إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • آداب اللباس في الإسلام

    الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده نبينا محمد وعلى آله وصحبه ، وبعد :
    فيمكن القول بأن اللباس مما يتميز به الإنسان عن غيره من الحيوانات ؛ فيواري عورته ويتجمل به في الناس ؛ ولكن لما كان بعض الناس قد يخرج بلباسه عن إطار الحِلِّ أو اللياقة دون ضابط ؛ جاء الإسلام ليضع لأهله ضوابطَ وآدابًا ، تجعلهم يتميزون عن غيرهم من البشر في لباسهم ، كما تميزوا في عقيدتهم وشريعتهم .
    إنه الدين العظيم الذي ربى أهله على العبودية لله وحده ، وأن يكونوا في جميع شئون حياتهم مرتبطين بتعاليم هذا الدين التي تربط العبد بخالقه ، وتجعله يعي أن كل شيء في حياته له ضوابط وآداب توفق بين الروح والبدن ، لتصله بربه ؛ فيعيش في حياته الدنيوية يرنو إلى الحياة الأبدية في جنات النعيم ؛ والتي جعلها الله U جزاءً للطائعين المستقيمين .
    فكم هو شنيعٌ خطأُ فَهْمِ أولئك الذين يظنون أن مسألة اللباس في الإسلام مسألة شكلية ! وأي شكل في الوجود لا يعبِّر عن مضمون ؛ بدءًا بأبسط الأشياء حتى أعقدها ! ودونك العلوم والفلسفات والحضارات عبرالتاريخ ، فانظر وتأمل!
    إن قضية اللباس مرتبطة بأصول العقيدة أساسًا ! سواء تعلق ذلك بالرجال أو بالنساء على السواء ، لكن لكل منهما صفاته الخاصة ؛ وغلط مَنْ يحصر ذلك في مجال التشريع فقط ! ومن هنا يتبين مدى الخطر الذي تؤدي إليه (حركة التعري) من تدمير عقدي لمن يعتقدها صوابًا .
    ولما كان البشر يتميز لباسهم بحسب جنسهم ، كان للباس الذكور آداب ، وللباس الإناث آداب ؛ بل وللصغار - أيضًا - آداب للباسهم .
    وسنتناول في رسالتنا هذه ( آداب اللباس ) المحاور التالية :
    معنى اللباس .
    قصة اللباس .
    اللباس نعمة توجب الشكر .
    أنواع اللباس .
    آداب عامة للباس .
    آداب تختص بالرجال .
    آداب تختص بالنساء .
    آداب تختص بالأطفال .
    وليس من نافلة القول أن نقول : إن هذه الآداب دالة على عظمة هذا الدين ، وعنايته بأهله ؛ وأن منها ما هو واجب ومنها ما هو مستحب .
    هذا والله الكريم أسأل أن ينفع بهذه الرسالة كاتبها وناشرها وقارئها والدال عليها ، إنه خير مسئول وأكرم مأمول ؛ وصلى الله وسلم وبارك على النبي محمد وعلى آله .
    د . محمد عطية

  • #2
    معنى اللباس
    اللِّباس ما يستر الجسم ، جمعه ألبسة ولُبُس ؛ يقال : لبس الثَّوب لبسًا استتر به , وأصل اللبس : ستر الشيء ، ولباس كلِّ شيءٍ غشاؤُه , ولباس التّقوى : الإيمان، أو الحياء ، أو العمل الصَّالح ، وفي التنزيل ] يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ [ [ الأعراف : 26 ] .
    وجُعِلَ اللباس لكل ما يغطي من الإنسان عن قبيح ، فجعل الزوج لزوجه لباسًا من حيث إنه يمنعها ويصدها عن تعاطي قبيح ؛ قال تعالى : ] هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ [ [ البقرة : 187 ] ، فسماهن لباسًا ، وأما قوله : ] صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ [[ الأنبياء : 80 ] ، فيعني به : الدرع( [1] ) .
    وأما الزِّينة فهي أعم من اللِّباس ؛ وهي في اللغة ما يُتزيَّن به , والزَّين : الحسن ، ضد الشّين وهو القبيح .

    [1]- انظر مفردات الراغب ( مادة : لبس ) ، ولسان العرب باب السين فصل اللام .
    د . محمد عطية

    تعليق


    • #3
      قصة اللباس
      لما عصى إبليس وأبى السجود لآدم وطرده الله تعالى من الجنة ، بيَّن عداوته للأبوين فقال  :  فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ  ، وحذرهما من محاولته إخراجهما من الجنة :  فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى  [ طـه : 117 ] ؛ وبيَّن لهما الحال في الجنة :  إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى . وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى  [ طـه : 118 ، 119 ] ؛ ثم أسكن الله تعالى الأبوين الجنة ، وأباح لهما أن يأكلا من ثمر كل شجرة فيها إلا شجرة واحدة .
      وذكر القرآن أن وسوسة إبليس كانت لينزع عن الأبوين لباسهما ويريهما سوءاتهما ؛ قال تعالى :  فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا  [ الأعراف : 20 ] . ولحكمة أرادها الله تعالى عصى الأبوان ، فكان أن ظهر أول شؤم المعصية : انكشاف عورتهما :  فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ  [ لأعراف : 22 ] .
      ولما شاء الله تعالى للأبوين أن يسكنا الأرض هيأ لهما ولذريتهما ما يحتاجونه في أمر دنياهم ودينهم ، ومن ذلك اللباس :  يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ  [ الأعراف : 26 ] ؛ وهذه الآية جاءت على سبيل الامتنان والتحذير من أن يقع بنو آدم فيما وقع فيه الأبوان فانكشفت عورتهما ، وأمرهما بالهبوط إلى الأرض وأعلمهما أنها لهما مستقرًا ومتاعًا إلى حين ؛ ثم بيَّن بعد ذلك أنَّهُ تعالى أنزل كلَّ ما يحتاجون إليه في الدُّنْيَا ، ومن جملة ما يُحتاج إليه في الدِّين والدُّنيا اللِّباس الذي يسترون به عَوْرَتَهُم ، ويزينون به هيئتهم أمام غيرهم .
      ففي مواجهة مشهد العري الذي أعقب الخطيئة ، وكذلك في مواجهة العري الذي كان يزاوله المشركون في الجاهلية فقد كانوا يطوفون بالبيت عرايا ، يذكر السياق في هذا النداء نعمة الله على البشر وقد علمهم ويسر لهم ، وشرع لهم كذلك ، اللباس الذي يستر العورات المكشوفة ، ثم يكون زينة - بهذا الستر - وجمالاً ، بدل قبح العري وشناعته ( 1 ) .
      وحذر الله  بني آدم من أن يفعل إبليس بهم ما فعل بالأبوين :  يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ  [ الأعراف : 27 ] . وفي الآية بيان بأن كشف العورات إنما هو من وساوس الشيطان وتزيينه .

      ( 1 ) انظر ( في ظلال القرآن ) لسيد قطب عند الآية ( 26 ) من سورة الأعراف ، بتصرف .
      د . محمد عطية

      تعليق


      • #4
        نعمة اللباس ووجوب شكرها

        امتن الله تعالى على خلقه بنعم كثيرة ، منها اللباس ، وقد جاء ذلك في آيات ذوات عدد ؛ ففي سورة النحل ، قال الله تعالى : وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ  [ النحل : 5 ] ، وفيها ، قال سبحانه : وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ  [ النحل : 81 ] ؛ وفي سورة الأعراف قال سبحانه : يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ  [ الأعراف : 26 ] .
        فالآية الأولى فيها إشارة لملابس الشتاء : لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ ، والآية الثاني واضحة في ملابس الصيف ، وملابس الحرب : وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ ، والآية الثالثة فيها بيان للثياب التي تستر العورة : لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ ، والثياب التي يتزين بها وَرِيشًا ؛ ثم التنبيه على لباس التقوى وأنه خير .
        قال الزمخشري : وهذه الآية واردة على سبيل الاستطراد عقيب ذكر بدو السوءات ، وخصف الأوراق عليها ، إظهارًا للمنة فيما خلق من اللباس ، ولما في العري وكشف العورة من المهانة والفضيحة ، وإشعارًا بأن التستر باب عظيم من أبواب التقوى ( 1 ) .
        فيا لها من نعمة توجب الشكر ؛ وقد أشار القرآن إلى ذلك في أحد أنواعها ، وهي لباس الحرب ، فقال  : وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ [ الأنبياء : 80 ] ؛ وقال تعالى في ختام آية سورة النحل : كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ؛ ربنا أوزعنا أن نشكر نعمتك .
        روى أحمد وأهل السنن إلا ابن ماجة عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ  إِذَا اسْتَجَدَّ ثَوْبًا سَمَّاهُ بِاسْمِهِ إِمَّا قَمِيصًا أَوْ عِمَامَةً ، ثُمَّ يَقُولُ : " اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ كَسَوْتَنِيهِ ، أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِهِ وَخَيْرِ مَا صُنِعَ لَهُ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ " ( 2 ) .

        ( 1 ) انظر ( الكشاف ) للزمخشري عند الآية ( 26 ) من سورة الأعراف .
        ( 2 ) أحمد : 3 / 50 ، وأبو داود ( 4020 ) ، والترمذي ( 1767 ) وصححه ، والنسائي في الكبرى ( 10141 ) ، والحاكم ( 2408 ) وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي .
        د . محمد عطية

        تعليق


        • #5
          أنواع اللباس
          للباس أنواع يمكن أن تجمل تحت نوعين :
          الأول : لباس البدن : وهو لباس حسي ظاهر ؛ ويتنوع بحسب الحال إلى : لباس يستر العورة وهو ضروري واجب ، ولباس يُتزين به وهو ما زاد على الضروري من اللباس ؛ ولباس للحرب وهو خاص بحالة الحرب ؛ كما يتنوع لباس البدن بحسب الزمن إلى : لباس للشتاء ، ولباس للصيف .
          الثاني : لباس النفس : وهو لباس التقوى ، وهو اللباس المعنوي الباطن الذي يقي الإنسان من عذاب الله تعالى ؛ ولا فائدة من ستر البدن باللباس الحسي إن لم يستر الإنسان نفسه بلباس التقوى ؛ ولله در القائل :
          إذا المرء لم يلبس لباسًا من التقى تقلب عريانًا ولو كان كاسيا
          وخـير لباس المـرء طاعة ربه ولا خير فيمن كان لله عاصيا
          وإليك بيان هذين النوعين بشيء من التفصيل :

