• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • ( الشرح المعين لـفهم الأربعين - المقدمة )

      بسم الله الرحمن الرحيم
      الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آل وصحبه ومن سار على نهجهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين وسلَّم تسليماً كثيراً . أما بعد :
      فهذه تعليقات لطيفة على كتاب الأربعون النووية للإمام النووي سطرتها لنفسي أولا طلباً للعلم والفهم ، ثم لمن يطلع عليها من الناس ، وسميتها : (الشرح المعين لفهم الأربعين) .
      أسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم ، وأن ينفعني به يوم القيامة إنه على كل شيء قدير .
      وقبل الشروع في الشرح سيكون الكلام عن بعض الأمور :
      الأمر الأول : اسم الكتاب .
      الأمر الثاني : أصل هذا الكتاب .
      الأمر الثالث : منهجه في هذا الكتاب .
      الأمر الرابع : السبب الداعي لتأليف هذه الأربعين .

      الأمر الأول : اسم الكتاب .
      اشتهر هذا الكتاب باسم : ( الأربعون النووية ) نسبة للمؤلف ، وقد سماها بـ ( الأربعين في مباني الإسلام وقواعد الدين ) جمع فيها الأربعين حديثاً ونيَّف في أصول الدين وأمهاته [ المنهج المبين في شرح الأربعين ( ص 8 ) ] .

      الأمر الثاني : أصل هذا الكتاب .
      قال ابن رجب : أملى الإمام الحافظ أبو عمرو بن الصلاح مجلساً ، سمَّاه : " الأحاديث الكلية " جمع فيها الأحاديث الجوامع التي يقال أن مدار الدين عليها ، وما كان في معناها من الكلمات الجامعة الوجيزة ، فاشتمل مجلسه هذا على ستةٍ وعشرين حديثاً . ثم إنَّ النووي أخذ هذه الأحاديث التي أملاها ابنُ الصلاح ، وزاد عليها تمام اثنين وأربعين حديثاً ، وسمى كتابه : " بالأربعين " واشتهرت هذه الأربعون التي جمعها ، وكَثُرَ حفظها ، ونفع الله بها ببركة نيَّة جامعها ، وحسن قصده [ جامع العلوم والحكم- لابن رجب " 1/56 " ] .

      الأمر الثالث : منهج المؤلف في كتابه .
      قد أفصح النووي عن ذلك فقال : ( وألتزم في هذه الأربعين أن تكون صحيحة ) [ مقدمة الأربعون النووية ] .
      بمعنى : أنه ليس في كتابه حديث مرفوض . وهذا على حال مستدرك على المؤلف إذ فيه أحاديث سوف نبينها إن شاء الله في محلها أنه تكلم العلماء فيها ، لكن هذا هو رأيته وهذا اجتهاده .

      الأمر الرابع : السبب الداعي لتأليف الكتاب .
      بين المؤلف في مقدمته : أنه إنما ألفها لينال بركة قول النبي : ( نضر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها وحفظها ثم أداها إلى من لم يسمعها ، فرب حامل فقه غير فقيه ، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ) [ صححه الألباني في الجامع الصغير – المجلد الثاني – ورقمه " 6766 " ] .
      وأيضاً ما ورد من الثناء على من حفظ 40 حديثاً ، ومنها : ( أن من حفظ على أمتي أربعين من السنة كنت له شفيعاً يوم القيامة ) [ قال الألباني حديث موضوع . ورقمه " 4589 " انظر سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة – المجلد العاشر - ] .
      وكذلك حديث : ( كنت له شفيعاً وشهيداً يوم القيامة ) [ قال الألباني حديث موضوع . انظر ضعيف الجامع الصغير ، ورقمه "5560 " ] .
      وأيضاً حديث : ( أدخلته يوم القيامة في شفاعتي ) [ قال الألباني حديث ضعيف . انظر ضعيف الجامع الصغير ، ورقمه " 5561 " ] .
      وحديث : ( بعثه الله فقيهاً وكنت له يوم القيامة شافعاً وشهيداً ) [ قال الألباني حديث ضعيف . انظر مشكاة المصابيح – المجلد الأول – كتاب العلم – الفصل الأول ، ورقمه " 61 " 258 " ] وما أشبه ذلك .
      وعموماً : هذا الحديث مع كثرة طرقه لكنه ضعيف .
      وليس هو السبب في تأليف المؤلف للكتاب ، بل السبب الرئيسي ما ذكرته لك من توخي دعوة النبي بالنضارة ،، كما بينه أهل العلم تعالى .
      والله أعلم .
      الخميس : 13 / 1 / 1433هـ

    • #2
      جزاك الله خير ؛كم كنت بحاجه لهذا التوضيح

      تعليق


      • #3
        وإياكم ، بارك الله فيكم .

        تعليق


        • #4
          ماشاء الله لاقوة إلا بالله ، أكمل يا أبا سعيد فوالله لفد استفدتُ

          تعليق


          • #5
            جزاك الله مشروع مبارك ا اعانك الله عليه ونفعنا به

            تعليق


            • #6
              شكراً للأخوين ( عامر و صالح ) على مرورهما الكريم
              وبالنسبة للشرح فهو بحمد لله مكتوب وجاهز منذ فترة ،، وأنزله هنا بشكل اسبوعي إن شاء الله تعالى
              لأستفيد شخصياً من ملاحظات وتعقيبات الأخوة .
              أسأل الله تعالى أن يبارك في الجميع .

              تعليق


              • #7
                الشرح المعين لـفهم الأربعين – الحديث 1

                نص الحديث :
                عن أمير المؤمنين أبي حفص ، عمر بن الخطاب قال : سمعتُ رسول الله يقول : [ إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسولِهِ فهجرتُهُ إلى اللهِ ورسولِهِ . ومن كانت هجرتُه لدنيا يُصيبُها أو امرأَةٍ يَنكحُهَا فهجرَتُهُ إلى ما هاجَرَ إليه ] رواه البخاري ومسلم .

                نبذة عن راو الحديث :
                هو: أمير المؤمنين، أبو حفص عمر بن الخطاب العدوي القرشي .
                كناه بذلك رسول الله بـ ( أبي حفص ) والحفص في اللغة: الأسد . واتفق العلماء على تسميته بالفاروق، قيل: لظهور الفرق بين الحق والباطل بإسلامه .
                وقيل : أن رجلاً من المنافقين ويهودياً اختصما فقال اليهود: ننطلق إلى محمد بن عبد الله ، وقال المنافق: إلى كعب بن الأشرف، فأبى اليهودي، وأتى للنبي فقضى لليهودي ، فلما خرجا قال المنافق: ننطلق إلى عمر بن الخطاب، فأقبلا إليه فقصا عليه القصة، فقال: رويداً حتى أخرج إليكما فدخل البيت واشتمل على السيف، ثم خرج وضرب عنق المنافق، وقال: هكذا أقضي بين من لم يرض بقضاء النبي فنزل جبريل فقال: إن عمر بن الخطاب فاروق الحق والباطل، فسمي الفاروق .
                وهو أول من سمي أمير المؤمنين، وكان يقال : لأبي بكر الصديق خليفة رسول الله .
                سيرته معروفة وفضائله مبثوثة ، ومات مطعوناً ، طعنة أبو لؤلوة طعنة ، وأبو لؤلؤة هو : عبد المغيرة بن شعبة نصراني، وقيل: مجوسي .

