• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • قطوف للصائمين

      السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وبعد :
      فأهنئ أهل الملتقى إدارة وإشرافًا وأعضاء وزوًّارا بشهر رمضان ، وأسأل الله تعالى أن يوفقنا فيه لما يحبه ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة ، وأن يجعلنا فيه من عتقائه من النار ... آمين .
      ثم هذه قطوف أردت أن تشغل حيزًا من وقت الصائمين ، فيها إشارات سريعة مع كل يوم من أيام رمضان تخاطب القلب والعقل ، وتدعو القارئ إلى الفهم والعمل .
      وقد أردت أن يتنقل القارئ فيها بين معاني آيات ، ومفهوم أحاديث ، وإشارات شعرية ، وعبارات طيبة لصالحي هذه الأمة ؛ في عبارات موجزة غير مخلة بالمعنى ، وربما قسمت المعنى على أكثر من قطوف رعاية للإيجاز ، ودفعًا لملل الإطالة ، والله المستعان .
      .................................................. ..........قطوف اليوم الأول
      .................................................. ......... لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 1 )
      .... قال الله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( البقرة : 183 ) .
      التقوى هي الغاية من الصيام ، ومن لم يحقق الغاية من الصوم فقد لا ينفعه صومه ، ومن أجل تحقيق هذه الغاية يقول النبي : " الصوم أمانة ، فليحفظ أحدكم أمانته " ( 1 ) ، ومعنى أن الصوم أمانة أنه يجب أن يُحفظ ، وحفظه بحفظ السمع والبصر والجوارح والقلب عن المعصية ، وقد قال بعض السلف : أهون الصيام الإمساك عن الشراب والطعام ، ولله در القائل :
      ..............................إذا لم يكـنْ في السمعِ مني تصاونُ ... وفي مقلتي غـضٌ وفي منطقي صَمْتُ
      ..............................فحظي إذًا من صومي الجوعُ والظمأ ... وإن قلتُ إني صُمتُ يومًا فما صُمْتُ
      فاحفظوا رحمكم الله أبصاركم وأسماعم وألسنتكم وجوارحكم عن الحرام ، تبلغوا بذلك تقوى الله تعالى ، ويكون صومكم أقرب للقبول ، وفقنا الله وإياكم لصيام وقيام مقبولين ، وجعلنا وإياكم في هذا الشهر من عتقائه من النار .

      .................................................. ........الحديث
      روى الشيخان عن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قال : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ : " إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ ، وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى ، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ " [ البخاري ( 6689 ) ومسلم ( 1907 ) ] .
      ومعنى الحديث : الْأَفْعَال الِاخْتِيَارِيَّة لَا تُوجَد وَلَا تَتَحَقَّق إِلَّا بِالنِّيَّةِ ؛ وَلَيْسَ لِلْفَاعِلِ مِنْ فِعْله إِلَّا مَا نَوَى ؛ أَيْ : الَّذِي يَرْجِع إِلَيْهِ مِنْ عَمَله نَفْعًا أَوْ ضَرَرًا هِيَ النِّيَّة ، فَإِنَّ الْعَمَل يُحْسَب بِحَسْبِهَا خَيْرًا وَشَرًّا ، أَوْ يُجْزِى الْمَرْءُ بِحَسْبِهَا عَلَى الْعَمَل ثَوَابًا وَعِقَابًا ؛ فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَته إِلَى الله وَرَسُوله قَصْدًا وَفِعْلاً فَهِجْرَته إِلَى الله وَرَسُوله أَجْرًا وَثَوَابًا .
      واختياري لهذا الحديث كأول حديث في القطوف لأذكر النية والإخلاص ، رزقني الله وإياكم الإخلاص في النية ... آمين .
      .................................................. .......قطوف من الشعر
      ....................................أتى رمضانُ مزرعةُ العبادِ ... لتطهيرِ القلوبِ مِنَ الفسادِ
      ...................................فأدِّ حُقُوقَهُ قَولاً وفِعْلاً ... وزادَكَ فاتَخِـْذه للمعادِ
      ...................................فمنْ زرع الحبوبَ وما سَقَاهَا ... تَأَوَّهَ نادمًا يومَ الحصادِ

      .................................................. كلمات على طريق الآخرة
      قيل : من شهد في إخلاصه الإخلاص احتاج إخلاصه إلى إخلاص .
      قال ابن القيم - : فنقصان كل مخلص في إخلاصه بقدر رؤية إخلاصه ، فإذا سقط عن نفسه رؤية الإخلاص صار مُخْلِصًا مُخْلَصًا ( 2 ) .

      ( 1 ) ذكره الغزالي في الإحياء : 1 / 279 ، قال العراقي في تخريج إحياء علوم الدين : أخرجه الخرائطي في مكارم الأخلاق من حديث ابن مسعود في حديث في الأمانة والصوم ، وإسناده حسن .
      ( 2 ) مدارج السالكين : 2 / 91 .
      د . محمد عطية

    • #2
      قطوف اليوم الثاني


      ] لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [ ( 2 )

      قال ابن رجب - : فإذا اشتد توقان النفس إلى ما تشتهيه مع قدرتها عليه ثم تركته لله U في موضع لا يطلع عليه إلا الله تعالى ، كان ذلك دليلا على صحة الإيمان ، فإن الصائم يعلم أن له ربا يطلع عليه في خلوته ، وقد حرَّم عليه أن يتناول شهواته المجبول على الميل إليها في الخلوة فأطاع ربه وامتثل أمره واجتنب نهيه خوفا من عقابه ورغبة في ثوابه ، فشكر الله تعالى له ذلك ، واختص لنفسه عمله هذا من بين سائر أعماله ( [1] ) ؛ روى أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ e: " يَقُولُ اللهُ U : الصَّوْمُ لِي ، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ، يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي"([2]).وعندالحاكم من حديث أبي هريرة مرفوعا: " ليس الصيام من الطعام والشراب إنما الصيام من اللغو والرفث"([3]).


      الحديث

      روى الشيخان عن أبي هُرَيْرَةَ t قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ e : " إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ " وفي رواية " وصفدت " ( [4] ) . ومعنى : " صفدت " شدت بالأصفاد وهي الأغلال ، أي : غُلَّت ، وهو معنى " سلسلت " .

      شروط الصيام

      يجب الصيام على المسلم البالغ العاقل الصحيح [ غير مريض ] المقيم [ غير مسافر ] ، ويضاف للنساء الخلو من الحيض والنفاس .
      والصغار يدربون على الصيام ، ويعلمهم الآباء كيفيته ، وقد كان الصحابة يصوِّمون أبناءهم ، فإذا بكي الصغير من الجوع كانوا يلَّهونه باللعب حتى يدخل وقت الإفطار فيفطر معهم .
      والمريض والمسافر إذا أفطرا قضيا ما أفطراه بعد رمضان ، وكذلك الحائض والنفساء ، ويصح الصيام من المريض والمسافر إذا استطاعاه ، ولا يصح من الحائض والنفساء .


      قطوف من الشعر


      يا ذا الذي ما كَفَاهُ الذنبُ في رجبٍ...حتى عَصَى رَبَّهُ في شَهْرِ شعبانِ


      لقدْ أَظَلَّكَ شَهْرُ الصومِ بعدهما...فَلا تُصّيِّرُه أيضاً شهرَ عصيانِ


      واتلُ القرآنَ، وسبحْ فيه مجتهدًا...فإنَّه شـهرُ تسبيحٍ وقـرآنِ


      فاحملْ على جَسَدٍ تَرْجُو النجاةَ لَهُ...فَسَوَفَ تُضْرَمُ أجسادٌ بنيرانِ


      كَمْ كُنتَ تَعْرِفُ مِمَّنْ صامَ في سَلَفٍ...مِنْ بين أهلٍ وجيرانٍ وإخوانِ


      أَفْنَاهُمُ الموتُ واستبقاك بعدهمُ ...حياً فما أقْـرَبُ القاصي من الداني


      ومُعْجَبٌ بثيابِ العيدِ يَقْطَعُهَا...فأصبحتْ في غدٍ أثوابَ أكفانِ


      حتى متى يَعْمُرُ الإنسانُ مَسْكَنَهُ... مصيرُ مِسْكَنِهِ قبرٌ لإنسانِ



      كلمات على طريق الآخرة

      قال الذهبي - - في كتاب ( الكبائر ) : وعند المؤمنين مقرر أن من ترك صيام رمضان بلا مرض ولا عذر أنه شر من المكاس والزاني ومدمن الخمر ، بل يشكون في إسلامه ويظنون به الزندقة والانحلال . والـمَكْسُ: الضريبة التـي كان يأْخذها الـماكسُ بغير وجه حق [وهي بمعنى الإتاوة].


      سؤال اليوم

      هل يكفر تارك الصوم إذا كان يصلي ولا يصوم بدون عذر ؟
      الجواب : من ترك الصوم جحدًا لوجوبه فهو كافر إجماعًا ومن تركه كسلاً وتهاونًا فلا يكفر لكنه على خطر كبير بتركه ركنًا من أركان الإسلام مجمع على وجوبه ، ويستحق العقوبة والتأديب من ولي الأمر بما يردعه وأمثاله ، بل ذهب بعض أهل العلم إلى تكفيره ، وعليه قضاء ما تركه مع التوبة إلى الله سبحانه . وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .

      [ اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ]


      [1] - لطائف المعارف ص 171 .

      [2] - أحمد : 2 / 393 ، واللفظ له ، والبخاري ( 1894 ) .

      [3] - الحاكم ( 1570 ) وصححه على شرط مسلم .

      [4] - البخاري ( 1899 ) ، ومسلم ( 1079 ) .
      التعديل الأخير تم بواسطة محمد محمود إبراهيم عطية; الساعة 20/07/2012 - 20/07/2012, 04:24 pm. سبب آخر: الفصل بين الكلمات
      د . محمد عطية

      تعليق


      • #3
        قطوف اليوم الثالث


        /


        ] لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [ (3)

        الهدف الأسمى من صيام رمضان إعداد القلوب للتقوى ومراقبة الله ، فالصوم يوقظ القلوب ، ويجعلها لينة رقيقة وجلة حية ؛ والإسلام لا يقود الناس بالسلاسل إلى الطاعات ، إنما يقودهم بالتقوى ومراقبة الله والخوف منه ؛ ولقد جهل أقوام حقيقة الصيام حين قصروه على الإمساك عن الطعام والشراب ، فترى بعضهم لا يمنعه صومه من إطلاق اللسان ، والوقوع في الغيبة والنميمة ، والكذب والبهتان ، ويطلقون للآذان والأعين الحبل على الغارب لتقع في الذنوب والعصيان ، وقد روى أحمد والنسائي وابن ماجة والحاكم عن أبي هريرة t قال : قال النبي e : " رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ ، وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ " ( [1] ) . وسر هذا كما يقول ابن رجب - : أن التقرب إلى الله تعالى بترك المباحات لا يكمل إلا بعد التقرب إليه بترك المحرمات ، فمن ارتكب المحرمات ثم تقرب إلى الله تعالى بترك المباحات كان بمثابة من يترك الفرائض ويتقرب بالنوافل ، وإن كان صومه مُجْزئاً عند الجمهور بحيث لا يؤمر بإعادته ( [2] ) .


        &الحديث

        روى الشيخان عن أَبَي هُرَيْرَةَ t قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e : " قَالَ اللهُ U : كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ يَوْمَئِذٍ ، وَلَا يَسْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ ، فَلْيَقُلْ : إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ ، وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا : إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ " ( [3] ) . والسخب والصخب لغتان وهو الضجَّة , واضطرابُ الأصواتِ للخِصام ؛ والرفث فحش الكلام . وإنما يُجزى أجر الصيام من صام لله حقًّا إيمانًا واحتسابًا ، وحفظ حرمة العبادة ، فصان صيامه عما يجرحه من المعاصي ، فهذا الذي يُجزى الأجر كاملا بإذن الله تعالى .


        /?
        أركان الصيام

        الركن جزء الشيء ، وللصيام ركنان :
        1 – النية عند جمهور العلماء ، وهي شرط صحة عند بعضهم ، ومعنى النية في صيام رمضان قصد صيام الفريضة من رمضان لله تعالى ، مع تبييت ذلك من الليل وذلك لكل يوم .
        2 – الإمساك عن المفطرات من أكل وشرب وجماع من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس .
        قال الله تعالى : وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ، وفي الصحيحين عَنْ عُمَرَ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e : " إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ وَأَدْبَرَ النَّهَارُ وَغَابَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ " ( [4] ) .

        I


        قطوف من الشعر


        أَبُنَيَّ إن من الرجال بهيمة ... في صورة الرجل السميع المبصر


        فطنٌ بكل مصيبة في ماله ... وإذا أصيب بدينه لا يشعر


        Uكلمات على الطريقO

        قال طلق بن حبيب - : التقوى عمل بطاعة الله رجاء رحمة الله ، على نور من الله ؛ والتقوى ترك معصية الله مخافة عقاب الله ، على نور من الله ( [5] ) .
        قال الذهبي - : قلت أبدع وأوجز ، فلا تقوى إلا بعمل ، ولا عمل إلا بتروٍ من العلم والاتباع ، ولا ينفع ذلك إلا بالإخلاص لله ، لا ليقال فلان تارك للمعاصي بنور الفقه ، إذ المعاصي يفتقر اجتنابها إلى معرفتها ويكون الترك خوفًا من الله لا ليمدح بتركها ؛ فمن داوم على هذه الوصية فقد فاز ( [6] ) .


        Èسؤال اليومœ

        فتاة أتاها الحيض في السنة الحادية عشر من عمرها فهل يلزمها الصيام ، مع ملاحظة أنها لا تتمتع بصحة جيدة ، وفي حالة عدم قدرتها على الصيام ما الذي يترتب عليها ؟
        الجواب :
        إذا كان الواقع كما ذكرت لزمها الصيام ، لأن الحيض من علامات بلوغ النساء إذا جاءها وهي في التاسعة من عمرها فأكثر ؛ فإذا استطاعت الصيام وجب عليها أداؤه في وقته ، وإذا عجزت أو نالها مـنه مشقة شديدة أفطرت ووجب عليها قضاء ما أفطرته من الأيام عند القدرة على ذلك .
        [ اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ؛ السؤال الثالث من الفتوى رقم (3325) ]

        [1] - أحمد : 2 / 373 ، والنسائي في الكبرى ( 3249 ) ، وابن ماجة ( 1690 ) ، والحاكم ( 1571 ) وصححه على شرط البخاري ؛ من حديث أبي هريرة .

        [2] - انظر لطائف المعارف ص 174 .

        [3] - البخاري ( 1894 ، 1904 ) ، ومسلم ( 1151 ) .

        [4] - البخاري ( 1954 ) ، ومسلم ( 1100 ) .

        [5] - رواه ابن المبارك في الزهد ( 1343 ) ، وابن أبي شيبة ( 30356 ) ، وأبو نعيم في الحلية : 3 / 64 .

        [6] - سير أعلام النبلاء : 4 / 601 .
        د . محمد عطية

        تعليق


        • #4
          قطوف اليوم الرابع
          /
          ] لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[ (4)
          اعلموا - رحمكم الله - أنه لا يتم التقرب إلى الله تعالى بترك هذه الشهوات المباحة ( الطعام والشراب والنكاح ) إلا بعد التقرب إليه بترك ما حرم الله في كل حال من الكذب والظلم والعدوان على الناس في دمائهم وأعراضهم ، وهذا هو معنى التقوى : فعل المأمورات وترك المنهيات ، وهو الغاية من عبادة الصيام ، وفي صحيح البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e : " مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ " ( [1] ) . ففيه دلالة على نقصان الصوم بذلك وربما عدم قبوله ورده على صاحبه وإن كان صحيحا في ظاهره ؛ ولهذا المعنى – والله أعلم – ورد في القرآن بعد آيات الصيام ذكر تحريم أكل أموال الناس بالباطل ، قال الله تعالى : ] وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [ ( البقرة : 188 ) .
          فإن تحريم هذا عام في كل زمان ومكان بخلاف الطعام والشراب ، فكان إشارة إلى أن من امتثل أمر الله في اجتناب الطعام والشراب في نهار صومه فليمتثل أمره في اجتناب أكل الأموال بالباطل فإنه محرم بكل حال لا يباح في وقت من الأوقات .
          وهذا هو سبيل التقوى ؛ روى ابن أبي شيبة عن جابر t قال : إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمأثم ، ودع أذى الخادم ، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صيامك ، ولا تجعل يوم فطرك ويوم صيامك سواء ( [2] ) . وعند الحاكم من حديث أبي هريرة مرفوعا : " ليس الصيام من الطعام والشراب إنما الصيام من اللغو والرفث " ( [3] ) .



          &الحديث
          روى الشيخان عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ t قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e : " إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، لَا يَدْخُلُ مَعَهُمْ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ ، يُقَالُ : أَيْنَ الصَّائِمُونَ ؟ فَيَدْخُلُونَ مِنْهُ ، فَإِذَا دَخَلَ آخِرُهُمْ أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ " ( [4] ) . والريان مبالغة من الري ، وفيه مقابلة لما كان يحصل للصائم في الدنيا من الظمأ ، فمن يظمأ لله في الدنيا لا يصيبه عطش يوم القيامة .
          /?
          فقه الصيام
          سنن وآداب الصيام (1)
          للصوم آداب وسنن نوجزها فيما يلي :
          1 - السحور : وأجمعت الأمة على استحبابه ، وورد في السحور أحاديث منها : ما رواه الشيخان عَنْ أَنَسٍ t قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e : " تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السُّحُورِ بَرَكَةً " ( [5] ).
          ويستحب تأخير السحور ، ففي الصحيحين عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ t قَالَ : تَسَحَّرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ e ثُمَّ قُمْنَا إِلَى الصَّلَاةِ ، قُلْتُ : كَمْ كَانَ قَدْرُ مَا بَيْنَهُمَا ؟ قَالَ : خَمْسِينَ آيَةً ( [6] ) . وفيهما عَنْ ابن عمر t أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ e قَالَ : " إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى تَسْمَعُوا تَأْذِينَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ " ( [7] ) .
          2 – تعجيل الفطور ، ومعناه : المبادرة إلى الفطر عند العلم بغروب الشمس ؛ ففي الصحيحين عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ t أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ e قَالَ : " لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ " ( [8] ) ؛ وعند أحمد وأهل السنن إلا الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ e قَالَ : " لَا يَزَالُ الدِّينُ ظَاهِرًا مَا عَجَّلَ النَّاسُ الْفِطْرَ لِأَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى يُؤَخِّرُونَ " ( [9] ) .
          ويستحب أن يفطر قبل أن يصلي على رطبات فإن لم يكن فتمرات وإلا حسا حسوات من ماء ثم يذهب للصلاة ، ثم يعود فيتناول حاجته من الطعام ، فقد روى أحمد وأبو داود والترمذي عن أَنَسَ t قال : كَانَ رَسُولُ اللهِ e يُفْطِرُ عَلَى رُطَبَاتٍ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُطَبَاتٌ فَعَلَى تَمَرَاتٍ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ ( [10] ) .
          وروى أحمد وأهل السنن عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ الضَّبِّيِّ t عَنِ النَّبِيِّ e قَالَ : " إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ فَإِنَّهُ بَرَكَةٌ ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى مَاءٍ فَإِنَّهُ طَهُورٌ " ( [11] ) ...

          I
          قطوف من الشعر
          إيـمانُنَا باللَّـهِ بين ثـلاثـةٍ .... عملٍ، وعلمٍ، واعتقادِ جَـنانِ
          ويزيدُ بالتقوى، وينقص بالردى .... وكِـلاهما في القـلبِ يعتلجانِ
          ج
          Uكلمات على الطريقO
          قال عمر بن عبد العزيز - : ليس تقوى الله بصيام النهار ولا بقيام الليل والتخليط[ 12 ] فيما بين ذلك ، ولكن تقوى الله : ترك ما حرم الله ، وأداء ما افترض الله ، فمن رزق بعد ذلك خيرًا فهو خير إلى خير [ 13 ] .

          Èسؤال اليومœ
          امرأة ترضع وانقطع عنها الدم في الأشهر الثلاثة الأولى بعد الولادة، ثم أتاها نوع من الدم البسيط أثناء الليل ، وتوقف في النهار فصامت مدة يومين، ثم عاودها الدم مرة أخرى ، وأصبحت في عادتها الشهرية، فهل يصح صيامها هذين اليومين الذين نزل الدم أثناء الليل السابق لكل منهما ؟.
          الجواب :
          إذا كان الأمر كما ذُكر من أن الدم إنما نزل عليها أثناء الليل فقط فصيامها هذين اليومين صحيح ، ولا أثر لنزول الدم في ليلة كل من هذين اليومين، ولا لمعاودة الدم لها في صحة صوم هذين اليومين .
          وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .

          [ اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء السؤال الرابع من الفتوى رقم (278) ] .


          [1] - البخاري ( 1903 ) ، ورواه أبو داود ( 2362 ) ، والترمذي ( 707 ) ، وابن ماجة ( 1689 ) وغيرهم .

          [2] - ابن أبي شيبة ( 8880 ) ، والبيهقي في شعب الإيمان ( 3646 ) .

          [3] - الحاكم(1570)وصححه على شرط مسلم؛ وكذا صححه الحافظ أبوموسى المديني على شرط مسلم ،كما قال ابن رجب في اللطائف ص 173 .

          [4] - البخاري ( 1896 ) ، ومسلم ( 1152 ) .

          [5] - البخاري ( 1923 ) ، ومسلم ( 1095 ) .

          [6] - البخاري ( 575 ، 1921 ) ، ومسلم ( 1097 ) .

          [7] - البخاري ( 617 ) ، ومسلم ( 1092 ) .

          [8] - البخاري ( 1957 )، ومسلم ( 1098 ) .

          [9] - أحمد : 2 / 250 ، وأبو داود ( 2353 ) ، والنسائي في الكبرى ( 3313 ) ، وابن ماجة ( 1698 ) .

          [10] - أحمد : 3 / 164 ، وأبو داود ( 2356 ) ، والترمذي ( 696 ) وحسنه ، والحاكم ( 1576 ) وصححه عل شرط مسلم .

          [11] - أحمد : 4 / 17 ، وأبو داود ( 2355 ) ، والترمذي ( 695 ) ، والنسائي في الكبرى ( 3316 ) ، وابن ماجة ( 1699 ) .

          [12] - التخليط هو خلط عمل صالح بآخر سيء .

          [13] - رواه البهقي في الزهد الكبير : 2/ 351 ( 964 ) .
          د . محمد عطية

          تعليق


          • #5
            .................................................. ........قطوف اليوم الخامس
             .................................................. ..... لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (  ( 5

            الصائم يتقرب إلى الله بترك ما تشتهيه نفسه من الطعام والشراب والنكاح ، وهذه أعظم شهوات النفس ، ففي التقرب بترك هذه الشهوات بالصيام فوائد كثيرة في تزكية النفس والرقي بها عن الحيوانية التي تدعو إليها هذه الشهوات ، ويحدث ذلك بأمور أهمها تقوى الله تعالى .
            كما أن في الصيام من كسر النفس والحد من كبريائها حتى تخضع للحق وتلين للخلق ، فإن الشبع والري ومعاشرة النساء تحمل النفس على الأشر والبطر والعلو والتكبر والغفلة ؛ وذلك لأن النفس عند احتياجها لهذه الأمور تشتغل بتحصيلها ، فإذا تمكنت منها رأت أنها ظفرت بمطلوبها فيحصل لها من الفرح المذموم والبطر ما يكون سببا في هلاكها ، والمعصوم من عصمه الله تعالى .
            ولما كان تناول هذه الشهوات قد يقسي القلب ويعميه ويحول بين العبد وبين الذكر والفكر مما يستدعي الغفلة ؛ كان خلو الباطن من الطعام والشراب يُنَوِّر القلب ويوجب رقته ويزيل قسوته ويخليه للذكر والفكر ، وهذا سبيل التقوى .

            ................................................. ............الحديث
            روى النسائي وابن حبان والحاكم عن أبي أمامة قال : سمعت رسول الله  يقول : " بينما أنا نائم إذا أتاني رجلان فأخذا بضبعي [ الضّبْع بسكون الباء : وسَطُ العَضُد ، وقيل : ما تَحْت الإبْط ] - وساق الحديث - وقال فيه : " انطلقا بي فإذا قوم معلقون بعراقيبهم ، مشققة أشداقهم دمًا [الأشداقُ جوانبُ الفَم ] ، قلت : من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة صومهم " . قال المنذري : وقوله : " قبل تحلة صومهم " معناه : يفطرون قبل وقت الإفطار .ا.هـ ويستفاد من الحديث أن تعمد الفطر قبل وقت الإفطار موجب للعذاب .

             .................................................. .......من فقه الصيام
            .................................................. ......سنن وآداب الصيام ( 2 )
            3 – الدعاء أثناء الصيام وعند الإفطار وبعده ، فإنه مظنة الإجابة ، فقد روى أحمد والترمذي وابن ماجة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ  قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ  : " ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمُ : الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ ، وَالْإِمَامُ الْعَادِلُ ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ ؛ يَرْفَعُهَا اللَّهُ فَوْقَ الْغَمَامِ وَيَفْتَحُ لَهَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ وَيَقُولُ الرَّبُّ : وَعِزَّتِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ " ، وعند ابن ماجة عن عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ قال : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ  يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ  : " إِنَّ لِلصَّائِمِ عِنْدَ فِطْرِهِ لَدَعْوَةً مَا تُرَدُّ " قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ إِذَا أَفْطَرَ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِرَحْمَتِكَ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ أَنْ تَغْفِرَ لِي .
            وروى أبو داود والنسائي عن ابْنَ عُمَرَ  قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللهِ  إِذَا أَفْطَرَ قَالَ : " ذَهَبَ الظَّمَأُ وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ وَثَبَتَ الْأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللهُ " .
            4 – صيانة الصيام عن المحرمات والمكروهات ، وقال بعض السلف : أهون الصيام ترك الشراب والطعام .

            .................................................. ...... قطوف من الشعر
            ................................... مَنْ كان يَعْلَمُ أنَّ الموتَ مُدْرِكُهُ ... والقَبْرَ مَسْكَنُهُ والبعثَ مَخْرَجُهُ
            .................................. وأنَّهُ بين جَـَّناتٍ سَتُبْهِجُـهُ ... يَـومَ القيامةِ أو نارٍ ستنضجهُ
            ................................. فكلُّ شيءٍ سِوى التقوى بِهِ سَمِجٌ ... ومـا أقـامَ عليه مِنْهُ أَسْمَجُهُ
            ................................ ترى الذي اتخذ الدنيا له وَطَـنًا ... لَمْ يَدْرِ أنَّ الْمَنايا سوفَ تُزْعِجُهُ

            ................................................. ............كلمات على الطريق 

            قال ابن عباس  : إن للحسنة ضياء في الوجه ، ونورًا في القلب ، وقوة في البدن ، وسعة في الرزق ، ومحبة في قلوب الخلق ؛ وإن للسيئة سوادًا في الوجه ، وظلمة في القلب ، ووهنًا في البدن ، ونقصًا في الرزق ، وبغضة في قلوب الخلق .