          النوع الأول : لباس البدن
          يتميز الإنسان بلباس يواري سوأته ، وآخر يتجمل به في الناس ، وثالث لحال الحرب يقيه الطعنات والضربات ؛ وتختلف هذه الأنواع بحسب طبيعة الجو إلى ألبسة شتوية وألبسة صيفية ؛ تتميز الأولى بالثقل الذي يبعث على الدفء ، قال الله تعالى :  وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ والدفء اسم لما يدفأ به ، وهو ما يكون من اللباس المصنوع من أصواف الأنعام وأوبارها وأشعارها ، وتتميز الثانية بالخفة التي تقي الحر ، قال الله تعالى : وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ ؛ وتفصيل ذلك على النحو التالي :
          أولا : لباس يستر العورة :
          هذا النوع من اللباس هو المذكور في قوله تعالى : يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ ؛ فمع ما في الآية من دلالة على الإنعام ، فيها - أيضًا - دلالة على وجوب ستر العورة ؛ وفيه تنبيه على أَن جلَّ المقصود من اللباس ستر العورة ، وما زاد فتحسّن وتزيّن ، إلاَّ ما كان لدفع حَرٍّ وبرد .
          وفي اللغة كل شيء يستره الإنسان أَنَفَةً وحياء فهو عورة ؛ فالعورة هي ما يسوء الإنسان إبداؤه والنظر إليه ؛ لأنها من العور وهو العيب .
          وأما في الاصطلاح : فما يحرم كشفه والنظر إليه من الجسم ، سواء من الرجل أو المرأة ؛ أو هي ما يجب ستره وعدم إظهاره من الجسم .
          وحَدُّها يختلف باختلاف الجنس ، وباختلاف العمر , كما يختلف من المرأة بالنسبة للمحرَم وغير المحرم .
          ولا خلاف في تحريم النظر إلى العورة من الناس بعضُهم إلى بعض ، وأن سترها عنهم واجب ، إلا الرجل مع زوجته أو أمته ، لقوله تعالى : وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ . إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ [ المؤمنون : 5 ، 6 ؛ والمعارج : 29 ، 30 ] .
          وستر العورة من الآداب العظيمة التي أمر بها الإسلام ، ففي صحيح مسلم عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ : أَقْبَلْتُ بِحَجَرٍ أَحْمِلُهُ ثَقِيلٍ ، وَعَلَىَّ إِزَارٌ خَفِيفٌ ؛ قَالَ : فَانْحَلَّ إِزَارِي ، وَمَعِيَ الْحَجَرُ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَضَعَهُ حَتَّى بَلَغْتُ بِهِ إِلَى مَوْضِعِهِ ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : " ارْجِعْ إِلَى ثَوْبِكَ فَخُذْهُ ، وَلاَ تَمْشُوا عُرَاةً " ( 1 ) ؛ ولا خلاف في تحريم كشف العورة بمحضر الناس ، فعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ : قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ ؟ قَالَ : " احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلاَّ مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ " قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِذَا كَانَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ ؟ قَالَ : " إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لاَ يَرَيَنَّهَا أَحَدٌ فَلاَ يَرَيَنَّهَا " ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا ؟ قَالَ : " اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنَ النَّاسِ " ( 2 ) .
          بل نهى رسول الله الرجل أن ينظر إلى عورة الرجل ، والمرأة أن تنظر إلى عورة المرأة ، لما يترتب عليه من المفاسد ، ففي صحيح مسلم عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : " لاَ يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ ، وَلاَ الْمَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ " ( 3 ) .
          وعورة الرجل التي أُمر بسترها - إلا عن زوجته أو أمته - من السرَّة إلى الركبة ؛ والمرأة كلها عورة إلا عن زوجها ؛ وأما محارمها فلهم النظر إلى ما يظهر غالبًا كالوجه ، واليدين ، والشعر ، والرقبة .. ونحو ذلك مما يكون ظاهرًا في بيتها من غير تكلف ؛ وحُكم المرأة في الصلاة : ستر جميع جسدها إلا الوجه والكفين ؛ وأما المرأة مع المرأة ، فقال كثير من أهل العلم : عورتها كعورة الرجل على الرجل : من السرَّة إلى الركبة ؛ وقيل : لا يرى النساء منها إلا ما يراه ذو المحرم .
          وهذا مع أمن الفتنة ، فإذا لم تؤمن الفتنة ، فلا تُظهر المرأة ما يمكن أن يكون مثيرًا لفتنة ولو في أوساط النساء .
          ويجب ستر العورة بما يواريها من اللباس الذي يستر لون البشرة ولا يحددها ولا يظهر بعضها ، فلا يكون شفافًا يظهر ما تحته ، ولا ضيقًا يحدده ، ولا قصيرًا يظهر بعض العورة ؛ لأن الستر لا يحصل بذلك ؛ وهذا عام في لباس الرجل والمرأة .
          وتتعمد بعض النساء لبس بعض الملابس التي تُظهر مفاتنها وزينتها الباطنة في مجتمع النساء ، كأن تُظهر ظهرها أو فخذها أو جزء منه ، أو تلبسُ لباسًا شفافًا يشفُ ما تحته من جسدها ، أو لباسًا ضيقًا يصف الجسد ؛ وقد يحتج بعضهن بأن العورة المأمور بسترها بين النساء تكون من السرة إلى الركبة ، وإنهن إنما يلبسن ذلك في مجامع النساء فقط .
          وهذا الكلام فيه تجوز ؛ فإن من قال من العلماء : إن عورة المرأة مع المرأة تكون من السرَّة إلى الركبة ، اشترط الأمن من الفتنة ، وواقع كثير من النساء اليوم أنهن تجاوزن الحد في ستر عوراتهن ، بل أدى الحال إلى افتتان بعض النساء ببعض ، وهو أمر أصبح لا يخفى ؛ وليس مجمع النساء عذرٌ في لبس ما يحلو للمرأة لبسه ، بل متى كان داعيًا للفتنة ومحركاً للغرائز فإنه يحرم ولو كان ذلك بين أوساط النساء ؛ قال ابن عثيمين - : لبس الملابس الضيقة التي تبين مفاتن المرأة وتبرز ما فيه الفتنة محرم ، لأن النبي قال : " صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا : قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلاَتٌ مَائِلاَتٌ " ( 4 ) ؛ فقد فسر قوله : " كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ " بأنهن يلبسن ألبسة قصيرة لا تستر ما يجب ستره من العورة ، وفُسر بأنهن يلبسن ألبسة تكون خفيفة لا تمنع من رؤية ما وراءها من بشرة المرأة ، وفُسرت بأن يلبسن ملابس ضيقة فهي ساترة عن الرؤية لكنها مبدية لمفاتن المرأة ، وعلى هذا فلا يجوز للمرأة أن تلبس هذه الملابس الضيقة إلا لمن يجوز لها إبداء عورتها عنده وهو زوجها ، فإنه ليس بين الزوج وزوجته عورة ، لقول الله تعالى : وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ . إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ، وقالت عائشة : كنت أغتسل أنا والنبي من إناء واحد تختلف أيدينا فيه ( 5 ) ؛ فالإنسان بينه وبين زوجته لا عورة بينهما ، وأما بين المرأة والمحارم فإنه يجب عليها أن تستر عورتها ؛ والضيِّق لا يجوز عند المحارم ولا عند النساء إذا كان ضيقًا شديدًا يبين مفاتن المرأة ( 6 ) .
          وللحديث صلة .

          ( 1 ) - رواه مسلم (341) .
          ( 2 ) - رواه أبو داود ( 4017 ) والترمذي ( 2794 ) ، وابن ماجه ( 1920 ) ، والحاكم ( 7358 ) وصححه ووافقه الذهبي .
          ( 3 ) - رواه مسلم ( 338 ) .
          ( 4 ) - رواه مسلم ( 2128 ) عن أبي هريرة  .
          ( 5 ) - رواه البخاري ( 261 ) ، ومسلم ( 316 ) وغيرهما .
          ( 6 ) - فتاوى الشيخ ابن عثيمين : 2 / 825 ، 826 - دار عالم الكتب - الرياض- الطبعة الأولى 1411هـ .
          د . محمد عطية

          تعليق


          • #6
            ثانيًا : لباس للزينة

            هو المذكور في قوله تعالى : وَرِيشًا على ما تقدم ؛ قال ابن كثير - : يمتن تعالى على عباده بما جعل لهم من اللباس والريش ؛ فاللباس لستر العورات ، وهي السوءات ؛ والرياش والريش : ما يتجمل به ظاهرًا ؛ فالأول من الضروريات ، والريش من التكملات والزيادات ( [1] ) ؛ وقال تعالى : يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [ الأعراف : 31 ] ، وهو لباس الجمال والزينة الزائد عن اللباس الضروري .
            وهذا النوع من اللباس هو من الزينة التي أخرج الله تعالى لعباده ، وأحلها لهم ، وأنكر على من يحرمها بدون برهان ، فقال : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ [ الأعراف : 32 ] ؛ وفي إضافة هذه الزينة إلى الله سبحانه ، وبيان أنه تعالى هو الذي أخرجها للناس أكبر برهان على أنه ليس من حق أحد أن يحرَّم من هذه الزينة شيء ، إنما حكم ذلك إلى الذي أخرجها لعباده وحده ؛ وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يتعلق بذلك عند الحديث عن الآداب .

            ثالثًا : لباس للحرب
            المراد به الدروع ونحوها ، مما يقي لابسه وقع السلاح ، ويسلِّمَه من بأسه ، وهو المذكور في قوله تعالى : وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ [ النحل : 81 ] ، والمراد بالبأس ها هنا الحرب ؛ وكذا في قوله تعالى : وَعَلَّمْنَاهُ أي : داود صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ أي : الدروع ، لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ أي : لتحرز وتقي بعضكم من بأس بعض ؛ وبين الله تعالى ذلك في قوله : وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ أي : اصنع دروعًا سابغات من الحديد الذي ألناه لك ، وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ والسرد : نسج الدرع ، والمعنى : اجعل الحلق والمسامير في نسجك الدرع بأقدار متناسبة ؛ فلا تجعل المسمار دقيقًا لئلا ينكسر ، ولا يشد بعض الحلق ببعض ، ولا تجعله غليظًا غلظًا زائدًا فيفصم الحلقة ( [2] ) .
            هذا والعلم عند الله تعالى ... وللحديث صلة .

            [1] - انظر تفسير ابن كثير عند الآية ( 26 ) من سورة الأعراف .

            [2]- انظر ( أضواء البيان ) للشنقيطي عند الآية من ( 11 ) من سورة سبأ .
            د . محمد عطية

            تعليق


            • #7
              النوع الثاني : لباس النفس

              هذا هو النوع المعنوي : لباس التقوى ؛ بامتثال أمر الله واجتناب نهيه ، وهذا اللباس خير من النوعين الحسيين ، قال الله تعالى : وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ؛ ذلك لأنه يواري سوأة الإنسان في الدنيا والآخرة ، ويُجَمِّله فيهما :
              وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [ الطلاق : 2 ، 3 ] ، هذا في الدنيا ؛ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا [ الطلاق : 4 ] ، هذا في الدنيا والآخرة ، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا [ الطلاق : 5 ] ، هذا في الآخرة .
              فأي لباس هو خير من هذا ؟
              إذا المرء لم يلبس لباسًا من التقى ... تقلب عريانًا ولو كان كاسيا
              وخير لباس المرء طاعة ربه ... ولا خير فيمن كان لله عاصيا
              د . محمد عطية

              تعليق


              • #8
                آداب عامة
                نذكر هاهنا الآداب العامة للباس الذكر والأنثى ، وهي كالتالي :
                1 - لبس الحلال من الثياب ؛ والأصل في اللباس وزينته الحلُّ ؛ لأن الله تعالى يقول : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا [ البقرة : 29 ] ، واللباس مما خلق الله لنا في الأرض ، فهو حلٌّ لنا ، ولا يحرم منه إلا ما يقوم دليل على تحريمه ؛ قال : وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ [ النحل : 116 ] ؛ فمن حرم ما لم يحرمه الله ، أو أحل ما حرمه الله تعالى فقد افترى على الله كذبًا ؛ وقد حدد لنا الشرع المطهر ما يتعلق من اللباس نوعًا وكيفًا ، حِلًا وحرمة ، لئلا نتجاوز بها إلى حد لا يليق بنا ؛ وليس للمسلم أن يتجاوز ما حَدَّ له الشرع ، قال الله تعالى : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [ البقرة : 229 ] ، وقال : وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ [ الطلاق : 1 ] ؛ وقد بيَّن رسول الله لأمته ما يجوز وما لا يجوز لهم من اللباس بيانًا ظاهرًا ؛ وسيأتي بيان ما لا يجوز لبسه .

