إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • آداب الطريق في الإسلام

    الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وبعد :
    فلكل شيء في الإسلام آداب ، والطريق شيء ، فله آداب ، وهذا يدل دلالة قاطعة على عظمة دين الإسلام ، وشموله ، ورعايته مصالح الناس ، فيأمر بما فيه المصلحة أينما كانت ومتى كانت ، وينهي عن المفاسد أينما حلت ، ومتى وقعت .
    ولصاحب العقل أن يتأمل هل عرفت مناهج البشر حقوقًا وآدابًا للطريق ؟ وهب أن البشرية عرفت بعض الحقوق ، فهل ترقى إلى ما قرره الإسلام من حقوق وآداب هي قربة لله تعالى ، وفيها رعاية للحياة العامة والخاصة لمن يسلك الطريق ؟
    حقًا إنه لفخر لكل مسلم أن يقول : أنا مسلم ، فنِعِمَّ هذا الدين الذي جعل لكل شيء حقوقًا وآدابًا ؛ والحمد لله على نعمة الإسلام وكفى بها نعمة .
    لقد جاءنا الإسلام بحقوق وآداب تتعلق بحد الطريق ، وإشغالات الطريق ، وآداب الطريق ؛ وبيَّن علماء الإسلام ما يتعلق بأحكام هذه الأمور وأحكام الاعتداء على تلك الحقوق والآداب .
    وسأحاول في هذه الرسالة أن أوقف القارئ على تلكم الآداب في المحاور الآتية :
    المراد بآداب الطريق .
    حد الطريق .
    الطريق يشترك فيه الناس إلا ما كان ملكا خاصًّا .
    مجموع آداب الطريق .
    إماطة الأذى عن الطريق من الإيمان
    غَضُّ الْبَصَرِ
    كَفُّ الأَذَى
    رَدُّ السَّلاَمِ
    إفشاء السَّلاَمِ
    الأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ والنَّهْىُ عَنِ الْمُنْكَرِ
    تشميت العاطس إذا حمد الله
    إدلال السائل - إرشاد السبيل
    هداية الأعمى
    حسن الكلام
    إغاثة الملهوف .
    هداية الضال ( الحيران ) .
    إعانة المظلوم .
    المعاونة في الحمل
    حسن الكلام
    ذكر الله كثيرًا
    آداب الطريق وقواعد وضوابط المرور .
    هذا ، والله أسأل أن ينفع بها كاتبها وناشرها وقارئها والدال عليها ، إنه ولي ذلك والقادر عليه ، لا رب غيره ولا أرجو إلا خيره ، عليه توكلت وإليه أنيب .
    د . محمد عطية

  • #2
    المراد بآداب الطريق
    نقصد بآداب الطريق الأمور التي يجب على من يسلك طريقًا أو يجلس فيها أو يقف عند شيء منها ، أو يكون ساكنًا بعقار فيها أن يراعيها ؛ وأصل ذلك ما في الصحيحين من حديث أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ : " إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ " ؛ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا لَنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا ! قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : " فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلاَّ الْمَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ " ؛ قَالُوا : وَمَا حَقُّهُ ؟ قَالَ : " غَضُّ الْبَصَرِ ، وَكَفُّ الأَذَى ، وَرَدُّ السَّلاَمِ ، وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ ، وَالنَّهْىُ عَنِ الْمُنْكَرِ " ( 1 ) .
    ولهذا الحديث شواهد فيها إضافات سنذكرها إن شاء الله تعالى في موضعها .

    حد الطريق
    في الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَضَى النَّبِيُّ إِذَا تَشَاجَرُوا فِي الطَّرِيقِ بِسَبْعَةِ أَذْرُعٍ ( 2 ) ، ورواه الترمذي وابن ماجة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : " اجْعَلُوا الطَّرِيقَ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ " ( 3 ) ، أي : إذا اختلفتم فيها ؛ أي : إذا كان الأرض لقوم وأرادوا إحياءها وعمارتها فإن اتفقوا في الطريق على شيء فذاك ؛ وإلا فيجعل عرض طريقهم سبعة أذرع ؛ لدخول الأحمال والأثقال وخروجها ؛ وفي هذا مراعاة لمصالح الناس ، وحتى لا يضر بالمارة عليها ؛ وأما ما اتفق عليه من حد الطريق ولم يكن فيه تنازع فيبقى على ما اتفق عليه زاد أو نقص عن سبعة أذرع .

    ( 1 ) - البخاري ( 2333 ، 5875 ) ، ومسلم ( 2121 ) .
    ( 2 ) البخاري ( 2341 ) ، ومسلم ( 1613 ) .
    ( 3 ) الترمذي ( 1355 ) ، وابن ماجة ( 2338 ) .
    د . محمد عطية

    تعليق


    • #3
      الطريق العام يشترك فيه الناس جميعًا
      الطريق العامة يشترك الناس جميعًا في الانتفاع بها ، فلا يجوز لأحد أن يخص نفسه بانتفاع يضر بآخرين ، فليس له - مثلا - أن يجعل مظلة تضر بالمرور بالطريق ، أو يشغل الطريق بشيء يضر بالمارين به ؛ قال د. وهبة الزحيلي في ( الفقه الإسلامي وأدلته ) : فإن ترتب عليها ضرر أو أذى وجب إزالتها ، فيزال المسيل القذر في الطريق العام ، ويمنع حق الشرب إذا أضر بالمنتفعين ، ويمنع سير السيارة في الشارع العام إذا ترتب عليها ضرر كالسير بالسرعة الفائقة ، أو في الاتجاه المعاكس ، عملاً بالحديث النبوي : " لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ " ( 1 ) ؛ ولأن المرور في الطريق العام مقيد بشرط السلامة فيما يمكن الاحتراز عنه .ا.هـ .
      وقد وقع في زماننا من مخالفات الطريق مما فيه إيذاء للمارين عليها ، مما يجب على أولي الأمر السعي في إزالتها ، وحماية طريق الناس ممن يعتدي عليها ؛ فمن ذلك أن بعض المقاهي تأخذ من طريق الناس ما تضع فيه مقاعد وموائد ، وتقدم للجالسين عليها من الحلال والحرام ، بل ويقع من بعض هؤلاء إيذاء المارة بمعصيتهم بتدخين النارجيلة وغيرها ، ومن فحش الكلام - أحيانا - بل ومن إيذاء المارين والمارات بالقول والفعل أحيانا أخرى .
      كما أن بعض محال الألبسة وغيرها تستقطع من الشارع ما تعرض فيه بضاعتها ، مما يضيق الشارع على المارين .
      وهناك من الشباب من يقف على الطريق ليس إلا ليؤذي المارين خاصة من النساء ، ومن يلقي القذر والأذى في طريق الناس ؛ وكل هذا من المحرم شرعًا ، والمستنكر عرفًا .