            ................................................. .................. سؤال اليوم 

            هل يجوز للمرأة استعمال دواء لمنع الحيض في رمضان أو لا ؟
            الجواب :
            يجوز أن تستعمل المرأة أدوية في رمضان لمنع الحيض إذا قرر أهل الخبرة الأمناء من الدكاترة ومن في حكمهم أن ذلك لا يضرها ، ولا يؤثر على جهاز حملها ، وخير لها أن تكف عن ذلك ، وقد جعل الله لها رخصة في الفطر إذا جاءها الحيض في رمضان ، وشرع لها قضاء الأيام التي أفطرتها ورضي لها بذلك دينا.
            وبالله التوفيق ، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .
            [ اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء - السؤال الخامس من الفتوى رقم (1216) ] .
            د . محمد عطية

            تعليق


            • #6
              قطوف اليوم السادس


              /


              ] هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ [ ( 1 )

              ] شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [ ( البقرة : 185 ) .
              لأمر ما ربط الله تعالى بين القرآن العظيم الذي جعله روحا من أمره فقال : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا ( الشورى : 52 ) ، وبين شهر رمضان الذي ترتفع فيه روحانية الصائم فتقهر دواعي الشهوات ومطالب البدن . كما أن هناك صلة قوية بين القرآن والتقوى , وبين الصيام والتقوى ، قال الله تعالى : ] ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [ ( البقرة : 2 ) ، وقال U : ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [(البقرة:183).
              قال الفخر الرازي - - في تفسيره : اعلم أنه تعالى لما خص هذا الشهر بهذه العبادة بيَّن العلة لهذا التخصيص ، وذلك أنه سبحانه خصه بأعظم آيات الربوبية وهو أنه أنزل فيه القرآن ؛ فلا يبعد أيضا تخصيصه بنوع عظيم من آيات العبودية وهو الصوم . ا.هـ .


              &الحديث


              روى الشيخان عن أبي هريرة t قال : قال رسول الله e : " مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ، ومَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ " ( [1] ) .
              ومعنى قوله e " إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا " أي : يؤمن أن الله شرعه ويحتسب عند الله ثوابه . قال الخطابي : (احتسابا ) أي : عزيمة ، وهو أن يصومه على معنى الرغبة في ثوابه طيبة نفسه ، غير مستثقل لصيامه ولا مستطيل لأيامه ( [2] ) .



              /?

              فقه الصيام




              سنن وآداب الصيام ( 3 )

              5 – الجود ومدارسة القرآن ، وهما وإن كانا مستحبين في كل وقت إلا أنهما آكد في رمضان ، ففي الصحيحين عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ t قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللهِ e أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ؛ إِنَّ جِبْرِيلَ u كَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ فِي رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ ، فَيَعْرِضُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ e الْقُرْآنَ فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَانَ رَسُولُ اللهِ e أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ ( [3] ) .
              ومدارسة القرآن تستدعي الجلوس إلى حُفَّاظِه العالمين به ليقرأ القارئ عليه ويصحح تلاوته ، ثم يأخذ عنه أوامره ونواهيه وأخلاقه وآدابه ، فيتعلم العلم والعمل معا ؛ وخص رمضان بهذا لأنه الشهر الذي أنزل فيه القرآن ، وفي صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t مرفوعا : " .. وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ " ( [4] ) .
              وأبواب الكرم والجود كثيرة ؛ ومن الجود في رمضان إفطار الصائم ، وله أجر عظيم ، فروى أحمد والترمذي وابن ماجة عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ t قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e : مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا " ( [5] ) .

              6 – يسن للصائم إن شُتم أن يقول : إني صائم ، ويقولها جهرا في رمضان وغيره .



              I


              قطوف من الشعر


              منع القرآن بوعده ووعيـده ... مُقلَ العيون بليلها لا تهجـعُ


              فهموا عن الملك العظيم كلامه ... فهما تذل له الرقاب وتخضع



              Uكلمات على الطريقO

              قال عثمان بن عفان t : لو طهرت قلوبكم ما شبعت من كلام الله ؛ وما أحب أن يأتي علي يوم ولا ليلة إلا أنظر في كلام الله .. يعني في المصحف ( [6] ) .

              Èسؤال اليومœ


              امرأة لم تكن تعرف أن القضاء واجب ، وقد انقطعت عنها العادة من مدة فماذا تعمل ؟ لا سيما أنها قد تجاوزت الخمسة والأربعين سنة.
              الجواب :
              إذا كان الواقع كما ذكر فعليها التوبة إلى الله لتفريطها وعدم سؤالها أهل العلم ، وعليها أن تصوم أيامًا بعدد أيام حيضها في شهور رمضان في السنوات التي مضت من يوم بلوغها ، فإن لم تعلمها بالتحديد صامت حتى يغلب على ظنها أنها قضت الأيام التي حاضت فيها في أشهر الرمضانات الماضية ، وعليها أن تطعم عن كل يوم مسكينًا نصف صاع من قوت البلد من تمر أو غيره ، يصرف لبعض الفقراء إن استطاعت ذلك ، فإن كانت فقيرة لا تستطيع الإنفاق سقط عنها .

              وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .


              [ اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء السؤال الثاني من الفتوى رقم (5774)]



              [1] - البخاري ( 35 ، 214 ) ، ومسلم ( 759 ، 760 ) .

              [2] - نقلا عن فتح الباري : 4 / 115 .

              [3] - البخاري ( 6 ) ، ومسلم ( 2308 ) واللفظ له .

              [4] - جزء من حديث رواه مسلم ( 2699 ) .

              [5] - أحمد : 4 / 114 ، والترمذي ( 807 ) وصححه ، وابن ماجة ( 1746 ) .

              [6] - رواه أبو نعيم في الحلية : 7 / 300 .
              التعديل الأخير تم بواسطة محمد محمود إبراهيم عطية; الساعة 24/07/2012 - 24/07/2012, 09:58 pm. سبب آخر: الفصل بين الكلمات
              د . محمد عطية

              تعليق


              • #7
                .................................................. ..... قطوف اليوم السابع
                .......................................... هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ( 2 )

                القرآن هو كلام الله تعالى المنزل على نبيه محمد بلسان عربي مبين ، المتعبد بتلاوته ، المعجز بأصغر سورة منه ، المكتوب بين دفتي المصحف والمنقول إلينا بالتواتر .
                وقوله تعالى : شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ بيان لا ريب فيه بأن هذا القرآن العظيم كان نزوله في هذا الشهر الكريم ، وجاءت سورة الدخان تبين صفة الليلة الذي أنزل فيها ، قال عزوجل : إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ ( الدخان : 3 ) ، وجاءت سورة القدر تحدد أن هذه الليلة هي ليلة القدر ، قال جل شأنه : إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ( 1 ) . فالقرآن نزل في الليلة المباركة التي هي ليلة القدر من شهر رمضان المعظم ، وقد أخرج الحاكم والبيهقي وغيرهما عن ابن عباس - - قال : أنزل القرآن في ليلة القدر جملة واحدة إلى السماء الدنيا وكان بمواقع النجوم ، وكان الله ينزله على رسوله بعضه في إثر بعض ( [1] ) .
                وقد قيل إن السر في إنزاله جملة واحدة إلى السماء الدنيا هي : تفخيم أمره وأمر من نزل عليه ، وذلك بإعلام سكان السماوات السبع بأن هذا آخر الكتب المنزلة على خاتم الرسل لأشرف الأمم وقد قربناه إليهم لننزله عليهم . ولولا أن الحكمة الإلهية اقتضت وصوله إلينا منجما بحسب الوقائع لهبط به إلى الأرض جملة كسائر الكتب المنزلة قبله ، ولكن الله باين بينه وبينها فجعل له الأمرين : إنزاله جملة ثم إنزاله مفرقا تشريفا للمنزل عليه . أفاده أبو شامة في ( المرشد الوجيز ) .. وقال السخاوي في " جمال القراء " : وفيه أيضا التسوية بين نبينا وموسى عليه وسلم في إنزاله كتابه جملة ، والتفضيل لمحمد في إنزاله عليه منجمًا ليحفظه ( [2] ) . ا . هـ .

                .................................................. ..............الحديث
                روى أحمد والحاكم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللهِ قال : " الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، يَقُولُ الصِّيَامُ : أَيْ رَبِّ مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ : مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ ، قَالَ : فَيُشَفَّعَانِ " ( [3] ) . والشفاعة هي طلب الخير للغير . وهي يوم القيامة : السؤال في التجاوز عن الذنوب والجرائم .

                ................................................ من فقه الصيام
                ................................................ مكروهات الصيام
                يكره للصائم أمور من شأنها الإفضاء إلى فساد الصوم ، وإن كانت في حد ذاتها لا تفسد الصوم ، وهي :
                1 - المبالغة في المضمضة والاستنشاق عند الوضوء : لحديث لقيط ابن صبرة أن النبي قال له : " وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً " رواه أحمد وأصحاب السنن ( [4] ) ، وإنما كُرِه ذلك خشية أن يصل إلى جوفه شيء من الماء فيؤثر على صحة صومه ، ولكن ما يصل إلى الجوف خطأً دون تعمد فهو مما يعفى عنه .
                2 - القُبلة إن حركت الشهوة ، أما من يعلم أنه إن قبَّل زوجته فسد صومه فيحرم عليه تقبيلها .
                3 - إدمان النظر بشهوة إلى الزوجة ، أو لمسها باليد ، أو مباشرتها بالجسد بشهوة ، لأنه لا يُؤمَن معه الوقوع في المحظور مما يأثم به ويوجب القضاء والكفارة .
                4 – استخدام معجون الأسنان أو مضغ العلك في وقت الصوم ، خاصة الذي يتحلل منهما ، خشية أن يتسرب بعض أجزاء ذلك إلى الحلق .
                5 - ذوق الطعام إلا بقدر الحاجة .

                .......................................... ... قطوف من الشعر

                ........................................... من يُـرد ملك الجنان ... فليدع عنه التواني
                ............................................ وليقم في ظلمة الليـ ... ـل إلى نور القرآن
                .......................................... وليصل صوما بصوم ... إن هذا العيش فاني
                .......................................... إنما العيش جوار اللــه في دار الأمـان

                .................................................. كلمات على الطريق
                قال عبد الله بن مسعود : ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذ الناس نائمون ، وبنهاره إذا الناس مفطرون ، وبحزنه إذا الناس يفرحون ، وببكائه إذا الناس يضحكون ، وبصمته إذا الناس يخلطون ، وبخشوعه إذا الناس يختالون ؛ وينبغي لحامل القرآن أن يكون باكيا محزونا حكيما حليما عليما سكيتا ؛ وينبغي لحامل القرآن أن لا يكون جافيا ولا غافلا ولا صخابا ولا صياحا ولا حديدا ( [5] ) .

                .................................................. ......... سؤال اليوم
                ما حكم بخاخ الربو ؟
                بخَّاخ الربو علبة فيها دواء سائل يحتوي على ثلاثة عناصر : مواد كيميائية ( مستحضرات طبية ) ، وماء ، وأوكسجين ؛ ويتم استعماله بأخذ شهيق عميق مع الضغط على البخَّاخ في نفس الوقت . وعندئذ يتطاير الرذاذ ويدخل عن طريق الفم إلى البلعوم ، ومنه إلى القصباتِ الهوائية ، ولكن يبقى جزء منه في البلعوم ، وقد تدخل كمية قليلة جداً إلى المريء .
                واختلف العلماء فيه على قولين ؛ الأول : أنه لا يفسد صوم الصائم ، وهو قول الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمهما الله ، والشيخ عبد الله بن جبرين وغيرهم . وذهبوا إلى أن دخول شيء إلى المعدة من بخاخ الربو أمر مشكوك فيه ، أي قد يدخل وقد لا يدخل ، والأصل صحة الصيام ، واليقين لا يزول بالشك ؛ وإن حصل ودخل شيء إلى المريء ومن ثم إلى المعدة كان قليلا جداً مما يعفى عنه ، فلا يفطِّر قياسًا على المتبقي من المضمضة والاستنشاق والسواك .
                القول الثاني : أن بخاخ الربو يفطِّر، ولا يجوز تناوله في رمضان إلا عند الحاجة للمريض ، ويقضي ذلك اليوم ، وهو قول الدكتور محمد المختار الشنقيطي والدكتور وهبة الزحيلي وغيرهما ؛ لأن محتوى البخاخ الذي هو دواء لا هواء يصل إلى المعدة عن طريق الفم فهو مفطر وعليه قضاء اليوم .
                وعليه فالأحوط ألا يستخدمه إلا في حال الضرورة مع التحرز من أن يصل شيء إلى جوفه ، فإن شق عليه ذلك مع عدم تعمده فالراجح صحة صيامه إن شاء الله تعالى ، ونسأل الله تعالى لنا وللمسلمين العافية .





                [1] - الحاكم ( 3958 ) وصححه على شرط الشيخين ، ومن طريقه البيهقي في السنن : 4 / 306 .



                [2] - نقلا عن الإتقان في علوم القرآن : 1 / 119، 120 .



                [3] - أحمد : 2 / 174 ، والحاكم ( 2036 ) وصححه .



                [4] - أحمد : 4 / 33 ، وأبو داود ( 2366 ) ، والترمذي ( 788 ) ، والنسائي ( 87 ) ، وابن ماجة ( 407 ) .



                [5] - رواه ابن أبي شيبة ( 35584 ) ، وأبو نعيم في الحلية : 1 / 130 ، والبيهقي مختصرا في شعب الإيمان ( 1807 ) .
                د . محمد عطية

                تعليق


                • #8
                  قطوف اليوم الثامن


                  ] هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ[ ( 3 )

                  إن في القرآن الكريم هداية للنفوس وشفاء للقلوب ورشادًا للعقول ؛ ففي القرآن الكريم هداية للنفس البشرية وشفاء لها من أمراض الهوى وأدناس متابعة الملذات وتحقيق الشهوات ، ومن الطمع والحسد والشح وغيرها من الأمراض النفسية التي تفتك بالنفس وتؤثر في المجتمع سلبيًا ، وتجعل الإنسان أسيرًا لأهوائه وشهواته ؛فالقرآن الكريم يحرر النفس من ذلك كله ومن الانقياد وراء الزائل الفاني لتسمو برغباتها وأهدافها نحو الكمال البشري ، ولترقى بإيمانها إلى عليين .
                  والقرآن العظيم يزيل الران الذي يعتري القلوب ويعلوها فيمرضها ويهلكها ؛ مما يعرض عليها من الآفات بسبب الخرافات والأوهام والضلالات والبدع ، وكذلك بسبب ما يرهقها من الوساوس والخطرات والشبهات ؛ فإن ذلك يجهد القلوب ويملؤها من الهموم والأحزان والشكوك، ويحملهاعلى الذل والعبودية لغير الله ، وعلى الخوف من غير الله .فالقرآن يتغلغل في القلوب المؤمنة ويصل إلى سويدائها فتسكن وتطمئن ، ثم تشعر باليقين من وعد الله المطلق في الحياة الدنيا وما بعدها.
                  والقرآن العزيز فيه هداية للعقول ورشاد للفكر الذيا نحرف عن الاستقامة وسلامة التفكير بسبب الأمراض التي تؤثر على التفكير ؛ ففي القرآن الكريم شفاء لهذه العقول وتصحيح لمسار الفكر بتخليصها من غل التقليد ، ومن التعلق والتبعية لجهة غير معصومة ، واتباعها بلا دليل ولا عقل ولا برهان . وبتخليصها من السقوط في الضلالات الموروثة من الآباء الذين تردوا في العمى والخرافة ، وخلطوا الحق بالباطل . فالقرآن الكريم هداية للعقول ونور لتصحيح مسارات الفكر ؛ فهو يحرر العقول من ذل التبعية الخاطئة لمن لا خلاق لهم ، ويعتق الضمائر البشرية لتمارس حقها في التفكير والتدبر في خلق الكون والنفس ، ويطلق الفكر من القيود ليتدبر ويتأمل ويستقل في ظل حدوده التي فطره الله عليها.
                  وفى القرآن الكريم شفاء للعقول من سقام الجهل واختلال الفكر وفساد الاستنتاج ؛ وفيه أيضًا كفها عن تبديد الطاقات ، وإنفاق الجهود فيما يتعلق بما لا يغني ولا يجدي مثل أمور الغيب التي غيبها الله عن مداركالعقول والحواس .
                  فالقرآن الكريم شفاء للقلوب ، ورشاد للعقول ، وهداية للنفوس البشرية ؛فالإنسان إذا سلم قلبه وصح عقله بالمنهج القرآني ، فتغذى به واستقام على هديه ؛ ثم اطمأنت نفسه وسلمت من آفاتها وأمراضها ، وترفعت عن الأمر بالسوء أو الهم بالباطل فذاك عبد الله على الحقيقة ، وهو مطلوب الرب تعالى من عباده ( [1] ) .

                  الحديث

                  روى أحمد وأبو داود والترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو t عَنْ النَّبِيِّ e قَالَ : " يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ : اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا ، فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَأُ بِهَا " ( [2] ) .
                  قَالَ الْخَطَّابِيُّ - : جَاءَ فِي الْأَثَرِ أَنَّ عَدَدَ آيِ الْقُرْآنِ عَلَى قَدْرِ دَرَجِ الْجَنَّةِ فِي الْآخِرَةِ , فَيُقَالُ لِلْقَارِئِ : ارْقَ فِي الدَّرَجِ عَلَى قَدْرِ مَا كُنْت تَقْرَأُ مِنْ آيِ الْقُرْآنِ , فَمَنْ اِسْتَوْفَى قِرَاءَةَ جَمِيعِ الْقُرْآنِ اِسْتَوْلَى عَلَى أَقْصَى دَرَجِ الْجَنَّةِ فِي الْآخِرَةِ , وَمَنْ قَرَأَ جُزْءًا مِنْهُ كَانَ رُقِيُّهُ فِي الدَّرَجِ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ , فَيَكُونُ مُنْتَهَى الثَّوَابِ عِنْدَ مُنْتَهَى الْقِرَاءَةِ ( [3] ) .

                  فقه الصيام


                  مبطلات الصيام ( 1 )

                  مبطلات الصيام نوعان : الأول ما يوجب القضاء فقط ، وهو ما يأتي :
                  1 - الأكل أو الشرب عمدًا , وهو إيصال الطعام أو الشراب إلى الجوف من طريق الأنف أو الفم أيا كان نوع المأكول أو المشروب ، سواء أكان مما يتغذى به أم ما لا يتغذى به .

                  2 - ما كان بمعنى الأكل أو الشرب وهو شيئان : أحدهما : حقن الدم في الصائم ، مثل أن يصاب بنزيف فيحقن به دم ، فيفطر بذلك ؛ لأن الدم هو غاية الغذاء بالطعام والشراب وقد حصل ذلك بحقن الدم فيه . الثاني : الإبر المغذية التي يكتفي بها عن الأكل والشرب ، فإذا تناولها أفطر ؛ لأنها وإن لم تكن أكلا وشربا حقيقة , فإنها بمعناهما فثبت لها حكمهما .

                  3 - إنزال المني باختياره بتقبيل أو لمس أو استمناء أو غير ذلك , لأن هذامنالشهوةالتيلايكون الصوم إلا باجتنابها ؛ كما جاء في الحديث القدسي : " يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي " .
                  فأما التقبيل واللمس بدون إنزال فلا يفطر .
                  4 – التقيؤ عمدا ، فإن غلبه القيء فلا شيء عليه، لمارواه أحمد وأهل السنن عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e : " مَنْ ذَرَعَهُ قَيْءٌ وَهُوَ صَائِمٌ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ ، وَإِنِ اسْتَقَاءَ فَلْيَقْضِ " ( [4] ) .

                  5 - الحيض أو النفاس ، ولو في اللحظة الأخيرة قبيل غروب الشمس .
                  6 – رفض نية الصوم ، بأن ينوي الفطر وهو صائم فإنه يبطل صومه وإن لم يتناول مفطرا ،لأنالنية شرط أو ركن في الصوم فمن نقضها عالما بالحكم متعمدا للفطر قاصدا له انتقض صيامه ( [5] ) .
                  7 – الردة عن الإسلام وإن عاد إليه ، لقول الله تعالى : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ ( الزمر : 65 ) .
                  فهذه المبطلات تفسد الصوم وتوجب قضاء اليوم الذي فسد بها ، كما توجب التوبة على من فعل شيئا منها غير الحيض والنفاس .

                  قطوف من الشعر


                  أنت في دار شتات ... فتأهب لشتاتك


                  و اجعل الدنيا كيوم ... صمته عن شهواتك


                  و ليكن فطرك عند اللـ ـه في يوم وفاتك



                  كلمات على الطريق

                  قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ t :حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا ، وَتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الْأَكْبَرِ ، وَإِنَّمَا يَخِفُّ الْحِسَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ فِي الدُّنْيَا ( [6] ) .

                  سؤال اليوم


                  حكم المريض الذي لا يقوى على الصيام

                  مريض الكلى الذي ينصحه الأطباء بكثرة شرب الماء ليلاً ونهارًا ؛ وكذا مريض بالسكر الذي يتعاطى أدوية لا غنى له عنها والصيام يؤثر عليه ، وأمثال هؤلاء .. ما حكمهم في رمضان ؟
                  الجواب : إذا أخبر طبيب مسلم مأمون حاذق بأن الصيام يضر هذا المريض بان يزيد مرضه أو يؤخر برأه منه .. فله أن يفطر ، وعليه القضاء بعد الشفاء ، وإن استمر به المرض ولم يستطع معه القضاء وغلب على ظنه أن المرض لا يزول ؛ فإنه والحالة هذه يطعم عن كل يوم أفطره مسكينًا نصف صاع من بر أو تمر أو أرز أو نحوها من الأطعمة التي يطعمها أهله ، نسأل الله لنا وللمسلمين التوفيق والشفاء ( [7] ) . الصاع من البر في حدود ثلاثة كيلوات ، ومن التمر في حدود 2.5 كجم تقريبًا . والعلم عند الله تعالى .

                  [1] - مقتبس من ( الرقى الشرعية ) للدكتور فلاح إسماعيل مندكار ؛ بتصرف واختصار .

                  [2] - أحمد : 2 / 192 ، وأبو داود ( 1464 ) ، والترمذي ( 1914 ) وصححه ، وصححه ابن حبان ( 766 ) .

                  [3]- نقلا عن الترغيب والترهيب : 2 / 228 .

                  [4] - أحمد : 2 / 498 ، وابو داود ( 2380 ) ، والترمذي ( 720 ) وحسنه ، والنسائي في الكبرى ( 3132 ) ، وابن ماجة ( 1676 ) .

                  [5] - وذهب المالكية والشافعية إلى صحة صومه ، انظر روضة الطالبين : 2 / 355 ، والموافقات : 2 / 326 ، 327 .

                  [6] - ذكره الترمذي عند الحديث رقم ( 2459 ) .

                  [7] - انظر فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء - الفتوى رقم (1381) ، و السؤال الخامس من الفتوى رقم (2143) ، والفتوى رقم (2502) .
                  د . محمد عطية

                  تعليق


                  • #9
                    .................................................. ..........قطوف اليوم التاسع
                    ........................................... . يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ
                    هذا الجزء من الآية الكريمة يبين صفة عظيمة لهذا الدين .. " إنَّ الدِّينَ يُسْرٌ " ( 1 ) .. هكذا قال نبي الإسلام  ؛ فهذا أصل مهمٌ من أصول هذا الدين ؛ ولذلك قعد الفقهاء : ( المشقة تجلب التيسير ) . وقوله تعالى : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ، بمنزلة قوله  : مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ ( المائدة : 6 ) ، وقوله سبحانه : يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا ( النساء : 28 ) .
                    والآية واضحة في التخفيف ووضع المشقة على المسافر والمريض ؛ إذ الله تعالى غني عن تعذيب العبد نفسه ، وإنما الغاية من العبادة أن يعرف العبد حق ربه فيتقيه قدر استطاعته ، ومن هنا لم يكلف البارئ الكريم عباده إلا ما في وسعهم ، ولم يأمرهم إلا بقدر طاقتهم ، بل رخص لهم في كل ما يظن فيه المشقة والعنت رخصا فيها التيسير والتخفيف ليقوم بعبادة ربه بيسر وسهولة وإقبال على الله تعالى ؛ قال الله تعالى : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا ( التغابن : 16 ) . روى أحمد عَنْ غَاضِرَةَ بْنِ عُرْوَةَ الْفُقَيْمِيِّ : حَدَّثَنِي أَبُو عُرْوَةَ قَالَ : كُنَّا نَنْتَظِرُ النَّبِيَّ فَخَرَجَ رَجِلًا يَقْطُرُ رَأْسُهُ مِنْ وُضُوءٍ أَوْ غُسْلٍ فَصَلَّى ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ جَعَلَ النَّاسُ يَسْأَلُونَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعَلَيْنَا حَرَجٌ فِي كَذَا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : " لَا ؛ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ دِينَ اللهِ فِي يُسْرٍ " ثَلَاثًا يَقُولُهَا ( 2 ) ؛ وفي الصحيحين عَنْ أَنَسِ أَنَّ النَّبِيِّ قَالَ : " يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا " ( 3 ) . وروى أحمد عَنْ عَائِشَةَ - - مرفوعًا : " لِتَعْلَمَ يَهُودُ أَنَّ فِي دِينِنَا فُسْحَةً ، إِنِّي أُرْسِلْتُ بِحَنِيفِيَّةٍ سَمْحَةٍ " ( 4 ) .

                    .................................................. ...... الحديث
                    روى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ  قَالَ : قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي الْمَسْجِدِ فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ ، فَقَالَ لَهُمْ النَّبِيُّ  : " دَعُوهُ وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ ؛ فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ " .
                    والسجل هو الدلو المملوءة ماءً ؛ وفي الحديث من التيسير مراعاة حال الجاهل وإن ارتكب خطأ كبيرًا .
                    ..................................... ....... فقه الصيام
                    .... .............. .................. مبطلات الصيام ( 2 )
                    النوع الثاني من المبطلات ما يوجب القضاء والكفارة وهو : الجماع ، وهو إيلاج الذكر في الفرج أنزل أو لم ينزل , وهو أعظمها وأكبرها إثما , فمتى جامع الصائم بطل صومه فرضًا كان أو نفلا , ثم إن كان في نهار رمضان والصوم واجب عليه لزمه مع القضاء الكفارة المغلظة وهي على الترتيب : عتق رقبة مؤمنة ، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ، لا يفطر بينهما إلا لعذر شرعي كأيام العيدين والتشريق ، أو لعذر حسي كالمرض والسفر لغير قصد الفطر ؛ فإن أفطر لغير عذر ولو يومًا واحدًا لزمه استئناف الصيام من جديد ليحصل التتابع ؛ فإن لم يستطع صيام شهرين متتابعين فإطعام ستين مسكينا : عند الإمام أحمد لكل مسكين مد بر أو نصف صاع من تمر أو شعير أو زبيب أو غيره ، ونصف الصاع يقدر بكيلو ونصف الكيلو تقريبا ، وذهب الإمام الشافعي إلى أن مدًّا من أي أنواع الطعام يجزئ , ففي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ  قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَ : هَلَكْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ! قَالَ : " وَمَا أَهْلَكَكَ " قَالَ : وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ ، قَالَ : " هَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ رَقَبَةً ؟ " قَالَ : لَا ، قَالَ : " فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ؟ " قَالَ : لَا ، قَالَ : " فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ؟ " قَالَ : لَا ، قَالَ : ثُمَّ جَلَسَ ؛ فَأُتِيَ النَّبِيُّ  بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ فَقَالَ : " تَصَدَّقْ بِهَذَا " قَالَ : أَفْقَرَ مِنَّا ؟ فَمَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنَّا ! فَضَحِكَ النَّبِيُّ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ ، ثُمَّ قَالَ : " اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ " ، وفي رواية عند مسلم أَنَّ رَجُلًا وَقَعَ بِامْرَأَتِهِ فِي رَمَضَانَ فَاسْتَفْتَى رَسُولَ اللَّهِ  عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : " هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً " قَالَ : لَا ، قَالَ : " وَهَلْ تَسْتَطِيعُ صِيَامَ شَهْرَيْنِ " قَالَ : لَا ، قَالَ : " فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا " ( 5 ) . قال النووي – : والفرق والعرق عند الفقهاء ما يسع خمسة عشر صاعا ، وهي ستون مدًّا لستين مسكينًا ، لكل مسكين مد ( 6 ) .
                    ودل الحديث على أن الوطء في نهار رمضان كبيرة من كبائر الذنوب المهلكات ، لأن النبي  أقر الرجل على قوله : ( هلكت ) ، ورتب على فعله الكفارة المغلظة .
                    ................................................. قطوف من الشعر
                    مَنْ جَاوَرَ النعمةَ بالشكرِ لَمْ ... يَخْشَ على النعمةِ مغتالَـها
                    لو شكـروا النعمةَ زادتْهُمُ ... مقـالةَ اللهِ الـتي قالَـها
                    لئنْ شَكَـرْتُمْ لَأزيدنَّكُـمْ ... لكنما كُفْرُهُـمُ غَالـها
                    والكفرُ بالنعمةِ يدعـو إلى ... زوالِها والشكرُ أبقى لـها

                    .................................................. ...... كلمات على الطريق
                    ذكر عن بعض الأنبياء أنه قال : اللهم لا تكلفني طلب ما لم تقدره لي ، وما قدرت لي من رزق فائتني به في يسر منك وعافية ؛ وأصلحني بما أصحلت به الصالحين ، فإنما أصلح الصالحين أنت ( 7 ) .