                2 - يلبس المسلم ما شاء ما أخطأته اثنتان : سَرَفٌ أو مخيلة ؛ روى أحمد والنسائي وابن ماجة عَنْ عبد الله بن عَمْرٍو - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : " كُلُوا وَاشْرَبُوا وَتَصَدَّقُوا وَالْبَسُوا ، فِي غَيْرِ مَخِيلَةٍ وَلَا سَرَفٌ ؛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُرَى نِعْمَتُهُ عَلَى عَبْدِهِ " ( 1 ) ؛ وروى أبن أبي شيبة عن ابن عباس - - قال : كُلْ ما شئت ، والبس ما شئت ، ما أخطأتك خلتان : سَرَفٌ أو مخيلة ( 2 ) ؛ والمخيلة : الكبر ، يقال : خال الرجل خالا ، واختال اختيالا : إذا تكبر ؛ والسرف : الإسراف ؛ وكلاهما محرم .
                4 - يُظهر المسلم أثر نعمة ربه عليه ؛ لحديث ابن عمرو المتقدم : " إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُرَى نِعْمَتُهُ عَلَى عَبْدِهِ " ؛ فيستحب لمن آتاه الله مالاً أن يظهر أثر نعمة الله عليه بلبس الجميل من الثياب إظهارًا لنعمة الله عليه ؛ وَعَنْ أَبِى الأَحْوَصِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : أَتَيْتُ النَّبِىَّ فِى ثَوْبٍ دُونٍ ، فَقَالَ : " أَلَكَ مَالٌ ؟ " ، قَالَ : نَعَمْ ؛ قَالَ : " مِنْ أَيِّ الْمَالِ ؟ " ، قَالَ : قَدْ أَتَانِيَ اللَّهُ مِنَ الإِبِلِ وَالْغَنَمِ وَالْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ ؛ قَالَ : " فَإِذَا أَتَاكَ اللَّهُ مَالاً فَلْيُرَ أَثَرُ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكَ وَكَرَامَتِهِ " ( 3 ) .
                ولا تعارض بين ذلك وبين النهي عن المخيلة ، فظهور أثر النعمة لا يعني أن يكون مظهرها متكبرًا ، ففي صحيح مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ : " لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ " ، قَالَ رَجُلٌ : إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً ؛ قَالَ : " إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ " ( 4 ) ، وبطر الحق : دفعه وإنكاره ترفعًا وتجبرًا ؛ وغمط الناس : احتقارهم ؛ وفي الحديث بيان أن التجمل باللباس الحسن ليس من الكبر في شيء ، بل هو أمر مشروع ، لأن الله جميل يحب الجمال ؛ قال ابن القيم - : الجمال في الصورة واللباس والهيأة ثلاثة أنواع ؛ منه ما يحمد ، ومنه ما يذم ، ومنه مالا يتعلق به مدح ولا ذم ؛ فالمحمود منه ما كان لله ، وأعان على طاعة الله وتنفيذ أوامره والاستجابة له ، كما كان النبي  يتجمل للوفود ، وهو نظير لباس آله الحرب للقتال ، ولباس الحرير في الحرب ، والخيلاء فيه ؛ فإن ذلك محمود إذا تضمن إعلاء كلمة الله ونصر دينه وغيظ عدوه . والمذموم منه ما كان للدنيا والرياسة والفخر والخيلاء والتوسل إلى الشهوات ، وأن يكون هو غاية العبد وأقصى مطلبه ، فإن كثيرًا من النفوس ليس لها همة في سوى ذلك ؛ وأما مالا يحمد ولا يذم هو ما خلا عن هذين القصدين ، وتجرد عن الوصفين .ا.هـ ( 5 ) .
                وصفوة القول أن من قصد بالملبوس الحسن إظهار نعمة الله عليه ، مستحضرًا لها ، شاكرًا عليها ، غير محتقر لمن ليس له مثله ، لا يضره ما لبس من المباحات ولو كان في غاية النفاسة ( 6 ) .
                هذا والعلم عند الله تعالى .... وللحديث صلة .

                ( 1 ) - أحمد : 2 / 181 ، 182 ، والنسائي ( 2559 ) ، وابن ماجة ( 3605 ) ، والحاكم : 4 / 135 ، وصححه ووافقه الذهبي .
                ( 2 ) ابن أبي شيبة ( 24878 ) ، وذكره البخاري تعليقا في أول كتاب اللباس .
                ( 3 ) رواه أحمد : 4 / 137 ، وأبو داود (4063) واللفظ له ، والنسائي ( 5223 ، 5224) ، وصححه الألباني ؛ والثوب الدون : الرث الرديء . وأبو الأحوص هو عوف بن مالك بن نضلة الجشمي .
                ( 4 ) مسلم ( 91 ) .
                ( 5 ) انظر الفوائد ) لابن القيم ص 185 ، 186 .
                ( 6) انظر ( فتح الباري ) : 10 / 271 .
                د . محمد عطية

                تعليق


                • #9
                  آداب عامة

                  4 - يحرم على المسلم والمسلمة لبس ما يختص بالكفار ؛ ذلك لتميز الشخصية المسلمة ؛ فكل لباس يختص بالكفار ، ولا يلبسه غيرهم ، فإنه لا يجوز للمسلم لبسه ؛ سواء كان لباسًا شاملا للجسم كله أو لعضو منه ، لما روى أحمد وأبو داود عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : " مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ " ( 1 ) ؛ وعلة ذلك أن التشبه بهم يقتضي إعجاب المتشبه بهم وبصنيعهم ؛ مما قد يؤدي به إلى إعجابه بعقائدهم وأعمالهم ؛ وفي صحيح مسلم عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ – – قَالَ : رَأَى رَسُولُ اللَّهِ عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ ، فَقَالَ : " إِنَّ هَذِهِ مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ فَلَا تَلْبَسْهَا " ( 2 ).

                  5 - لا يلبس الرجل ما يختص بالمرأة ، ولا تلبس المرأة ما يختص بالرجل ؛ فلكلٍ لباس يناسبه ؛ فيحرم على أحدهما أن يلبس ما يختص بالآخر ؛ فكل لباس يختص بالرجل ، فيحرم على المرأة أن تلبسه ، وكل لباس يختص بالمرأة فيحرم على الرجل لبسه ، لأن النبي لعن المتشبهين من الرجال بالنساء ، والمتشبهات من النساء بالرجال ؛ فعن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ الرَّجُلَ يَلْبَسُ لِبْسَةَ الْمَرْأَةِ ، وَالْمَرْأَةَ تَلْبَسُ لِبْسَةَ الرَّجُلِ ( 3 ) ؛ وروى البخاري عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - - قَالَ : لَعَنَ النَّبِيُّ الْمُخَنَّثِينَ مِنْ الرِّجَالِ ، وَالْمُتَرَجِّلَاتِ مِنْ النِّسَاءِ ( 4 ) ، وفي لفظ : " الْمُتَشَبِّهَاتِ بِالرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ ، وَالْمُتَشَبِّهِينَ بِالنِّسَاءِ مِنْ الرِّجَالِ " ( 5 ) ؛ يعني المتشبهات بالرجال في أزيائهن وأشكالهن ، كبعض نساء هذا الزمان ؛ والمخنثون من الرجال : هم المتشبهون بالنساء في لبسهم وحديثهم وغير ذلك ؛ فكلاهما ملعون .
                  6 – لا يلبس المسلم ولا المسلمة لباس الشهرة ؛ لما رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة عَنِ ابْنِ عُمَرَ - - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : " مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ ، أَلْبَسَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَوْبَ مَذَلَّةٍ " زاد ابن ماجه : " ثُمَّ أَلْهَبَ فِيهِ نَارًا " ( 6 ) ؛ والشُّهْرَةُ : ظهور الشيء في شُنْعَة حتى يَشْهَره الناس ؛ وقال الجوهري : الشُّهْرَة وُضُوح الأَمر ، وقد شَهَرَه يَشْهَرُه شَهْرًا وشُهْرَة فاشْتَهَرَ ؛ ورجل شَهِير ومشهور معروف المكان مذكور ، وسمي الشهر شهرًا لشهرته ، وذلك أن النّاس يشْهَرُونَ دُخوله وخُروجه ( 7 ) ؛ فثوب الشهرة هو الذي يلبسه الرجل أو المرأة افتخارًا وتيهًا ؛ وقوله : " أَلْبَسَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَوْبَ مَذَلَّةٍ " أي : يَشْمله بالذُّل ، كما يَشْمل الثَّوبُ البَدَن ، بأن يُصَغِّره في العيون ويُحَقِّره في القلوب ؛ لأنه لبس شهوة الدنيا ليفتخر بها على غيره ، فيلبسه الله مثله ، ثم تلهب فيه النار ، عقوبة له بنقيض فعله ، والعلم عند الله تعالى . وفي الصحيحين عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ : " بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي فِي حُلَّةٍ ، تُعْجِبُهُ نَفْسُهُ ، مُرَجِّلٌ جُمَّتَهُ ، إِذْ خَسَفَ اللَّهُ بِهِ ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ " ( 8 ) ؛ وروى أحمد والبخاري في ( الأدب المفرد ) عن ابْنِ عُمَرَ - - قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ : " مَنْ تَعَظَّمَ فِي نَفْسِهِ ، أَوْ اخْتَالَ فِي مِشْيَتِهِ ، لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ " ( 9 ) .
                  ولا يختص ثوب الشهرة بنفيس الثياب ، بل كل ثوب - ولو كان رثًا - ولكنه يؤدي إلى الشهرة ، أو كان غرض اللابس اشتهار ذلك بين الناس فهو ثوب شهرة ، كمن يلبس رديء الثياب وحقيرها ليعتقد الناس فيه الزهد والورع ؛ قال ابن تيمية - : وتكره الشهرة من الثياب ، وهو المترفع الخارج عن العادة ، والمنخفض الخارج عن العادة ؛ فإن السلف كانوا يكرهون الشهرتين ، المترفع والمنخفض ، وفي الحديث : " مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ ، أَلْبَسَهُ اللَّهُ ثَوْبَ مَذَلَّةٍ " ، وخيار الأمور أوساطها ( 10 ) .
                  هذا والعلم عند الله تعالى ... وللحديث صلة .

