إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • حق الله على العباد

    العبادة هي حق الله تعالى على العباد ؛ فما خلقهم الله تعالى إلا لذلك ، قال تعالى : ] وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ ( الذريات : 56 ) ؛ فالعبادة لله هي الغاية المحبوبة المرضية له Y ؛ ففي الصحيحين عَنْ مُعَاذٍ t قَالَ : كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ e عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ عُفَيْرٌ فَقَالَ : " يَا مُعَاذُ هَلْ تَدْرِي حَقَّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ ؟ " قُلْتُ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ! قَالَ : " فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، وَحَقَّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا " فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا أُبَشِّرُ بِهِ النَّاسَ ؟ قَالَ : " لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا " ( [1] ) .
    من هنا كان يجب على كل أحدٍ أن يعرف هذا الحق وأن يعرف كيف يقوم به كما أراد الله تعالى ؛ ومن هنا - أيضا - كان التقصير في هذه المعرفة إثمًا يُعاقب عليه .
    إن بيان العبادة كانت مهمة الرسل الأولى إلى أقوامهم ، فما أرسل الله تعالى رسولا إلا وقال لقومه : ] اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [ ؛ قال تعالى : ] وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [ ( الأنبياء : 25 ) ؛ والعبادة هي حق الله وحده ، ولا تجوز لغيره ، وهي مقتضى كلمة الإخلاص التي يلهج بها المسلم في حياته كلها : لا إله إلا الله ، فمعنى ذلك : لا معبود بحق إلا الله ، ومقتضى ذلك ، لا يستحق العبادة إلا الله ، فهو الخالق الرزاق سبحانه Y ؛ فالذي خلق ورزق هو المستحق للعبادة ؛ قال الله تعالى : ] يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ . الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [ ( البقرة : 21 ، 22 ) ، وقال U : ] وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [ ( العنكبوت : 16 ، 17 ) .
    ويقتصر فهم البعض للعبادة على العبادات المحضة ( الصلاة – الصيام – الزكاة – الحج والعمرة ؛ ونوافل ذلك والذكر وما شابه ذلك ) ؛ ولا يعي أن العبادة شاملة لحياة العبد كلها زمانا ومكانا وحالا ، فالزمان هو عمر العبد ، والمكان محل العبد أينما حل ؛ والمراد بالحال حال العبد مع ربه ظاهرًا وباطنًا ، وحاله في نفسه ظهورًا وخفاء ، وسكونًا وحركة ، وحاله مع الناس .. فالعبادة شاملة لكل هذا .. لكل حركاته وسكناته .. ممتدة معه طول عمره .. إنه عبد لله تعالى ؛ وقد قال U : ] قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [ ( الأنعام : 162 ، 163 ) .
    ومعنى العبادة في اللغة : التذلل والخضوع ، يقال طريق معبد ، أي : مذلل ، وعَبَدَ الله يعبده عبادة ومعْبَدًا ومَعْبَدَةً : تألَّه له ، ورجلٌ عابد من قوم عَبَدَةٍ وعُبُدٍ وعُبَّدٍ وعُبَّادٍ ؛ والتعبد : التنسك ، والعبادة : الطاعة ( [2] ) .
    والعبادة في الشرع : اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة ، فالصلاة والزكاة والصيام والحج ، وصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وبر الوالدين ، وصلة الأرحام ، والوفاء بالعهود ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والجهاد للكفار والمنافقين ، والإحسان للجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين ، والإحسان إلى البهائم ، والدعاء والذكر والقراءة وأمثال ذلك من العبادة الظاهرة .
    وكذلك حب الله ورسوله ، وخشية الله ، والإنابة إليه ، وإخلاص الدين له ، والصبر لحكمه ، والشكر لنعمه ، والرضا بقضائه ، والتوكل عليه ، والرجاء لرحمته ، والخوف من عذابه ، وأمثال ذلك هي من العبادة لله ، وهي العبادة الباطنة . أفاده شيخ الإسلام ابن تيمية ( [3] ) .
    وعرفها الحافظ ابن كثير بقوله : عبارة عن ما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف .ا. هـ ( [4] ) .
    قلت : الذي ذهب إليه شيخ الإسلام أجمع وأشمل ، بل هو التعريف الجامع المانع ، فقوله : ( اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه ) دخل فيه كل ما أمر الله به ورضيه فعلاً ، وكل ما نهى الله عنه ورضيه تركًا ، وخرج به كل ما لا يحبه الله ولا يرضاه مما يتقرب به على غير ما أمر الله تعالى .
    وقوله : ( من الأعمال الظاهرة ) دخل فيه كل أعمال الجوارح .
    وقوله : ( والباطنة ) دخل فيه كل أعمال القلوب .
    فانتظم في ذلك جميع حركات المسلم وسكناته ، كما قال الله تعالى : ] قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [ .
    وأما ما ذهب إليه ابن كثير - - فهو حقيقة العبادة ، وشبيه به ما قاله ابن القيم : والعبادة تجمع أصلين : غاية الحب ، بغاية الذل والخضوع ؛ فمن أحببته ولم تكن خاضعًا له لم تكن عابدًا له ، ومن خضعت له بلا محبة لم تكن عابدًا له ، حتى تكون محبًا خاضعًا.ا.هـ ( [5] ) . والعلم عند الله تعالى .


    [1] - البخاري ( 2856 ) ، ومسلم ( 30 ) .

    [2] - انظر لسان العرب باب الدال فصل العين ، ومختار الصحاح ، والمصباح المنير ، ومفردات الراغب ( مادة : ع ب د ) .

    [3] - انظر مجموع الفتاوى : 10 / 149 .

    [4] - انظر تفسيره : 1 / 26 ( دار الفكر ) .

    [5] - انظر مدارج السالكين : 1 / 74 .
    د . محمد عطية

  • #2
    شروط العبادة
    شأن العبادة توقيفي ؛ بمعنى أنه لا تثبت عبادة إلا بدليل عن الله تعالى أو عن رسوله e ؛ أي : إن الأصل في العبادة المنع إلا أن يأتي الدليل من الكتاب والسنة على إقرارها ومشروعيتها .
    وعليه ، فاشترط العلماء للعبادة ثلاثة أمور : الأول : صدق العزيمة ؛ وهو شرط في وجودها ؛ والثاني : إخلاص النية ، والثالث : موافقة الشرع الذي أمر الله تعالى أن لا يدان إلا به ؛ وهما شرطان في قبولها . وفي بيان ذلك قال حافظ حكمي - - في ( معارج القبول ) : فإذا اجتمعت النية الصالحة والعزيمة الصادقة في هذا العبد قام بعبادة الله U ؛ واعلم أنه لا يقبل منه ذلك إلا بمتابعته الرسول e فيعبد الله تعالى بوفق ما شَرعَ ، وهو دين الإسلام الذي لا يقبل الله تعالى من أحد سواه ؛ كما قال تعالى : ] وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [ [ آل عمران :85 ] ؛ وفي الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e : " مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ " وفي رواية لمسلم : " مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ " ؛ فهذه الثلاثة الأركان شروط في العبادة ، لا قوام لها إلا بها ؛ فالعزيمة الصادقة شرط في صدورها ، والنية الخالصة وموافقة السنة شرط في قبولها ؛ فلا تكون عبادة مقبولة إلا باجتماعها .
    فإخلاص النية بدون صدق العزيمة : هوس ( [1] ) ، وتطويل أمل ، وتمن على الله ،وتسويففيالعمل،وتفريطفيه.
    وصدق العزيمة بدون إخلاص فيه يكون شركًا أكبر أو أصغر ، بحسب ما نقص من الإخلاص ؛ فإن كان الباعث على العمل من أصله هو إرادة غير الله فنفاق ، وإن كان دخل الرياء في تزيين العمل وكان الباعث عليه أولا إرادة الله والدار الآخرة كان شركًا أصغر بحسبه ، حتى إذا غلب عليه التحق بالأكبر .
    وإخلاص النية مع صدق العزيمة إن لم يكن العمل على وفق السنة كان بدعة وحدثًا في الدين ، وشرع ما لم يأذن الله به ؛ فيكون ردًا على صاحبه ووبالا عليه والعياذ بالله .
    فلا يصدر العمل من العبد إلا بصدق العزيمة ، ولا يقبل منه ذلك إلا بإخلاص النية واتباع السنة ؛ ولذا قال الفضيل بن عياض في قوله تعالى : ] لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [ [ الملك : 2 ] ؛ قال : أخلصه وأصوبه ؛ يعني : خالصا من شوائب الشرك ، موافقا للسنة ( [2] ) .

