إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • آداب الأخوة الخاصة

    آداب الأخوة الخاصة

    في دنيا الناس لابد للعاقل من أخ يؤاخيه ، أو صديق يصطفيه ، أو صاحب يصحبه ، أو خليل يقربه ، فإن الأخوة والصداقة والصحبة والخلة نافعة في الدنيا والآخرة إذا أسست على التقوى لله تعالى ، وأما إذا بنيت على غير ذلك فلا تنفع أصحابها يقينًا في الآخرة ، وإن أصابهم بعض نفع دنيوي من ورائها ؛ قال الله تعالى : ] الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [ [ الزخرف : 67 ].
    وفي الإسلام لهذه العلاقة ضوابط وحقوق وآداب ؛ ارتقت بها إلى أعلى مراتبها فيما عرفت البشرية .
    ما أحوج الإنسان إلى أخوة حقيقية في الله ، مجردة لوجهه تعالى ، مع أخ ينبهك إذا غفلت ، ويجدد همتك إذا فترت ، ويرافقك المسير في الطريق المستقيم .
    وفي رسالتنا هذه ( آداب الأخوة الخاصة ) نحاول أن نلقي الضوء على هذه العلاقة التي لا يستغني عنها عاقل في حياته .
    د . محمد عطية

  • #2
    متابعة معكم، جزاكم الله خيرا.

    تعليق


    • #3
      وجزاكِ - أختي الكريمة - مثله ، إنه جواد كريم .
      د . محمد عطية

      تعليق


      • #4
        تعريف الأخوة والإخوان
        الأُخُوَّةً مصدر من التَّآخي ، وهو اتَّخاذُ الأخَوانِ بينهما إخاءً وأُخُوَّةً ، يعني من أخوَّة الصَّداقة ؛ والإخوان : جمع أخ ، ويجمع إِخْوَةٌ أيضًا ، والأَخُ من النسَب معروف ، وقد يكون الصديقَ والصاحِبَ ، وأكثر ما يستعمل الإخوان في الأصدقاء ، والإخوة في الولادة ( 1 ) .
        وأخوة الصداقة والصحبة علاقة اجتماعية لها معان جليلة ؛ حتى شاع قولهم : رب أخٍ لك لم تلده أمك ؛ وعلى منوالها قال الشاعر :
        كـم مِن أخٍ لم يَلـدِهْ أبُوكا ... وأخٍ أبـوهُ أبوكَ قد يَجْفُوكا
        صافِ الكِرَامَ إذا أَردتَ إخاءَهم ... واعْلَم بأنَّ أخا الحِفاظ أُخوكا
        والناسُ ما استغنيتَ كُنتَ أخاهُمُ ... وإذَا افتقرتَ إليهمُ رَفَضُوكَا
        وقال المغيرة بن شعبة : التارك للإخوان متروك .ا.هـ .
        ( 1 ) انظر مفردات الراغب ( مادة : أ خ ) ، ولسان العرب باب الخاء فصل الهمزة .
        د . محمد عطية