                  ( 1 ) جزء من حديث رواه أحمد : 2 / 50 ، 92 ، وأبو داود ( 4031 ) ، من حديث ابن عمر ، وإسناده حسن ، وله شاهد عن حذيفة عند الطبراني في الأوسط ( 8327 ) ، وفيه علي بن غراب وهو صدوق يدلس ، لكنه صرح بالتحديث من هشام بن حسان ، فصح الحديث والحمد لله ؛ وله شاهد آخر مرسل حسن عن طاووس عند ابن أبي شيبة ( 19437 ، 33010 ) ؛ وآخر موقوف صحيح عن عمر عند عبد الرزاق ( 20986 ) .
                  ( 2 ) مسلم ( 2077 ) ، ورواه أحمد : 2 ، 162 ، 207 ، والنسائي ( 5316 ، 5317 ) .
                  ( 3 ) أخرجه أحمد : 2 / 325 ، وأبو داود ( 4098 ) ، وابن حبان ( 5751 ) ، والحاكم : 4 / 215 ، وقال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه .
                  ( 4 ) أخرجه البخاري ( 5886 ) ، وأبو داود ( 4930 ) ، والترمذي ( 2785 ) .
                  ( 5 ) البخاري ( 5885 ) ، وأبو داود ( 4097 ) ، والترمذي ( 2784 ) ، وابن ماجة ( 1904 ) .
                  ( 6 ) أحمد : 2 / 92 ، 139 ، وأبو داود ( 4029 ) ، والنسائي في الكبرى ( 9560 ) ، وابن ماجة ( 3606 ، 3607 ) ، وحسنه المنذري في الترغيب : 3 / 83 ؛ وقال الألباني : حسن لغيره .
                  ( 7 ) انظر النهاية في غريب الحديث ( مادة ش هـ ر ) ، ولسان العرب باب الراء فصل الشين .
                  ( 8 ) البخاري ( 5452 ) ، ومسلم ( 2088 ) .
                  ( 9 ) أحمد : 2 / 118 ، 217 ، والبخاري في الأدب المفرد ( 549 ) ، وصححه الألباني في صحيح الأدب ، والصحيحة ( 543 ) .
                  ( 10 ) انظر ( مجموع الفتاوى ) : 22 / 138 .
                  د . محمد عطية

                  تعليق


                  • #10
                    آداب عامة
                    7 - من الواجب ستر العورة بلباس لا يشف ولا يجسم ، ولا يظهر بعضها ؛ فيحرم لبس الرقيق الشفاف الذي لا يستر لون البشرة ، والقصير الذي يظهر بعض العورة ، والضيق الشديد الذي يفصل جسم المرأة .
                    ففي أيام الصيف يلبس بعض الرجال سروايل قصيرة ( شورت ) يبدو منها بعض الفخذ ، وربما لبس قميصًا رقيقًا عليها لا يستر ؛ وهذا الثوب لا تصح الصلاة فيه .
                    وقد تلبس بعض النساء خمارًا رهيفًا ، وتخرج به لبعض حاجتها ، فلا يكون ساترًا لشعرها ونحرها .
                    فيجب ستر عورة الرجل وعورة المرأة بساتر كثيف واسع ، ولا يجزئ ما يشف وما يصف ، ولا ما يظهر بعض العورة ؛ وسواء أكان ذلك في الصلاة أو في خارج الصلاة .
                    8 - تحريم ارتداء الملابس التي عليها صورة صلبان ؛ ففي صحيح البخاري عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حِطَّانَ أَنَّ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - حَدَّثَتْهُ أَنَّ النَّبِيَّ لَمْ يَكُنْ يَتْرُكُ فِي بَيْتِهِ شَيْئًا فِيهِ تَصَالِيبُ إِلَّا نَقَضَهُ ( 1 ) .
                    والتصاليب : تصاوير كالصليب ، يقال : ثوب مصلب ، أي : عليه نقش كالصليب ؛ وقولها : ( نقضه ) أي : غيَّره وأبطل صورته ؛ قال ابن بطال - : فدخل في ذلك جميع وجوه استعمال الصور في البسط واللباس وغيره ( 2 ) ؛ والحديث رواه أحمد بلفظ : لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ يَدَعُ فِي بَيْتِهِ ثَوْبًا فِيهِ تَصْلِيبٌ إِلَّا نَقَضَهُ ( 3 ) .
                    فالصليب شعار النصارى ، وتتعلق به عقيدة باطلة وهي صلب المسيح ، فيحرم على المسلم ارتداء ثوب فيه صورة الصليب ، أو تعليق شيء فيه صورة الصليب ، ويجب تغيره بحك أو طمس ؛ وفي جواب للجنة الدائمة عن سؤال عن لبس الساعة ( أم صليب ) ؛ قالت : لا يجوز لبس الساعة ( أم صليب ) لا في الصلاة ولا غيرها ، حتى يزال الصليب بحك أو بوية تستره ، لكن لو صلى وهي عليه فصلاته صحيحة ؛ والواجب عليه البدار بإزالة الصليب ؛ لأنه من شعار النصارى ، ولا يجوز للمسلم أن يتشبه بهم ( 4 ) .
                    9 - تحريم ارتداء الملابس التي عليها صور فيها روح ؛ ففي الصحيحين عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً فِيهَا تَصَاوِيرُ ، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ قَامَ عَلَى الْبَابِ فَلَمْ يَدْخُلْهُ ، فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةَ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ ، مَاذَا أَذْنَبْتُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : " مَا بَالُ هَذِهِ النُّمْرُقَةِ ؟" قُلْتُ : اشْتَرَيْتُهَا لَكَ لِتَقْعُدَ عَلَيْهَا وَتَوَسَّدَهَا ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : " إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعَذَّبُونَ ، فَيُقَالُ لَهُمْ : أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ " وَقَالَ : " إِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ لَا تَدْخُلُهُ الْمَلَائِكَةُ " ( 4 ) .
                    والنمرقة : الوسادة الصغيرة ؛ وتوسدها : تجعلها وسادة لك ؛ وقوله : " فَيُقَالُ لَهُمْ : أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ " أي : صورتم على هيئة خَلْقِ الله تعالى ؛ قال النووي - : قال العلماء : سبب امتناعهم [ أي : الملائكة ] من بيت فيه صورة كونها معصية فاحشة ، وفيها مضاهاة لخلق الله تعالى ، وبعضها في صورة ما يعبد من دون الله تعالى ( 5 ) ؛ واستدل العلماء بهذا الحديث وغيره - مما صح عن النبي فيما يتعلق بالصور والمصورين - على تحريم الصور ذات الأرواح في الثوب وغيره ؛ قال ابن عبد البر في ( الاستذكار ) : هذا قد صرح بأن الصورة في الثوب لا يجوز اتخاذها ، ولا استعمال الثوب الذي هي فيه ، وذكر فيه من الوعيد ما ترى ، وهو غاية في تحريم عمل الصور في الثياب وغيرها ( 6 ) . وقال ابن حجر - : ويستفاد منه أنه لا فرق في تحريم التصوير بين أن تكون الصورة لها ظل أو لا ، ولا بين أن تكون مدهونة أو منقوشة أو منقورة أو منسوجة ، خلافًا لمن استثنى النسج وادعى أنه ليس بتصوير ( 8 ) ؛ وبوب الإمام النووي في كتابه ( رياض الصالحين ) : باب تحريم تصوير الحيوان في بساط ، أو حجر ، أو ثوب ، أو درهم ، أو دينار ، أو مخدة ، أو وسادة ، وغير ذلك ؛ وتحريم اتخاذ الصورة في حائط ، وسقف ، وستر ، وعمامة ، وثوب ، ونحوها ؛ والأمر بإتلاف الصورة .ا.هـ .
                    فمن أُبتلي بشيءٍ من ذلك فليتق الله وليطمسها ويغير من حالها ؛ ففي صحيح مسلم عَنْ أَبِى الْهَيَّاجِ الأَسَدِىِّ قَالَ : قَالَ لِي عَلِىُّ بْنُ أَبِى طَالِبٍ : أَلاَّ أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ؟ " أَنْ لاَ تَدَعَ تِمْثَالاً إِلاَّ طَمَسْتَهُ ، وَلاَ قَبْرًا مُشْرِفًا إِلاَّ سَوَّيْتَهُ " ، وفي رواية : " وَلاَ صُورَةً إِلاَّ طَمَسْتَهَا " ، ورواه النسائي بلفظ : " لاَ تَدَعَنَّ قَبْرًا مُشْرِفًا إِلاَّ سَوَّيْتَهُ ، وَلاَ صُورَةً فِي بَيْتٍ إِلاَّ طَمَسْتَهَا " ( 9 ) .
                    وقد قالت اللجنة الدائمة في إحدى فتاويها : لا يجوز له أن يصلي في ملابس فيها صور ذوات الأرواح من إنسان أو طيور أو أنعام أو غيرها من ذوات الأرواح ، ولا يجوز للمسلم لبسها في غير الصلاة ، وتصح صلاة من صلى في ثوب فيه صور مع الإثم في حق من علم الحكم الشرعي ( 10 ) .
                    وكما لا يجوز للمسلم أن يلبس ما فيه صورة ، فإنه لا يجوز له أن يُلبسها ولده الصغير ذكرًا كان أم أنثى .
                    هذا والعلم عند الله تعالى ؛ وللحديث صلة .

                    ( 1 ) - البخاري ( 5608 ) .
                    ( 2 ) انظر ( شرح صحيح البخارى ) لابن بطال : 9 / 176 .
                    ( 3 ) رواه أحمد : 6 / 52 .
                    ( 4 ) انظر ( فتاوى اللجنة الدائمة ) : 6 / 183 ، رقم ( 2615 ) .
                    ( 5 ) رواه البخاري ( 1999 ، 3052 ، 4886 ، 5612 ) ، ومسلم ( 2107 ) .
                    ( 6 ) انظر ( شرح مسلم ) : 14 / 69 .
                    ( 7 ) انظر ( الاستذكار ) لابن عبد البر : 8 / 486 .
                    ( 8 ) انظر ( فتح الباري ) : 10 / 390 .
                    ( 9 ) مسلم ( 969 ) ، والنسائي ( 2031 ) .
                    ( 10 ) انظر ( فتاوى اللجنة الدائمة ) : 6 / 179 ، رقم ( 5611 ) .
                    د . محمد عطية

                    تعليق


                    • #11
                      آداب عامة

                      10 - من السنة التيامن في اللباس ونحوه ؛ لما في الصحيحين عن عَائِشَةَ - - قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ مَا اسْتَطَاعَ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ : فِي طُهُورِهِ ، وَتَرَجُّلِهِ ، وَنَعْلِهِ ( 1 ) ؛ قال النووي - : هذه قاعدة مستمرة في الشرع ، وهي إنما كانت من باب التكريم والتشريف ، كلبس الثوب ، والسراويل ، والخف ، ودخول المسجد ، والسواك ، والاكتحال ، وتقليم الأظافر ، وقص الشارب ، وترجيل الشعر وهو مشطه ، ونتف الإبط ، وحلق الرأس ، والسلام من الصلاة ، وغسل أعضاء الطهارة ، والخروج من الخلاء ، والأكل والشرب ، والمصافحة واستلام الحجر الأسود ، وغير ذلك مما هو في معناه يستحب التيامن فيه ؛ وأما ما كان بضده كدخول الخلاء ، والخروج من المسجد ، والامتخاط ، والاستنجاء ، وخلع الثوب والسراويل والخف وما أشبه ذلك ؛ فيستحب التياسر فيه ، وذلك كله لكرامة اليمين وشرفها ؛ والله أعلم ( 2 ) .
                      وفي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : " إِذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِالْيَمِينِ ، وَإِذَا نَزَعَ فَلْيَبْدَأْ بِالشِّمَالِ ، لِيَكُنْ الْيُمْنَى أَوَّلَهُمَا تُنْعَلُ وَآخِرَهُمَا تُنْزَعُ " ( 3 ) .

