• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • "مسئوليات أدبية بعيدة المدى"للدكتور/ محمد عبدالله دراز

      لمن لم يعرف الدكتور رجاءً أن يدخل هذا الرابط
      حُقَّ لكل مسلم أن يشكر الشيخ (أحمد مصطفى فضلية)


      هذه مجموعة من حلقات إذاعية أُذيعت في اذاعة القرآن الكريم سنة 1957 م
      وهي ملقاة على هيئة حوار بين تلميذ وأستاذ أو طالب ومربي
      وتقع كل كلمة منها في 3أو4 صفحات.
      ولعلي أنسى نشرها في بعض المنتديات فرجاءً منكم أن تتابعوا القسم الخاص بالدكتور في مدونتي
      وفهرس الكلمات كالتالي:
      1-مسئولية التابع والمتبوع.
      2-مسئولية الضعفاء والمستكبرين.
      3-مسئولية المُغرر بهم.
      4-المسئولية عن فعل الغير.
      5-الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
      6-المسئولية التضامنية في الاسلام.
      7-المسئولية عن الأعمال القلبية.
      8-مسئولية المرء عن عمره.
      9-المسئولية عن أهداف العمل.
      10-كل راع مسئول عن رعيته.

    • #2
      1- مسئولية التابع والمتبوع( أُذيع في صباح الجمعة 18/1/1957م

      هذه قضية من قضايا المسئولية الأخلاقية، نعرضها ممثلة في محاورة بين معلِّم ثبت، ومتعلم متثبت:

      قال المربي: هل تعرف يابني، أن كل امرئ منا مسئولٌ الى حد بعيد، لاعن عمله فحسب، ولكن عن عمل غيره كذلك؟.

      قال الطالب: عن شريعة الحق وحكم الاسلام تتحدث؟. أم عن حُكم الجاهلية الأولى، الذي يؤخذ فيه الجار بجرم جاره؟.

      قال المربي: بل عن حكم الاسلام، وفي صميم القرآن!

      قال الطالب: كيف هذا، ونحن نقرأ ونسمع كل يوم أن المسئولية في الاسلام محدودة، وأنها أبدًا مسئولية فردية، لاتجاوز العامل الى غيره؟. وكيف والقرآن نفسه يقول لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ (1) النساء،وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىالأنعام(164)، لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ البقرة(286)، لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ الشورى(15)، أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ يونس(41)، لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ سبأ(25)، مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍالأنعام(52)، فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ النور(54)الى نصوص أخرى كثيرة مشهورة.

      قال المربي: يابني، ان هذا كله لايضيرنا.. انهما حقيقتان لاينقض بعضهما بعضًا، ولكن تكمل احداهما الأخرى. وذلك أننا لن نحاسب على مايفعله غيرنا، الا اذا كان لنا فيه مدخل ما، من قريب أو بعيد.

      قال الطالب:هل تقصد من ذلك، أنه اذا كان عمل الغير مسببًا عن عملنا، نكون نحن مسئولين عن فعلنا الذي كان سببًا في ذلك العمل؟.ان كان هذا هو مغزى القضية فنحن أبدًا مسئولون عن عمل وحده، لازائد.

      قال المربي: ليس ذلك فحسب، والتعبيران ليسا سواءً. ان ها هنا بُعدًا شاسعًا بين أن تحاسب على شيئ واحد، هو فعلك، وبين أن تحاسب على شيئين اثنين؛ على فعلك الذي كان سببًا في فعل غيرك، وعلى الفعل الذي صدر عن الغير، من جراء فعلك.. يا بني ان عملك المباشر حركة معينة، لها صورة محصورة، محدودة بنطاق زمانها ومكانها وملابساتها، ومهما تتكرر هذه الصورة فانها لن تجاوز مجال حياتك... أما عمل غيرك فانه يمتد طولاً وعرضًا حتى يستغرق الأشخاص، ويستوعب الأجيال، وقد يدوم مادام الناس يمشون على الأرض.. فان كنت تظن، أنه لايحسب عليك الا عملك في صورته الضيقة المحدودة، فما قدّرت عدالة الله حق قدرها، ولاعرفت دقة موازينها.. إن الله لايقيس الأعمال بمقياس مادتها وحدها، ولايحدد مدتها بساعة مباشرتها، ولكنه يقيس الى ذلك صداها واشعاعها، ومدى تكررها وتجدد أمثالها. ألاتسمع الى قول الله –وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ يس(12)؟. فهذا ارشاد بينٌ الى أن مسئوليتنا لاتقف عند حدّ أعمالنا المباشرة، بل تجاوزها الى آماد بعيدة، حتى تتناول كل ذيولها وأعقابها، وكل أصدائها وآثارها، في حياتنا وبعد موتنا.. ياليتنا يابني نتدبر هذا حق تدبره، قبل أن نقدم على أعمالنا! إذًا لكان لنا منه نعم النازع الى فعل الخير ولو يسيرًا، فلاتحقر منه في مثقال ذرة، فرُبَّ حسنة أو سيئة كانت صغيرة في نفسها ولكنها كبرت وعظمت. بما كان لها من أثر، ومانجم عنها من نفع أو ضرر..ألاترى أن ترويج قطعة صغيرة جدًا من النقد الزائف، قد يكون أمرًا هيّنًا في نفسه، ولكنه إذا بقي جرم هذه الجريمة، واستمر تداولها بين الناس كانت جملة الصفقات الباطلة التي عقدت عليها، وجملة السحت الذي أكل بها، أشنع وأفظع، من سرقة قناطير مقنطرة من الذهب والفضة؟.

      قال الطالب: هذا حق. ولقد كنت أفهم من كلمة الكتاب العزيز: وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْيس(12). أن الآثار التى تكتب في صحائف أعمالنا إنما هي الآثار التي ينطبق عليها هذا المثل، أعني الآثار التي تكون امتدادًا حقيقيًا لأعمالنا، والتي تبقى فيها مادة صنعتنا، من علوم نافعة نخلفها وراءنا، وصدقات جارية نورثها لمن بعدنا، ومنشآت صالحة يسري نفعها ويمتدّ بها مادامت قائمة. وكذلك في الجانب المقابل؛ ماكنت أعد الا أثرًا يبقى به جرم الجريمة ماثلاً، في نقد زائف، أو بضاعة مغشوشة، أو اختراع مدمر، أو ما الى ذلك.. فهذا كله وأمثاله جدير بأن يُعد من عمل العامل نفسه، وليس بدعًا
      وليس بدعًا أن يضاعف له أجره أووزره، مضافًا الى جزاء عملنا، فهل نجد لذلك شاهدًا في القرآن الكريم؟.


      قال المربي: نعم. اننا نجد له شواهد كثيرة، أكثر مما قد يظن، وعلى نطاق فسيح، أوسع مما قد يُحتسب.


      قال الطالب: هل لك في أن تعرض علينا نماذج من ذلك؟.


      قال المربي: سأفعل ان شاء الله! ولأُعجل لك الآن بهذا المثال الواضح القريب: أقرأ ان شئت قول الله تعالى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (12) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ العنكبوت(12-13). أتدري مالأثقال التي يحملونها مع أثقالهم،. انها مفسرة في الآية الأخرى: لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍالنحل(25). فهم يحملون أوزارهم كاملة، من أعمالهم المباشرة، ثم يحملون فوق ذلك نصيبًا من أوزار أتباعهم، لاعلى معنى انهم يخففون عن الأتباع نصيبًا من جزائهم، فالآية صريحة في عكس ذلك، اذ تقول وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ العنكبوت(12) وإنما المعنى أن المتبوعين تجتمع لهم عقوبتان: عقوبة على فعلهم، وعقوبة على فعل أتباعهم الذين كانوا هم سببًا فيه، بأمرهم ونهيهم أو بإيحائهم وإغرائهم.
      وهكذا كل دُعاة السُوء، ينالهم كفل من وزر الفعل الذي أغروا الناس به وحرضوهم عليه.
      كما أن دعاة الخير، ينالون نصيبًا من أجر البر الذي رغبوا فيه ودعوا اليه، فإن الدال على الخير كفاعله.

      جعلنا الله واياك هادين مهتدين، غير ضالين ولامضلين..آمين

      تعليق


      • #3
        2- مسئولية الضعفاء والمستكبرين(أُذيع في يوم 1/2/1957م)

        قال المربي لتلميذه وهو يحاوره في انواع من المسئوليات الأدبية:
        - هل عرفت الآن يابني أننا مسئولون عن فعل غيرنا، متى كان الغير قد عمل بأمرنا أو بايحائنا؟.


        - قال الطالب: نعم. لقد عقلت هذا المثال.


        - قال المربي: هذا هو الضَربُ الأول من مسئوليتنا عن فعل الغير.


        - قال الطالب: أرجو ألاتتعجل بالانتقال الى نوع أخر حتى أُكاشفك بما يجول في خاطري عن هذا النوع الأول؛ لقد كنت أظن من قبل أن الفاعل المباشر لإثم هو الذي يجب أن يبوءَ وحده بالإثم كاملاً، وألا يسأل معه أحد غيره. ولكني حين سمعت مقالة القرآن الحكيم في شأن دعاة السوء: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ العنكبوت(13). تحول موقفي من النقيض الى النقيض، فأصبحت الآن أرى أن المسئولية هنا على الآمر، لاعلى المباشر، وعلى المتبوع لاعلى التابع. أليس من العدل أن المتبوعين ذوي النفوذ والسلطان هم الذين يحملون وزرهم ووزر أتباعهم كاملين؟


        - أوليس من القسوة أن نُحمل أتباعهم تبعة مافعلوه امتثالاً للأمر القاهر؟. نعم. ماذنب هؤلاء الضعفاء الذين لم يقترفوا الإثم عن طوع ورغبة واختيار ولكن عن اكراه وإلجاء واضطرار؟. أليس كتاب الله يقول: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ النحل(106). إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ الأنعام(119)


        - قال المربي: حذار يابني أن تسمي أمر الرئيس لمرؤوسيه إكراها يُخرج المرؤوس عن إرادة نفسه ويُبرئه من تبعة فعله. فتلك دعوى لاتقرّها دساتير الأرض، ودستور السماء. أما دساتير الأرض، فانها تعلن في صراحة لالبس فيها، أن أوامر الرؤساء – كتابية كانت أو شفاهية – لاتُعفي المرؤوسين من مسئوليتهم عن مخالفة القانون. وأما دستور السماء، فإنه أبطل كل حيلة حاول بها المستضعفون أن يتنصلوا من ذنبهم بضعفهم، ودحض كل حجة احتجوا بها لإلقاء التبعة كلها على كاهل كبرائهم: وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (31) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (32) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ سبأ(31،33). وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (47) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (48) غافر، يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (66) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67) الأحزاب ، قال الحكم العدل: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (39) الزخرف. هكذا ترى يابني ، أن الأعتذار بطاعة الرؤساء، وامتثال أمر الكبراء، فيما لايرضي ربنا الأعلى اعتذار بمالايُقبل، وأن المستعتب به غير معتب.


