئت بما يعيا به اليوم مُسْهِب

      وأمليت دستورًا شقينا بتركه
      فثرنا على الأيام نشكو ونعتِب

      * * *

      إليك - رسولَ الله - طار بنا الهوى
      وحلوُ الأماني والرجاء المحبَّب

      سنصحو فقد مل الطريح وساده
      وفي نورك القدسيّ نسعى وندأب

      عليك سلام الله ما حن واجد
      وفاخرت الدنيا بقبرك يثرب
      محمد خليل الزَّرُّوق
      بنغازي - ليبيا

    • #2
      المشاركة الأصلية بواسطة محمد خليل الزروق مشاهدة المشاركة
      إليك - رسولَ الله - طار بنا الهوى
      وحلوُ الأماني والرجاء المحبَّب

      سنصحو فقد مل الطريح وساده
      وفي نورك القدسيّ نسعى وندأب

      عليك سلام الله ما حن واجد

      وفاخرت الدنيا بقبرك يثرب
      اللهم صل وسلم وبارك على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين. اللهم احشرنا في زمرته وأوردنا حوضه وأسقنا من يده الشريفة شربة لا نظمأ بعدها أبداً، ولا تحرمنا الله رؤيته في الآخرة كما حُرمنا منها في الدنيا، اللهم آمين.
      سمر الأرناؤوط
      المشرفة على موقع إسلاميات
      (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