                      11 - ومن الآداب أن لا يمشي المسلم في نعل واحدة ، ففي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : " لَا يَمْشِي أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ ، لِيُحْفِهِمَا جَمِيعًا ، أَوْ لِيُنْعِلْهُمَا جَمِيعًا " ، ولفظ مسلم : " لِيُنْعِلْهُمَا جَمِيعًا أَوْ لِيَخْلَعْهُمَا جَمِيعًا " ( 4 ) ؛ وفي صحيح مسلم عنه مرفوعًا : " إِذَا انْقَطَعَ شِسْعُ أَحَدِكُمْ فَلاَ يَمْشِ فِي الأُخْرَى حَتَّى يُصْلِحَهَا " ( 5 ) .
                      والشسع :أحد سيور النعال ؛ قال ابن حجر - : قال الخطابي : الحكمة في النهي أن النعل شرعت لوقاية الرجل عما يكون في الأرض من شوك أو نحوه ، فإذا انفردت إحدى الرجلين احتاج الماشي أن يتوقى لإحدى رجليه ما لا يتوقى للأخرى ، فيخرج بذلك عن سجية مشيه ، ولا يأمن مع ذلك من العثار . وقيل : لأنه لم يعدل بين جوارحه ، وربما نسب فاعل ذلك إلى اختلال الرأي أو ضعفه . وقال ابن العربي : قيل العلة فيها أنها مشية الشيطان ، وقيل : لأنها خارجة عن الاعتدال . وقال البيهقي : الكراهة فيه للشهرة فتمتد الأبصار لمن ترى ذلك منه . وقد ورد النهي عن الشهرة في اللباس ؛ فكل شيء صير صاحبه شهرة فحقه أن يجتنب ( 6 ) .
                      وما نقله الحافظ عن ابن العربي من أن العلة في كونها مشية الشيطان ؛ أخرجه الطحاوي في ( مشكل الآثار ) عن أبي هريرة مرفوعًا : " إن الشيطان يمشي في النعل الواحدة " ( 7 ) .
                      فائدة : من السنة الاحتفاء أحيانًا ؛ أي : أن يمشي الإنسان حافيًا في بعض الأحيان ، ففي مسند أحمد وسنن أبى داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ رَحَلَ إِلَى فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ وَهُوَ بِمِصْرَ ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ ؛ فَقَالَ : أَمَا إِنِّي لَمْ آتِكَ زَائِرًا ، وَلَكِنِّى سَمِعْتُ أَنَا وَأَنْتَ حَدِيثًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ، رَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَكَ مِنْهُ عِلْمٌ ؛ قَالَ : وَمَا هُوَ ؟ قَالَ : كَذَا وَكَذَا ؛ قَالَ : فَمَا لِي أَرَاكَ شَعِثًا وَأَنْتَ أَمِيرُ الأَرْضِ ؟ قَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يَنْهَانَا عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الإِرْفَاهِ [ أي : تمشيط الشعر ] ؛ قَالَ : فَمَا لِي لاَ أَرَى عَلَيْكَ حِذَاءً ؟ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ  يَأْمُرُنَا أَنْ نَحْتَفِىَ أَحْيَانًا ( 8 ) .

                      12 - من استجد ثوبًا فليحمد الله تعالى على نعمته ؛ لِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد : كَانَ رَسُول اللَّه إِذَا اِسْتَجَدَّ ثَوْبًا سَمَّاهُ بِاسْمِهِ : عِمَامَةً ، أَوْ قَمِيصًا ، أَوْ رِدَاءً ، ثُمَّ يَقُول : " اللَّهُمَّ لَك الْحَمْد أَنْتَ كَسَوْتنِيهِ ، أَسْأَلك خَيْرَهُ وَخَيْر مَا صُنِعَ لَهُ ، وَأَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّه وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ " ( 9 ) ، وَأَخْرَجَ أَبو داود وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث مُعَاذ بْن أَنَس رَفَعَهُ : " مَنْ لَبِسَ ثَوْبًا فَقَالَ : الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي كَسَانِي هَذَا وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْر حَوْل مِنِّي وَلَا قُوَّة ، غَفَرَ اللَّه لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبه " ( 10 ) .

                      13 - الدعاء لمن لبس ثوبًا جديدًا ؛ لما رواه أحمد وابن ماجة واللفظ له عَنْ ابْنِ عُمَرَ - - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ رَأَى عَلَى عُمَرَ قَمِيصًا أَبْيَضَ ، فَقَالَ : " ثَوْبُكَ هَذَا غَسِيلٌ أَمْ جَدِيدٌ ؟ " ، قَالَ : لَا بَلْ غَسِيلٌ ، قَالَ : " الْبَسْ جَدِيدًا ، وَعِشْ حَمِيدًا ، وَمُتْ شَهِيدًا " ( 11 ) .
                      وقوله : " الْبَسْ جَدِيدًا " صيغة أمر أريد به الدعاء بأن يرزقه الله الجديد .
                      وفي صحيح البخاري عَنْ أُمِّ خَالِدٍ بِنْتِ خَالِدٍ - - قالت : أُتِيَ النَّبِيُّ بِثِيَابٍ فِيهَا خَمِيصَةٌ سَوْدَاءُ صَغِيرَةٌ ، فَقَالَ : " مَنْ تَرَوْنَ أَنْ نَكْسُوَ هَذِهِ ؟ " فَسَكَتَ الْقَوْمُ ، قَالَ : " ائْتُونِي بِأُمِّ خَالِدٍ " فَأُتِيَ بِهَا تُحْمَلُ ، فَأَخَذَ الْخَمِيصَةَ بِيَدِهِ فَأَلْبَسَهَا ، وَقَالَ : " أَبْلِي وَأَخْلِقِي " ( 12 ) ؛ وروى ابن أبي شيبة عن أبي نضرة قال : كان أصحاب النبي إذا رأوا على أحدهم الثوب الجديد قالوا : تبلي ويخلف الله عليك ( 13 ) .
                      هذا ؛ والعلم عند الله تعالى .

                      ( 1 ) - البخاري ( 166 ، 416 ، 5516 ) ، ومسلم ( 268 ) .
                      ( 2 ) انظر ( شرح صحيح مسلم ) : 3 / 160 .
                      ( 3 ) البخاري ( 5517 ) ، ومسلم ( 2097 ) .
                      ( 4 ) البخاري ( 5856 ) ، ومسلم ( 2097) .
                      ( 5 ) مسلم ( 2098 ) .
                      ( 6 ) انظر فتح الباري : 10 / 309 ، 310 .
                      ( 7 ) مشكل الآثار : 3 / 315 وصححه الألباني ؛ قال بعد أن ساق سنده : هذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين، غير الربيع بن سليمان المرادي وهو ثقة . وانظر السلسلة الصحيحة عند الحديث رقم ( 348 ) .
                      ( 8 ) رواه أحمد : ، وأبو داود ( 4160 ) واللفظ له ، وصححه الألباني .
                      ( 9 ) أحمد : 3 / 30 ، 50 ، أبو داود ( 4020 ) ، والترمذي ( 1767 ) ، والنسائي في اليوم والليلة ( 309 ) ، وصححه الألباني .
                      ( 10 ) أبو داود ( 4023 ) ، والحاكم ( 1870 ) وصححه ، وروى الترمذي الشطر الأول ( 3458 ) وحسنه .
                      ( 11 ) أحمد : 2 / 88 ، وابن ماجة ( 3558 ) وصححه البوصيري في مصباح الزجاجة ، والألباني في صحيح ابن ماجة .
                      ( 12 ) البخاري ( 2906 ، 3661 ، 5485 ، 5507 ، 5647 ) .
                      ( 13 ) ابن أبي شيبة ( 29758 ) .
                      د . محمد عطية

                      تعليق


                      • #12
                        آداب تتعلق بلباس الرجال
                        يحرص الإسلام على تربية رجاله التربية التي تصنع رجالا لا أشباه رجال ولا مخنثين ؛ فلذا تجد أن الآداب التي تتعلق بلباس الرجال ترتبط بشخصية الرجل المميزة عن شخصية المرأة ، وشخصية المسلم المميزة عن شخصية الكافر ؛ فالرجل من صفاته الخشونة والجلد ولا يناسب ذلك لبس الحرير والذهب إنما يناسب المرأة التي تُنَشَّأ على الحلية ومن صفاتها النعومة ؛ كما أن الإسلام أراد لأهله التميز عن أصحاب الملل الكافرة ، إذ غالبا ما تتميز كل ملة بلباس معين وهيئة معينة تدل على ملة صاحبها .
                        ومن الآداب التي لابد أن يراعيها المسلم في لباسه ، ما يلي :
                        أولًا : يحرم على الرجل لبس الحرير الطبيعي ، فكل لباس من حرير سواء أكان ثوبا ، أم سروالا ، أم جوربًا ، أم غترة ، أم طاقية ، أم غيرها ، فهو حرام على الرجال ؛ ففي الصحيحين عن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : " لاَ تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ ، فَإِنَّهُ مَنْ لَبِسَهُ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الآخِرَةِ " ( 1 ) ؛ وفيهما عن عبد الله بن عمر - – قال : رَأَى عُمَرُ عَلَى رَجُلٍ حُلَّةً مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ، فَأَتَى بِهَا النَّبِيَّ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، اشْتَرِ هَذِهِ فَالْبَسْهَا لِوَفْدِ النَّاسِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ ؛ فَقَالَ : " إِنَّمَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ " ( 2 ) أي : لا نصيب له في الآخرة ؛ وفيهما - أيضًا - عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ : نَهَانَا النَّبِيُّ أَنْ نَشْرَبَ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، وَأَنْ نَأْكُلَ فِيهَا ، وَعَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ وَأَنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ ( 3 ) ؛ وتحريم خاتم الذهب ولبس الحرير والديباج خاص بالرجال دون النساء ، وتحريم آنية الفضة عامٌّ في حق الجميع ، لأنه من باب السرف والمخيلة ؛ وفي حديث الْبَرَاءِ قَالَ : .. وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ : عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ وَالْقَسِّيِّ وَالْإِسْتَبْرَقِ ، وَالْمَيَاثِرِ الْحُمْرِ ( 4 ) ؛ والديباج : الثياب المتخذة من الإبريسم ، وهو نوع من الحرير ، والقسي : ثياب من كتان مخلوط بحرير ، والإستبرق : الغليظ من الديباج ؛ والمياثر : جمع ميثرة ، وهو ما يوضع على الدابة للجلوس عليه ، سميت مياثر لوثارتها ، وهو لينها ووطأتها ، وكانت من زي العجم ؛ وقد قيل : إنها كانت من ديباج أو حرير .
                        وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ : أُهْدِيَ إِلَى النَّبِيِّ فَرُّوجُ حَرِيرٍ فَلَبِسَهُ فَصَلَّى فِيهِ ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَنَزَعَهُ نَزْعًا شَدِيدًا كَالْكَارِهِ لَهُ ؛ وَقَالَ : " لَا يَنْبَغِي هَذَا لِلْمُتَّقِينَ " ( 5 ) ؛ والفروج : ثوب شُقَّ من خلفه ؛ وقوله : " لَا يَنْبَغِي هَذَا لِلْمُتَّقِينَ " أي : لا يليق لبس هذا بالصالحين المبتعدين عن المعاصي ؛ وعبَّر بجمع المذكر ليخرج الإناث من التحريم ؛ فإنه يحل لهن لبسه .
                        هذه أدلة صريحة على تحريم لبس الحرير على الرجال دون النساء ، وروى أحمد وأهل السنن عَنْ عَلِىٍّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ قَالَ : إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ أَخَذَ حَرِيرًا فَجَعَلَهُ فِي يَمِينِهِ ، وَأَخَذَ ذَهَبًا فَجَعَلَهُ فِي شِمَالِهِ ، ثُمَّ قَالَ : " إِنَّ هَذَيْنِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي " زاد ابن ماجة : " حِلٌّ لِإِنَاثِهَا " ( 6 ) ؛ وحكى ابن عبد البر - - الإجماع على ذلك ( 7 ) ؛ وقال النووي – : وأما لبس الحرير والإستبرق والديباج والقسي - وهو نوع من الحرير - فكله حرام على الرجال ، سواء لبسه للخيلاء أو غيرها ، إلا أن يلبسه للحكة ، فيجوز في السفر والحضر ؛ وأما النساء فيباح لهن لبس الحرير وجميع أنواعه ، وخواتيم الذهب وسائر الحلي منه .ا.هـ ( 8 ) .