                    .................................................. .......... سؤال اليوم
                    سئلت اللجنة الدائمة عن امرأة طاعنة في السن وعاجزة عن صيام شهر رمضان ، وقد مضى عليها ثلاث سنوات وهي على هذه الحال من الكبر والمرض فماذا عليها ؟
                    الجواب : إذا كان الواقع كما ذُكر وجب عليها أن تطعم عن كل يوم أفطرته من رمضان في السنوات الثلاث مسكينًا ، تطعمه نصف صاع من بر أو تمر أو أرز أو ذرة أو نحو ذلك مما تطعمون أهليكم .
                    وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .
                    [ اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء - الفتوى رقم ( 2503 ) ]

                    ( 1 ) رواه البخاري ( 39 ) عن أبي هريرة وتمامه : " إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنْ الدُّلْجَةِ ".
                    ( 2 ) أحمد : 5 / 96 ، وحسنه ابن حجر في الفتح : 1 / 117 ، ورجِل أي مسرَّح الشعر .
                    ( 3 ) البخاري ( 69 ) ، ومسلم ( 1734 ) .
                    ( 4 ) أحمد : 6 / 116 ، 223 ؛ وإسناده صحيح .
                    ( 5 ) البخاري ( 1936 ) ، ومسلم ( 1111 ) .
                    ( 6 ) شرح مسلم للنووي : 7 / 226 .
                    ( 7 ) رواه ابن أبي شيبة عن إسماعيل بن أبي خالد ( 29387 ) .
                    د . محمد عطية

                    تعليق


                    • #10
                      قطوف اليوم العاشر


                      ] وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [ ( 1 )

                      بعد أن ذكر الله تعالى في هذه الآية نعمه الجليلة من إنزال كتابه العظيم ، وتيسيره على عباده قال : ] وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [ ؛ أي افعلوا ما أمرتم به ، وأكملوا عدة ما أفطرتموه من رمضان للعذر الذي كان منكم ، وعظموا الله تعالى وكبروه على نعمة الهداية ، كل ذلك رجاء أن تشكروا له سبحانه نعمه التي أنعم عليكم .
                      وهناك علاقة قوية بين التقوى التي هي غاية الصيام وبين الشكر الذي ذكر في هذه الآية ؛ فقد قال الله تعالى : ] وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [ ( آل عمران : 123 ) ؛ فمهما بالغ المرء في أعمال التقوى بحدودها .. فلعله يشكر نعم الله تعالى عليه .
                      فهيئ نفسك أيها الصائم بين التقوى والشكر ، وَزِنْ أعمالك بهاتين الكفتين ، وافهم أن عملك مع الإخلاص لعلك تشكر نعم الله عليك ؛ فالشكر ليس باللسان وحده ؛ بل بالقلب واللسان والعمل ؛ فشكر القلب معرفة المنعم سبحانه والوقوف على عظيم نعمه ومننه ، واستشعار العجز عن شكرها ؛ مع العزم على الشكر قدر الاستطاعة ؛ ثم على اللسان أن يلهج بشكر المنعم سبحانه ؛ وعلى الجوارح أن تنطلق في طاعته ؛ قال الله تعالى : ] اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا [ ( سـبأ : 13 ) ؛ وبذلك يمكن أن يكون الإنسان شكورا ؛ فإنه لما كان شكرُ العملِ هو أعظم أنواع الشكر قال الله تعالى : ] وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [ ( سـبأ : 13 ) .

                      الحديث

                      في الصحيحين عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ t أَنَّ النَّبِيَّ e صَلَّى حَتَّى انْتَفَخَتْ قَدَمَاهُ فَقِيلَ لَهُ أَتَكَلَّفُ هَذَا وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ؟ فَقَالَ : " أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا ؟! " ( [1] ) .
                      والشكور : القائم بالشكر على الوجه الكامل بلسانه وقلبه وجوارحه .

                      فقه الصيام


                      ما يباح للصائم ( 1 )

                      يباح للصائم أمور نوجزها فيما يلي :
                      1- السواك ؛ وهو سنة للصائمين وغيرهم ، لما في الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t عَنِ النَّبِيِّ e قَالَ : " لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ " ( [2] ) ، وغيره من الأحاديث ، ولم يرد عن النبي e صحيحا النهي عنه للصائم ؛ وإنما كرهه بعض العلماء للصائم بعد الزوال لحديث : " لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ " قالوا : وإنما يظهر ذلك بعد الزوال . ورد المجيزون بأن العلة من خلوف فم الصائم خلو المعدة ، فهو وإن أزيلت الرائحة بالتسوك يتجدد ، فيبقى أثره مع التسوك ، فيجمع بين سنة السواك وبين طيب الرائحة ، والعلم عند الله تعالى .
                      2- التبرد بالماء من شدة الحر ، وسواء بصبه على البدن أو الانغماس فيه ؛ لما رواه أحمد وأبو داود عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ e قال : لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ e بِالْعَرْجِ ( اسم موضع ) يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ الْمَاءَ وَهُوَ صَائِمٌ مِنَ الْعَطَشِ أَوْ مِنَ الْحَرِّ ( [3] ) . وكان ابن عمر t وهو صائم يبل الثوب ثم يلقيه عليه ( [4] ) .
                      3- مضغ الطعام لطفل صغير لا يجد من يمضغ له طعامه الذي لا غنى له عنه ؛ بشرط ألا يصل إلى جوف الماضغ منه شيء ( [5] ) .
                      4- السفر لحاجة مباحة ، وإن كان يعلم أن سفره سيلجئه إلى الإفطار .

                      قطوف من الشعر

                      إذا كنتَ في نعمةٍ فارْعَهَا ... فإنَّ المعاصيَ تُزيلُ النعمْ
                      وداومْ عليها بشكرِ الإله ... فشُكْرُ الإلهِ يُزِيلُ النِّقَمْ


                      كلمات على الطريق

                      قال موسى u : يا رب كيف لي أن أشكرك وأصغر نعمة وضعتها عندي من نعمك لا يجازي بها عملي كله ؛ قال : فأتاه الوحي أن يا موسى الآن شكرتني ( [6] ) .

                      سؤال اليوم

                      إذا قبل الرجل امرأته في نهار رمضان أو داعبها ، هل يفسد صومه أم لا ؟ أفيدونا أفادكم الله .
                      الجواب : تقبيل الرجل امرأته ومداعبته لها ومباشرته لها بغير الجماع وهو صائم كل ذلك جائز ولا حرج فيه ؛ لأن النبي e كان يقبل وهو صائم ويباشر وهو صائم ، لكن إن خشي الوقوع فيما حرم الله عليه لكونه سريع الشهوة ، كره له ذلك ، فإن أمنى لزمه الإمساك والقضاء ، ولا كفارة عليه عند جمهور أهل العلم . أما المذي فلا يفسد به الصوم في أصح قولي العلماء ؛ لأن الأصل السلامة وعدم بطلان الصوم ، ولأنه يشق التحرز منه . والله ولي التوفيق .
                      [ الفتوى للشيخ ابن باز ؛ وانظر مجموع فتاوى و مقالات متنوعة الجزء الخامس عشر ]


                      [1] - البخاري ( 1130 ، 4836 ، 6471 ) ، ومسلم ( 2819 ) واللفظ له .

                      [2] - البخاري ( 887 ) ، ومسلم ( 252 ) .

                      [3] - أحمد : 5 / 380 ، وأبو داود ( 2365 ) .

                      [4] - رواه ابن أبي شيبة ( 9212 ) .

                      [5] - ذكره أبو بكر الجزائري في منهاج المسلم .

                      [6] - ابن أبي الدنيا في كتاب الشكر رقم ( 6 )
                      د . محمد عطية

                      تعليق


                      • #11
                        قطوف اليوم الحادي عشر
                        وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ  ( 2 )
                        قال ابن القيم : الشكر هو ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده ثناء واعترافا ؛ وعلى قلبه شهودا ومحبة ؛ وعلى جوارحه انقيادًا وطاعة ، و الشكر مبني على خمس قواعد : خضوع الشاكر للمشكور ، وحبه له ، واعترافه بنعمته ، وثناؤه عليه بها ، وأن لا يستعملها فيما يكره ..فهذه الخمس هي أساس الشكر وبناؤه عليها فمتى عدم منها واحدة : اختل من قواعد الشكر قاعدة ( 1 ) .
                        من هنا يجب على كل عاقل أن ينظر في شكر نعم الله تعالى عليه ؛ هل وفَّى ، أم قصَّر ؟ فإذا وقف على حاله فيلزمه المواظبة على الشكر مع الوفاء ، وأن يستدرك على نفسه عدم التوفية .. وفي قوله تعالى :  وَلَعَلَّكُمْ  التي تفيد الرجاء والتوقع ، إشارة إلى التقصير ، وهو شأن البشر ؛ ومن المهم أن يحفظ الشاكر النعمة وقواعد الشكر ليراجعها دائما مع شكره .

                        الحديث
                        روى مسلم في صحيحه عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ  : " عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ ؛ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ : إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ " .
                        .............................................. فقه الصيام
                        ............................................ ما يباح للصائم ( 2 )
                        5- شم الروائح الطيبة وذلك لعدم ورود النهي عن ذلك مع أنه مما تعم به البلوى ، إلا أنه يتجنب دخان البخور لأن له أجزاء تصعد فإذا استنشقها تكثفت وربما دخل إلى المعدة منه شيء .
                        6 – التداوي بالدواء الحلال الذي لا يدخل إلى الجوف منه شيء ، عدا الإبر المغذية التي يُكتفى بها عن الطعام والشراب فإن تناولها أفطر ، لأنها في معنى الأكل والشرب فيثبت لها حكمهما .
                        7 – القبلة لمن قدر على ضبط نفسه ؛ ففي الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ - رَضِي اللَّه عَنْهَا - قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللهِ  يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ ، وَلَكِنَّهُ أَمْلَكُكُمْ لِإِرْبِهِ " . ولا فرق بين الشيخ والشاب في ذلك ، والعبرة بتحريك الشهوة وخوف الإنزال ، فإن حركت الشهوة كرهت ، وإن لم تحركها لم تكره ، والأولى تركها .
                        8 – يباح للصائم أن يصبح جنبًا ، ولا يؤثر ذلك على صيامه ، غير أنه يسارع بالتطهر لأجل الصلاة ففي الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ زَوْجَيِ النَّبِيِّ - - أَنَّهُمَا قَالَتَا : إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ  لَيُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ غَيْرِ احْتِلَامٍ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ يَصُومُ .
                        9 – يباح للصائم أن يأكل ويشرب ويجامع حتى يطلع الفجر ؛ فإذا طلع الفجر وفي فمه شيء وجب عليه أن يلفظه ، وإن كان مجامعًا وجب عليه أن ينزع ، فإن فعل صح صومه ، وإن ابتلع ما في فمه مختارًا ، أو استدام الجماع متعمدا أفطر .

                        قطوف من الشعر
                        إذا كان شكري نعمةَ اللهِ نعمةٌ ... عليَّ لَهُ في مثلِهَا يجبُ الشكرُ
                        فكيفَ بلوغُ الشكرِ إلا بفضلِهِ ... وإنْ طالتِ الأيامُ واتصلَ العمرُ
                        إذا سَرَّ بالسراءِ عَـمَّ سُرُورُها ... وإنْ مَسَّ بالضراءِ أَعْقَبَها الأجرُ
                        وما منهما إلا له فـيهِ نعـمةٌ ... تَضِيقُ بها الأوهامُ والبرُ والبحرُ
                        كلمات على الطريق
                        قال علي : إن النعمة موصولة بالشكر ، والشكر معلق بالمزيد ، وهما مقرونان في قرن ، فلن ينقطع المزيد من الله حتى ينقطع الشكر من العبد .
                        سؤال اليوم
                        الإبرة في الوريد هل يفطر الصائم إذا تعاطاها ؟
                        الجواب : مسألة الإبرة في الوريد هل يفطر بتعاطيها الصائم ؟ فيها خلاف بين أهل العلم : بعضهم يرى أن الصائم يفطر بتعاطيها ؛ لأنها تتصل بعروق الدم ، والبعض الآخر لا يرى ذلك ؛ لأنها لا تعتبر أكلاً ولا شربًا والاحتياط - لصحة الصوم وسلامته من أسباب الخلل - تركها حتى الفطر ، وللخروج من خلاف أهل العلم في ذلك ، أما إذا اضطر الصائم إلى أخذها نهاراً فلا يظهر لنا بأس في ذلك وصيامه صحيح .
                        وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .
                        [ اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء - السؤال الثاني من الفتوى رقم (1330) ]

                        ( 1 ) مدارج السالكين : 2 / 244 .
                        د . محمد عطية

                        تعليق


                        • #12
                          قطوف اليوم الثاني عشر
                          أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ (  ( 1
                          قال الله تعالى :  وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ  ( البقرة : 186 ) . لأمر ما جاءت هذه الآية بين آيات الصيام ، ففيها إيماء إلى أن الصائم مرجو الإجابة ؛ وإلى أن شهر رمضان مرجوة دعواته ، وإلى مشروعية الدعاء أثناء كل يوم وليلة من رمضان . فلشهر رمضان من الفضل ما لم يثبت لغيره من الشهور ، فهو شهر الصـوم ، والصوم أخلص العبادات ، وللإخلاص عند الله تعالى موقع وذمة ، ومن هنا كانت دعوة الصائم مستجابة . فعن أبي هريرة  قال : قال رسول الله  : " ثلاث دعوات مستجابات : دعوة الصائم ، ودعوة المظلوم ، ودعوة المسافر " ( 1 ) .
                          وجاء في سبب نزولها أن الصحابة قالوا : يا رسول الله ! ربنا قريب فنناجيه أم بعيد فنناديه ؟ فنزلت . وهذا يدل على إرشادهم للمناجاة في الدعاء ؛ وهذا دال على قرب الداعي من الله تعالى ، وأنه لاقترابه منه وشدة حضوره ، يسأله مسألة أقرب شيء إليه ، فيسأله مسألة مناجاة القريب للقريب ، لا مسألة نداء البعيد للبعيد ، ولهذا أثنى الله سبحانه على عبده زكريا بقوله :  إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا  . فكلما استحضرَ القلب قرب الله تعالى منه ، وأنه أقرب إليه من كل قريب . وتَصَوَّرَ ذلك أخفى دعاءه ما أمكنه ، كما أن من خاطب جليسا له يسمع خفي كلامه ، فبالغ في رفع الصوت ، استهجن ذلك منه ؛ ولله المثل الأعلى سبحانه ( 2 ).
                          الحديث

                          روى الترمذي من حديث أنس قال : سمعت رسول الله  يقول : " قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي ، يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي ، يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا ، ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا ، لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً " ( 3 ) .
                          والْعَنَانُ السَّحَابُ ، وقُرَابِ الْأَرْضِ : أَيْ بِمَا يُقَارِبُ مِلْأَهَا .
                          فقه الصيام
                          ما يباح للصائم ( 3 )
                          اختلف في الاكتحال والقطرة في العين والإحليل ، وما شابه ذلك ، فأباحها بعض العلماء لأنه لم ينقل أحد من أهل العلم عن النبي  في ذلك شيئًا ؛ ومنعها آخرون لأن العين منفذ للجوف ، وخروجا من هذا الخلاف فللصائم أن يفعل من ذلك ما يشاء طوال الليل ، وليجتنبه في وقت الصيام إلا لضرورة تستدعي ذلك ، والعلم عند الله تعالى .
                          كما اختلف في الحجامة أيضًا ، لما رواه أحمد والترمذي عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ  عَنِ النَّبِيِّ  قَالَ : " أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ " ( 4 ) . قَالَ الترمذي : وَقَدْ كَرِهَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ  وَغَيْرِهِمُ الْحِجَامَةَ لِلصَّائِمِ ، حَتَّى أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ احْتَجَمَ بِاللَّيْلِ مِنْهُمْ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَابْنُ عُمَرَ ، وَبِهَذَا يَقُولُ ابْنُ الْمُبَارَكِ ؛ قَالَ الترمذي : سَمِعْت إِسْحَقَ بْنَ مَنْصُورٍ يَقُولُ : قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ : مَنِ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ ؛ قَالَ إِسْحَقُ بْنُ مَنْصُورٍ : وَهَكَذَا قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَقُ . .. وقَالَ الشَّافِعِيُّ : قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  أَنَّهُ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ ( 5 ) وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  أَنَّهُ قَالَ : " أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ " وَلَا أَعْلَمُ وَاحِدًا مِنْ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ ثَابِتًا ؛ وَلَوْ تَوَقَّى رَجُلٌ الْحِجَامَةَ وَهُوَ صَائِمٌ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ ، وَلَوِ احْتَجَمَ صَائِمٌ لَمْ أَرَ ذَلِكَ أَنْ يُفْطِرَهُ . قَالَ الترمذي : هَكَذَا كَانَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ بِبَغْدَادَ ، وَأَمَّا بِمِصْرَ فَمَالَ إِلَى الرُّخْصَةِ وَلَمْ يَرَ بِالْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ بَأْسًا ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ النَّبِيَّ  احْتَجَمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهُوَ مُحْرِمٌ صَائِمٌ . ا.هـ مختصرًا . فالأولى تركها في وقت الصيام وفعلها بالليل إن احتاج إلى ذلك ، فإن احتجم في نهار رمضان فيقض هذا اليوم احتياطًا وخروجًا من خلاف أهل العلم في ذلك ، والعلم عند الله تعالى .

                          قطوف من الشعر
                          يا مَنْ يرى ما في الضميرِ ويسمعُ ... أنت المعَـدُّ لكلِ ما يتوقعُ
                          يا مَنْ يُرجَّى في الشدائدِ كلِها ... يا مَنْ إليه المشتكى والمفْـَزعُ
                          يا مَنْ خزائنُ رزقِهِ في قولِ كُنْ ... امْنُنْ فإنَّ الخيرَ عندَك أجمعُ
                          ما لي سوى فقري إليك وسيلةً ... فبالافتقارِ إليك فقري أدفعُ
                          ما لي سوى قرعي لبابِك حِيلةً ... إنْ كان فضلُك عن فقيرِك يمنعُ
                          حاشا لمجدِك أن تُقنِّطَ عاصيا ... الفضلُ أجزلُ والمواهبُ أوسعُ
                          كلمات على الطريق
                          قال مطرف بن عبد الله بن الشخير - : تذاكرت ما جماع الخير ؟ فإذا الخير كثير : الصلاة والصيام و … ، وإذا هو في يد الله تعالى ، وإذا أنت لا تقـدر على ما في يد الله إلا أن تسأله فيعطيك ، فإذا جماع الخير الدعاء ( 6 ) .

                          سؤال اليوم
                          الصائم المسافر بالطائرة ، متى يفطر ؟
                          الجواب : إذا كان الصائم في الطائرة واطلع بواسطة الساعة والتليفون عن إفطار البلد القريبة منه وهو يرى الشمس بسبب ارتفاع الطائرة فليس له أن يفطر ؛ لأن الله تعالى قال: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ( البقرة : 187 ) ، وهذه الغاية لم تتحقق في حقه مادام يرى الشمس . وأما إذا أفطر بالبلد بعد انتهاء النهار في حقه فأقلعت الطائرة ثم رأى الشمس فإنه يستمر مفطرًا ؛ لأن حكمه حكم البلد التي أقلع منها وقد انتهى النهار وهو فيها .
                          وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .
                          [ اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء - السؤال الثاني من الفتوى رقم (1693) ]

                          ( 1 ) البيهقي في الشعب ( 3594 ، 7463 ) ، والعقيلي : 1 / 72 ، وانظر صحيح الجامع : 3 / 63 .
                          ( 2 ) انظر بدائع الفوائد لابن القيم : 3 / 519 ، باختصار وتصرف .
                          ( 3 ) الترمذي ( 3540 ) ، وله شاهد عند أحمد : 5 / 167 ، من حديث أبي ذر .
                          ( 4 ) أحمد : 3 / 465 ، والترمذي ( 774 ) .
                          ( 5 ) رواه البخاري ( 1939 ) .
                          ( 6 ) رواه ابن أبي عاصم في الزهد ص 241 .
                          د . محمد عطية

                          تعليق


                          • #13
                            قطوف اليوم الثالث عشر
                            ] أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ[ ( 2 )

                            الدعاء نوعان : الأول : دعاء ثناء . وهو المختص بالثناء على الله تعالى بما هو أهله ، وهو سبحانه أهل الثناء والمجد ، لا يحصي أحد ثناء عليه ، سبحانه هو كما أثنى على نفسه .
                            الثاني : دعاء مسألة . وهو المختص بالطلب ، سواء أكان هذا الطلب أخرويا : من مغفرة ورحمة وفوز وجنة وما شابه ذلك ؛ أو كان دنيويا : من تفريج كرب وسعة رزق وولد صالح وما شابه ذلك .
                            وكلا نوعي الدعاء عبادة ، والله يجيب السائلين ، ويثيب الذاكرين .
                            قال ابن منظور في ( لسان العرب ) : قال أبو إسحاق في قوله تعالى : ] أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِ [ ( البقرة : 186 ) : الدعاء على ثلاثة أوجه : فضرب منها توحيده والثناء عليه ، كقولك : يا الله لا إله إلا أنت ، وكقولك : ربنا لك الحمد ، إذا قلته فقد دعوته بقولك : ربنا ، ثم أتيت بالثناء والتوحيد ، ومثله قوله تعالى : وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ، فهذا ضرب من الدعاء . والضرب الثاني : مسألة الله العفو والرحمة وما يقرب منه ، كقولك : اللهم اغفر لنا . والضرب الثالث : مسألة الحظ من الدنيا ، كقولك : اللهم ارزقني مالاً وولدا ، وإنما سمي جميعه دعاءً لأن الإنسان يُصَدِّرُ في هذه الأشياء بقوله : يا الله ، يا رب ، يا رحمن ، فلذلك سمي دعاء .ا.هـ ( [1] ) . فالذاكر داعٍ ويجيبه الله بإثابته ؛ والسائل داعٍ ويجيبه الله بإحدى ثلاث : إما بمطلوبه ، وإما بصرف سوء عنه ، وإما بادخارها له يوم القيامة وهو أنفع له .

                            الحديث
                            روى أحمد والترمذي وصححه عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ t أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ e قَالَ : " مَا عَلَى الْأَرْضِ مُسْلِمٌ يَدْعُو اللَّهَ بِدَعْوَةٍ إِلَّا آتَاهُ اللَّهُ إِيَّاهَا ، أَوْ صَرَفَ عَنْهُ مِنْ السُّوءِ مِثْلَهَا ، مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ " فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ : إِذًا نُكْثِرُ ! قَالَ : " اللَّهُ أَكْثَرُ "( [2] ) .


                            قطوف من الشعر

                            يا مَنْ يرى مَدَّ البعوضِ جناحَه ... في ظلمةِ الليلِ البهيمِ الأليلِ

                            ويرى نياطَ عروقِها في نحرِها ... والمخَ في تلكَ العظامِ النُحَّلِ
                            ويرى ويسمعُ ما يرى ما طولُها ... في قاعِ بحرٍ زاخرٍ متجندلِ
                            اغفرْ لعبدٍ تابَ مِنْ فرطاتِه ... في قاعِ بحرٍ زاخرٍ متجندلِ

                            كلمات على الطريق

                            مرض أعرابي فقيل له : إنك تموت ! قال : وأين أذهب ؟ قالوا : إلى الله U ، قال : فما كراهتي أن أذهب إلى من لا أرى الخير إلا منه ( [3] ) .

                            سؤال اليوم

                            ما حكم من تكررت ولادتها لأكثر من مرة في رمضان ولم تتمكن من قضاء ما عليها ؟
                            الجواب : يجب على المرأة التي تلد في شهر رمضان أن تقضي عدد الأيام التي أفطرتها من الشهر بعده ، فإن أخرت القضاء إلى رمضان القادم لغير عذر وجب عليها مع القضاء إطعام مسكين لكل يوم تقضيه ، وإن كان تأخير القضاء لعذر وجب عليها أن تقضي عدد الأيام فقط .
                            [ اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء - السؤال الأول والرابع والثامن من الفتوى (9861) ]

                            [1]- لسان العرب باب الواو فصل العين .

                            [2] - أحمد : 5 / 329 ، والترمذي ( 3573 ) ، ورواه البغوي في شرح السنة ( 1387 ) .

                            [3]- انظر كتاب ( حسن الظن بالله ) لابن أبي الدنيا رقم ( 40 ) .
                            د . محمد عطية

                            تعليق


                            • #14
                              قطوف اليوم الرابع عشر
                              أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ (  ( 3
                              في جميع الأسئلة التي سئلها النبي  وتكفل الوحي بإجابتها ؛ كان الجواب يصدر بـ  قُلْ  ؛ وعلى سبيل المثال :  وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً  ( البقرة : 222 ) ؛  يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ  ( النساء : 176 )؛  يَسْأَلونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ  ( المائدة : 4 )؛  وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي  ( الإسراء : 85 )؛  وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا  ( طـه : 105 ) .. إلى غير ذلك من الآيات .
                              أما في هذه الآية الكريمة فتكفل الله تعالى بالإجابة بنفسه دون واسطة فقال  :  وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ  ( البقرة : 186 ) ، قال العلماء : ليبين لعباده أنه لا يحتاج إلى واسطة في دعائه واللجوء إليه ؛ فما على العبد إن أراد شيئًا إلا أن يرفع يديه إلى ربه سائلا إياه ، كبر هذا الشيء أو صغر ؛ ذلك لأن الله تعالى هو خالق الأشياء كلها ؛ صغيرها وكبيرها ، ومصرف الأمور كلها ؛ خفيها وجليها ، وقاضي الحاجات كلها ؛ دقيقها وجليلها . وحقيقة الافتقار إلى الله تعالى ليست في الكبير دون الصغير ، فالكل مفتقر إلى الله تعالى في كل شيء ، والله هو الغني الحميد . ورحم الله من قال :
                              إني إليك مـع الأنفاس محتاج ... ولو بين مفرقي الإكليل والتاج
                              وأخرج الترمذي في السنن باب ( ليسأل الحاجة مهما صغرت ) من كتاب الدعوات ، عن أنس  قال : قال رسول الله  : " ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى يسأل شسع نعله إذا انقطع " ، زاد في رواية عن ثابت البناني مرسلا : " حتى يسأله الملح ، وحتى يسأله شسعه إذا انقطع " ، ورواه ابن حبان والطبراني في ( الدعاء ) وزاد : " فإنه إذا لم يسهله الله لم يسهل " ( [1] ) . والشسع : أحد سيور النعل بين الإصبعين . وعن عائشة - - قالت : سلوا الله كل شيء ، حتى الشسع ، فإن الله إن لم ييسره لم يتيسر ( [2] ) .
                              الحديث
                              عن أنس أن رسول الله عاد رجلا من المسلمين قد خَفَتَ( [3] ) ، فصار مثل الفرخ ، فقال رسول الله  : " هَلْ كُنْتَ تَدْعُو بِشَيْءٍ أَوْ تَسْأَلُهُ إِيَّاهُ ؟ ". قال : نعم ، كنت أقول : اللهم ما كنتَ معاقبي به في الآخرة فعَجِّله لي في الدنيا ، فقال رسول الله  : " سُبْحَانَ اللهِ لَا تُطِيقُهُ أَوْ لَا تَسْتَطِيعُهُ ، أَفَلَا قُلْتَ : اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ " قال : فدعا الله فشفاه ( [4] ) .
                              قال النووي - : في الحديث النهي عن الدعاء بتعجيل العقوبة ، وفيه كراهة تمني البلاء ، لئلا يتضجر منه ويسخطه ، وربما شكا . ا.هـ .
                              قطوف من الشعر
                              إذا اشْتَمَلَتْ على اليَأْسِ القلوبُ... وضَاقَ لما به الصَّدْرُ الرَّحِيبُ
                              وأَوْطَنَتِ الْمَكَـارهُ واطْمَأَنَتْ... وأَرْسَتْ في أمَاكِنِها الْخُطُوبُ
                              ولم تَرَ لانْكِشَافِ الضُّرِ وَجْهًا... ولا أَغْنَى بِحِيلَتِهِ الأريبُ
                              أَتَاكَ عَلَى قُنُوطٍ مِنْك غَوثٌ... يَمُنُّ بهِ اللطيفُ الْمُستجيبُ
                              وكـُلُّ الحادثاتِ إذا تَنَاهَتْ... فَمَوْصُولٌ بها الفرجُ القريبُ
                              كلمات على الطريق
                              قال مالك بن دينار - : حزنك على الدنيا للدنيا يذهب بحلاوة الآخرة من قلبك ؛ وفرحك بالدنيا للدنيا يذهب بحلاوة الآخرة من قلبك ( [5] ) .
                              والمعنى أن من كان همه الدنيا يفرح لقرب أسبابها منه من المال وتبعاته ، ويحزن لبعد هذه الأسباب ؛ فإن قلبه لا يشعر بالآخرة ولا بحلاوة ما أعده الله تعالى للصالحين فيها .
                              سؤال اليوم
                              ما كفارة الرجل الذي أفطر متعمدًا بغير عذر شرعي في رمضان ؟
                              الجواب : إن كان إفطار الرجل متعمداً بجماع فعليه القضاء والكفارة مع التوبة إلى الله سبحانه ، وهي عتق رقبة مؤمنة ؛ فإن لم يستطع فصيام شهرين متتابعين ؛ فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا ، وعلى المرأة مثل ذلك إذا كانت غير مكرهة .. وإن كان بأكل وشرب ونحوهما فعليه القضاء والتوبة ، ولا كفارة عليه . وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .
                              [ اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء السؤال الثاني من الفتوى رقم (11491) ]


                              [1] - الترمذي آخر كتاب الدعوات ( 3612 ) وقد سقط هذا الحديث من السنن المطبوع مع العارضة ، وصححه ابن حبان كما في الإحسان ( 866 ، 894 ، 895 ) ، وحسنه الألباني في تخريج المشكاة : 2 / 696 ، ورواه الطبراني في الدعاء ( 25 ) ، ورواه البزار في مسنده (3135) ، وقال الهيثمي في المجمع : 10/ 150) : ورجاله رجال الصحيح غير سيار بن حاتم وهو ثقة .

