• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • كلمات حول شروط التكفير وموانعه .


      إذا كان الخوارج ومن ضاهاهم ودار في فلكهم من الخاطئين قد تساهلوا في التَّكفير واسترسلوا فيه حتَّى كفّروا الأبرار فضلاً عن الفجّار ، وحتَّى كفّروا المجتمعات فضلاً عن الأفراد ، فإنّ أهل السُّنَّة والجماعة قد احتاطوا في التَّكفير حيطة بالغة ([1]) ؛ حذرًا من قول النَّبيِّ e : ((مَنْ دَعَا رَجُلاً بِالْكُفْرِ ، أَوْ قَالَ : عَدُوَّ اللهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ؛ إِلاَّ حَارَ عَلَيْهِ))([2]) ، وقوله e : ((أَيُّمَا امْرِئٍ قَالَ لأَخِيهِ : يَا كَافِرُ ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا ؛ إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ ، وَإِلاَّ رَجَعَتْ عَلَيْهِ))([3]) ، وقولهe: ((أَيُّمَا رَجُلٍ كَفَّرَ رَجُلاً ؛ فَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ ، وَإِلاَّ فَقَدْ بَاءَ بِالْكُفْرِ))([4]) ؛ يقول ابن عثيمين ـ رحمه الله ـ : (( الحكم بالتَّكفير والتَّفسيق ليس إلينا ، بل هو إلى الله تعالى ورسوله e ، فهو من الأحكام الشرعيّة الَّتي مردّها إلى الكتاب والسُّنَّة ، فيجب التّثبّت فيه غاية التّثبّت ، فلا يكفّر ولا يفسّق إلاّ من دلّ الكتاب والسُّنَّة على كفره أو فسقه . والأصل في المسلم الظّاهر العدالة بقاء إسلامه وبقاء عدالته حتَّى يتحقّق زوال ذلك منه بمقتضى الدّليل الشرّعيّ . ولا يجوز التَّساهل في تكفيره أوتفسيقه ؛ لأنّ في ذلك محذورين عظيمين : ـ
      أحدهما : افتراء الكذب على الله تعالى في الحكم وعلى المحكوم عليه في الوصف الَّذي نبزه به .
      الثّاني : الوقوع فيما نبز به أخاه إن كان سالمًا منه ؛ ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أنَّ النَّبيَّ e قال : ((إِذَا كَفَّرَ الرَّجُلُ أَخَاهُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا))([5]) ... وذكر عدّة أحاديث ([6]) . وعلى هذا فيجب قبل الحكم على المسلم بكفر أو فسق أن ينظر في أمرين : ـ
      أحدهما : دلالة الكتاب والسُّنَّة على أنّ هذا القول أو الفعل موجب للكفر أو الفسق .
      الثّاني : انطباق هذا الحكم على القائل المعيّن أو الفاعل المعيّن ، بحيث تتمّ شروط التَّكفير أو التَّفسيق في حقّه وتنتفي الموانع ))([7]) . والتّحقّق ممّا يعتبر في التَّكفير وجودًا وعدمًا لا يحسنه الجاهل أو المتعالم وإنّما يحسنه العالم الرَّاسخ الَّذي ينزّل أحكام الله تعالى على مواقعها الصّحيحة ([8]) ؛ فإنّ لأهل العلم تفصيلات دقيقة يختلف الحكم تبعًا لها باختلاف الأشخاص والأزمنة والأمكنة والوقائع ؛ فالإعذار بالجهل مثلاً يختلف باعتبار بلاغ الرِّسالة وعدمه ؛ فمن لم تبلغه الرِّسالة جملة لم يعذّبه الله رأسًا ، ومن بلغته جملةً دون بعض التَّفصيل لم يعذّبه ! إلاّ على إنكار ما قامت عليه الحجّة الرِّساليّة ([9]) . كما يختلف الإعذار بالجهل باعتبار المسائل ظهورًا وخفاءً ([10]) ، وباعتبار التمكّن من العلم وعدمه ؛ روى ابن ماجه بسنده عن حذيفة بن اليمان t مرفوعًا : ((يَدْرُسُ الإِسْلاَمُ كَمَا يَدْرُسُ وَشْيُ الثَّوْبِ ، حَتَّى لاَ يُدْرَى مَا صِيَامٌ وَلاَ صَلاَةٌ وَلاَ نُسُكٌ وَلاَ صَدَقَةٌ ، وَلَيُسْرَى عَلَى كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي لَيْلَةٍ فَلاَ يَبْقَى فِي الأَرْضِ مِنْهُ آيَةٌ ، وَتَبْقَى طَوَائِفُ مِنَ النَّاسِ ؛ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ ، وَالْعَجُوزُ يَقُولُونَ : أَدْرَكْنَا آبَاءَنَا عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ : لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ ، فَنَحْنُ نَقُولُهَا ، فَقَالَ لَهُ صِلَةُ : مَا تُغْنِي عَنْهُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَهُمْ لاَ يَدْرُونَ مَا صَلاَةٌ وَلاَ صِيَامٌ وَلاَ نُسُكٌ وَلاَ صَدَقَةٌ ؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ حُذَيْفَةُ . ثُمَّ رَدَّهَا عَلَيْهِ ثَلاَثًا ، كُلَّ ذَلِكَ يُعْرِضُ عَنْهُ حُذَيْفَةُ ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ فِي الثَّالِثَةِ فَقَالَ : يَا صِلَةُ تُنْجِيهِمْ مِنَ النَّارِ ثَلاَثًا))([11]) ؛ قال ابن تَيْمِيَّة ـ رحمه الله ـ : (( كثير من النّاس قد ينشأ في الأمكنة والأزمنة الَّتي يندرس فيها كثير من علوم النُّبوّات ، حتَّى لا يبقى من يبلّغ ما بعث الله به رسوله e من الكتاب والحكمة ؛ فلا يعلم كثيرًا ممّا يبعث الله به رسوله ، ولا يكون هناك من يبلّغه ذلك ، ومثل هذا لا يكفر ؛ ولهذا اتّفق الأئمّة على أنّ من نشأ ببادية بعيدة عن أهل العلم والإيمان ، وكان حديث العهد بالإسلام ، فأنكر شيئًا من هذه الأحكام الظَّاهرة المتواترة ، فإنّه لا يُحكم بكفره حتَّى يعرف ما جاء به الرَّسول e))([12]) .