    [1]- هَوِسَ الناس هَوَسًا : وقعوا في اختلاطٍ وفساد .

    [2]- انظر معارج القبول : 2 / 442 ، 443 .
    د . محمد عطية

    تعليق


    • #3
      وإليكم الحديث عن هذه الأمور الثلاثة بشيء من التفصيل :

      أما الأمر الأول : وهو صدق العزيمة ؛ فالصِّدْقُ ضد الكذب ، وهو موافقة الباطن الظاهر ؛ والمراد به هنا - كما قال في ( معارج القبول ) : بذل العبد جهده في امتثال ما أمر الله به ،واجتنابمانهىاللهعنه،والاستعدادللقاءالله، وترك العجز ؛ وترك التكاسل عن طاعة الله ، وإمساك النفس - بلجام التقوى - عن محارم الله ؛ وطرد الشيطان عنه بالمداومة على ذكر الله ، والاستقامة على ذلك كله ما استطاع ؛ قال الله تعالى : ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [ [ التوبة : 119 ] ؛ وقال : ] آلم . أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ . وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [ [ العنكبوت : 2 ، 3 ] ، إلى قوله : ] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِالْعَالَمِينَ.وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ[ [ العنكبوت : 10 ، 11 ] ، وقال تعالى : ] لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [ [ البقرة : 177 ] ( [1] ) ،والآياتفيذلككثيرة.
      وحقيقة الأمر أنه لا يمكن أن يتحقق هذا الصدق إلا من قلب يحب الله تعالى ؛ فهذا من لوازم العبودية ، كما قال ابن القيم - : العبادة تجمع غاية الذل والخضوع مع غاية الحب .ا.هـ .
      فقد يخضع الإنسان لغيره وهو لا يحبه ، فلا تكون هذه عبادة ، وإنما العبادة تنطلق فيها جوارح العبد طاعة وخضوعًا وتذللا نابعًا عن محبة تملأ جوانح القلب ، وهكذا الإيمان إذا خالط بشاشة القلوب ( [2] ) .
      وهل في الوجود من هو أجدر من الله تعالى بأن يُحَب ؟ فهو سبحانه المنعم الذي أسبغ على عباده نعمه ظاهرة وباطنة : أوجدهم من عدم ، وصورهم فأحسن تصويرهم ، واستخلفهم في الأرض ، وكرمهم وفضلهم على كثير من خلقه ، وسخر لهم ما في السماوات والأرض جميعًا منه ، ورزقهم من الطيبات .. إلى غير ذلك من النعم التي لا يستطيع حصرها القلم ، كما لا يحيط بها بشر : ] وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [ ( إبراهيم : 34 ) ، ] وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ [ ( النحل : 53 ) .
      فعطاؤه ومنعه ، ومعافاته وابتلاؤه ، وقبضه وبسطه ، وعدله وفضله ، وإماتته وإحياؤه ، ولطفه وبره ، ورحمته وإحسانه ، وستره وعفوه ، وحلمه وصبره على عبده ، وإجابته لدعائه ، وكشف كربه ، وإغاثة لهفته ، وتفريج كربته من غير حاجة منه إليه ، بل مع غناه التام عنه من جميع الوجوه ؛ كل ذلك داع للقلوب إلى تألهه ومحبته ، فلو أن مخلوقًا فعل بمخلوق أدنى شيء من ذلك لم يملك قلبه عن محبته ، فكيف لا يحب العبد بكل قلبه وجوارحه من يحسن إليه على الدوام بعدد الأنفاس مع إساءته ؟! فخيره تعالى إليه نازل ، وشر العبد إليه صاعد ؛ يتحبب إليه بنعمه وهو غني عنه ؛ والعبد يتبغض إليه بالمعاصي وهو فقير إليه ؛ فلا إحسانه وبره وإنعامه عليه يصده عن معصيته ، ولا معصية العبد ولؤمه يقطع إحسان ربه عنه ؛ فألأم اللؤم تخلف القلوب عن محبة من هذا شأنه ، وتعلقها بمحبة سواه ؛ وأيضًا فكل من تحبه من الخلق أو يحبك إنما يريدك لنفسه ، وغرضه منك ؛ والرب يريدك لك ، كما في الأثر الإلهي : ( عبدي كلٌ يريدك لنفسه وأنا أريدك لك ) فكيف لا يستحيي العبد أن يكون ربه له بهذه المنزلة ، وهو معرض عنه مشغول بحب غيره وقد استغرق قلبه محبة ما سواه ( [3] ). ومعنى : ( وأنا أريدك لك ) أي : لمنفعتك وصالحك ؛ فعبادة الإنسان لله تعالى ومحبته له إنما يعود نفعه وأجره وثوابه للعبد ؛ والله Y غني عن ذلك ؛ قال U في الحديث القدسي الذي رواه أحمد ومسلم عن أبي ذر : " يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي ، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي ؛ يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا ؛ يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا ؛ يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ ؛ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا ؛ فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ " ( [4] ) .
      وإذا كانت محبة النبي e واجبة لا يصح إيمان عبد إلا بها ؛ وقد أقسم النبي e أنه لا يؤمن عبد حتى يكون هو e أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين ، فكيف بمحبة الرب Y ؟! وروى أحمد والبخاري صحيح البخاري عَنْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ هِشَامٍ قَالَ : كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ e وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ e : " لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ " ( [5] ) ، أي : لا تؤمن حتى تصل محبتك لي إلى هذه الغاية ؛ فإذا كان النبي e أولى بنا من أنفسنا بالمحبة ولوازمها ، أفليس الرب Y وتقدست أسماؤه أولى بمحبته وعبادته من أنفسنا ؟! اللهم بلى .
      وإذا كانت النفوس جبلت على حب من أحسن إليها ، فمَنْ أولى من الله تعالى أن يُحب ؟! ولهذا قـال الله تعالى : ] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ [ ( البقرة:165) .
      فإذا تحققت المحبة اللائقة بجلال الله وإحسانه في قلب عبد ، كان ذلك دلالة صدق العبد في عبادته وخضوعه وتذلُّله لله ... وللحديث صلة .

      [1]- انظر معارج القبول : 2 / 440 .

      [2] - بشاشة القلوب : اتساعها وانبساطها .

      [3] - انظر ( الجواب الكافي ) لابن القيم ص 165 .

      [4]- أحمد : 5 / 154 ، ومسلم ( 2577 ) .