                              [2] - رواه ابن أبي عاصم في الزهد : 1 / 203 ، وإسناده على شرط مسلم ، ورواه أبو يعلى ( 4560 ) ، والبيهقي في الشعب ( 1119 ) .

                              [3] - خفت : ضعف .

                              [4] - رواه أحمد : 3 / 107 ، 288 ، ومسلم ( 2688 ) والترمذي ( 3487 ) .

                              [5] - كتاب ( الهم والحزن ) لابن أبي الدنيا رقم ( 9 ) .
                              د . محمد عطية

                              تعليق


                              • #15
                                قطوف اليوم الخامس عشر
                                ] أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ[ ( 4 )
                                من المعلوم أن الله تعالى أمر عباده بالدعاء ، ووعدهم الإجابة ، فقال Y : ] وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [( غافر : 60 ) ؛ بيد أن كثيرًا من الناس يدعون ، ولا يجدون للإجابة أثرا . والسر في ذلك هو أن للدعاء شروطًا لاستجابته . فإذا أخل الداعي بشرط من هذه الشروط كان ذلك مانعا من استجابة دعائه . وأهم شروط استجابة الدعاء : الإخلاص ، والتضرع ، وتحري الحلال ، وألا يدعو بإثم أو قطيعة رحم ، وألا يستبطئ الإجابة .
                                فإذا استكمل الشروط ، ولم ير للإجابة أثرا ، فليعلم أن الله تعالى قد استجاب دعاءه ، ولكن بغير مطلوبه مما هو أنفع له ؛ روى أحمد والبخاري في ( الأدب المفرد ) والحاكم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ t أَنَّ النَّبِيَّ e قَالَ : " مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ : إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ ؛ وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ ؛ وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنْ السُّوءِ مِثْلَهَا " قَالُوا : إِذًا نُكْثِرُ ! قَالَ : " اللَّهُ أَكْثَرُ " ( [1] ) . قال الطبراني - : وقد أفتتن جماعة ممن لا علم لهم بأن يقولوا : ندعوا فلا يستجاب لنا . وهذا رد على الله U ، لأنه يقول وقوله الحق : ] ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [ ، وقال : ] وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِ [ ، ولهذا معنى لا يعرفه إلا أهل العلم والمعرفة ، وقد فسره النبي e ؛ ثم ذكر حديث أبي سعيد المتقدم . ا.هـ ( [2] ) . وإلى هذا أشار ابن الجوزي - - بقوله : اعلم أن دعاء المؤمن لا يرد ، غير أنه قد يكون الأولى له تأخير الإجابة ، أو يعوض بما هو أولى له عاجلا ، أو آجلا . فينبغي للمؤمن ألا يترك الطلب من ربه ، فإنه متعبد بالدعاء ، كما هو متعبد بالتسليم والتفويض . ا.هـ ( [3] ) .
                                الحديث
                                روى أحمد وأهل السنن عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ يَدْعُو يَقُولُ : " رَبِّ أَعِنِّي وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ ، وَانْصُرْنِي وَلَا تَنْصُرْ عَلَيَّ ، وَامْكُرْ لِي وَلَا تَمْكُرْ عَلَيَّ ، وَاهْدِنِي وَيَسِّرْ الْهُدَى لِي ، وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيَّ ، رَبِّ اجْعَلْنِي لَكَ شَكَّارًا ، لَكَ ذَكَّارًا ، لَكَ رَهَّابًا ، لَكَ مِطْوَاعًا ، لَكَ مُخْبِتًا ، إِلَيْكَ أَوَّاهًا مُنِيبًا ، رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتِي ، وَاغْسِلْ حَوْبَتِي ، وَأَجِبْ دَعْوَتِي ، وَثَبِّتْ حُجَّتِي ، وَسَدِّدْ لِسَانِي ، وَاهْدِ قَلْبِي ، وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ صَدْرِي ( [4] ). والرهاب : كثير الخوف ؛ والمخبت : الخاشع الخاضع المتواضع ؛ والأواه : المتذلل كثير البكاء ؛ والمنيب : الراجع من المعصية إلى الطاعة أي التواب ؛ والحوبة : الخطيئة والذنب ؛ والسخيمة : الحقد والغش والغل .
                                قطوف من الشعر
                                قَدِّمْ لِنَفْسِكَ تَوْبَةً مَرْجُـوَّةً...قَبْلَ المماتِ وقَبْلَ حَبْسِ الأَلْسُنِ
                                بادِرْ بها غُلَقَ النفوسِ فإنَّها...ذُخْـرٌ وغُـنْمٌ للمُنِيبِ الْمُحْسِنِ
                                كلمات على الطريق
                                قيل لإبراهيم بن أدهم - : ما بالنا ندعو فلا يستجاب لنا ؟‍‍ قال : لأنكم عرفتم الله فلم تطيعوه ، وعرفتم الرسول فلم تتبعوا سنته ، وعرفتم القرآن فلم تعملوا به ، وأكلتم نعم الله فلم تؤدوا شكرها ، وعرفتم الجنة فلم تطلبوها ، وعرفتم النار فلم تهربوا منها ، وعرفتم الشيطان فلم تحاربوه ووافقتموه ، وعرفتم الموت فلم تستعدوا له ، ودفنتم الأموات فلم تعتبروا ، وتركتم عيوبكم وانشغلتم بعيوب الناس ( [5] ) .
                                سؤال اليوم
                                في شهر رمضان أرعفت وأنا صائم ودخل الدم في جسمي ؟
                                الجواب : خروج الدم بالرعاف لا يفطر الصائم ؛ لأنه بغير اختياره ، لكن إن كنت ابتلعت الدم باختيارك فعليك القضاء ، إذا كنت ابتلعته بعد وصوله إلى فيك ذاكرًا صومك .
                                وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .
                                [ اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء - السؤال الثاني من الفتوى رقم (12077) ]


                                [1] - أحمد : 3/ 18 ، والبخاري في الأدب ( 710 ) ، والحاكم : 1 / 493 ، وصححه ووافقه الذهبي .

                                [2] - المعجم الصغير ص 364 ( مؤسسة الكتب الثقافية ) .

                                [3] - نقلا عن فتح الباري : 11 / 141 .

                                [4] - أحمد : 1 / 227 ، وأبو داود ( 1510 ) ، والترمذي ( 3551 ) وصححه ، والنسائي في اليوم والليلة ( 612 ) ، وابن ماجة (3830).

                                [5] - نقلا عن تفسير القرطبي : 2 / 312 .
                                د . محمد عطية

                                تعليق


                                • #16
                                  قطوف اليوم السادس عشر
                                  ] عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ[
                                  قال الله تعالى : ] أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ [ ( البقرة : 187 ) .
                                  قال ابن عباس : كان المسلمون في شهر رمضان إذا صلوا العشاء حرم عليهم النساء والطعام إلى مثلها من القابلة ، ثم إن أناسا من المسلمين أصابوا من النساء والطعام في شهر رمضان بعد العشاء ، منهم عمر بن الخطاب فشكوا ذلك إلى رسول الله e ، فأنزل الله تعالى : ] عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ [الآية . وقوله ] هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ[ أصل اللباس في الثياب ، ثم سمي امتزاج كل واحد من الزوجين بصاحبه لباسا لانضمام الجسد وامتزاجهما وتلازمهما ، تشبيها بالثوب .. ويقال لما ستر الشيء وداراه : لباس ؛ فجائز أن يكون كل واحد منهما سترا لصاحبه عما لا يحل ؛ وقوله : ] تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ[ من الخيانة ؛ والمعنى أنكم تلجئونها للخيانة أو تنسبونها لها ، بيانا لحالهم بالنسبة إلى ما فرط منهم قبل الإحلالمن مواقعة المحظور من الجماع والأكل بعد النوم في ليالي الصوم ؛ فجُعلت معصية العصاة خيانة منهم لأنفسهم كما جُعلت ظلما لها ؛ لأن الضرر راجع إليهم ، والاختيان أبلغ من الخيانة كالاكتساب من الكسب ؛ والمعنى : تظلمونها بتعريضها للعقاب وتنقيص حظها من الثواب . وقوله : ] عَلِمَ اللهُ[ أي علم وقوع هذا منكم مشاهدة ] فَتَابَ عَلَيْكُمْ [ بعد ما وقع ؛ أي : خفف عنكم ] وَعَفَا [ أي : سهل .
                                  فانظروا - رحمكم الله - كيف سمى الله تعالى المعصية اختيانا للنفس ؛ فالعاصي مختان ، أي : مفتعل الخيانة وملصقها بنفسه ؛ وما كان من الصحابة y في ذلك فقد تاب الله تعالى عليهم وعفا عنهم ؛ فماذا عمن يختان نفسه ولم يعلم أن الله تعالى قد تاب عليه ؟ ثم في الآية إشارة إلى أن من تاب بعد اختيانه لنفسه تاب الله عليه ، فبادروا بالتوبة .. وكرروا في أنفسكم : ] عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ[ .
                                  الحديث
                                  روى مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e : " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ " ( [1] ) . قال العلماء : ليس في الحديث تسلية للمنهمكين في الذنوب كما يتوهمه أهل الغرور بالله تعالى ؛ فإن الأنبياء والرسل إنما بعثوا ليردعوا الناس عن غشيان الذنوب ؛ ولكنالحديث لبيان عفو الله تعالى وتجاوزه عن المذنبين ليرغبوا في التوبة . والمعنى المراد من الحديث هو أن الله كما أحب أن يعطي المحسنين أحب أن يتجاوز عن المسيئين ؛ وقد دل على ذلك غير واحد من أسمائه الغفار الحليم التواب العفو .
                                  فقه الصيام
                                  من حكم الصيام
                                  التحلي بفضيلة الصبر ، تلك الفضيلة التي ما وجدت إلا وجدت معها الفضائل ، ولا فقدت أو ضعفت إلا حضرت الرذائل ؛ وأنواع الصبر الثلاثة مجتمعة في الصيام : ففيه الصبر على الطاعة ، والصبر عن المعصية ، والصبر على أقدار الله المؤلمة . أما الأول فامتثال الصائم أمر ربه وأداء فريضة الصيام ؛ وأما الثانية فإمساكه عن شهواته لله تعالى فيه صبر عن المعصية ؛ وأما الثالثة فصبره على ألم الجوع والظمأ وما يتبعه من تعب الجسم وإرهاقه ؛ فانتظم في الصوم أنواع الصبر ؛ ولذا ورد ( الصوم نصف الصبر ) ، ولعل هذا من أسباب جعل أجر الصوم بغير حساب كأجر الصبر ؛ قال الله تعالى : ] إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [( الزمر : 10 ) .
                                  وفي الصيام إراحة للجهاز الهضمي فترة من الزمن ليستجم فيها من توالي الأطعمة عليه وتخمرها فيه ، فيستعيد نشاطه وقوته ، وفد قيل : المعدة بيت الداء والحمية أصل الدواء ؛ والحمية هي الامتناع عن الطعام . وروى الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة t قال : قال رسول الله e : " اغزوا تغنموا ، وصوموا تصحوا ، وسافروا تستغنوا " ( [2] ) .
                                  وقد تحدث كثير من الأطباء عن فوائد الصيام الصحية وأنه علاج لكثير من أمراض الجهاز الهضمي وغيره . فما أعظم حكمة الله تعالى وأبلغها ، وما أنفع شرائعه للعباد وأصلحها .
                                  قطوف من الشعر
                                  ألا للهِ أنتَ مَـَتى تَتُـوبُ... وقد صَبَغَتْ ذَوَائِبَكَ الخطوبُ
                                  كأَنَّكَ لستَ تَعْلَمُ أي حَثٍّ... يَحُثُّ بِكَ الشروقُ كما الغروبُ
                                  ألست تَراكَ كُلَّ صباحِ يَومٍ... تُقَـابِلُ وَجْـَه نـائبةٍ تَنُـوبُ
                                  لَعَمْرُكَ مَا تَهُـبُّ الريحُ إلا... نَعَاكَ مُصَـرِّحاً ذاكَ الْهُـُبوبُ
                                  ألا للهِ أنتَ فَـتىً وكَـهْلاً... تَلُـوحُ على مَفَارِقِكَ الذنوبُ
                                  هو المـوتُ الذي لابُدَ مِنْهُ...فلا يَلْعَبْ بكَ الأَمَلُ الكذوبُ
                                  كلمات على الطريق
                                  قال الحسن - : إن المؤمن لا تراه إلا يلوم نفسه يقول : ما أردت بكلمتي ؟ يقول : ما أردت بأكلتي ؟ ما أردت بحديث نفسي ؟ .. فلا تراه إلا يعاتبها ؛ وإن الفاجريمضي قدمافلا يعاتب نفسه ( [3] ) .
                                  سؤال اليوم
                                  الإنسان إذا أفطر ناسيًا في رمضان هل عليه القضاء أم لا قضاء عليه ؟
                                  الجواب : من أفطر ناسيًا في نهار رمضان وهو صائم فلا إثم عليه ، وعليه أن يتم صوم يومه ، ولا قضاء عليه على الصحيح من قولي العلماء، وهذا ما ذهب إليه الشافعي وأحمد ؛ لما رواه البخاري ومسلم عن النبي e أنه قال : " مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ " ( [4] ) ، وفي لفظ : " إذا أكل الصائم ناسيًا أو شرب ناسيًا فإنما هو رزق ساقه الله إليه ، ولا قضاء عليه " ( [5] ) رواه الدار قطني وقال : إسناده صحيح ( [6] ) .
                                  وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .
                                  [ اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء السؤال الخامس من الفتوى رقم (5156) ]

                                  [1] - مسلم ( 2749 ) .

                                  [2] - الطبراني في الأوسط ( 8312 ) ، وقال المنذري في ترغيب : 2 / 50 ، والهيثمي في مجمع الزوائد : 3 / 179 : رجاله ثقات .

                                  [3] - الزهد لابن أبي عاصم: 1 / 83.

                                  - [4] البخاري ( 1933 ) ، ومسلم ( 1155) عن أبي هريرة .

                                  [5] - سنن الدار قطني : 2/ 178 ، 179.

                                  [6] - ولا فرق بين صيام رمضان وغيره في هذه المسألة على الراجح من أقوال العلماء لعموم لفظ الأحاديث .
                                  د . محمد عطية

                                  تعليق


                                  • #17
                                    قطوف اليوم السابع عشر
                                    يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ (  ( 1
                                    في يوم الجمعة السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة كان يوم بدر .. يوم الفرقان ؛ قال مجاهد : يوم فرق الله فيه بين الحق والباطل ؛ وأصل الفرقان : الفرق بين الشيئين ، وقد يكون ذلك بقضاء أو استنقاذ أو إظهار حجة أو نصر .. أو غير ذلك من المعاني المفرقة بين المحق والمبطل ؛ وإنما سمي القرآن فرقانًا لفصله بحججه وأدلته وحدود فرائضه وسائر معاني حكمه بين المحق والمبطل .
                                    ويوم بدر يوم عظيم في تاريخ الأمة ؛ لذلك سجلت أحداثه ودروسه في سورة الأنفال ، لتتلى على مسامع الأمة عبر التاريخ دروسا وعبرا تنير طريقها ، وتأخذ بيدها إلى ربها .
                                    ما أحوج الأمة وهي تمر بمنعطف خطير في مراحل حياتها أن تستقي من معين صاف لا ينضب .. كتاب ربها وسنة نبيها ؛ ومن هذا المعين الصادق سيرة النبي  التي هي السنة العملية ؛ ومن تلك السيرة كان يوم الفرقان .. يوم بدر .. وفيه من الدروس والعبر ما يحتاج إلى قطوف وقطوف .. غير أننا نذكر هنا بعض ذلك :
                                    طبقًا للمقاييس المادية - والتي لا يعرف أكثر الناس سواها - فالنصر للأقوى عدة وعتادا .. ولكن بدرًا قلبت مقاييس أهل الجاهلية .. فقد ندب النبي  للخروج لعير قريش من كان جاهزا فقط ، وتخلف عنه كثير ممن لم يكونوا جاهزين ؛ فخرج  في ثلاثمائة وبضع عشرة رجلا ، ليس معهم إلا فرسان وسبعون بعيرا يعتقبونها ؛ وما خرجوا لقتال جيش ، ولا تهيئوا لمعركة .. إنما خرجوا لاعتراض قافلة قوامها ثلاثون رجلا ؛ لعل الله تعالى أن يجعل لهم فيها بعض تعويض عن ما اغتصبه مشركو مكة منهم . فقضى الله تعالى أن تفلت القافلة ، وتكون المواجهة مع قريش التي خرجت بحدها وحديديها متهيئة لقتال ؛ فخرجوا بين التسعمائة إلى الألف ؛ يحملون جميع أسلحتهم يركبون على الخيول أو الإبل ؛ بل كانوا يذبحون في كل يوم تسعة أو عشرة من الإبل .
                                    هذه المقاييس المادية .. التي يقيس بها الناس حروبهم .. وبهذه المقاييس ظاهر الغلبة تكون للأكثر عددًا وعدة والأكثر تهيئة للحرب !! لكن بدرًا نكست هذه المقاييس ، ورفعت مقياس الحق : وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ  ( الأنفال : 10 ) ؛  إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ  ( محمد : 7 ) ، وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ  ( الحج : 40 ) .
                                    الحديث
                                    روى أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ  قَالَ : كُنَّا يَوْمَ بَدْرٍ كُلُّ ثَلَاثَةٍ عَلَى بَعِيرٍ ؛ كَانَ أَبُو لُبَابَةَ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ زَمِيلَيْ رَسُولِ اللَّهِ  قَالَ : وَكَانَتْ عُقْبَةُ رَسُولِ اللَّهِ  قَالَ : فَقَالَا : نَحْنُ نَمْشِي عَنْكَ ! فَقَالَ : " مَا أَنْتُمَا بِأَقْوَى مِنِّي ، وَلَا أَنَا بِأَغْنَى عَنْ الْأَجْرِ مِنْكُمَا " ( 1 ) .
                                    فقه الصيام
                                    فضل الصيام ( 1 )
                                    للصيام فضائل عظيمة جاءت بها الأحاديث الكثيرة ، نذكر منها :
                                    1 – أنه وقاية من النار ، روى أحمد ومسلم واللفظ له عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ  قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ : " الصِّيَامُ جُنَّةٌ " وفي رواية عند أحمد : " الصِّيَامُ جُنَّةٌ وَحِصْنٌ حَصِينٌ مِنَ النَّارِ " ( 2 ) . قال ابن عبد البر – : والجنة الوقاية والستر من النار ، وحسبك بهذا فضلا للصيام ( 3 ) . وروى الشيخان عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : " مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا بَاعَدَ اللَّهُ بِذَلِكَ الْيَوْمِ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا " ( 4 ) .
                                    2 – فضائل مجموعة فيما روى الجماعة عن أَبَي هُرَيْرَةَ قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : " قَالَ اللهُ  : كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ يَوْمَئِذٍ ، وَلَا يَسْخَبْ ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ ، فَلْيَقُلْ : إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ ، وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا : إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ " ( 5 ) .
                                    في هذا الحديث جمع من الفضائل : تضعيف الأجر والثواب ، ونسبة الصيام إلى الله تعالى وهي نسبة تشريف لأنه من أخلص الأعمال ، وخلوف الصائم عند الله تعالى أطيب من ريح المسك ، وما يجده الصائم من فرحة عند قضاء فريضة ربه ، وأخرى عندما يلقاه تعالى ، فيفرح بما أعده سبحانه للصائمين من عظيم الأجر وجزيل الثواب . فما أعظمه من فضل ، وما أعظمه من أجر .
                                    قطوف من الشعر
                                    أَثَامِنُ بالنفسِ الثمينةِ ربَّها ... وليسَ لها في الْخَلْقِ كُلِّهِمُ ثمنْ
                                    بها تُشترى الجناتُ، إنْ أنا بِعْتُهَا ... بشيءٍ سِوَاها إن ذَلِكُمُ غَبَنْ
                                    لئنْ ذهبتْ نفسي بدنيا أَصَبْتُها ... لقد ذهبتْ نفسي وقد ذهبَ الثمنْ
                                    كلمات على الطريق
                                    قال خالد بن الوليد وهو في سياق الموت : لقد شهدت مائة زحف أو زهاءها ؛ وما في جسدي موضع شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة أو رمية ؛ ثم ها أنا ذا أموت على فراشي كما يموت العير فلا نامت أعينُ الجبناء ( 6 ) .
                                    سؤال اليوم
                                    سئل الشيخ ابن باز : ما حكم من سحب منه دم وهو صائم في رمضان وذلك بغرض التحليل ؟
                                    فأجاب - : مثل هذا التحليل لا يفسد الصوم بل يعفى عنه ؛ لأنه مما تدعو الحاجة إليه وليس من جنس المفطرات المعلومة من الشرع المطهر ( 7 ) .


                                    1 - أحمد : 1 / 411 ، 418 ، وإسناده حسن .
                                    2 - مسلم (1151 ) ، وأحمد : 2 / 257 ، 402 ، وهو جزء من حديث رواه الشيخان وغيرهما .
                                    3 - التمهيد : 19 / 54 .
                                    4 - البخاري ( 2740 ) ، ومسلم ( 1153 ) .
                                    5 - أحمد : 2 / 516 ، والبخاري ( 1894 ، 1904 ) ، ومسلم ( 1151 ) ، وأبو داود ( 2363 ) ، والترمذي ( 764 ) ، والنسائي ( 2216 ) ، وابن ماجة ( 1638 ) .
                                    6 - انظر الاستيعاب لابن عبد البر : 2 / 430 ، والعير الحمار ، ويكتبها كثيرون : البعير وهو ذكر الإبل .
                                    7 - انظر فتاوى رمضان – اعتنى بها ورتبها أشرف عبد المقصود .. رقم ( 400 ) .
                                    د . محمد عطية

                                    تعليق


                                    • #18
                                      قطوف اليوم الثامن عشر


                                      ] يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ [ ( 2 )

                                      لم تكن بدر معركة فحسب ، إنها رفعت موازين الحق وأسقطت موازين الباطل ، وبينت عقيدة القتال عند أهل الحق ، والتي يسميها العسكريون المتأخرون ( العقيدة العسكرية ) ؛ والسؤال الذي يطرح نفسه : هل تكررت بدر عبر تاريخ الأمة ؟
                                      أقول : نعم ، ومن يقرأ التاريخ يقف على ذلك ؛ تكررت في القادسية .. وتكررت في اليرموك .. وكان ذلك جليًّا واضحًا .
                                      ففي القادسية : أحصي عدد جيش المسلمين في حدود ثلاث وثلاثين ألفًا ، وكان عدد الفرس ( دولة عظمى ) مائتي ألف .
                                      وفي اليرموك : كان جيش المسلمين في حدود الأربعين ألفًا ، وجيش الروم ( دولة عظمى ) في حدود ما يزيد عن مائتي ألف .
                                      وانتصر المسلمون انتصارا باهرا في المعركتين .
                                      وقد فهم أعداء الإسلام ذلك ومنذ القديم ،قال أبوإسحاق - : كان أصحاب رسول الله e لا يثبت لهم العدو فواق ناقة عند اللقاء، فقال هرقل وهو على أنطاكية لما قدمت منهزمةً الروم : ويلكم أخبروني عن هؤلاء القوم الذين يقاتلونكم ، أليسوا بشرا مثلكم ؟! قالوا : بلى . قال : فأنتمأكثرأمهم؟قالوا: بل نحن أكثر منهم أضعافا في كل موطن . قال : فما بالكم تنهزمون ؟ قال شيخ من عظمائهم : من أجل أنهم يقومون الليل، ويصومون النهار، ويوفون بالعهد، ويأمرون بالمعروف ، وينهون عن المنكر ، ويتناصفون فيما بينهم .
                                      ومن أجل أننا نشرب الخمر ، ونزني ، ونركب الحرام ، وننقض العهد ، ونغصب ونظلم ، ونأمر بالسخط ، وننهى عما يرضي الله ، ونفسدفيالأرض. فقال : أنت صدقتني . انتهى من البداية والنهاية ( [1] ) .

                                      الحديث

                                      روى مسلم عن ابْنِ عَبَّاسٍ t قال : حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ t قَالَ : لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسُولُ اللهِ e إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ ، وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا ؛ فَاسْتَقْبَلَ نَيُّ اللهِ e الْقِبْلَةَ ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ : " اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي ، اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي ، اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ " فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ ؛ فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ وَقَالَ : يَا نَبِيَّ اللهِ كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ! فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ U : ] إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ[ فَأَمَدَّهُ اللَّهُ بِالْمَلَائِكَةِ ( [2] ) .