                شرح الحديث :
                قال المؤلف : عن أمير المؤمنين أبي حفص ، عمر بن الخطاب .
                ليُعلم أن أجر هذا الحديث حازه عمر بن الخطاب ! لماذا ؟ .
                لأنه هو الذي حفظه عن النبي ، ولم يروه غيره من الصحابة أجمعين .
                ثم تفرد برويته عن عمر بن الخطاب التابعي " علقمة بن وقاص ألليثي " .
                وتفرد بروايته عن علقمة ألليثي تابعي ثاني اسمه " محمد بن إبراهيم التيمي " .
                وتفرد بروايته عن محمد التيمي تابعي ثالث اسمه " يحيى بن سعيد الأنصاري " .
                فالحديث كما قال عنه أهل العلم تعالى في أوله غريب ، وفي آخره مشهور .
                فقد رواه عن يحيى بن سعيد الأنصاري الخلقُ الكثيرُ ، والجمُّ الغفير . فقيل : رواه عنه أكثرُ من مئتي راوٍ .
                وقيل : رواه عنه سبعمائة راوٍ .

                * مسألة : لماذا بدأ المؤلف كتابه بهذا الحديث ؟ .
                الجواب : أراد بهذا إخلاص القصد وتصحيح النية وأشار به إلى أنه قصد بتأليفه وجه الله تعالى .
                وقال ابن مهدي : من أراد أن يصنف كتابا فليبدأ بهذا الحديث ، وقال : لو صنفت كتابا لبدأت في كل باب منه بهذا الحديث [عمدة القاري شرح صحيح البخاري 1 / 57] .

                * منزلة الحديث :
                هذا حديث صحيح مشهور، متفق على صحته، مجمع على عظم موقعه وجلالته، أخرجه الأئمة الستة وغيرهم من حديث عمر بن الخطاب . وقد تواتر النقل عن الأئمة في تعظيم قدر هذا الحديث، فقال بعضهم : ليس في أخبار النبي شيء أجمع ولا أكثر فائدة منه .
                والحديث يتعلق بالنية التي هي لازمة لكل عمل . ولذلك كثرة عبارات السلف في الثناء على هذا الحديث ، فبعضهم جعله ثلث العلم، وبعضهم ربع العلم، وبعضهم خمس العلم .
                وهذا الكلام يدل بمجموعه على أن هذا الحديث له منزلة عند السلف .

                * مسألة : هل لإيراد هذا الحديث سبب ؟ .
                الجواب : لا علاقة لورود هذا الحديث بحديث مهاجر أم قيس .
                وحديث أم قيس قال عنه الهيثمي : رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح .
                وقال الذهبي بعد أن ذكر رواية الطبراني: إسناده صحيح .
                وقال ابن حجر بعد أن ذكر رواية الطبراني : وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ، لكن ليس فيه أن حديث الأعمال سِيق بسبب ذلك ، ولم أر في شيء من الطرق ما يقتضي التصريح بذلك .

                قوله : قال النبي : [ إنما الأعمال بالنيات ] .
                قوله [ الأعمال ] تنقسم إلى ثلاثة أقسام :
                - القسم الأول : أعمال اللسان .
                - القسم الثاني : أعمال البدن .
                - القسم الثالث : أعمال القلب .
                فأعمال اللسان : النطق من ذكر، وتلاوة ، وكلام ، وغير ذلك .
                وأعمال البدن – الجوارح - : الصلاة من قيام وركوع، والصيام والحج، والجهاد، وغيرها من الأعمال البدنية .
                وعمل القلب : ما ينعقد عليه القلب من عقائد كالإخلاص والخوف والرجاء .
                هذه الجملة جملة حصر .
                قوله [ النيات ] جمع النيّة : وهي القصد والإرادة .
                وفائدة النيّة : ( تمييز العبادات بعضها عن بعض ، وتمييز العبادات عن العادات ) .
                فالأول : مثل تمييز صلاة الظهر عن صلاة العصر ، وتمييز صلاة النافلة عن صلاة الفريضة . وكتمييز صوم رمضان عن صوم النافلة .
                والثاني : مثل تمييز غُسل الجنابة عن غُسل التطهّر والتّبرّد .
                قوله : [ وإنا لكل امرئ ما نوى ] .
                فالذي ينوي الخير له الخير ، والذي ينوي الشر فعليه الشر .
                وفي هذا الحديث التحذير من أن ينوي الإنسان أمراً خلاف ما أراد الله ، أو أراده رسوله . لأنه سيقال له : ( إنما لك ما نويت ) فانظر ماذا تنوي ؟ .

                * وهذه النية لا بد فيها من الانتباه لأمرين :
                1- نية العمل : ← وهذا يذكره ويهتم به أهل الفقه في كتبهم .
                بمعنى أنك تنوي أن هذه : " فريضة ، أو نافلة ، أو أمراً مباحاً ، أو سنة " .
                ونستفيد من هذه النية التمييز بين الأعمال .
                مثال ذلك : ( إنسان دخل المسجد وصلى ركعتين ) .
                فيحتمل أن هذه الركعتان تحية المسجد ، ويحتمل أن تكون راتبة ، ويحتمل أن تكون نذراً إن نذر ذلك ، ويحتمل أن تكون صلاة الفجر إن كان في وقت الفجر ، أو مقضية إن كان في غير وقت الفجر .
                2- نية المعمول له : ← وهذا يذكره ويهتم به أهل العقيدة في كتبهم .
                وعلى المثال السابق : فهذه الركعتان التي صلاها الإنسان هل هي لله ؟ . أو هي للناس ؟ . أو هو يصلي على العادة . ونستفيد من هذه النية صحة العمل ( الإخلاص ) .

                قوله : [ فمن كانت هجرته إلى الله ورسولِهِ فهجرتُهُ إلى اللهِ ورسولِهِ . ومن كانت هجرتُه لدنيا يُصيبُها أو امرأَةٍ يَنكحُهَا فهجرَتُهُ إلى ما هاجَرَ إليه ] .
                لما ذكر النبي أن الأعمال بالنيات ، مثل لهذا . فذكر بعض الأمثلة لتوضيح الأحكام التي سبقت فقال :
                - المثال الأول : [ فمن كانت هجرته ... إلخ ] .
                فمن هاجر وخرج من بلد الشرك إلى بلد الإسلام لله ولرسوله ، فهجرته تكون لله ولرسوله . يعني : هجرته وقعت لهذا الغرض والقصد العظيم ، أنها لله ولرسوله .
                - المثال الثاني : [ ومن كانت هجرته لدنيا ... إلخ ] .
                أي : أن هجرته لهذه الأغراض الدنية والرخيصة ، فقد فاته فيها حضٌ كبير .
                * مثال ذلك : رجلان خرجا من بلد الشرك إلى بلد الإسلام .
                الرجل الأول :
                رجل تاجر . وسمع أن التجارة في بلد الإسلام أكثر ربحاً ونفعاً ، والناس هناك يشترون بأغلى الأثمان فهاجر لهذا الغرض ... فهذا هاجر لأجل دينا يريد أن يصيبها .
                الرجل الثاني :
                رجل هاجر من بلد الشرك إلى بلد الإسلام لأنه سمع عن إمراة غنية أو جميلة في بلاد المسلمين فأحب أن يتزوجها ... فهذا هاجر لأجل امرأة يريد أن يتزوجها .
                هذان الرجلان حط النبي من شأنهما ، وقلل من همتهما وقدر هجرتهما ، فقال : [ فهجرته إلى ما هاجر إليه ] .. هكذا اختصر الكلام اختصاراً لأن غرضهما قليل وحقير ووضيع في جنب الله تعالى .