      [5] - أحمد : 5 / 293 ، والبخاري ( 6632 ) .
      د . محمد عطية

      تعليق


      • #4
        .. علامات أهل محبة الله تعالى ..
        ونذكر ها هنا علامات أهل محبة الله تعالى ، لينظر العبد : أين هو من هذه العلامات ؟ إذ محبة الله تعالى وما يقتضيها من أعمال ، شرط من شروط ( لا إله إلا الله ) السبعة التي ذكرها حكمي في ( معارج القبول ) بقوله :
        وبشروط سـبعة قـد قيدت ... وفي نصوص الوحي حقا وردت
        فـإنه لـم ينتـفع قـائلها ... بالنـطق إلا حـيث يستكملها
        العـلم واليقـين والقـبول ... والانقـياد فـادْرِ مـا أقـول
        والصـدق والإخلاص والمحبة ... وفقـك الله لـما أحـبه
        ..علامات أهل محبة الله تعالى ..
        جعل الله لأهل محبته علامات : الأولى : اتباع الرسول ، قال تعالى : ] قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ [ آل عمران :31 ] .
        الثانية : الجهاد في سبيله ، قال U : ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [ [ المائدة : 54 ] . وقال تعالى : ] قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [ ( التوبة : 24 ) . فوصفهم في الآية الأولى بأنهم أهل محبته ؛ وتوعد - في الآية الثانية - من كان أهله وماله أحب إليه من الله ورسوله والجهاد في سبيله بهذا الوعيد .
        الثالثة : أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ؛ قال الله تعالى : ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ [ ، وهو معنى الولاء لأوليائه ، والبراء من أعدائه ؛ قال ابن تيمية - : وإنما عبد الله من يرضيه ما يرضي الله ، ويسخطه ما يسخط الله ، ويحب ما أحبه الله ورسوله ، ويبغض ما أبغضه الله ورسوله ، ويوالي أولياء الله تعالى ويعادي أعداء الله تعالى ؛ هذا الذي استكمل الإيمان كما في الحديث : « مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ ، وَأَبْغَضَ لِلَّهِ ، وَأَعْطَى لِلَّهِ ، وَمَنَعَ لِلَّهِ ، فَقَدْ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ " ( [1] ) .
        فائدة :
        قال ابن القيم ما خلاصته : إن الدين كله يدور على أربع قواعد : حب وبغض ، وفعل وترك ، والفعل والترك
        يترتب على الحب والبغض ؛ فمن كان حبه وبغضه وفعله وتركه لله فقد استكمل الإيمان ، بحيث إذا أحبَ أحب لله ، وإذا أبغض أبغضَ لله ، وإذا فعل فعلَ لله ، وإذا ترك تركَ لله ، وأي نقص من هذه الأربعة يعد نقصا من إيمان العبد ودينه بحسبه .
        وهذا بخلاف الحب مع الله فهو نوعان : نوع يقدح في أصل التوحيد وهو شرك ؛ ونوع يقدح في كمال الإخلاص ومحبة الله ولا يخرج من الإسلام .
        فالأول كمحبة المشركين لأوثانهم وأندادهم ؛ قال تعالى : ] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ [ ، وهؤلاء المشركون يحبون أوثانهم وأصنامهم وآلهتهم مع الله ، كما يحبون الله ؛ فهذه محبة تأله وموالاة ، يتبعها الخوف والرجاء والعبادة والدعاء ؛ وهذه المحبة هي محض الشرك الذي لا يغفره الله ، ولا يتم الإيمان إلا بمعاداة هذه الأنداد ، وشدة بغضها وبغض أهلها ومعاداتهم ومحاربتهم ؛ وبذلك أرسل الله جميع رسله وأنزل جميع كتبه ، وخلق النار لأهل هذه المحبة الشركية ، وخلق الجنة لمن حارب أهلها وعاداهم فيه وفي مرضاته ، فكل من عبد شيئًا من لدن عرشه إلى قرار أرضه فقد اتخذ من دون الله إلها ووليا وأشرك به كائنا ذلك المعبود ما كان ، ولا بد أن يتبرأ منه أحوج ما كان إليه .
        والنوع الثاني : محبة ما زينه الله للنفوس من النساء والبنين والذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ؛ فيحبها محبة شهوة ، كمحبة الجائع للطعام ، والظمآن للماء ، فهذه المحبة ثلاثة أنواع : فإن أحبها لله توصلا بها إليه واستعانة على مرضاته وطاعته أثيب عليها ، وكانت من قسم الحب لله توصلا بها إليه ، ويلتذ بالتمتع بها ، وهذا حال أكمل الخلق e الذي حبب إليه من الدنيا النساء والطيب ، وكانت محبته لهما عونا له على محبة الله وتبليغ رسالته والقيام بأمره .
        وإن أحبها لموافقة طبعه وهواه وإرادته ولم يؤثرها على ما يحبه الله ويرضاه ، بل نالها بحكم الميل الطبيعي ، كانت من قسم المباحات ، ولم يعاقب على ذلك ، ولكن ينقص من كمال محبته لله والمحبة فيه .
        وإن كانت هي مقصوده ومراده وسعيه في تحصيلها والظفر بها ، وقدمها على ما يحبه الله ويرضاه منه كان ظالما لنفسه متبعا لهواه .
        فالأولى محبة السابقين ، والثانية محبة المقتصدين ، والثالثة محبة الظالمين .
        فتأمل هذا الموضع وما فيه من الجمع والفرق ، فإنه معترك النفس الأمارة والمطمئنة ؛ والمهدي من هداه الله ( [2] ) .


        [1] - انظر مجموع الفتاوى : ، والحديث رواه أبو داود ( 4681 ) عن أبي أمامة .

        [2] - الروح ص 253 ، 254 .
        د . محمد عطية

        تعليق


        • #5
          الأمر الثاني : الإخلاص
          فقال الله تعالى : ] فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْكَرِهَالْكَافِرُونَ[( غافر : 14 ) ؛ قال ابن كثير - : أي : فأخلصوا لله وحده العبادة والدعاء ، وخالفوا المشركين في مسلكهم ومذهبهم . ا.هـ ( [1] ) .
          اعلم - علمني الله وإياك الخير - أن كلَّ شيء يتصور أن يشوبه غيره ، فإذا صفا عن شوبه وخلص سمي خالصًا ؛ ويسمى الفعل المصفى المخلَّص إخلاصًا ؛ والإخلاص يضاده الشرك ، فمن ليس مخلصًا فهو مشرك ، إلا أن الشرك درجات ؛ وقد جرى العرف على تخصيص اسم الإخلاص بتجريد قصد التقرب إلى الله تعالى عن جميع الشوائب ، فإذا امتزج قصد التقرب بباعث آخر من رياء أو غيره من حظوظ النفس خرج عن الإخلاص ( [2] ) .
          وعليه فالإخلاص نوعان :
          الأول : إخلاص التوحيد ؛ وهو أن يُعبد الله وحده ، فلا يتوجه بشيء من العبادات إلا لله U ؛ وهذا الذي جاء به جميع الرسل : ] اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [ ( الأعراف : 59 ، 65 ، 73 ، 85 ) ؛ وقال Y : ] وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [ ( الأنبياء : 25 ) ، وقال الله تعالى لنبيه محمد e : ] قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ . وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ . قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي . فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [ ( الزمر : 11 : 15 ) ؛ ويضاد هذا النوع من الإخلاص : الشرك الأكبر ؛ وهو صرف شيء من العبادة لغير الله تعالى .
          الثاني : إخلاص العمل ؛ وهو : تخليص النية عند القيام بالعمل من حظوظ النفس ، ليسلم من الرياء الذي هو الشرك الأصغر ، والذي هو أكبر الذنوب بعد الشرك الأكبر ، إذ هو محبط للعمل الذي يقارنه ؛ وفي الصحيحين عن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ t قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e : " إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ؛ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا ، أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ " ( [3] ) ؛ ففي قوله e : " فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ " بيان لأثر الإخلاص في قبول العمل ؛ فالعمل إذا لم يكن لله تعالى ، فهو لما كان له حسب قصد فاعله ؛ وليس له عند الله تعالى من أجر ؛ وفي صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ e يَقُولُ : " إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ ؛ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا ، قَالَ : فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا ؟ قَالَ : قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ ؛ قَالَ : كَذَبْتَ ! وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ ، فَقَدْ قِيلَ ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ ؛ وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ ، وَقَرَأَ الْقُرْآنَ ؛ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا ، قَالَ : فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا ؟ قَالَ : تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ ، وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ ، قَالَ : كَذَبْتَ ! وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ ، فَقَدْ قِيلَ ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ ؛ وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا ، قَالَ : فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا ؟ قَالَ : مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ ، قَالَ : كَذَبْتَ ! وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ ، فَقَدْ قِيلَ ؛ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ " ( [4] ) .
          ولابد من تحقيق النوعين في العبادة [ إخلاص التوحيد وإخلاص العمل ] ؛ فالعبادة بدون الإخلاص صورة عبادة ، وليست عبادة على التحقيق ؛ رزقنا الله تعالى الإخلاص بمنِّه وكرمه .


          [1] - تفسير القرآن العظيم : 4 / 67 .

          [2] - انظر موعظة المؤمنين : 444 .

          [3] - البخاري ( 1 ) ، ومسلم ( 1907 ) .

