• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • فصول في الرؤيا

      الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما .
      أما بعد :
      فعبر التاريخ كان للرؤيا شأن في حياة الأمم أفرادا وجماعات ، فقد كان لها تأثير في رائيها ، وربما انسحب الأثر على مجتمعه كله إن كان حاكما ؛ ففرعون قتل أولاد بني إسرائيل لرؤيا رآها ، وعبرت له بأنه سيولد في بني إسرائيل من سيكون زوال ملكه على يديه ؛ فكان موسى ، والقصة معروفة .
      وتغيرت في مصر أحوال برؤيا رآها ملك مصر وعبرها له يوسف ، وترتب على ذلك ما كان من تولية يوسف خزائن مصر ، فأحيا الله تعالى به البلاد والعباد وتفادى الناس مجاعة محققة .
      وخرج صاحبا يوسف في السجن من السجن ، أحدهما إلى الإكرام بالقرب من الملك ، والآخر إلى الإهانة بصلبه وأكل الطير من رأسه .. لرؤيا عبرها لهما يوسف .
      ولو تتبع أحد أحداث التاريخ لوجد للرؤيا أثرًا بالغًا في حياة الناس ؛ ذلك لأن الرؤيا من الغيب الذي يريد الله تعالى كشفه للناس قبل وقوعه لحكمة يريدها ، وهو العليم الحكيم .
      وليس تعبير الرؤى ضربًا من الخيال ، أو نسجًا من الشعوذة ، وإنما علم التعبير علم شريف لطيف ، علَّمه الله تعالى أنبياءه وبعض خلقه ؛ وليس كل أحد يحسنه .
      وقد أشكل على الناس أمور مما يتعلق بالرؤيا ؛ فأردت بهذه الرسالة أن أبيَّن فصولا من الرؤيا توضح معالمها ، وترفع إشكالات ظهرت عند البعض حولها ، وتشرح آدابها ، ليكون المرء على بينة من أمره فيها ، فلا يحزن لحلم رآه من تحزين الشيطان ، وإنما يستعيذ بالله تعالى ، وينفث عن شماله ، ويقوم فيصلي ، ولا يقصه على أحد ؛ فإنه لا يضره ؛ كما أخبر بذلك النبي .
      وكذلك لا يسارع هو بتعبير رؤيا ظاهرها مكروه ، فقد تكون علامة على بشرى لا يقف هو عليها ، وإنما يعرضها على عالم بتعبير الرؤى ليقف على حقيقة تأويلها ؛ كما أن هناك نوعا آخر من الرؤى ، وهو الرؤيا من تحديث النفس ، وهذه لا تفسير لها ، وكذلك أضغاث الأحلام ، التي يختلط فيها الأمور ، ولا يذكر صاحبها منها شيئا يمكن أن يكون مفهوما ، فإنها ليس لها تأويل أيضا .
      لهذا ستتناول هذه الرسالة الفصول الآتية :
      تعريف الرؤيا
      أهمية الرؤيا وتعلم تعبيرها
      أقسام الرؤى
      آداب الرؤيا والحلم
      أصدق الرؤى
      من تحلَّم كاذبا
      من الذي يعبر الرؤيا ؟
      الرؤيا في القرآن
      أمثلة للرؤى من السنة
      أمثلة من تعبير المعبرين
      والله أسأل أن ينفع بها ، وأن يتقبلها مني ، وأن يجعل لها القبول في الأرض ؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه ، لا رب غيره ولا أرجو إلا خيره ، عليه توكلت وإليه أنيب ، وصلى الله وسلم وبارك على النبي محمد وعلى آله .
      وكتبه
      أفقر العباد إلى عفو رب البرية
      محمد بن محمود بن إبراهيم عطية
      د . محمد عطية