        تعليق


        • #5
          الصاحب والصديق والخليل
          هذه ألفاظ تدخل في المعنى المراد بالأخوة ، فالأخ والصديق والصاحب والخليل كلمات تتقارب في المعنى ، وقد تتداخل حسب درجات الصداقة ؛ فقد ذهب الغزالي - - في ( إحياء علوم الدين ) إلى أن الصداقة تتفاوت ، فإنها إذا قويت صارت أخوة ، فإن ازدادت صارت محبة ، فإن ازدادت صارت خلة ؛ والخليل أقرب من الحبيب ؛ فالمحبة ، ما تتمكن من حبة القلب ، والخلة ما تتخلل سر القلب ؛ فكل خليل حبيب وليس كل حبيب خليلاً ؛ وتفاوت درجات الصداقة لا يخفى بحكم المشاهدة والتجربة .ا.هـ . ولذا فسنذكر معاني هذه الألفاظ :
          الصاحب :
          الصاد والحاء والباء أصلٌ واحدٌ يدلُّ على مقارَنة شيءٍ ومقاربته ؛ ومن ذلك الصَّاحب ؛ فالصاحب : الملازم ؛ ولا يقال في العرف إلا لمن كثرت ملازمته ، وقد قيل فيما بين الصاحب والأخ في التقارب في المعنى :
          ما ضاع من كان له صاحب ... يقدر أن يرفع من شانه
          وإنـما الـدنيا بسكانها ... وإنـما الـمرء بإخوانه
          الصديق :
          الصَّداقةُ والمُصادَقةُ : المُخالَّة ؛ وصادَقْتُه مُصادَقةً وصِداقًا خالَلْتُه ؛ والصَّداقةُ مصدر الصَّدِيق ، واشتقاقُه أَنه صَدَقَه المودَّة والنصيحةَ ؛ والصَّدِيقُ المُصادِقُ لك ، والجمع صُدَقاء وصُدْقانٌ وأَصْدِقاء وأَصادِقُ ؛ وقالَ الرّاغِبُ : الصَّداقَةُ : صِدْق الاعْتِقاد في المَوَدَّة ، وذلكَ مُخْتَصٌّ بالإنْسانِ دونَ غيْرِه .ا.هـ . قال ابن عطية : ولفظ ( الصديق ) يقتضي شدة مساهمة ونصرة ، وهو فعيل من صدق الود .ا.هـ ( 1 ) . فالصديق هو الصادق في ودادك الذي يهمه ما يهمك ؛ وإنما سمي الصديق صديقًا لصدقه فيما يدعيه من المودة ، وسمي العدو عدوًا لعَدْوِهِ عليك إذا ظفر بك ؛ وقِيلَ لِحَكِيمٍ : أَيُّمَا أَحَبُّ إلَيْك أَخُوك أَوْ صَدِيقُك ؟ قَالَ : أَخِي إذَا كَانَ صَدِيقًا .
          الخليل :
          اَلْخَلِيل : اَلصَّدِيق اَلْخَالِص اَلَّذِي تَخَلَّلَتْ مَحَبَّتُهُ اَلْقَلْبَ فَصَارَتْ فِي خِلَالِهِ ، أَيْ : فِي بَاطِنِهِ ؛ وَنقل النووي عن ابْن الْأَنْبَارِيِّ قَالَ : الْخَلِيل : مَعْنَاهُ الْمُحِبُّ الْكَامِل الْمَحَبَّة ، وَالْمَحْبُوب الْمُوَفِّي بِحَقِيقَةِ الْمَحَبَّة ، اللَّذَانِ لَيْسَ فِي حُبِّهمَا نَقْص وَلَا خَلَل .ا.هـ . وَقال الحافظ ابن حجر - : قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ : الْخَلِيل هُوَ الَّذِي يُوَافِقك فِي خِلَالك وَيُسَايِرك فِي طَرِيقك ، أَوْ الَّذِي يَسُدُّ خَلَلَكَ وَتَسُدُّ خَلَلَهُ ، أَوْ يُدَاخِلك خِلَال مَنْزِلك .ا.هـ . وَقِيلَ : أَصْل الْخُلَّة اِنْقِطَاع الْخَلِيل إِلَى خَلِيله ، وَقِيلَ : الْخَلِيل مَنْ يَتَخَلَّلهُ سِرُّك ، وَقِيلَ : مَنْ لَا يَسَع قَلْبه غَيْرَك ، وَقِيلَ : أَصْل الْخُلَّة الِاسْتِصْفَاء ، وَقِيلَ : الْمُخْتَصُّ بِالْمَوَدَّةِ ، وَقِيلَ : اِشْتِقَاق الْخَلِيل مِنْ الْخَلَّة بِفَتْحِ الْخَاء وَهِيَ الْحَاجَة ، فَعَلَى هَذَا فَهُوَ الْمُحْتَاج إِلَى مَنْ يُخَالُّهُ ، وَهَذَا كُلُّه بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِنْسَان ؛ أَمَّا خُلَّةُ اللَّه تَعَالَى لِلْعَبْدِ فَبِمَعْنَى نَصْره لَهُ وَمُعَاوَنَته ( 2 ) .
          فالخُلَّةُ ( بالضم ) : صفاء المودة وتخللها في القلب ، وقيل : إنما سميت خلة لتخلل المحبة جميع أجزاء الروح ؛ كما قيل في ذلك :
          قَدْ تَخَلَّلْتَ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي ... وَبِهِ سُمِّيَ الْخَلِيلُ خَلِيلًا
          وقال آخر:
          هُمُومُ رِجَـالٍ فِي أُمُـورٍ كَثِيرَةٍ ... وَهَمِّي مِنْ الدُّنْيَا صَـدِيقٌ مُسَاعِدُ
          نَكُونُ كَرُوحٍ بَيْنَ جِسْمَيْنِ قُسِّمَتْ ... فَجِسْمَاهُمَا جِسْمَانِ وَالرُّوحُ وَاحِدُ
          وقوله تعالى : وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً [ النساء : 125 ] ؛ قيل : سماه بذلك لافتقاره إليه سبحانه في كل حال ؛ وقال الحافظ ابن حجر - : وَالْخَلِيل فَعِيل بِمَعْنَى فَاعِل ، وَهُوَ مِنْ الْخُلَّة بِالضَّمِّ وَهِيَ الصَّدَاقَةُ وَالْمَحَبَّة الَّتِي تَخَلَّلَتْ الْقَلْب فَصَارَتْ خِلَاله ؛ وَهَذَا صَحِيح بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا فِي قَلْب إِبْرَاهِيم مِنْ حُبّ اللَّه تَعَالَى ؛ وَأَمَّا إِطْلَاقه فِي حَقّ اللَّه تَعَالَى فَعَلَى سَبِيل الْمُقَابَلَة ، وَقِيلَ : الْخُلَّة أَصْلهَا الِاسْتِصْفَاء ، وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يُوَالِي وَيُعَادِي فِي اللَّه تَعَالَى ، وَخُلَّة اللَّهِ لَهُ نَصْره وَجَعْله إِمَامًا ، وَقِيلَ : مُشْتَقّ مِنْ الْخَلَّة ( بِفَتْح الْخاء ) ؛ وَهِيَ الْحَاجَة ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِانْقِطَاعِهِ إِلَى رَبِّه وَقَصْرهِ حَاجَته عَلَيْهِ ( 3 ) .
          وأما ما رواه أحمد وابن ماجه عَنْ ابن مسعود قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : " أَلَا إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى كُلِّ خَلِيلٍ مِنْ خُلَّتِهِ ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا ؛ إِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ " ( 4 ) ؛ ففيه فوائد ؛ منها :
          1 – إنَّما قال ذلك لأن خُلَّتَه كانت مَقْصُورَة على حُبِّ الله تعالى ، فليس فيها لِغَيرِه مُتَّسَع ولا شَرِكَة من مَحابِّ الدنيا والآخرة ؛ وهذه حَال شَرِيفَة لا يَنَالها أحدٌ بِكسْب واجْتِهاد فإنَّ الطِّبَاع غالبَة ، وإنَّما يَخُصُّ اللَّه بها من يشاء من عِبَاِده مِثْل سَيِّد المرسلين صلوات اللّه وسلامه عليه ( 5 ) .
          2 - أن أبا بكر متأهل لأن يتخذه خليلا لولا المانع المذكور ، وهو أنه امتلأ قلبه بما تخلله من معرفة الله تعالى ومحبته ومراقبته .
          3 - وقَوْل أبي ذر : ( أَوْصَانِي خَلِيلِي ) ؛ لَا يُخَالِفُ قَوْله : " وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا " ؛ لِأَنَّ الْمُمْتَنَع أَنْ يَتَّخِذَ النَّبِيُّ  غَيْرَهُ خَلِيلًا ، وَلَا يَمْتَنِع اِتِّخَاذ الصَّحَابِيِّ وَغَيْره النَّبِيَّ  خَلِيلًا ؛ أفاده النووي وغيره( 6 ) .
          وأما قول الكافر يوم القيامة : يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلاً  [ الفرقان : 28 ] ؛ فتنبيهًا على أن كل إنسان يندم على من خاللـه وصاحبه في تحري باطل فيقول : ليتني لم أخاللـه ؛ وذلك إشارة إلى ما قال تعالى : الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [ الزخرف : 67 ] ؛ كما فيه بيان إلى أن الخلة النافعة هي ما كانت مبنية على التقوى لله تعالى ؛ ولله در القائل :
          وكل خليل ليس في الله وده ... فإني به في وده غير واثق
          وَقَالَ آخَرُ :
          مَنْ لَمْ يَكُنْ فِي اللَّهِ خِلَّتُهُ ... فَخَلِيلُهُ مِنْهُ عَلَى خَطَرِ
          وَقَالَ آخَرُ :
          إذا لَمْ أجدْ خِلًّا تقيًّا فَوَحْدَتي ... أَلَذُّ وأَشَهَى مِنْ غَويٍّ أعاشرُه
          وأَجلسُ وحدي للعبادةِ آمِنًا ... أَقَرُّ لعيني مِنْ جَليسٍ أحـاذرُه