        - قال الطالب: ولم ذلك؟. أليس هذا ضربًا من الإكراه؟ّ.


        - قال المربي: يابني إن قوى الأرض كلها لو تظاهرت علينا بأمرها وإغرائها وإنذارها وتهديدها، لتدعونا إلى خير أو شر، ماكان ذلك كله ليسلبنا إرادتنا، أو يلقي عنا تَبِعَاتنا، مادام فينا عقل يفكر ويوازن ويحكم، ومادام لنا سلطان على جوارحنا نصرّفها نحن باختيارنا، وليست هي التي تتحرك بنفسها حركة آلية، أو يحركها غيرنا حركة قسرية. فما دمنا نستمتع بهذا القسط من الوعي والضبط، فنحن مسئولون عن عقائدنا وعن أعمالنا على الرغم من كل الأوامر والنواهي التي تحاول أن تُغير وجهتنا.. استمع إن شئت الى هذا الإعتراف الصريح الذي سجله على نفسه أخطر عنصر من عناصر الشر في العالم – الشيطان الرجيم : وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ إبراهيم(22)...يابني. ان الذي يسميه الناس اكراهًا في هذا الباب، ليس في حقيقته باكراه انما هو ضرب من الضغط المادي أو الأدبي، لايسلب الارادة ولكنه قد يضعفها قليلاً أو كثيرًا. نعم. اذا بلغ هذا الضغط حدًا تكاد تنعدم معه قوة المقاومة، كان لنا حينئذ أن نسميه اكراهًا حكميًا، أو شبه اكراه، وكان لنا أن نجعله رخصة وعذرًا، لا لأرباب العزائم القوية، ولكن للضعفاء، بصفة استثنائية، غير أن هذا الحد الذي يصح أن نسميه إكراهًا حكميًا يتفاوت في نفسه تفاوتًا كبيرًا تبعًا لاختلاف الوسائل التي تستخدم فيه، واختلاف النفوس التي يقع عليها، واختلاف الأغراض التي يُتخذ من أجلها فرب أمر واحد يُعد اكراها في حال، ولايُعد اكراهًا في حال أخرى. وليس المجال الآن مجال البسط والتفصيل ولكني أُوجه نظرك الى حقيقة قد يغفل الناس عنها، وهي أن ها هنا حرماتٌ مقدسة قد رفعتها الشريعة الى الأُفق الأعلى، دونك مثالاً من هذه المقدسات: هذا رجل قاطع طريق قد أصْلَتَ سيفه على رأسك، وجعل يأمرك أن تقتل فلانًا هذا البريء، الذي تعرف أنت براءته، وجعل ينذرك ويهددك بأنك ان لم تقتله أو لم تحكم بقتله أجهز على حياتك، ورأيت في عينيه الجد والعزم المصمم.. أفتقتل هذه النفس البريئة خوفًا على نفسك؟. كلا. فتلك باجماع المسلمين جريمة لاتغتفر. ولأن تُقتل مظلومًا خيرٌ من أن تقتِل بريئًا. ولكن تدافع هذا الصائل عن نفسك. فان دفع فقد أحييت نفسين، وان قُتلت انت فقد أحييت نفسًا وادخرت لنفسك جزاء الشهداء.

        تعليق


        • #4
          ارجو ممن يلحظ خلل في جملة أو مقطع ما من الكلام أن ينبهني لكي أراجعه



          - --------------------


          - 3-مسئولية المُغرّر بهم(أُذيع في 15/2/1957م)


          - بينما يتدارس التلميذ والأستاذ قضية المسئوليات الخُلقية في نظر القرآن..


          - قال المربي لتلميذه: هل بقيت لديك يابني شُبهة في أن تَعلُّل الجاني بأنه ارتكب جريمته مُكرهًا، تحت سلطان الأمر من رئيسه، تعلل غير مقبول، لافي دساتير الأرض ولا في دستور السماء؟


          - قال الطالب:اني لأعتذر الى الله ثم اليك، ان كنت جادلتك عن أولئك الذين يختانون أنفسهم وهم يعملون طاعةً لسادتهم وكبرائهم، وائتمارًا بأمر رؤسائهم.. لقد كنت أراهم في وضع يجعل اقترافهم للإثم ليس عن طوع واختيار، ولكن عن إلجاء واضطرار. فالآن كشفت الغطاءَ عن عيني في هذه القضية، فتبينت ماهو إكراه، وما هو شبه اكراه، وماليس باكراه، وعرفت أن أمر الرئيس لمرؤوسه بغير الحق لايُبرئ المرؤوس من مسئوليته أمام الله وأمام القانون، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق..


          - غير أني قد بقيت عندي شُبهة قوية، لاأستطيع دفعها عن نفسي بشأن فريق آخر، لايقترفون الإثم عدوانًا عن علم وعمد، ولكن عن غفلة وحسن قصد. إنهم يفعلون السيئة وهم يحسبونها حسنة، ويعتنقون الباطل وهم يظنونه حقًا.. لقد وقعوا فريسة للدعايات الكاذبة، والأقاويل الخادعة والمضللة .. صدقوا ماسمعوا، فامتثلوا واتبعوا.. أليس هؤلاء جديرين بأن نرفع عنهم كل مسئولية ومؤاخذة، وأن نجعل وزرهم كله على الذين ضللوهم وخدعوهم.


          - قال المربي: هيهات هيهات! إنه لو كان الأمر كما تظن، لقال الله عن رؤوس الكفر والضلالة أنهم سيحملون أوزار أنفسهم وأوزار أتباعهم كاملين، ولكنه يقول: لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ النحل(25)، فترك على المخدوعين المضللين وزرًا باقيًا. ولاتحسبن أن كلمة : "من" ها هنا معناه التخفيف عن هؤلاء التابعين. كلا، بل المعنى أن ذنوبهم ستكون سببًا في أن يحمل مثلها على متبوعهم من غير أن ينتقص عنهم شيئ منها. بهذا صرحت الآيات الأخرى: وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ. وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ العنكبوت(12). بل في القرآن ماهو أصرح من ذلك ، ألم تستمع اليه وهو يقول: حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآَتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (38) النحل .


          - قال الطالب: لِكُلٍّ ضِعْفٌ ؟ كيف هذا؟ قد أفهم أن يكون للمضللين عذاب مضاعف؛ عذاب الضلال وعذاب الإضلال. أما المضللون ففيم يضاعف لهم العذاب؟!


          - قال المربي: لأنهم بعد ضلالهم جعلوا أنفسهم آلة لترويج الضلال، وأداة لنشر الفساد.


          - قال الطالب: الذي لم أفهم بعد، هو تلك المسئولية التي نحملها لهذا المسكين، الذي أُتخذ معه من وسائل الإقناع، وأساليب التغرير، ما أصبح به سقيم الفكر، مبتور العزم، لايرى بعين واحدة، ولايسمع إلا بأُذن واحدة. بل لايرى بتلك العين إلا لونًا واحدًا، ولايسمع بتلك الأُذن إلا صوتًا واحدًا، بقدر مايأذن له سيده أن يرى ويسمع . أما ماوراء ذلك فقد أصبح عنه غافلاً كالنائم. أليس الله أرحم من أن يكلف مثل هذا العاجز الغافل؟!. ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (131) الأنعام.


          - قال المربي: بل إن الرجل الذي يَصِلُ التغرير به إلى الحد الذي وصفت، مسئول عن هذه النهاية، لأنه هو الذي جرّها الى نفسه باستنامته واستسلامه منذ البداية. لقد جعل الله لنا أسماعًا وأبصارًا وأفئدة، ومابَرِح كتاب الله يهتف بنا: أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71) القصص، أَفَلَا تُبْصِرُونَ (72) القصص، أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (50) الأنعام. ولكن الرجل ألغى تفكيره وعطل مشاعره، فلم يبذل جهدًا في استبطان الأمور، واستباط الحقائق، بل سلّم زِمام رأيه لغيره، فجعل يصدق كل مايسمع، ويثق الثقة العمياء بكل مايُروى ويُدعى، حتى فسدت فطرته وانتكست فكرته؛ فلو أن السواد الحالك سُمي له بياضًا ناصعًا لاتهم حاسته ووجدانه، ولو أن الشر المحض صُور له خيرًًا خالصًا لقال: لعل صاحبي يرى أعمق مما أرى.. فمثل هذا المخدوع الإمعة، في احتماله تبعة أعماله كمثل السكران الذي يصل به السكر إلى العبث والعربدة، فهو مسئول عن عبثه وعربدته في حال سُكره لأنه هو الذي أدخل على نفسه السُكر باختياره.


          - قال الطالب: هب هذا المضلل المسكين يعيش في بيئة كل الناس فيها يسمعون مايسمع، ويرون ويفكرون كما يرى ويفكر.. ألا يكون هذا عذرًا له في الإستمرار على خطئه وغفلته؟ إذ من ذا الذي يخطر بباله أن يتهم قومه كلهم بالاجتماع على ضلالة؟


          - قال المربي: قد يكون هذا عذرًا ما للعامة والدهماء المستضعفين الذي لايجدون حيلة ولايهتدون سبيلاً.. ومن هنا بعثت الرسل منبهين ومذكرين، لئلا يقول الناس إنا كنا عن هذا غافلين..


          - قال الطالب: وهل يكفي التذكير والتنبيه لتحرير العقول واطلاقها، وهي حبيسة في حظيرة العقلية الجماعية؟ ألست ترى أن الفرد في الجماعة لايفكر بملء حريته واستقلاله، ولكنه ينساق انسياقًا في تيار الفكر الجمعي؟.


          - قال المربي: صدقت يابني. وان القرآن الحكيم لم يغفل هذه الحقيقة، ولم يهمل علاجها، فقد دعا كل واحد منا أن يخلو بنفسه ويتساءل في هدوء وطمأنينة، عن حقيقة الأمر في كل ما حوله من أفكار وعقائد، وأخلاق وعوائد، ليخرج منها برأي مستقل، يتحمل هو مسئولياته وتبعاته. هكذا يقول – تسامت حكمته - : أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ الروم(8). غير أنه لما كان تمحيص الرأي الفردي لايتم أحيانًا إلا بمعونة الغير، حصر القرآن هذه الرخصة في أضيق حدودها، ولم يأذن بأن تدور هذه المحاورة بين أكثر من اثنين اثنين، حتى لايتشعب الرأي ويتبدد، حتى لايقع الفرد تحت سلطان العقلية الجماعية. فذلك هو أساس الحكمة التي دعا اليها القرآن وجعلها هي الوصية الوحيدة لطلاب الحق : قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا سبأ(46)

          تعليق


          • #5
            سعيد بك جدا أيها الفاضل إذ العيش في بركة العلم ومصاحبة الصالحين نعمة لا تضاهيها نعمة .
            عبد الفتاح محمد خضر
            أستاذ ورئيس قسم التفسير بجامعة الأزهر ـ ورئيس الجمعية العلمية الأزهرية بمصر
            [email protected]
            skype:amakhedr

            تعليق


            • #6
              شكرًا لك دكتور/ عبد الفتاح.
              شَرَّفني مرورك الكريم
              المقال الثاني فيه سطر ناقص فسأعيد لصقه وأُلون السطر الناقص باللون الأحمر
              2- مسئولية الضعفاء والمستكبرين(أُذيع في يوم 1/2/1957م)

              قال المربي لتلميذه وهو يحاوره في انواع من المسئوليات الأدبية:
              - هل عرفت الآن يابني أننا مسئولون عن فعل غيرنا، متى كان الغير قد عمل بأمرنا أو بايحائنا؟.