      ( 1 ) رواه الدارقطني : 3 / 77 عن أبي سعيد ؛ ورواه ابن ماجة ( 2340 ) عن عبادة بن الصامت ؛ ورواه أحمد : 1 / 313 ، وابن ماجة ( 2341 ) ، وأبو يعلى ( 2520 ) ، والطبراني في الكبير : 11 / 228 ( 11576 ) عن ابن عباس ؛ ورواه الطبراني في الأوسط ( 1033 ) ، والدارقطني : 4 / 227 عن عائشة ؛ ورواه الطبراني في الكبير : 2 / 86 ( 1387 ) عن ثعلبة بن أبي مالك ؛ ورواه مالك : 2 / 745 ( 1429 ) عن المازني مرسلا . وهذه الطرق يقوي بعضها بعضًا ؛ فالحديث لا ينزل عن رتبة الحسن ، والعلم عند الله تعالى .
      د . محمد عطية

      تعليق


      • #4
        أعطوا الطريق حقها
        عندما قَالَ النَّبِيِّ : " إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ " ؛ حسمًا لما قد يقع من المخالفات ؛ فالحكمة في النَّهْي عَنْ الْجُلُوس فِي الطُّرُق أن المرء بجلوسه يتَّعَرُّض لِلْفِتَنِ ، فإنه قد ينظر إلى النساء ممن يخاف الفتنة على نفسه من النظر إليهن مع مرورهن ؛ وَكذلك التَّعَرُّض لِحُقُوقِ اللَّه وَالْمُسْلِمِينَ مِمَّا لَا يَلْزَم الْإِنْسَان إِذَا كَانَ فِي بَيْته ؛ وَكذلك مِنْ رُؤْيَة الْمَنَاكِير ، وَتَعْطِيل الْمَعروف ، فَيَجِب عَلَى الْمُسْلِم الْأَمْر وَالنَّهْي عِنْدَ ذَلِكَ ، فَإِنْ تَرَكَ ذَلِكَ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِلْمَعْصِيَةِ ؛ وَكَذَا يَتَعَرَّض لِمَنْ يَمُرُّ عَلَيْهِ وَيُسَلِّم عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا كَثُرَ ذَلِكَ فَيَعْجِز عَنْ الرَّدّ عَلَى كُلّ مَارٍّ ، وَرَدُّ السلام فَرْض فَإن لم يرد يَأْثَم .
        وَالْمَرْء مَأْمُور بِأَنْ لَا يَتَعَرَّض لِلْفِتَنِ وَإِلْزَام نَفْسه مَا لَعَلَّهُ لَا يَقْوَى عَلَيْهِ ، فَنَدَبَهُمْ الشَّارِع إِلَى تَرْك الْجُلُوس حَسْمًا لِلْمَادَّةِ ، فنهيه عن الجلوس في الطرقات لئلا يضعف الجالس عن الشروط التي ذكرها بعد ، والتي هي حق الطريق .
        فلما قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا لَنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا ! فَذَكَرُوا لَهُ ضَرُورَتهمْ إِلَى ذَلِكَ ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَصَالِح مِنْ تَعَاهُد بَعْضهمْ بَعْضًا ، وَمُذَاكَرَتهمْ فِي أُمُور الدِّين وَمَصَالِح الدُّنْيَا ، وَتَرْوِيح النُّفُوس بِالْمُحَادَثَةِ فِي الْمُبَاح ، دَلَّهُمْ عَلَى مَا يُزِيل الْمَفْسَدَة مِنْ الْأُمُور الْمَذْكُورَة ؛ فَقَالَ : " فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلاَّ الْمَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ " ؛ قَالُوا : وَمَا حَقُّهُ ؟ قَالَ : " غَضُّ الْبَصَرِ ، وَكَفُّ الأَذَى ، وَرَدُّ السَّلاَمِ ، وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ ، وَالنَّهْىُ عَنِ الْمُنْكَرِ " .
        د . محمد عطية