      تعليق


      • #3
        أصحاب الليل

        ابن الرومي علي بن العباس ( 221- 283 ) أحد أعمدة الشعر العربي ، وأحد أصحاب الدواوين الكبيرة ، قال المرزباني : "أشعر أهل زمانه بعد البحتري ، وأكثرهم شعرًا ، وأحسنهم أوصافًا ، وأبلغهم هجاءً ، وأوسعهم افتنانًا ، في سائر أجناس الشعر وضروبه وقوافيه " . وفي وفيات الأعيان : " يغوص على المعاني النادرة فيستخرجها من مكامنها ويبرزها في أحسن صورة ، ولا يترك المعنى حتى يستوفيه إلى آخره ولا يبقي فيه بقية " .
        واختار له المرزباني في ترجمته قطعًا تدل على براعته في وصفه وغزله وهجائه وتأمله ، فمن غزله :
        نظرَتْ فأقصَدَتِ الفؤادَ بسهمها * ثم انثنت عنه فكاد يهيم
        الموت إن نظرت وإن هي أعرضت * وقعُ السهام ونزعهن أليم
        ومن وصفه قال يصف سيفًا في ضمن مديح :
        يشيِّعه قلبٌ رُوَاع وصارم * صقيل بعيد عهده بالصياقل
        تَشيم بُرُوقَ الموت في صفحاته * وفي حده مصداق تلك المخايل
        ومن تشوقه إلى الوطن الأبيات السائرة :
        ولي وطن آليت ألا أبيعه * وألا أرى غيري له الدهر مالكا
        وقد ألفَتْه النفس حتى كأنه * لها جسد إن غاب غودر هالكا
        وحَبَّب أوطانَ الرجال إليهم * مآربُ قضَّاها الشباب هنالكا
        إذا ذكروا أوطانهم ذكَّرتهمُ * عهودَ الصبا فيها فحنوا لذلكا
        ومن هجائه :
        يقتِّر عيسى على نفسه * وليس بباق ولا خالد
        ولو كان يسطيع من بخله * تنفس من منخر واحد
        ومن تأمله وحكمته قوله :
        لما تؤذن الدنيا به من صروفها * يكون بكاء الطفل ساعة يولدُ
        وإلا فما يبكيه منها وإنها * لأفسح مما كان فيه وأرغد
        وروى عنه الخطيب البغدادي في ترجمته بيتين قالهما في احتضاره :
        غلِطَ الطبيبُ علي غلطة مُورد * عجزت موارده عن الإصدار
        والناس يلْحُون الطبيب ، وإنما * خطأ الطبيب إصابة الأقدار
        وذكر له ابن خلكان في ترجمته قوله في المديح :
        آراؤكم ووجوهكم وسيوفكم * في الحادثات إذا دجون نجوم
        منها معالم للهدى ، ومصابح * تجلو الدجى ، والأخريات رجوم
        واختار له بيتين من قصيدة في المديح مختارة بديعة ، فأزيد على ما ذكر ابن خلكان :
        قالوا : أبو الصقر من شيبان ، قلت لهم : * كلا لعمري ، ولكن منه شيبان
        وكم أب قد علا بابن ذرا شرف * كما علت برسول الله عدنان
        تسمو الرجال بآباء وآونة * تسمو الرجال بأبناء وتزدان
        ولم أقصر بشيبان التي بلغت * بها المبالغَ أعراقٌ وأغصان
        لله شيبان ! قوم لا يشوبهمُ * رَوْع إذا الروع شابت منه ولدان
        قوم سماحتهم غيث ، ونجدتهم * غوث ، وآراؤهم في الخطب شُهبان
        صانوا النفوس عن الفحشاء ، وابتذلوا * منهن في سبل العلياء ما صانوا
        المنْعِمون وما منُّوا على أحد * يومًا بنعُمى ، ولو منوا لما مانوا
        * * *
        ووصْفُ ابن الرومي لأهل العبادة والتبتل من جملة ما وصف من الحياة البغدادية العباسية ، فلم يترك شيئًا إلا وصفه واستقصى أوصافه ، من المأكل والمشرب والنبات والمباني والمرأة ، وأصناف الناس ، وأصحاب الحرف ، فشعره وشعر غيره في هذا الباب - يفيد من التاريخ الاجتماعي والحضاري ما لا تفيده التواريخ المعنية بأخبار الدول والملوك والوزراء والحروب والأحداث الكبيرة .
        وهذه القصيدة التي معنا إنما هي لوحة بريشة ابن الرومي الرسام المتفنن ، أو صورة - أو لقطة ، إن شئت - بعدسة ابن الرومي المصور البارع ، بل هي فيما أظن فوق ذلك ، هي مقطع بالصوت والصورة الحية ( فيديو ) لقوم من أصحاب الليل " الذين يتركون لذة الراحة والنوم والفُرُش الموطَّأة - إلى لذة أكبر وأعظم ، هي لذة الأنس بمناجاة الله ، ودعائه وتلاوة كتابه ، وهم في أمرهم بين الخوف والطمع ، والإشفاق والرجاء ، لا يقنطون ولا يأمنون ، يتأوهون عند سماع آي الكتاب ويسجدون ، ويسألون الله ما فيها من الخير ، ويتعوذون مما تنذر به من العذاب ، ويبكون ، ويدعون الله أن يكفر عنهم سيآتهم ، متوسلين بتذللهم وخضوعهم ، إذ لا يغفر الذنوب إلا الله ، ولم يكن الله ليضيع عملهم ، وقد كَفَل للعاملين بالجزاء ، وللداعين بالإجابة ، وهي إجابة إن لم تقع في الأسماع وعتها القلوب " ( مما كتبته في كتابي : الخلاصة ) .
        وله مثلها من نحو قوله :
        بات يدعو الواحد الصمدا * في ظلام الليل منفردا
        قد جفَت عيناه غُمضَهما * والخلي القلب قد رقدا
        في حشاه من مخافته * حُرُقات تلذع الكبدا
        لو تراه وهو منتصب * مُشْعِرٌ أجفانه السُّهُدا
        كلما مر الوعيد به * سح دمع العين فاطردا
        ووهت أركانه جزعًا * وارتقت أنفاسه صُعُدا
        قائل : يا منتهى أملي * وكأن الموت قد وردا
        وخطيئاتي التي سلفت * لست أحصي بعضها عددا
        فلي الويل الطويل غدًا * ليت عمري قبلها نفدا
        ويح عيني ساء ما نظرت * ويح قلبي ساء ما اعتقدا
        ليت عيني قبل نظرتها * كُحِلت أجفانها رمدا
        فإذا مر الوعيد به * كاد يُفني روحه كمدا
        وإذا مر الوُعود به * شد منه القلب والعضدا
        ومن ذلك ما قاله في رثاء البصرة بعد ما خربها الزَّنْج في قصيدته الميمية البديعة التي أولها :
        ذاد عن مقلتي لذيذَ المنام * شغلُها عنه بالدموع السجام
        وفيها :
        بل ألِمَّا بساحة المسجد الجامع إن كنتما ذوَيْ إلمام
        فاسألاه ولا جواب لديه * أين عُبَّاده الطوالُ القيام ؟
        أين عُمَّاره الألى عمَروه * دهرَهم في تلاوة وصيام ؟
        أين فتيانه الحسان وجوهًا ؟ * أين أشياخه أولو الأحلام ؟
        بأبي تلكم العظام عظامًا * وسقتها السماءُ صوبَ الغمام !
        وعليها من المليك صلاة * وسلام مؤكد بسلام !
        * * *
        والقصيدة التي معنا من مجزوء الخفيف ، أي على : "فاعلاتن مستفعلن" ، نحو :
        أيها الركب سلِّموا * وقفوا كي تَكَلَّموا
        وتقضوا لُبانة * وتحيُّوا وتغنموا
        قال في وصفه عبد الله الطيب في كتابه المرشد إلى فهم أشعار العرب : " وهو خفيف النغم ، كأن صاحبه يضرب دفًّا في مجمع رقص ، وفيه صخب وجلبة ، ولا يكاد يصلح فيما أرى إلا للألفاظ التي تُسرد سردًا ، من غير مراعاة للمعنى " ، ثم عاد من بعد وقال : " وهذا البحر يصلح للتغني بالألفاظ العذبة ، والعواطف الرقيقة في غير تعمق ، ومع هذا فالمنظوم فيه ليس بكثير ولا مشهور ، اللهم إلا المتصوفة فإنهم قد استفادوا به كثيرًا في أناشيدهم " .
        وليس الحكم على الأوزان وما تصلح له ، ووصف نغمها وما يلقيه في النفس ، بالأمر اليسير ، ولا الذي تنفع فيه الأحكام القاطعة ، ولكل ناظر أو سامع أن يرى أو يسمع الشيء على غير ما يراه ويسمعه غيره . على أن الأوزان القصيرة كلها تناسب الإيجاز ، ويبدع فيها القادر عليه ، فهي أنفع في الوصف ، وأبعد عن شرح المعاني ، وهي كلها سريعة الإيقاع ؛ لأنه سرعان ما ينقضي الشطر ، ثم ينقضي البيت .
        ومجزوء الخفيف أو "فاعلاتن مستفعلن" هو مقلوب المجتث : "مستفعلن فاعلاتن" ، نحو قول ابن التعاويذي :
        بمن أباحك قتلي * علام حرَّمت وصلي ؟
        أنفقتُ فيك دموعي * والدمع جهدُ المقل
        كيف السلو وقلبي * رهن لديك وعقلي
        وفيه ليونة لا تجدها في مجزوء الخفيف ، ومأتى ذلك من تأخر "فاعلاتن" في المجتث ، وفيها التنويع بين سبب فوتد فسبب ، والمتأخر في مجزوء الخفيف هو "مستفعلن" ، فهو صلب من أجل تتابع سببين في هذا ، أو وتدين إذا تحول إلى "متفعلن" ( ولا مَدخل هنا لكتابته : مستفع لن ؛ فإنما ذلك لمنع دخول الطي ) ، فأنت تشعر في المجتث بالتتابع الآتي من التعادل في تفعيلة الختام ( والأعمال بالخواتيم ) ، وتشعر في مجزوء الخفيف بالتقلقل الآتي من الثماثل في تفعيلة الختام ، فالحركة في المجتث مسترسلة ، وفي مجزوء الخفيف كالذهاب والرجوع . وهي في قصيدتنا مناسبة للحركة المعنوية بين خوف ورجاء ، وسجود وقيام ، ودعاء وإجابة.