              - قال الطالب: نعم. لقد عقلت هذا المثال.


              - قال المربي: هذا هو الضَربُ الأول من مسئوليتنا عن فعل الغير.


              - قال الطالب: أرجو ألاتتعجل بالانتقال الى نوع أخر حتى أُكاشفك بما يجول في خاطري عن هذا النوع الأول؛ لقد كنت أظن من قبل أن الفاعل المباشر لإثم هو الذي يجب أن يبوءَ وحده بالإثم كاملاً، وألا يسأل معه أحد غيره. ولكني حين سمعت مقالة القرآن الحكيم في شأن دعاة السوء: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ العنكبوت(13). تحول موقفي من النقيض الى النقيض، فأصبحت الآن أرى أن المسئولية هنا على الآمر، لاعلى المباشر، وعلى المتبوع لاعلى التابع. أليس من العدل أن المتبوعين ذوي النفوذ والسلطان هم الذين يحملون وزرهم ووزر أتباعهم كاملين؟


              - أوليس من القسوة أن نُحمل أتباعهم تبعة مافعلوه امتثالاً للأمر القاهر؟. نعم. ماذنب هؤلاء الضعفاء الذين لم يقترفوا الإثم عن طوع ورغبة واختيار ولكن عن اكراه وإلجاء واضطرار؟. أليس كتاب الله يقول: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ النحل(106). إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ الأنعام(119)


              - قال المربي: حذار يابني أن تسمي أمر الرئيس لمرؤوسيه إكراها يُخرج المرؤوس عن إرادة نفسه ويُبرئه من تبعة فعله. فتلك دعوى لاتقرّها دساتير الأرض، ودستور السماء. أما دساتير الأرض، فانها تعلن في صراحة لالبس فيها، أن أوامر الرؤساء – كتابية كانت أو شفاهية – لاتُعفي المرؤوسين من مسئوليتهم عن مخالفة القانون. وأما دستور السماء، فإنه أبطل كل حيلة حاول بها المستضعفون أن يتنصلوا من ذنبهم بضعفهم، ودحض كل حجة احتجوا بها لإلقاء التبعة كلها على كاهل كبرائهم: وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (31) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (32) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ سبأ(31،33). وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (47) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (48) غافر، يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (66) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67) الأحزاب ، قال الحكم العدل: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (39) الزخرف. هكذا ترى يابني ، أن الأعتذار بطاعة الرؤساء، وامتثال أمر الكبراء، فيما لايرضي ربنا الأعلى اعتذار بمالايُقبل، وأن المستعتب به غير معتب.


              - قال الطالب: ولم ذلك؟. أليس هذا ضربًا من الإكراه؟ّ.


              - قال المربي: يابني إن قوى الأرض كلها لو تظاهرت علينا بأمرها وإغرائها وإنذارها وتهديدها، لتدعونا إلى خير أو شر، ماكان ذلك كله ليسلبنا إرادتنا، أو يلقي عنا تَبِعَاتنا، مادام فينا عقل يفكر ويوازن ويحكم، ومادام لنا سلطان على جوارحنا نصرّفها نحن باختيارنا، وليست هي التي تتحرك بنفسها حركة آلية، أو يحركها غيرنا حركة قسرية. فما دمنا نستمتع بهذا القسط من الوعي والضبط، فنحن مسئولون عن عقائدنا وعن أعمالنا على الرغم من كل الأوامر والنواهي التي تحاول أن تُغير وجهتنا.. استمع إن شئت الى هذا الإعتراف الصريح الذي سجله على نفسه أخطر عنصر من عناصر الشر في العالم – الشيطان الرجيم : وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ إبراهيم(22)...يابني. ان الذي يسميه الناس اكراهًا في هذا الباب، ليس في حقيقته باكراه انما هو ضرب من الضغط المادي أو الأدبي، لايسلب الارادة ولكنه قد يضعفها قليلاً أو كثيرًا. نعم. اذا بلغ هذا الضغط حدًا تكاد تنعدم معه قوة المقاومة، كان لنا حينئذ أن نسميه اكراهًا حكميًا، أو شبه اكراه، وكان لنا أن نجعله رخصة وعذرًا، لا لأرباب العزائم القوية، ولكن للضعفاء، بصفة استثنائية، غير أن هذا الحد الذي يصح أن نسميه إكراهًا حكميًا يتفاوت في نفسه تفاوتًا كبيرًا تبعًا لاختلاف الوسائل التي تستخدم فيه، واختلاف النفوس التي يقع عليها، واختلاف الأغراض التي يُتخذ من أجلها فرب أمر واحد يُعد اكراها في حال، ولايُعد اكراهًا في حال أخرى. وليس المجال الآن مجال البسط والتفصيل ولكني أُوجه نظرك الى حقيقة قد يغفل الناس عنها، وهي أن ها هنا حرماتٌ مقدسة قد رفعتها الشريعة الى الأُفق الأعلى، فلم تُرخص لقوي ولا لضعيف أن ينتهكها، ولو في أشد حالات الاكراه والاضطرار .. دونك مثالاً من هذه المقدسات: هذا رجل قاطع طريق قد أصْلَتَ سيفه على رأسك، وجعل يأمرك أن تقتل فلانًا هذا البريء، الذي تعرف أنت براءته، وجعل ينذرك ويهددك بأنك ان لم تقتله أو لم تحكم بقتله أجهز على حياتك، ورأيت في عينيه الجد والعزم المصمم.. أفتقتل هذه النفس البريئة خوفًا على نفسك؟. كلا. فتلك باجماع المسلمين جريمة لاتغتفر. ولأن تُقتل مظلومًا خيرٌ من أن تقتِل بريئًا. ولكن تدافع هذا الصائل عن نفسك. فان دفع فقد أحييت نفسين، وان قُتلت انت فقد أحييت نفسًا وادخرت لنفسك جزاء الشهداء.

              تعليق


              • #7
                - 4 - المسئولية عن فعل الغير ( أُذيع في 10/3/1957 م)
                - في نسق متصل من المحاورة، حول قاعدة المسؤوليات الأخلاقية..
                - قال الطالب لأستاذه: قد تبين من حديثك – أيها المربي الفاضل – أن ها هنا حالتين نكون فيهما مسؤولين عن فعل غيرنا، ونكون مؤاخذين معه بذنبه:
                - الحالة الأولى: أن يكون ذلك الغير، قد فعل فعلته امتثالاً لأمرنا، وخُضوعًا لسلطاننا، رغم علمه بسوء مايصنع وقُبح ما يرتكب.
                - الحالة الثانية: أن يكون موقفنا منه ليس موقف أمر والزام، ولكننا زيّنا له السيئة حتى رآها حسنة، وروّجنا له الباطل حتى ظنه حقًا، وكان في وسعه – لو انتفع بمداركه ومواهبه – أن يرى الحق حقًا فيتبعه، وأن يرى الباطل باطلاً فيجتنبه، ولكنه وثق الثقة العمياء. بمن حوله، فجعل يرى بأعينهم، ويسمع بآذانهم، ويفكر بعقولهم، حتى وقع فريسة لخدعة الخادعين، وضلالة المضلين..
                - وقد تبين من حديثك – أيها المربي الفاضل- أن مسئوليتنا في كلتا الحالتين عن سلوك هؤلاء الإمعات، الذين ائتمروا بأمرنا، أو خُدعوا باحتيالنا، أن مسئوليتنا هذه لا تعفيهم من مسئوليتهم، ولا تخفف عنهم شيئا من أوزارهم؟ كما أن الذي يفعل الخير، استجابة لدعوتنا ويعتنق الحق. اقتناعًا بحجتنا، يوزن عمله في كفة حسناتنا، من غير أن ننتقص شيئا من أجره.. كل هذا قد حصلته ببيانك – أيها المربي الفاضل- وقد عقلته ووعيته...
                - والآن أستزيدك علمًا فأسألك: هل هناك حالات أُخر تنتشر فيها المسؤولية الى مدى أبعد من هذا؟. أعني أنها تتعدى من الفاعل المباشر، الى من لم يشاركه في عمله ولم يأمره به، ولم يزينه له؟.
                - قال المربي: نعم.. إن الذي لم تعرفه بعد في هذه القضية، لهو أسع نطاقًا مما عرفت، ولا أشك في أنه سيكون أشد غرابة في نظرك.. لقد كان عندك عجبًا – في بادئ الأمر – أن يكون الذي أمر بالفعل أو رغب فيه يُسأل عنه ويُجازي، كما يسأل ويجازي فاعله سواءًا. ذلك على أنه ليس في الأمر من عجب؛ فإن الذي يأمر بالفعل أو يُرغب فيه، قد تسبب فيه تسببًا مقصودًا، إذ كان حريصًا على صدوره من فاعله. وسعى لذلك سعيًا بقوله وفعله، ونيته وقصده.. فليت شعري، ماذا سيكون موقفك الآن لو عرفت أننا قد نًسأل عن الفعل، يفعله غيرنا من تلقاء نفسه، دون أن نأمره به، أو نُحرضه عليه، أو نُرغبه فيه؟!. بل دون علم منا ولا شعور بأنه فعله أو بأنه سيفعله، بل حتى لو فعله بعد موتنا، ولو بعد قرون من عصرنا؟!.
                - قال الطالب: إنه لعجيب حقًا أن نُسأل عن شيئ لم نفعله، ولم نأمر احدًا أن يفعله، ولم نُرد أن يفعله، بل لم يخطر ببالنا أنه سيفعله. أليست الأعمال بالنيات؟. فكيف نُسأل عن شيئ لم تتناوله نيتنا؟! كيف نحاسب على شيئ عمله غيرنا ونحن عنه غافلون؟!.
                - قال المربي: ألم تتدبر هذا التعبير القرآني الحكيم: -وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ يس (12)؟. ألاترى كيف جمع إلى الفعل المباشر آثاره كلها، ولم يشترط فيها أن تكون ارادية، أو لاشعورية؟. ذلك أننا متى توجهت نيتنا الى عملنا المباشر، ثم باشرناه عمدًا وقصدًا، ونحن عالمون بما فيه من البر او الاثم، فقد تمت أركان مسؤوليتنا، ولو لم نعرف مدى مايتولد عنه من الأصداء والآثار، وما مقدار ما يترتب عليه من الأجزية والنتائج. ألا ترى أن الله يرزق المتقي من حيث لايحتسب، ويحبط عمل المسيئ من حيث لايشعر؟ فكما أننا نستحق هذه النتائج والأجزية الإلهية وننالها من غير أن نتوقعهاأو نشعر بها، كذلك نحمل تبعة النتائج والآثار الاجتماعية التي تنشأُ عن عملنا، ولو لم نقصدها ولم نشعر بها.
                - قال الطالب: هلاً ضربت لنا مثلاً من هذه الآثار الاجتماعية، وتبعاتها الأخلاقية التي تُحمل علينا، ولو لم نقصدها ولم نتوقعها؟.
                - قال المربي: اعلم يابني أنك لن تعمل عملاً من خير أو شر ، في أقصى المشرق، ثم يسمع به احد في أقصى المغرب، فيستحسنه ويُحاكيه.. ولن تقول مقالة، في رضوان الله أو في سخطه، فيرددها وينشرها غيرك في حياتك أو بعد موتك.. ولن تضع لبنة في أساس منشأة برّة أو فاجرة، فيجيئ آخرون من ورائك، فيتابعوا رفع البناء.. إلا كان لك أو عليك جزاء ماقلت وما فعلت، وجزاء ما قال الناس من بعدك وما فعلوا.. الى يوم القيامة.
                - قال الطالب: ياللهول! الى يوم القيامة؟.
                - قال المربي: نعم.
                - قال الطالب: هل تجد لذلك شاهدًا في كتاب الله، أو في سنة رسوله –صصى الله عليه وسلم -؟.
                - قال المربي: بل فيها جميعها.. روى مسلم والنسائي عن جرير بن عبد الله – – قال: قال رسول الله " من سن في الاسلام سنة حسنة فعُمل بها بعده كُتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقصُ من أجورهم شيئ. ومن سن في الاسلام سنة سيئة فعُمل بها بعده كُتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من اوزارهم شيئ" . وروى مالك والبخاري ومسلم وغيرهم. عن عبدالله بن مسعود – – قال: قال رسول الله – - : " ليس من نفس تُقتل ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كِفل من دمها، لأنه أولُ من سن القتل" وأنت فاقرأ مصداق ذلك كله في كتاب الله تعالى: أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًاالمائئدة (32)