          ( 1 ) انظر المحرر الوجيز لابن عطية عند تفسير الآية ( 101 ) من سورة الشعراء .
          ( 2 ) انظر مفردات الراغب ، والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير ( مادة خ ل ل ) ولسان العرب باب اللام فصل الخاء ، والمنهاج شرح مسلم بن الحجاج للنووي : 3 / 56 ، وفتح الباري : 7 / 23 .
          ( 3 ) انظر فتح الباري : 6 / 389 .
          ( 4 ) أحمد : 1 / 377 ، 389 ، وابن ماجة ( 93 ) ، والنسائي في الكبرى ( 8105 ) .
          ( 5 ) انظر النهاية في غريب الحديث والأثر ( مادة خ ل ل )
          ( 6 ) انظر شرح مسلم للنووي : 5 / 234 ، وفتح الباري لابن حجر : 3 / 57 .
          د . محمد عطية

          تعليق


          • #6
            ومن لطائف الشعر في ذلك : ومن لم يغمض عينه عن صديقه 00 وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتب
            ومن يتتبع جاهدا كل عثرة 00يجدها ولا يسلم له الدهر صاحب
            00000000
            ما اقبح الود يدنيه ويبعده 00بين الصديقين إقلال وإكثار
            د.محمد الصاعدي
            الأستاذ المساعد بجامعة الباحة

            تعليق


            • #7
              شكر الله لأخي د. محمد مروره وإضافته ، وجزاه عني خيرا .
              د . محمد عطية

              تعليق


              • #8
                ألفاظ تتفاوت في المعنى
                اخْتُلِفَ فِي الْمَوَدَّة وَالْخُلَّة وَالْمَحَبَّة ؛ هل هِيَ مُتَرَادِفَة أَوْ مُخْتَلِفَة ؟ قَالَ أَهْل اللُّغَة : الْخُلَّة أَرْفَع رُتْبَة ، وَهُوَ الَّذِي يُشْعِر بِهِ قَوْله e : " لَوْ كُنْت مُتَّخِذًا خَلِيلًا غَيْر رَبِّي " فَإِنَّهُ يُشْعِر بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ خَلِيل مِنْ بَنِي آدَم ؛ وَقَدْ ثَبَتَتْ مَحَبَّته لِجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابه كَأَبِي بَكْر وَفَاطِمَة وَعَائِشَة وَالْحَسَنَيْنِ وَغَيْرهمْ ، وَلَا يُعَكِّر عَلَى هَذَا اِتِّصَاف إِبْرَاهِيم u بِالْخُلَّةِ ، وَمُحَمَّد e بِالْمَحَبَّةِ ، فَتَكُون الْمَحَبَّةُ أَرْفَعَ رُتْبَة مِنْ الْخُلَّة ؛ لِأَنَّهُ يُجَاب عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ مُحَمَّدًا e قَدْ ثَبَتَ لَهُ الْأَمْرَانِ مَعًا ، فَيَكُون رُجْحَانه مِنْ الْجِهَتَيْنِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ( [1] ) .

                [1] - انظر فتح الباري : 7 / 23 ح باختصار .
                د . محمد عطية

                تعليق


                • #9
                  أنواع الأخوة

                  تنقسم الأخوة إلى أخوة عامة ، وأخوة خاصة ؛ أما الأولى فيشترك فيها كل مسلم آمن بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًّا ورسولًا ، وهذه الأخوة لها حقوق وآداب عامة .
                  وأما الأخوة الخاصة ؛ فهي بين الإنسان وبين من يتخذه من أخ وصاحب وصديق وخليل ؛ وهذه مع ما لها من الحقوق والآداب العامة ، لها حقوق وآداب خاصة ؛ وسأتناول ذلك بشيء من التفصيل في هذه الرسالة ، والله المستعان .
                  د . محمد عطية