      وكذلك الإعذار بالخطأ محلّ بحث وتفصيل ؛ هل يعمّ المسائل النَّظريّة ؛ لأنّ النّصوص لم تفرّق بين العقائد والأحكام ، أم إِنَّ الإعذار به يختصّ بالمسائل العمليّة ؛ لأنّ الله نصب على الحقّ في كلّ مسالة من المسائل النَّظريّة دليلاً قاطعًا تعرف به ، فإذا أخطأه المجتهد؛ كان لتفريطه لا لعجزه ، فيكون آثمًا ؟
      قولان للعلماء ، أصحّهما الأوّل ؛ لأنّ النَّبيَّ e كان يعذر أصحابه بالخطأ في أصول الدِّين كما يعذرهم به في فروعه ؛ فقد عذر كثيرًا منهم في إطلاق النِّفاق على بعض أهل الإيمان بالله ورسوله ، وكذلك عذر معاذًا t حين أخطأ في السُّجود له تحيّة وتعظيمًا ، وعذر الجارية حين أخطأت في ظنّها أنّه يعلم الغيب ، فلم يؤاخذها بما قالت ، واكتفى بنهيها عن هذا الظنّ ([13]) . لكن إعذار المجتهد المخطئ ليس على إطلاقه ، وإنّما هو مشروط بأمرين : ـ
      أحدهما : أن يكون للمجتهد تأوّل فيما أخطأ فيه ، وشرط التأوّل أن يكون له مسوّغ في اللّغة ، ووجه في العلم ؛ ولهذا لم يعذر العلماء من ادّعى أنّ القرآن مجرّد رموز لعقائد باطنة ؛ لأنّ تأوّلهم لا مسوّغ له في لغة العرب ، ولا تحتمله ألفاظها ، ولا يشهد لها العلم بوجه من الوجوه .
      والثّاني : ألاّ يكون الخطأ في أصل الدِّين ؛ لإجماع الأمّة على عموم رسالة سيّد المرسلين ؛ ولهذا اشتدّ إنكار الأمّة على عبيد الله بن العنبري في إطلاق تصويب المجتهدين ؛ لأنّ ذلك يقتضي تصويب اليهود والنَّصارى وسائر الكفّار في اجتهادهم ([14]) .
      وهكذا الإعذار بالتَّقليد في موجبات الكفر ، فإنّه مقيّد بأمرين : ـ
      أحدهما : أن يكون المقلّد من أهل الإيمان بالله ورسوله ؛ لأنّ من لم يدخل الإسلام فهو غير معذور بتقليده إجماعًا ([15]) .
      والثّاني : أن يكون المقلّد غير متمكّن من العلم ومعرفة الحق ، يقول ابن القيِّم ـ رحمه الله ـ : (( أهل البدع الموافقون أهل الإسلام ولكنّهم مخالفون في بعض الأصول أقسام ؛ أحدها : الجاهل المقلِّد الَّذي لا بصيرة له ، فهذا لا يكفّر ولا يفسّق إذا لم يكن قادرًا على تعلّم الهدى . والثّاني : المتمكّن من السؤال وطلب الهداية ومعرفة الحقّ ، ولكنّه يترك ذلك اشتغالاً بدنياه ، فهذا مفرّط مستحقّ للوعيد. والثَّالث : أن يسأل ويطلب ويتبيّن له الهدى ، ويتركه ؛ تقليدًا أو تعصّبًا أو بغضًا ، فهذا أقلّ درجاته أن يكون فاسقًا ، وتكفيره محلّ اجتهاد وتفصيل ))([16]) .
      وكذلك الإعذار بالإكراه ؛ فإنّه يختلف باعتبار متعلّقه ؛ فقسم لا يعذر فيه بالإكراه اتّفاقًا ؛ وهي المكفّرات المختصّة بأقوال القلوب وأعمالها . وقسم يعذر فيه بالإكراه اتّفاقًا ؛ وهو التَّلفّظ بكلمة الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان وقسم محلّ خلاف ونظر ؛ وهو الإكراه على أفعال الكفر ؛ فمن العلماء من رأى أنَّها لا تباح بالإكراه ؛ لأنّ الرّخصة إنّما وردت في القول دون الفعل . ومنهم من رأى أنّ الإكراه عذر في المكفّرات القوليّة والعمليّة دون فرق ؛ لأنّ آية الإعذار بالإكراه وإن نزلت في الإكراه على القول ، إلاّ أنَّ لفظها عام لا يختصّ بالمكفّرات القوليّة ؛ والعبرة بعموم اللّفظ لا بخصوص السَّبب ([17]) . فينبغي للمسلم الحريص على دينه أن يراعي مدارك العلماء ، وأن يتثبّت غاية التَّثبّت في أحكامه ؛ فإنّ اليقين لا يزول بالشكّ ، ومن ثبت إسلامه بيقين فلا يجوز رفعه بالشكّ ؛ قال ابن تَيْمِيَّة: (( ليس لأحد أن يكفّر أحدًا من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتَّى تقام عليه الحجّة وتبين له المحجّة ، ومن ثبت إسلامه بيقين ؛ لم يزل ذلك عنه بالشكّ ، بل لا يزول إلاّ بعد إقامة الحجّة ، وإزالة الشّبهة))([18]) .