                        ما استثني من لباس الحرير للرجال
                        ا - يباح للرجل لبس الحرير إذا كانت به حكة يتأذى بها ، فعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ رَخَّصَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ في قميصٍ مِنْ حَرِيرٍ مِنْ حِكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا ( 9 ) .
                        ب - ويباح لبس الحرير إن كان جزء من الثوب بمقدار أربعة أصابع فما دون ؛ لما في الصحيحين عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ أَنَّ عُمَرَ خَطَبَ بِالْجَابِيَةِ فَقَالَ : نَهَى نَبِيُّ اللَّهِ عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ إِلاَّ مَوْضِعَ إِصْبَعَيْنِ أَوْ ثَلاَثٍ أَوْ أَرْبَعٍ ( 10 ) ؛ وروى أحمد وأبو داود عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : إِنَّمَا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنِ الثَّوْبِ الْمُصْمَتِ مِنَ الْحَرِيرِ ، فَأَمَّا الْعَلَمُ مِنَ الْحَرِيرِ وَسَدَى الثَّوْبِ فَلاَ بَأْسَ بِهِ ( 11 ) . والثوب المصمت : الذي يكون جميعه من حرير ، والسدى : ما يمد طولا في النسج .
                        ج - ويباح للرجل لبسه لدفع ضرورة ، كمن لم يجد ثوبًا إلا ثوب حرير يستر به عورته ، أو يدفع به عنه البرد .
                        هذا والعلم عند الله تعالى ، وللحديث صلة .

                        ( 1 ) البخاري ( 5496 ) ، ومسلم ( 2069 ) ، ورواه مسلم ( 2073 ) عن أنس  ، ورواه أيضًا ( 2074 ) عن أبي أمامة  .
                        ( 2 ) البخاري ( 846 ، 5731 ) ، ومسلم ( 2068 ) .
                        ( 3 ) البخاري ( 5110 ، 5310 ، 5493 ) ، ومسلم ( 2067 ) .
                        ( 4 ) البخاري ( 1182 ، 5312 ) ، ومسلم ( 2066 ) .
                        ( 5 ) البخاري ( 368 ، 5465 ) ، ومسلم ( 2075 ) .
                        ( 6 ) أحمد : 1 / 96 ، 115 ، وأبو داود ( 4057 ) ، والنسائي ( 5144 : 147 ) ، وابن ماجة ( 3595 ) ، ورواه الترمذي ( 1720 ) ، والنسائي ( 5148 ) عن أبي موسى .، ورواه ابن ماجة ( 3597 ) عن عبد الله بن عمرو .
                        ( 7 ) انظر ( التمهيد ) : 14 / 241 .
                        ( 8 ) انظر ( شرح النووي على مسلم ) : 14 / 32 .
                        ( 9 ) رواه البخاري ( 2762 ) واللفظ له ، ومسلم (2076) .
                        ( 10 ) رواه البخاري ( 5828 ) ، ومسلم ( 2069 ) واللفظ له.
                        ( 11 ) أحمد : 1 / 2018 ، 313 ، وأبو داود ( 4055 ) ، وصححه الألباني .
                        د . محمد عطية

                        تعليق


                        • #13
                          ثانيًا : يحرم على الرجل لبس الذهب

                          فلا يجوز للرجل أن يلبس ذهبًا ، لا خاتمًا ، ولا سوارًا ، ولا ساعة ، ولا أزرارًا ، ولا غير ذلك ؛ ففي صحيح مسلم عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ رَأَى خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ فِي يَدِ رَجُلٍ فَنَزَعَهُ فَطَرَحَهُ ، وَقَالَ : " يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ إِلَى جَمْرَةٍ مِنْ نَارٍ فَيَجْعَلُهَا فِى يَدِهِ ؟ " ؛ فَقِيلَ لِلرَّجُلِ بَعْدَ مَا ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ  : خُذْ خَاتَمَكَ انْتَفِعْ بِهِ ؛ قَالَ : لاَ وَاللَّهِ لاَ آخُذُهُ أَبَدًا وَقَدْ طَرَحَهُ رَسُولُ اللَّهِ ( 1 ) ؛ وروى أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - - عَنْ النَّبِيِّ قَالَ : " مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي وَهُوَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ شُرْبَهَا فِي الْجَنَّةِ ، وَمَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي وَهُوَ يَتَحَلَّى الذَّهَبَ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ لِبَاسَهُ فِي الْجَنَّةِ " ( 2 ) .
                          قال النووي - : وأما خاتم الذهب فهو حرام على الرجل بالإجماع ؛ وكذا لو كان بعضه ذهبًا وبعضه فضة ، حتى قال أصحابنا : لو كانت سن الخاتم ذهبًا أو كان مموهًا بذهب يسير فهو حرام ، لعموم الحديث في الحرير والذهب : " إِنَّ هَذَيْنِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي ، حِلٌّ لِإِنَاثِهَا .ا.هـ ( 3 ) .
                          ولا شك أنه يدخل في التحريم ما يعرف الآن بـ ( دبلة الخطوبة ، أو الزواج ) ؛ خاصة وأنها عادة نصرانية سرت منهم إلى بعض المسلمين ؛ فهي حرام من جهتين : كونها ذهبًا ، وكونها تشبهًا بالكافرين .
                          ورُخص في استخدام الذهب للرجال لضرورة ، فروى أحمد وأهل السنن إلا ابن ماجة أَنَّ عَرْفَجَةَ بْنَ أَسْعَدَ  قُطِعَ أَنْفُهُ يَوْمَ الْكُلاَبِ ، فَاتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ وَرِقٍ فَأَنْتَنَ عَلَيْهِ ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ فَاتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ ( 4 ) ؛ وفي معنى ذلك السِّن إذا خلع .
                          هذا ، والعلم عند الله تعالى ، وللحديث صلة .

                          ( 1 ) - مسلم ( 2090 ) .
                          ( 2 ) أحمد : 2 / 209 ، وصححه الألباني في صحيح الترغيب ( 2059 ) .
                          ( 3 ) انظر ( شرح النووي على مسلم ) : 14 / 32 .
                          ( 4 ) أحمد : 4 / 342 ، وأبو داود ( 4232 ) ، والترمذي (1770) وحسنه ، والنسائي ( 5161 ) ، وحسنه الألباني .
                          د . محمد عطية