                  تعليق


                  • #10
                    آداب اختيار الصديق


                    من تؤاخي - تصاحب - تصادق - تخالل ؟

                    عرفت الدنيا إخوة حقٍّ ، وصحبة ودٍّ ، وصداقة صدق ، وخلة وفاء ؛ وعرفت - أيضًا - إخوة غش ، وصحبة مصلحة ، وصداقة أغراض ، وخلة غدر ؛ ذلك لاختلاف معادن الناس واختلاف أغراضهم في إقامة هذه العلاقة أو تلك .
                    والأخ الصادق ، والصاحب الودود ، والصديق الحميم ، والخل الوفي ، ينفعون في الدنيا والآخرة ؛ قال الله تعالى : ] الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [ [ الزخرف:67]؛ وقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ : لَقَدْ عَظُمَتْ مَنْزِلَةُ الصَّدِيقِ عِنْدَ أَهْلِ النَّارِ ؛ أَلَمْ تَسْمَعْ إلَى قَوْله تَعَالَى حَاكِيًا عَنْهُمْ : ] فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ . وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ [ [ الشعراء : 100 ، 101 ] ؛ وقال قتادة : يعلمون - والله - أن الصديق إذا كان صالحًا نفع ، وأن الحميم إذا كان صالحًا شفع .ا.هـ.
                    والصديق الحميم هو القريب المشفق ؛ قال القرطبي : والحميم القريب والخاص ، ومنه حامة الرجل أي أقرباؤه ؛ وأصل هذا من الحميم وهو الماء الحار ؛ فحامة الرجل الذين يحرقهم ما أحرقه .ا.هـ . وقال ابن عطية : والحميم : الولي والقريب الذي يخصك أمره ويخصه أمرك ، وحامة الرجل خاصته ( [1] ) .
                    وروى أحمد - واللفظ له - والشيخان والنسائي وابن ماجة عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e : " إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَمِنُوا ، فَمَا مُجَادَلَةُ أَحَدِكُمْ لِصَاحِبِهِ فِي الْحَقِّ يَكُونُ لَهُ فِي الدُّنْيَا بِأَشَدَّ مُجَادَلَةً لَهُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ فِي إِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ أُدْخِلُوا النَّارَ ؛ يَقُولُونَ : رَبَّنَا ، إِخْوَانُنَا كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَنَا ، وَيَصُومُونَ مَعَنَا ، وَيَحُجُّونَ مَعَنَا ، فَأَدْخَلْتَهُمْ النَّارَ ؟ فَيَقُولُ : اذْهَبُوا فَأَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ ؛ فَيَأْتُونَهُمْ فَيَعْرِفُونَهُمْ بِصُوَرِهِمْ ، لَا تَأْكُلُ النَّارُ صُوَرَهُمْ ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ النَّارُ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ إِلَى كَعْبَيْهِ ، فَيُخْرِجُونَهُمْ ، فَيَقُولُونَ : رَبَّنَا ، أَخْرَجْنَا مَنْ أَمَرْتَنَا ؛ ثُمَّ يَقُولُ : أَخْرِجُوا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ وَزْنُ دِينَارٍ مِنْ الْإِيمَانِ ، ثُمَّ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ وَزْنُ نِصْفِ دِينَارٍ ، حَتَّى يَقُولَ : مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ " قَالَ أَبُو سَعِيدٍ : فَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْ بِهَذَا فَلْيَقْرَأْ هَذِهِ الْآيَةَ : ] إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا [ ( [2] ) .
                    ولهذا كان الحسن يقول : استكثروا من الأصدقاء المؤمنين فإن لهم شفاعة يوم القيامة ( [3] ) .
                    وروى أحمد والترمذي وحسنه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - – قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e : " خَيْرُ الْأَصْحَابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ " ؛ قال المناوي في ( فيض القدير ) : الصاحب يقع على الأدنى والأعلى والمساوي في صحبة دين أو دنيا سفرًا أو حضرًا ؛ فخيرهم عند الله منزلة وثوابًا فيما اصطحبا أكثرهما نفعًا لصاحبه ، وإن كان الآخر قد يفضله في خصائص أخر .ا.هـ .
                    ومن هنا يجب على العاقل أن يختار أخاه وصديقه وصاحبه وخليله ؛ وسنحاول أن نذكر أهم ما ترتكز عليه هذه العلاقة لتكون صالحة منجية لصاحبها ، نافعة له في الدنيا والآخرة .
                    ويجمل الإمام الغزالي في كتابه ( بداية الهداية ) ما يلزم الإخوان والأصدقاء في وظيفتين :
                    الوظيفة الأولى : شروط الصحبة والصداقة .
                    الوظيفة الثانية : مراعاة حقوق الصحبة .
                    ولنبدأ في الحديث عن الوظيفة الأولى ، وهي : شروط الصحبة والصداقة :

                    [1] - انظر تفسير القرطبي ، وتفسير ابن عطية عند تفسير الآية ( 101 ) من سورة الشعراء .

                    [2] - أحمد : 3 / 94 ، والبخاري ( 7740 ) ، ومسلم ( 183 ) ، والنسائي ( 5010 ) ، وابن ماجة ( 60 ) .

                    [3] - ذكره البغوي في تفسيره عند تفسير الآية ( 100 ) من سورة الشعراء .
                    د . محمد عطية