                * ضرب أمثلة أخرى لزيادة التوضيح :
                1- ( الصلاة ) :
                من كانت صلاته (لله ولرسوله) أي : طلباً للثواب من الله ، واقتداء بفعل النبي عليه الصلاة والسلام فصلاته صحيحة مقبولة وله أجر عظيم من رب كريم .
                أما من كانت صلاته لغير ذلك من ولي أو قبر يعتقد نفعهما من دون الله ، أو مع الله فصلاته لما نواه .
                2- ( طلب العلم ) :
                من كان طلبه للعلم (لله ولرسوله) أي : يرفع الجهل عن نفسه أولاً ، ثم يفيد من حوله من الناس ابتغاء الأجر من الله فطلبه للعلم صحيح وموفق وله ما نواه من الخير .
                أما من كان طلبه للعلم لغير ذلك كحب الظهور والتباهي على الأقران ، فطلبه للعلم قاصر وأجره ضائع إن لم يتدارك نفسه ويصحح نيته .

                ولاحظ قوله في الحديث : [ فمن كانت هجرته إلى دنيا ] .
                قال العلماء: « دنيا » بضم الدال على المشهور، من الدنو، وهو القرب سميت بذلك لدنوها إلى الزوال .
                ولا يخفى أن أمر النية أمرٌ عظيم ويحتاج إلى مجاهدة .
                فالمسألة ليست سهلة ،، ومن صدق مع الله في إصلاح نفسه فإن الله وعده بالتأييد والإعانة قال الله تعالى وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (العنكبوت : 69 ) .

                والخلاصة : أن النبي أشار إلى أن النية تتنوع كما تتنوع الأعمال ، كمن قصد بعمله وجه الله ، أو تحصيل موعوده ، أو الاتقاء لوعيده (فتح الباري 1/12) .

                * مسألة : حكم التلفظ بالنية ؟ .
                النية معتبرة في ثلاث طهارات: معتبرة في الوضوء، ومعتبرة في الاغتسال من الحدث الأكبر، ومعتبرة في التيمم، فلابد فيها كلها من نية .
                والنية محلها القلب، ولا يجوز التلفظ بها لا في الصلاة ولا في الطهارة ، لأن الله تعالى هو العالم بما في القلب، وليس للإنسان أن يخبر الله تعالى بما يدور في خلده وبما في قلبه، فالله عالم بما في قلبك، فلا حاجة إلى أن تخبر الله وتقول: نويت كذا وكذا، والله يقول وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [ آل عمران :154 ] .

                * ذكر بعض ما يستفاد من الحديث :
                هذا الحديث فوائده لا حصر لها ، ولكن نذكر بعضها من باب الاختصار ليفهم المقصد من الحديث ...
                1- في الحديث دليل على أن الإمام الأعظم يستحب له أن يخطب عند الأمور المهمة وتعليم الحكم المهمة، لأنه أبلغ في الإشاعة والإشتهار .

                2- في الحديث دليل وحث على الإخلاص في النية، والإخلاص من أعمال القلب والفرق بينه وبين النية أن النية تتعلق بفعل العبادة، والإخلاص يتعلق بإضافه العبادة إلى الله تعالى فالنية لابد منها في صحة العمل، وأما الإخلاص فليس يتعين .
                مثال ذلك : من صلى ونوى ولم يضف الصلاة إلى الله تعالى صحت صلاته، لأن العبادة لا تكون إلا لله سواء أضافها إليه أم لا، نعم الإخلاص مع النية أكمل من النية وحدها.

                3- في الحديث دليل على التفريق بين النية الفاسدة والنية الصحيحة .

                4- في الحديث دليل على أن ( الأمور بمقاصدها ) . والمراد بذلك أن المكلف فيه جانبان : الجانب الأول : " باطن " . والجانب الثاني : " ظاهر " . فأما باطنه فهو نيته في العمل ، وأما ظاهره فهو صورة العمل .

                5- في الحديث دليل على وجوب إخلاص النية لله ، لأنه ليس للعبد من عمله إلا ما كان خالصاً لله، قال الله تعالى وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ( البينة : 5 ) .

                6- في الحديث الحثّ على الإخلاص لله ، لأن النبي قسم الناس إلى قسمين : الأول : أراد بعمله وجه الله والدار الآخرة . والثاني : بالعكس .

                7- في الحديث دليل على حقارة الدنيا ودنو منزلتها ، ولا ينبغى للعبد ان يجعلها هي المقصد الأسمى ، وقد وصفها الله تعالى بأنها متاع ، وأن هذا المتاع قليل ، فقال قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا ( النساء : 77 ) أي : سريع الفناء لا يدوم لصاحبه ، وثواب الآخرة خير لكم من المتاع القليل لمن اتقى منكم ، ورغب في الثواب الدائم وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً أي : شيئاً حقيراً يسيراً .
                وعليه : ينبغي للعاقل أن يخلص نيته لله وحده في جميع أقواله وأفعاله لله .

                والله أعلم .
                الخميس : 20 / 1 / 1433هـ

                تعليق


                • #8
                  الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

                  وسأذكر فائدة قد أشرت إليها أنت عند قولك :
                  المشاركة الأصلية بواسطة عبدالكريم سعيد باصويطين مشاهدة المشاركة
                  لما ذكر النبي أن الأعمال بالنيات ، مثل لهذا . فذكر بعض الأمثلة لتوضيح الأحكام التي سبقت
                  وهي : أنه ينبغي للمعلم إذا ذكر قاعدةً أن يضرب مثالاً لها ، وهذا من أبلغ أساليب التعليم .

                  تعليق


                  • #9
                    إخواني : ما مدى صحة هذا الخبر ؟
                    المشاركة الأصلية بواسطة عبدالكريم سعيد باصويطين مشاهدة المشاركة
                    قيل : أن رجلاً من المنافقين ويهودياً اختصما فقال اليهود: ننطلق إلى محمد بن عبد الله ، وقال المنافق: إلى كعب بن الأشرف، فأبى اليهودي، وأتى للنبي فقضى لليهودي ، فلما خرجا قال المنافق: ننطلق إلى عمر بن الخطاب، فأقبلا إليه فقصا عليه القصة، فقال: رويداً حتى أخرج إليكما فدخل البيت واشتمل على السيف، ثم خرج وضرب عنق المنافق، وقال: هكذا أقضي بين من لم يرض بقضاء النبي فنزل جبريل فقال: إن عمر بن الخطاب فاروق الحق والباطل، فسمي الفاروق .