          [4] - مسلم ( 1905 ) ؛ ورواه الترمذي ( 2382 ، والنسائي ( 3137 ) ، وغيرهم .
          د . محمد عطية

          تعليق


          • #6
            الأمر الثالث : وهو موافقة الشرع الذي أمر الله تعالى أن لا يدان إلا به

            هذا ما يسميه بعض العلماء : المتابعة لرسول الله e ؛ وهو الالتزام بما شرعه الله ودعا إليه رسوله : أمرًا ونهيًا ، وتحليلاً وتحريمًا ؛ فهذا الذي يمثل عنصر الطاعة والخضوع لله تعالى ؛ فليس عبدًا لله من رفض الاستسلام لأمره ، واستكبر عن اتباع نهجه والانقياد لشرعه ، وإن أقر بأن الله تعالى خالقه ورازقه ؛ فقد كان مشركو العرب يقرون بذلك ، ولم يجعلهم القرآن بذلك مؤمنين ولا عبادًا لله طائعين .
            فخضوع الإقرار بالربوبية لا يكفي ، وخضوع الاستعانة في الكربات والاستغاثة في الشدائد لا يكفي ، ولابد من خضوع التعبد والانقياد والاتباع الذي هو حق الألوهية .
            ومحك الاختبار في هذا الالتزام هو الأمر والنهي ؛ ومن هنا كان الإذعان لأمر الله تعالى والتسليم لشرعه دليلا على صحة الإيمان ؛ قال الله تعالى : ] وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِينًا [ [ الأحزاب : 36 ] ؛ وقال U : ] فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [ [ النساء : 65 ] . وقال Y : ] إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ [ [ النور : 51 ، 52 ] .
            ومن موافقة الشرع اتباع الرسول e في كل ما أمر به أو نهى عنه ؛ قال الله تعالى : ] وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [ [ الحشر : 7 ] ؛ وروى الترمذي عَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ قَالَ : قَـالَ رَسُولُ اللَّهِ e : " أَلَا هَلْ عَسَى رَجُلٌ يَبْلُغُهُ الْحَدِيثُ عَنِّي وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ ، فَيَقُولُ : بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ حَلَالًا اسْتَحْلَلْنَاهُ ، وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ حَرَامًا حَرَّمْنَاهُ ؛ وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ " ( [1] ) .
            فعند التأمل والنظر يظهر أن هذه الثلاثة تشكل شروط العبادة ؛ فلا عبادة إلا ما جاء النص ببيان أنها عبادة ، ولا تكون عبادة إلا مع صدق العزيمة الذي لا يكون إلا عن محبة قلب فاعلها ، وكذلك لا تقبل العبادة إلا بتمحيض النية وصدق الإخلاص ؛ رزقنا الله الإخلاص بمنِّه وكرمه .


            [1] - أحمد : 4 / 130 ، 132 ، والترمذي ( 2664 ) واللفظ له ، وابن ماجة ( 12 ) ، والدارمي ( 586 ) ، وصححه ابن حبان ( 12 ) ، والحاكم : ( 371 ) .
            د . محمد عطية

            تعليق


            • #7
              شمولية العبادة
              العبادة في الإسلام شاملة لحياة المسلم كلها ، وكذلك لكيان المسلم كله ؛ فهي شاملة لحياة العبد كلها زمانًا ومكانًا وحالا ، فالزمان هو عمر العبد ، والمكان محل العبد أينما حل ؛ والمراد بالحال حال العبد مع ربه ظاهرًا وباطنًا ، وحاله في نفسه ظهورًا وخفاء ، وسكونًا وحركة ، وحاله مع الناس .. فالعبادة شاملة لكل هذا .. لكل حركاته وسكناته .. ممتدة معه طول عمره .. إنه عبد لله تعالى ؛ وقد قال U : ] قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [ ( الأنعام : 162 ، 163 ) .
              فشمولها لحياة المسلم ينتظم أمور هذه الحياة قاطبة : فهو في نفسه عبد لله تعالى خاضع له متذلل ، في ظهوره وخفائه ، في نهاره وليله ، في نومه واستيقاظه ، في فرحه وترحه ، في بيته وخارجه ، في مسجده وسوقه ، في جده ومزاحه .. وله في كل حال من هذه الأحوال عبادة لله تعالى ؛ فليس في المنهج الإسلامي عمل أو نشاط إنساني لا ينطبق عليه معنى العبادة ، أو لا يطلب فيه تحقيق هذا الوصف ، فالمنهج الإسلامي كله غايته تحقيق معنى العبادة أولا وأخيرًا .
              فعبادة الله تعالى ليست مقصورة على الصلاة والصيام والزكاة والحج ، وإن كانت هذه الشعائر العظيمة أركانًا أساسية في بناء الإسلام ، لكنها - وعلى أهميتها ومنزلتها - جزء من العبادة لله تعالى التي تشمل الحياة كلها من قضاء الحاجة إلى بناء الدولة وسياسة الحكم .
              والمسلم يعبد الله بالقلب وذلك بالتفكر والتأمل ، واليقين والتوكل والمحبة وغير ذلك ؛ ويعبده باللسان ، وذلك بالذكر والدعوة إليه Y ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك ؛ ويعبده بالجوارح وسائر الحواس ، وكل جارحة لها عبادة ، وكل حاسة كذلك ، ويعبده ببدنه كله في الصلاة والحج والجهاد ، بل ويعبده ببذل النفس والمال في الجهاد ، ويعبده بمفارقة الأهل والوطن إذا اقتضى الحال ، قال الله تعالى : ] يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ [ ( العنكبوت : 56 ) ؛ فما من جزء من بدنه إلا وله عبادة ، وما من حال من أحواله إلا وله عبادة ؛ فهو عبد لله تعالى ، وعبد له وحده ، وفي هذا عز النفس في الدنيا والآخرة .
              د . محمد عطية

              تعليق


              • #8
                شمول العبادة لأركان الإنسان
                إذا كان الإنسان عبدا لله تعالى ، فكل ركن من أركانه جزء من العبد ، وكل ركن من هذه الأركان خص بعبادة تناسبه ؛ لتكتمل بذلك عبودية هذا الكيان ( الإنسان ) لله تعالى .
                قال ابن القيم - - في ( مدارج السالكين ) ما خلاصته : ورحى العبودية تدور على خمسة عشرة قاعدة من كملها كمل مراتب العبودية ؛ وبيانها : أن العبودية منقسمة على القلب واللسان والجوارح ، وعلى كل منها عبودية تخصه ؛ والأحكام التي للعبودية خمسة : واجب ، ومستحب ، وحرام ، ومكروه ، ومباح ؛ وهي لكل واحد من القلب واللسان والجوارح .
                حظ القلب من العبودية لله
                فواجب القلب منه متفق على وجوبه ومختلف فيه ؛ فالمتفق على وجوبه : كالإخلاص والتوكل والمحبة والصبر والإنابة والرجاء والخوف والتصديق الجازم والنية في العبادات ، وهذه قدر زائد على الإخلاص ؛ فإن الإخلاص هو : إفراد المعبود عن غيره ؛ ونية العبادة لها مرتبتان : إحداهما : تمييز العبادة عن العادة ، والثانية : تمييز مراتب العبادات بعضها عن بعض ؛ وكذلك الصدق؛والفرقبينهوبينالإخلاصأنللعبدمطلوبًاوطلبًا،فالإخلاصتوحيدمطلوبه، والصدق توحيد طلبه ؛ وكذلك الصبر واجب باتفاق الأمة ، وله طرفان : واجب مستحق ، وكمال مستحب ؛ واتفقت الأمة على وجوب هذه الأعمال على القلب من حيث الجملة .
                وأما المختلف فيه : فكالرضا ، والخشوع في الصلاة ، وفيه قولان للفقهاء وهما في مذهب أحمد وغيره ؛ وعلى القولين اختلافهم في وجوب الإعادة على من غلب عليه الوسواس في صلاته فأوجبها ابن حامد من أصحاب أحمد وأبو حامد الغزالي في إحيائه ، ولم يوجبها أكثر الفقهاء .
                والقصد أن هذه الأعمال واجبها ومستحبها هي عبودية القلب ، فمن عطلها فقد عطل عبودية الملك ، وإن قام بعبودية رعيته من الجوارح ؛ والمقصود أن يكون ملك الأعضاء - القلب - قائمًا بعبوديته لله سبحانه هو ورعيته .
                وأما المحرمات التي عليه ؛ فهي نوعان : كفر ومعصية ، فالكفر : كالشك والنفاق والشرك وتوابعها ؛ والمعصية نوعان : كبائر ، وصغائر ؛ فالكبائر : كالرياء والعجب والكبر ، والفخر والخيلاء ، والقنوط من رحمة الله ، والأمن من مكر الله ، والفرح والسرور بأذى المسلمين ، والشماتة بمصيبتهم ، ومحبة أن تشيع الفاحشة فيهم ، وحسدهم على ما آتاهم الله من فضله ، وتمنى زوال ذلك عنهم ، وتوابع هذه الأمور التي هي أشد تحريمًا من الزنا وشرب الخمر وغيرهما من الكبائر الظاهرة ؛ ولا صلاح للقلب ولا للجسد إلا باجتنابها والتوبة منها ، وإلا فهو قلب فاسد ، وإذا فسد القلب فسد البدن ؛ وهذه الآفات إنما تنشأ من الجهل بعبودية القلب ، وترك القيام بها ؛ فوظيفة ] إِيَّاكَ نَعْبُدُ [ على القلب قبل الجوارح ، فإذا جهلها وترك القيام بها امتلأبأضدادهاولابد؛وبحسبقيامهبهايتخلصمنأضدادها، وهذه الأمور ونحوها قد تكون صغائر ، وقد تكون كبائر ، بحسب قوتها وغلظها ، وخفتها ودقتها .
                ومن الصغائر أيضًا : شهوة المحرمات وتمنيها ؛ وتتفاوت درجات الشهوة في الكبر والصغر بحسب تفاوت درجات المشتهى ؛ فشهوة الكفر والشرك : كفر ؛ وشهوة البدعة : فسق ، وشهوة الكبائر : معصية ؛ فإن تركها لله مع قدرته عليها أثيب ، وإن تركها عجزًا بعد بذله مقدوره في تحصيلها ، استحق عقوبة الفاعل ، لتنزله منزلته في أحكام الثواب والعقاب ، وإن لم ينزل منزلته في أحكام الشرع ، ولهذا قال النبي e : " إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ " قـالوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ ؛ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ ؟ قَالَ : " إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ " ( [1] ) . فنزله منزلة القاتل في الإثم لا في الحكم ، لحرصه على قتل صاحبه ؛ وله نظائر كثيرة في الثواب والعقاب . وقد علم بهذا مستحب القلب ومباحه .
                ومعنى كلامه – : أن المستحب ترك تمني فضول مباحات الشهوة ، وأما مباح الشهوة فتمنيه مباح ما لم يخرج عن حد القصد ، والعلم عند الله تعالى ...... وللحديث صلة .