        * * *
        أصحاب الليل
        لابن الرومي

        تتجافى جنوبهم
        عن وطيء المضاجعِ

        كلهم بين خائف
        مستجير وطامع

        تركوا لذة الكرى
        للعيون الهواجع

        ورعَوْا أنجم الدجى
        طالعًا بعد طالع

        لو تراهم إذا همُ
        خطروا بالأصابع

        وإذا هم تأوَّهوا
        عند مر القوارع

        وإذا باشروا الثرى
        بالخدود الضوارع

        واستهلت عيونهم
        فائضات المدامع

        ودَعَوْا : يا مليكَنا
        يا جميلَ الصنائع

        اعفُ عنا ذنوبَنا
        للوجوه الخواشع

        اعف عنا ذنوبنا
        للعيون الدوامع

        أنت - إن لم يكن لنا
        شافع - خير شافع

        فأجيبوا إجابة
        لم تقع في المسامع :

        ليس ما تصنعونه
        أوليائي بضائع

        تاجروني بطاعتي
        تربحوا في البضائع

        وابذلوا لي نفوسكم
        إنها في ودائعي
        محمد خليل الزَّرُّوق
        بنغازي - ليبيا

        تعليق


        • #4
          دمعة منهمرة ، على فتاة منتحرة

          هذه القصيدة رثى فيها الشاعر الجزائري محمد العيد آل خليفة فتاة انتحرت بالتردي من شاهق ، بوادي قسنطينة المسمى ( وادي الرمال ) .
          وعلى أن الشاعر لا تربطه صلة بالفتاة فقد رثاها بحرقة وأسف ، وأذرى دموعه على مصرعها منتحرة بهذا السبب ، في هذا العمر .
          وعلى أن القصيدة طويلة جاوزت خمسين بيتًا فلم تخبُ فيها جذوة الحرارة ، ولم يفتر فيها علو الانفعال ، وبقيت إلى آخرها متقدة مندفعة ، وجرت إلى غايتها بلا تكلف ، ووصلت إلى نهايتها بلا إسفاف في اللغة ، أو ضعف في التعبير ، بل إنه فوق ذلك أبدى فيها من براعة النظم ، ومن سياسة اللفظ ، ما دل على مدد لغوي ، ومعدن بلاغي ، فيه وفرة وغنى .
          وعلى أنه نحا في أجزاء منها - خاصة آخرها - منحى الموعظة ، فلم يهبط من سماء الشعر إلى أرض النثر ، ولا خرج من جو القصائد إلى ميدان الخطب .
          وعلى أنه لام المنتحرة وعنفها على ما فعلت فقد سرَت في جنبات القصيدة نغمة من الرحمة والشفقة والتماس المعاذير ، حتى إنه ما ترك وجهًا من العذر إلا ذكره ، وهو يقول : لعل ولعل ...
          ويبدو أن الحادثة راعت أهل المدينة كلهم ، فبكوها محزونين ، وشيعوها متحسرين ، فتجاوزت مصيبتها الأب والأم والقرابة إلى كل من علم بخبرها ، وسمع نبأها ، وكان الشاعر أحدهم فعبر عما ناب الناس في شأنها أحسن تعبير ، مزج فيه الحزن بالحنوّ ، والعذل بالعذر ، والوصف بالنصح ، وخطاب المنتحرة بخطاب الشباب من أمثالها واستخراج العبرة .
          وقد ذكرتني هذه القصيدة ببضع مقالات كتبها الأستاذ مصطفى صادق الرافعي بعنوان : ( الانتحار ) ، تجدها مثبتة في ( وحي القلم ) ، يجمعها بها شدة التأثر بالحدث ، وأن الْمُقدم على الانتحار شاب ، وأن الأديب انتهز فرصة الحادثة للتفكر في شؤون الحياة والموت ، والوعظ في أمور الدنيا والدين ، بنمط عالٍ من الأدب ، وضرب نفيس من الفن . وليس سرًّا أن المقدم على الانتحار - وقد نجاه الله - في مقالات الرافعي هو الأستاذ محمود محمد شاكر ، وكانت له به صلة المعلم بالتلميذ ، أو الأب بالابن ، فهزته الحادثة ، وكتب فيها ما كتب من فائق النثر ، ورائق القصص .