                                      فقه الصيام
                                      فضل الصيام ( 2 )

                                      3 – الصيام يشفع لصاحبه يوم القيامة،روىأحمدوالحاكمعَنْعَبْدِاللهِبْنِعَمْرٍوtأَنَّرَسُولَاللهِe : " الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ : أَيْ رَبِّ مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ : مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ ، قَالَ : فَيُشَفَّعَانِ " ( [3] ) .
                                      4 – للصائمين باب خاص يدخلونالجنةمنههوبابالريان،روىالشيخانعَنْسَهْلِبْنِسَعْدٍt قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e : " إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، لَا يَدْخُلُ مَعَهُمْ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ ، يُقَالُ : أَيْنَ الصَّائِمُونَ ؟ فَيَدْخُلُونَ مِنْهُ ، فَإِذَا دَخَلَ آخِرُهُمْ أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ " ( [4] ) . والريان مبالغة من الري ، وفيه مقابلة لما كان يحصل للصائم في الدنيا من الظمأ ، فمن يظمأ لله في الدنيا لا يصيبه عطش يوم القيامة .
                                      5 – الصيام من أبواب الخير ؛ فعن مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أنَّ النَّبِيَّ e قَالَ له : " أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ : الصَّوْمُ جُنَّةٌ ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ " ( [5] ) .
                                      6 – الصيام لا عدل له في الأعمال الصالحة ، روى أحمد والنسائي عَنْ أَبِي أُمَامَةَ t قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مُرْنِي بِعَمَلٍ ، قَالَ : " عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَاعَدْلَ لَهُ"قُلْتُ:يَارَسُولَاللَّهِمُرْنِيبِعَمَلٍ، قَالَ : " عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَا عِدْلَ لَهُ " وفي رواية : " عَلَيْكَ بِالصِّيَامِ فَإِنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ " ( [6] ) .
                                      7 - الصيام عبادة مشتركة بين جميع المؤمنين السابقين واللاحقين ، كما دلت عليه الآية يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ( البقرة : 183 ) ، وإن كان الأمر قد يختلف في الكيفية والوقت .

                                      قطوف من الشعر

                                      يا أُمَّـتِي وَجَبَ الكِـَفاحُ ...فـدعي التشدقَ والصِـياحْ

                                      ودعي التقـاعسَ ليسَ يُنْـ ... ـصرُ منْ تَقَـاعسْ واستراحْ

                                      ودعـي الـرياءَ فقد تَكَلْـ ... لَمَتْ المذابـحُ والجِـراحْ

                                      كَـذَبَ الـدعاةُ إلى السلا... مِ فـلا سـلامَ ولا سـماحْ

                                      مـا عَـادَ يُجـدِينا البكا ... ءُ، على الطـلولِ أو الـنواحْ

                                      لغـةُ الكـلامِ تَعَـطَّلَتْ... إلا الـتكـلمَ بالـرمـاحْ

                                      إنا نـتوقُ لألسـنٍ ... بُكْـمٍ عـلى أيدٍ فصـاحْ


                                      كلمات على الطريق
                                      قال ابْنُ رَوَاحَةَ t يوم مؤتة : وَاَللّهِ مَا كُنّا نُقَاتِلُ النّاسَ بِكَثْرَةِ عَدَدٍ وَلَا بِكَثْرَةِ سِلَاحٍ وَلَا بِكَثْرَةِ خُيُولٍ ،إلّا بِهَذَا الدّينِ الّذِي أَكْرَمْنَا اللّهُ بِهِ ؛ انْطَلِقُوا وَاَللهِ لَقَدْ رَأَيْتنَا يَوْمَ بَدْرٍ مَا مَعَنَا إلّا فَرَسَانِ ، وَيَوْمَ أُحُدٍ فَرَسٌ وَاحِدٌ ؛ وَإِنّمَا هِيَ إحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ : إمّا ظُهُورٌ عَلَيْهِمْ فَذَلِكَ مَا وَعَدَنَا اللهُ وَوَعَدَنَا نَبِيّنَا ، وَلَيْسَ لِوَعْدِهِ خُلْفٌ ، وَإِمّا الشّهَادَةُ فَنَلْحَقُ بِالْإِخْوَانِ نُرَافِقُهُمْ فِي الْجِنَانِ .. فَشَجّعَ النّاسَ ( [7] ) .

                                      سؤال اليوم
                                      هل الخروج إلى الشارع لقضاء المصالح والاصطدام بمناظر العري في نهار رمضان مبطل للصيام أولا ؟
                                      الجواب : ليس مبطلاً للصيام ، وعليه أن يغض بصره قدر استطاعته .
                                      وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .

                                      [ اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء – السؤال العشرون من الفتوى رقم (6364) ]

                                      [1]- - انظر البداية و النهاية : 7 / 15 .
                                      [ 2 ] - أحمد 5 / 180 .
                                      [3] - أحمد : 2 / 174 ، والحاكم ( 2036 ) وصححه .
                                      [4] - البخاري ( 1896 ) ، ومسلم ( 1152 ) .
                                      [5] - أحمد : 5 / 231 ، 237 ، والترمذي (2616 ) وصححه ، وابن ماجة ( 3973 ) .
                                      [6] - أحمد : 5 / 249 ، والنسائي ( 2221 : 2223 ) ، وصححه ابن حبان ( 3426 ) ، والحاكم ( 1533 ) .
                                      [7] - مغازي الواقدي ص 760 .
                                      د . محمد عطية

                                      تعليق


                                      • #19
                                        قطوف اليوم التاسع عشر
                                        يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ( 3 ) 
                                        نصر الله تعالى الفئة القليلة المؤمنة الصابرة ؛ وأذل الله تعالى الكثرة الكافرة ، وجعل ذلك سنة له في هذه الحياة .. حتى لا تضعف الفئة المؤمنة الصابرة وإن كانت قليلة أمام الكثرة الكافرة ؛ قال الله تعالى :  إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الْفَتْحُ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ  ( الأنفال : 19) ؛ وتلك سنة يفهمها المؤمنون عبر التاريخ ، فقد ذكر الله تعالى عن طالوت ومن معه من المؤمنين ، قال تعالى : فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ  ( البقرة : 249 ) ؛ وروى أحمد والبخاري والترمذي وابن ماجة عَنْ الْبَرَاءِ  قَالَ : كُنَّا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ  نَتَحَدَّثُ أَنَّ عِدَّةَ أَصْحَابِ بَدْرٍ عَلَى عِدَّةِ أَصْحَابِ طَالُوتَ الَّذِينَ جَاوَزُوا مَعَهُ النَّهَرَ وَلَمْ يُجَاوِزْ مَعَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ ؛ بِضْعَةَ عَشَرَ وَثَلَاثَ مِائَةٍ ( [1] ) .
                                        الحديث

                                        روى البخاري عَنْ أَنَسٍ  أَنَّ أُمَّ الرُّبَيِّعِ بِنْتَ الْبَرَاءِ - وَهِيَ أُمُّ حَارِثَةَ بْنِ سُرَاقَةَ - أَتَتْ النَّبِيَّ  فَقَالَتْ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَلَا تُحَدِّثُنِي عَنْ حَارِثَةَ - وَكَانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ ، أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ - فَإِنْ كَانَ فِي الْجَنَّةِ صَبَرْتُ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ فِي الْبُكَاءِ ؟! قَالَ : " يَا أُمَّ حَارِثَةَ إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الْجَنَّةِ ، وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الْفِرْدَوْسَ الْأَعْلَى " ( [2] ) .
                                        فقه الصيام
                                        صيام الصغير
                                        من المعلوم أن أهم حقوق الأبناء على الآباء أن يعرفوهم بالله تعالى وبحقه سبحانه على عباده ؛ وأن يعودوهم على طاعته صغارا ؛ فيعلمونهم الصلاة والصيام والذكر والتلاوة والدعاء .. إلى غير ذلك من العبادات التي يستطيعها الصغير والكبير ؛ وكم رأينا صغارا لا يدركون حاكوا آباءهم وهم يصلون ، وقلدوهم وهم يذكرون أو يتلون ..
                                        على أنه يتبادر إلى الذهن سؤال .. منذ متى يتعلم صغارنا الصيام ويؤمرون به ؟ والجواب : لقد علمنا النبي  السن التي نأمر فيها أولادنا بالصلاة ؛ فقد روى أحمد وأبو داود عَنْ ابن عَمْرٍو  قَال : قَالَ رَسُولُ اللهِ  : " مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعِ سِنِينَ ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرِ سِنِينَ ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ " ( [3] ) . ورأى كثير من العلماء أن هذه هي سن الأمر والتعويد للعبادات عموما بالنسبة للصغار ؛ لأن الصلاة هي أهم العبادات بعد التوحيد ، إلا أنه ذهب بعض أهل العلم إلى أن الصغار يؤمروا بالصيام إذا أطاقوه ، فقد روى عبد الرزاق عن ابن سيرين قال : يؤمر الصبي بالصلاة إذا عرف يمينه من شماله ، وبالصوم إذا أطاقه . وروى أيضًا عن هشام بن عروة قال : كان أبي يأمر الصبيان بالصلاة إذا عقلوها ، والصيام إذا أطاقوه ( [4] ) . ذلك لأن للصيام مشقة فوق مشقة الصلاة فيراعى فيها الطاقة .. وفي الصحيحين عَنْ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِعَفْرَاءَقَالَتْ:أَرْسَلَرَسُولُاللهِ  غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الْأَنْصَارِ الَّتِي حَوْلَ الْمَدِينَةِ : " مَنْ كَانَ أَصْبَحَ صَائِمًا فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ ، وَمَنْ كَانَ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ " فَكُنَّا بَعْدَ ذَلِكَ نَصُومُهُ وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا الصِّغَارَ مِنْهُمْ إِنْ شَاءَ اللهُ ، وَنَذْهَبُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَنَجْعَلُ لَهُمْ اللُّعْبَةَ مِنْ الْعِهْنِ فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهَا إِيَّاهُ عِنْدَ الْإِفْطَارِ . وفي رواية لمسلم : وَنَصْنَعُ لَهُمْ اللُّعْبَةَ مِنْ الْعِهْنِ ، فَنَذْهَبُ بِهِ مَعَنَا فَإِذَا سَأَلُونَا الطَّعَامَ أَعْطَيْنَاهُمْ اللُّعْبَةَ تُلْهِيهِمْ حَتَّى يُتِمُّوا صَوْمَهُمْ ( [5] ) . ففِي هَذَا الْحَدِيث تَمْرِينُ الصِّبْيَان عَلَى الطَّاعَات , وَتَعْوِيدُهُمْ الْعِبَادَاتِ , وَإنْ كانوا لَيْسُوا مُكَلَّفِينَ ؛ وشغلهم باللعب من الصوف وما شابهها ليتموا صومهم ويعتادوا الطاعة لله تعالى .
                                        قطوف من الشعر

                                        يا عَابِدَ الحرَمَينِ لَو أَبْصَرْتَنَا... لعلمتَ أنَّك في العبادةِ تَلْعبُ
                                        مَنْ كَانَ يُخْضِبُ جِيدَهُ بِدُمُوعِهِ... فَنُحُورُنَا بدِمَائِنَا تَتَخَضَبُ
                                        أو كان يُتْعِبُ خَيْلَهُ في بَاطِلٍ ... فَخُيولُنَا يومَ الصَبِيحَةِ تَتْعَبُ
                                        ريحُ العبيِر لَكُمْ ونَحْنُ عَبِيرُنَا... رَهَجُ السَنَابِكِ والغُبَارُ الأَطْيَبُ
                                        ولقدْ أَتَانَا مِنْ مَقَالِ نَبِيِّنَا ... قَولٌ صحيحٌ صادقٌ لا يَكْذِبُ
                                        لا يستوي غُبارُ خَيْلِ اللهِ في ... أَنْفِ امرئٍ ودخانُ نارٍ تَلْهَبُ
                                        هذا كتابُ اللهِ يَنْطِقُ بيننا ...ليسَ الشهيدُ بميِّتٍ، لا يَكذبُ
                                        كلمات على الطريق
                                        كتب عمر  إلى سعد بن أبي وقاص  ومن معه من الأجناد الذين توجهوا لحرب فارس : ... أما بعد ؛ فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال ، فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو ، وأقوى المكيدة في الحرب .. وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراسا من المعاصي من عدوكم ، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم ( [6] ) .
                                        سؤال اليوم
                                        رجل مسلم ثري يتمتع بصحة جيدة ؛ ادعى أحد المثقفين للأسف أنه يجوز له الفطر في رمضان ويطعم عن كل يوم عدة مساكين ، بحجة أن الله ليس في حاجة إلى صيامه !! هل يجوز له الإفطار مع الإطعام ؟
                                        الجواب : أساء من أفتى ذلك الغني بالإفطار والإطعام ، وهو : إما جاهل جريء وإما مغرور مفتون ، فإنه لا يجوز الإفطار في نهار رمضان إلا لعذر شرعي كالمرض والسفر وغيرهما من الأعذار الشرعية ، وعلى من أفطر القضاء ؛ قال تعالى :  شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر  ولا يجوز الإطعام عن الصيام إلا للمريض الذي قرر الأطباء عدم رجاء شفائه ، أو كبير السن العاجز عن الصوم .
                                        وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .
                                        [ اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء - السؤال الثاني من الفتوى رقم (7890) ]


                                        [1]- أحمد : 4 / 290 ، والبخاري ( 3957 : 3959 ) ، والرتمذي ( 1598 ) وابن ماجة ( 2828 ) .

                                        [2] - البخاري ( 2809 ) .

                                        [3] - أحمد : 2 / 180، 187 ، وأبو داود ( 495 ) ، ورواه أبو داود ( 494 ) عن سبرة .

                                        [4] - مصنف عبد الرزاق : ( 7290 ) ، وروى عن قتادة مثله ( 7292 ، وأثر هشام بن عروة رواه ( 7273 ) .

                                        [5] - البخاري ( 1960 ) ومسلم ( 1136 ) .

                                        [6] - انظر ( عدة النصر ) لمحمد عطية ص 43 .
                                        د . محمد عطية

                                        تعليق


                                        • #20
                                          قطوف اليوم العشرين
                                          ] لَيْلَةُ الْقَدْرِ [ ( 1 )
                                          للعشر الأواخر من رمضان فضل على غيرها من الليالي ، ويرجع ذلك لفضل ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر ليس فيها ليلة قدر ، إنها ليلة هي خير مما قد يعمره الإنسان من عمر ، فهي خير من ثلاث وثمانين سنة وثلث ليس فيها ليلة القدر ، وأعمار الأمة بين الستين والسبعين ، فهي خير من عمرك كله يا ابن آدم . قال ابن عطية - : وهي في الأوتار بحسب الكمال والنقصان في الشهر ، فينبغي لمرتقبها أن يرتقبها من ليلة عشرين في كل ليلة إلى آخر الشهر ، لأن الأوتار مع كمال الشهر ، ليست الأوتار مع نقصانه ، وقال رسول الله e : " لثالثة تبقى لخامسة تبقى ، لسابعة تبقى " ، وقال : " التمسوها في الثالثة والخامسة والسابعة والتاسعة " ( [1] ) .
                                          قد كان النبي e يخص العشر الأواخر من رمضان بزيادة جهد واجتهاد ؛ ففي صحيح مسلم عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللهِ e يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ ( [2] ) . وفي الصحيحين عنها - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللهِ e إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ أَحْيَا اللَّيْلَ ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ ، وَجَدَّ وَشَدَّ الْمِئْزَرَ ( [3] ) . و المئزر بكسر الميم مهموز ، هو الإزار . والمعنى أنه e اجتهد في العبادات زيادة على عادته في غيرها ، يقال : شددت لهذا الأمر مئزري ، أي : تشمرت له وتفرغت ، وقيل : هو كناية عن اعتزال النساء للاشتغال بالعبادات ، ولا يمتنع أن تكون لتأكيد الاجتهاد . وقولها : أَحْيَا اللَّيْلَ : أى استغرقه بالسهر في الصلاة وغيرها ، ويحتمل إحياء غالبه . وقولها : وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ : أي : أيقظهم للصلاة في الليل ، وليجتهدوا في العبادة زيادة على العادة .
                                          فيؤخذ من هذه الأحاديث : استحباب زيادة العبادات في العشر الأواخر من رمضان ، واستحباب إحياء لياليه بأنواع الطاعات ، من اعتكاف وصلاة وتلاوة وذكر ودعاء وغير ذلك تعرضا لما جعله الله تعالى من الرحمة والفضل والخير في هذه العشر ..
                                          ها نحن - أيها القارئ الكريم - قد دخلنا في عشر الجد والاجتهاد ، عشر لو فات المرء ما فيها من الخير فهو المحروم ، فنعوذ بالله من ذلك ، روى أحمد والنسائي بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة t قال : قال رسول الله e : " أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ ، فَرَضَ اللهُ U عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ ، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ ، لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ " ( [4] ) . والله المسئول أن يوفقنا والمسلمين لنيل هذا الفضل ، وأن لا يجعلنا من المحرومين ، آمين .
                                          الحديث
                                          روى أحمد والترمذي وابن ماجة عَنْ عَائِشَةَ - - قَالَتْ : قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ الْقَدْرِ ، مَا أَقُولُ فِيهَا ؟ قَالَ : " قُولِي : اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ كَرِيمٌ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي" ( [5] ) . وتعليم النبي e عائشة - - هذا الدعاء ، مع شرف الليلة ، يدل على أن إجابة الدعاء ترجى فيها بإذن الله الكريم .
                                          فقه الصيام
                                          صلاة التراويح ( 1 )
                                          التراويح جمع تَرْوِيحة ، وهي المرة الواحدة من الراحة ، مثل تسليمة من السَّلام . والتَّرْويحةُ في شهر رمضان : سميِّت بذلك لاستراحة القوم بعد كل أَربع ركعات لأنهم كانوا يطيلون القراءة ؛ وصلاة التراويح سنة مؤكدة ، ثبتت عن النبي e قولا وفعلا ، وهي من النوافل التي تشرع لها الجماعة في رمضان .
                                          ووقتها من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر ، وهي سنة للرجال والنساء وقد رغب النبي e في قيام رمضان بقوله : " ومَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ " متفق عليه ، ولذلك فللتراويح فضيلة ومزية على غيرها من صلاة الليل . وكان النبي e أول من سن الجماعة في صلاة التراويح في المسجد ، ثم تركها خوفا من أن تفرض على أمته , ففي الصحيحين عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِي اللَّهم عَنْهَا - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ e صَلَّى ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي الْمَسْجِدِ ، فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ ، ثُمَّ صَلَّى مِنَ الْقَابِلَةِ ، فَكَثُرَ النَّاسُ ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ e فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ : " قَدْ رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتُمْ وَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنَ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ إِلَّا أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ " قَالَ : وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ " ( [6] ) . وروى أحمد وأهل السنن عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ t قَالَ : صُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ e فَلَمْ يُصَلِّ بِنَا حَتَّى بَقِيَ سَبْعٌ مِنَ الشَّهْرِ ، فَقَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ ، ثُمَّ لَمْ يَقُمْ بِنَا فِي السَّادِسَةِ ، وَقَامَ بِنَا فِي الْخَامِسَةِ حَتَّى ذَهَبَ شَطْرُ اللَّيْلِ ، فَقُلْنَا لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ نَفَّلْتَنَا بَقِيَّةَ لَيْلَتِنَا هَذِهِ ! فَقَالَ : " إِنَّهُ مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ " ثُمَّ لَمْ يُصَلِّ بِنَا حَتَّى بَقِيَ ثَلَاثٌ مِنَ الشَّهْرِ ، وَصَلَّى بِنَا فِي الثَّالِثَةِ وَدَعَا أَهْلَهُ وَنِسَاءَهُ ، فَقَامَ بِنَا حَتَّى تَخَوَّفْنَا الْفَلَاحَ ، قُلْتُ لَهُ : وَمَا الْفَلَاحُ ؟ قَالَ : السُّحُورُ ( [7] ) .
                                          قطوف من الشعر
                                          ياربِّ عَفْوَكَ عَنِ ذِي تَوْبَةٍ وَجِلِ ... كَأنَّه مِنْ حَذَارِ النارِ مجنونُ
                                          قد كانَ قَـدَّمَ أعمالاً مُقَـاربةً ...أيامَ ليس لَهُ عَقْلٌ ولا دِينُ
                                          كلمات على الطريق
                                          الموت ليس محل نزاع بين الناس ، فما من إنسان إلا وهو ميت وابن ميت ؛ والموت لا يفرق بين صحيح وسقيم ، ولا كبير وصغير ، ولا أمير وحقير ، ولا غني وفقير ؛ كما لا يفرق بين شجاع ورعديد جبان .. فمن انتهى أجله لا يغني عنه شيء .
                                          سؤال اليوم
                                          على مسافة كم من الكيلو مترات يجب الإفطار ؛ وماذا لو صام ولم يفطر ؟
                                          الجواب : رخص بعض العلماء في قصر الصلاة الرباعية والفطر في نهار رمضان في كل ما يسمى سفرًا ؛ وحدد جمهور العلماء المسافة بثمانين كيلو متر تقريبًا .
                                          ومن صام في السفر الذي يشرع فيه الإفطار فصيامه صحيح للأدلة الدالة على ذلك ، ولا حرج عليه إلا إذا أضرَّ به الصوم فإنه يتأكد عليه الإفطار لقول النبي e : " ليس من البر الصوم في السفر " .
                                          وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .
                                          [ اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء - السؤال الثاني من الفتوى رقم (7652) ]

                                          [1] - انظر المحرر الوجيز : 15 / 521 .

                                          [2] - أحمد : 6 / 82 ، ومسلم ( 1175 ) ، والترمذي ( 796 ) ، وابن ماجة ( 1767 ) .

                                          [3] - البخاري ( 2024 ) ومسلم ( 1174 ) .

                                          [4] - أحمد : 2 / 230 ، والنسائي ( 2106 ) .

                                          [5] - أحمد : 6 / ، والترمذي ( 3513 ) وصححه واللفظ له ، وابن ماجة ( 3850 ) .

                                          [6] - البخاري ( 1129 ) ، ومسلم ( 761 ) .

                                          [7] - أحمد : 5 / 159 ، وأبو داود 1375 ) ، والترمذي ( 806 ) وصححه ، والنسائي ( 1364 ) ، وابن ماجة ( 1327 ) .
                                          د . محمد عطية

                                          تعليق


                                          • #21
                                            قطوف اليوم الواحد والعشرين
                                            ] لَيْلَةُ الْقَدْرِ [ ( 2 )
                                            ] إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ . لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ . تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ . سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ[ ( سورة القدر ).
                                            ليلة القدر : اسم جعله الله للَّيلة التي ابتدىء فيها نزول القرآن ؛ والقَدْر الذي عُرفت الليلة بالإضافة إليه هو بمعنى الشرف والفضل ، أي : ليلة القدر العظيم والشرف والشأن ، من قولك : رجل له قدر ، وقيل : سميت ليلة القدر لأنها تكسب من أحياها قدرًا عظيمًا لم يكن من قبل ، وترده عظيمًا عند الله تعالى ؛ وقيل ليلة القدر : أي الحكم ؛ لأنه تقدر فيها الآجال والأرزاق وحوادث العالم كلها .
                                            والمقصود من تشريف الليلة - التي كان ابتداء إنزال القرآن فيها - تشريف آخر للقرآن بتشريف زمان ظهوره ، تنبيهًا على أنه تعالى اختار لابتداء إنزاله وقتًا شريفًا مباركًا . ] وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ [ كلمة ( ما أدراك ) تقال في تفخيم الشيء وتعظيمه ، والمعنى : أيُّ شيء يُعَرِّفك ما هي ليلة القدر ؟ إنها ليلة ذات الحدث العظيم الذي لم تشهد الأرض مثله في عظمته ، وفي دلالته ، وفي آثاره في حياة البشرية جميعًا ؛ العظمة التي لا يحيط بها الإدراك البشري : ] وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ [ ثم بين الله تعالى هذا القدر العظيم : ] لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ [ أي ليس فيها ليلة القدر .. ] تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ[ أي : وجبريل ] فِيهَا [ أي : في ليلة القدر ] بِإِذْنِ رَبِّهِمْ [ أي : بأمره ] مِنْ كُلِّ أَمْرٍ [ أي : بكل أمر قدره الله وقضاه في تلك السنة إلى قابل ؛ ] سَلَامٌ هِيَ [ أي ليلة القدر سلامة وخير كلها لا شر فيها ] حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ [ أي : إلى طلوع الفجر .
                                            الحديث
                                            روى البخاري عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ e قَالَ : " الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ : فِي تَاسِعَةٍ تَبْقَى ، فِي سَابِعَةٍ تَبْقَى ، فِي خَامِسَةٍ تَبْقَى " ( [1] ) .
                                            فقه الصيام
                                            صلاة التراويح ( 2 )
                                            في الصحيحين عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ - : كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ e فِي رَمَضَانَ قَالَتْ : مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ e يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً ، يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ ؟ فَقَالَ : " يَا عَائِشَةُ إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي " ( [2] ) . فالأفضل أن يصلي الإمام بالمسلمين صلاة التراويح إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة ، يسلم بعد كل ركعتين كما كان يفعل النبي e ؛ فإن صلى عشرين فالأمر واسع ، وقد قال به الأئمة الأربعة ، قال ابن تيمية - : كما أن نفس قيام رمضان لم يوقت النبي e فيه عددا معينا ، بل كان هو e لا يزيد في رمضان ولا غيره على ثلاث عشرة ركعة ، لكن كان يطيل الركعات ، فلما جمعهم عمر على أبى بن كعب كان يصلى بهم عشرين ركعة ثم يوتر بثلاث ، وكان يخف القراءة بقدر ما زاد من الركعات ، لأن ذلك أخف على المأمومين من تطويل الركعة الواحدة ؛ ثم كان طائفة من السلف يقومون بأربعين ركعة ويوترون بثلاث ، وآخرون قاموا بست وثلاثين وأوتروا بثلاث ؛ وهذا كله سائغ ، فكيفما قام في رمضان من هذه الوجوه فقد أحسن ، والأفضل يختلف باختلاف أحوال المصلين : فإن كان فيهم احتمال لطول القيام فالقيام بعشر ركعات وثلاث بعدها كما كان النبي e يصلى لنفسه في رمضان وغيره هو الأفضل ، وإن كانوا لا يحتملونه فالقيام بعشرين هو الأفضل ، وهو الذي يعمل به أكثر المسلمين ، فإنه وسط بين العشر وبين الأربعين ، وإن قام بأربعين وغيرها جاز ذلك ، ولا يكره شيء من ذلك ، وقد نص على ذلك غير واحد من الأئمة كأحمد وغيره ، ومن ظن أن قيام رمضان فيه عدد موقت عن النبى e لا يزاد فيه ولا ينقص منه فقد أخطأ ، فإذا كانت هذه السعة في نفس عدد القيام فكيف الظن بزيادة القيام لأجل دعاء القنوت أو تركه ، كل ذلك سائغ حسن ، وقد ينشط الرجل فيكون الأفضل في حقه تطويل العبادة ، وقد لا ينشط فيكون الأفضل في حقه تخفيفها ( [3] ) .
                                            والأفضل للمأموم أن يقوم مع الإمام حتى ينصرف ، سواء أصلى إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة أو ثلاثاً وعشرين أو أقل أو أكثر ، حتى يكتب له قيام ليله ، لحديث أبي ذر t المتقدم أن النبي e قال : " إِنَّهُ مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ " .
                                            قطوف من الشعر
                                            فَلَمَّا قَسَا قَلْبِي وضَاقَتْ مَذَاهِـبِي... جَعَلْتُ الرَّجَا مِنْي لِعَفْوِكَ سُلَّمَا
                                            تَعَاظَـمَنِي ذَنْـبِي فَلَـَّما قَـرِنْتُهُ... بِعَفْوِّكَ رَبِي كانَ عَفْـوُكَ أَعْظَمَا
                                            ومَا زلتَ ذا عَفْوٍ عَنِ الذَنْبِ لم تَزْلْ... تَجُـودُ وتَعْفُـو مِنَّةً وتكـرما
                                            ولولاكَ مَا يَقْـَوى بإِبِليسَ عَـابدٌ ... فَكَيفَ وقد أَغْوَى صَفِيَّك آدَمَا
                                            فإنْ تَعْـفُ عَنِي تَعْـفُ عن متمردٍ... ظَلُـومٍ غَشُـومٍ ما يَزَايلُ مَأْثما
                                            وإنْ تَنْتَقِـمْ مِـني فلسـتُ بآيسٍ ... ولو أَدْخَلْتَ نَفْسِي بِجُرمِي جَهَنْمَا
                                            فَجُـْرِمي عظيمٌ مِنْ قَدِيمٍ وحَادِثٍ ... وعَفْوُك يا ذا العَفْوِ أَعْلَى وأَعْظَمَا
                                            كلمات على الطريق
                                            قال عبد الله بن مسعود t : اطلب قلبك في ثلاثة مواطن : عند سماع القرآن ، وفي مجالس الذكر ، وفي أوقات الخلوة ؛ فان لم تجده في هذه المواطن ! فسل الله أن يمن عليك بقلب فإنه لا قلب لك ( [4] ) .
                                            سؤال اليوم
                                            مسافر أفطر في سفره فإذا انتهى إلى محل إقامته أيمسك أم ليس عليه حرج في الأكل ، وما الدليل ؟
                                            الجواب : الفطر في السفر رخصة جعلها الله توسعة لعباده ، فإذا زال سبب الرخصة زالت الرخصة معه ، فمن وصل إلى بلده من سفره نهارًا وجب عليه أن يمسك ؛ لدخوله في عموم قوله تعالى : ] فمن شهد منكم الشهر فليصمه [ .
                                            وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .
                                            [ اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء - السؤال الثاني من الفتوى رقم (1954) ]

                                            [1] - البخاري ( 2021 ) .