                    تعليق


                    • #10
                      أشكرك أخي الكريم عامر عبدالرزاق على مرورك الكريم وإضافتك الرائعة والمفيدة ...
                      أما بالنسبة لما طلبته من صحة الخبر فلم أذكره من باب الاختصار ،، وها أنا ذا اذكره لك الآن ، وهو :
                      تخريج ( وقيل: أن رجلاً من المنافقين ويهودياً اختصما فقال اليهود ... ) .
                      الأثر المذكور له شواهد ، وقد قوّاه الحافظ ابن حجر تعالى في الفتح حيث قال (5/ 37– 38) :
                      - روى إسحاق بن راهويه في تفسيره بإسناد صحيح عن الشعبي : قال كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة فدعا اليهودي المنافق إلى النبي صلى الله عليه و سلم لأنه علم أنه لا يقبل الرشوة ودعا المنافق اليهودي إلى حكامهم لأنه علم أنهم يأخذونها فانزل الله هذه الآيات إلى قوله ويسلموا تسليما .
                      وأخرجه بن أبي حاتم من طريق بن أبي نجيح عن مجاهد نحوه .
                      - وروى الطبري بإسناد صحيح عن بن عباس : أن حاكم اليهود يومئذ كان أبا برزة الأسلمي قبل أن يسلم ويصحب .
                      - وروى بإسناد صحيح آخر صحيح إلى مجاهد : أنه كعب بن الأشرف وقد روى الكلبي في تفسيره عن أبي صالح عن بن عباس قال نزلت هذه الآية في رجل من المنافقين كان بينه وبين يهودي خصومة فقال اليهودي انطلق بنا إلى محمد وقال المنافق بل نأتي كعب بن الأشرف فذكر القصة وفيه أن عمر قتل المنافق وأن ذلك سبب نزول هذه الآيات وتسمية عمر الفاروق .
                      - وهذا الإسناد وأن كان ضعيفا لكن تقوى بطريق مجاهد ولا يضره الاختلاف لإمكان التعدد .
                      - وأفاد الواحدي بإسناد صحيح عن سعيد عن قتادة أن اسم الأنصاري المذكور قيس ورجح الطبري في تفسيره وعزاه إلى أهل التأويل في تهذيبه أن سبب نزولها هذه القصة ليتسق نظام الآيات كلها في سبب واحد قال ولم يعرض بينها ما يقتضي خلاف ذلك ثم قال ولا مانع أن تكون قصة الزبير وخصمه وقعت في أثناء ذلك فيتناولها عموم الآية والله أعلم .

                      تعليق


                      • #11
                        الشرح المعين لـفهم الأربعين – الحديث 2

                        نص الحديث :
                        عن عُمرُ بنُ الخطاب أيضاً قال : ( بينما نحنُ عندَ رسولِ اللهِ ذاتَ يومٍ ، إذْ طَلَعَ علينا رَجلٌ شديدُ بَياضِ الثِّيابِ . شديدُ سوادِ الشَّعَرِ . لا يُرَى عليه أَثَرُ السََّفَرِ . ولا يَعرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ . حتى جلسَ إلى النبيِّ . فأَسْنَدَ رُكبتيهِ إلى رُكبتيهِ . وَوَضعَ كَفَّيهِ على فخِذَيهِ . وقال : يا محمدُ ! أخبرني عن الإسلامِ ؟ فقالَ رسُولُ اللهِ : [ الإسلامُ أَن تَشهدَ أَنْ لا إلهَ إلا اللهُ وأنَّ محمداَ رَسُولُ اللهِ . وتُقيمَ الصلاةَ . وتُؤُتِيَ الزَّكَاةَ . وتَصومَ رمضَانَ . وتَحُجَّ البيتَ إنِ استطعتَ إِليهِ سَبيلاً ] قال : صدَقْتَ . قال : فعجبْنا لَهُ يَسأَلُهُ ويُصَدِّقُهُ .
                        قال : فأخبرني عن الإيمان ؟ قال : [ أن تُؤْمنَ باللهِ ، وملائِكَتِهِ ، وكُتُبَهِ ، ورُسُلِهِ ، واليومِ الآخِرِ . وتُؤْمنَ بالقَدَرِ خيرهِ وشَرِّهِ ] قال : صَدَقْتَ .
                        قال : فأَخبرني عن الإحسانِ؟ قال: [ أنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ . فَإِنْ لم تَكُنْ تَرَاهُ ، فإِنَّهُ يَرَاكَ ] .
                        قال : فأخبرني عن الساعةِ ؟ قال : [ ما المَسئُولُ عنها بأَعْلَمَ من السَّائِلِ ] .
                        قال : فأخبرني عن أمَارَتِهَا ؟ قال : [ أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا . وأنْ تَرى الحُفَاةَ العُرَاةَ ، العَالَةَ ، رِعَاءَ الشَّاءِ ، يَتطاوَلُونَ في البُنْيَانِ ] .
                        قال : ثُمَّ انطلقَ . فَلَبثْتُ مَليَّـاً . ثُمَّ قال لي : [ يا عُمَرُ ! أَتَدْرِي مَن السَّائِلُ ؟ ] قُلتُ : اللهُ ورَسُولُهُ أَعْلَمُ . قال : [ فإنَّهُ جِبْريلُ . أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ ] ) رواه مسلم .

                        نبذة مختصرة عن رواي الحديث :
                        تقدم شيء من ترجمته في الحديث الأول .

                        * منزلة الحديث :
                        قال القرطبي : ( هذا الحديث يصلح أن يقال له أم السنة ، لما تضمنه من جمل علم السنة )
                        وقال القاضي عياض : ( إن علوم الشريعة كلها راجعة إليه ومتشعبة منه ) .
                        وقال النووي : ( هو أصل الإسلام ) .
                        وقال ابن دقيق العيد : ( فهو كالأمِّ للسنة ، كما سُمِّيت الفاتحة أم القرآن ، لما تضمَّنته من جمعها معاني القرآن ) .
                        وقال ابن رجب : ( وهو حديث عظيم يشتمل على شرح الدِّين كلِّه ، ولهذا قال النبي في آخره : " هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم " بعد أن شرح درجة الإسلام ودرجة الإيمان ودرجة الإحسان ، فجعل ذلك كلَّه ديناً ) .

                        شرح الحديث :
                        قوله : ( بينما نحنُ عندَ رسولِ اللهِ ذاتَ يومٍ ) .
                        هذه عادة الصحابة أنهم يتحلقون حول نبيهم عليه الصلاة والسلام ليستفيدوا من هديه ، وليأخذوا من سنته . وغالب هذه الجلسات إنما تكون في المسجد .

                        قوله : ( إذْ طَلَعَ علينا رَجلٌ شديدُ بَياضِ الثِّيابِ . شديدُ سوادِ الشَّعَرِ . لا يُرَى عليه أَثَرُ السََّفَرِ . ولا يَعرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ ) .
                        هذه أربع صفات وصف بها عمر بن الخطاب هذا الرجل الذي طلع عليهم :
                        1- صفتان تعودان إلى ذاته .
                        2- صفتان تعودان إلى حاله وقرينتها .
                        أما الصفتان اللتان تعودان إلى ذاته ، قال : ( شديد بياض الثياب ، شديد سواد الشعر ) .
                        فثيابه بيضاء ، وبياضها أيضاً ليس بياضاً عادياً بل بياضٌ شديد .
                        أما شعره فإنه شديد السواد .
                        ولذلك ذكر هاتين الحالين لأنهما حالانِ غريبتان أن تجتمع هاتان الصفتان : " بياضٌ في الثياب ، وسوادٌ في الشعر " .
                        أما الصفتان اللتان تعودان إلى حاله وقرينتها ، قال : ( لا يُرى عليه أثرُ السفر ، ولا يعرفه منَّا أحد ) .
                        قوله : ( لا يُرى عليه أثرُ السفر ) .
                        لأن المسافر تدرك حاله بأشياء منها :
                        1- إما بتعب .
                        2- أو اتساخ ثياب .
                        3- أو أشياء يحملها ، لا يحملها إلا المسافر .
                        المهم أنه نفى أن يكون عليه أثر السفر .

                        وقوله ( ولا يعرفه منَّا أحد ) .
                        فالحاضرون لا يعرفون هذا الرجل ، وهذا الجزم من عمر باعتبار غالب الظن ، وقرينة وجوه الحاضرين .