          * * *
          وأما رصف الشاعر محمد العيد فمحكم متسق ، كأن القصيدة جملة واحدة ، فهو نظم كالنثر في سهولته وانسجامه ، وانظر مثلا إلى سبك هذا البيت :
          مَن كان مرتكز اليقين فعسره * يسر عليه وبؤسه نعماء
          كيف سدت ( عليه ) مكانها في الوزن بلا زيادة أو قلق ، وأسلمت إلى مقابلة أخرى لم تحتج إلى مثلها ، وهي : ( وبؤسه نعماء ) ؟ أو إلى هذا البيت بعده :
          ماذا جنت أمّ حَبَتْك حنانَها * وأب عليك له يد بيضاء
          كيف تقدمت ( عليك ) وتركت لـ ( بيضاء ) التأخر لتستقر في القافية ؟ أو إلى هذا البيت في أواخر القصيدة :
          من ينج من بلوى يقع في غيرها * فمن البلاوي لا يتاح نجاء
          كيف قال : ( لا يتاح ) ، ولا يؤدي مؤداها في المعنى : ( لا يكون ) ، أو ( ليس ثم ) ، أو ( ما هناك ) ، وهو يؤديه في الوزن ؛ لأن ( لا يتاح ) يشير إلى طلب النجاء فلا يجاب .
          وقد تجاوز الشاعر هذا إلى فن من البديع ، هو الجناس الاشتقاقي ، وقد شاع هذا الفن في القرن السادس وما بعده في الشعر ، حتى إن قصيدة الشاطبي في القراءات مشحونة به ، وبلغ به ابن الفارض مبلغًا لا مزيد عليه ، ولا أظنه يجاريه في مجار . ومنه في هذه القصيدة :
          صدَمَتْكِ من وادي الرمال صخورُه
          وطواك منه لدى الْهُوِيّ هواء
          بين ( الْهُوِي ) و( الهواء ) ، وقوله :
          أسفي عليك ذَوَى شبابك فجأة
          قبل الْجَنَى ، وجنى عليك جفاء
          بين ( الجنى ) اسمًا و( جنى ) فعلا ، وقوله :
          عرَّضتِ عِرْضك للظنون وعسفها
          إن الظنون مطيَّة عمياء
          بين ( عرضت ) و( عرضك ) ، وأبدعُه بين ( نعش ) و( بنات نعش ) في قوله :
          هل فوق نعشك جثة أو توأم
          لبنات نعش أو هي الجوزاء
          ومثله الجناس الناقص في :
          وفجيعة بك - يا عروس - وجيعةٌ
          نُكبت بها الأهلون والقرباء
          بين ( فجيعة ) و( وجيعة ) ، وفي قوله :
          فكلاهما آسٍ عليك وآسفٌ
          قد برَّحت بحشاهما البُرَحاء
          بين ( آس ) و( آسف ) .
          ومحمد العيد مولع بهذا الفن من البديع ، مكثر منه ، له فيه لباقة وأناقة ، يأتي به سهلاً عفوًا بلا تكلف .
          * * *
          ومحمد العيد آل خليفة ( 1904 - 1979 ) بعدُ شاعر الجزائر على أيامه ، ولد في عين البيضاء ، وتعلم في بلده ، ثم في جامع الزيتونة ، وشارك في تأسيس جمعية علماء الجزائر ، وفي نهضة الجزائر الوطنية والعلمية والأدبية .
          ويكفي في وصف شاعريته وشعره قول الإمام محمد البشير الإبراهيمي : " شاعر الشباب ، وشاعر الجزائر الفتاة ، بل شاعر الشمال الإفريقي بلا منازع . شاعر مستكمل الأدوت ، خصب الذهن ، رحب الخيال ، متسع جوانب الفكر ، طائر اللمحة ، مشرق الديباجة ، متين التركيب ، فحل الأسلوب ، فخم الألفاظ ، محكم النسج ملتحمه ، مترقرق القوافي ، لبق في تصريف الألفاظ وتنزيلها في مواضعها ، بصير بدقائق استعمالات البلغاء ، فقيه محقق في مفردات اللغة علمًا وعملاً ... لا تقف في شعره على كثرته على شذوذ أو رخصة ، أو تسمح في قياس ، أو تعقيد في تركيب ، أو معاظلة في أسلوب ، بارع الصنعة في الجناس والطباق وإرسال المثل ... ومن يعرف محمد العيد ويعرف إيمانه وتقواه وتدينه وتخلقه بالفضائل الإسلامية يعرف أن روح الصدق المتفشية في شعره إنما هي أثر من آثار صدق الإيمان ، وصحة التخلق ، ويعلم أنه من هذه الناحية بدع في الشعراء . رافق النهضة الجزائرية في جميع مراحلها ، وله في كل ناحية من نواحيها ، وفي كل طور من أطوارها ، وفي كل أثر من آثارها - القصائد الغر ، والمقاطيع الخالدة .. " .
          وكفى بهذه شهادة من عارف بصير بالشاعر ، ناقد خبير بالأدب ، لا يلقي الكلام إلا أن يزنه بميزان ، ولا يرسل الحكم إلا بعد درس وامتحان !