        تعليق


        • #5
          مجموع آداب الطريق

          انتظم في حديث أبي سعيد المتقدم خمسة حقوق وهي : غَضُّ الْبَصَرِ ، وَكَفُّ الأَذَى ، وَرَدُّ السَّلاَمِ ، وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ ، وَالنَّهْىُ عَنِ الْمُنْكَرِ ؛ وفي رواية عند أحمد : قَالُوا : وَمَا حَقُّهَا ؟ قَالَ : " رُدُّوا السَّلَامَ ، وَغُضُّوا الْبَصَرَ ، وَأَرْشِدُوا السَّائِلَ ، وَأْمُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ " ( 1 ) ؛ ففيه : " وَأَرْشِدُوا السَّائِلَ " بدل : " كَفُّ الأَذَى " ؛ فهذه سادسة لها شاهد من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ أَنّ النَّبِيَّ نَهَى عَنِ الْمَجَالِسِ بِالصُّعُدَاتِ ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللهِ ، لَيَشُقُّ عَلَيْنَا الْجُلُوسُ فِي بُيُوتِنَا ، قَالَ : : " فَإِنْ جَلَسْتُمْ فَأَعْطُوا الْمَجَالِسَ حَقَّهَا " ، قَالُوا : وَمَا حَقُّهَا يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ : " إِدْلالُ السَّائِلِ ، وَرَدُّ السَّلامِ ، وَغَضُّ الأَبْصَارِ ، وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ " رواه البخاري في ( الأدب المفرد ) ( 2 ) ، ورواه أبو يعلى ابن حبان والحاكم بلفظ : نهى رسول الله عن أن تجلسوا بأفنية الصعدات ، قالوا : يا رسول الله إنا لا نستطيع ذلك ولا نطيقه ؛ قال : " إِمَّا لاَ ، فَأَدُّوا حَقَّهَا " قالوا : وما حقها يا رسول الله ؟ قال : " رَدُّ التَّحِيَّةِ ، وَتَشْمِيت الْعَاطِسِ إِذَا حَمِدَ الله ، وَغَضُّ الْبَصَرِ ، وَإِرْشَاد السَّبِيل " ( 3 ) ؛ فزاد : " وَتَشْمِيت الْعَاطِسِ إِذَا حَمِدَ الله " ، " وَإِرْشَاد السَّبِيل " ، وروى أبو داود بعد حديث أبي سعيد المتقدم بإسناده عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ : " وَإِرْشَادُ السَّبِيلِ " ( 4 ) .
          وفي صحيح مسلم عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ أَبُو طَلْحَةَ رَضِي الله عنه : كُنَّا قُعُودًا بِالأَفْنِيَةِ نَتَحَدَّثُ ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ فَقَامَ عَلَيْنَا فَقَالَ : " مَا لَكُمْ وَلِمَجَالِسِ الصُّعُدَاتِ ؟ اجْتَنِبُوا مَجَالِسَ الصُّعُدَاتِ " ، فَقُلْنَا إِنَّمَا قَعَدْنَا لِغَيْرِ مَا بَاسٍ ، قَعَدْنَا نَتَذَاكَرُ وَنَتَحَدَّثُ ؛ قَالَ : " إِمَّا لاَ ، فَأَدُّوا حَقَّهَا : غَضُّ الْبَصَرِ ، وَرَدُّ السَّلاَمِ ، وَحُسْنُ الْكَلاَمِ " ( 5 ) ، و (الصُّعُدَات ) هي الطرقات ، واحدها صعيد كطريق . وعند أحمد والترمذي وابن حبان عَنِ الْبَرَاءِ رَضِي الله عنه قَالَ : مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى مَجْلِسٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ : " إِنْ أَبَيْتُمْ إِلَّا أَنْ تَجْلِسُوا ، فَاهْدُوا السَّبِيلَ ، وَرُدُّوا السَّلَامَ ، وَأَعِينُوا الْمَظْلُومَ " ولفظ ابن حبان " وَأَغِيثُوا الْمَلْهُوفَ " ( 6 ) .
          وروى أبو داود عَنِ ابْنِ حُجَيْرٍ الْعَدَوِىِّ قَالَ : سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ - فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ - قَالَ : " وَتُغِيثُوا الْمَلْهُوفَ ، وَتَهْدُوا الضَّالَّ " ( 7 ) .
          وعند الطبراني في ( المعجم الكبير للطبراني ) عن وَحْشِيُّ بن حَرْبِ رَضِي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ : " لَعَلَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ بَعْدِي مَدَائِنَ عِظَامًا ، وتَتَّخِذُونَ فِي أَسْوَاقِهَا مَجَالِسَ ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَرُدُّوا السَّلامَ ، وَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِكُمْ ، وَاهْدُوا الأَعْمَى ، وَأَعِينُوا الْمَظْلُومَ " ( 8 ) .
          وفي ( مسند البزار ) عن ابن عباس - رَضِي الله عنهما - عن النبي قَال : " لاَ تَجْلِسُوا فِي الْمَجَالِسِ ، فَإِنْ كُنْتُمْ لاَ بُدَ فَاعِلِينَ ، فَرُدُّوا السَّلَامَ ، وَغُضُّوا الأَبْصَارَ ، وَاهْدُوا السَّبِيلَ ، وَأَعِينُوا عَلَى الْحَمُولَة " ( 9 ) ، وروى ابن السني في ( اليوم والليلة ) ، والبغوي في ( السنة ) عن أبي هريرة رَضِي الله عنه قال : قال رسول الله : " لا خَيرَ فِي الْجُلُوسِ عَلَى الطُّرُقَاتِ إِلا مَنْ هَدَى السَّبِيلَ ، وَرَدَّ التَّحِيَّةِ ، وغض البصر ، وَأَعَانَ عَلَى الْحَمُولَة " ( 10 ) ؛ وروى الطبراني عَنْ سَهْلِ بن حُنَيْفٍ رَضِي الله عنه قَالَ : قَالَ أَهْلُ الْعَالِيَةِ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لا بُدَّ لَنَا مِنْ مَجَالِسَ ، قَالَ : " فَأَدُّوا حَقَّ الْمَجَالِسِ " ، قَالُوا : وَمَا حَقُّ الْمَجَالِسِ ؟ قَالَ : " ذِكْرُ اللَّهِ كَثِيرًا ، وَأَرْشِدُوا السَّبِيلَ ، وَغُضُّوا الأَبْصَارَ " ( 11 ) .
          قال ابن حجر - : وَمَجْمُوع مَا فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث أَرْبَعَة عَشَرَ أَدَبًا وَقَدْ نَظَمْتهَا فِي ثَلَاثَة أَبْيَات وَهِيَ :
          جَمَعْت آدَابَ مَنْ رَامَ الْجُلُوس عَلَى ... الطَّرِيق مِنْ قَوْل خَيْر الْخَلْق إِنْسَانَا
          اُفْشُ السَّلَام وَأَحْسِنْ فِي الْكَلَام وَشَمِّـ ... ـتْ عَاطِسًا وَسَلَامًا رُدَّ إِحْسَانَا
          فِي الْحَمْل عَاوِنْ وَمَظْلُومًا أَعِنْ وَأَغِـ ... ـثْ لَهْفَان اِهْدِ سَبِيلًا وَاهْدِ حَيْرَانَا
          بِالْعُرْفِ مُرْ وَانْهَ عَنْ نُكُر وَكُفَّ أَذَىً ... وَغُضَّ طَرْفًا وَأَكْثِرْ ذِكْر مَوْلَانَا
          قلت : قال الحافظ في ( فتح الباري ) وَفِي حَدِيث وَحْشِيِّ بْن حَرْب عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ الزِّيَادَة " وَاهْدُوا الْأَغْبِيَاء " ، وهكذا نقلها عنه الشوكاني - - في ( نيل الأوطار ) ، ولم أجده عند الطبراني بهذا اللفظ ، وإنما وجدته بلفظ : " وَاهْدُوا الأَعْمَى " ؛ وذكر الحافظ - - ( إفشاء السلام ) ونسبه إلى الترمذي ، ولم أجده عند الترمذي ، فلعلها رواية . وإفشاء السلام أعم من ردِّه الذي وردت به الروايات .
          فلو استبدلنا في البيت ( اهد أعمى ) بـ ( افش سلامًا ) ، لانتظمت الآداب أربعة عشرة ، ولو أبقينا ما ذكره الحافظ - - على أنه رواية لم أقف عليها ، لزادت أدبًا ، فيكون المجموع خمسة عشر أدبًا ، يأتيك بيانها بعد أن نتحدث عن إماطة الأذى ، ليستتم به ستة عشر أدبًا ؛ وَلِكُلٍّ مِنْ الْآدَاب الْمَذْكُورَة شَوَاهِد فِي أَحَادِيث أُخْر .
          هذا والعلم عند الله تعالى .