                          تعليق


                          • #14
                            ثالثًا : من الآداب المتعلقة بلباس المسلم عدم الإسبال
                            سواء أكان في قميصٍ ، أو إزار ، أو سروالٍ ، أو عمامة ، أو جبة أو غير ذلك مما يسمى ثوبًا ، فقد روى أبو داود والنسائي وابن ماجة عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - - عَنِ النَّبِيِّ قَالَ : " الإِسْبَالُ فِي الإِزَارِ وَالْقَمِيصِ وَالْعِمَامَةِ ، مَنْ جَرَّ مِنْهَا شَيْئًا خُيَلاَءَ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " ( 1 ) ؛ أي : الإسبال يتحقق في جميع هذه الأشياء ؛ والإسبال : الإرْسالُ ، والمراد الإرخاء عن الحد الذي ينبغي الوقوف عنده ، فالإسبال تطويل الثوب وإرساله إلى الأرض ؛ وهذا ظاهر في القميص والإزار والسروال ونحوها بأن ينزله عن الكعبين ، والكعبان هما العظمان الناتئان بين الساق والقدم ، فلكل قدم كعبان .
                            وأما الإسبال في العمامة فقيل : يكون بإرسال العذبة زيادة على العادة عددًا وطولا ؛ والسنة في عذبة العمامة قدر أربع أصابع ، وغايتها إلى نصف الظهر ؛ قال العلماء : الإسبال في كل شيء بحسبه ، والإسبال في العمامة إذا قعد ارتخت عذبتها على الأرض ، وكذلك إذا طأطأ رأسه لركوع أو نحوه تدلت وأصابت الأرض ؛ لأنها إذا ارتخت على الأرض اتسخت وتغيرت .
                            وروى أحمد والنسائي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : " إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى مُسْبِلٍ " ( 2 ) ؛ وفي صحيح مسلم عَنْ أَبِى ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ : " ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ " قَالَ : فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ ثَلاَثَ مِرَارٍ ؛ قَالَ أَبُو ذَرٍّ : خَابُوا وَخَسِرُوا ، مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : " الْمُسْبِلُ ، وَالْمَنَّانُ ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ " ( 3 ) .
                            وفي الصحيحين عن ابن عمر مرفوعًا : " إِنَّ اللَّهَ لاَ يَنْظُرُ إِلَى مَنْ يَجُرُّ إِزَارَهُ بَطَرًا " ( 4 ) ، أصل البطر الطغيان عند النعمة ، واستعمل بمعنى التكبر ؛ والمراد التبختر في المشي والنظر في الأعطاف والتيه والتكبر والتجبر ونحو ذلك ( 5 ) ؛ وقال النووي - : قال العلماء : الخيلاء ( بالمد ) والمخيلة والبطر والكبر والزهو والتبختر كلها بمعنى واحد ؛ وهو حرام ، ويقال خال الرجل خالا واختال اختيالا ، إذا تكبر ؛ ومعنى : ( لاَ يَنْظُرُ اللهُ إليه ) أي : لا يرحمه ، ولا ينظر إليه نظر رحمة ( 6 ) .
                            وفي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ : " مَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ مِنْ الْإِزَارِ فَفِي النَّارِ " ( 7 ) ؛ ومعناه : إن الذي دون الكعبين من القدم يعذب ؛ فهو من تسمية الشيء باسم ما جاوره وحلَّ فيه ، والمراد الشخص نفسه ؛ أو المعنى ما أسفل من الكعبين من الذي نزل عليه الإزار في النار .
                            وروى أحمد وأهل السنن إلا الترمذي عَنِ الْعَلاَءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ عَنِ الإِزَارِ ، فَقَالَ : عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : " إِزْرَةُ الْمُسْلِمِ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ ، وَلاَ حَرَجَ - أَوْ لاَ جُنَاحَ - فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَيْنِ ؛ مَا كَانَ أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ فَهُوَ فِي النَّارِ ؛ وَمَنْ جَرَّ إِزَارَهُ بَطَرًا لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ " ( 8 ) ؛ والإزرة ( بالكسر ) للحالة والهيئة ، أي : هيئة إزار المؤمن أن يكون الإزار إلى أنصاف ساقيه تقريبًا ؛ ويجوز إلى الكعبين ؛ ولا يجوز ما أسفل من الكعبين ؛ وذكر عقابه ؛ ثم قال : " مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ بَطَرًا ( أي : تكبرًا ) لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ " فهذه عقوبة زائدة على الأولى .
                            وروى أحمد والنسائي عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ : أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ بِعَضَلَةِ سَاقِي - أَوْ بِعَضَلَةِ سَاقِهِ - فَقَالَ : " الْإِزَارُ هَاهُنَا ، فَإِنْ أَبَيْتَ فَهَاهُنَا ، فَإِنْ أَبَيْتَ فَلَا حَقَّ لِلْإِزَارِ فِي الْكَعْبَيْنِ " أَوْ : " لَا حَقَّ لِلْكَعْبَيْنِ فِي الْإِزَارِ " ( 9 ) ؛ قال السندي في ( حاشيته على النسائي ) : والعضلة : كل لحم صلبة مكتنزة في البدن ، ومنه عضلة الساق ؛ " وَلَا حَقَّ لِلْكَعْبَيْنِ " أي : لا تستر الكعبين بالإزار ، والظاهر أن هذا هو التحديد ، وإن لم يكن هناك خيلاء ؛ نعم ، إذا انضم إلى الخيلاء اشتد الأمر ، وبدونه الأمر أخف ؛ والله تعالى أعلم .ا.هـ . مختصرًا .
                            ظاهر الأحاديث يدل على أن الإسبال محرم ؛ وأنه إذا أضيف إليه الكبر والخيلاء يضاف إلى صاحبه إثم على إثم ، وأن عقوبة المسبل عذاب في النار ؛ وعقوبة المسبل خيلاء أن الله تعالى لا ينظر إليه ، وهي عقوبة أعظم من الأولى ، ويظهر ذلك في حديث أبي سعيد المتقدم : " مَا كَانَ أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ فَهُوَ فِي النَّارِ ؛ مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ بَطَرًا لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ " ، فجمع بين الفعلين والعقوبتين ، مما يدل على ما أسلفنا ، كما أن قوله  في حديث حذيفة : " لَا حَقَّ لِلْكَعْبَيْنِ فِي الْإِزَارِ " يدل على أن إنزال الثوب تحت الكعبين محرم ؛ قال الحافظ في ( الفتح ) : وفى هذه الأحاديث أن إسبال الإزار للخيلاء كبيرة ، وأما الإسبال لغير الخيلاء فظاهر الأحاديث تحريمه أيضًا ( 10 ) .
                            ولكن ذهب بعض من أهل العلم إلى حمل المطلق في الأحاديث على المقيد في قوله : " لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ " ( 11 ) ، وفي رواية : " بَطَرًا " ( 12 ) ؛ قال النووي : ظواهر الأحاديث في تقييدها بالجر خيلاء ، تدل على أن التحريم مخصوص بالخيلاء ؛ وهكذا نص الشافعي على الفرق ( 13 ) ؛ قال ابن حجر - : والنص الذي أشار إليه ذكره البويطي في مختصره عن الشافعي ، قال : لا يجوز السدل في الصلاة ولا في غيرها للخيلاء ، ولغيرها خفيف ؛ لقول النبي لأبي بكر .ا.هـ . وقوله : ( خفيف ) ليس صريحًا في نفي التحريم ، بل هو محمول على أن ذلك بالنسبة للجر خيلاء ، فأما لغير الخيلاء فيختلف الحال ، فإن كان الثوب على قدر لابسه لكنه يسدله ، فهذا لا يظهر فيه تحريم ، ولا سيما إن كان عن غير قصد كالذي وقع لأبي بكر ؛ وإن كان الثوب زائدًا على قدر لابسه ، فهذا قد يتجه المنع فيه من جهة الإسراف ، فينتهي إلى التحريم ؛ وقد يتجه المنع فيه من جهة التشبه بالنساء ، وهو أمكن فيه من الأول ، وقد صحح الحاكم من حديث أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ لَعَنَ الرَّجُلَ يَلْبَسُ لِبْسَةَ الْمَرْأَةِ ( 14 ) ؛ وقد يتجه المنع فيه من جهة أن لابسه لا يأمن من تعلق النجاسة به ، وفي قصة قتل عمر أنه قال للشاب الذي دخل عليه : ارفع ثوبك ؛ فإنه أنقى لثوبك ، وأتقى لربك ( 15 ) ؛ ويتجه المنع - أيضًا - في الإسبال من جهة أخرى وهي كونه مظنة الخيلاء ، قال ابن العربي : لا يجوز للرجل أن يجاوز بثوبه كعبه ، ويقول لا أجره خيلاء ، لأن النهي قد تناوله لفظًا ، ولا يجوز لمن تناوله اللفظ حكمًا أن يقول : لا أمتثله لأن تلك العلة ليست فيَّ ، فإنها دعوى غير مسلمة ، بل إطالته ذيله دالة على تكبره .انتهى ملخصًا ؛ وحاصله أن الإسبال يستلزم جر الثوب ، وجر الثوب يستلزم الخيلاء ، ولو لم يقصد اللابس الخيلاء ، ويؤيده ما أخرجه أحمد بن منيع من وجه آخر عن ابن عمر في أثناء حديث رفعه : " وَإِيَّاكَ وَجَرَّ الإِزَارِ ، فَإِنَّ جَرَّ الإِزَارِ مِنَ الْمَخْيَلَةِ " ( 16 ) ؛ وأخرج الطبراني من حديث أبي أمامة : بينما نحن مع رسول الله إذ لحقنا عمرو بن زرارة الأنصاري في حلة إزار ورداء قد أسبل ، فجعل رسول الله يأخذ بناحية ثوبه ويتواضع لله ، ويقول : " عَبْدُكَ ، وَابْنُ عَبْدِكَ ، وَابْنُ أَمَتِكَ " ، حتى سمعها عمرو فقال : يا رسول الله ، إني حمش الساقين ! فقال : " يَا عَمْرَو إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقِهِ ، يَا عَمْرَو ، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُسْبِلَ " الحديث ؛ وأخرجه أحمد من حديث عمرو نفسه لكن قال في روايته : عن عمرو بن فلان ؛ وأخرجه الطبراني - أيضًا - فقال : عن عمرو بن زرارة ، وفيه : وضرب رسول الله بأربع أصابع تحت ركبة عمرو فقال : " يَا عَمْرَو ، هَذَا مَوْضِعُ الإِزَارِ " ثم ضرب بأربع أصابع تحت الأربع ، فقال : " يَا عَمْرَو ، هَذَا مَوْضِعُ الإِزَارِ " الحديث ( 17 ) ، ورجاله ثقات ؛ وظاهره أن عَمْرًا المذكور لم يقصد بإسباله الخيلاء ، وقد منعه من ذلك لكونه مظنة ؛ وأخرج الطبراني من حديث الشريد الثقفي قال : أبصر النبي  رجلا قد أسبل إزاره فقال : " ارْفَعْ إِزَارَكَ " ، فقال : إني أحنف تصطك ركبتاي ، قال : " ارْفَعْ إِزَارَكَ ، فَكُلُّ خَلْقِ اللَّهِ حَسَن " ، وأخرجه مسدد وأبو بكر بن أبي شيبة من طرق عن رجل من ثقيف لم يسم ، وفي آخره : " ذَاكَ أَقْبَحُ مِمَّا بِسَاقِكَ " ( 18 ) ؛ وأما ما أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن مسعود بسند جيد أنه كان يسبل إزاره ، فقيل له في ذلك فقال : إني حمش الساقين ( 19 ) ؛ فهو محمول على أنه أسبله زيادة على المستحب ، وهو أن يكون إلى نصف الساق ، ولا يظن به أنه جاوز به الكعبين ، والتعليل يرشد إليه ، ومع ذلك فلعله لم تبلغه قصة عمرو بن زرارة ، والله أعلم ؛ وأخرج النسائي وابن ماجه وصححه ابن حبان من حديث المغيرة بن شعبة : رأيت رسول الله أخذ برداء سفيان بن سهيل وهو يقول : " يَا سُفْيَانُ لَا تُسْبِلْ إِزَارَكَ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُسْبِلِينَ " ( 20 ) . انتهى مختصرًا ( 21 ) .
                            وصفوة القول أن الإسبال محرم على الرجال ، لا يجوز لأحد من الرجال أن ينزل ثوبه عن الكعبين ، فإن فعل فقد أثم ؛ فإن كان ذلك خيلاء فهو أشد إثمًا ؛ والعلم عند الله تعالى .