          * * *
          دمعة منهمرة على فتاة منتحرة
          محمد العيد آل خليفة


          أذْرَتْ عليكِ دموعَها الأنداءُ
          يا زهرة عصفت بها النكباء

          ماذا دهاك من الحياة فعِفْتِها
          وعَرَتْك فيها نظرة سوداء ؟

          ألقيت نفسك من شفير شاهق
          يخشى الوقوفَ بجنبه الْجُرَآء

          ما هابه الليثُ الهصور من الردى
          قَدَرَتْ عليه الظبية الهيفاء

          صدمتك من وادي الرمال صخورُه
          وطواك منه لدى الْهُوِيّ هواء

          وسقطت صرعى لم يُقِلَّك في الثرى
          فَرْشٌ ولم يُسدَل عليك غطاء

          وقضيت لا قربى تحوط ولا يد
          تأسو ولا عطف ولا إدناء

          فبكتك في ( سرتا ) ظباء كِناسها
          وشُبولها وغياضها الغنَّاء

          وتسارَرَتْ فيها بِنَعْيِك وُرْقُها
          ورقاء تهدل إثرها ورقاء

          أسفي عليك ذوى شبابك فجأة
          قبل الجنى ، وجنى عليك جفاء

          ضاقت بك الدنيا بما رحبت ، فما
          وسعتك أرض أو وَقَتْك سماء

          وأجَلْتِ طرفك في الوجوه جميعها
          فإذا الضياء أمامه ظلماء

          وسَخَوْتِ بالدنيا وزهرتها لمن
          في البؤس عز بها عليه سخاء

          الموت جاءك خاطبًا فرضيته
          زوجًا ، وباء بصدك الخطباء

          فزُفِفْت في عرسٍ لزوجك صاخبٍ
          لكنْ خضابُك - يا عروس - دماء

          أما صداقك - يا عروس - فلوعةٌ
          حرَّى تذوب بنارها الأحشاء

          وفجيعة بك - يا عروس - وجيعةٌ
          نُكبت بها الأهلون والقرباء

          لا أستبيح لك التردي ، إنه
          رغم اضطرارك زلة نكراء

          لا أستطيب لك الردى ولوَ انه
          لك من جميع النائبات وِقاء

          في كل كارثة لكل مُوَحِّدٍ
          أمل له في كشفها ورجاء

          من كان مرتكِز اليقين فعسره
          يسرٌ عليه ، وبؤسه نعماء

          ماذا جنت أمٌّ حَبَتْك حنانَها
          وأبٌ عليك له يدٌ بيضاء

          مستهما الضراء منك أليمةً
          ودَهَتْهما من بؤسك البأساء

          فكلاهما آسٍ عليك وآسفٌ
          قد برَّحت بحشاهما البُرَحاء

          أخطأت رأيًا في انتحارك ، إنه
          ذنب يشين ، وفكرة حمقاء

          ليس انتحارك كان رزءًا واحدًا
          في وقعه ، بل إنه أرزاء

          ما كان حلُّ المشكلات بحادث
          للنفس فيه على الشقاء شقاء

          إني وقفت عليك وِقفة شاعر
          أرثيك إن أجدى عليك رثاء

          متحسِّرًا ومن التحسر نُدْبة
          ومعاتبًا ومن العتاب بكاء

          عرَّضتِ عرضك للظنون وعسفها
          إن الظنون مطيَّة عمياء

          أزرى بعرضك ما يقال توهمًا
          ولعله مما يقال براء

          وأصاب نفسك ما يجل مصابه
          ولعل نفسك للنفوس فداء

          ولعل رُزْأك نوبة نفسية
          أو عثرة في السير أو إغماء

          أو لفحة بك من ذكائك أحرقت
          منك الحجا ومن الذكاء ذُكاء

          قد حَفَّت الأيدي بنعشك فاعتلى
          كالفلك تزخر تحته الدأماء

          ما شيعتك جنازة بل أمة
          نُشرت فلم يستوفها إحصاء

          ذابت قلوب جميعهم لك رحمة
          ورِضى الرحيم يناله الرحماء

          هل فوق نعشك جثة أو توأم
          لبنات نعش أو هي الجوزاء

          أم فلذة من قلب أروع ضاحك
          للنائبات جبينه وضَّاء

          لا تيأسي من رَوْح ربِّك ، إنه
          ماحي الكبائر محسن معطاء

          أضفى عليك الله حُلَّة عفوه
          وسَقَتْك من رَحَماته أنواء

          وإذا ابتلى الله العباد فجهدهم
          صبر له وتضرع ودعاء

          * * *
          قل للشباب المستبد برأيه
          المستفزِّة وجدَه الأهواء

          من يتعظ بسواه في أخطائه
          تلهمْه وجهَ صوابِه الأخطاء

          إن انتحار اليائسين جناية
          عظمى يبوء بخزيها الجبناء

          دنياكَ معركة يفوز بكسبها
          رأي أسدُّ وهمة قعساء

          والأرض سوق بالنقائص أفعمت
          دأب الورى بيع بها وشراء

          الفوز والإخفاق بعض عُروضها
          يعطي ويأخذ منهما الأحياء

          من فاته فيها الرجاء فمفلس
          لا يُرتجى أبدًا له إثراء

          والخلق صيد النائبات فكلهم
          غرض لها في الصيد وهي رِماء

          من ينج من بلوى يقعْ في مثلها
          فمن البلاوي لا يتاح نجاء

          والله يحكم ثم يُمضي حكمه
          في الكائنات كما يرى ويشاء

          سبحانه خفيت حقائق علمه
          عنا فلم تستجلها الآراء

          ما فاز إلا مؤمن متوكل
          متجمل مهما عراه بلاء

          فله بأسباب الإله تمسك
          وله بأحكام الإله رِضاء
          محمد خليل الزَّرُّوق
          بنغازي - ليبيا

          تعليق


          • #5
            يقولون : (ماما)!!