          ( 1 ) - مسند أحمد : 3 / 61 .
          ( 2 ) الأدب المفرد ( 1149 ) ، وصححه الألباني .
          ( 3 ) مسند أبي يعلى ( 6626 ) ، وصحيح بن حبان بترتيب ابن بلبان ( 596 ) ، والحاكم ( 7688 ) وصححه ووافقه الذهبي .
          ( 4 ) أبو داود ( 4816 )
          ( 5 ) مسلم ( 2161 ) ، ورواه النسائي في الكبرى ( 11362 ) .
          ( 6 ) أحمد : 4 / 282 ، 293 ، والترمذي ( 2726 ) وحسنه ، وصحيح بن حبان بترتيب ابن بلبان ( 597 ) .
          ( 7 ) أبو داود ( 4817 ) ، ومن طريقه البيهقي في ( الشعب ) رقم ( 7621 ) ، وصححه الألباني .
          ( 8 ) المعجم الكبير : 22 / 138 ( 367 ) ، وقال الهيثمي في ( مجمع الزوائد : 8 / 62 ) : رجاله كلهم ثقات ، وفى بعضهم ضعف .
          ( 9 ) رواه البزار ( 5232 ) ، وقال : وهذا الكلام قد روي نحوه عن النبي  بألفاظ مختلفة ، ولاَ نَعْلَمُ يروى في حديث : " وأعينوا على الحمولة " إلاَّ في هذا الحديث ، ولاَ نَعْلَمُ لابن عباسٍ طريقًا غير هذا الطريق ؛ وداود بن علي كان في نسبه عال ، ولم يكن بالقوي في الحديث ؛ على أنه لا يتوهم عليه إلاَّ الصدق ، وَإنَّما يكتب حديثه ما لم يروه غيره .ا.هـ . قلت : روى هذه الزيادة ابن السني والبغوي كما ذكرنا ، وقال الهيثمي في ( مجمع الزوائد : 7 / 376 ) في حديث ابن عباس : رواه البزار ، وفيه محمد بن أبي ليلى ، وهو ثقة سيئ الحفظ ، وبقية رجاله وثقوا .
          ( 10 ) ابن السني ( 427 ) ، والبغوي في ( شرح السنة ) رقم ( 3339 ) ، ورواه هناد في ( الزهد ) برقم ( 1229 ) وفيه يحيى بن عبيد الله بن موهب قال البخاري في ( التاريخ الكبير رقم 3056 ) : كان ابن عيينة يضعفه .ا.هـ . ونقل ابن أبي حاتم في ( الجرح والتعديل : 9 / 167 ) ضعفه عن أبيه وابن عيينة وأحمد وغيرهم .
          ( 11 ) رواه الطبراني في الكبير : 6 / 87 ( 5592 ) ، وقال الهيثمي في ( مجمع الزوائد : 7 / 376 ) : وفيه أبو بكر بن عبد الرحمن الأنصاري ، تابعي ؛ لم أعرفه ، وبقية رجاله وثقوا .ا.هـ . قلت : وأبو بكر هذا له ترجمة في ( الأسامي والكنى ) لأبي أحمد الحاكم الكبير ، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلا .
          د . محمد عطية

          تعليق


          • #6
            إماطة الأذى عن الطريق
            هذه من الآداب الراقية التي حث الإسلام أهله عليها ، وبين فضلها وأجرها ، وجعلها من شعب الإيمان ؛ ففي الصحيحين عن أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : " الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً ، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ " لفظ مسلم ( 1 ) ؛ وإماطة الأذى ، أي : تنحيته وإبعاده ، والمراد بالأذى كل ما يؤذى من حجر أو شوك أو قمامة أو غير ذلك .
            وفي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قال رسول الله : " كُلُّ سُلاَمَى مِنْ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ : يَعْدِلُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ ، وَيُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ فَيَحْمِلُه عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ ، وَكُلُّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا إِلَى الصَّلاَةِ صَدَقَةٌ ، وَيُمِيطُ الأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ " ( 2 ) .
            وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - - عَنِ النَّبِيِّ قَالَ : " فِي ابن ادَمَ سِتُّونَ وَثَلاَثُمِائَهِ سُلاَمَى , أوْ عَظْمٌ , أوْ مِفْصَلٌ , عَلَى كُلِّ واحِدٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ صَدَقَة : كُلُّ كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ صَدَقَةٌ , وَعَوْنُ الرَّجُلِ أخَاهُ صَدَقَةٌ , وَالشَّرْبَةُ مِنَ الْماءِ يَسقِيهَا صَدَقَةٌ , وَإِمَاطَةُ الأذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ " ( 3 ) ؛ وَمَعْنَى كَوْن الْإِمَاطَة صَدَقَة أَنَّ من أماط الأذى تَسَبَّبَ إِلَى سَلَامَةِ مَنْ يَمُرُّ بِالطريق مِنْ الْأَذَى ، فَكَأَنَّهُ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ فَحَصَلَ لَهُ أَجْر الصَّدَقَة ؛ أفاده ابن حجر - - في ( فتح الباري ) .
            فمعنى الصدقة إيصال النفع إلى المتصدق ، عليه والذي أماط الأذى عن الطريق قد تصدق عليه بالسلامة فكان له أجر الصدقة .
            وفي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : " بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ ، فَغَفَرَ لَه " ، وفي رواية لمسلم : " مَرَّ رَجُلٌ بِغُصْنِ شَجَرَةٍ عَلَى ظَهْرِ طَرِيقٍ فَقَالَ : وَاللَّهِ لأُنَحِّيَنَّ هَذَا عَنِ الْمُسْلِمِينَ لاَ يُؤْذِيهِمْ ؛ فَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ " وفي أخرى لمسلم أيضًا : " لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلاً يَتَقَلَّبُ فِي الْجَنَّةِ فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ كَانَتْ تُؤْذِى النَّاسَ " ( 4 ) .
            فما أعظم فضل هذا الأدب ؛ قال ابن عبد البر - : وفي هذا الحديث من الفقه أن نزع الأذى من الطرق من أعمال البر ، وأن أعمال البر تكفر السيئات وتوجب الغفران والحسنات ؛ ولا ينبغي للعاقل المؤمن أن يحتقر شيئًا من أعمال البر ، فربما غفر له بأقلها ؛ ألا ترى إلى ما في هذا الحديث من أن الله شكر له إذ نزع غصن الشوك عن الطريق فغفر له ذنوبه ( 5 ) .ا.هـ .
            و" يَتَقَلَّبُ فِي الْجَنَّةِ " أي : يتنعم فيها بملاذها بسبب قطعه الشجرة التي كانت تؤذي المسلمين .
            وهذه الأحاديث ظاهرة في فضل إزالة الأذى عن الطريق ؛ سواء أكان الأذى شجرة تؤذي ، أو غصن شوك ، أو حجرًا يعثر به ، أو قذرًا أو جيفة أو غير ذلك ؛ وفيها - أيضًا - التنبيه على فضيلة كلِّ من نفع المسلمين أو أزال عنهم ضررًا .
            هذا ، والعلم عند الله تعالى .