                    تعليق


                    • #11
                      1 - لا تصاحب إلا مؤمنًا
                      روى أحمد وأبو داود والترمذي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ t أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ e يَقُولُ : " لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا ؛ وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ " ( [1] ) ؛ وقَوْلُهُ : " لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا " أَيْ : كَامِلًا صادقًا ، أَوْ الْمُرَادُ مِنْهُ النَّهْيُ عَنْ مُصَاحَبَةِ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ ؛ لِأَنَّ مُصَاحَبَتَهُمْ مَضَرَّةٌ فِي الدِّينِ ، فَالْمُرَادُ بِالْمُؤْمِنِ مِنْ جِنْسِ الْمُؤْمِنِينَ ؛ وَإِنَّمَا حَذَّرَ e مِنْ صُحْبَة مَنْ لَيْسَ بِتَقِيٍّ ، وَزَجَرَ عَنْ مُخَالَطَته وَمُؤَاكَلَته ، لِأَنَّ الْمُخَالَطَةَ وَالْمُطَاعَمَة تُوقِعُ الْأُلْفَة وَالْمَوَدَّة فِي الْقُلُوب ؛ بل هي أوثق عرى المداخلة ، ومخالطة غير التقي يخل بالدين ، ويوقع في الشبه والمحظورات ، فكأنه ينهى عن مخالطة الفجار ، إذ لا تخلو عن فساد إما بمتابعة في فعل ، أو مسامحة في إغضاء عن منكر ، فإن سلم من ذلك - ولا يكاد - فلا تخطئه فتنة الغير به ، وليس المراد حرمان غير التقي من الإحسان لأن المصطفى e أطعم المشركين ، وأعطى المؤلفة المئين ، بل يطعمه ولا يخالطه ؛ فالمعنى لا تصاحب إلا مطيعًا ولا تخالل إلا تقيًّا ( [2] ) .
                      وأمر آخر وهو أن الصاحب يتأثر - غالبًا - بصحبته ، لأن الطباع سرَّاقة ، فالطبع يسرق من الطبع من حيث لا يدري ؛ وقَالَ الْغَزَالِيُّ - : مُجَالَسَةُ الْحَرِيصِ وَمُخَالَطَتُهُ تُحَرِّكُ الْحِرْصَ ، وَمُجَالَسَةُ الزَّاهِدِ وَمُخَالَلَتُهُ تُزْهِدُ فِي الدُّنْيَا ؛ لِأَنَّ الطِّبَاعَ مَجْبُولَةٌ عَلَى التَّشَبُّهِ وَالِاقْتِدَاءِ ؛ بَلْ الطَّبْعُ يَسْرِقُ مِنْ الطَّبْعِمِنْحَيْثُلَايَدْرِي.ا.هـ([3])؛ وللخوارزمي :
                      لا تَصْحَبِ الكسلانَ في حَالاتِهِ ... كَمْ صالحٍ بفسادِ آخرِ يِفْسَدُ
                      عَدوَى البليدِ إلى الجليدِ سَريعةٌ ...والنارُ تُوضَعُ في الرمادِ فتخمدُ
                      وهذا أمر معلوم بالضرورة من الحياة ؛ فالصاحب ساحب ؛ وكان يقال : ما شيءٌ أسرع في فساد رجل وصلاحه من صاحبه ؛ ويُظَنُّ بِالْمَرْءِ مَا يُظَنُّ بِقَرِينِهِ ؛ وَقَالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ :
                      عَنْ الْمَرْءِ لَا تَسْأَلْ وَسَلْ عَنْ قَرِينِهِ ... فَكُـلُّ قَـرِينٍ بِالْمُقَارَنِ يَقْـتَدِي
                      إذَا كُنْتَ فِي قَوْمٍ فَصَاحِبْ خِيَارَهُمْ ... وَلَا تَصْحَبْ الْأَرْدَى فَتَرْدَى مَعَ الرَّدِي
                      وقال أبو العتاهية :
                      من ذا الذي يخفي عليك ... إذا نظرت إلى قرينه
                      وكان يقال : الصاحب للصاحب كالرقعة للثوب ، إن لم تكن مثله شانته ؛ ومن هنا قال الشاعر :
                      وما صاحب الإنسان إلا كرقعةٍ على ثوبه فليتخذه مشاكلا
                      ولذلك فكامل الإيمان أولى بالمصاحبة ، ومن ثم قيل : صحبة الأخيار تورث الخير وصحبة الأشرار تورث الشر ، كالريح إذا مرت على النتن حملت نتنًا ، وإذا مرت على الطيب حملت طيبًا ، وصدق من قال :
                      ولا يصحب الإنسان إلا نظيره ... وإن لم يكونوا من قبيل ولا بلد
                      وصحبة من لا يخاف الله لا تؤمن غائلتها ، لتغيره بتغير الأعراض ؛ قال تعالى :
                      ] وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [ [ الكهف : 28 ] .
                      وفي هذا السياق ما رواه أحمد وأبو داود والترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t أَنَّ النَّبِيَّ e قَالَ : " الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ " ( [4] ) ؛ قال ابن عبد البر في ( بهجة المجالس وأنس المجالس ) : وهذا معناه - والله أعلم - أن المرء يعتاد ما يراه من أفعال من صحبه ، والدين العادة ، فلهذا أمر ألا يصحب إلا من يرى منه ما يحلُّ ويجمل .ا.هـ .

                      [1] - أحمد : 3 / 38 ، وأبو داود ( 4832 ) ، والترمذي ( 2395 ) وحسنه ، وصححه ابن حبان ( 554 ، 560 ) ، والحاكم ( 7169 ) .

                      [2] - انظر فيض القدير : 6 / 404 ، 405 .

                      [3] - نقلا عن تحفة الأحوذي : 7 / 42 .

                      [4] - أحمد : 2 / 303 ، 334 ، وأبو داود ( 4833 ) ، والترمذي ( 2378 ) ، وحسنه ، وصححه الحاكم ( 7319،7320).
                      د . محمد عطية