                [1] - رواه أحمد : 5 / 43 ، 46 ، 48 ، والبخاري ( 31 ، 6875 ، 7083 ) ، ومسلم ( 2888 ) . وأبو داود ( 4268 ، 4269 ) ، والنسائي ( 4120 : 4123 ) ، وابن حبان ( 5981 ) عن أبي بكرة . ورواه أحمد : 4 / 401 ، والنسائي ( 4118 ، 4119 ، 4124 ) ، وابن ماجة ( 3964 ) عن أبي موسى . ورواه ابن ماجة ( 3963 ) عن أنس .
                د . محمد عطية

                تعليق


                • #9
                  حظ اللسان من العبودية لله
                  اللسان عضو مهم جدًا في حياة الإنسان ؛ فالمرء بأصغريه : قلبه ولسانه ؛ روى أحمد والترمذي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ e قَالَ : " إِذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ فَإِنَّ الْأَعْضَاءَ كُلَّهَا تُكَفِّرُ اللِّسَانَ ، فَتَقُولُ : اتَّقِ اللَّهَ فِينَا ، فَإِنَّمَا نَحْنُ بِكَ ، فَإِنْ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا ، وَإِنْ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا " ( [1] ) ؛ وقوله : " تُكَفِّرُ اللِّسَانَ " أَيْ تَتَذَلَّلُ وَتَتَوَاضَعُ لَهُ ؛ وَالتَّكْفِيرُ هُوَ أَنْ يَنْحَنِيَ الْإِنْسَانُ وَيُطَأْطِئَ رَأْسَهُ قَرِيبًا مِنْ الرُّكُوعِ ، كَمَا يَفْعَلُ مَنْ يُرِيدُ تَعْظِيمَ صَاحِبِهِ ( [2] ) ؛ والمعنى : خف الله في حفظ حقوقنا ، فلا تقتحم منهيًا فنهلك معك ، فإنما نحن نستقيم ونعوج تبعا لك ؛ فإن استقمت على الصراط المستقيم استقمنا معك ؛ وإن مِلتَ عن الاعتدال ، ملنا عنه ؛ قال ابن القيم في ( الفوائد ) : وإنما خضعت للسان لأنه بريد القلب وترجمانه والواسطة بينه وبين الأعضاء ؛ وقولها : " فَإِنَّمَا نَحْنُ بِكَ " أي : نجاتنا بك وهلاكنا بك ، ولهذا قالت : " فَإِنْ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا ، وَإِنْ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا " ( [3] ) .ا.هـ .
                  فأعظم ما يُراعى استقامتُه بعدَ القلبِ مِنَ الجوارح : اللسانُ ، فإنَّه ترجمانُ القلب والمعبِّرُ عنه ؛ وقد قال النبي e لمعاذ t : " وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ - أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ - إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ " ( [4] ) .
                  وأما ما اختص به اللسان من أعمال تجري عليها الأحكام الخمسة ، وتشكل في مجموعها عبودية اللسان ، فهي - كما يقول ابن القيم : واجبها : النطق بالشهادتين ، وتلاوة ما يلزمه تلاوته من القرآن ، وهو ما تتوقف عليه صحة صلاته ؛ وتلفظه بالأذكار الواجبة في الصلاة ؛ ومن واجبه رد السلام ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وتعليم الجاهل ، وإرشاد الضال ، وأداء الشهادة المتعينة ، وصدق الحديث .
                  وأما مستحبها : فتلاوة القرآن ، ودوام ذكر الله ، ومذاكرة العلم النافع ، وتوابع ذلك .
                  وأما ما يحرم عليه : فهو النطق بكل ما يبغضه الله ورسوله ؛ كالنطق بالبدع المخالفة لما بعث الله به رسوله ، والدعاء إليها وتحسينها وتقويتها ، وكالقذف وسب المسلم وأذاه بكل قول ، والكذب وشهادة الزور ، والقول على الله بغير علم ، وهو أشدها تحريمًا .ا.هـ . قلت : ويدخل في ذلك كل ما يكتبه القلم من مخالفة شرعية ، أو دعوة إلى إباحية ، أو دفاع عن منهج علماني أو نحو ذلك مما انتشر في كثير من وسائل الإعلام ؛ إذ القلم هو اللسان الثاني ، وهو يُظهر مكنونات صاحبه ؛ وقد قال العلماء : إن للفكر عورات كما أن للجسم عورات ؛ وكما يجب ستر عورات الجسم ، فإنه يجب ستر عورات الفكر ؛ ولا شك أنه يدخل فيما حرَّم الله على اللسان ما يبث في وسائل الإعلام المسموعة والمنظورة من نطق لما يبغضه الله ورسوله ، ومن كلام يدعو إلى إشاعة الفاحشة ، ومن دعوات مخالفة لما بعث الله به رسوله e .
                  ويكره له : التكلم بما تركه خير من الكلام به ، مع عدم العقوبة عليه .ا.هـ .
                  ولم يذكر - - ما يباح للسان ؛ إذ هو معروف ، فالمباح من الكلام مباح ؛ وهو ما ليس بواجب ولا حرام ولا مستحب ولا مكروه ؛ ككلام الإنسان في بيعه وشرائه ومعاملاته ، وفي بيته ونحو ذلك .

                  [1] - أحمد : 3 / 95 ، والترمذي ( 2407 ) ، وأبو يعلى ( 1185 ) ؛ وحسنه الألباني في صحيح الترغيب ( 2871 ) .

                  [2]- انظر النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير ( مادة ك ف ر ) .

                  [3] - الفوائد ص 57 .

                  [ 4 ] – أحمد : 5 / 231 ، والترمذي ( 2616 ) وصححه ، والنسائي في الكبرى ( 11394 ) ، وابن ماجة ( 3973 ) ؛ ورواه الطبراني في الكبير : 20 / 130 ، 131 ( 266 ) ، والحاكم : 2 / 412 ، 413 وصححه على شرطيهما ، ووافقه الذهبي .
                  د . محمد عطية