                        قوله : ( حتى جلسَ إلى النبيِّ . فأَسْنَدَ رُكبتيهِ إلى رُكبتيهِ ) .
                        يعني جلس هذا الرجل جلوس مقابلة ، حتى أسند ركبتيه – أي : ركبتي نفسه – ، إلى ركبتيه – أي : إلى ركبتي النبي - . إذاً هي مقابلة قريبة ، ومواجهة مباشرة .

                        قوله : ( وَوَضعَ كَفَّيهِ على فخِذَيهِ ) .
                        أي : وضع هذا الرجل كفيه هو على فخذي نفسه . ← وهو الصواب هنا .
                        وقيل غير ذلك ...
                        ووضع الكفين على الفخذين فيه إشارة إلى تلهفه للكلام الذي سوف يسمعه من النبي . كأنه الآن مستو فز ، أو قريباً من هذه الهيئة ليبين أنه متشوق ، ومتشوف إلى الكلام الذي سيقوله له النبي .

                        قوله : ( قال : يا محمدُ ! ) .
                        هنا بدأت المحاورة من هذا الرجل الغريب للنبي ، وهذه المحاورة تشتمل على خمسة أسئلة مهمة جداً فلننتبه إليها جيداً .
                        وهنا لم يقل هذا الرجل ( يا رسول الله ) : ليوهم أنه أعرابي .
                        لأن الأعراب ينادون النبي باسمه العلم ( أي : محمد ) ، وأما أهل الحضر فينادونه بوصف النبوة أو الرسالة عليه الصلاة والسلام .

                        قوله : ( أخبرني عن الإسلام ؟ ) .
                        هذا هو السؤال الأول من هذه المحاورة .
                        قوله : ( الإسلامُ أَن تَشهدَ أَنْ لا إلهَ إلا اللهُ وأنَّ محمداَ رَسُولُ اللهِ . وتُقيمَ الصلاةَ . وتُؤُتِيَ الزَّكَاةَ . وتَصومَ رمضَانَ . وتَحُجَّ البيتَ إنِ استطعتَ إِليهِ سَبيلاً ) .
                        فسر النبي الإسلام بأعمال الجوارح الظاهرة من القول والعمل .
                        وأول ذلك ( الشهادتان ) ← وهو القول ، أي : عمل اللسان .
                        ثم ذكر ( الصلاة والزكاة والصوم والحج ) ← وهي منقسمة على النحو التالي :
                        1- ( الصلاة والصوم ) ← هذا عمل بدني .
                        2- ( الزكاة ) ← هذا عمل مالي .
                        3- ( الحج ) ← وهو مركبٌ منهما فهو عملٌ بدني مالي .
                        ولتعلم أنه إنما ذكر هنا أصول أعمال الإسلام التي ينبني الإسلام عليها ، وهي الأركان كما سيأتي في حديث ابن عمر .

                        وفي قوله ( أن تشهد ... ) .
                        دليلٌ واضح على أنه لا بد من الشهادة ، والشهادة إنما تكون باللسان .
                        فلو أن إنساناً اعتقد ( أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ) لكن لم يشهد بهذا ، أي : لم ينطق بها ، ولم يتلفظ بها . فنقول : لا يصح منك الأمر ، لا بد أن تشهد ، وأن تتكلم بهاتين الكلمتين . إلا المعذور – كالأخرس مثلاً - فإنه يكتفي بما يستطيعه ..
                        وسيأتي مزيد تفصيل للشهادتين في الحديث الذي يليه إن شاء الله تعالى .

                        قوله : ( وتُقيمَ الصلاةَ ) .
                        الصلاة في اللغة : الدعاء . وشاهد ذلك قوله تعالى وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ( التوبة: 103 ) . أي أدع لهم .
                        وفي الشرع : فهي التعبد لله تعالى بأقوال وأفعال معلومة ، مفتتحة بالتكبير، ومختتمة بالتسليم
                        وهي واجبة على كل مسلم مكلف إلا حائضا ونفساء .
                        ودليل ذلك كتاب الله ، وسنة رسوله ، وإجماع المسلمين على ذلك إجماعاً قطعياً معلوما بالضرورة من الدين .
                        أما الكتاب : فقوله تعالى إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ( النساء: 103 ) .
                        ومن السنة : فقول النبي عندما بعث معاذ إلى اليمن فقال له [ بُني الإسلام على خمس ] رواه البخاري ومسلم ،،، وذكر منها (وإقام الصلاة) .
                        وأما الإجماع : فإنه لم ينكر أحد من أهل القبلة ممن ينتسبون إلى الإسلام فرضها حتى أهل البدع يقرون بفرضها .

                        قوله : ( وتُؤُتِيَ الزَّكَاةَ ) .
                        الزكاة لغة : الزيادة والنماء .
                        وفي الشرع : فهي قدر واجب شرعاً في أموال مخصوصة لطائفة مخصوصة .
                        وهي واجبة بالكتاب والسنة .
                        أما الكتاب فقوله تعالى وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاة ( البقرة : 43 ) .
                        وأما السنة قول النبي : [ بُني الإسلام على خمس ] السابق ،،، وذكر منها (وإيتاء الزكاة) .

                        قوله : ( وتَصومَ رمضَانَ ) .
                        الصيام لغة : الإمساك . ودليله قوله تعالى عن مريم فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا ( مريم : 26 ) . فقولها ( صوماً ) : أي إمساكا عن الكلام .
                        وفي الشرع : هو التعبد لله بالإمساك عن الأكل والشرب وسائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس .
                        وصيام رمضان واجب بنص كتاب الله تعالى ، وسنة النبي .
                        أما الكتاب فقوله تعالى يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ ( البقرة : 183 ) .
                        وجه الدلالة : من قوله ( كتب ) : أي فرض .
                        وأما السنة فقول النبي : [ بُني الإسلام على خمس ] السابق أيضاً ،،، وذكر منها (صوم رمضان) .

                        قوله : ( وتَحُجَّ البيتَ إنِ استطعتَ إِليهِ سَبيلاً ) .
                        الحج لغة : القصد .
                        وشرعاً : هو التعبد لله بقصد مكة والمشاعر لأداء المناسك على ما جاء في سنة رسول الله .
                        والحج واجبٌ بنص كتاب الله ، وسنة نبيه .
                        أما كتاب الله فقوله تعالى وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا ( آل عمران : 97 ) .
                        وجه الدلالة : في قوله تعالى وَلِلَّهِ عَـلَى النَّاسِ . والتقدير : ولله فرضَّ على الناس .
                        وأما السنة فقول النبي : [ بُني الإسلام على خمس ] السابق كذلك ، وذكر منها ( وحجُ البيت ) .

                        قوله : ( صدَقْتَ ) . أي : أخبرت بالحق .

                        قوله : ( قال : فعجبْنا لَهُ يَسأَلُهُ ويُصَدِّقُهُ ) .
                        القائل : هو عمر بن الخطاب . ووجه العجب : أن السائل عادةً يكون جاهلاً . والمصدّق يكون عالماً ، فكيف يجتمع هذا وهذا ! .

                        قوله : ( قال : فأخبرني عن الإيمان ؟ ) .
                        هذا هو السؤال الثاني من هذه المحاورة .
                        قوله : ( أن تُؤْمنَ باللهِ ، وملائِكَتِهِ ، وكُتُبَهِ ، ورُسُلِهِ ، واليومِ الآخِرِ . وتُؤْمنَ بالقَدَرِ خيرهِ وشَرِّهِ ) .
                        فسر النبي الإيمان بالاعتقادات الباطنة ، وهي ستة أركان .
                        قوله ( أن تؤمن بالله ) .
                        الإيمان بالله يتضمن أربعة أمور هي :
                        1- الإيمان بوجود الله تعالى .
                        2- الإيمان بربوبيته .
                        3- الإيمان بإلوهيته .
                        4- الإيمان بأسمائه وصفاته .