                تعليق


                • #8
                  أكثر من رائعة..

                  بارك الله فيك أخي خالد،وحبذا لو أرفقتها في ملف وورد..

                  تعليق


                  • #9
                    جزاك الله مثله
                    أفعل بعد أخر مشاكرة ان شاء الله
                    - 5- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر(أُذيع في 15/3/ 1957م)
                    - معًا على الطريق يا أخي، نتابع هذا الحوار:
                    - قال المربي لتلميذه: هل عرفت الآن، خطأ الذين يزعمون أن أحدًا لايُسأل عن عمل غيره قط، وإنما يُسأل كل امرئ عن عمله المباشر؟.
                    - قال الطالب: نعم.. ولقد كنت أنا من بين هؤلاء فلما أنرت ليّ الطريق، رأيت حول كل امرئ منا منطقة من أعمال غيره، يحاسب المرءُ عليها كما يحاسب على أعمال نفسه، ويجازي عنها كما يجازي عن أعمال نفسه.. ولما ظننت أن هذه المنطقة هي نهاية المدى، كشفت لي عن منطقة ثانية وراءها، علينا أيضًا حسابها، ولنا ثوابها وعقابها.. وكذلك – حين انتهيت إلى محيط الدائرة الجديدة – انفرجت أمام عيني دائرة أخرى أوسع منهما مجالاً، في الزمان وفي المكان.
                    - قال المربي: هل تستطيع يابني أن تصف لي طبيعة هذه المراحل التي قطعناها؟
                    - قال الطالب: لقد رأيت في المرحلة الأولى؛ أننا نحاسب ونجازى عن كل فعل يفعله غيرنا امتثالاً لأمرنا، وخضوعًا لسلطاننا.. ورأيت في المرحلة الثانية؛ أننا مسؤولون حتى عن عمل أولئك الذين لم نأمرهم لزامًا، ولم نحملهم على الفعل كرهًا، أولئك الذين لا سلطان لنا عليهم، وإنما هو الرأي زيناه في أعينهم، أو النصح أسديناه إليهم، أو الفتيا قدمناها لهم.. ثم رأيت في المرحلة الثالثة؛ مسؤوليتنا عن أعمال الذين لم نأمرهم، ولم نُحرضهم، ولم نرغبهم ولكنهم رأونا أو سمعوا بنا نعمل عملاً ما، فاستحسنوا سيرتنا في ذلك العمل، ونسجوا فيه على منوالنا، ولو من حيث لانشعر.
                    - قال المربي: لقد أحسنت سمعًا حين استمعت، ووفيت جمعًا حين جمعت. ولكن هل اقتنعت ؟ هل آمنت معي بأن مسؤوليتنا عن فعل غيرنا – في هذه الأحوال الثلاثة – مسؤولية عادلة لها ما يبررها؟.
                    - قال الطالب: ومالي لا أومن بذلك؟. ألسنا حين نأمر بالفعل أو نرغب فيه، قد تسببنا فيه تسببًا عن عمد وقصد؟. أو لسنا حين نفعل الفعل، على مرأى ومسمع من غيرنا، قد وضعنا أنفسنا موضع القدوة لمن يقتدي، ورسمنا الطريق لمن يقتفي؟. وهكذا – من حيث نقصد أو لانقصد ومن حيث نشعر أو لا نشعر – قد تسببنا في صدور هذا الفعل الآخر عن فاعله. فهو إذًا من آثارنا التي تُكتب علينا. لقد وضعنا النواة التي جاء غيرنا فسقاها. فمن العدل إذاً أن نجني معه ثمارها، وأن نذوق معه حُلوها ومُرها.
                    - قال المربي: أفدت وأجدت.. والآن، أدعوك أن تسير معي مرحلة أخرى، لأريك أن مسؤوليتنا تمتد إلى ماوراء ذلك كله.
                    - قال الطالب: هل تعني أننا نسأل عن فعل فعله غيرنا من تلقاء نفسه، لم تكن لنا فيه سابقة، ولم يكن لنا في صدوره تدخل مباشر ولا غير مباشر، مقصود ولا غير مقصود؟.
                    - قال المربي: نعم.. ذلك الذي أردت.
                    - قال الطالب: حاشا لشريعة الاسلام أن يكون هذا من تعاليمها!. إذ أي مجال يبقى لتطبيق القاعدة الإسلامية العظمىوَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى الإسراء(15) إن لم يكن هذا المجال؟!.
                    - قال المربي: يابني لا تعجل. إن الذين يقترفون الإثم من تلقاء أنفسهم، غير مستنين بسنتنا، ولامؤتمرين بأمرنا ولا متبعين لإيحائنا، لو تركناهم وشأنهم يفعلون ما يشتهون على حسابهم، وتحت مسؤوليتهم، إذًا لاستلانوا مُركب الضلالة، واستمرؤا مرعى الغواية، وإذًا لكانوا فتنة لغيرهم، وإغراءًا لضعفاء الإرادة باتباع سبيلهم، وإذًا لانتشرت الآثام في الجماعة، وشاعت المنكرات في الأمة.
                    - ونحن مسؤولون عن طهارة المجتمع وسلامته، وصلاحه وإستقامته: وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُالبقرة(251) ألم تسمع إلى المثل البليغ، الذي صورت به الحكمة النبوية هذا المعنى؟. روى البخاري عن النعمان بن بشير – – قال: قال رسول الله – –" مثل القائم على حدود الله والمُداهن فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا إستقوا الماء مرُّوا على من فوقهم، فقال الذين في أعلاها لا ندعكم تصعدون فتؤذوننا! فقال الذين في أسفلها لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا. فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا جميعًا" بل ألم تسمع إلى العبرة البالغة، فيما قصه الله علينا من نبأ إسرائيل: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79) المائدة
                    - قال الطالب: لقد عوّدتنا أيها المربي الحكيم، ألا نكتفي بسوق الحكم ودليله، عن معرفة حكمته وتعليله . وإني مازلت أتساءل: أي دخل للبرئ منا في صدور الجريمة عن المجرمين؟. أي تسبب منه مباشر أو غير مباشر، يبرر مشاركته إياهم في جزاء أعمالهم؟
                    - قال المربي: ألم أقل لك يابني، إن المسؤولية في هذه المرحلة ضَربٌ قائم بنفسه؟ ليس من جنس المسؤولية في المراحل السابقة، بل يجيء من ورائها؛ ذلك أن سكوتنا عن المنكر والباطل، ليس تسببًا في أصل وقوع المنكر، لأنه وقع بغير تدخل منا، ولكن السكوت عنه تسبب في بقاءه واستمراره، أو في تجدده وتكراره أو في شيوعه وانتشاره كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (38) الإسراء.
                    - قال الطالب: إذا كان النهي عن المنكر واجبًا، والسكوت عنه إثما، أليس بحسب الذي يفرط في واجبه، أن يحمل مسؤولية تفريطه هو؟. وأن يستحق إثم سكوته هو؟ أما أن يشارك أرباب المنكرات في مسؤولياتهم، ويستحق مثل أجزيتهم، كما هو أصل المسألة، فتلك دعوى زائدة لم تقدم لنا دليلها؟ فأين نجد هذا الدليل؟.
                    - قال المربي: اقرأ إن شئت قول القرآن الحكيم وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ النساء (140)إنكم إذًا مثلهم. أرأيت كيف جعل الساكت على الكفر، هو والكافر سواءٌ؟.. وجعل الساكت على الاستهزاء، هو والمستهزئُ سواء؟
                    - قال الطالب: الآن جئت بالحق، وهذا هو فصل الخطاب

                    تعليق


                    • #10
                      6- المسئولية التضامنية في الإسلام(أذيع في 29/3/1957م)

                      - قال المربي لتلميذه: لعلي أتعبتك معي يابني، بهذه الرحلة الشاقة التصاعدية؟. لقد أردت أن تطلع معي على مدى التبعات والمسؤوليات، التي يحملها المرءُ من جراء فعل غيره، فوق مسؤليته عن عمله المباشر.


                      - قال الطالب: لست من عناء البحث أُشفق على نفسي فإن حب الاطلاع يغريني به، ولكني أشفق على نفسي وعلى الناس، من أن نعجز عن إيفاء المسؤوليات حقها. فلقد سرت بنا حتى الآن مراحل أربعًا، حملتنا فيها من أعمال الغير تبعات أربعًا، ما من تبعة إلا وهي أعظم من سابقتها.