                  تعليق


                  • #10
                    حظ الحواس من العبودية لله
                    من المعلوم أن الحواس خمسٌ ، وهي : حاسة السمع ، وحاسة البصر ، وحاسة الشم ، وحاسة الذوق ، وحاسة اللمس ؛ وهذه الحواس نعم عظيمة من نعم الله تعالى ؛ وهبها Y الإنسانَ ليتمكن بها من إدراك ما حوله ، وليستعين بها على فهم الحق والعمل به .
                    وقد جعل الله - جلت قدرته - لهذه الحواس آلات مختلفة تعمل بكيفية لم يستطع العلم أن يصل إلى معرفة كنهها - على الحقيقة - إلى اليوم ، إنما هي نظريات تتوالى في محاولة لفهم سر عمل أجهزة هذه الحواس ، وإذا كُشف للعاملين في حقل البحث في هذه الأسرار عن سر منها ، وضعوا نظرية تهدم سابقتها أو تصحح بعض ما فيها ؛ فسبحان الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى .
                    وآلة السمع هي الأذن ، وبها يدرك الإنسان الأصوات ويميز بينها ؛ وآلة البصر هي العين ، وبها يرى الإنسان ما حوله ويميز بين المرئيات ؛ وآلة الشم هي الأنف ، وبها يميز الإنسان بين المشمومات ؛ وآلة الذوق : اللسان ، وبه يميز الإنسان بين المطعومات والمشروبات ؛ وآلة اللمس هي الجلد ؛ وغالبا ما تكون اليد ، وبها يميز الإنسان الليونة والخشونة والحرارة والبرودة ، والصلابة والرخاوة .. الخ ؛ وحقيقة هذه الحواس أنها أجهزة متكاملة داخل آلتها المعدة لها .
                    ومن قدرة الله أن جعل لكل حاسة من هذه الحواس آلية عمل تختلف عن غيرها ، فلكل عضو من هذه الآلات خلايا وأعصاب ومستقبلات خاصة به ، تتمايز فيما بينها ؛ كما أن لكل منها موقعارتباط خاص بالدماغ ، لا يشارك الحاسة شيء فيه ، ولا تتأثر الحواس الأخرى في حالةإصابة موقع إحداها في الدماغ ، مع وجود ارتباط بين هذه الحواس ؛ فسبحان من خلق فسوى ، وقدر فهدى .
                    ولما كانت هذه الحواس جزء من الإنسان الذي هو عبد لله تعالى ، كان لكل حاسة من هذه الحواس حظها من العبودية .
                    حاسة السمع وحظها من العبودية لله :
                    السمع نعمة عظيمة من نعم الله تعالى على الإنسان ؛ فبها يدرك الأصوات من حوله ويميز بينها ؛ وهذا أمر مهم جدًا في حياة الناس ؛ إذ الناس إنما يتعاملون مع بعضهم البعض على أساس التفاهم بالمخاطبة ، وهذا يعتمد على نعمة السمع ، كما يعتمد على نعمة الكلام ؛ كما أن في الكون أصوات أخرى يدركها الإنسان بحاسة السمع ، لها دلالات تنذر الإنسان أو تبشره ؛ فصوت الرعد وصوت الانفجار ، وصوت السقوط القوي ، وصوت الحيوان الضاري ؛ هذه أصوات منذرة ؛ وهناك أصوات أخرى مبشرة ومطمئنة ؛ كصوت المطر ، وصوت خرير الماء ، وصوت الطيور ، وصوت الحيوانات الأليفة ... الخ ؛ ومن آيات الله تعالى في الإنسان أنه يميز بين هذه الأصوات وغيرها ، بل قد يسمع أصواتًا مختلطة فيميزها أيضًا ؛ فلله الحمد والمنة .
                    واعلم - علمني الله وإياك الخير - أن عملية السمع عملية معقدة ؛ فكل شيء يتحرك يحدث صوتًا ، ويتكون الصوت من اهتزازات لجزيئات الهواء التي تنتقل في موجات ، ثم تدخل هذه الموجات إلى الأذن التي هي آلة السمع ، حيث تتحول إلى إشارات عصبية ترسل إلى الدماغ ، الذي يقوم بدوره بترجمة هذه الموجات إلى أصوات يميز صاحبها بعضها عن بعض ؛ فهذا صوت عصفور ، وهذا صوت ماء ، وهذا صوت حركة ، وهذا صوت ارتطام ، وهذا صوت إنسان ، وهذا صوت حيوان ... الخ .. وأما كيف يتم تحويل هذه الموجات إلى أصوات مميزة عند كل شخص ؛ فهذا مما حار فيه العلماء ؛ فسبحان الذي خلق كل شيء بحكمة ولحكمة ، وتبارك الذي وسع علمه كل شيء .
                    وهذه النعمة العظيمة ( حاسة السمع ) لها عبادات خاصة بها - فكما يقول ابن القيم : على السمع وجوب الإنصات والاستماع لما أوجبه الله ورسوله عليه ؛ من استماع الإسلام والإيمان وفروضهما ، وكذلك استماع القراءة في الصلاة الجهرية ، واستماع الخطبة يوم الجمعة ، في أصح قولي العلماء .ا.هـ . فهذه واجبات السمع .
                    ويحرم عليه : استماع الكفر والبدع ، إلا حيث يكون استماعه مصلحة راجحة من رده [ أي رد الكفر والبدعة ] أو الشهادة على قائله ؛ وكاستماع أسرار من يهرب عنك بسره ولا يحب أن يطلعك عليه ، ما لم يكن متضمنًا لحق لله يجب القيام به ، أو لأذى مسلم يتعين نصحه وتحذيره منه ؛ وكذلك استماع أصوات النساء الأجانب التي تخشى الفتنة بأصواتهن ، إذا لم تدع إليه حاجة من شهادة ، أو معاملة ، أو استفتاء ، أو محاكمة ، أو مداواة .. أو نحوها ؛ وكذلك استماع المعازف وآلات الطرب واللهو ، ولا يجب سد أذنه إذا سمع الصوت وهو لا يريد استماعه ، إلا إذا خاف السكون والإنصات ، فحينئذٍ يجب لتجنب سماعها وجوبَ سد الذرائع .
                    وأما السمع المستحب : فكاستماع المستحب من العلم ، وقراءة القرآن ، وذكر الله ، واستماع كل ما يحبه الله ، وليس بفرض .
                    والمكروه : عكسه ، وهو : استماع كل ما يُكره ولا يعاقب عليه .
                    والمباح : ظاهر .ا.هـ . كمباح الكلام - وهو الذي خلا من الواجب والمحرم والمستحب والمكروه - فهذا يباح استماعه ؛ كما يباح استماع أصوات المخلوقات الأخرى غير الإنسان .
                    د . محمد عطية

                    تعليق


                    • #11
                      حاسة النظر وحظها من العبودية لله
                      نعمة البصر من أعظم النعم المادية على الإنسان ، فبها يرى ما حوله ، فيحذر المحذور ، وينجو من الصدمات ، ويسلم من الحفر ؛ ويرى المحب والمبغض ، والصديق والعدو ، ويشاهد أمور حياته التي بها يعيش ؛ ويتأمل في مخلوقات ربه ؛ ويميز بين الجميل والقبيح ، والحسن والسيئ ، والنافع والضار ، والنازل والصاعد ، .. الخ .
                      وتعتبر حاسة البصر أكثر الحواس الخمس تعقيدًا في عملها ، فهي تجمع بين الاستقبال الحسِّي والتمييز الدقيق ؛ فإن أشعة الضوء التي تعبر حدقتي العينين إلى الشبكتين - في مؤخر العينين - تكوِّن صورتين مسطحتين ثنائيتي الأبعاد ، ثم يتم تحويل هاتين الصورتين إلى دفعات كهربائية ، تنتقل عبر العصب البصري لكل عينٍ إلى أجزاء من الدماغ ، حيث يتم تفسيرها على صورتها الواقعية ؛ فالمعلومات التي استقبلتها مستقبلات الرؤية تنتقل إلى الدماغ ، ثم تترجم في الدماغ إلى الصورة التي يراها صاحبها ؛ وكل ذلك لا يستغرق وقتا زمنيا ملموسًا أو محسوسًا ؛ وهي عملية تجري بكيفية حار فيها العلماء ، ولم يصلوا بعد إلى حقيقتها ، وإنما هي نظريات بعضها أقرب من بعض ، تتغير كلما كُشف لهم عن سر من أسرار هذه الحاسة ؛ فسبحان الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى .
                      وهذه الحاسة أيضًا لها أعمال خاصة بها تشكل عبوديتها لربها ؛ وهي تجري عليها الأحكام الشرعية الخمسة : الواجب والمحرم والمستحب والمكروه والحرام .