                      تعليق


                      • #12
                        2 - اختبار من تريد أن تؤاخيه
                        لما كان الصاحب مناسب ؛ وكان الناس مختلفين في عقولهم وأفهامهم وطبائعهم وأخلاقهم ، كان لابد لمن أراد أن يصاحب أن يتلمس من يناسبه ، ولا يكون ذلك إلا باختباره وسبر أخلاقه ، فبذلك يعرف المناسب من غير المناسب ؛ قال الماوردي في ( أدب الدنيا والدين ) : فَأَوَّلُ أَسْبَابِ الْإِخَاءِ : التَّجَانُسُ ( 1 ) فِي حَالٍ يَجْتَمِعَانِ فِيهَا وَيَأْتَلِفَانِ بِهَا ، فَإِنْ قَوِيَ التَّجَانُسُ قَوِيَ الِائْتِلَافُ بِهِ وَإِنْ ضَعُفَ كَانَ ضَعِيفًا مَا لَمْ تَحْدُثْ عِلَّةٌ أُخْرَى يَقْوَى بِهَا الِائْتِلَافُ ؛ وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الِائْتِلَافَ بِالتَّشَاكُلِ ، وَالتَّشَاكُلُ بِالتَّجَانُسِ ، فَإِذَا عُدِمَ التَّجَانُسُ مِنْ وَجْهٍ انْتَفَى التَّشَاكُلُ مِنْ وَجْهٍ ، وَمَعَ انْتِفَاءِ التَّشَاكُلِ يُعْدَمُ الِائْتِلَافُ .
                        فَثَبَتَ أَنَّ التَّجَانُسَ ، وَإِنْ تَنَوَّعَ ، أَصْلُ الْإِخَاءِ وَقَاعِدَةُ الِائْتِلَافِ ؛ وعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - عَنْ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَالَ : " الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ " ( 2 ) ؛ وَهَذَا وَاضِحٌ ، وَهِيَ- أي الأرواح - بِالتَّجَانُسِ مُتَعَارِفَةٌ ، وَبِفَقْدِهِ مُتَنَاكِرَةٌ ؛ وَقِيلَ فِي مَنْثُورِ الْحِكَمِ : الْأَضْدَادُ لَا تَتَّفِقُ ، وَالْأَشْكَالُ لَا تَفْتَرِقُ .ا.هـ . فمن هنا كان لابد من الاختبار لمعرفة المناسب المجانس للائتلاف والتصاحب ؛ وقد قيل : مَنْ لَمْ يُقَدِّمْ الِامْتِحَانَ قَبْلَ الثِّقَةِ ، وَالثِّقَةَ قَبْلَ أُنْسٍ ، أَثْمَرَتْ مَوَدَّتُهُ نَدَمًا ؛ فعليك بامتحان من أردت صحبته لا لكشف عورة بل لمعرفة الحق ؛ وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ :
                        لَا تَحْمَدَنَّ امْرَأً حَتَّى تُجَرِّبَهُ وَلَا تَذُمَّنَّهُ مِنْ غَيْرِ تَجْرِيبِ
                        فَحَمْدُك الْمَرْءَ مَا لَمْ تُبْلِهِ خَطَأٌ وَذَمُّهُ بَعْدَ حَمْدٍ شَرُّ تَكْذِيبِ
                        يقول الإمام الغزالي في ( إحياء علوم الدين ) : ينبغي أن يكون فيمن تؤثر صحبته خمس خصال : أن يكون عاقلاً ، حسن الخلق ، غير فاسق ولا مبتدع ، ولا حريصًا على الدنيا .ا.هـ . ويمكن اختزال هذه الخمس في ثلاث : الدين والعقل ، وحسن الخلق ؛ فذو الدين لا يكون فاسقًا ولا مبتدعًا ولا حريصًا على الدنيا .
                        فأول ما يختبر به من تريد مؤاخاته هو ما تقوم الصحبة النافعة عليه ، وهو الدين الْوَاقِفُ بِصَاحِبِهِ عَلَى الْخَيْرَاتِ ، فَإِنَّ تَارِكَ الدِّينِ عَدُوٌّ لِنَفْسِهِ ، فَكَيْفَ يُرْجَى مِنْهُ مَوَدَّةُ غَيْرِهِ ؟ ( 3 ) وقد قال الله تعالى : وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ [ لقمان : 15 ] ؛ وقال  : وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً [ الكهف : 28 ] .
                        وقال علي بن أبي طالب : لا تؤاخ الفاجر ؛ فإنه يزين لك فعله ، ويحب أن لك مثله ، ويزين لك أسوأ خصاله ، ومدخله عليك ومخرجه من عندك شين وعار ؛ ولا الأحمق فإنه يجهد نفسه لك ولا ينفعك ، وربما أراد أن ينفعك فيضرك ، فسكوته خير من نطقه ، وبعده خير من قربه ، وموته خير من حياته ؛ ولا الكذَّاب ، فإنه لا ينفعك معه عيش ، ينقل حديثك ، وينقل الحديث إليك ؛ وإن تحدث بالصدق فما يُصَدَّق( 4 ) ؛ وقال بعض العلماء : لا تصحب إلا أحد رجلين : رجل تتعلم منه شيئًا من أمر دينك فينفعك ، أو رجل تعلمه شيئًا في أمر دينه فيقبل منك ، والثالث فاهرب منه .
                        ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
                        1 - مراده من التجانس أن يكونا متفقين في الصفات ، فالصادق مثلا لا يمكن أن يصاحب كاذبا .. وهكذا .
                        2 – حديث عائشة أخرجه البخاري في صحيحه معلقا : كتاب ( أحاديث الأنبياء ) في ترجمة باب ( الأرواح جنود مجندة ) ، ووصله في الأدب ( 90 ، 901 ) ووصله أيضًا أبو يعلى ( 4381 ) ؛ والحديث رواه رواه أحمد : 2 / 295 ، 527 ، والبخاري في الأدب ( 902 ) ، ومسلم ( 2638 ) ، وأبو داود ( 4834 ) ، وابن حبان ( 6168 ) عن أبي هريرة ؛ ورواه الطبراني في الأوسط (1577 ) عن سلمان ؛ ورواه الطبراني في الكبير : 9 / 185 ( 8912 ) عن ابن مسعود .
                        3 - هذه الجملة مقتبسة من كلام الإمام الماوردي في ( أدب الدنيا والدين ) .
                        4 - تاريخ دمشق لابن عساكر : 42 / 516 .
                        د . محمد عطية