                      - قال المربي: ما عهدتك يا بني هكذا هلوعًا ضجرا متبرما!. ألم تعترف لي في كل خطوة خطوناها أنها سديدة مستقيمة؟. وفي كل قضية قضيناها أنها برة عادلة؟.


                      - ثم ما بالك تسميها شؤون غيرنا، وهي في أساسها ومنبعها من شؤون أنفسنا؟. بل إنها من أيسر هذه الشؤون، لمن عرف حقيقة مطالبها، ذلك أنها – في غالب الأمر – لا تتطلب منا إلا موقفًا سلبيًا، ليس فيه بذل نفس ولامال ولا تضحية فيه بجهد ولا بوقت. إن هو إلا التحفظ والتصون، والإباء والكف والامتناع.


                      - وإليك البيان:


                      - لقد قلت لك أول الأمر: إننا مسؤولون عن فعل غيرنا إذا كان قد فعلهُ صُدورا عن أمرنا، فلكي تبرأ من هذه المسؤولية، ما عليك – إن كنت ذا سلطان – إلا أن تمتنع عن أمر مرؤوسيك بشيئ فيه إثم أو ظلم، وأن تكف عن استعبادهم في جلب حظ لنفسك، وعن استخدامهم في إيصال أذى لغيرك.


                      - وقلت لك ثانيًا: إننا محاسبون على فعل غيرنا، إذا كان قد فعله إقتناعًا برأينا، واتباعًا لإرشادنا، فما عليك – إن كنت ذا قلم أو لسان – إلا أن تصون قلمك ولسانك عن ترويج الباطل، وتزيين الإثم، وتحريك الفتنة، وفتح باب السوء والفحشاء.


                      - ثم قلت لك: إننا مجزيون عن فعل غيرنا، إذا كان قد فعله إقتداءًا بسيرتنا، واستنانًا بسنتنا ، فما عليك – إن كنت ممن يُقتدى به – إلا أن تجتنب كل عمل يتخذك الناس به قدوة في الباطل، وإمامًا في الضلالة.


                      - وأخيرًا قلت لك: إننا مؤاخذون بذنوب غيرنا، إذا أقررناها إقرارًا صامتًا، بالإغضاء عنها والسكوت عليها.. وهذه هي الحالة الوحيدة التي يتشعب علاجها، فيكون إيجابيا تارة، وسلبيًا تارة أخرى. كل على قدر همته وعزيمته، وعلى قدر ما أُوتي من وسيلة، لتحقيق أمانيه وإنفاذ عزائمه، ولقد ضربت لك المثل بركاب السفينة الذين اقتسموا طبقاتها. فإن كنت ممن هم في أعلى السفينة فإن مسؤوليتك خطيرة جسيمة بإزاء أهل الطبقات الدنيا الذين يحاولون أن يخرقوا قعر السفينة بترويج الشكوك والشبهات، وإثارة الغرائز والشهوات . فإن لم تأخذ على أيديهم توًا، في شدة وحزم، غرقت السفينة كلها، وكنت أنت من المغرقين.


                      - قال الطالب: الحمد لله الذي عافاني من هذه المسؤوليات العظمى.


                      - قال المربي: أما إن كنت من عامة الركاب، فما عليك إلا أن تبذل جهدك في النصيحة، وتبالغ في الوصية، فإما أن يزول المنكر من أمامك، وإما أن تزول أنت من أمامه مفارقًا لأهله، مهاجرًا الى ربك، وليسعك بيتك، وأمسك عليك لسانك، وابك على خطئتك.


                      - قال الطالب: إنها أيضًا لكبيرةً إلا على الخاشعين. والآن، أيها المربي القدير، أليست هذه المرحلة هي خاتمة المطاف بنا، حول هذه المسؤوليات الإضافية؟.


                      - قال المربي: كلا. بل بقيت أمامنا مرحلة أخرى أعجب إليك وأغرب، مرحلةٌ نجد فيها أنفسنا ملزمين أن نشاطر المخطئ نتائج خطئه، وأن نتحمل مع العاثر تبعات زلته.


                      - قال الطالب: أتقول مسؤولية المخطئ؟!. هل تعني حقًا ما تقول؟! أليس المخطئُ قد وضعت عنه المسؤولية بنص القرآن الحكيم: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ الأحزاب(5). فأي تبعة تبقى عليه بعد ذلك حتى تشاركه فيها؟!.


                      - قال المربي: يا بني، إن الله إنما وضع عن المخطئين مسؤولياتهم الأدبية والجنائية. أما المسؤولية المادية الاجتماعية فإنها باقية بنص القرآن الحكيم. ألم تقرأ قول الله تعالىوَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِالنساء(92)؟. ألا تعرف أن السنة المطهرة علمتنا كذلك أن الخطأ والعمد في أموال الناس ودمائهم سواء؟. ألا تعلم أن علماء الأمة مجمعون على أن من رمي بسهمه صيدًا فطاش سهمه فأصاب انسانًا أو حيوانًا أو مالاً ما ، لم تذهب هذه الضحايا هدرًا، بل وجب تعويض ما حدث من تلف وإزالة ما ترتب من ضرر؟. ترى من ذا الذي يحمل هذا المغرم؟. أيحمله هذا المخطئ؟. إن الاسلام لأرحم من أن يترك هذا البائس المسكين يحمل وحده غرامة نزلت به لم يصنع هو سببها باختياره. أين إذًا تلك القلوب الرحيمة التي أمرها أن تحيطه بعطفها؟ وأين تلك السواعد القوية التي جندها لتُقيل عثرته؟!!. أين الجماعة التي جعلها الله كالجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء؟! هكذا قضى الاسلام أن دية الخطإ لا يحملها المخطئُ وحده، بل تحملها معه طائفة ممن حوله، يسهم فيها معهم كواحد منهم. تحملها معه عاقلته؛ عصبته وقرابته، أو أهل ديوانه. فإن لم يجد هؤلاء ما يحملون حملتها عنه الدولة؛ كما تحمل عن الغارمين غرمهم وتؤدي عن المدينين ديونهم.


                      - قال الطالب: ألست ترى معي أن للقضاء والقدر نصيبًا كبيرًا في جناية الخطإ؟. فهل نُسأل هكذا عن فعل القدر.


                      - قال المربي: يا بني. لا تكن كالذين إذا قيل لهم: أنفقوا مما رزقكم الله، قالوا: أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ يس(47) نعم يا بني، نُسأل عن فعل القدر. لا نسأل عنه: لماذا نزل؟ ولكنه إذا نزل، نُسأل أن نخفف وقعه ونلطف أثره، فإنه من أجل هذا نزل، نزل ليثير عزائمنا ويختبر جهودنا، ويتقاضى جهادنا.. نعم يابني، إننا مسؤولون ماديًا وأدبيًا عن كل ما تجري به المقادير حولنا؛ نُسأل عن جوع الجائع، فنطعمه ونغذوه، وعن عري العاري فنستره ونكسوه، وعن جرح الجريح، فنأسوه، وعن الفقير فنغنيه، وعن تشرد ابن السبيل فنؤويه، وعن جهل الجاهل وضلال الضال، فنعلمه ونهديه.. يا بني، إن الأمة التي ينطوي كل فرد فيها على نفسه، ولا يسأل فيها جار عن جاره، والتي يترك فيها هؤلاء العاثرون، فريسة لبؤسهم ويأسهم، ليست هي الأمة التي قال فيها الله تعالى بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍالتوبة(71)... أرأيت يا بني إلى أي مدى بلغت مسؤلياتنا؟. إنها – في هذه المرحلة الأخيرة – ليست مسؤولية أدبية عن ذنوب الناس وآثامهم، ولكنها مسؤولية مادية عن آلامهم وآمالهم.


                      - تلك هي المسؤولية التضامنية في الإسلام، لا أقوالاً عائمة، ولكن حقائق ملموسة، مفصلة معينة.. هل رأيت مثل هذا في شريعة غير شريعة الإسلام؟.