                      فأما النظر الواجب - كما يقول ابن القيم : فالنظر في المصحف وكتب العلم عند تعين تعلم الواجب منها ، والنظر إذا تعين لتمييز الحلال من الحرام في الأعيان التي يأكلها أو ينفقها أو يستمتع بها ، والأمانات التي يؤديها إلى أربابها ليميز .. بينها ونحو ذلك .
                      والنظر الحرام : النظر إلى الأجنبيات بشهوة مطلقًا ، وبغيرها إلا لحاجة : كنظر الخاطب والمستام والمعامل والشاهد والحاكم والطبيب وذي المحرم ؛ وكذلك النظر إلى العورات ؛ وهي قسمان : عورة وراء الثياب ، وعورة وراء الأبواب . ولو نظر في العورة التي وراء الأبواب فرماه صاحب العورة ففقأ عينه لم يكن عليه شيء ، وذهبت هدرًا بنص رسول الله e في الحديث المتفق عليه : " مَنْ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ فَقَدْ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَفْقَئُوا عَيْنَهُ " ( [1] ) ؛ وهذا إذا لم يكن للناظر سبب يباح النظر لأجله ، كعورة له هناك ينظرها [ أي : زوجة أو أمة ] ، أو ريبة هو مأمور أو مأذون له في الإطلاع عليها .
                      والمستحب : النظر في كتب العلم والدين التي يزداد بها الرجل إيمانًا وعلمًا ، والنظر في المصحف ، والنظر في آيات الله المشهودة ليستدل بها على توحيده ومعرفته وحكمته .
                      والمكروه : فضول النظر الذي لا مصلحة فيه ، فإن له فضولاً كما للسان فضولاً ، وكم قاد فضولهما إلى فضول أعيا دواؤها ، وقال بعض السلف : كانوا يكرهون فضول النظر كما يكرهون فضول الكلام .
                      والمباح : النظر الذي لا مضرة فيه في العاجل والآجل ، ولا منفعة .

                      [1] - البخاري ( 6902 ) ، ومسلم ( 2158 ) عن أبي هريرة t .
                      د . محمد عطية

                      تعليق


                      • #12
                        .................................... حاسة التذوق وحظها من العبودية لله
                        من النعم العظيمة التي منَّ الله بها على الإنسان ؛ التمييز بين أنواع المطعومات والمشروبات ؛ من حلو ومر ، وعذب ومالح ، وحامض وقلوي قابض ، على تفاوت بين ذلك في الشدة والضعف ؛ بل والشعور بطعم يختلف عن هذه المفردات إذ خلط بعضها ببعض .
                        والمسؤول عن تمييز هذه الخصائص هو جهاز التذوق ؛ وتسمى الحاسة التي تقوم بذلك : حاسة التذوق ؛ وآلية إحساسنا بتذوق ما نضع في الفم من طعام أو شراب تعطي للمتأمل تصويرًا لعظيم قدرة الله تعالى في خلقه ؛ حيث تنتشر على اللسان حلمات التذوق ؛ وهي عبارة عن حزمة من النهايات العصبية تُسمى ( براعم التذوق ) ، مختلفة الشكل والحجم ، تحتوى على خلايا حسية قادرة - بآلية خاصة - على ملاحظة اختلاف ما يحتويه الطعام أو الشراب من مواد حلوة أو مرة أو مالحة أو حامضة أو مخلوطة ؛ وينتج عن تفاعل هذه الخلايا مع ملامسة أجزاء الطعام أو الشراب نوعية من الشحنات الكهربائية فيما بين داخل خلية التذوق وخارجها ، مما يؤدي إلى سريان نوع من التيار الكهربائي أو الإشارات العصبية ، التي تبدأ من خلايا التذوق وتمر في الأعصاب حتى تصل إلى المخ ، الذي بدوره يترجم ذلك إلى إحساسٍ لدى الإنسان عما تناوله للتو في فمه ؛ فسبحان الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى.
                        ولنعمة التذوق أعمال خاصة بها ، ويجري عليها - أيضًا - الأحكام الخمسة المتقدم ذكرها ؛ قال ابن القيم - : أما الذوق الواجب : فتناول الطعام والشراب عند الاضطرار إليه وخوف الموت ، فإن تركه حتى مات ، مات عاصيًا قاتلاً لنفسه ؛ قال الإمام أحمد : من اضطر إلى أكل الميتة فلم يأكل حتى مات دخل النار ؛ وكذلك تناول الدواء إذا تيقن النجاة به من الهلاك .
                        والذوق الحرام : كذوق الخمر ، والسموم القاتلة ، والذوق الممنوع منه للصوم الواجب .
                        وأما المكروه : فكذوق الشبهات ( [1] ) ، والأكل فوق الحاجة ، وكأكل أطعمة المرائين في الولائم والدعوات ونحوها ؛ وفي السنن أن رسول الله e نَهَى عَنْ طَعَامِ الْمُتَبَارِيَيْنِ أَنْ يُؤْكَلَ ( [2] ) .
                        والذوق المستحب : أكل ما يعينك على طاعة الله U ، مما أذن الله فيه ؛ والأكل مع الضيف ليطيب له الأكل ، فينال منه غرضه ، والأكل من طعام صاحب الدعوة الواجب إجابتها .
                        والذوق المباح : ما لم يكن فيه إثم ، ولا رجحان .ا.هـ . أي : إذا خلا المطعوم والمشروب من الحرام فهو مباح ؛ وأما رجحان الإثم فهو غلبة الظن أن المطعوم أو المشروب حرام ، إذا كان مترددًا بين الحل والحرمة ؛ فإن كان غلبة الظن أنه ليس بحرام ، فهو مباح الذوق .

                        [1] - كطعام فيه شبهة حرام ، سواء أكان في المال المشترى به ، أو في كونه متردد بين حل وحرمة ؛ كالعصير الذي أصبح متغيرًا ، لا يدرى أوصل إلى حد الخمر أم لا ؛ فإن كانت غلبة الظن أنه تحول إلى خمر فحرام ؛ وإلا فهو مكروه .

                        [2]- أبو داود ( 3754 ) ، والطبراني في الكبير : 11 / 340 ( 11942 ) ، والحاكم ( 7170 ) وصححه ، وكذا صححه الألباني في الصحيحة ( 627 ) .
                        د . محمد عطية

                        تعليق


                        • #13
                          حاسة الشم وحظها من العبودية لله
                          هذه الحاسة هي - أيضًا - من نعم الله العظيمة على بني آدم ؛ إذ بها يميز الرائحة الطيبة من الخبيثة ، على درجاتٍ في كل واحدة منهما .
                          وتعتبر هذه الحاسة من أكثر حواس الإنسان غرابة واستعصاء على الفهم ، وقد صنفها العلماء كحاسة كيميائية ، أي : إنها تعتمد في عملها على تأثير المواد الكيميائية ؛ ولم يستطيعوا إلى الآن تفسير السر في قدرتها على التمييز بين الروائح المختلفة .
                          وعملية الشم تبدأ مع دخول الجزيئات المتطايرة الدقيقة جدًا إلى فتحة الأنف ، فتصل إلى منطقة تسمى ( المنطقة الشمية ) ، حيث تذوب هذه الجزيئات في الطبقة المخاطية الرقيقة المحيطة بهذه المنطقة ، ثم تقوم بروتينات خاصة موجودة في المنطقة المخاطية بنقلها إلى المستقبلات الشمية ، التي يقدر عددها بحوالي عشرة ملايين مستقبل ، والتي تتصل بدورها بالأعصاب الشمية التي تتجمع في منطقة واحدة تسمى ( البصلة الشمية ) التي ترسل هذه الأعصاب إلى المخ ، حيث يتم تحليل الرائحة والتعرف عليها ؛ ويدخل ضمن عملية الشم هذه عدد كبير من العمليات الكيميائية والجينية التي ما زال العلم الحديث عاجزًا عن فك طلاسمها ومعرفة أسرارها ؛ فسبحان الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى .
                          ولهذه النعمة - أيضا - أعمالها الخاصة بها ، ويجري عليها - أيضا - الأحكام الخمسة المتقدم ذكرها ؛ فالشم الواجب - كما يقول ابن القيم : كل شم تعيَّن طريقًا للتمييز بين الحلال والحرام ، كالشم الذي تعلم به هذه العين هل هي خبيثة أو طيبة ؟ وهل هي سم قاتل أو لا مضرة فيه ؟ وأن يميز به بين ما يملك الانتفاع به وما لا يملك .
                          وأما الشم الحرام : فالتعمد لشم الطيب في الإحرام ، وشم الطيب المغصوب والمسروق ، وتعمد شم الطيب من النساء الأجنبيات خشية الافتتان بما وراءه .
                          وأما الشم المستحب : فشم ما يعينك على طاعة الله ، ويقوي الحواس ، ويبسط النفس للعلم والعمل ، ومن هذا هدية الطيب والريحان إذا أهديت لك ، ففي صحيح مسلم : " مَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ طِيبٌ فَلَا يَرُدَّهُ ، فَإِنَّهُ طَيِّبُ الرِّيحِ ، خَفِيفُ الْمَحْمَلِ " ( [1] ) .
                          والمكروه : كشم طيب الظَلَمَة وأصحاب الشبهات ، ونحو ذلك .
                          والمباح : ما لا منع فيه من الله ولا تبعة ، ولا فيه مصلحة دينية ، ولا تعلق للشرع به .