                                            [2] - البخاري ( 1147 ) ، ومسلم ( 738 ) .

                                            [3] - مجموع الفتاوى : 22 / 272 ، 273 .

                                            [4] - كتاب الفوائد لابن القيم ص 148 ، 149 .
                                            د . محمد عطية

                                            تعليق


                                            • #22
                                              قطوف اليوم الثاني والعشرين
                                              ] لَيْلَةُ الْقَدْرِ [ ( 3 )
                                              حين ننظر اليوم من وراء الأجيال المتطاولة إلى تلك الليلة المجيدة السعيدة ، ونتصور ذلك المهرجان العجيب الذي شهدته الأرض في هذه الليلة ، ونتدبر حقيقة الأمر الذي تم فيها ، ونتملى آثاره المتطاولة في مراحل الزمان ، وفي واقع الأرض ، وفي تصورات القلوب والعقول . . فإننا نرى أمرًا عظيمًا حقًا . وندرك طرفًا من مغزى هذه الإشارة القرآنية إلى تلك الليلة : ] وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ[ .. لقد فرق فيها من كل أمر حكيم ، وقد وضعت فيها من قيم وأسس وموازين ؛ وقد قررت فيها من أقدار أكبر من أقدار الأفراد .. أقدار أمم ودول وشعوب .. بل أكثر وأعظم . . أقدار حقائق وأوضاع وقلوب !
                                              وقد تغفل البشرية لجهالتها ونكد طالعها عن قدر ليلة القدر ، وعن حقيقة ذلك الحدث ، وعظمة هذا الأمر . وهي منذ أن جهلت هذا وأغفلته فقدت أسعد وأجمل آلاء الله عليها ، وخسرت السعادة والسلام الحقيقي سلام الضمير وسلام البيت وسلام المجتمع الذي وهبها إياه الإسلام . ولم يعوضها عما فقدت ما فتح عليها من أبواب كل شيء من المادة والحضارة والعمارة . فهي شقية ، شقية على الرغم من فيض الإنتاج وتوافر وسائل المعاش !
                                              لقد أنطفأ النور الجميل الذي أشرق في روحها مرة ، وانطمست الفرحة الوضيئة التي رفت بها وانطلقت إلى الملأ الأعلى . وغاب السلام الذي فاض على الأرواح والقلوب . فلم يعوضها شيء عن فرحة الروح ونور السماء وطلاقة الرفرفة إلى عليين . .
                                              ونحن المؤمنين مأمورون أن لا ننسى ولا نغفل هذه الذكرى ؛ وقد جعل لنا نبينا e سبيلاً هينًا لينًا لاستحياء هذه الذكرى في أرواحنا لتظل موصولة بها أبدًا ، موصولة كذلك بالحدث الكوني الذي كان فيها . وذلك فيما حثنا عليه من قيام هذه الليلة من كل عام ، ومن تحريها والتطلع إليها في الليالي العشر الأخيرة من رمضان ( [1] ) .
                                              الحديث
                                              روى مسلم عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ t قَالَ : اعْتَكَفَ رَسُولُ اللهِ e الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ يَلْتَمِسُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ قَبْلَ أَنْ تُبَانَ لَهُ ، فَلَمَّا انْقَضَيْنَ أَمَرَ بِالْبِنَاءِ فَقُوِّضَ ، ثُمَّ أُبِينَتْ لَهُ أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فَأَمَرَ بِالْبِنَاءِ فَأُعِيدَ ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ : " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهَا كَانَتْ أُبِينَتْ لِي لَيْلَةُ الْقَدْرِ ، وَإِنِّي خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِهَا فَجَاءَ رَجُلَانِ يَحْتَقَّانِ مَعَهُمَا الشَّيْطَانُ فَنُسِّيتُهَا ؛ فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ : الْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ " قَالَ : قُلْتُ : يَا أَبَا سَعِيدٍ إِنَّكُمْ أَعْلَمُ بِالْعَدَدِ مِنَّا ؛ قَالَ : أَجَلْ نَحْنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْكُمْ ، قَالَ : قُلْتُ : مَا التَّاسِعَةُ وَالسَّابِعَةُ وَالْخَامِسَةُ ؟ قَالَ : إِذَا مَضَتْ وَاحِدَةٌ وَعِشْرُونَ فَالَّتِي تَلِيهَا ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَهِيَ التَّاسِعَةُ ؛ فَإِذَا مَضَتْ ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ فَالَّتِي تَلِيهَا السَّابِعَةُ ؛ فَإِذَا مَضَى خَمْسٌ وَعِشْرُونَ فَالَّتِي تَلِيهَا الْخَامِسَةُ ( [2] ) . ويَحْتَقَّانِ أي : يَخْتَصِمَانِ .
                                              فقه الصيام
                                              صلاة التراويح ( 3 )
                                              صلاة التراويح هي قيام رمضان ، ولقيام رمضان خصوصية عن غيره من القيام .. إنه سبب لمغفرة ما تقدم من الذنوب ؛ من هنا كانت عناية السلف الصالح بصلاة التراويح ، فكانوا يطيلونها احتسابا لما في ذلك من الأجر .. روى مالك عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ t قَالَ : أَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وَتَمِيمًا الدَّارِيَّ أَنْ يَقُومَا لِلنَّاسِ بِإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً ، قَالَ : وَقَدْ كَانَ الْقَارِئُ يَقْرَأُ بِالْمِئِينَ حَتَّى كُنَّا نَعْتَمِدُ عَلَى الْعِصِيِّ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ ، وَمَا كُنَّا نَنْصَرِفُ إِلَّا فِي فُرُوعِ الْفَجْرِ ( [3] ) . قال العثيمين - : وهذا خلاف ما عليه كثير من الناس اليوم ، حيث يصلون التراويح بسرعة عظيمة ، لا يأتون فيها بواجب الهدوء والطمأنينة التي هي ركن من أركان الصلاة لا تصح الصلاة بدونها ، فيخلون بهذا الركن ، ويتعبون من خلفهم من الضعفاء والمرضى وكبار السن ، يجنون على أنفسهم ويجنون على غيرهم . وقد ذكر العلماء – – أنه يكره للإمام أن يسرع سرعة تمنع المأمومين فعل ما يسن فكيف بسرعة تمنعهم فعل ما يجب نسأل الله السلامة ( [4] ) .
                                              تنبيه : إذا أرادت المرأة أن تخرج إلى المسجد لصلاة فريضة أو نافلة فلا تمنع من ذلك إذا أُمنت الفتنة منها وبها ، لقول النبي e : " لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ " متفق عليه من حديث ابن عمر ( [5] ) . ولأن هذا من عمل السلف الصالح y , لكن يجب أن تخرج متسترة متحجبة غير متبرجة ولا متطيبة ولا رافعة صوتا ولا مبدية زينة لقوله تعالى : ] وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا [ ( النور : 31 ) ، أي : لكن ما ظهر منها فلا يمكن إخفاؤه وهي الجلباب والعباءة ونحوهما ، وروى أحمد وأهل السنن إلا ابن ماجة عَنْ أَبِي مُوسَى t عَنِ النَّبِيِّ e قَالَ : " إِذَا اسْتَعْطَرَتِ الْمَرْأَةُ فَمَرَّتْ عَلَى الْقَوْمِ لِيَجِدُوا رِيحَهَا فَهِيَ كَذَا وَكَذَا " قَالَ قَوْلًا شَدِيدًا ، وفي رواية الترمذي : يَعْنِي : زَانِيَةً ( [6] ) . وروى أحمد وأبو داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t أنه لَقِيَتْهُ امْرَأَةٌ وَجَدَ مِنْهَا رِيحَ الطِّيبِ يَنْفَحُ وَلِذَيْلِهَا إِعْصَارٌ ، فَقَالَ : يَا أَمَةَ الْجَبَّارِ جِئْتِ مِنَ الْمَسْجِدِ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ ، قَالَ : وَلَهُ تَطَيَّبْتِ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ ، قَالَ : إِنِّي سَمِعْتُ حِبِّي أَبَا الْقَاسِمِ e يَقُولُ : " لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ لِامْرَأَةٍ تَطَيَّبَتْ لِهَذَا الْمَسْجِدِ حَتَّى تَرْجِعَ فَتَغْتَسِلَ غُسْلَهَا مِنَ الْجَنَابَةِ " ( [7] ) . وعند أحمد ومسلم وأبي داود والنسائي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e : " أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ بَخُورًا فَلَا تَشْهَدْ مَعَنَا الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ " ( [8] ) .
                                              قطوف من الشعر
                                              يَا رَبُّ إنْ عَظُمَتْ ذُنُوبِي كَثْرَةً... فلقدْ عَلِمْتُ بأَنَّ عَفْوَكَ أَعْظمُ
                                              إنْ كانَ لا يَرْجُوكَ إلا مُحْسُنٌ ... فمن الذي يَرجُو المسيءُ المجرمُ
                                              أَدْعُوكَ رَبِّ كما أَمَرْتَ تَضَرُّعًا... فإذَا رَدَدتَ يَدِي فَمَنْ ذا يَرْحَمُ
                                              ما لي إِلَيكَ وَسِيلةٌ إلا الرَجَـا... وجَمِـيلُ ظَنِّي ثم أَني مُسْلمُ
                                              كلمات على الطريق
                                              قال ابن القيم - : الفرق بين الرجاء وبين التمني ؛ أن التمني يكون مع الكسل ولا يسلك بصاحبه طريق الجد والاجتهاد ، والرجاء يكون مع بذل الجهد وحسن التوكل ، فالأول : كحال من يتمنى أن يكون له أرض يبذرها ويأخذ زرعها ؛ والثاني : كحال من يشق أرضه ويفلحها ويبذرها ويرجو طلوع الزرع .. ولهذا أجمع العارفون على أن الرجاء لا يصح إلا مع العمل ( [9] ) .
                                              سؤال اليوم
                                              الإنسان في أيام رمضان إذا تسحر ثم صلى الصبح ونام حتى صلاة الظهر ، ثم صلاها ونام إلى صلاة العصر ، ثم صلاها ونام إلى وقت الفطر ؛ هل صيامه صحيح ؟
                                              الجواب : إذا كان الأمر كما ذكر فالصيام صحيح ؛ ولكن استمرار الصائم غالب النهار نائمًا تفريط منه ، لا سيما وشهر رمضان زمن شريف ينبغي أن يستفيد منه المسلم فيما ينفعه من كثرة قراءة القرآن وطلب الرزق وتعلم العلم .
                                              وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .
                                              [ اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء- الفتوى رقم (12901) ]


                                              [1] - انظر في ظلال القرآن عند تفسير سورة القدر .

                                              [2] - مسلم ( 1167 ) .

                                              [3] - موطأ مالك : 1 / 115 ( 251 ) ، ورواه عبد الرزاق ( 7730 ) بنحوه .

                                              [4] - انظر مجالس شهر رمضان ( المجلس الرابع ) ص 19 .

                                              [5] - البخاري ( 900 ) ، ومسلم ( 442 ) .

                                              [6] - أحمد : 4 / 400 ، وأبو داود ( 4173 ) ، والترمذي ( 2786 ) وصححه ، والنسائي ( 5126 ) .

                                              [7] - أحمد : 2 / 246 ، وأبو داود ( 4174 ) ، وصححه ابن خزيمة ( 1682 ) .

                                              [8] - أحمد : 2 / 304 ، ومسلم ( 444 ) ، وأبو داود ( 4175 ) ، والنسائي ( 5128 ) .

                                              [9]- انظر مدارج السالكين : 2 / 35 بتصرف .
                                              د . محمد عطية

                                              تعليق


                                              • #23
                                                قطوف اليوم الثالث والعشرين


                                                ] فَتْحًا مُبِينًا [ ( 1 )

                                                قد خُصَّ شهر رمضان بوقعتين عظيمتين في تاريخ الإسلام ، بل في تاريخ البشرية : الأولى : غزوة بدر ، يوم الفرقان ، يوم فرق الله بين الحق والباطل ، بين : ] فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الْأَبْصَارِ [ ( آل عمران : 13 ) . والثانية : فتح مكة : ] لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ( الفتح : 27 ) . هذا الفتح العظيم الذي أنهى الله به الهجرة من مكة إلى المدينة ؛ لأنها صارت دار إسلام فقال النبي e : " لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا " متفق عليه من حديث عائشة . هذا الفتح الذي دخل بعده الناس في دين الله أفواجا ، فقد كانت العرب تنتظر ماذا تصنع قريش ، فلما أسلمت قريش بعد الفتح ، أسلم بعدها قبائل العرب .
                                                قد كان في فتح مكة دروس عظيمة منها : رعاية حق أهل العهد ومن دخلوا في حلف المسلمين ، فكان من شروط صلح الحديبية أنه : من أحب أن يدخل في صلح قريش وعهدهم ، ومن أحب أن يدخل في صلح محمد e وأصحابه وعهدهم . فدخلت خزاعة في عهد رسول الله e ، ودخلت بنو بكر في عهد قريش . وكان بينهما ثارات في الجاهلية ، ثم إن بني بكر استعانوا بقريش فأعانتهم برجال وسلاح فبيتوا خزاعة وهم آمنون عند بئر الوتير ؛ فقتلوا منهم عشرين رجلا . فكان ذلك نقضا للصلح الذي كان يوم الحديبية ، فعندئذ خرج عمرو بن سالم الخزاعي في أربعين راكبا يستنصر رسول الله e ، وأنشده عمرو فكان مما قال :
                                                يا رب إني ناشـدٌ محـمدا ... حـلفَ أبينا وأبيه الأتلدا

                                                فانصر هداك الله نصرا عتدا ... وادع عباد الله يأتوا مددا


                                                إن قريشا أخلفوك الموعـدا ... ونقضوا ميثاقك المؤكدا


                                                وزعموا أن لست تدعو أحدا ... وهـم أذل وأقل عددا


                                                هـم بيتونا بالوتير هجـدا ... وقتلونا ركعا وسـجدا

                                                فخرج النبي e يجر رداءه ويقول : " لا نصرت إن لم أنصر بني كعب " .
                                                ثم إن قريشا ندمت على ما فعلت ، فخرج أبو سفيان إلى المدينة ليستديم العقد ويزيد في الصلح فرجع بغير حاجة ، ثم جهز النبي e الجيش وأخفى أمره وقال : " اللهم خذ على أبصار قريش فلا يروني إلا بغتة " . وخرج النبي e في عشرة ألاف ، وعسكروا في مر الظهران ( مكان بين مكة والمدينة ، وكانت قريش تتوقع أمرا لما رجع أبو سفيان خائبا ، فأرسلوا أبا سفيان وحكيم بن حزام ، وبديل بن ورقاء ليلتمسوا الخبر ، فلما رأوا نارا عظيمة وتساءلوا فيما بينهم واستبعدوا أن يكون ذلك جيش المسلمين ، إذا ببعض حرس رسول الله e يأخذونهم إلى رسول الله e ، ويستأمن العباس لأبي سفيان ، ويسلم أبو سفيان ، وجعل له النبي أن من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن ، ومن دخل داره فهو آمن ، وانطلق أبو سفيان فأخبر الناس بذلك ، وقال لهم : إن محمدا جاءكم بجيش لا قبل لكم به . ودخل النبي e مكة وهو يرجِّع سورة الفتح ، وإنه ليضع رأسه تواضعا لله تعالى . إنه دخول الفاتح العظيم الذي يعرف حق ربه .

                                                الحديث

                                                روى مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e : " مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ " ( [1] ) . قال النووي - : وَالْمُرَاد أَنَّ مَنْ فَعَلَ هَذَا فَقَدْ أَشْبَهَ الْمُنَافِقِينَ الْمُتَخَلِّفِينَ عَنْ الْجِهَاد فِي هَذَا الْوَصْف, فَإِنَّ تَرْك الْجِهَاد أَحَد شُعَب النِّفَاق.ا.هـ.

                                                فقه الصيام


                                                المعذورون في رمضان ( 1 )

                                                قال الله تعالى : فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ( البقرة : 184 ) ؛ هذه الآية هي الأصل في هذا الباب ، فالذين يرخص لهم في الفطر في رمضان المريض والمسافر ومن يشق عليه الصيام مشقة غير محتملة من كبار السن والحوامل والمرضعات ومن في حكمهم . وأما الحائض والنفساء فتفطران وجوبا ولا يصح منهما الصوم . وإليك بيان ما يختص بكلٍ :
                                                المريض : وله حالتان : إحداهما : أن يرجى زوال مرضه ، فهذا إذا خاف مع الصيام زيادة مرضه أو تأخر شفائه فله الفطر إجماعًا ؛ بل جعله بعض أهل العلم مستحبًا لقوله تعالى : ) وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ( ( البقرة : 185 ) ، ولما رواه الإمام أحمد وغيره عَنِ ابْنِ عُمَرَ t قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e : " إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ " ( [2] ) .
                                                فإن تيقن أن الصوم يضره ، فإنه يجب عليه أن يفطر ويحرم عليه الصيام لقوله تعالى : ) وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ( ( النساء : 29 ) ؛ وإذا أفطر لمرضه الذي يرجى زواله قضى بعدد الأيام التي أفطرها ولا كفارة عليه . الحالة الثانية : أن يكون المرض لا يرجى زواله كالسرطان والسكر ونحو ذلك ، فإذا كان الصوم يشق عليه مشقة لا تحتمل ،فإنهلايجبعليهلأنهلايستطيعه، وقد قال الله تعالى : ) لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إلا وُسْعَهَا ( ( البقرة : 286 ) ، بل يفطر ويطعم عن كل يوم مسكينًا ولا قضاء عليه ؛ لأنه ليس له حال يصير بها متمكنا من القضاء ؛ وفي هذا وأمثاله يقول تعالى : ) وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ( ( البقرة : 184 ) ، وروى البخاري عن ابْنَ عَبَّاسٍ t قَالَ : لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ ، هُوَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْمَرْأَةُ الْكَبِيرَةُ لَا يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا فَيُطْعِمَانِ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا . ورواه النسائي وفيه : لَا يُرَخَّصُ فِي هَذَا إِلَّا لِلَّذِي لَا يُطِيقُ الصِّيَامَ أَوْ مَرِيضٍ لَا يُشْفَى ( [3] ) . قال ابن القيم - : وإنما يصار إلى الفدية عند اليأس من القضاء ؛ فإن أطعم مع يأسه ثم قدر على الصيام احتمل أن لا يلزمه ، لأن ذمته قد برئت بأداء الفدية التي كانت هي الواجب ، فلم تعد إلى الشغل بما برئت منه ( [4] ) .
                                                الشيخ والشيخة : إذا بلغ المسلم أو المسلمة سنًا من الشيخوخة لا يقوى معه على الصوم لهرمه وضعفه ، فإن كان معه عقله وتمييزه ولكن يشق عليه الصيام ، فقد أفتى ابن عباس وغيره من الصحابة y أنه يفطر ويطعم عن كل يوم مسكينًا ولا قضاء عليه، رحمة من الله وتخفيفًا. وروى أبو يعلى عن أيوب بن أبي تميمة قال : ضعف أنس عن الصوم ، فصنع جفنة من ثريد ، فدعا ثلاثين مسكينا فأطعمهم ( [5] ) .
                                                أما إذا كان الكبير قد فقد التمييز وحصل منه التخريف والهذيان فهذا لا يجب عليه صيام ولا إطعام لسقوط التكليف عنه بزوال تمييزه فأشبه الصبي قبل التمييز ، وأما إذا كان يميز أحيانًا ، ويخرف أحيانًا فإنه يجب عليه الصوم أو الإطعام في حال تمييزه .

                                                قطوف من الشعر


                                                لا يُصـنعُ الأبطـال إلْـ ... لَا في مسـاجِـدنا الفسـاحْ
                                                في رَوْضَـةِ القـرآنِ في ... ظِـلِ الأحـاديثِ الصحاحْ
                                                لا يسـتوي في مَنْطِـقِ الْـ ... إِيمـانِ سَـكْـرَانٌ وصـاحْ



                                                كلمات على الطريق

                                                قال أبو بكر t لخالد بن الوليد t حين بعثه إلى أهل الردة : احرص على الموت توهب لك الحياة ( [6] ) .

                                                سؤال اليوم

                                                الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو على الولد في شهر رمضان وأفطرتا فماذا عليهما ؟ هل تفطر وتطعم وتقضي ؟ أو تفطر وتقضي ولا تطعم ؟ أو تفطر وتطعم ولا تقضي ؟ ما الصواب من هذه الثلاثة ؟
                                                الجواب : إن خافت الحامل على نفسها أو جنينها من صوم رمضان أفطرت وعليها القضاء فقط ، شأنها في ذلك شأن المريض الذي لا يقوى على الصوم أو يخشى منه على نفسه مضرة ، قال الله تعالى : ] ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر [ .
                                                وكذا المرضع إذا خافت على نفسها إن أرضعت ولدها في رمضان ، أو خافت على ولدها إن صامت ولم ترضعه - أفطرت وعليها القضاء فقط .

                                                وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .

                                                [ اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء - السؤال الثاني من الفتوى رقم (1453) ]

                                                [1] - مسلم ( 1910 ) .

                                                [2] - أحمد : 2 / 108 ، وصححه ابن ابن خزيمة ( 950 ) ، وابن حبان ( 2742 ) .

                                                [3] - البخاري ( 4505 ) ، والنسائي ( 2317 ) .

                                                [4] - انظر بدائع الفوائد : 4 / 906 .

                                                [5] - علقه البخاري : 3 / 103 كتاب ( التفسير ) . ووصله أبو يعلى ( 4194 ) ، وقال الهيثمي في المجمع 3 / 164 : رجاله رجال الصحيح . ورواه ابن أبي شيبة ( 12217 ) عن ابن سيرين ، وابن سعد في الطبقات : 7 / 18 ، 19 عن قتادة ، و 7 / 25 عن حميد الطويل عن بعض آل أنس ، والدراقطني ( 2365 ، 2366 ) عن أيوب وقتادة ، والبيهقي ( 8405 ، 8406 ) عن قتادة وعمر بن أنس ، فالأثر صحيح عن أنس .

                                                [6] - انظر وفيات الأعيان لابن خلكان : 3 / 67 .
                                                د . محمد عطية

                                                تعليق


                                                • #24
                                                  قطوف اليوم الرابع والعشرين
                                                  ] فَتْحًا مُبِينًا [ ( 2 )
                                                  كان أول شيء فعله e يوم الفتح أن توجه إلى البيت وحوله ثلاثمائة وستون صنما ، فجعل يطعنها الواحدة تلو الأخرى بعود في يده وهو يقول : " جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ، جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد " ، وأمر أن يخرج ما في جوف الكعبة من الأصنام ، ثم دخلها ، وبعد أن خرج قام خطيبا في الناس فقال : " لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، صدق وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده ، ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو تحت قدمي هاتين ، إلا سدانة البيت وسقاية الحاج ، ألا وقتيل الخطأ شبه العمد بالسوط والعصا ، ففيه الدية مغلظة : مائة من الإبل أربعون منها في بطونها أولادها . يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء ، الناس من آدم ، وآدم من تراب " ثم تلا هذه الآية : ] يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [ ( الحجرات : 13 ) ، ثم قال : يا معشر قريش ما تروني أني فاعل بكم ؟ قالوا : خيرا ، أخ كريم وابن أخ كريم . قال : " اذهبوا فأنتم الطلقاء " . ثم جلس رسول الله e في المسجد . فقام إليه علي بن أبي طالب ومفتاح الكعبة في يده ؛ فقال : يا رسول الله اجمع لنا الحجابة مع السقاية صلى الله عليك . فقال رسول الله e : " أين عثمان بن طلحة ؟ " فدُعِيَ له ، فقال : " هاك مفتاحك يا عثمان ، اليوم يوم بر ووفاء " .
                                                  الله أكبر ، هذه أخلاق الفاتحين : تواضع لله تعالى ، فلا فسق ولا مجون .. وقد كان نصرًا عظيمًا ، ولا إفساد بقتل ولا تشريد .. وقد ملك رقاب العباد ، وردٌ للأمانات ، ولو أعطى e المفتاح عليًّا ما راجعه أحد . فليعلم العالم بأسره كيف هي أخلاق المسلمين ، حتى لو ملكوا رقاب العباد .
                                                  الحديث
                                                  روى أحمد وأبو داود عَنْ ابْنِ عُمَرَ t قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ e يَقُولُ : " إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ ، وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ " ( [1] ) . وبيع العينة هو أن يبيع التاجر سلعته بثمن إلى أجل ثم يشتريها من المشتري بأقل من ذلك الثمن عاجلا ؛ وهو نوع من أنواع البيوع المحرمة لشبهة الربا ؛ ومعنى " وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ" حمل هذا على الاشتغال بالزرع في زمن يتعين فيه الجهاد " وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ" أي : المتعين فعله " سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا" أي : صغارا ومسكنة .
                                                  فقه الصيام
                                                  المعذورون في رمضان ( 2 )
                                                  المسافر : المسافر في رمضان سفرا يجوز قصر الصلاة فيه شرعا يجوز له أن يفطر ، ويقضي عدد الأيام التي أفطرها سواء دخل عليه الشهر وهو في سفره أو سافر في أثنائه ، لعموم قوله تعالى : ) وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر ( ( البقرة : 185 ) ، وفي الصحيحين عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ : سُئِلَ أَنَسٌ t عَنْ صَوْمِ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ ؟ فَقَالَ : سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ e فِي رَمَضَانَ فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ ( [2] ) . فلذلك ذهب الجمهور إلى أن الأمر في الآية على التخيير وليس بحتم ، فلو كان الإفطار هو الواجب لأنكر e عليهم الصيام ، بل الذي ثبت من فعل رسول الله e أنه كان في مثل هذه الحالة صائما ، ففي الصحيحين عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ t قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ e فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ ، حَتَّى إِنْ كَانَ أَحَدُنَا لَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ ، وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلَّا رَسُولُ اللهِ e وَعَبْدُ اللهِ ابْنُ رَوَاحَةَ ( [3] ) . وعلى ذلك فالصيام في السفر جائز لمن قدر عليه وقد يكون أفضل اغتناماً لشرف الزمان ، ولأن صيامه مع الناس أنشط له وأسرع في براءة ذمته ، ولأنه فعل النبي e في بعض أسفاره ، ولقوله تعالى : وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ( البقرة : 184 ) . وقيل : إن شق الصيام فالإفطار أفضل لما في الصحيحين عَنْ جَابِرِ t قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ e فِي سَفَرٍ فَرَأَى رَجُلًا قَدِ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ وَقَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : " مَا لَهُ ؟ " قَالُوا : رَجُلٌ صَائِمٌ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ e : " لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ أَنْ تَصُومُوا فِي السَّفَرِ " ( [4] ) . وذهب الإمام أحمد وجماعة من أهل العلم أن الفطر للمسافر أفضل أخذًا بالرخصة . وللمسافر أن يفطر مادام في سفره ما لم يقصد بسفره التحايل على الفطر ، فإن قصد ذلك فالفطر عليه حرام معاملة له بنقيض قصده ؛ والجمهور على أن الشخص إذا قرر الإقامة في بلد أكثر من أربعة أيام فإنه يصوم لانقطاع أحكام السفر في حقه ( [5] ) .
                                                  قال ابن كثير - : فأما إن رغب عن السنة ورأى أن الفطر مكروه إليه ، فهذا يتعين عليه الإفطار ويحرم عليه الصيام والحالة هذه . لما رواه أحمد وغيره عن ابن عمر t : " من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة" ( [6] ) .
                                                  قطوف من الشعر
                                                  يا أمـتي صـبراً فليـ ... ـلُك كـاد يُسْفرُ عن صباحْ
                                                  لابـد للكـابـوسِ أنْ ... يـنزاحَ عـنا أو يُـزاحْ
                                                  واللـيلُ إنْ تَشْـتَدُ ظُلْـ ... ـمَتُهُ نقـولُ: الفجـرُ لاحْ
                                                  والفـجرُ إنْ يـبزغْ فـلا... نـومَ وحـيَّ على الفـلاحْ
                                                  كلمات على الطريق
                                                  قال الحسن البصري : إن الإيمان ليس بالتحلي ولا بالتمني ، إن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل ( [7] ) .
                                                  سؤال اليوم
                                                  ما حكم من زرع الأرض وصادف حصاد زراعتها شهر رمضان ، أيعفى من صيام رمضان أم لا ؟ علمًا أنه لا يمكن أن يصوم ويباشر العمل .
                                                  الجواب : صوم شهر رمضان ركن من أركان الإسلام وفرض على المكلفين من المسلمين بالإجماع ، ولقوله تعالى : ] فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر [ ، فتجب العناية بصوم رمضان وعدم التساهل في إفطار شيء منه بغير عذر مشروع ، أما المزارع فهي ملك لأصحابها ، وبإمكان أصحابها أن يتصرفوا في وقت عملهم في مزارعهم فيحصدونها في وقت البراد في الليل أو يستأجروا لحصدها من لا يضره الصوم في حدود أجرة المثل ، أو يؤخروا حصدها إذا كان ذلك لا يضر ، ومن يتق الله يجعل له مخرجًا .
                                                  وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .
                                                  [ اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء - السؤال الأول من الفتوى رقم (3418) ]

                                                  [1] - أحمد : 2 / 42 ، 84 ، وأبو داود ( 3462 ) ؛ وصححه الألباني في الصحيحة ( 11 ) .