            ( 1 ) - البخاري ( 9 ) ، ومسلم ( 35 ) .
            ( 2 ) البخاري ( 2827 ) ، ومسلم ( 1009 ) .
            ( 3 ) البخاري في الأدب المفرد ( 422 ) ، والطبراني في الكبير : 11 / 55 ( 11027 ) .
            ( 4 ) البخاري ( 624 ، 2340 ) ، ومسلم ( 1914 ) .
            ( 5 ) انظر ( التمهيد ) : 22 / 12 .
            د . محمد عطية

            تعليق


            • #7
              غَضُّ الْبَصَرِ
              من آداب الطريق وحقوقه : وجوب غض البصر عن النظر إلى عورة مؤمن ومؤمنة ، وعن جميع المحرمات ، وكل ما تخشى الفتنة منه ؛ فذكر النبي غض البصر في حقوق الطريق أراد به السلامة من التعرض للفتنة أيًّا كانت ؛ والغض : الخفض ، يقال : غض الرجل طرفه ومن طرفه غضًا : خفض ، والمراد خفض البصر عن نظر ما يكره النظر إليه كتأمل حرم المؤمنين ، خاصة في زماننا هذا التي كثر فيه تبرج النساء ، وفي ذلك من الفتنة ما لا يخفى ؛ وروى أبو داود والترمذي عَنِ بُرَيْدَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ لِعَلِيٍّ : " يَا عَلِيُّ لَا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ ، فَإِنَّ لَكَ الْأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الْآخِرَةُ " ( 1 ) ؛ وقال الله : قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [ النور : 30 ] ؛ قال ابن كثير - - عند تفسيرها : هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين أن يغضوا أبصارهم عما حرم عليهم ، فلا ينظروا إلا إلى ما أباح لهم النظر إليه ، وأن يغمضوا أبصارهم عن المحارم ، فإن اتفق أن وقع بصرٌ على محرم من غير قصد فليصرف بصره عنه سريعًا ، لما روى أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ عَنْ نَظْرَةِ الْفَجْأَةِ ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِي ؛ وفي رواية لبعضهم فقال : " أَطْرِقْ بَصَركَ " ( 2 ) ؛ يعني انظر إلى الأرض ، والصرف أعم ، فإنه قد يكون إلى الأرض وإلى جهة أخرى ، والله أعلم .ا.هـ .
              وكما يجب على المسلم أن يغض بصره ، يجب على المسلمة إذا خرجت من بيتها لقضاء حاجة لها أن تخرج بلباسها الشرعي الذي لا يظهر عورة ولا يدعو إلى فتنة .
              هذا والعلم عند الله تعالى .
              ( 1 ) أبو داود ( 2149 ) ، والترمذي ( 2777 ) . ورواه أحمد : 5 / 351 ، 353 ، 357 ، والحاكم : 2 / 194 ، وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي ، وفيه نظر لأن أبا ربيعة الإيادي ليس من رجال مسلم ؛ ورواه أحمد : 1 / 159 ، والطبراني في الأوسط ( 674 ) ، وابن حبان ( 5570 ) ، والضياء في المختارة : 2 / 108 ، 109 ( 482 ، 483 ) عن علي ، وإسناده حسن .
              ( 2 ) مسلم ( 2159 ) ، وأحمد : 4 / 361 ، وأبو داود ( 2148 ) ، والترمذي ( 2776 ) ، والنسائي في الكبرى ( 9233 ) .
              د . محمد عطية

              تعليق


              • #8
                كَفُّ الأَذَى
                من حق الطريق وآدابه : لزوم كف الأذى ، والمراد به السلامة من التعرض إلى أحد بالقول والفعل مما ليس فيهما من الخير ؛ أي : الامتناع مما يؤذي المارة من نحو احتقار وغيبة ، أو غير ذلك من الإيذاء القولي والفعلي ؛ فلا يجلس حيث يضيق عليهم الطريق ، أو على باب منزل من يتأذى بجلوسه عليه ، أو حيث يكشف عياله أو ما يريد التستر به من حاله ونحو ذلك ؛ ولا يؤذي المارين بقول ولا فعل ؛ وفي الصحيحين عَنْ أَبِى مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ قَالَ : " عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ " ؛ قِيلَ : أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَجِدْ ؟ قَالَ : " يَعْتَمِلُ بِيَدَيْهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ " ؛ قِيلَ : أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ ؟ قَالَ : " يُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ " ، قِيلَ : أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ ؟ قَالَ : " يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ أَوِ الْخَيْرِ " قِيلَ : أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ ؟ قَالَ : " يُمْسِكُ عَنِ الشَّرِّ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ " ( 1 ) ؛ ومعنى : " يُمْسِكُ عَنِ الشَّرِّ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ " أي : صدقة على نفسه ، والمراد أنه إذا أمسك عن الشر لله تعالى كان له أجر على ذلك ، كما أن للمتصدق بالمال أجر .
                هذا ، والعلم عند الله تعالى .