                        تعليق


                        • #13
                          اختبار من تريد أن تؤاخيه ( 2 )
                          قدمنا أن أول الأمور في اختبار الأخ والصديق والخل : الدين ؛ والأمر الثاني : العقل : فإن مصاحبة الأحمق ضارة ، فلا خير في صحبته ، فإلى الوحشة والقطيعة ترجع عاقبتها وإن طالت ؛ وكان يقال : قطيعة الأحمق مثل صلة العاقل ؛ وقد قيل : عدو عاقل خير من صديق جاهل ، وإنما يعنون بالجهل هنا - غالبًا - الحمق ؛ ويعد الماوردي في ( أدب الدنيا والدين ) العقل أول ما يختبر به الصديق فيقول - : عَقْلٌ مَوْفُورٌ يَهْدِي إلَى مَرَاشِدِ الْأُمُورِ ، فَإِنَّ الْحُمْقَ لَا تَثْبُتُ مَعَهُ مَوَدَّةٌ ، وَلَا تَدُومُ لِصَاحِبِهِ اسْتِقَامَةٌ ؛ وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ : عَدَاوَةُ الْعَاقِلِ أَقَلُّ ضَرَرًا مِنْ مَوَدَّةِ الْأَحْمَقِ ؛ لِأَنَّ الْأَحْمَقَ رُبَّمَا ضَرَّ وَهُوَ يَقْدِرُ أَنْ يَنْفَعَ ، وَالْعَاقِلُ لَا يَتَجَاوَزُ الْحَدَّ فِي مَضَرَّتِهِ ، فَمَضَرَّتُهُ لَهَا حَدٌّ يَقِفُ عَلَيْهِ الْعَقْلُ ، وَمَضَرَّةُ الْجَاهِلِ لَيْسَتْ بِذَاتِ حَدٍّ ؛ وَالْمَحْدُودُ أَقَلُّ ضَرَرًا مِمَّا هُوَ غَيْرُ مَحْدُودٍ ؛ وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ :
                          إذَا مَا كُنْت مُتَّخِذًا خَلِيلًا ... فَلَا تَثِقَنَّ بِكُلِّ أَخِي إخَاءِ
                          فَإِنْ خُيِّرْت بَيْنَهُمْ فَأَلْصِقْ ... بِأَهْلِ الْعَقْلِ مِنْهُمْ وَالْحَيَاءِ
                          فَإِنَّ الْعَقْلَ لَيْسَ لَهُ إذَا مَا ... تَفَاضَلَتْ الْفَضَائِلُ مِنْ كِفَاءِ ا.هـ .
                          وقال غيره :
                          المرءُ يجمعُ والزمانُ يُفَرِّقُ ... ويَظَلُّ يُرْقِعُ والْخُطُوبُ تُمزقُ
                          ولأنْ يُعادي عاقلاً خيرٌ لهُ ... مِنْ أنْ يكونَ لهُ صديقٌ أحمقُ
                          فارغبْ بنفسك لا تصادق أحمقًا ... إنَّ الصديقَ على الصديقِ مصدقُ
                          وقال زين العابدين علي بن الحسين يوصي ابنه : لا تصحبن خمسة ولا تحادثهم ولا ترافقهم في طريق ، قال : قلت : جعلت فداك يا أبه ، من هؤلاء الخمسة ؟ قال : لا تصحبن فاسقًا فإنه بائعك بأكلة فما دونها ، قال : قلت : يا أبه وما دونها ؟ قال : يطمع فيها ثم لا ينالها ؛ قال : قلت : يا أبه ومن الثاني ؟ قال : لا تصحبن البخيل فإنه يقطع بك في ماله أحوج ما كنت إليه ، قال : قلت : يا أبه ومن الثالث ؟ قال : لا تصحبن كذابًا فإنه بمنزلة السراب يبعد منك القريب ويقرب منك البعيد ، قال : قلت : يا أبه ومن الرابع ؟ قال : لا تصحبن أحمق فإنه يريد أن ينفعك فيضرك ، قال : قلت : يا أبه ومن الخامس ؟ قال : لا تصحبن قاطع رحم ، فإني وجدته ملعونًا في كتاب الله تعالى في ثلاثة مواضع( 1 ) .
                          ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
                          - حلية الأولياء : 3 / 184 ؛ ويلاحظ أنها قريبة من نصيحة جده علي  ، فهم ذرية بعضها من بعض .
                          د . محمد عطية

                          تعليق


                          • #14
                            اختبار من تريد أن تؤاخيه ( 3 )
                            الأمر الثالث : محاسن الأخلاق ؛ فلابد أَنْ يَكُونَ الصاحب والصديق - كما يقول الماوردي - مَحْمُودَ الْأَخْلَاقِ مَرَضِيَّ الْأَفْعَالِ ، مُؤْثِرًا لِلْخَيْرِ آمِرًا بِهِ ، كَارِهًا لِلشَّرِّ نَاهِيًا عَنْهُ ، فَإِنَّ مَوَدَّةَ الشِّرِّيرِ تُكْسِبُ الْأَعْدَاءَ وَتُفْسِدُ الْأَخْلَاقَ ؛ وَلَا خَيْرَ فِي مَوَدَّةٍ تَجْلِبُ عَدَاوَةً وَتُورِثُ مَذَمَّةً ، فَإِنَّ الْمَتْبُوعَ تَابِعُ صَاحِبِهِ ؛ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَزِّ : إخْوَانُ الشَّرِّ كَشَجَرِ النَّارِنْجِ يُحْرِقُ بَعْضُهَا بَعْضًا ؛ وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ : صُحْبَةُ الْأَشْرَارِ تُورِثُ سُوءَ الظَّنِّ بِالْأَخْيَارِ ؛ وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ : مِنْ خَيْرِ الِاخْتِيَارِ صُحْبَةُ الْأَخْيَارِ ، وَمِنْ شَرِّ الِاخْتِيَارِ صُحْبَةُ الْأَشْرَارِ .ا.هـ .
                            وقد قالت الحًكماء : لا شيءَ أضيع من مَوَدَةِ من لا وَفاء له ، واصطناع مَن لا شكر عِنده ، والكريمُ يَوَدُّ الكريم عن لُقْية واحدة ، واللّئيم لا يَصِل أحدًا إلا عن رَغْبة أو رَهْبة ؛ وقال الشاعر :
                            احـذر مـودة مـاذقٍ ( 1 ) ... شاب المرارة بالحلاوة
                            يُحصي الذنوب عليك أيـ ... ـام الصداقة للعداوة
                            وقال غيره :
                            وإخـوان حسبتهم دروعًا ... فكانوها ولكن للأعادي
                            وخلتهم سـهامًا صائبات ... فكانوها ولكن في فؤادي
                            وقالوا قد صَغَتْ منا قلوبٌ ... لقد صدقوا ولكن عن ودادي
                            فبناء الصداقة والأخوة على محاسن الأخلاق نجاة وفوز ؛ وإلا يفعل المرء ذلك فسيلقى في الدنيا ما لا يسره ، وقد يرى في الآخرة ما يضره ، عياذًا بالله تعالى .
                            ويضيف الماوردي إلى هذه الثلاثة رابعًا ، فيقول : : أَنْ يَكُونَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَيْلٌ إلَى صَاحِبِهِ ، وَرَغْبَةٌ فِي مُؤَاخَاتِهِ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ أَوْكَدُ لِحَالِ الْمُؤَاخَاةِ وَأَمَدُّ لِأَسْبَابِ الْمُصَافَاةِ ، إذْ لَيْسَ كُلُّ مَطْلُوبٍ إلَيْهِ طَالِبًا وَلَا كُلُّ مَرْغُوبٍ إلَيْهِ رَاغِبًا ؛ وَمَنْ طَلَبَ مَوَدَّةَ مُمْتَنِعٍ عَلَيْهِ ، وَرَغِبَ إلَى زَاهِدٍ فِيهِ ، كَانَ مُعَنًّى خَائِبًا ، كَمَا قَالَ الْبُحْتُرِيُّ :
                            وَطَلَبْت مِنْك مَوَدَّةً لَمْ أُعْطَهَا ... إنَّ الْمُعَنَّى طَالِبٌ لَا يَظْفَرُ
                            وَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ الْأَحْنَفِ :
                            فَإِنْ كَانَ لَا يُدْنِيك إلَّا شَفَاعَةٌ ... فَلَا خَيْرَ فِي وُدٍّ يَكُونُ بِشَافِعِ
                            وَأُقْسِمُ مَا تَرْكِي عِتَابَك عَنْ قِلًى ... وَلَكِنْ لِعِلْمِي أَنَّهُ غَيْرُ نَافِعِ
                            وَإِنِّي إذَا لَمْ أَلْزَمِ الصَّبْرَ طَائِعًا ... فَلَا بُدَّ مِنْهُ مُكْرَهًا غَيْرَ طَائِعِ
                            فَإِذَا اسْتَكْمَلَتْ هَذِهِ الْخِصَالُ فِي إنْسَانٍ وَجَبَ إخَاؤُهُ ، وَتَعَيَّنَ اصْطِفَاؤُهُ ؛
                            وَبِحَسَبِ وُفُورِهَا فِيهِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمَيْلُ إلَيْهِ وَالثِّقَةُ بِهِ .ا.هـ .
                            _
                            - مَذَقَ الوُدَّ ، أي :لم يُخلصه ، فهو ماذق ومَذَّاق و مُمَاذِق ، أي : غير مُخلص .
                            د . محمد عطية