            هل لك في أن تتأمل معي في هذا الأدب الرفيع ، وهذا الشعر الرائق الراقي ، وهذا التعبير البليغ عن آلام الفقد ، ووقع المصيبة ، بشاعرية أصيلة ، قلَّ نظيرها في هذه الأيام ؟
            ذلك أن الفن ما هو إلا اعتمال المعنى في النفس ، وغليانه فيها ، يجد أداة طيعة جيدة التوصيل ، فيُشرك الآخرين فيما هو في أطواء النفس وأغوارها ، لم يطَّلع عليه إنسان ، ولا يبلغُ كنهَه باحث ، لولا هذه الموهبة المسماة : البيان .
            الشاعر أستاذ في الأدب ، وما كل أساتيذ الأدب شعراء ، فكيف لو قارن العلمُ الفنَّ ، وصاحبت الحرفة الموهبة ، ووافق التخصص الهوى ، ثم تحركت النفس بما يصيب الإنسان من أحداث الحياة ، وصروف الزمن ، وأراد المرء إبلاغ ما يجري في عالم النفس إلى عالم الناس ؟ لا شك أنه لا يصنع إلا فنًّا كهذا .
            محمد رجب البيومي ، الأستاذ الدكتور ، الأديب الباحث ، الناثر الشاعر ، الأزهري المصري ، المعلم المربي ، صاحب الكتب النافعة ، والمقالات الماتعة ، ولد سنة 1923 . ماذا ترى في هذه السن ، وهذا التخصص ، وهذه البيئة ، وهذا العمل ؟ هو إذًا من أهل الدار ، يسكن في أدخَلِ غرفة فيها ، نفَسُه الذي يتنفَّسه اللغةُ والأدب والشعر والقرآن !
            وإني - والله ! - لم ألقه في حياتي ، ولا بيني وبينه من صلة ، إلا صلة القارئ بالكاتب ، والطالب بالعالم ، والمريد بالشيخ . كنت أقرأه في مجلة الهلال المصرية ، منذ آحاد التسعين من القرن الماضي ، وكانت مجلة الهلال تحرص فيما تتبعت من أمرها في تلك الأيام على أن يكون فيها في كل عدد مقالة تراثية أو إسلامية ، وكانت الهلال في تلك الأيام تقوم مقام الرسالة في آحاد الثلاثين والأربعين ، وكان الأستاذ يكتب لها مقالات متباعدة ، وكان كاتب المقالة التراثية أو الإسلامية في الغالب هو أستاذنا الدكتور محمود الطنَاحي - عليه رحمة الله ! - ثم وقعت الواقعة ، واختطفت المنون علاَّمة التراث الطنَاحي ( توفي يوم 23/3/1999 ) ، فكان الذي سدَّ هذه الثُّغرة هو الأستاذ البيومي ، والتزم بكتابة مقالة للهلال في كل شهر ، إلى أن حالَ حالُ الهلال .
            وأذكر أني قرأت مقالة له في ذكرى المولد النبوي في هلال 6/2000 ، وكتبت تعليقًا عليها نشر في هلال 9/2000 ، وقلت فيه ( ص 202 ) : " حيَّا الله كلَّ كاتب يطلب الحق ، ويقول السداد ، ويتحرى الصواب ، ولكنَّ للنفس هواها ، وللقلب ميلَه ، ولا بأس بالهوى إذا كان غير متبوع ، ولا جُناح في الميل إذا كان غير مملوك . وإني لتروقني أيَّما رَوْق مقالات الأستاذ الكبير الدكتور محمد رجب البيومي في الهلال ، وأخص بالذكر مقاله في ذكرى المولد النبوي ( 6/2000 ) ، وما فيه من الصفاء العجيب ، والتدفق الآسر ، والتفكر السامي . هنيئًا للهلال كاتبها الكبير ، وكُتَّابها : الباحث المفكر الدكتور محمد عمارة ، والأديبة اللبيبة صافيناز كاظم ، والمؤرخ المنصف طارق البِشْري ، أكتب هذا الكلام وعلى خدي دمعة على أستاذنا المحقق الضليع محمود الطنَاحي ، رحمة واسعة ! " .
            وما كنت أدري يومها أن الأستاذ البيومي شاعر من هذا الطراز المبدع المغمورِ شعرُه ، المغموطِ حقُّه ، المطويةِ صفحتُه ، في دولة الشعر والشعراء ، وقد دخلها كل داخل ، وأناخ فيها كل ناثر ، ثم مَن هو دون الناثر ، ثم مَن هو دونَ دونَ .
            هذه الكلمة للأستاذ البيومي من ديوانه " حصاد الدموع " ، وقد رثى في الديوان كلِّه زوجَه ، لاميةٌ مرفوعة ، تناسب : يُعوِلُ ، ويولول ، كما ترى . من الطويل ، البحر المتسع ، تتباعد فيه القافية ، فلا تُكرِه الشاعر على معنى لا يريده ، فهو يصل إليها غير مُنْبَهِر ، ولا مُعْنَت ، يختارها لمعانيه ، ولا تختار له المعاني . وله إيقاع هادئ بطيء ، يلائم كل فكرة مستقرة ، وكل عاطفة توطَّنت عليها النفس ، فهو في المراثي كالبكاء بالصوت الخفيض ، وسرد الشكوى طويلة الأجزاء ، متعددة النواحي ، متوالية الفصول .
            وهي أحدٌ وثلاثون بيتًا ، مقسومة شطرين بالسوية ، أو ما يشبهها . الشطر الأول منها في وصف وقع المصيبة على أطفاله - ووقعُها على أطفاله مصيبة أخرى - والشطر الآخر في وصف وقعها عليه . فهو إذًا يحمل هَمَّين ومصيبتين . والأب يحمل همَّ أبنائه إن غابت أمهم غيبة مؤقتة ، فكيف بغيبة الأبد ؟!
            لن أنثر لك القصيدة فأفسدَ جوَّها ، وأعكِّرَ صفوَها ، فأكون كمن يفرغ العسل من قواريره الأنيقة على الأرض !
            ولكنِ انظر إلى هذا المطلع المصرَّع ، فيه ضمير لغائبِينَ ، سَرعان ما يُعرَفون ، ويُعرَف ما يريدون من مقالهم المقتصر على كلمة واحدة ، هي : ( ماما ) ، وهذا يوحي بصغر السن ، إذ لا يقوى الصغير إلا على قول كلمات معدودات ، ويكتفي بالكلمة عن الجملة ، فلا يطيق تأليف جملة ، أو هو يقول ذلك فعلَ الباكي الداعي أمه إلى تلبيته :
            يقولون : ( ماما ) كلما عنَّ مشكِلُ
            وأولى بهم أن يسكتوا لو تعقَّلوا
            ( وأولى بهم أن يسكتوا ) لأنه لا جدوى من دعاء الأموات ، ولا يزيد دعاؤها في حال انقطاع الأمل من عودتها الأبَ إلا حسرةً على حسرة ، وإلا ألَمًا على ألم ؛ إذ يذكِّرونه بهمه ، ويحمِّلونه همَّهم على همه .
            ثم انظر إلى هذه الإضافة العجيبة التي لا تتهيأ إلا لأصحاب الملكة الراسخة :
            ومِن دون ( ماماهم ) ترابٌ وجندلُ !
            وفيها إشارة من طرف خفي إلى أنها إن كانت ( ماماكم ) التي لا تستغنون عنها ، ولا تعيشون بغيرها ، فهي زوجي أيضًا ، وبي من الألم على فراقها ما بكم ! وثَمَّ ألَمٌ ثالث ، أن أطفالي يستغيثون بي حيث لا حيلة لي ، ولا مُكنة عندي ، فأنا وهم في العجز سواء !
            وقوله : ( ليَسْكُتَ لا يدري الذي هو يفعل ) اللام للعاقبة ، و( لا يدري ) في موقع الحال ، و( الذي ) مفعول ( لا يدري ) . وإنما أعربتُه لك لأدلَّك على المعنى ؛ لأني توقفت في معناه أول الأمر ، وهذا هو الشطر الوحيد الذي لا يَسْلَس لفظُه ومعناه سلاسةَ بقية القصيدة ، وهي كالماء العذب الصافي المتدفق .
            وفي القسم الآخر من الشطر الأول من القصيدة وصَفَ حالهم معها قبل فقدها ؛ ليدل على عظم المصاب ، وفداحة الخطب ، وقد بدأ من قوله :
            تَرَبَّوْا فراخاً في العِشاش تَزُقُّهم
            حمامةُ أيْكٍ بالأهازيج تهدِلُ
            وهديلها إنما هو كناية عن سرورها بما تعمل .
            وانظر إلى قوله :
            وإن عصفت ريحٌ بغصن تجمعت
            تقيهم هبوب الريح ساعة تُقبل