                                                  [2] - البخاري ( 1947 ) ، ومسلم ( 1118 ) .

                                                  [3] - البخاري ( 1945 ) ، ومسلم ( 1122 ) .

                                                  [4] - البخاري ( 1946 ) ، ومسلم ( 1115 ) .

                                                  [5] - والمراد بالجمهور هنا المالكية والشافعية والحنابلة .

                                                  [6] - انظر تفسير ابن كثير : 1 / 294 ، الحديث رواه : أحمد : 2 / 71 ، وعبد بن حميد ( 841 ) عن ابن عمر ، وحسنه الهيثمي في المجمع : 3 / 162 ، ورمز السيوطي لحسنه في الجامع الصغير ، وصحح إسناده أحمد شاكر في حاشية العمدة : 2 / 29 . ورواه أحمد : 4 / 158 ، والطبراني في الأوسط ( 4535 ) من حديث عقبة بن عامر ، ورواه الطبراني في الكبير من حديث عمرو بن حزم كما في المجمع : 3 / 162 ؛ وهو صحيح بشواهده .

                                                  [7] - رواه ابن أبي شيبة ( 3511 ) ، وابن أبي عاصم في الزهد ص 263 .
                                                  د . محمد عطية

                                                  تعليق


                                                  • #25
                                                    قطوف اليوم الخامس والعشرين
                                                    ] فَتْحًا مُبِينًا [ ( 3 )
                                                    إنه لشيء عظيم حقًا ، أن تذكر الأمة أحداث تاريخها ، فتذكر يوم خرج النبي e من مكة مستخفيا مهاجرا إلى المدينة ، وخرج قبله وبعده أصحابه المستضعفون في الأرض تاركين المال والأهل والوطن لأجل أن يبقى لهم الدين :
                                                    إذا أبقت الدنيا على المرء دينه فما فاته منها فليس بضائر

                                                    ها هم بعد بضع سنين قد رجعوا إلى الأرض والمال والأهل أعزة فاتحين ؛ وأمر النبي e بلالا أن يؤذن فوق الكعبة وارتفع صوت بلال : الله أكبر الله أكبر . ذاك الصوت الذي كان يعلو يوما تحت أسواط العذاب : أحد أحد ، ها هو يجلجل فوق الكعبة : أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله . والكل خاشع منصت .
                                                    إنه الإسلام الذي قال فيه ربنا : ] يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ . هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [ ( الصف : 8 ، 9 ) .
                                                    فهل تعي الأمة الدرس فيصبروا صبرهم ويتقوا ربهم ؟ فإنه قد قضى الله تعالى أنه يدفع عن المؤمنين بصبرهم وتقواهم كيد أعدائهم ، قال تعالى : ] إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [ ( آل عمران : 120 ) . وقال تعالى : ] أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [ ( البقرة : 214 ) .
                                                    الحديث
                                                    روى أحمد والترمذي وابن ماجة عَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ t قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ e : " لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ سِتُّ خِصَالٍ : يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ وَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنْ الْجَنَّةِ ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ، وَيَأْمَنُ مِنْ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ الْيَاقُوتَةُ مِنْهَا خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ، وَيُزَوَّجُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنْ الْحُورِ الْعِينِ ، وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَقَارِبِهِ " ( [1] ) .
                                                    روى أحمد وابن حبان والحاكم عَن أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ t أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ e قَالَ : " مَنْ أَحَبَّ دُنْيَاهُ أَضَرَّ بِآخِرَتِهِ ، وَمَنْ أَحَبَّ آخِرَتَهُ أَضَرَّ بِدُنْيَاهُ ، فَآثِرُوا مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى " ( [2] ) .
                                                    فقه الصيام
                                                    المعذورون في رمضان ( 3 )
                                                    الحائض والنفساء : أجمع أهل العلم أن الحائض والنفساء لا يحل لهما الصوم ، وأنهما تفطران وتقضيان ، وأنهما إذا صامتا لم يجزئهما الصوم ، لقول النبي e في المرأة : " أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ " ( [3] ) فمتى رأت دم الحيض أو النفاس فسد صومها سواء في أول النهار أم في آخره ، ولو قبيل الغروب بلحظة .
                                                    وفي الصحيحين عَنْ مُعَاذَةَ قَالَتْ : سَأَلَتْ عَائِشَةَ - - فَقُلْتُ : مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ ؟ فَقَالَتْ : أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ ؟ قُلْتُ : لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ وَلَكِنِّي أَسْأَلُ ! قَالَتْ : كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ ( [4] ) . ومعنى قول عائشة : أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ ؟ نِسْبَة إِلَى حَرُورَاء , وَهِيَ قَرْيَة بِقُرْبِ الْكُوفَة كَانَ أَوَّل اِجْتِمَاع الْخَوَارِج بِها ؛ وطَائِفَة مِنْ الْخَوَارِج يُوجِبُونَ عَلَى الْحَائِض قَضَاء الصَّلَاة الْفَائِتَة فِي زَمَن الْحَيْض , وَهُوَ خِلَاف إِجْمَاع الْمُسْلِمِينَ ؛ وَهَذَا الِاسْتِفْهَام الَّذِي اِسْتَفْهَمَتْهُ عَائِشَة هُوَ اِسْتِفْهَام إِنْكَار ، أَيْ : هَذِهِ طَرِيقَة الْحَرُورِيَّة , وَبِئْسَ الطَّرِيقَة . أفاده النووي - - في شرح مسلم .
                                                    الحامل والمرضع : إذا كانت المرأة حاملاً أو مرضعًا ، وخافت على نفسها الضرر من الصيام ، فإنها تفطر وتقضي ما أفطرته من أيام أخر . وأما إذا خافت على ولدها لا على نفسها فأفطرت ، فالجمهور على أنها تطعم مع القضاء عن كل يوم مسكيناً ، وقال جماعة من أهل العلم : إن عليها القضاء فقط دون الكفارة ، حالها حال المسافر والمريض ، وهو الراجح ؛ وبه أفتت اللجنة الدائمة ، وإليك نص الفتوى : إن خافت الحامل على نفسها أو جنينها من صوم رمضان أفطرت وعليها القضاء فقط ، شأنها في ذلك شأن المريض الذي لا يقوى على الصوم أو يخشى منه على نفسه مضرة ، قال الله تعالى : ) وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ( ( البقرة : 185 ) ، وكذا المرضع إذا خافت على نفسها إن أرضعت ولدها في رمضان أو خافت على ولدها إن صامت ولم ترضعه أفطرت وعليها القضاء فقط ( [5] ) .
                                                    قطوف من الشعر
                                                    يَا مَنْ يُعَانِقُ دنيا لا بَقَاءَ لَهَا ... يُمسي ويُصبحُ في دنياه سفَّارَا
                                                    هلا تَركتَ لذي الدنيا مُعَانَقَةً ... حتى تُعَانِقَ في الفِرْدوسِ أبكارا
                                                    إنْ كُنْتَ تَبْغِي جِنَانَ الخلْدِ تَسْكُنُهَا ... فَيَنْبَغِي لك أنْ لا تأمنَ النارَا
                                                    كلمات على الطريق
                                                    قال عيسى بن مريم u : ما سكنت الدنيا في قلب عبد إلا وأليط قلبه منها بثلاث : شغل لا ينفك عناؤه ، وفقر لا يدرك غناه ، وأمل لا يدرك منتهاه ؛ الدنيا طالبة ومطلوبة : فطالب الآخرة تطلبه الدنيا حتى يستكمل فيها رزقه ، وطالب الدنيا تطلبه الآخرة حتى يجيء الموت فيأخذه بعنقه ( [6] ) .
                                                    سؤال اليوم
                                                    هل الامتحان عذر يبيح الإفطار في رمضان ؟ لأنه انتشرت عندنا بعض الفتاوى بإباحة الفطر في رمضان لمن خاف شرود ذهنه وعدم تركيزه ، وهل يجوز طاعة الوالدين في الفطر لسماعهم هذه الفتاوى التي تجيز الفطر ؟ نرجو من فضيلتكم الرد بسرعة لعموم البلوى بهذه الفتاوى وجزاكم الله خيرًا .
                                                    الجواب : الامتحان المدرسي ونحوه لا يعتبر عذرًا مبيحًا للإفطار في نهار رمضان ، ولا يجوز طاعة الوالدين في الإفطار للامتحان ؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، وإنما الطاعة في المعروف ، كما جاء بذلك الحديث الصحيح عن النبي e .
                                                    وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .
                                                    [ اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء - الفتوى رقم (9601) ]

                                                    [1] - أحمد : 4 / 131 ، والترمذي ( 1663 ) وصححه ، وابن ماجة ( 2799 ) .

                                                    [2] - أحمد : 4 / 412 ، وابن حبان ( 709 ) ، والحاكم ( 7897 ) وصححه ووافقه الذهبي .

                                                    [3] - تقدم تخريجه قريبا .

                                                    [4] - البخاري ( 321 ) ، ومسلم ( 335 ) واللفظ له .

                                                    [5] - فتوى اللجنة الدائمة رقم ( 1453 ) برئاسة الشيخ عبد العزيز بن باز .

                                                    [6] - رواه ابن أبي الدنيا في ( ذم الدنيا ) رقم 35 عن شعيب بن صالح ، وأليط أي التصق .
                                                    د . محمد عطية

                                                    تعليق


                                                    • #26
                                                      قطوف اليوم السادس والعشرين
                                                      ] وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ[
                                                      ذكر الاعتكاف في آيات الصيام يدل على استحبابه في رمضان ، وقد كان النبي e يفعله في رمضان ؛ والاعتكاف لغة : لزوم الشيء وحبس النفس عليه ، بِرًا كان أو إثما ، ومنه قوله تعالى : ] مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ [ ( الأنبياء : 52 ) ،أي : التي أقمتم ودمتم على عبادتها . ومعناه شرعا : لزوم المسجد من شخص مخصوص على صفة مخصوصة ،للاجتهاد في طاعة الله تعالى . وحقيقته : قطع العلائق عن الخلائق للاتصال بخدمة الخالق .
                                                      والاعتكاف قربة مندوبة ، ويتأكد في رمضان ، وآكده في العشر الأخيرة منه ؛ ولايجب إلا بالنذر . ودليله قول الله تعالى : ) أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ( ( البقرة : 125 ) . وروى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ e قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ e يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانٍ عَشْرَةَ أَيَّامٍ فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْمًا ( [1] ) . وأجمع العلماء على مشروعيته ، وأنه مستحب وليس بواجب . وأما وجوبه بالنذر فلما أخرجه البخاري وأهل السنن عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - عَنْ النَّبِيِّ e قَالَ : مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ " ( [2] ) . وفي الصحيحين عَنْ ابْنِ عُمَرَ - - أَنَّ عُمَرَ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، قَالَ : " أَوْفِ بِنَذْرِكَ " ( [3] ) .
                                                      وللاعتكاف شروط ستة لصحته : الإسلام ، والعقل ، والتمييز ، والنية ، والمسجد ، والطهارة من الجنابة والحيض والنفاس . ولا حد لأقله فلو قصد المسجد ونوى الاعتكاف مدة لبثه فيه صح اعتكافه ، والعلم عند الله تعالى .
                                                      ويستحب للمعتكف : الاشتغال بالطاعات كالصلاة وتلاوة القرآن ؛ واجتناب ما لا يعينه من الأقوال فيجتنب الجدال والمراء والسباب ونحو ذلك . وأن يلزم مكانًا من المسجد لحديث عَائِشَةَ - رَضِي اللَّه عَنْهَا - قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ e إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ ، وَإِنَّهُ أَمَرَ بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ أَرَادَ الِاعْتِكَافَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ ( [4] ) . ولا يضرب الخباء إلا إذا كان يلتزم مكانه ، وحتى لا يقطع عليه أحد خلوته .
                                                      ويبطل الاعتكاف بأمور هي : الخروج من المسجد لغير حاجة عمدًا ولو قل ، لأنه يفوت المكث فيه وهو شرط ؛ ويبطل بالجماع ، لقوله تعالى : ] وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ [ ( البقرة : 187 ) ؛ ويبطل بذهاب العقل ، كما يبطل بالحيض والنفاس بالنسبة للمرأة ، لفوات شرط الطهارة ؛ ويبطل أيضا بالردة ، لقول الله تعالى : ] لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [ ( الزمر : 65 ) .

                                                      الحديث
                                                      روى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ e قَالَ : كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى " قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يَأْبَى ؟! قَالَ : " مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى " ( [5] ) .

                                                      فقه الصيام
                                                      قضاء الصيام

                                                      من أفطر أياما من رمضان من أصحاب الأعذار فيجب عليه أن يقضي مكانها بعددها ، لقوله تعالى: ) وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ( ( البقرة : 185 ) ، ولا يجب القضاء على الفور ، وإن كان أفضل لإبراء الذمة ، وإنما يجب وجوبا موسعا على أن لا يأتي على صاحب القضاء رمضان آخر ولم يقض ؛ ففي الصحيحين عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ : سَمِعْتُ عَائِشَةَ - رَضِي اللَّه عَنْهَا - تَقُولُ : كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إِلَّا فِي شَعْبَانَ ؛ الشُّغْلُ مِنْ رَسُولِ اللهِ e ، أَوْ بِرَسُولِ اللهِ e ( [6] ) .
                                                      ولا يجب التتابع في قضاء رمضان ، بل إن شاء فرق وإن شاء تابع، لأن القضاء لايتعلق بزمن معين . وهذا قول جمهور السلف والخلف ، وعليه ثبتت الدلائل ، لأن التتابع إنما وجب في الشهر لضرورة أدائه في الشهر ، فأما بعد انقضاء رمضان فالمراد صيام أيام عدة ما أفطر . ولهذا قال تعالى : ) فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ( ثم قال تعالى : ) يُرِيدُ اللهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ ( . وروى أحمد عن أبي قتادة عن الأعرابي الذي سمع النبي e يقول : " إِنَّ خَيْرَ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ ، إِنَّ خَيْرَ دِينِكُمْ أَيْسُرُهُ"([7]).
                                                      فإن أخر القضاء حتى دخل رمضان الآخر ، صام رمضان الحاضر ثم يقضي بعده ما عليه ، فإن كان التأخير بعذر شرعي فلا كفارة عليه ، ولكن إن أخر الصيام بلا عذر حتى دخل عليه رمضان الأخر ، فهل يكفي القضاء أم لابد من كفارة ؟ الجمهور على أنه يلزمه مع القضاء الكفارة ، وهي إطعام مسكين لكل يوم نصف صاع من طعام ، وذهب الأحناف إلا أنه لا يلزمه إلا القضاء والاستغفار .
                                                      وأما من مات وعليه صيام كان قد تمكن من صيامه قبل موته فلم يفعل ؛ فالجمهور على أنه لا يصام عنه ، وإنما يُطعِم عنه وليه عن كل يوم مدا أو مدين من طعام . وذهب بعض العلماء إلى أنه يستحب أن يصوم عنه وليه ( [8] ) وتبرأ بذلك ذمة الميت ، ولا يحتاج إلى إطعام عنه ؛ لما رواه الشيخان عَنْ عَائِشَةَ - رَضِي الله عَنْهَا - أَنَّ رَسُولَ اللهِ e قَالَ : " مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ " ( [9] ) . وبما روياه أيضا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِي الله عَنْهمَا - أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ رَسُولَ اللهِ e فَقَالَتْ : إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ ؟ فَقَالَ : " أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ أَكُنْتِ تَقْضِينَهُ " قَالَتْ : نَعَمْ قَالَ : " فَدَيْنُ اللهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ " ( [10] ) . قال النووي - : وهذا القول هو الصحيح المختار الذي نعتقده وهو الذي صححه محققو أصحابنا الجامعون بين الفقه والحديث لهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة ( [11] ) . هذا إذا كان تمكن من القضاء فلم يقض ، فأما من أفطر في رمضان بعذر ثم اتصل عجزه فلم يتمكن من الصوم حتى مات فلا صوم عليه ، ولا يطعم عنه ولا يصام عنه ( [12] ) .

                                                      قطوف من الشعر

                                                      ألا كلُ شيءٍ ما خلا اللهَ باطلُ ... وكـل نعيمٍ لا محـالةَ زائـلُ

                                                      وكلُ ابنِ أنثى لو تطاولَ عُمْره ... إلى الغايةِ القصـوى فللقبرِ آيلُ

                                                      وكلُ أناسٍ سوف تدخلُ بينهم ... دُويهيةٌ تَصْـفَرُّ منها الأنامـلُ

                                                      وكل امرئٍ يوماً سيعرفُ سعيَهُ ... إذا حُصِّلَتْ عند الإلهِ الحصائلُ

                                                      كلمات على الطريق

                                                      قال وهب بن منبه - : مكتوب في حكمة آل داود : حق على العاقل أن لا يغفل عن أربع ساعات : ساعة يناجي فيها ربه ، وساعة يحاسب فيها نفسه ، وساعة يخلو فيها مع إخوانه اللذين يخبرونه بعيوبه ويصدقونه عن نفسه ، وساعة يخلو فيها بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويحمد ؛ فإن في هذه الساعة عونا على تلك الساعات ، وإجماما للقلوب .. وحق على عاقل أن لا يرى ظاعنا إلا في ثلاث : زاد لميعاد ، أو مرمة لمعاش ، أو لذة في غير محرم .. وحق على العاقل أن يكون عارفا بزمانه ، حافظا للسانه ، مقبلا على شأنه ( [13] ) .

                                                      سؤال اليوم

                                                      ما حكم من أكل يومًا في رمضان عمدًا ثم تاب إلى الله ، هل تقبل توبته ؟
                                                      الجواب : نعم تقبل توبته إذا استوفت الشروط ؛ وهي الندم على ما فعل ، والإقلاع عن الذنب ، والعزم الصادق ألا يعود فيه ، وهناك شرط رابع يتعلق بحق الإنسان وهو استحلاله أو إعطاؤه حقه من قصاص أو غيره ؛ لقوله سبحانه : ] وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى [ وغير ذلك مما جاء في الكتاب والسنة .

                                                      وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .

                                                      [ اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء - السؤال الثاني من الفتوى رقم (4513) ]

                                                      [1] - البخاري ( 2044 ) ، وأبو داود ( 2466 ) .

                                                      [2] - البخاري ( 6696 ) ، وأبو داود ( 3289 ) ، والترمذي ( 1526 ) ، والنسائي ( 3806 ) ، وابن ماجة ( 2126 ) .

                                                      [3] - البخاري ( 6697 ) ، ومسلم ( 1656 ) .

                                                      [4] - مسلم ( 1173 ) .

                                                      [5]- البخاري ( 7280 ) .

                                                      [6] - البخاري ( 1950 ) ، ومسلم ( 1146 ) .

                                                      [7] - رواه أحمد : 3 / 479 ؛ 4 / 338 ، 5 / 32 ، والبخاري في الأدب المفرد ( 341 ) .

                                                      [8] - قال النووي في شرح مسلم : 8 / 26 : المراد بالولي القريب سواء أكان عصبة أو وارثا أو غير ذلك.

                                                      [9] - البخاري ( 1952 ) ، ومسلم ( 1147 ) .

                                                      [10] - البخاري ( 1953 ) ، ومسلم ( 1148 ).

                                                      [11] - شرح مسلم : 8 / 25 .

                                                      [12] - - شرح مسلم : 8 / 23 .

                                                      [13] - رواه ابن أبي الدنيا في ( محاسبة النفس ) رقم 12 .
                                                      د . محمد عطية

                                                      تعليق


                                                      • #27
                                                        قطوف اليوم السابع والعشرين
                                                        ] تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا[ ( 1 )
                                                        هذا تحذير من الجُرأَة على مخالفة أحكام الله تعالى ، فقوله تعالى: ] تِلْكَ [ أي : هذه الأحكام التي ذكرناها عن الصيام وما يتعلق به ، فـ " تِلْكَ " إشارة إلى هذه الأوامر والنواهي ، والأمر بالشيء نهي عن ضده ؛] حُدُودُ اللَّهِ [ الحدود : الحواجز ونهايات الأشياء التي إذا تجاوزها المرء دخل في شيء آخر ، وشبهت الأحكام بالحدود لأن تجاوزها يخرج من حل إلى منع ، وفي الحديث : " وحَدَّ حدودًا فلا تعتدوها " ؛ والحد : المنع ، وسميت حدود الله لأنها تمنع أن يدخل فيها ما ليس منها ، وأن يخرج منها ما هو منها ، ومنها سميت الحدود في المعاصي ، لأنها تمنع أصحابها من العود إلى أمثالها ؛ وإضافة الحدود إلى الله تعالى هنا وحيث ذكرت تدل على المبالغة في عدم الالتباس بها .وقوله تعالى : ] فَلاَ تَقْرَبُوهَا [ أي تقتربوا منها ؛ والنهي عن القربان للحدود أبلغ من النهي عن الالتباس بها ، فنهى أن يقرب الحد الذي هو الحاجز بين حيز الحق والباطل ، لئلا يداني الباطل ، فضلاً أن يتخطاه كما قال e : " كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى ، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ " والرتع حول الحمى وقربانه واحد ؛ فالنهي هنا عن القرب لتكون هناك منطقة أمان ؛ فمن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه ، والإنسان لا يملك نفسه في كل وقت ; فأحرى به ألا يعرض إرادته للامتحان بالقرب من المحظورات المشتهاة ، اعتمادًا على أنه يمنع نفسه حين يريد ، ولأن المجال هنا مجال حدود للملاذ والشهوات كان الأمر : ] فَلَا تَقْرَبُوهَا [ والمقصود هو المواقعة لا القرب . ولكن هذا التحذير على هذا النحو له إيحاؤه في التحرج والتقوى : ] كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [ ، وكذلك تلوح التقوى غاية يبين الله آياته للناس ليبلغوها ، وهي غاية كبيرة يدرك قيمتها الذين آمنوا ، المخاطبون بهذا القرآن في كل حين ( [1] ) .
                                                        الحديث
                                                        روى الشيخان عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ : فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ e زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ ، عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ ، وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى ، وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ ، مِنْ الْمُسْلِمِينَ ؛ وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ ( [2] ) .
                                                        فقه الصيام
                                                        زكاة الفطر ( 1 )
                                                        هي الزكاة التي سببها الفطر من صيام شهر رمضان ، والأصل في وجوبها السنة والإجماع ؛ فمن السنة حديث ابن عمر المتقدم ؛ وأجمع المسلمون على وجوبها .
                                                        وتجب زكاة الفطر على المسلم فيما فضل عن قوته وقوت من يعول يوم العيد وليلته ، فإن لم يجد إلا أقل من صاع أخرجه ؛ وتجب عليه عن نفسه وعمن تلزمه نفقته من والد وولد وزوجة وقريب ومملوك أو ما في حكمه من خادم يتولى أمره : أي يقوم بالنفقة عليه وليس عند الخادم ما يخرجه عن نفسه ؛ فإن استطاع الخدم إخراجها فالأولى أن يخرجوها عن أنفسهم لأنهم مخاطبون بها ؛ وإن أخرجها عنهم مع استطاعتهم أجزأهم . ولا تجب على الجنين إجماعا ، لكن إذا أخرجها عنه فحسن .
                                                        ومقدارها صاع من غالب قوت أهل البلد الذي تخرج فيه عن كل فرد ، صغيرًا كان أو كبيرًا ، ذكرًا كان أو أنثى ، حرًا كان أو عبدًا . ومقدار ذلك وزنا يختلف بحسب نوع المُخْرَج ، فيزيد في الحب وينقص قليلا في التمر ، وقد قدرت بالنسبة للحب بين 2.5 : 3 كجم للصاع تقريبا .
                                                        والجمهور على أنها لا تجوز إلا عينا ( أي طعاما ) ، ولا تجزيء إن أخرج قيمتها ، وذهب عمر بن عبد العزيز والحسن البصري ( [3] ) إلى جواز ذلك ، وهو قول أبي حنيفة . والأصل إخراجها طعاما فإنه فعل رسول الله e والصحابة من بعده .
                                                        قطوف من الشعر
                                                        مَهْمَا جَهِلْتُ فقدْ عَلِمْـ ... ـتُ بِأَنَّنِي بَشَرٌ أمـوتُ
                                                        والناسُ في طَلَبِ الغِنَى ... وغِنَاهُمُ مِنْ ذَاك قُـوتُ
                                                        شـَادوا لغَـيْرِهِمُ وبَا ... دوا والقبورُ هي البُيُوتُ
                                                        كلمات على الطريق
                                                        قال أبو الدرداء t : ابن آدم طأ الأرض بقدمك فإنها عن قليل تكون قبرك ، ابن آدم إنما أنت أيام فكلما ذهب يوم ذهب بعضك . ابن آدم إنك لم تزل في هدم عمرك منذ يوم ولدتك أمك ( [4] ) .
                                                        سؤال اليوم
                                                        هل يفطر الكحل ودهان المرأة في نهار رمضان أو لا ؟
                                                        الجواب : من اكتحل في نهار رمضان وهو صائم لا يفسد صومه، وكذا من دهن رأسه في نهار رمضان وهو صائم لا يفسد صومه.
                                                        وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .
                                                        [ اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء - السؤال الثاني من الفتوى رقم (4220) ]


                                                        [1] - انظر في ظلال القرآن عند الآية ( 187 ) من سورة البقرة .

                                                        [2]- البخاري ( 1503 ) ، ومسلم ( 984 ) .

                                                        [3] - انظر مصنف ابن أبي شيبة ( 10368 : 10371 ) .