                ( 1 ) - البخاري ( 5676 ) ، ومسلم ( 1008 ) واللفظ له .
                د . محمد عطية

                تعليق


                • #9
                  رَدُّ السَّلاَمِ

                  من آداب الطريق : رد السلام ؛ يعني على الذي يسلم عليه من المارين ، وهو واجب ، لقوله تعالى : وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا [ النساء : 87 ] ، أي : إذا سلَّم فردوا عليه أفضل مما سلَّم ، أو ردوا عليه بمثل ما سلم ، فالزيادة مندوبة ، والمماثلة مفروضة ؛ فإن لم يرد يأثم ، وردُّ السلام أن يقول : وعليكم السلام ، والأفضل أن يقول : وعليكم السلام رحمة الله وبركاته .

                  إفشاء السلام
                  إفشاء السلام أعم من رده ، إذ هو يشمل إلقاء السلام ورده والدعوة إليه ؛ فالْإِفْشَاء الْإِظْهَار ، وَالْمُرَاد نَشْر السَّلَام بَيْنَ النَّاس لِيُحْيُوا سُنَّته ، ولا يشك عاقل في أن إفشاء بالسلام من عوامل التآلف بين الناس ، وإشاعة الأمن والمحبة فيما بينهم ، ولذلك حث النبي في أحاديث كثيرة على إفشاء السلام ونشره ، منها : ما رواه أحمد ومسلم وأهل السنن إلا النسائي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ : " لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا ، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا ، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ " ( 1 ) .
                  قال النووي - : قَوْله : " أَفْشُوا السَّلَام بَيْنكُمْ " فِيهِ الْحَثُّ الْعَظِيمُ عَلَى إِفْشَاء السَّلَام وَبَذْله لِلْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ ; مَنْ عَرَفْت , وَمَنْ لَمْ تَعْرِف , وَالسَّلَامُ أَوَّل أَسْبَاب التَّآلُّف , وَمِفْتَاح اِسْتِجْلَاب الْمَوَدَّة ؛ وَفِي إِفْشَائِهِ تَمَكَّنُ أُلْفَة الْمُسْلِمِينَ بَعْضهمْ لِبَعْضِ , وَإِظْهَار شِعَارهمْ الْمُمَيِّز لَهُمْ مِنْ غَيْرهمْ مِنْ أَهْل الْمِلَل , مَعَ مَا فِيهِ مِنْ رِيَاضَة النَّفْس , وَلُزُوم التَّوَاضُع , وَإِعْظَام حُرُمَات الْمُسْلِمِينَ ؛ وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّه فِي صَحِيحه عَنْ عَمَّار بْن يَاسِر  أَنَّهُ قَالَ : ثَلَاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الْإِيمَان : الْإِنْصَافُ مِنْ نَفْسك , وَبَذْل السَّلَام لِلْعَالَمِ , وَالْإِنْفَاق مِنْ الْإِقْتَار ( 2 ) ؛ وَبَذْل السَّلَام لِلْعَالَمِ , وَالسَّلَام عَلَى مَنْ عَرَفْت وَمَنْ لَمْ تَعْرِف , وَإِفْشَاء السَّلَام كُلّهَا بِمَعْنَى وَاحِد . وَفِيهَا لَطِيفَة أُخْرَى وَهِيَ أَنَّهَا تَتَضَمَّنُ رَفْع التَّقَاطُع وَالتَّهَاجُر وَالشَّحْنَاء وَفَسَاد ذَات الْبَيْن الَّتِي هِيَ الْحَالِقَة , وَأَنَّ سَلَامه لِلَّهِ لَا يَتْبَع فِيهِ هَوَاهُ , وَلَا يَخُصّ أَصْحَابه وَأَحْبَابه بِهِ . وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى أَعْلَم بِالصَّوَابِ .ا.هـ ( 3 ) .
                  وقَالَ اِبْن الْعَرَبِيُّ – : فِيهِ أَنَّ مِنْ فَوَائِد إِفْشَاء السَّلَام حُصُول الْمَحَبَّة بَيْنَ الْمُتَسَالِمَيْنِ ، وَكَانَ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ اِئْتِلَاف الْكَلِمَة لِتَعُمّ الْمَصْلَحَة بِوُقُوعِ الْمُعَاوَنَة عَلَى إِقَامَة شَرَائِع الدِّين وَإِخْزَاء الْكَافِرِينَ ، وَهِيَ كَلِمَة إِذَا سُمِعَتْ أَخْلَصَتْ الْقَلْب الْوَاعِي لَهَا عَنْ النُّفُور إِلَى الْإِقْبَال عَلَى قَائِلهَا .ا.هـ ( 4 ) .
                  هذا والعلم عند الله تعالى .

                  ( 1 ) - أحمد : 2 / 391 ، 442 ، 477 ، 495 ، 512 ، والبخاري في الأدب ( 980 ) ، ومسلم ( 54 ) ، وأبو داود ( 5193 ) ، والترمذي ( 2688 ) ، وابن ماجة ( 68 ، 3692 ) .
                  ( 2 ) انظر كتاب ( الإيمان ) بَاب ( إِفْشَاءُ السَّلَامِ مِنْ الْإِسْلَامِ ) وَقَالَ عَمَّارٌ : ثَلَاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الْإِيمَانَ : الْإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ وَبَذْلُ السَّلَامِ لِلْعَالَمِ وَالْإِنْفَاقُ مِنْ الْإِقْتَارِ . ووصله ابن أبي شيبة ( 30440 ) ، والبيهقي موقوفًا في شعب الإيمان ( 49 ) .
                  ( 3 ) انظر شرح مسلم : 2 / 36 .
                  ( 4 ) نقلا عن فتح الباري : 11 / 18 .
                  د . محمد عطية