                      تعليق


                      • #11
                        7-
                        - - المسئولية عن الأعمال القلبية(أُذيع في 10/4/1957م)
                        - آن لنا يا بني أن نعرف مدى مسئولية المرء عن عمل نفسه. فلنقرأ معًا:
                        - قال التلميذ لأستاذه: لقد حدثتني مليًا في شأن المسئولية عن فعل الغير، وعن آثار فعل الغير. وقد بسطت القول – مشكورًا – في تفصيل هذه المسئولية الأساسية؛ مسؤولية كل امرئ عن عمل نفسه؟.
                        - قال المربي: زادك الله يا بني حرصًا على المزيد من المعرفة ورزقني وإياك الإخلاص في طلبها، والتوفيق الى العمل بأحسنها.. نعم يا بني لقد طوَّفت بك كثيرًا في مناطق المسؤوليات غير المباشرة. فالآن أعود بك الى مركز الدائرة ؛ الى المسؤولية الأولى، التي كل ما عداها فإنما هو انعكاسٌ لأشعتها، وترديد لصداها.
                        - وسوف ترى أن هذه المسؤولية الأولى بدورها أبعد عمقًا وأوسع نطاقًا، وأعلى ذروة، من أن تبرز حدودها في تلك الكلمة المشهورة: مسؤولية كل امرئ عن عمل نفسه.. ذلك أن كلمة العمل، أقرب ما يفهم منها، تلك الحركات الظاهرة التي من شأنها أن تقع تحت الحس، وأن تكون في متناول السمع والبصر.. على أننا حتى لو أخذنا كلمة العمل – بأوسع معانيها – لتنتظم الأعمال الظاهرة والباطنة فإنها لا تتناول وسائل العمل نفسها؛ من القوى والملكات والمواهب، وسائر المقدرات الذاتية والخارجية، التي سنُسأل عنها، وعن وجوه انتفاعنا بها.. وأخيرًا، فإن كلمة العمل أكثر ما تصور لنا العامل؛ اما فردًا مستقلا منعزلا يعمل لحساب نفسه، واما فردا يعامل فردا. وقلما تصوره لنا رأسًا مدبرًا، مهيمنًا على منطقة أو مناطق من العالم، مسؤولاً عن صلاحها واستقامتها، واتجاهها قُدمًا الى غايتها.
                        - النظرة الأولى؛ التي تقف بالمسؤوليات عند حدَ الأقوال والأعمال الظاهرة، نظرةٌ قشرية سطحية، لا تنفذ الى جوهر الأمور ولبها، انها تفترض الانسان آلة لا قلب لها. والنظرة الثانية: التي تنظر الى مفردات الأعمال وآحادها لترى: هل أداها المرءُ على تمامها؟. نظرة عددية؛ تختبر من المرء قوته الذاكرة، لا قوته المفكرة، كأنما تفترضه نصف آلة، أو آلة حاسبة.
                        والنظرة الثانية: التي تعتبر من كل امرئ الا مسئوليته الفردية. تفتت الانسانية تفتيتًا يجعلها ذرات متناثرة لا سلطان لها على الكون، ولا هيمنة لبعضها على بعض
                        ان الصورة التي ترسمها هذه الخطوط عن حقيقة مسؤولياتنا المباشرة، صورة ناقصة مبتورة، وهي صورة تغض من قيمة الانسان المسؤول، اذ تجعله آلة أو شبه آلة أو تجرده من منصب خلافته في الأرض، فلكي نردّ اليه اعتباره كاملاً، ينبغي أن نقيس مسؤوليته في أبعادها الثلاثة: عمقيا ، وأفقيا، ورأسيا.
                        قال الطالب: على رسلك أيها المربي الحكيم.. هاتها واحدة واحدة.. ولنبدأ ببيان ما تعني من امتداد مسؤولياتنا من جهة العمق.
                        قال المربي: أريد أن تعرف يا بني، أننا لسنا مسؤولين عن أعمال جوارحنا فحسب، ولكنا مسؤولون كذلك عن أعمال قلوبنا.
                        قال الطالب: كيف نُسأل عن أعمال قلوبنا، والقلوب بيد الله، يقلّبها كيف يشاء؟! هذا رسول الله – – وهو القدوة العظمى، في الحزم والعزم وضبط النفس، كان يقول" اللهم هذا جَهدي فيما أملك ولا طاقة لي فيما تملكُ ولا أملك" يعني شؤون القلب. والقرآن نفسه يقول وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24)(الأنفال)
                        قال المربي: يا بني. ان الله لايحول بين المرء وقلبه ابتداءًا: إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ( الرعد 11) وانما يحول بين المرء وقلبه؛ عقوبة له على سوء كسبه اما باعراضه عن داعي الله: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا( السجدة 22فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ( الزخرف 5) واما باغماضه عن نور الله وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) ( الزخرف). واما بمعصيته لله كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14) ( المطففين). وما أراك يا بني الا قد التبس عليك الأمر بين أعمال القلوب، وأحوال القلوب، فالذي لا نملكه ولا نُسأل عنه هو الأحوال القلبية من الحب والبغض، والفرح والحزن، والبسط والقبض وما أشبهها. أما عمل القلوب فنحن نملكه ونُسأل عنه.
                        قال الطالب: أين نجد الشاهد على هذه المسؤولية عن عمل القلوب؟.
                        قال المربي: نجده في كتاب الله، فهو يقولوَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ ( الأنعام 120).
                        قال الطالب: وما يدرينا أن معنى الباطن هنا هو عمل القلوب؟. لماذا لا يكون المقصود عمل الجوارح في السر؟.
                        قال المربي: انها تنتظم بعمومها كلا المعنيين. ومهما يكن من أمر فإليك ما هو أوضح دلالة على مقصودنا، وذلك قول الله – يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (9)( الطارقوَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (10) ( العاديات)وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ( البقرة 184). وقد دلت الآية بعدها على أننا لا نحاسب، على ما يدور في خلدنا من الخواطر غير المستقرة، التي لا كسب لنا فيها، وانما نُسأل عما لنا فيه كسب واختيار، ولنا عليه عزم واصرار.
                        قال الطالب: مثل ماذا؟
                        قال المربي: الأمثلة كثيرة، والأنواع عديدة، والدرجات متفاوتة من الأساس الى القمة، ومن العقيدة الى الفريضة الى النافلة.. فأول ما نُسأل عنه من عمل القلوب، الايمان بالله: نُسأل: هل آمنا بهذا الحق الأعلى؟ ثم هل كان ايماننا به على بصيرة وعن بينة، أم كان مجاراة لقومنا لما وجدنا عليه آباءنا؟. ثم هل ثبتنا على هذا الايمان بعد أن حصلناه؟ هل حرصنا على تنقية مرآة قلوبنا أولاً فأولاً من غبار الشكوك والشبهات، التي تحاول طمس نورها؟. أم نحن كلما عرضت لنا شُبهة ركنا اليها حتى صدئت مرآة قلوبنا، وحتى أكل الصدأُ معدنها؟.
                        وبعد السؤال عن الايمان، يجئُ دور السؤال عن أمهات الفضائل النفسية؛ من الصبر والحلم والتواضع والرحمة وأمثالها، وعن كبائر الآثام القلبية، كالحقد والحسد والكبر والعجب، والنفاق والرياء، وتبييت نية الأذى للخلق، بغير جناية جنوها، وكتمان كلمة الحق حين يدعو الداعي اليها، فإن الساكت عن كلمة الحق شيطان أخرس وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ ( البقرة 283). وأخيرًا يجئُ السؤال عن فواضل التضحية والايثار، وعن نوافل الزهد والورع: هل ننظر في ديننا الى من هو دوننا، لنرضى من أنفسنا بالدون؟ وننظر في دنيانا الى من فوقنا فنأسف على ما فاتنا منها؟. أم هل ننظر في ديننا الى من فوقنا فنقتدي به؟ وننظر في دنيانا الى من دوننا فنحمد الله على فضله؟. حتى نكتب من الشاكرين الصابرين؟. قال الطالب: كتبنا الله واياك من الشاكرين الصابرين

                        تعليق


                        • #12
                          8-مسئولية المرء عن عمره ( أُذيع في 24/ 5/1957 م)
                          أخي القارئ الكريم، قليلاً من وقتك لمتابعة هذا الحوار النافع:
                          قال التلميذ لأستاذه: لقد علمتنا – أيها المربي القدير – أن مسئوليتنا الأساسية المباشرة، أبعد مدى من أن تبرز حدودها في تلك العبارة المشهورة: مسؤولية كل امرئ عن عمل نفسه، وقد أرشدتنا الى الطريقة المثلى في تحديد هذه المسئوليات، إذ وصيتنا بأن نقيسها من أبعادها الثلاثة؛ من ناحية عُمقها، ومن ناحية اتساع أفقها، ومن ناحية ارتفاعها. ثم بدأت بأن بينت لنا ماذا تعني بامتداد مسؤولياتنا من جهة العمق؛ إذ عرّفتنا أننا لن نحاسب على أقوالنا وأفعالنا الظاهرة فحسب، ولكننا سنسأل كذلك – بل قبل ذلك – عن أعمال قلوبنا؛ عن عقائدنا وإرادتنا ونيّاتنا. ذلك أن القلب هو الأساس الذي إذا قوي استمسك البنيان كله، وإذا وهي تداعى البنيان كله.
                          هذه إذًا واحدة قد وعيناها. فهات لنا الثانية إن شئت ماذا تعني بامتداد مسؤولياتنا امتدادًا أفقيًأ؟.
                          قال المربي: أريد يا بني أن أوجه نظرك ها هنا الى حقيقة مهمة، يغفل عنها أكثر الناس، فأكثر الناس يظنون أننا مسؤولون عن العمل، وعن رأس مال العمل.
                          قال الطالب: وما رأس مال العمل في موضوعنا؟
                          قال المربي: كل وسائل العمل وأدواته. ألا تدري أن مواهبك المادية والمعنوية، ومقدّراتك الذاتية والخارجية كل أولئك أنت مسؤول عنه؟
                          قال الطالب: أراك تعُدّ أشياءً ليست من صنعتي، ولا تدخل تحت ارادتي. فكيف أسأل عما لم أصنع؟. أم لعلك تريد أن تقول أننا مسؤولون عن صيانة هذه المواهب ورعايتها، وعن حسن التصرف فيها، وحُسن الانتفاع بها؟!.
                          فإن كان ذلك هو ما تقصد إليه، فقد رجعت المسألة الى نوع واحد، وأصبح موضوع المسؤولية دائمًا هو العمل، ولا شيئ سوى العمل.
                          قال المربي: لو أمعنت النظر قليلاً لانكشف لك الأمر عن سؤالين مختلفين: سؤال عن عملك الذي صنعت، وسؤال عن وسائل العمل التي استخدمت.
                          قال الطالب: من أين لنا هذا؟
                          قال المربي: من كتاب الله. أما السؤال عن العمل، فإن الله يقول: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) سورة الحجر. وأما رأس مال العمل، فحسبك أن تسمع فيه قول الله تعالى إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36) سورة الإسراء. وقوله تعالى في الأية الأخرى ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8) سورة التكاثر.
                          قال الطالب: أليس مضمون السؤالين واحد، وإن وضعا في صيغتين مختلفتين؟
                          قال المربي: لو كان ذلك لهان الأمر، ولكن هيهات!. إنهما سؤالان جدّ مختلفين، وإن الإجابة عن ثانيهما هي أشق وأدق الإجابتين.
                          قال الطالب: أرغب إليك أن تبين لي هذا بيانًا شافيًا.
                          قال المربي: ألق سمعك، وأيقظ قلبك.. أرأيت لو أن رجلاً أعطاك قدرًا من المال لتتجر له به، أتراه يتولى بنفسه رسم خط سيرك في التجارة تفصيلاً وتحليلاً، حتى يعيّن لك السوق التي تشتري منها، والسوق التي تبيع فيها، ويحدد لك ثمن كل سلعة في شرائها وفي بيعها، ويضع لك صيغة الدعاية لترويجها، وهلم جرا، حتى تصبح في يده آلة كاتبة أو حاسبة؟.
                          قال الطالب: كلا. وإنما يرسم لي الخطوط العريضة التي يحدد بها حقوقي وواجباتي، ثم يكَِل ما وراء ذلك إلى تقديري وتدبيري. وهكذا يعاملني كما يعامل شخصًا مسؤولاً عن تثمير ماله وازدهار تجارته.
                          قال المربي: حسنًا. فإذا اكتفيت بتطبيق نصوص العقد الذي بينك وبينه، فلم تترك فيها التزامًا صريحًا إلا وفيته، ولا محظورًا صريحًا إلا تحاميته، ولكنك قعدت بعد ذلك فارغًا غافلاً، فتركت البضاعة يتراكم عليها التراب، وتنسج عليها بيوت العنكبوت، ولم تبد فطنة ولا حذقًا ولا مهارة، فيما وكله الى تدبيرك وتقديرك والى فطنتك وحذقك ومهارتك.. أتظن أنك بهذا تكون قد أديت كل رسالتك، وأخليت نفسك من كل مسؤوليتك؟. ألست ترى أنك على العكس، تكون قد ضيعت من أمانتك أعظم شطريها، وأخللت من مسؤوليتها بأدق وأشق ركنيها؟.
                          قال الطالب: بلى .
                          قال المربي: فذلك مثل ما منحك الله من القُوى والملَكَات والمواهب؛ في سمعك وبصرك ولسانك وعقلك وجوارحك وما آتاك من رزق، في مالك وعشيرتك وإخوانك وأعوانك وما سخّرلك من وقت مُد به في حياتك وعمرك. لقد جعل ذلك كله رأس مال لك؛ ثَبَتَ به قدمك على الأرض، ورَفَعَ به رأسك الى السماء، وطلب اليك أن تُنمي هذه الثروة كلها، بالعمل بها في كلا المجالين؛ تحصيلاً لمعاشك وتأمينًا لمعادك، إحسانًا الى الخلق وعبادة للخالق. وقد حظر عليك محظورات عينها، وكتب عليك فرائض بينها، ثم رسم لك قواعد عامة لثمير هذه الثروة، في سُبل البر والتقوى والعمل النافع، وترك لتدبيرك وتقديرك اختيار الأسلوب المعين، الذي تختاره لتثميرها في داخل هذا النطاق العام فهل لك بعد ذلك أن تجيء فتقول: إذا أديت الفرائض واتقيت المحارم فلا عليّ أن أعمل أو لا أعمل؟!. كلا. إن الله لا يحب أن يراك فارغًا عاطلاً، ولكن يحب أن يراك كادحًا عاملاً. إن كل فترة في جهدك، وكل تراخٍ في نشاطك، تعطيل للثروة التي أمرك بتثميرها. وإخماد للروح التي ندبك الى تزكيتها: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)سورة الشمس.. إن الاسلام دين نشاط وعمل، لا دين قعود وكسل، إنه عملٌ للآخرة والدنيا جميعًا.. انظر في القرآن الكريم الى صفات المؤمنين.. وصفات عباد الرحمن..وصفات المحسنين: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ السجدة(16). وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) سورة الفرقانكَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19) سورة الذاريات.. هذا عملهم للدين. أما عملهم للدنيا، فكل الديانات المعروفة تحظُر على أتباعها العمل يومًا كاملاً في الأسبوع، وليس في الإسلام عطلة واجبة إلا ساعة من نهار في كل جمعة. إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِسورة الجمعة(9). فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ سورة الجمعة(10).. لا تقل إذًا: لقد أديت فريضتي، فلأقتل وقتي في اللهو واللعب. كلا، إن وقتك هو ثروتك، هو رأس مالك، هو حياتك. لا تقتل وقتك فتقتل نفسك. إن كل دقة من دقات قلبك، وكل لمحة من لمحات بصرك، وكل خفقة من خفقات نفسك، تهتف بك: هل ضيعتني، أم في شيئ من الخير اغتنمتني؟. ألم تسمع الى قول النبي – - :" لا تزول قَدَمَا عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن خمس...." فجعل أول المسائل الخمس سؤال كل امرئ:" عن عمره فيم أفناه"..أي: عن وقته فيم ضيعه. بل ألم تسمع الى قول الله تعالى: فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) سورة الشرح.... إذا فرغت من عمل، فاشغل نفسك بعمل.. إذا فرغت من عمل لدينك، فاشتغل بعمل لدنياك، وإذا فرغت من عمل لدنياك، فاشتغل بعمل لدينك. إذا فرغت من حاجة بدنك فخذ غذاءًا لعقلك، أو متعة لروحك. وإذا فرغت من شأن نفسك، فأقبل على شأن أُسرتك، ثم على شأن أمتك.. وهكذا .. لا فراغ.. لا فراغ..إلا استجمامًا وتأهبًا للعمل. إنه لا يركن الى الفراغ إلا الفارغون: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1) الأنبياء