      +++++



      ([1]) انظر : شرح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي ص 316 ـ 321 ، الرَّوضة النّديّة لصدّيق حسن خان 2/291 ، 292 ، القواعد المثلى لابن عثيمين ص 87 ـ 93 .

      ([2]) صحيح مسلم : كتاب الإيمان ، ح ( 93 ) .

      ([3]) المرجع السّابق ، ح ( 92 ) .

      ([4]) مسند الإمام أحمد ، مسند المكثرين ، ح ( 4515 ) .

      ([5]) صحيح مسلم : كتاب الإيمان ، ح ( 60 ) .

      ([6]) تقدّم ذكرها أوّل هذه المسألة .

      ([7]) القواعد المثلى ص 87 ، 88 .

      ([8]) انظر : مقالة لمعالي الشّيخ صالح الفوزان ، نُشرت بجريدة المدينة ، عدد (15269 ) ، وتاريخ 2/1/1416 هـ .

      ([9]) انظر : مجموع الفتاوى لابن تَيْمِيَّة 12/493 .

      ([10]) انظر : الفتاوى للشّيخ محمَّد بن إبراهيم 1/74 .

      ([11]) سنن ابن ماجه : كتاب الفتن ، باب ذهاب القرآن والعلم 2/1344 ، 1345 . قال البوصيري : هذا إسناد صحيح ، رجاله ثقات . مصباح الزّجاجة 3/254 .

      ([12]) مجموع الفتاوى 11/407 .

      ([13]) انظر : مجموع الفتاوى 3/229 ، 12/492 ، 493 ، منهاج السنّة النّبويّة 5/91 ، فتح الباري لابن حجر 9/202 ، 203 ، 10/515 ، 516 ، 12/303 ـ 311 .

      ([14]) انظر : روضة النَّاظر لابن قدامة 2/362 ، فتح الباري لابن حجر 12/304 .

      ([15]) انظر : طريق الهجرتين لابن القيِّم ص 411 .

      ([16]) الطرق الحكميّة ص 233 ، 234 [ باختصار ] .

      ([17]) انظر : تفسير القرطبي 10/182 ، 183 ، الأشباه والنَّظائر للسُّيوطي ص 208 .

      ([18]) مجموع الفتاوى 12/466 ، 501 .
      عيسى بن عبدالله السعدي
      أستاذ العقيدة بجامعة الطائف

    • #2
      وكذلك عذر معاذًا t حين أخطأ في السُّجود له تحيّة وتعظيمًا
      بارك الله فيكم وجزاكم الله خيراً..

      وسجود معاذ كان تحية وتشريفاً وليس عبادة ؛فليس هو من الخطأ في أصول الدين.وانظر : ((مجموع الفتاوى)) (4/361).

      تعليق

      20,125
      الاعــضـــاء
      230,511
      الـمــواضـيــع
      42,241
      الــمــشـــاركـــات
      يعمل...
      X