                  تعليق


                  • #10
                    الأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ ، وَالنَّهْىُ عَنِ الْمُنْكَرِ
                    من حق الطريق وآدابه : لزوم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ؛ والمعروف : أمر جامع لكل ما عرف من طاعة الله تعالى والتقرب إليه والإحسان إلى الناس ، وكل ما ندب إليه الشرع من المحسنات ونهى عنه من المقبحات ؛ والمنكر ضد المعروف ، فهو كل ما قبحه الشرع وحرمه وكرهه .
                    وقد جعل الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أخص أوصاف المؤمنين ؛ فقال : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [ آل عمران : 110 ] ، وجعله فرقانًا بين المؤمنين والمنافقين ، فقال تعالى : وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ [ التوبة : 71 ] ، وقال سبحانه : الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُـرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمَعْرُوفِ [ التوبة : 67 ] .
                    والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو حصن الأمة الرئيس من الوقوع في المهلكات ؛ قال الله تعالى : وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [ الأنفال : 25 ] ، أي : اتقوا فتنة تتعدى الظالم فتصيب المسيء وغيره ، ولا تختص بمن باشر الذنب ، فيلحق الأذى من لم يقوِّموا عوج قومهم ، كيلا يحسبوا أن امتثالهم كاف إذا عصى دهماؤهم ؛ روى أحمد والترمذي عَنْ حُذَيْفَةَ  عَنِ النَّبِيِّ قَالَ : " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ " ( 1 ) ، وفي رواية عند أحمد : " أَوْ لَيُؤَمِّرَنَّ عَلَيْكُمْ شِرَارَكُمْ ثُمَّ يَدْعُو خِيَارُكُمْ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ " ( 2 ) ، وفي أخرى عنده : " أَوْ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْكُمْ قَوْمًا ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ " ( 3 ) .
                    قال ابن علان - : والخطاب للأمة الموجودين حقيقة ولمن سيأتي بطريق التبع ؛ وقوله : " لَيُوشِكَنَّ اللهُ " : أو عاطفة ، أي : ليكونن أحد الأمرين : إما امتثال ما أمرتم به ، أو وقوع ما أنذرتم به في قوله : " لَيُوشِكَنَّ اللهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ " ، بجور الولاة أو تسليط العداة ، أو غير ذلك من البلاء ؛ " ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ " ، لكون الحكمة الإلهية جعلته جزاء لما فرطتم فيه من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . انتهى المراد منه ( 4 ) .
                    وجاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أحاديث كثيرة جدًّا ، وينبغي أن يكون الأمر بمعروف بمعروف ، والنهي عن المنكر ليس بمنكر .
                    قال المهلب - : وإنما يلزم المؤمن تغيير المنكر ، وإغاثة الملهوف ، وعون الضعيف ما دفعت الحضرة إليه ، وليس عليه طلب ذلك ، إنما عليه ما حضر منها .ا.هـ .
                    هذا ، والعلم عند الله تعالى .

                    ( 1 ) حديث حسن : رواه أحمد : 3 / 388 ، 389 ، والترمذي ( 2169 ) وحسنه ، والبغوي في شرح السنة ( 4154 ) ، وله شاهد عند أحمد : 6 / 159، وابن ماجة ( 4004 ) ، وابن حبان ( 290 ) من حديث عائشة مرفوعًا : " مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم " ، وآخر رواه الطبراني في الأوسط ( 1367 ) عن ابن عمر ، وآخر ( 1379 ) عن أبي هريرة وفي أسانيدها ضعف .
                    ( 2 ) المسند : 3 / 390 وفيه أبو الرقاد وهو مجهول .
                    ( 3 ) المسند : 3 / 391 وإسناده حسن في الشواهد .
                    ( 4 ) دليل الفالحين : 1 / 481 .
                    د . محمد عطية

                    تعليق


                    • #11
                      تشميت العاطس إذا حمد الله
                      التشميت : التبرك ، تقول : شمَّته إذا دعا له بالبركة ، وقيل : دعاء له أن يصرف الله عنه ما يُشْمت به أعداءه ؛ وتشميت العاطس إذا حمد الله تعالى آدب عام في الإسلام ، وهو من آداب الطريق أيضا ؛ وذلك بأن يقول له : يرحمك الله ، فإن لم يحمد الله لم يشمته لإساءته ؛ فالتشميت مقيد بحمد العاطس لله تعالى ، فإن لم يحمد فلا يُشمت ؛ ففي الصحيحين عَنْ أَنَسِ قَالَ : عَطَسَ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ فَشَمَّتَ أَحَدَهُمَا وَلَمْ يُشَمِّتِ الْآخَرَ ، فَقِيلَ لَهُ ، فَقَالَ : " هَذَا حَمِدَ اللهَ ، وَهَذَا لَمْ يَحْمَدِ اللهَ " ( 1 ) ؛ وعند البخاري من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ : " إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ ، فَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللهَ فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يُشَمِّتَهُ " الحديث ( 2 ) ؛ وروى أحمد والبخاري وأبو داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ : " إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ : الْحَمْدُ للهِ ، وَلْيَقُلْ لَهُ أَخُوهُ أَوْ صَاحِبُهُ : يَرْحَمُكَ اللهُ ، فَإِذَا قَالَ لَهُ : يَرْحَمُكَ اللهُ ، فَلْيَقُلْ : يَهْدِيكُمُ اللهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ " ( 3 ) .

                      ( 1 ) - البخاري ( 6221 ، 6225 ) ، ومسلم ( 2991 ) .
                      ( 2 ) البخاري ( 3289 ، 6223 ، 6226 ) .
                      ( 3 ) أحمد : 2 / 353 ، والبخاري ( 6224 ) ، وأبو داود ( 5033 ) .
                      د . محمد عطية

                      تعليق


                      • #12
                        إرشاد السبيل
                        من حقوق الطريق وآدابه : إرشاد السبيل ؛ وهو أدب راق في التعامل مع من لا يعرف الطريق ، فيدله المسلم على طريقه ، وقد حث الإسلام على هذا الأدب لما فيه من الخير ، وجعل ذلك من الصدقات ، مما يدل على فضله ؛ فروى الترمذي وابن حبان من حديث أبي ذر مرفوعًا : " وَإِرْشَادُكَ الرَّجُلَ فِي أَرْضِ الضَّلَالِ لَكَ صَدَقَةٌ " ( 1 ) ، ولأحمد والبخاري في ( الأدب المفرد ) والترمذي من حديث البراء رفعه : " مَنْ مَنَحَ مَنِيحَةَ لَبَنٍ أَوْ مَنِيحَةَ وَرِقٍ ، أَوْ هَدَى زُقَاقًا ، فَهُوَ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ " ( 2 ) ، وقوله : " أَوْ هَدَى زُقَاقًا " قال : الترمذي - : يعني به هداية الطريق .ا.هـ . وهو إرشادُ السبيل ، والزُّقاقُ طريق نافذ وغير نافذ ضيِّق دون السِّكة ( 3 ) ؛ والمراد من دل الذي لا يعرفه عليه إذا احتاج إلى دخوله .
                        وبالجملة ، فإن مَنْ جلس بالطرقات معرض لأن يُسأل عن طريق أو عنوان بالمنطقة لم يُهتد له ؛ فيلزمه أن يدله عليه - إن كان يعرفه - أو يدله على من يمكن أن يعرفه .