            وكيف عبر عن ضمها لهم ، وخوفها عليهم ، بقوله : ( تجمعت ) ؟ فهي كالثوب يتجمع ويلتف حول صاحبه .
            وفي الشطر الآخر من القصيدة يصف ما فعل به الفقد ، وكيف كانت هي له ؟ وسيرتها معه ، وأين كانت من نفسه ؟ كما فعل في الشطر الأول منها في وصف حالها مع أطفاله ، وهو يبدأ من قوله :
            لِيَ الله من ذي حسرة برحيلها
            لها مسرَبٌ بين الجوانح مُوغلُ
            وقد ساعدته القافية المرفوعة على سهولة تتميم المعاني بالمبتدأ والخبر يجيئان بعد انقضاء المعاني يتمِّمان ، ويزيدان المعنى فائدة مكمِّلة ، في : ( والريقُ حنظلُ ) - وفيه الإيجاز الدالُّ بالتشبيه البليغ مُسقَط الأداة - ( وهو معضِل ) ، وساعدته على استعمال المضارع المرفوع مثبتًا ومنفيًّا في تقرير زمن الحال ، وفي استحضار الماضي إلى الحال .
            ولا يعد قوله :
            يلومونني أن صرتُ أبكي فراقَها
            فكيف وقد ضعنا معًا أتحمل ؟

            إلا من باب فقدان المحزون صوابه ، فهو يقول الكلام الذي لا يقدِّر معناه ؛ لأن الميت غير ضائع ، وما كان أحسنه لو جاء قوله : ( وقد ضعنا معًا ) مرادًا به نفسُه وأطفاله ! ولو جاء كذلك لكان أوقع وأصوب .
            ثم يجيء الختام رجوعًا إلى ما بدأ به من ذكر دعاء أطفاله بقول : ( ماما ) ، وإقفالاً لنغم القصيدة ببيت واحد ردَّد فيه ذكر أكثر مواقف القصيدة وصورها تأثيرًا في النفس ، واستدرارًا للرحمة ، وهو موقف الأطفال الفاقدين أمهم ، المتضاغين بقول : ( ماما ) ، وزاد عليه هنا التصريح بأن حالَه حالُهم ، وله صياحٌ كصياحهم ، ولكنه صياحٌ مكتوم ، ووجد مكظوم ، ولو ظهر لكان ولولةً وعويلاً :
            إذا صاحت الأطفال : ( ماما ) فإنني
            بوا زوجتا ! ما بين نفسي أولول
            لا شك عندي أن هذه القصيدة من أصدق الرثاء ، ومن عيون الشعر ، ومن أنصع نماذج الأدب الحديث والمعاصر ، وبها وبأمثالها يُعلَم أن الشعر الموزون المقفى على طريقة القدماء يُمكن أن يحلِّق في أيامنا هذه في سموات عالية ، لو وُجدت الموهبة ، واكتملت الملكة ، وصدقت العاطفة .