                                                        [4] - رواه ابن أبي الدنيا في الزهد ( 426 ) .
                                                        د . محمد عطية

                                                        تعليق


                                                        • #28
                                                          قطوف اليوم الثامن والعشرين
                                                          ] تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا[ ( 2 )
                                                          قال أبو حيان - : وجاء هنا ] فَلا تَقْرَبُوهَا [ وفي مكان آخر ] فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ [ وقوله : ] وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ [ لأنه غلَّب هنا جهة النهي إذ هو المعقب بقوله : ] تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ [ وما كان منهيًا عن فعله كان النهي عن قربانه أبلغ ؛ وأما حيث جاء ] فَلاَ تَعْتَدُوهَا [ فجاء عقب بيان عدد الطلاق وذكر أحكام العدة والإيلاء والحيض فناسب أن ينهي عن التعدي فيها ، وهو مجاوزة الحد الذي حده الله فيها ؛ وكذلك قوله تعالى : ] وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ [ جاء بعد أحكام المواريث ، وذكر أنصباء الوارث ، والنظر في أموال الأيتام ، وبيان عدد ما يحل من الزوجات ، فناسب أن يذكر عقيب هذا كله التعدي الذي هو مجاوزة ما شرعه الله من هذه الأحكام إلى ما لم يشرعه ؛ وجاء قوله : ] تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ [ عقيب قوله : ] وَصِيَّةً مّنَ اللَّهِ [ ثم وعد من أطاع بالجنة وأوعد من عصا وتعدى حدوده بالنار .. فكل نهي من القربان والتعدي واقع في مكان مناسبته ( [1] ) . وقال سيد قطب - : ونقف هنا وقفة عابرة أمام اختلاف لطيف في تعبيرين قرآنيين في معنى واحد ، حسب اختلاف الملابستين : في الأولى تحذير من القرب ، وفي الثانية تحذير من الاعتداء . . فلماذاكانالاختلاف؟ فيالمناسبةالأولىكانالحديث عن محظورات مشتهاة : ] أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ [ إلى قوله تعالى : ] وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا[ والمحظورات المشتهاة شديدة الجاذبية ، فمن الخير أن يكون التحذير من مجرد الاقتراب من حدود الله فيها ، اتقاء لضعف الإرادة أمام جاذبيتها إذا اقترب الإنسان من مجالها ووقع في نطاق حبائلها !
                                                          أما الأخرى فالمجال مجال مكروهات واصطدامات وخلافات . فالخشية هنا هي الخشية من تعدي الحدود في دفعة من دفعات الخلاف ؛ وتجاوزها وعدم الوقوف عندها ؛ فجاء التحذير من التعدي لا من المقاربة ؛ بسبب اختلاف المناسبة . . وهي دقة في التعبير عن المقتضيات المختلفة عجيبة ! ( [2] )
                                                          الحديث
                                                          روى أبو داود وابن ماجة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ t قَالَ : فَرَضَ رَسُولُ اللهِ e زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ ، مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ ( [3] ) . ففي زكاة الفطر جبرٌ لما حدث في الصيام من تقصير : " طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ " ، وفيها أيضا إحسانٌ إلى الفقراء وإغناءٌ وكفايةٌ لهم عن السؤال في أيام العيد ، ليشاركوا الأغنياء فرحتهم ، ويكون العيد عيدًا للجميع .
                                                          فقه الصيام
                                                          زكاة الفطر ( 2 )
                                                          وقت إخراجها : أما وقت الوجوب فبغروب شمس آخر يوم من رمضان ، فلو ولد شخص بعد الغروب - ولو بدقائق - لم تجب فطرته ، ولو ولد قبل الغروب - ولو بدقائق - وجب إخراج الفطرة عنه . ولو مات شخص قبل الغروب ولو بدقائق لم تجب فطرته ، ولو مات بعده وجبت .
                                                          ولا يجوز تأخيرها عن صلاة العيد إلا لعذر ، ففي الصحيحين عَنِ ابْنِ عُمَرَ t أَنَّ رَسُولَ اللهِ e أَمَرَ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ . وفي حديث ابن عباس : مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ . ويأثم مؤخرها عن يوم العيد بغير عذر ، ويقضيها بعد يوم العيد لبقائها في ذمته .
                                                          وأما وقت الجواز فقبل العيد بيوم أو يومين ، ففي صحيح البخاري عَنْ نَافِعٍ قَالَ : فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِي الله عَنْهمَا - يُعْطِي التَّمْرَ فَأَعْوَزَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنَ التَّمْرِ فَأَعْطَى شَعِيرًا ، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُعْطِي عَنِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ حَتَّى إِنْ كَانَ لِيُعْطِي عَنْ بَنِيَّ ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُعْطِيهَا الَّذِينَ يَقْبَلُونَهَا ، وَكَانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ ( [4] ) .
                                                          إلى من تدفع ؟ ذهب كثير من أهل العلم إلى أن مصرف زكاة الفطر هو مصرف الزكوات عموما ، ولكن الأولى أن تكون للفقراء والمساكين لحاجتهم إليها في هذا الوقت ؛ والمستحقون لزكاة الفطر هم الفقراء ومن عليهم ديون لا يستطيعون وفاءها فيعطون منها بقدر حاجتهم ، وقال ابن القيم - : وكان من هدية e تخصيص المساكين بهذه الصدقة ، ولم يكن يقسمها على الأصناف الثمانية قبضةً قبضة ، ولا فعله أحد من أصحابه ولا من بعدهم ( [5] ) . ويجوز توزيعها على أكثر من فقير ، كما يجوز دفع عدد من الفِطَرِ إلى مسكين واحد .
                                                          مكان دفعها : تدفع زكاة الفطر إلى فقراء المكان الذي هو فيه وقت الإخراج ، سواء كان في محل إقامته أو غيره من بلاد المسلمين ، فإن كان في بلد ليس فيه من يستحق الزكاة وكَّل من يدفعها عنه في مكان فيه مستحق .
                                                          قطوف من الشعر
                                                          ترَحَّلَ شهرُ الصبرِ والهفاهُ وانصرما واخْتُصَ بالفوزِ في الجناتِ من خدما
                                                          من فاتَهُ الزرعُ في وقتِ البدارِ فما تـراهُ يحصـدُ إلا الهـمَ والندمـا
                                                          طوبى لمن كانت التقوى بضاعته في شـهره و بـحبل الله معتصما
                                                          كلمات على الطريق
                                                          روى مسلم عَنْ ابن مسعود t قَالَ : مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللهَ غَدًا مُسْلِمًا فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلَاءِ الصَّلَوَاتِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ ، فَإِنَّ اللهَ شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ e سُنَنَ الْهُدَى ، وَإِنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى ، وَلَوْ أَنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا يُصَلِّي هَذَا الْمُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ ، وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَتَطَهَّرُ فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ ثُمَّ يَعْمِدُ إِلَى مَسْجِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ بِكُلِّ خَطْوَةٍ يَخْطُوهَا حَسَنَةً ، وَيَرْفَعُهُ بِهَا دَرَجَةً ، وَيَحُطُّ عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةً ، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلَّا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ ؛ وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ ( [6] ) .
                                                          سؤال اليوم
                                                          صائم تقيأ ثم ابتلع قيئه بغير عمد ! فما حكمه ؟
                                                          الجواب : إذا تقيأ عمدًا فسد صومه ، وإن غلبه القيء فلا يفسد صومه ، وكذلك لا يفسد ببلعه مادام غير متعمد .
                                                          وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .
                                                          [ اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء - السؤال الثامن من الفتوى رقم (6471) ]


                                                          [1] - انظر البحر المحيط عند تفسير الآية ( 187 ) من سورة البقرة .

                                                          [2] - انظر في ظلال القرآن عند الآية ( 229 ) من سورة البقرة ، باختصار وتصرف .

                                                          [3] - أبو داود ( 1609 ) ، وابن ماجة ( 1827 ) .

                                                          [4] - البخاري ( 1511 ) .

                                                          [5] - زاد المعاد :

                                                          [6] - مسلم ( 654 ) .
                                                          د . محمد عطية

                                                          تعليق


                                                          • #29
                                                            قطوف اليوم التاسع والعشرين
                                                            ] لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [ ( 1 )
                                                            هكذا ختمت آخر آيات الصيام : ] لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [ كما ختمت أول آيات الصيام ] لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [ ؛ إنه التذكير بالتقوى التي هي غاية الصيام وأصل النجاة ؛ وجاء قوله تعالى : ] لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ[ بعد قوله U : ] كذلك يبين الله آياته للناس [ أي : كما بين الله أحكام الصيام يبين آياته للناس ، أي : جميع آياته لجميع الناس ، والمقصد أن هذا شأن الله في إيضاح أحكامه لئلا يلتبس شيء منها على الناس ، وبيان ذلك لهم ] لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [ ، أي إرادةً لاتقائهم الوقوع في المخالفة ، لأنه لو لم يبين لهم الأحكام لما اهتدوا لطريق الامتثال ، أو لعلهم يلتبسون بغاية الامتثال والإتيان بالمأمورات على وجهها فتحصل لهم صفة التقوى الشرعية ، إذ لو لم يبين الله لهم لأتوا بعبادات غير مستكملة لما أراد الله منها ؛ وهم وإن كانوا معذورين عند عدم البيان وغير مؤاخذين بإثم التقصير ، إلاّ أنهم لا يبلغون صفة التقوى أي كمال مصادفة مراد الله تعالى . فالحمد لله على ما أنعم من البيان الذي به ظهر الحق من الباطل ، ونسأل الله تعالى أن يثبتنا على الحق ما أحيانا .
                                                            الحديث
                                                            روى مسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ t أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ e كَانَ يَخْرُجُ يَوْمَ الْأَضْحَى وَيَوْمَ الْفِطْرِ فَيَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ ، فَإِذَا صَلَّى صَلَاتَهُ وَسَلَّمَ قَامَ فَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ وَهُمْ جُلُوسٌ فِي مُصَلَّاهُمْ ، فَإِنْ كَانَ لَهُ حَاجَةٌ بِبَعْثٍ ذَكَرَهُ لِلنَّاسِ ، أَوْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ بِغَيْرِ ذَلِكَ أَمَرَهُمْ بِهَا ، وَكَانَ يَقُولُ : " تَصَدَّقُوا تَصَدَّقُوا تَصَدَّقُوا " وَكَانَ أَكْثَرَ مَنْ يَتَصَدَّقُ النِّسَاءُ ثُمَّ يَنْصَرِفُ ( [1] ) .
                                                            فقه الصيام
                                                            يوم الفطر
                                                            لكل أمة أعيادها التي تتكرر بمرور مناسبة من المناسبات الكبيرة عندهم ، يجددون ذكراها ، ويظهرون الفرح والسرور بعودة وقتها ، وقد أمد الله تعالى هذه الأمة بأعياد جمعت خيري الدنيا والآخرة ، إذ هي أيام عبادة وشكر ، وفرح وسرور ، فليست أعياد المسلمين مجرد عبادة ، كما أنها ليست مجرد عادة ، وإنما هي أعياد خيرٍ جمع فيها بين طاعة علام الغيوب ، ومغفرة الذنوب ، وبحبوحة القلوب فيما أباحه الله تعالى . روى أحمد وأبو داود والنسائي عَنْ أَنَسٍ t قَالَ : قَدِمَ رَسُولُ اللهِ e الْمَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا ، فَقَالَ : " مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ ؟" قَالُوا : كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ e : " إِنَّ اللهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا يَوْمَ الْأَضْحَى وَيَوْمَ الْفِطْرِ " ( [2] ) .
                                                            ففي الدنيا للمؤمنين ثلاثة أعياد : عيد يتكرر وهو الجمعة ، وهو عيد الأسبوع ، وهو مرتب على إكمال الصلوات المكتوبات ، وهي من أعظم أركان الإسلام ومبانيه بعد الشهادتين ؛ والله U فرض على المؤمنين في كل يوم وليلة خمس صلوات ؛ وأيام الدنيا تدور على سبعة أيام ، فكلما دار أسبوع من أيام الدنيا واستكمل المسلمون صلواتهم فيه شرع لهم يوم استكمالهم اجتماعا هو عيد لهم يتكرر فيجتمعون فيه ؛ فالجمعة من الاجتماع على سماع الذكر والموعظة .. فهذا عيد الأسبوع .
                                                            وأما العيدان الآخران فلا يتكرران ، وإنما يأتي كل واحد منهما في العام مرة واحدة ، فأحدهما : عيد الفطر من صوم رمضان ، وهو مرتب على إكمال صيام رمضان ، وهو الركن الثالث من أركان الإسلام ومبانيه ، فإذا استكمل المسلمون صيام شهرهم المفروض عليهم ، واستوجبوا من الله المغفرة والعتق من النار ؛ شرع الله لهم عقب إكمالهم لصيامهم عيدًا يجتمعون فيه على شكر الله وذكره وتكبيره على ما هداهم له ، وشرع لهم في هذا العيد الصلاة والصدقة ، وهو يوم الجوائز : يستوفي الصائمون فيه أجر صيامهم ، ويرجعون من عيدهم بالمغفرة . والعيد الثاني : عيد النحر ، وهو أكبر العيدين وأفضلهما ، وهو مرتب على إكمال الحج ، وهو الركن الرابع من أركان الإسلام ومبانيه ، فإذا أكمل المسلمون حجهم غفر لهم ، وإنما يكمل الحج بيوم عرفة الذي يغفر الله تعالى فيه للمؤمنين ، فلذلك صار اليوم الذي يليه عيدا لجميع المسلمين في جميع أمصارهم ، من شهد الموسم منهم ومن لم يشهده ، وشرع للجميع التقرب إليه بالنسك ، وهو إراقة القرابين ؛ فأهل الموسم يرمون الجمرة ويذبحون الهدي ويطوفون ويتحللون ؛ وأهل الأمصار يجتمعون على ذكر الله تعالى وتكبيره والصلاة له ، ثم يذبحون الضحايا ؛ فيكون ذلك شكرا لله على نعمه ( [3] ) .
                                                            قطوف من الشعر
                                                            نَسِيرُ إلى الآجالِ في كلِّ ساعةٍ... وأَيَّامُنَا تُطْـَوى وهُنَّ مَرَاحِـلُ
                                                            ولم نَرَ مِثْلُ الـموتِ حَقاً كَأَنَّهُ... إذا مـا تَخَطَتْهُ الأمانيُّ بَاطـلُ
                                                            وما أقبحُ التفريطَ في زَمْنِ الصِّبَا... فكيفَ به والشَيْبُ في الرأسِ نَازِلُ
                                                            تَرَحَّلْ عَنِ الدُّنيا بزادٍ مِنَ الْتُّقَى... فَعُمُـرُكَ أيـامً تُعَـُد قَـلائِلُ
                                                            كلمات على الطريق
                                                            قال لقمان لابنه : أي بني عود لسانك : اللهم اغفر لي ؛ فإن لله ساعات لا يرد فيهن سائلا ( [4] ).
                                                            سؤال اليوم
                                                            إذا كانت المسلمة معتادة على صيام الاثنين والخميس ، فهل يجوز لها أن تستغل صيامها لتلك الأيام لقضاء ما فاتها من شهر رمضان ؟ أم أن النية يجب أن تكون منفصلة ؟
                                                            الجواب : الحمد لله ؛ لا بأس في صيام يومي الاثنين والخميس لقضاء ما فاتها من الأيام في شهر رمضان ، بشرط أن يكون الصيام بنية القضاء ، ولعلها تدرك الأجرين معًا : أجر القضاء وأجر النافلة ، وفضل الله واسع ، وعلى فرض أنها لا تدرك إلا القضاء فإن القضاء أفضل من النفل . وأما إذا نوت بصيامها التطوع ، ولم تنو القضاء فإنه لا يسقط بها الفرض ، وعليها أن تصوم الأيام التي أفطرتها من رمضان . والله أعلم ، وصلى الله على نبيّنا محمد وآله وصحبه ( [5] ) .

                                                            [1]- مسلم ( 889 ) .

                                                            [2] - أحمد : 3 / 103 ، أبو داود ( 1134 ) ، والنسائي ( 1556 ) ، والحاكم ( 1091 ) وصححه على شرط مسلم .

                                                            [3] - انظر لطائف المعارف ص 299 : 301 باختصار .

                                                            [4] - رواه ابن أبي الدنيا في كتاب ( التوبة ) رقم 152 .

                                                            [5]- انظر فتاوى اللجنة الدائمة : 10 / 383 ، وكتاب فتاوى إسلامية : 2 / 149- 150.
                                                            د . محمد عطية

                                                            تعليق


                                                            • #30
                                                              قطوف اليوم الثلاثين


                                                              ] لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [ ( 2 )

                                                              لعلنا نلمح من هذا التذييل لآخر آيات الصيام الإشارة إلى الوقوف مع النفس في وداع رمضان .. فها هو رمضان يوشك أن يحرك أوتاد خيمته مؤذنا برحيل ؛ ليسأل كل مسلم نفسه ، ها قد جاء رمضان وأوشك على الرحيل ، فهل ستخرجين يا نفس منه بمغفرة الذنوب والعتق من النار ؟ هل خرجت أيتها النفس من رمضان بتقوى الله تعالى ، لتكون زادك في طريقك إلى الآخرة ؟ أم أنك كنت غافلة عن زاد الطريق ؟ ]وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى[ ( البقرة : 197 ) .

                                                              اعلموا - علمني الله وإياكم الخير - أنه ليس كل من عرف التقوى والورع ودقائقه كان تقيا ؛ وإنما التقوى عمل ومراقبة مع العلم ؛ والمراد بالمراقبة القيام بالطاعة لأجل أن الله أمر بها وأحبها لا لمجرد العادة أو لعلة باعثة سوى امتثال الأمر ؛ كما قال طلق بن حبيب - - في التقوى : هي العمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله ؛ وترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله ؛ وهذا هو الإيمان والاحتساب المشار إليه في كلام النبي e في قوله : " من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ، ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له " فالصيام والقيام هو الطاعة .. وهو العمل ؛ والإيمان مراقبة الأمر ؛ ومع ذلك فلابد من إخلاص الباعث وهو أن يكون الإيمان الآمر لا شيء سواه ، أي أن يكون العمل لله وحده ، يبعث عليه الإيمان والتصديق بأمر الله ونهيه .. وأما الاحتساب فهو رجاء ثواب الله تعالى .
                                                              هكذا لابد أن يخرج الصائمون من رمضان .. قد امتلأت القلوب بالإيمان ووعت التقوى .. وانتشر ذلك في أعمالهم جميعا .. عندها نقول صادقين .. قد صمنا لله تعالى .. وقمنا لله تعالى ، ونسأل الله تعالى أن يتقبل .

                                                              الحديث

                                                              روى مسلم عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ t أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ e قَالَ : " مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّال كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ " ([1] ) . ذلك لأن الحسنة بعشر أمثالها ، فشهر رمضان يقوم مقام عشرة أشهر ، وبقي شهران يقوم مقامهما الست من شوال ، وقد جاء ذلك مفسرا في حديث رواه أحمد والنسائي بإسناد حسن عَنْ ثَوْبَانَ t عَنِ النَّبِيِّ e قَالَ : " مَنْ صَامَ رَمَضَانَ فَشَهْرٌ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ ، وَصِيَامُ سِتَّةِ أَيَّامٍ بَعْدَ الْفِطْرِ فَذَلِكَ تَمَامُ صِيَامِ السَّنَةِ " .

                                                              فقه صلاة العيد

                                                              لصلاة العيد مكانة عظيمة في الإسلام ، فقد أمر الله تعالى بها في قوله: ] إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ . فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ[ ( الكوثر 1 ، 2 ) ، وأناط بها فلاح المؤمن في قوله: ] قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى . وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى[ ( الأعلى : 14 : 15 ) ، وقد واظب رسول الله e عليها وأمر بها، وأخرج لها حتى النساء والصبيان، وهي شعيرة من شعائر الإسلامومظهر من مظاهره التي يتجلى فيها الإيمان والتقوى .
                                                              حكم صلاة العيد : ذهبمالك والشافعي إلى أنها سنة متأكدة، وذهب أحمد وبعض الشافعية إلى أنها فرض كفاية، والراجح من مذهب الأحناف وجوبها ، وهو قول عند الشافعي وأحمد رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية ( [2]) . والشوكاني ([3]) .
                                                              وقتها : اتفق العلماء على أن وقت صلاة العيد من ارتفاع الشمس قدر رمح ( أي حوالي 15 دقيقة بعد شروق الشمس ) وحتى زوالها؛ وعلى أن الأفضل تعجيل صلاة عيد الأضحى ليتسع للناس وقت ذبح أضاحيهم، وتأخير صلاة الفطر ليتمكنوا من إخراج صدقاتهم.
                                                              والسنة أن تُصلى صلاة العيد في المصلى بالصحراء إلا لضرورة مطر ونحوه ، لمواظبة النبي e على صلاتها في الصحراء ؛ ولم يثبت عنه e أنه صلاها في المسجد البتة . روى الشيخان عَنْ أَبِي سَعِيدٍ t قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللهِ e يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى إِلَى الْمُصَلَّى ( [4] ) . ومن السنة أن يخرج لها الجميع : الرجال والنساء والصبيان ، فعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ - - قَالَتْ : أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ الْحُيَّضَ يَوْمَ الْعِيدَيْنِ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ فَيَشْهَدْنَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَدَعْوَتَهُمْ ، وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ عَنْ مُصَلَّاهُنَّ ، قَالَتْ امْرَأَةٌ : يَا رَسُولَ اللهِ إِحْدَانَا لَيْسَ لَهَا جِلْبَابٌ ؟! قَالَ : " لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا " متفق عليه ([5]). ومن السنة التكبير ؛ قال الله تعالى : ) وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ ( ( البقرة : 185 ) ، هذا في يوم الفطر ،وجمهور العلماء على أن التكبير يوم الفطر من الخروج للمصلى إلى ابتداء الصلاة ؛ وقال الشافعي - : هو من ليلة العيد حتى يخرج الإمام للصلاة ؛ و اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ( [6] ) .

                                                              آداب تتعلق بصلاة عيد الفطر

                                                              1 - يستحب الغسل والتطيب والتزين للعيد([7]) .
                                                              2- ويستحب أن يأكل قبل أن يغدو إلى المصلى يوم الفطر ، فعن أنس t قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ e لَا يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ ، وَيَأْكُلُهُنَّ وِتْرًا . رواه البخاري([8]).
                                                              3- ويستحب مخالفة الطريق في الذهاب إلى المصلى والعودة منه ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ e إِذَا خَرَجَ يَوْمَ الْعِيدِ فِي طَرِيقٍ رَجَعَ فِي غَيْرِهِ . روه أحمد والترمذي وابن ماجة ( [9] ) .
                                                              4 - تستحب التهنئة يوم العيد ، فقد كان أصحاب رسول الله e إذا التقوا يوم العيد يقول بعضهم لبعض : تقبل الله منا ومنك ( [10] ) .
                                                              5 – زيادة الصدقات في العيد ، فقد روى مسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ t أَنَّ رَسُولَ اللهِ e كَانَ يَقُولُ يوم العيد : " تَصَدَّقُوا تَصَدَّقُوا تَصَدَّقُوا " وَكَانَ أَكْثَرَ مَنْ يَتَصَدَّقُ النِّسَاءُ .. ( [11] )
                                                              6 - إظهار الفرح والسرور ، ويباح اللعب واللهو والغناء المباح ، والتوسع في الأكل والشرب ، وغير ذلك مما يدخل البهجة في النفوس .
                                                              7 - اجتناب المعاصي يوم العيد ، وإن كان ترك المعاصي في غير أيام العيد مطلوبا ، غير أنه في أيام العيد آكد ، لأنها أيام مغفرة ، والمغفرة نعمة عظيمة ، وليس شكر النعمة بمعصية الله تعالى .
                                                              8 - العيد فرصة لصلة الأرحام العامة والخاصة ، فالرحم العامة هم المسلمون جميعا ، والرحم الخاصة هم القرابات ، وفرصة لزيادة الصدقات ليدخل في فرحة العيد الفقير والغني .

                                                              قطوف من الشعر


                                                              أسـيرُ الخطَايا عندَ بَابِكَ واقِـفٌ... على وَجَـلٍ مما بِهِ أنتَ عَارِفُ


                                                              يَخَاف ذُنُوباً لم يَغِـبْ عَنْكَ غَيْبُهَا... ويَرْجُوكَ فيها فهو راجٍ وخَائفُ


                                                              فمن ذا الذي يُرْجَى سِوَاكَ ويُتْقَى... وما لكَ مِنْ فَصْلِ القضاءِ مَخَالِفُ


                                                              فيا سيدي لا تُخْزِنِي في صَحِـيفَتي... إذا نَشِرَتْ يومَ الحسابِ الصَحَائفُ


                                                              وكُنْ مُؤْنِسِي في ظُلْمَةِ القبرِ عندما ... يَصُدُ ذوو وُدِي ويَجْـُفو المؤالفُ


                                                              إذا ضَاق عَني عَفْوُكَ الوَاسِعُ الذي ... أُرجِّـي لِإسْـرَافِي فإني لتَالِـفُ



                                                              كلمات على الطريق

                                                              قال ابن القيم - : مراتب العلم والعمل ثلاثة : رواية وهي مجرد النقل وحمل المروي ؛ ودراية وهي فهمه وتعقل معناه ؛ ورعاية وهي العمل بموجب ما علمه ومقتضاه ( [12] ) .

                                                              سؤال اليوم

                                                              رجل مات يوم عيد الفطر ، وفي أول يوم من رمضان أو الثاني أصابه المرض ، ومر عليه رمضان كله وهو مفطر ، فهل على ورثته الصيام عنه بعد وفاته ، أو عليهم إطعام ، أو ليس على الميت ولا على الورثة شيء من ذلك ؟
                                                              الجواب : إذا كان هذا المريض أفطر لعدم قدرته على الصيام ، ولم يتمكن من القضاء لأنه مات يوم عيد الفطر ، فالصوم لم يجب عليه أداءً لعدم القدرة لمرضه ، ولا قضاءً لعدم التمكن لموته يوم عيد الفطر ، وليس على ورثته الصوم ولا الإطعام عنه .

                                                              وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .


                                                              [ اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء - السؤال الرابع من الفتوى رقم (820) ]



                                                              [1] - مسلم ( 1164 ) ، ورواه أحمد 5 / 417 ، وأبو داود ( 2233 ) ، وابن ماجة ( 1716 ) .

                                                              [2]- انظر مجموع الفتاوى : 23 / 161 ، 162 ، وانظر الفقه على المذاهب الأربعة: 1 / 344، 345، والمجموع : 5 / 3 ، اللباب : 1 / 115.

                                                              [3]- انظر الدرر المضيئة : 1 / 194.

                                                              [4]- البخاري ( 956 ) ، واللفظ له ، ومسلم ( 889 ) .

                                                              [5]- البخاري ( 351 ) ، ومسلم ( 890 ) .

                                                              [6] - انظر مجموع الفتاوى : 24/221 .

                                                              [7]- انظر المجموع : 5 / 7 .

                                                              [8]- البخاري ( 953 ) .

                                                              [9]- أحمد : 2 / 338 ، و الترمذي ( 541 ) وحسنه ، وابن ماجة ( 1301 ) .

                                                              [10]- انظر فتح الباري : 2 / 464 ، والحاوي للفتاوي للسيوطي : 1 / 82 .

                                                              [11]- مسلم ( 889 ) ، ورواه النسائي ( 1576 ) ، وابن ماجة ( 1288 ) .

                                                              [12]- مدارج السالكين : 2 / 60 .
                                                              د . محمد عطية

                                                              تعليق


                                                              • #31
                                                                وفي الختام ، لا تنسوا أخاكم من دعاكم ، ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم ، وأحسن عاقبتنا في الأمور كلها ، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة .
                                                                د . محمد عطية

                                                                تعليق

                                                                20,039
                                                                الاعــضـــاء
                                                                238,099
                                                                الـمــواضـيــع
                                                                42,818
                                                                الــمــشـــاركـــات
                                                                يعمل...
                                                                X