                            ( 1 ) - أبو داود ( 4094 ) ، والنسائي ( 5334 ) وابن ماجة ( 3576 ) ، وحسنه النووي في ( شرح مسلم : 2 / 116 ) .
                            ( 2 ) أحمد : 1 / 321 ، والنسائي ( 5332 ) ، وصححه الألباني .
                            ( 3 ) مسلم ( 106 ) ؛ والمَنَّان : فَعَّالٌ من المَنِّ ، وهُوَ الَّذِي لاَ يُعْطِي شَيْئًا إلا امتَنَّ به على المُعْطَى له ؛ والامتنانَ بالعطاء ، مبطلٌ لأجرِ، مُؤْذٍ للمُعْطَى ؛ والمنفِّق ( بتشديد الفاء ) أي : المرَوِّج سلعته ( بكسر السين ) مبيعه .
                            ( 4 ) البخاري ( 5452 ) ، ومسلم ( 2087 ) .
                            ( 5 ) انظر ( التمهيد ) : 18 / 10 ، و ( فتح الباري ) : 10 / 258 .
                            ( 6 ) انظر ( شرح النووي على مسلم ) : 14 / 60 ، 61 .
                            ( 7 ) البخاري ( 5451 ) ، ومسلم ( 2087 ) .
                            ( 8 ) ورواه أحمد : 3 / 5 ، 44 ، وأبو داود ( 4093 ) ، وابن ماجة ( 3573 ) ، والنسائي في الكبرى ( 9714 : 9717 ) ، وصححه ابن حبان ( 5446 ، 5447 ) وصححه الألباني في صحيح أبي داود .
                            ( 9 ) ورواه أحمد : 5 / 396 ، 398 ؛ والنسائي ( 5329 ) ، وصححه ابن حبان ( 5448 ، 5449 ) وصححه الألباني في صحيح النسائي ؛ وله شاهد أخرجه الطبراني في الكبير : 7 / 220 ( 6915 ) من حديث سمرة  .
                            ( 10 ) انظر ( فتح الباري ) : 10 / 263 .
                            ( 11 ) البخاري ( 5455 ) ، ومسلم ( 2085 ) .
                            ( 12 ) البخاري ( 5452 ) ، ومسلم ( 2087 ) .
                            ( 13 ) انظر ( شرح النووي على مسلم ) : 14 / 61 ، 62 .
                            ( 14 ) رواه أحمد : 2 / 325 ، وأبو داود ( 4098 ) ، والنسائي في الكبرى ( 9253 ) ، وصححه ابن حبان ( 5751 ، 5752 ) ، والحاكم ( 7415 ) ، والألباني في صحيح أبي داود .
                            ( 15 ) جزء من حديث طويل رواه البخاري ( 3497 ) عن عمرو بن ميمون في قصة قتل عمر  ، ورواه ابن أبى شيبة ( 24815 ) ، والبيهقى في الكبرى ( 20014 ) عن ابن مسعود  .
                            ( 16 ) وهو جزء من حديث رواه أحمد : 5 / 63 ، 64 ، والبخاري في الأدب المفرد ( 562 ) ، وأبو داود ( 4084 ) ، والنسائي في الكبرى ( 9691 ) ، وابن حبان ( 521 ، 522 ) عن سليم بن جابر الهجيمي  بلفظ : " وَإِيَّاكَ وَإِسْبَالَ الإِزَارِ ، فَإِنَّهَا مِنَ الْمَخْيَلَةِ ، وَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمَخْيَلَةَ " ؛ وصححه الألباني .
                            ( 17 ) رواه الطبراني في الكبير : 8 / 232 ( 7909 ) ، وقال الهيثمي في ( مجمع الزوائد : 5 / 149 ) : رواه الطبراني بأسانيد ورجال أحدهما ثقات .ا.هـ . ورواه أحمد : 4 / 200 ؛ وحسنه الألباني في الصحيحة ( 2682 ) .
                            ( 18 ) أحمد : 4 / 390 ، والطبراني في الكبير : 7 / 315 ، 316 ( 7240 ، 7241 ) ؛ قال الهيثمى في ( مجمع الزوائد : 5 / 124 ) : رجال أحمد رجال الصحيح .ا.هـ . وصححه الألباني في الصحيحة (1441 ) ؛ وأما الزيادة : " ذاك أقبح مما بساقك " فرواها ابن أبي شيبة في مسنده ( 984 ) بلفظ : " مَا بِثَوْبِكَ أَقْبَحُ مِمَّا بِسَاقِكَ " ؛ وذكر البوصيري في ( إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة ) رواية مسدد رقم ( 5527 ) .
                            ( 19 ) ابن أبي شيبة ( 24816 ) .
                            ( 20 ) رواه أحمد : 4 / 253 ، والنسائي في الكبرى كما في تحفة الأشراف ( 11493 ) ، وابن ماجة ( 3574 ) وصححه البوصيري في ( مصباح الزجاجة ) ، وحسنه الألباني ، وصححه ابن حبان ( 5442 ) .
                            ( 21 ) انظر ( فتح الباري ) : 10 / 264 .
                            د . محمد عطية

                            تعليق


                            • #15
                              فتاوى في الإسبال

                              سئل العلامة ابن باز - : ما حكم إطالة الثوب إن كان للخيلاء أو لغير الخيلاء ؟ وما الحكم إذا اضطر الإنسان إلى ذلك سواء إجبارًا من أهله إن كان صغيرًا أو جرت العادة على ذلك ؟
                              فأجاب : حكمه التحريم في حق الرجال ، لقول النبي : " ما أسفل من الكعبين من الإزار فهو في النار " رواه البخاري في صحيحه ، وروى مسلم في الصحيح عن أبي ذر قال : قال رسول الله : " ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم : المسبل إزاره، والمنان فيما أعطى ، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب "
                              وهذان الحديثان وما في معناهما يعمَّان من أسبل ثيابه تكبرًا أو لغير ذلك من الأسباب ، لأنه عمم وأطلق ولم يقيد ، وإذا كان الإسبال من أجل الخيلاء صار الإثم أكبر والوعيد أشد ، لقوله : " ومن جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة " ، ولا يجوز أن يظن أن المنع من الإسبال مقيد بقصد الخيلاء ؛ لأن الرسول لم يقيد ذلك في الحديثين المذكورين آنفًا ، كما أنه لم يقيد ذلك في الحديث الآخر ، وهو قوله لبعض أصحابه : " وإياك والإسبال فإنه من المخيلة " ، فجعل الإسبال كله من المخيلة ؛ لأنه في الغالب لا يكون إلا كذلك ، ومن لم يسبل للخيلاء فعمله وسيلة لذلك ، والوسائل لها حكم الغايات ، ولأن ذلك إسراف وتعريض لملابسهم للنجاسة ، ولهذا ثبت عن عمر أنه لما رأى شابًّا يمس ثوبه الأرض قال له : ارفع ثوبك ، فإنه أتقى لربك وأنقى لثوبك ؛ أما قوله لأبي بكر الصديق  لما قال : يا رسول الله إن إزاري يسترخي إلا أن أتعاهده ؛ فقال له : " إنك لست ممن يفعله خيلاء " ، فمراده أن من يتعاهد ملابسه إذا استرخت حتى يرفعها لا يُعَدُّ ممن يجر ثيابه خيلاء ؛ لكونه لم يسبلها ، وإنما قد تسترخي عليه فيرفعها ويتعاهدها ، ولا شك أن هذا معذور ؛ أما من يتعمد إرخاءها سواء أكانت بشتًا أو سراويل أو إزارًا أو قميصًا فهو داخل في الوعيد ، وليس معذورًا في إسباله ملابسه ؛ لأن الأحاديث الصحيحة المانعة من الإسبال تعمه بمنطوقها وبمعناها ومقاصدها ، فالواجب على كل مسلم أن يحذر الإسبال ؛ وأن يتقي الله في ذلك ، وألا تنزل ملابسه عن كعبه عملا بهذا الحديث الصحيح ، وحذرًا من غضب الله وعقابه ؛ والله ولي التوفيق ( 1 ) .
                              وسئل - أيضًا : بعض الناس يقومون بتقصير ثيابهم إلى ما فوق الكعب ، ولكن السراويل تبقى طويلة فما حكم ذلك ؟
                              فأجاب : الإسبال حرام ومنكر سواء كان ذلك في القميص أو الإزار أو السراويل أو البشت ، وهو ما تجاوز الكعبين لقول النبي  : " وما أسفل من الكعبين من الإزار فهو في النار " رواه البخاري .. ( 2 ) .ا.هـ.
                              وسئلت اللجنة الدائمة : ما حكم المسبل ؟
                              فأجابت : الإسبال بلبس الملابس الطويلة التي تصل إلى ما تحت الكعبين محرم على الرجال ، سواء كان الملبوس ثوبًا أو قميصًا أو سروالا أو بنطلونًا أو عباءة أو غير ذلك ؛ لعموم قوله : " ما أسفل من الكعبين من الإزار فهو في النار " وبالله التوفيق ( 3 ) .
                              وسئل العلامة ابن عثيمين - - عن حكم الإسبال ؟ فأجاب : إسبال الثوب على نوعين : أحدهما : أن يكون خيلاء وفخرًا فهذا من كبائر الذنوب ، وعقوبته عظيمة ، ففي الصحيحين من حديث ابن عمر أن النبي قال : " مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرْ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " ؛ وعن أبي ذر الغفاري أن النبي قال : " ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ " قَالَ : فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ ثَلاَثَ مِرَارٍ ؛ قَالَ أَبُو ذَرٍّ : خَابُوا وَخَسِرُوا ، مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : " الْمُسْبِلُ ، وَالْمَنَّانُ ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ " ؛ فهذا النوع هو الإسبال المقرون بالخيلاء ، وفيه هذا الوعيد الشديد أن الله لا ينظر إلى فاعله ، ولا يكلمه ، ولا يزكيه يوم القيامة وله عذاب أليم ؛ وهذا العموم في حديث أبي ذر مخصص بحديث ابن عمر - - فيكون الوعيد فيه على من فعل ذلك خيلاء ، لاتحاد العمل والعقوبة في الحديثين .
                              النوع الثاني من الإسبال : أن يكون لغير الخيلاء ، فهذا حرام ، ويخشى أن يكون من الكبائر ، لأن النبي توعد فيه بالنار ، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة  أن النبي  قال : " مَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ مِنْ الْإِزَارِ فَفِي النَّارِ " . ولا يمكن أن يكون هذا الحديث مخصصًا بحديث ابن عمر ، لأن العقوبة مختلفة ، ويدل لذلك حديث أبي سعيد الخدري  قال : قال رسول الله : " إِزْرَةُ الْمُسْلِمِ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ ، وَلاَ حَرَجَ - أَوْ لاَ جُنَاحَ - فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَيْنِ ؛ مَا كَانَ أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ فَهُوَ فِي النَّارِ ؛ وَمَنْ جَرَّ إِزَارَهُ بَطَرًا لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ " ؛ ففرق النبي بين من جر ثوبه خيلاء ، ومن كان إزاره أسفل من كعبيه .
                              لكن إن كان السروال ينزل عن الكعبين بدون قصد ، وهو يتعاهده ويرفعه ، فلا حرج ؛ ففي حديث ابن عمر السابق أن أبا بكر قال : يا رسول الله : إن أحد شقي إزاري يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه ، فقال النبي : " لَسْتَ مِمَّنْ يَصْنَعُهُ خُيَلَاءَ " رواه البخاري ( 4 ) .
                              وسئل ابن عثيمين - أيضًا - عن رجل يجعل ثيابه تحت الكعبين ، ولكن ليس بقصد الخيلاء والكبر ، فهل عليه وزر في ذلك ؟ فأجاب : عليك وزر إذا نزل ثوبك أو سراويلك إلى ما تحت الكعبين ، لقول النبي : " ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار " ولم يقيده بالخيلاء ( 5 ) .
                              وقال بكر أبو زيد - : ورد النهي عن الإسبال مطلقًا في حق الرجال ، وهذا بإجماع المسلمين ، وهو كبيرة إن كان للخيلاء ، فإن كان لغير الخيلاء فهو محرم مذموم في أصح قولي العلماء ، والخلاف للإمام الشافعي والشافعية إنه إذا لم يكن للخيلاء فهو مكروه كراهة تنزيه ؛ على أنه قد ثبت عن النبي  ما يقضي بأن مجرد الإسبال خيلاء .ا.هـ ( 6 ) .
                              هذا والعلم عند الله تعالى .
                              ( 1 ) - المصدر : الموقع الرسمي لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ( http://www.binbaz.org.sa ) ، وانظر ( مجموع الفتاوى والمقالات : 6 / 350 ) .
                              ( 2 ) انظر ( مجموع الفتاوى والمقالات ) : 6 / 410 .
                              ( 3 ) السؤال الأول من الفتوى رقم ( 19600 ) ، وانظر الفتوى رقم ( 9390 ) .
                              ( 4 ) انظر ( مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين ) : 12 / 254 ، 255 .
                              ( 5 ) انظر ( مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين ) : 12 / 251 .
                              ( 6 ) تراجع رسالته ( حد الثوب والأزرة ) فإنها مفيدة .
                              د . محمد عطية

                              تعليق

                              19,840
                              الاعــضـــاء
                              231,457
                              الـمــواضـيــع
                              42,355
                              الــمــشـــاركـــات
                              يعمل...
                              X