                            تعليق


                            • #15
                              3 - حدود لا تغفل عنها
                              لأسباب قد تخفى على كثير من الناس كانت وصية رسول الله التي رواها الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رسول الله : " أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا ، عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا مَا ، وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا ، عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًا مَا " ( 1 ) .
                              إن الإنصاف في العلاقة مطلوب ، والمغالاة في طرفي الأمور مذموم ، والعرب تقول : حب التناهي شطط خير الأمور الوسط ؛ وكما قيل :
                              عَلَيكَ بِأَوساطِ الأَمورِ فإِنَّها ... طَريقٌ إِلى نَهجِ الصِراطِ قَويمُ
                              وَلا تَكُ فيها مُفرِطًا أَو مُفرِّطًا ... كِلَا طَرَفَي قَصْدِ الأُمورِ ذميمُ
                              وهذه قاعدة صالحة لكل العلاقات ؛ فكم غالى إنسان في حب إنسان ثم ندم على ما كان منه ؛ وغالى آخر في كره آخر ، ثم ندم على ما كان منه .
                              ولعل من أسباب هذه الوصية النبوية الغالية أن الإنسان لا يطلع على دواخل من يؤاخيه أو يصاحبه ؛ فقد يظهر له ما لا يبطن ؛ وهذا كثير في عالم الناس .
                              ومن الأسباب - أيضًا - أن القلوب تقلب ، ولسبب ما قد تنقلب الصداقة عداوة ، وغالبًا ما يسعى العدو في الإيذاء ، فإن كان هناك من أسرار عرفها في أيام صداقته ، فقد يفشيها ، ويتضرر من كان له صديق ؛ وقال منصور الفقيه :
                              احْذَرْ عَـدُوَكَ مَـرَّةً ... واحْذَرْ صَدِيقَكَ ألفَ مَرَّةْ
                              فلربما انقلبَ الصديـ ... ـقُ فكانَ أعلمَ بالمضرةْ
                              وَلهذا السبب قَالَ عَلِيٌّ  لابنه الحسن : اُبْذُلْ لِصَدِيقِك كُلَّ الْمُرُوءَةِ ، وَلَا تَبْذُلْ لَهُ كُلَّ الطُّمَأْنِينَةِ ، وَأَعْطِهِ مِنْ نَفْسِك كُلَّ الْمُوَاسَاةِ ، وَلَا تُفْضِ إلَيْهِ بِكُلِّ الْأَسْرَارِ ( 2 ) ؛ وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ  : لَا يَكُنْ حُبُّك كَلَفًا ، وَلَا بُغْضُك تَلَفًا ؛ وَقَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ :
                              وَكُنْ مَعْدِنًا لِلْخَيْرِ وَاصْفَحْ عَنْ الْأَذَى فَإِنَّك رَاءٍ مَا عَلِمْت وَسَامِـعُ
                              وَأَحْبِبْ إذَا أَحْبَبْت حُـبًّا مُقَـارِبًا فَإِنَّك لَا تَدْرِي مَتَى أَنْتَ نَازِعُ
                              وَأَبْغِضْ إذَا أَبْغَضْت غَـيْرَ مُـبَايِنٍ فَإِنَّك لَا تَدْرِي مَتَى أَنْتَ رَاجِعُ

                              1 - رواه الترمذي ( 1997 ) ، والطبراني في الأوسط ( 3395 ، 6185 ) ، وابن عدي : 2 / 298 عن أبي هريرة . ورواه الطبراني في الأوسط ( 5119 ) ، والقضاعي في الشهاب ( 739 ) ، عن ابن عمر . ورواه الطبراني في الأوسط ( 5120 ) عن ابن عمرو . ورواه الضياء في المختارة : 2 / 55 : 58 ( 434 : 436 ) من طرق عن علي ، وإسناده حسن بطرقه . ورمز السيوطي لحسنه في الجامع الصغير ، وصححه الألباني في صحيح الجامع ( 176 ) . ورواه ابن أبي شيبة ( 35876 ) ، والبخاري في الأدب ( 1321 ) ، والبيهقي في الشعب ( 6593 ) عن علي موقوفًا .
                              2 - ذكره ابن ماكولا في ( إكمال الكمال ) : 5 / 29 ، في ترجمة شبال بن عبد العزيز عن أبيه عن جده قال : قال على بن أبى طالب لابنه الحسن : فذكره .
                              د . محمد عطية

                              تعليق

                              19,961
                              الاعــضـــاء
                              231,886
                              الـمــواضـيــع
                              42,544
                              الــمــشـــاركـــات
                              يعمل...
                              X