                        قوله ( أن تؤمن بملائكته ) .
                        الملائكة : هم عالم غيبي ، خلقهم الله تعالى من نور ومنحهم الانقياد التام لأمره ، والقوة على تنفيذه ، وهم عدد كثير لا يحصيهم إلا الله تعالى .
                        والإيمان بالملائكة يتضمن أربعة أمور هي :
                        1- الإيمان بوجودهم .
                        2- الإيمان بمن علمنا منهم باسمه ( كجبريل ) ومن لم نعلم اسمه نؤمن بهم إجمالاً .
                        3- الإيمان بمن علمنا صفاتهم كصفة جبريل فقد أخبر النبي أن له ستمائة جناح قد سَدَّتْ الأفق .
                        4- الإيمان بمن علمنا أعمالهم التي يقومون بها بأمر الله مثال ذلك :
                        ( أ ) / جبريل الأمين على وحي الله إلى الأنبياء والرسل .
                        ( ب ) / ميكائيل الموكل بالقطر والنبات .
                        ( ج ) / إسرافيل الموكل بالنفخ في الصور عند قيام الساعة وبعث الخلق .
                        ( د ) / ملك الموت ( ولم يحدد اسمه ) الموكل بقبض الأرواح عند الموت.
                        ( هـ ) / مالك وهو الملك الموكل بالنار .
                        ( و ) / رضوان وهو الملك الموكل بالجنة .
                        ( ز ) / الملائكة الموكلين بالأجنة في الأرحام إذا تم الإنسان أربعة أشهر في بطن أمه .

                        وقوله : ( أن تؤمن بكتبه ) .
                        الكتب : جمع كتاب ، بمعنى مكتوب .
                        والمراد بها هنا : الكتب التي أنزلها الله تعالى على رسله رحمة للخلق وهداية لهم ليصلوا بها إلى سعادتهم في الدنيا والآخرة .
                        والإيمان بالكتب يتضمن أربع أمور هي :
                        1- الإيمان بأن نزولها من عند الله حقاً .
                        2- الإيمان بما علمنا اسمه منه باسمه :
                        ( أ ) كالقرآن الذي نزل على محمد .
                        ( ب ) التوراة التي أنزلت على موسى عليه الصلاة والسلام .
                        ( ج ) الإنجيل الذي أنزل على عيسى عليه الصلاة والسلام .
                        ( د ) الزبور الذي أوتيه داود عليه الصلاة والسلام .
                        وأما من لم نعلم اسمه منها فنؤمن به إجمالاً .
                        3- تصديق ما صح من أخبارها كأخبار القرآن وأخبار ما لم يبدل أو يحرّف من الكتب السابقة .
                        4- العمل بأحكام ما لم ينسخ منها و الرضا والتسليم به سواء فهمنا حكمته أم لم نفهمها .

                        قوله : ( ورسله ) .
                        والرسل : جمع رسول بمعنى مرسل أي مبعوث بإبلاغ شيء .
                        والمراد به هنا : من أوحي إليه من البشر بشرع وأمر بتبليغه .
                        وأول الرسل نوح عليه الصلاة والسلام ، وآخرهم محمد بن عبدالله .
                        والإيمان بالرسل يتضمن أربعة أمور هي :
                        1- الإيمان بأن رسالتهم حق من الله تعالى : ( فمن كفر برسالة واحد منهم فقد كفر بالجميع قال تعالى كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ ( الشعراء : 105 ) . مع العلم أنهم لم يكذبوا إلا نوحاً عليه الصلاة والسلام .
                        2- الإيمان بمن علمنا اسمه منهم باسمه وأما من لم نعلم اسمه منهم فنؤمن به إجمالاً .
                        3- العمل بشريعة من أرسل إلينا منهم وهو خاتمهم محمد  المرسل إلى جميع الناس .
                        4- تصديق ما صح عنهم من أخبارهم .

                        قوله : ( واليوم الآخر ) .
                        هو يوم القيامة الذي يبعث الناس فيه للحساب والجزاء .
                        وسمي بذلك لأنه لا يوم بعده ، حيث يستقر أهل الجنة في منازلهم ، وأهل النار في منازلهم .
                        والإيمان باليوم الآخر يتضمن ثلاثة أمور هي :
                        1- الإيمان بالبعث .
                        2- الإيمان بالحساب والجزاء .
                        3- الإيمان بالجنة والنار ، وأنهما المآل الأبدي للخلق .
                        ويلحق به الإيمان بكل ما يكون بعد الموت من :
                        ( من فتنة القبر بسؤال الملكين للعبد ، وما يحصل فيه للعبد من عذاب أو نعيم ) .

                        قوله: ( و تؤمن بالقدر خيره وشره ) .
                        القدر بفتح الدال : ( تقدير الله تعالى للكائنات حسبما سبق به علمه واقتضته حكمته ) .
                        والإيمان بالقدر يتضمن أربعة أمور هي :
                        1- الإيمان بأن الله تعالى علم بكل شيء جمله وتفصيلاً أزلاً وأبداً .
                        2- الإيمان بأن الله كتب ذلك في اللوح المحفوظ .
                        3- الإيمان بأن جميع الكائنات لا تكون إلا بمشيئة الله تعالى .
                        4- الإيمان بأن جميع الكائنات مخلوقة لله تعالى بدواتها وصفاتها وحركاتها .
                        ( والإيمان بالقدر على ما وصفناه ، لا ينافي أن يكون للعبد مشيئة في أفعاله الاختيارية وقدرة عليها ، وكذلك لا يمنح العبد حجة على ما ترك من الواجبات أو فعل المعاصي ) .
                        * والإيمان بالقدر له أربع مراتب هي : ( العلم ، والكتابة ، والمشيئة ، والخلق ) .
                        وقد نظمها بعضهم بقوله :
                        عِلْمٌ كِتابةُ مولانا مشيئَتُهُ وخَلْقُهُ وهو إيجادٌ وتكوينُ

                        قوله : ( و تؤمن بالقدر خيره وشره ) .
                        لو تأملت هذه الجملة لوجدت أن الكلام لم يأتِ على سياقه الأول حيث يفترض أن يقال : ( وبالقدر خيره وشره ) ، لكنه قال ( وتؤمن بالقدر ) .
                        فهنا أعاد الفعل ( تؤمن ) وأبدى بعض الشراح في هذا نكته لطيفة حيث قال : ( إن في هذا إشارة من النبي إلى الاختلاف بالقدر والتنازع فيه ) .
                        ولذلك أول بدعة نشأة في الأمة الإسلامية هي بدعة القدرية ، وأن أول من قال بالقدر هو : " معبد الجهني " وأن ذلك كان بالبصرة في أواخر عهد الصحابة .
                        ودليل ذلك ما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن يحيى بن يَعمر قال : ( كان أول من قال في القَدَر بالبصرة مَعْبَد الجُهَنيُّ ) .
                        إذاً كأن الحديث يقول لك : ( انتبه فلا بد بعد كل هذا أن تؤمن بالقدر الذي سوف يختلف فيه الناس ، وسوف تنشأ فرقة تنفي هذا القدر ) .
                        * مسألة : كيف تجمع بين قول النبي صلى الله عليه : [ وتؤمن بالقدر خيره وشره ] ، وبين قوله : [ والخير كله في يديك والشرُ ليس إليك ] رواه مسلم ؟ .
                        1- الشر لا ينسب إلى الله ، ولا يُنسب إلى تقديره .
                        2- لكن الشر يُنسب إلى ما أقدره الله تعالى ، ويُنسب إلى ما أوجده الله تعالى .
                        فالقدر الذي هو فعل الله تعالى كله خير .
                        فكل ما فعل الله تعالى فهو خير ، لأن النبي يقول : [ والشر ليس إليك ] . ولكن قد يكون شرٌ في مقدور الله تعالى ، يعني في الذي قدره الله تعالى .