                          [1] - مسلم ( 2253 ) ، ورواه أحمد : 2 / 320 ، وأبو داود ( 4172 ) واللفظ له ، النسائي ( 5259 ) ، عن أبي هريرة t .
                          د . محمد عطية

                          تعليق


                          • #14
                            حاسة اللمس وحظها من العبودية لله تعالى
                            نحن نحس الأشياء ونميز بينها بواسطة اللمس ، فنستطيع أن نتعرف على المواد إذا كانت ساخنة أم باردة , ملساء أم خشنة , طرية أم صلبة ، حادة أم غير حادة ... إلى غير ذلك ؛ بل ويستشعر الإنسان ألَمًا وراحة عن طريق حاسة اللمس أيضًا ، فمثلا في الجو البارد يشعر الإنسان بالراحة إذا اغتسل بماء حار ؛ في حين إذا ازدادت الحرارة عن حدها يستشعر ألما وضيقًا ؛ وفوق ذلك يستشعر الإنسان لذة بملامسة زوجه .
                            ويتم هذا الشعور المختلف عن طريق حاسة اللمس بآلية عجيبة تترجم هذه الأنواع من اللمسات إلى ما يمكن أن يستشعره الإنسان منها ، دون خطأ أو تأخير ؛ فسبحان الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى .
                            وإذا كانت حواس الشم والإبصار والتذوق والسمع تعتمد كلها على أجهزة خاصة تحتل أماكن صغيرة في أجزاء معينة في رأس الإنسان ؛ فحاسة اللمس تستند إلى أكبر عضو في الجسم وهو الجلد الذي تبلغ مساحته 21 قدمًا مربعة ، بداخله شبكة هائلة من الموصلات والمجسات العصبية أشبه بشبكة رادار ؛ ففي كل بوصة مربعة من الجلد 650 غدة عرقية ، تعتبر أحد أقسام جهاز التكييف في الجسم ؛ لذلك فإن حاسة اللمس التي تبدوبسيطة هي أكثر تعقيدًا من سائر الحواس ، فهي تنبئنا بهوية كل ما نلمسه من صلابة أو نعومة ، وتعطينا صفاته العامة من حرارة أو برودة ، أو سماكة - إلى غير ذلك من الصفات - دون حاجة إلى رؤيته بصريًّا .. وهناك حالات إنسانية كثيرة مشهورة بين الناس لكثير من العميان تعبر عن القدرات الكامنة في هذه الحاسة ؛ ففاقد البصر يعتمد على حاسة اللمس في كثير من أموره .
                            والآلية التي تعمل بها حاسة اللمس آية من آيات الله تعالى ؛ فيوجد تحت سطح الجلد ملايين من الألياف العصبية الحسية المزودة بمستقبلات هي المسؤولة عن اللمس ؛ وتعمل هذه الأعصاب الحسية على نقل إشارات من جلد الإنسان إلى حبله الشوكي ؛ ومن ثم إلى دماغه ، الذي بدوره يقوم بترجمة تلك الإشارات إلى طبيعة الغرض الذي يلمسه ؛ فسبحان الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى .
                            وحاسة اللمس لها من الأعمال التي تظهر عبوديتها لله تعالى ، ويجري عليه ما جرى على غيرها من الحواس من الأحكام الخمسة الشرعية :
                            فاللمس الواجب : كلمس الزوجة حين يجب جماعها .
                            والحرام : لمس ما لا يحل من الأجنبيات .
                            والمستحب : إذا كان فيه غض بصره ، وكف نفسه عن الحرام وإعفاف أهله .
                            والمكروه : لمس الزوجة في الإحرام للذة ، وكذلك في الاعتكاف وفي الصيام إذا لم يأمن على نفسه ؛ ولمس فخذ الرجل إذا قلنا أنه عورة .
                            والمباح : ما لم يكن فيه مفسدة ولا مصلحة دينية .
                            هذا ، والعلم عند الله تعالى .
                            د . محمد عطية

                            تعليق


                            • #15
                              حظ اليد والرجل من العبودية لله 

                              اليدان والرجلان من جوارح الإنسان وأركانه التي يعتمد عليها في أداء الغالب من أعماله وحركته وسعيه .
                              وهذه الجوارح هي من نعم الله تعالى العظيمة على الإنسان ؛ فلو فقد إنسان أحد هذه الأطراف لتأثرت بذلك حياته كلها ، وأصبح به نسبة من العجز العملي والكسبي .
                              ومن الحكمة في خلق هذه الأعضاء ، تيسير حركة الإنسان لأداء ما كلفه الله به من أعمال في هذه الدنيا ، وليقوم بعبادة ربه  شكرًا لبعض نعمه عليه .
                              ولهذه الجوارح كغيرها من أعضاء الإنسان أعمال خاصة بها تكتمل بها عبوديته لله تعالى ؛ فالتكسب المقدور للنفقة على نفسه وأهله وعياله واجب ، وكذلك لأداء دين على الصحيح ؛ ومنه إعانة المضطر ، ورمي الجمار ومباشرة الوضوء والتيمم .
                              والحرام : كقتل النفس التي حرم الله قتلها ، ونهب المال المعصوم ، وضرب من لا يحل ضربه ، ونحو ذلك ، وكأنواع اللعب المحرم بالنص ؛ كالنرد ؛ ونحو كتابة البدع المخالفة للسنة تصنيفًا أو نسخًا ، إلا مقرونًا بردها ونقضها ؛ وكتابة الزور والظلم ، والحكم الجائر ، والقذف والتشبيب بالنساء الأجانب ؛ وكتابة ما فيه مضرة على المسلمين في دينهم أو دنياهم ، ولاسيما إن كسبت عليه مالاً :  فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ  [ البقرة : 79 ] ؛ وكذلك كتابة المفتي على الفتوى ما يخالف حكم الله ورسوله ، إلا أن يكون مجتهدًا مخطئًا فالإثم موضوع عنه .
                              وأما المكروه : فكالعبث واللعب الذي ليس بحرام ، وكتابة ما لا فائدة في كتابته ولا منفعة في الدنيا والآخرة .
                              والمستحب : كتابة كل ما فيه منفعة في الدين ، أو مصلحة لمسلم ، والإحسان بيده بأن يعين صانعًا ، أو يصنع لأخرق ، أو يفرغ من دلوه في دلو المستقي ، أو يحمل له على دابته ، أو يمسكها حتى يحمل عليها ، أو فيما يحتاج إليه ، ونحو ذلك ؛ ومنه لمس الركن بيده في الطواف .
                              والمباح : ما لا مضرة فيه ولا ثواب .

                              وأما المشي الواجب : فالمشي إلى الجمعات والجماعات ، في أصح القولين ؛ والمشي حول البيت للطواف الواجب ، والمشي بين الصفا والمروة بنفسه أو بمركوبه ، والمشي إلى حكم الله ورسوله إذا دعي إليه ، والمشي إلى صلة رحمه وبر والديه ، والمشي إلى مجالس العلم الواجب طلبه وتعلمه ، والمشي إلى الحج إذا قربت المسافة ولم يكن عليه فيه ضرر .
                              والحرام : المشي إلى معصية الله ، وهو من رَجْل الشيطان ، قال تعالى :  وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ  [ الإسراء : 64 ] ، قال مقاتل : استعن عليهم بركبان جندك ومشاتهم ؛ فكل راكب وماش في معصية الله فهو من جند إبليس .ا.هـ . ولم يذكر الشيخ - - المكروه والمستحب والمباح .
                              والمشي المستحب : ما كان في طاعة غير واجبة ، كالمشي لحضور مجالس الذكر والوعظ ، أو لزيارة غير واجبة .. ونحو ذلك .
                              وأما المشي المكروه : فالمشي في نعل واحدة أو خف واحد لغير عذر ؛ لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ - في الصحيحين - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قَالَ : " لَا يَمْشِ أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ لِيُنْعِلْهُمَا جَمِيعًا أَوْ لِيَخْلَعْهُمَا جَمِيعًا " ( 1 ) .
                              وأما المشي المباح : فإلى ما فيه منفعة دنيوية مباحة مستوية الطرفين ، فيكون حكمه حكم ذلك الفعل .

                              ( 1 ) البخاري ( 5855 ) ، ومسلم ( 2097 ) .
                              د . محمد عطية

                              تعليق

                              19,840
                              الاعــضـــاء
                              231,457
                              الـمــواضـيــع
                              42,355
                              الــمــشـــاركـــات
                              يعمل...
                              X