                          تعليق


                          • #13
                            9- المسئولية عن أهداف العمل ( أُذيع في 7/6/1957م)
                            قال التلميذ لأستاذه: لقد عرفت الآن عنصرًاجديدًا من عناصر مسؤوليتنا المباشرة؛ عرفت أننا محاسبون، لا على آحاد أعمالنا فحسب، وعلى فرائضها هل أديناها؟، وعلى آثامها هل اتقيناها؟. ولكننا مطالبون كذلك بتقديم الحساب عن أنفسنا، عن قوانا ومواهبنا، وعن أسباب نعيمنا، وعن أوقاتنا وأعمارها جملة؛ هل أهملناها وضيعناها؟ أم أفدنا منها واستثمرناها، فلم تركن بها الى الفراغ والعطلة، الا في فتراتٍ نستجِّم فيها، تأهبًا لاستئناف العمل؟. ثم في أيّ ضربٍ من ضروب العمل أو الاستجمام، أنفقنا هذا العمر، ساعة ساعة، ولحظة لحظة،.. لقد كنت على حق أيها المربي الفاضل، حين قلت أن الاجابة عن هذه المسائل، هي أشق الاجابتين وأدقهما.. لعمري إن الحساب على الفرائض والمحارم لا يعد شيئا مذكورا بالقياس الى هذا الحساب، فإني إذا سُئلت: هل صليت..هل زكيت؟. هل قتلت؟. هل سرقت؟. كان الجواب عليّ هينًا ميسورًا: نعم.أو لا . لكن من الذي يحصي عمل حياته، ويذكر ما مضى من حركاته وسكناته ليؤدي عنها الجواب سردًا وعدًًّا على وجه الصواب؟.
                            قال المربي: يا بني، ليس أكبر الحرج والعسر من هذه الناحية، فإن الذي ننساه نحن يذكرنا الله به، والسجلات حاضرة، والشهود قائمة: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (6) سورة المجادلة. وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ سورة الزمر(69). وإنما الحرج العظم، والألم الأشد والأمض، في تذكيرنا – بعد فوات الأوان – بهذه الطاقات العظيمة، التي زُودت بها فطرتها، وهذه الثروة الضخمة من وسائل العمل، التي كانت في أيدينا، وفي سؤالنا عن الموقف الذي اتخذناه بإزائها، هل استعنّا بها على طاعة الله؟. أم تقوينا بها على معصية الله؟. أم أبليناها وبددناها إسرافًا وعبثًا في غير طائل، وفي غير نفع عاجل ولا آجل؟. إننا حتى لو لم نطالب بالجواب، لكان مجرد تذكيرنا بهذه النعم التي لم تُشكر، وهذه الفرص التي لم تستثمر، كافيًا في أن يملأ صدورنا حُرقة وغُصة، وفي أن يذيب قلوبنا ندمًا وحسرة. ومن هنا صح في الأثر: أنه ما من أحد إلا ندم. إن كان مسيئًا ندم ألا يكون أقلعَ، وإن كان محسنًا ندم ألا يكونَ ازدادَ.
                            قال الطالب: لعلك قد بلغت بنا الآن غاية المدى، في تحديد الأفق الذي تمتد فيه مسؤوليتنا.
                            قال المربي: لا تعجل يا بني، إننا بعد لم نذرع هذا الأفق إلا من أحد طرفيه. وبقي أمامنا طرفه الآخر. لقد ذرعناه من جهة وسائل العمل وظروفه ومعداته. وبقي علينا أن نذرعه من جهة أهداف العمل ومقاصده وغاياته.. فمثل الإنسان وما جهز به من وسائل العمل، مثل الرجل يحمل قوسه ووتره وجعبة سهامه تأهبًا للرمي، ومثل ما يؤديه من العمل مثل السهم يرمي به عن قوسه. ومثل ما يتطلع اليه من خلال ذلك العمل، مثل القرطاس الذي يصوّب الرّامي سهمه إليه: كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36) الاسراء(36) هب نفسك إذًا لم تضيع أوقاتك سُدى، بل بذلت جهدك وأديت عملك. أتحسب أنك بهذا قد تمت مهمتك، وطويت صحيفة مناقشتك؟. كلا. لقد بقي أن تسأل: ماذا قصدت من هذا العمل؟. ما الذي بعثك عليه؟. ما الذي حفزك أليه؟. هكذا أنبأنا رسول الله- –أنه: " لاتزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن خمس..." جعل أولى هذه المسائل الخمس، سؤال كل امرئ:" عن عمره فيم أفناه" أي: في سبيل ماذا عمل؟. غلى أي غاية قصد من هذا العمل؟. ذلك أن العاقل لا يعمل عملاً شعوريًا جدّيًا إلا لمعنى يطلبه فيه؟. يعمل لمجرد العمل؟.
                            قال المربي: لا يكون ذلك أبدًا في عمل جديّ؛ العمل لمجرد العمل، الحركة لمجرد الحركة..هذا هو العبث بحده وكنهه.
                            قال الطالب: أليس الذي يفعل الخير للخير يعمل لمجرد العمل؟.
                            قال المربي: كلا. ولكن لما يجده في طبيعة العمل من صفات فاضلة، وغايات نبيلة، تطمئن بها نفسه ويستريح لها ضميره. فهو قاصدٌ من عمله الى غاية معينة. وإن نوع الغاية التي يقصد اليها كل امرئ من عمله، هو العنصر الأخير الذي يحدد قيمة العمل، فيجعله إما عملاً مبرورًا، وإما عملاً مأزورًا، وإما عملاً لا برًا ولا فاجرًا.
                            قال الطالب: هل لك في أن تضع لنا معيارًا، نميز به هذه الأنواع الثلاثة من البواعث والمقاصد؟.
                            قال المربي: اعلم يا بني أن الحديث في هذا ذو شجون وأن للتفصيل فيه مجالاً غير هذا المجال. وحسبك الآن أن تنظر الى مثالين اثنين، ترى منهما كيف أن العمل الواحد ترتفع قيمته أو تنخفض، تبعًا للنوازع والدوافع المختلفة التي تنطوي عليها نفس العامل.
                            اليك المثال الأول:
                            هؤلاء ثلاثة نفر، كلهم يقوم أمامنا بواجبات البر والتقوى والعدل والإحسان.. فأما أحدهم، فإنه يفعل ذلك امتثالاً لأمر ربه، وسعيًا في تزكية نفسه، واستصلاحًا لشأن أمته، لا خوفًا من سلطان، ولا حذرًا من عقوبة أو من حرمان، ولا إجتلابًا لثناءٍ أو لجزاءٍ، ولكن نزيهًا مجردًا عن كل غرض، مُبرأ القصد عن كل عرض. فتلك نية خيرة مبرورة، وصاحبها بأعلى منزلة، فهو وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (18) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (20) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (21) سورة الليل. وأما الآخر فإنه يؤدي عمله ختلاً وخداعًا، أو رياءًا للناس: اتقاءًا لسخطهم، أو التماسًا لثنائهم، أو طمعًا فيما بأيديهم أو طلبًا للمنزلة والحظوة عندهم.. فهذه نية آثمة شريرة وصاحبها بأحط منزلة: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6)الماعون. وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ النساء 38. وأما الثالث: فأنه يؤدي حق ربه خوفًا من ناره، أو طمعًا في جنته، كما يعمل عبد العصا خوفًا من العصا، أو كما يعمل عبد الدرهم طمعًا في الدرهم.. فهذه نية بين بين، لا نجد في القرآن تنويهًا بشأنها، ولا تشويهًا لأمرها، ولا مدحًا و قدحًا. فقصارى حظ صاحبها فيما نرى أن يخرج بها كفافًا لا له ولا عليه.(*)
                            واليك مثالاً ثانيًا:
                            هؤلاء ثلاثة نفر يزاولون لونًا أو ألوانًا من الرياضة البدنية: سباقًا أو سباحة أو رماية أو مصارعة أو غير ذلك. فأما أحدهم؛ فإنه يبتغي من تقوية بنيته أن تكون له عدة على الصبر والجلد، والطموح وعلو الهمة، ففي مكابدته لأعباء الحياة، وقيامه بواجباتها المقدسة. وأما الآخر، فإنما يحفزه الإعجاب بنفسه، والمفاخرة لأقرانه، والاقتصار على مغامراته، والاشباع لملذاته، والانطلاق غير المحدود لغرائزه. وأما الثالث: فكل ما يعنيه أن يتذوق طعم الحياة الهنيئة البريئة، وأن يستمتع بالحلال الطيب في يسر ورغد.
                            هم درجات عند الله : (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)