                        * مثال توضيحي يحصل به البيان إن شاء الله :
                        ( إنسانٌ انكسرت رجله ) . فهذا بقدر الله تعالى قطعاً .
                        1- فإذا نظرنا إلى انكسار رجله فنقول : ( إن هذا شر ) لأنها إذا انكسرت فسوف يتعطل الإنسان . هذا شرٌ بالنسبة لهذا الإنسان الذي انكسرت رجله . بالنسبة للمفعول الذي هو الانكسار .
                        2- لكن بالنسبة لفعل الله تعالى ، ففعله سبحانه عينُ الحق ، وعينُ الخير . وفي هذا الكسر فوائد ، وفيه حكم ، وفيه أشياء كثيرة لا تخطر على بالك .
                        * إذاً بالنسبة لفعل الله تعالى ( كسر رجل فلان ) هذا نقول عنه خير . لأن الله لا يقدر إلا الخير .
                        لكن بالنسبة لهذا الرجل ، نقول : ( هذا شر ) لكنه شرٌ نسبي ، يعني فاته أشياء لكن ليس معنى هذا أنه تعس في دنياه وآخرته ، لكنه شرٌ نسبي .
                        وعلى هذا فقس ...
                        1- إن نظرت أن الشر إلى أنه مفعولٌ لله فإن هذا يكون فيه الشر ، فالشر في مفعول الله .
                        2- وإن نظرت إلى فعل الله تعالى فالشر ليس إليه .
                        هذه مسألة واضحة عند التأمل ، ويتضح بها الجمع بين الحديثين .

                        * مسألة : هل الإسلام والإيمان هما شيءٌ واحد ؟ أو هما مختلفان ؟ .
                        قال ابن رجب : ( إذا أُفرد كلٌ من الإسلام والإيمان بالذكر ، فلا فرق بينهما حينئذٍ ، وإن فُرق بين الاسمين كان بينهما فرقٌ .
                        * والتحقيق في الفرق بينهما :
                        أن الإيمان : هو تصديق القلب ، وإقرارُهُ ومعرفته .
                        والإسلام : هو استسلامُ العبد لله وخضوعه ، وانقياده له ، وذلك يكون بالعمل .
                        فيكونُ حينئذٍ المرادُ بالإيمانِ : جنسَ تصديقِ القلبِ ، وبالإسلامِ : جنسَ العمل ) .

                        قوله : ( قال : فأخبرني عن الإحسان ؟ ) .
                        هذا هو السؤال الثالث من هذه المحاورة .
                        قوله : ( أنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ . فَإِنْ لم تَكُنْ تَرَاهُ ، فإِنَّهُ يَرَاكَ ) .
                        الإحسان : ضد الإساءة .
                        وهو أن يبذل الإنسان المعروف ويكف الأذى .
                        فأهل الإحسان هم خواص أهل الإيمان ، كما أن أهل الإيمان هم خواص أهل الإسلام فإن أهل الإحسان كَّملوا عبادة الله إلى أن وصلوا إلى حد المراقبة .
                        وفي هذا الحديث أشار إلى مقامين هما :
                        الأول : مقام الإخلاص .
                        وهو أن يعمل العبد على استحضارِ مشاهدة الله تعالى إياه ، وإطلاعه عليه ، وقربه منه .
                        لأن استحضاره ذلك في عمله يمنعه من الالتفات إلى غير الله وإرادته بالعمل .
                        الثاني : مقام المشاهدة .
                        وهو أن يعمل العبد على مقتضى مشاهدته لله بقلبه .
                        وهو أن يتنور القلب بالإيمان ، وتنفذ البصيرة في العرفان حتى يصير الغيب كالعيان .
                        وهذا هو حقيقة مقام الإحسان المشار إليه في حديث جبريل ويتفاوت أهلُ هذا المقام فيه بحسب قوة نفوذ البصائرِ .

                        قوله : ( قال : فأخبرني عن الساعةِ ؟ قال : ما المَسئُولُ عنها بأَعْلَمَ من السَّائِلِ ) .
                        هذا هو السؤال الرابع من هذه المحاورة .
                        والمسئول عنها : هو النبي . والسائل : هو هذا الرجل (الغريب) الشديد بياض الثياب الشديد سواد الشعر .
                        والمعنى : إن كنت تجهلها فأنا أجهلها ، ولا أستطيع أن أخبرك به ، لأن علم الساعة مما اختص الله تعالى به ، قال الله تعالى يسألكُ الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله ( الأحزاب : 63 ) .

                        قوله : ( قال : فأخبرني عن أمَارَتِهَا ؟ قال : أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا . وأنْ تَرى الحُفَاةَ العُرَاةَ ، العَالَةَ ، رِعَاءَ الشَّاءِ ، يَتطاوَلُونَ في البُنْيَانِ ) .
                        هذا هو السؤال الخامس والأخير من هذه المحاورة .
                        أي : علامات قربها . فذكر له النبي علامتان تدلان على قرب وقوعها .

                        قوله : (أ َنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا ) . وفي رواية : ( ربها ) .
                        هذه هي العلامة الأولى .
                        الأمة : أي الرقيقة المملوكة .
                        ربها : أي سيدها .
                        ربتها : أي سيدتها .
                        والمعنى : أن الإماء يكثرن في آخر الزمان ، ثم يطأ السيد هذه الأمة فتأتي بولدٍ منه ، والولد يتبع أباه ، يعني يكون حراً ، وأُمه أمة مملوكة ، فيكون سيداً لها ، ورباً لها ،وابن السيد سيد .

                        قوله : ( وأنْ تَرى الحُفَاةَ العُرَاةَ ، العَالَةَ ، رِعَاءَ الشَّاءِ ، يَتطاوَلُونَ في البُنْيَانِ ) .
                        هذه هي العلامة الثانية .
                        الحفاة : أي ليس لهم نعال .
                        العراة : أي ليس لهم ثياب تستر أجسادهم .
                        العالة : أي الفقراء الذين ليس عندهم دنيا .
                        رِعاء الشاة : يعني أن مهمتهم أنهم يرعون الغنم .
                        يتطاولون في البنيان : أي تركوا شياههم وأقبلوا على الدنيا يتطاولون فيها .
                        وهذا التطاول قد يكون حسياً ، وقد يكون معنوياً .
                        * أما التطاول الحسي : فيكون التطاول برفع البنيان الأدوار المتعددة .
                        * وأما التطاول المعنوي : فيكون بزخرفتها وتشيدها ، فهي ليست رفيعة .
                        ومحصلة الإشارة إلى أن الساعة يقرب قيامها عند انعكاس الأمور بحيث يصير المربى مربياً ، والسافل عالياً .
                        قال القرطبي : ( المقصود الإخبار عن تبدل الحال ، فاستولى أهل البادية على الأمر ، وتملكوا البلاد بالقهر ، فتكثر أموالهم وتنصرف همومهم إلى تشييد البنيان والتفاخر به ، وقد شاهدنا ذلك في هذه الأزمان ) .