                        ( 1 ) - الترمذي ( 1956 ) وحسنه ، وابن حِبان ( 474 ) عن أبي ذر  ، وصححه الألباني .
                        ( 2 ) جزء من حديث رواه أحمد : 4 / 300 واللفظ له ، ورواه البخاري في الأدب المفرد ( 890 ) ، والترمذي ( 1957 ) وصححه ، وابن حبان ( 5096 ) ، ورواه أحمد : 4 / 272 ، عن النعمان بن بشير .
                        ( 3 ) انظر لسان العرب باب القاف فصل الزاي .
                        د . محمد عطية

                        تعليق


                        • #13
                          هداية الضَّالِّ
                          الضالُّ يحتمل ضلال الطريق الحسي والمعنوي ، والأول سبق الحديث عنه ، والثاني هو الذي سماه الحافظ – : ( هداية الحيران ) وقد يحتمل الحيران – أيضًا – الذي ضل الطريق بعد تعب فأصبح حيرانًا ماذا يصنع ، فتكون له حالة خاصة واهتمام خاص ، وقد يُعرف هذا من عدم سؤاله وتردده بالمكان حيران لا يهتدي طريقه .
                          وأما هداية الضالِّ فهي الأخذ بيده إلى الحق ، فقد يرى من يجلس على الطريق ضالا يحاول الإفساد ، فعليه أن يحاول هدايته بأمره ونهيه ، وقد يدخل ذلك فيما سبق الحديث عنه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ ولكن هذه حالة خاصة - أيضًا - لذا أفردت ؛ إذ قد يفعل المنكر من يعلم أنه منكر ، فهذا عاص وإن كان فيه نوع ضلال ، وأما الضال فهو الذي يفعل منكرًا معتقدًا أنه معروف لجهله ، كالنصارى يعبدون عيسى  - وهو منهم براء - معتقدين صواب ذلك لجهلهم .
                          هذا ، والعلم عند الله تعالى .
                          د . محمد عطية

                          تعليق


                          • #14
                            إهداء الأعمى
                            الأعمى حالة خاصة - أيضًا - تحتاج مزيد اهتمام ، إذ قد تستدعي هدايته الأخذ بيده والسير معه حتى يوصله إلى المكان الذي يريد ؛ وهذا من الآداب العظيمة التي دعا إليها الإسلام ، وحذر من أن يُضلل الأعمى عن الطريق ، وعده من كبائر الذنوب التي توجب اللعن ، فعند أحمد وابن حبان والحاكم من حديث عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ : لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ ، لَعَنَ اللَّهُ مَنْ غَيَّرَ تُخُومَ الْأَرْضِ ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ كَمَهَ الْأَعْمَى عَنْ السَّبِيلِ ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ سَبَّ وَالِدَهُ ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ " ( 1 ) ؛ وما توعد عليه اللعن فهو من الكبائر ؛ والعلم عند الله تعالى .

                            ( 1 ) - أحمد : 1 / 309 ، وابن حبان ( 4417 ) ، والحاكم ( 8052 ) وصححه ، ووافقه الذهبي ، وصححه الألباني في الصحيحة ( 3462 ) .
                            د . محمد عطية

                            تعليق


                            • #15
                              حُسْنُ الْكَلاَمِ
                              حسن الكلام من آداب الطريق ، وهو أدب عام دعا إليه الإسلام ؛ قال الله تعالى : وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا [ الإسراء : 53 ] .
                              وهو أدب عام لمن يؤمن بالله واليوم الآخر ، ففي الصحيحين من حديث أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ مرفوعًا : " .. وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُتْ " ( 1 ) ؛ وفيهما عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ : " مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ " ( 2 ) .
                              والكلمة الطيبة يثاب عليها المسلم ، وتقدم حديث أبي هريرة في الصحيحين وفيه : " وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ " .
                              وحسن الكلام من موجبات الجنة ؛ فقد روى البخاري في الأدب المفرد والطبراني والحاكم عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ يُوجِبُ الْجَنَّةَ ، قَالَ : " عَلَيْكَ بِحُسْنِ الْكَلامِ ، وَبَذْلِ الطَّعَامِ " ( 3 ) ؛ وفي الصحيحين من حديث عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رفعه : " اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ " ( 4 ) .
                              ومعلوم أن من جلس على الطريق فقد تعرض لكلام الناس ، فليحسن لهم كلامه ويصلح شأنه ؛ قال القاضي عياض - : فيه ندب إلى حسن معاملة المسلمين بعضهم لبعض ، فإن الجالس على الطريق يمر به العدد الكثير من الناس فربما سألوه عن بعض شأنهم ووجه طرقهم ، فيجب أن يتلقاهم بالجميل من الكلام ، ولا يتلقاهم بالضجر وخشونة اللفظ ، وهو من جملة كف الأذى .ا.هـ .
                              وما أجمل ما خاطب به ابن مسعود لسانه فقال : يَا لِسَانُ ، قُلْ خَيْرًا تَغْنَمْ ، وَاسْكُتْ عَنْ شَرٍّ تَسْلَمْ ، مِنْ قَبْلِ أَنْ تَنْدَمَ ( 5 ) .

                              ( 1 ) - البخاري ( 6111 ) ، ومسلم ( 48 ) .
                              ( 2 ) البخاري ( 5672 ) ، ومسلم ( 47 ) .
                              ( 3 ) الأدب المفرد ( 811 ) وصححه الألباني ، والطبراني في الكبير : 22 / 180 ( 470 ) ، ورواه الحاكم ( 61 ) وصححه .
                              ( 4 ) البخاري ( 3400 ، 5677 ) ، ومسلم ( 1016 ) .
                              ( 5 ) رواه الطبراني في الكبير : 10 / 197 ( 10446 ، وروى نحوه أبو نعيم في ( حلية الأولياء : 1 / 328 ) عن ابن عباس .
                              د . محمد عطية

                              تعليق

                              19,959
                              الاعــضـــاء
                              231,913
                              الـمــواضـيــع
                              42,564
                              الــمــشـــاركـــات
                              يعمل...
                              X