                            (*) هذه زلة وأنا فهمت من كلام شيخنا ياسر برهامي أنهاا ليست بكبيرة كزلة الصوفية لأنه يُحتَمل كونه ينتقد مجرد الاكتفاء بهذه النية، وعلى كل حال فهي زلة . ثم على كونها زلة أو ليست بزلة فللشيخ دراز كلام صريح جدًا في كتاب النبأ العظيم ص208 يجعل (اتقاء أليم العذاب وابتغاء جزيل الثواب) من الأركان الثلاثة للعقيدة الاسلامية التي كان المقصود الأول من مقاصد سورة البقرة هو التحدث عنها

                            تعليق


                            • #14
                              10- كل راع مسئول عن رعيته(أُذيع في 21
                              /6
                              /1957م)
                              قال التلميذ لأستاذه: لقد علمتنا أيها المربي الحكيم أننا لكي نعرف حدود مسؤولياتنا المباشرة، ينبغي أن نقيس امتدادها في أبعادها الثلاثة، من جهة عمقها، ومن جهة اتساع أُفقها، ومن جهة ارتفاعها، أما بُعد عُمقها، فقد علمتنا أن مسؤوليتنا تتجاوز منطقة أعمالنا السطحية الظاهرة وأنها تتغلغل في أعماق نفوسنا، حتى نتناول عقائدنا وحركات فكرنا وإرادتنا.. وأما اتساع أفقها، فقد عرّفتنا أنها تجاوز مناطق الأعمال كلها ظاهرة وباطنة، وأنها تمتد من جهة، إلى وسائل الأعمال وأدواتها، ومن جهة أُخرى إلى أهداف الأعمال وغاياتها، هكذا عرفنا امتداد مسؤوليتنا في بُعديها: عمقيًَا، وأفقيًا. وبقى علينا أن نقيس بعدها الثالث، لنعرف امتدادها رأسيًا. ماذا يعني إذًا بامتداد مسؤوليتنا من جهة ارتفاعها؟.
                              قال المربي:يا بني، لو كان كل إنسان خُلق فردًا، ولا يعمل إلا لحساب نفسه، وليس مسؤولاً إلا عن شخصه، لو كان كذلك، لكانت مهمة كل امرئ تنتهي متى أدى حسابه عن قواه ومواهبه، وعن عمل قلبه وجوارحه، وعن بواعثه ومطامحه.. تلك كلها مسؤوليات شخصية تلازم كل فرد، حتى لو فرض منقطعًا عن العالم، لا ارتباط له إلا بعمله، ولا صلة له بأحد من البشر.. غير أن الانسان بفطرته خلق ليكون عضوًا في جماعة صغيرة أو كبيرة، في أسرة.. في عشيرة.. في منصب رفيع أو متواضع، أو في كيانها، وفي اصلاح شؤونها. ألم تسمع قول الله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا سورة التحريم(6)لقد بيّنَت لنا الحكمة النبوية أن كلمة " الأهلين" لا تخص أقاربنا الأدنين، ولكنها تتناول بمعناها كل من تحت رعايتنا، وكل من وكل أمره إلينا.. فلكل واحد منا – بهذه الصفة الجديدة – مسؤولية جديدة، ليست مسؤوليته عن نفسه، ولكن مسؤوليته عما تحت يده، وعمن تحت يده. مسؤولية الحارس والراعي عمن في حراسته ورعايته، مسؤولية الأمير والوالي، عمن تحت إمرته وولايته.
                              قال الطالب: أتسمي كل من وكل إليه شأن من شؤون الغير، راعيًا لذلك الغير وواليًا عليه، حتى الخادم والأجير؟!. أنكون نحن رعية لخدمنا وأُجرائنا؟!. أليس العكس هو الصحيح؟!
                              قال المربي: يا بني. إنها رعاية متبادلة، وولاية مشتركة متقابلة. إنهم تحت رعايتنا فيما نملك، ونحن تحت رعايتهم فيما يملكون.. هم تحت رعايتنا نغذوهم ونكسوهم، ونؤويهم بسواعدهم ويسعون لنا بأقدامهم، ويحرسونا بأسماعهم وأبصارهم ويحيطوننا بوفائهم وإخلاصهم. ومن هنا جاء في الحديث الصحيح، أن الخادم راع ومسؤول عن رعيته. وجاء في الحديث، أنهم إخواننا وخولنا: يتخولوننا ويتعهدوننا.. وهكذا كان اسم " الولاية" في اللغة العربية اسمًا مشتركًًا بين الطرفين. كما أن كل من أمر على شأنٍ من الشؤون، كان مسؤولاً عن إمرته، على تفاوت كبير في درجات هذه المسؤولية.
                              قال الطالب: بأي مقياس نقيس هذا التفاوت، في درجات تلك المسؤولية الاجتماعية؟.
                              قال المربي: هنالك مقاييس كثيرة، أقربها لتصورك مقياس الكم؛ مقياس المساحة والعدد. ذلك أنه كلما اتسع مجال النشاط المطلوب منك بذله كلما كثر عدد الأفراد المنوط بك رعايتهم. وكلما ارتفع المكان الذي تشرف منه عليهم، عظمت مسؤولياتك، وتضاعفت تبعاتك. دوائر بعضها فوق بعض، تتدرج في الاتساع على قدر تدرجها في الاتفاع، كأنها هرم مقلوب، قمته المدببة في أسفله وقاعدته العظمى في أعلاه.. من رب الأسرة إلى عميد القرية، إلى والي المدينة، إلى أمير الإقليم، إلى رئيس الدولة..إذا فهمت هذا يا بني، فاعلم أنك لو عرفت لنفسك قدرها، لم تصعد على هذا السلم إلا بقدر، وبكل تحفظ وحذر.. تبدأ بنفسك فتحكم أمرها، ثم بأسرتك فتصلح شأنها، ثم بما يوكل اليك من الأعمال الجزئية؛ فتسعى في تجويدها وإتقانها.. ولا تمدّن عينيك الى ما وراء ذلك، فتحمّل نفسك ما لا طاقة لك به. فإن عرض لك شيئ من هذه المسؤوليات العظمى، واستطعت أن تتنصّل منه فافعل، فإن ذلك أعون لك على الاحسان والإجادة فيما حملت من الأمانات الأخرى. أما إن لم تجد لك محيصًا عن حمل هذه الأعباء الكبرى، فحملتها وأنت غير مستشرف لها، ولا ساعٍ اليها، فلتتق الله فيها حق تقاته، ولتتخذ لك فيها أسوة حسنة من سيرة الخلفاء الراشدين، والأمراء الصالحين.. روي عبد الرحمن بن الحوزي، عن فاطمة بنت عبد الملك، زوجة عمر بن عبد العزيز، قالت: أرق عمر ذات ليلة، فجلس واضعًا رأسه على يده، ودموعه تسيل على خدّه، حتى برق الصبح.. قالت: فدنوت منه فسألته ماذا يؤرقه؟. وماذا يُبكيه؟. فقال: دعيني لشأني وعليك بشأنك. قالت: فألححت عليه حتى قال لي: إنني نظرت فوجدتني قد وليت أمر هذه الأمة، صغيرها وكبيرها ثم ذكرت الغريب الضائع، فعلمت أن الله سائلي عنهم، وأن محمدًا – – حجيجي فيهم، فخفت ألا يثبت لي عند الله عذر وألا تقوم لي أمام رسول الله حجة، فخفت على نفسي خوفًا وَجَل له قلبي، ودمعت له عيني، وإني كلما ازددت لذلك ذكرًا، ازددت منه خوفًا ووَجلاً. قال الفضيل بن عياض: بكى عمر بن عبد العزيز يومًا، فقيل له: ما يبكيك؟!. فقال: ومالي لا أبكي، ولو أن سخلة هلكت على شاطئ الفرات، لأُخذ بها عمر يوم القيامة.
                              قال الطالب: ألا ترى هذا غلوًا في الدين، وإسرافًا في الورع؟. فهذا الرجل الذي حمل أعباء الدولة، واستأثرت به عظائم شؤونها، كيف يُسأل عن فروعها ووقائعها، بعد أن خلع ربقتها من عنقه، وألقاها على كاهل غيره، حيث استعمل على كل شأن منها عاملاً، وولى على كل طرفٍ منها واليًا، وأصبح هؤلاء هم المسؤولون عنها، فإنما عليه ما حمّل وعليهم ما حملوا.
                              قال المربي: ما أراك يا بني إلا قد طال عليك الأمد فنسيت.. نسيت مبدأ المسؤوليات المزدوجة، إن كل أمانه – دُقت أو جلت – ضيعها عامل – صغر أو كبر – فإنها لا تقع تبعتها على العامل الذي ضيعها وحده، ولكن يُسأل عنها رئيسه المباشر، الذي أساء الاختيار، حين أسندها إلى من ضيعها، ثم يًسأل عنها من ولى هذا الرئيس المباشر، ثم من وليّ الذي ولاه، وهكذا تصعد المسؤولية درجة درجة إلى كل من ولى أو أمر، أو استخلف أو استوزر، فلا يبرأُ أحد منهم أمام الله إلا بأحد أمرين: إما بإصلاح ما فسد، وإما بعزل المضيعين المفرّطين، وتولية الصالحين المصلحين وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (11)سورة التغابن .
                              والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه إلى يوم الدين.. والحمد لله رب العالمين .والحمد لله رب العالمين .
                              وهنا تمت هذه الحلقات

                              تعليق


                              • #15
                                ملف الوورد في المرفقات كما طلب الشيخ أبي فهر

                                تعليق


                                • #16
                                  شكر الله لكم أخي الكريم هذا النقل القيم لما تفضل به الدكتور دراز نفعنا الله بعلمه.
                                  يبدو أن الملف لم يظهر في المرفقات فهلّا أرفقته ثانية بارك الله فيك أخي؟
                                  سمر الأرناؤوط
                                  المشرفة على موقع إسلاميات
                                  (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

                                  تعليق


                                  • #17
                                    جزاك الله مثله
                                    الملف في المرفقات

                                    تعليق

                                    20,125
                                    الاعــضـــاء
                                    230,559
                                    الـمــواضـيــع
                                    42,257
                                    الــمــشـــاركـــات
                                    يعمل...
                                    X