                        قوله : ( قال : ثُمَّ انطلقَ . فَلَبثْتُ مَليَّـاً . ثُمَّ قال لي : [ يا عُمَرُ ! أَتَدْرِي مَن السَّائِلُ ؟ ] قُلتُ : اللهُ ورَسُولُهُ أَعْلَمُ . قال : [ فإنَّهُ جِبْريلُ . أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ ] ) .
                        قوله : ( قال : ثُمَّ انطلقَ . فَلَبثْتُ مَليَّـاً ) .
                        يعني بقيت مدة طويلة . قيل : ثلاثة أيام ، وقيل أكثر ، وقيل أقل .

                        قوله : ( ثُمَّ قال لي : يا عُمَرُ ! أَتَدْرِي مَن السَّائِلُ ؟ ) .
                        القائل : هو النبي .
                        يحتمل ان يكون سؤاله في نفس المجلس ، ويحتما أن يكون سؤاله في يوم آخر وقت آخر بعد انقضاء المجلس حيث وجد النبي عمر فيما بعد وسأله .

                        قوله : ( فإنَّهُ جِبْريلُ ) .
                        الإشارة هنا إلى شيء معلوم بالذهن ، أي : هذا جبريل . لكنه جاء بهذه الصيغة ، أي : صيغة السؤال والجواب لأنه أمكن في النفس وأقوى في التأثير .

                        قوله : ( قُلتُ : اللهُ ورَسُولُهُ أَعْلَمُ ) .
                        أي : فَوَكَلَ العلم إلى الله ورسوله . لأنه لا يعرف . ونستفيد منه أن الإنسان يكل علم ما لا يعلمه إلى الله ورسوله .
                        * مسألة : هل تكل العلم إلى الله ورسوله في كل شيء ؟ .
                        أما أن تكل العلم إلى الله فهذا في كل شيء ، ولا إشكال فيه .
                        وأما أن تكل العلم إلى رسوله ، أي أن تقول : ( الله ورسوله أعلم ) ففيه قولان :
                        1- قالوا : يقال هذا في حياة النبي ، أما بعد وفاته فيقال : ( الله أعلم ) لأن النبي قد انتقل من هذه الدار إلى الرفيق الأعلى ، فيوكل العلم إلى الله .
                        2- قالوا : فيه تفصيل :
                        أ / أما ما يتعلق بالشريعة فيعبر عنه بالواو :
                        لأن ما صدر عن النبي من الشرع كالذي صدر من الله تعالى كما قال تعالى من يطع الرسول فقد أطاع الله ( النساء : 80 ) .
                        ب / وأما الأمور الكونية القدرية فلا يعبر عنها بالواو :
                        فلا يجوز أن يُقرن مع الله أحدٌ بالواو أبداً ، لأن كل شيء تحت إرادة الله تعالى ومشيئته .
                        * مثال ذلك :
                        1- فإذا قال قائل : هل ينزل المطر غداً ؟ .
                        فهذا يقال فيه : ( الله أعلم فقط ) . لأنه أمرٌ كوني والرسول  ليس عنده علمٌ منها .
                        2- وأما إن قال : هل يحرم صوم العيدين ؟ .
                        وأنت لا تعرف ، جاز للإنسان أن يقول : ( الله ورسوله أعلم ) .
                        لأن حكم الرسول في الأمور الشرعية حكم الله تعالى .

                        * مسألة : هل يشمل هذا المسائل المستجدة ( النوازل ) ؟ .
                        نعم ، لك أن تقول : ( الله ورسوله أعلم ) ، لأنها وإن كانت غير موجودة بذاتها ، لكنها موجودة بعموم النصوص التي تتناولها منعاً ، أو إباحة . إذاً هي لها أصلٌ في الشرع .

                        * ذكر بعض ما يستفاد من الحديث :
                        هذا الحديث فوائده لا حصر لها ، ولكن نذكر بعضها من باب الاختصار ليفهم المقصد من الحديث ...
                        1- في الحديث دليل على تمثل الملائكة بأي صورة شاءوا من صور بني آدم كقوله تعالى فتمثل لها بشراً سوياً ( مريم : 17 ) .
                        2- في الحديث دليل على أن الجلوس على الركبة أقرب إلى التواضع والأدب .
                        3- في الحديث دليل على أن إيصال الركبة بالركبة أبلغ في الإصغاء وأكمل في الاستئناس .
                        4- في الحديث دليل على استحباب الدنو من العالم والقرب منه .
                        5- في الحديث دليل على أن حسن السؤال من أسباب تحصيل العلم .
                        6- في الحديث دليل على أن أركان الإسلام التي يقوم عليها خمسة .
                        7- في الحديث دليل على أن أركان الإيمان التي يقوم عليها ستة .
                        8- في الحديث دليل على أن الإسلام غير الإيمان . فالإسلام هو الأعمال الظاهرة . والإيمان هو الأعمال الباطنة .
                        9- في الحديث دليل للإحسان ركن واحد .
                        10- في الحديث دليل على أن هذه الدنيا زائلة .
                        11- في الحديث دليل على أن النبي لا يعلم الغيب .
                        12- في الحديث دليل على أنه لا يدري أحد متى الساعة ، وقد استأثر الله بعلمها ، فلم يطلع على ذلك ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً .
                        13- في الحديث دليل على أن القيامة لها علامات تسبق وقوعها ... وذكر منها هنا في الحديث علامتان .
                        14- في الحديث دليل على أن العالم مهما بلغ علمه فإنه قاصر إلى علم الله .
                        15- ينبغي لمن حضر مجلس علم، ورأى أن الحاضرين بحاجة إلى معرفة مسألة ما، ولم يسأل عنها أحد، أن يسأل هو عنها ـ وإن كان هو يعلمها ـ لينتفع أهل المجلس بالجواب .
                        16- في الحديث دليل على أن أسافل الناس يصيرون رؤساءهم ، وتكثر أموالهم حتى يتباهون بطول البنيان وزخرفته وإتقانه .
                        17- في الحديث دليل على أن فساد الزمن بين يدي الساعة ، حيث تضعف الأخلاق، ويكثر عقوق الأولاد ومخالفتهم لآبائهم فيعاملونهم معاملة السيد لعبيده .
                        وتنعكس الأمور وتختلط ، حتى يصبح أسافل الناس ملوك الأمة ورؤساءها، وتسند الأمور لغير أهلها، ويكثر المال في أيدي الناس، ويكثر البذخ والسَّرف، ويتباهى الناس بعلو البنيان، وكثرة المتاع والأثاث، ويُتعالى على الخلق ويملك أمرهم من كانوا في فقر وبؤس، يعيشون على إحسان الغير من البدو والرعاة وأشباههم .
                        18- في الحديث دليل على أن السؤال الحسن يسمى علماً وتعليماً ، لأن جبريل لم يصدر منه سوى السؤال ومع ذلك فقد سماه معلماً ، وقد اشتهر قولهم (السؤال نصف العلم) .
                        والله أعلم .

                        الخميس : 27 / 1 / 1433هـ .

                        تعليق

                        20,125
                        الاعــضـــاء
                        230,598
                        الـمــواضـيــع
                        42,268
                        الــمــشـــاركـــات
                        يعمل...
                        X