            27/2/2009




            يقولون : ( ماما )
            لمحمد رجب البيومي

            يقولون : ( ماما ) كلما عنَّ مشكلُ
            وأولى بهم أن يسكتوا لو تعقَّلوا

            يقولون : ( ماما ) ! ما الذي أنا صانعٌ ؟
            ومن دون ( ماماهم ) ترابٌ وجَنْدلُ

            يصيحون بي هلاَّ ذهبتَ تعيدُها ؟
            كأني بردِّ الراحلينَ مُوَكَّلُ !

            شديدٌ على نفس الأب البَرِّ موقفٌ
            يُهيبُ به أطفالُه ثم ينكُلُ

            يعذبه إحساسُهم برحيلها
            وإحساسُه الدامي أشدُّ وأهولُ

            تفنَّن في جلب السرور إليهمُ
            يحاول تخفيفَ الذي يتحمّلُ

            ووالى فنونَ المغرياتِ تلهِّـيًا
            فما راق ملبوسٌ ، ولا طاب مأكلُ !

            وكان حريصاً أن يدومَ سرورُهم
            بها ، وهي بالأحرى أسرُّ وأجذَلُ

            ولكنها الأقدارُ تفعل فعلها
            ليسكتَ لا يدري الذي هو يفعلُ

            يقولون : ( ماما ) ، من يلوم مقالهم
            وقد غاب عنهم وجهُها المتهلِّلُ ؟!

            تَرَبَّوْا فراخاً في العِشاش تَزُقُّهم
            حمامةُ أيكٍ بالأهازيج تهدِلُ

            يُحِسُّونَ فيضَ الحب تحت جناحها
            فما منهمُ إلا الأثير المدلَّلُ

            إذا أشرقت شمسٌ بدفء سعت بهم
            تِجاه الضِّفاف الخضر لا تتمهَّلُ

            وإن عصفت ريحٌ بغصنٍ تجمَّعتْ
            تقيهم هبوبَ الريح ساعةَ تُقبلُ

            رعتهم وخلَّت نفسَها ، فهي بينهم
            على غُلَواء الكدحِ تضوَى وتنحَلُ

            إلى أن مضت عنهم شهيدةَ جُهدها
            فناحُوا عليها صارخين وأعولوا

            * * *

            لِيَ الله من ذي حسرةٍ برحيلها
            لها مسربٌ بين الجوانح مُوغِلُ !

            تُذيبُ شغافَ القلب - ويلي ! - فإن عَلَتْ
            إلى الحلق قرَّت فيه ، والريقُ حنظلُ

            ويُخلِفني ما اعتدتُ من راشد الْحِجَا
            فأُفحَمُ أثناء الحديثِ وأُذْهَلُ

            وأهفو إلى أمسي ، وأمقتُ حاضري
            وأخشى غدي ؛ إذ ليس لي فيه موئلُ

            فقدتُ التي كانت تَرُودُ سريرتي
            فما دونها سترٌ على النفسِ يُسدَلُ

            ترى غُصَصًا في غَوْرِ نفسي دفينةً
            فتعلمُها علم اليقين وأجهلُ

            فتغدو نِطاسياً يُعالجُ مُدْنَفًا
            ليُبرئه من دائه ، وهو معضِلُ

            أجل ، هي كانت في البلايا طبيبتي
            فيا لِجراحٍ بعدها ليس تَدْمُلُ !

            نشدتُ علاجَ الروحِ في نكساتها
            وأين وقد غابَ الطبيبُ المعلِّلُ ؟

            أُروِّحُ عن نفسي بذكر نقائصي
            ليسكتَ عني من يلوم ويعذِلُ

            يلومونني أن صرت أبكي فِراقَها
            فهل بعد أن ضعنا معاً أتحمَّلُ ؟!

            لكانت نعيم الله يُبهجُ منـزلي
            وها هو ذا عن وجهتي يتحوَّلُ

            لَعَمْرُ صباها الغَضِّ في موحش الثَّرَى
            لقد كدتُ أهوِي للثَّرى فأُقبِّلُ

            هُيَاماً به إذ صار مَنْزِلَ حسنها
            فما شاقني من بعده اليومَ مَنْزِلُ

            إذا صاحتِ الأطفالُ : ( ماما ) فإنني
            بوازوجتا ! ما بين نفسي أولولُ!!
            محمد خليل الزَّرُّوق
            بنغازي - ليبيا

            تعليق


            • #6
              اختيارات رائعة وفقكم الله أيها الأديب الموفق .
              أرجو أن تكون وجميع الزملاء في ليبيا عصام المجريسي وطه الفهد وبقية الزملاء بألف خير .
              عبدالرحمن بن معاضة الشهري
              أستاذ الدراسات القرآنية بجامعة الملك سعود

              تعليق


              • #7
                شكر الله لكم.
                اختيارات رائعة

                تعليق

                20,029
                الاعــضـــاء
                238,039
                الـمــواضـيــع
                42,801
                الــمــشـــاركـــات
                يعمل...
                X