    • #2
      فصل : تعريف الرؤيا والحلم
      الرُّؤْيَا : بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْهَمْزَةِ وَبِالْقَصْرِ : مَا يَرَاهُ النَّائِمُ فِي مَنَامِهِ ؛ والحُلْمُ بضم اللام وسكونها أيضًا : ما يراه النائم ؛ وقد حَلَم بفتح اللام يحلُم بالضم ، حُلْما وحُلُما ، واحْتَلَم أيضا ؛ وتَحَلَّم تكلف الحلم . وقيل : الْحُلْمُ بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ ، وَيُضَمُّ : مَا يُرَى فِي الْمَنَامِ مِنْ الْخَيَالَاتِ الْفَاسِدَةِ ؛ قَالَ ابن الأثير فِي ( النِّهَايَةِ ) : الْحُلْمُ عِبَارَةٌ عَمَّا يَرَاهُ النَّائِمُ فِي نَوْمِهِ مِنْ الْأَشْيَاءِ ، لَكِنْ غَلَبَتْ الرُّؤْيَا عَلَى مَا يَرَاهُ مِنْ الْخَيْرِ وَالشَّيْءِ الْحَسَنِ ، وَغَلَبَ الْحُلْمُ عَلَى مَا يَرَاهُ مِنْ الشَّرِّ وَالْأَمْرِ الْقَبِيحِ ؛ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : ] أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ [ وَيُسْتَعْمَلُ كُلٌّ مِنْهُمَا مَوْضِعَ الْآخَرِ ، وَتُضَمُّ لَامَ الْحُلْمِ وَتُسَكَّنُ .ا.هـ .
      وأما الحِلْمُ بالكسر فهو : الأناة ، وقد حَلُم بالضم حِلْما ( [1] ) .

      [1] - انظر لسان العرب باب الميم فصل الحاء ؛ ومفردات غريب القرآن ، والنهاية في غريب الحديث مادة ( ح ل م ) .
      د . محمد عطية

      تعليق


      • #3
        حقيقة الرؤيا

        قال الإمام النووي في ( شرح مسلم ) : قَالَ الْإِمَام الْمَازِرِيُّ : مَذْهَب أَهْل السُّنَّة فِي حَقِيقَة الرُّؤْيَا أَنَّ اللَّه تَعَالَى يَخْلُق فِي قَلْب النَّائِم اِعْتِقَادَات كَمَا يَخْلُقهَا فِي قَلْب الْيَقْظَان ، وَهُوَ سُبْحَانه وَتَعَالَى يَفْعَل مَا يَشَاء ، لَا يَمْنَعهُ نَوْم وَلَا يَقِظَة ، فَإِذَا خَلَقَ هَذِهِ الِاعْتِقَادَات فَكَأَنَّهُ جَعَلَهَا عَلَمًا عَلَى أُمُور أُخَر يَخْلُقهَا فِي ثَانِي الْحَال ، أَوْ كَانَ قَدْ خَلَقَهَا . فَإِذَا خَلَقَ فِي قَلْب النَّائِم الطَّيَرَان ، وَلَيْسَ بِطَائِرٍ ، فَأَكْثَر مَا فِيهِ أَنَّهُ اِعْتَقَدَ أَمْرًا عَلَى خِلَاف مَا هُوَ ، فَيَكُون ذَلِكَ الِاعْتِقَاد عَلَمًا عَلَى غَيْره ، كَمَا يَكُون خَلْق اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى الْغَيْم عِلْمًا عَلَى الْمَطَر ، وَالْجَمِيع خَلْق اللَّه تَعَالَى ، وَلَكِنْ يَخْلُق الرُّؤْيَا وَالِاعْتِقَادَات الَّتِي جَعَلَهَا عَلَمًا عَلَى مَا يَسُرُّ بِغَيْرِ حَضْرَة الشَّيْطَان ، وَيَخْلُق مَا هُوَ عَلَم عَلَى مَا يَضُرُّ بِحَضْرَةِ الشَّيْطَان ، فَيُنْسَب إِلَى الشَّيْطَان مَجَازًا لِحُضُورِهِ عِنْدهَا ، وَإِنْ كَانَ لَا فِعْل لَهُ حَقِيقَة ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْله e " الرُّؤْيَا مِنْ اللَّه ، وَالْحُلْم مِنْ الشَّيْطَان " ( [1] ) لَا عَلَى أَنَّ الشَّيْطَان يَفْعَل شَيْئًا ؛ فَالرُّؤْيَا اِسْم لِلْمَحْبُوبِ ، وَالْحُلْم اِسْم لِلْمَكْرُوهِ . هَذَا كَلَام الْمَازِرِيِّ . وَقَالَ غَيْره : أَضَافَ الرُّؤْيَا الْمَحْبُوبَة إِلَى اللَّه إِضَافَة تَشْرِيف بِخِلَافِ الْمَكْرُوهَة ، وَإِنْ كَانَتَا جَمِيعًا مِنْ خَلْق اللَّه تَعَالَى وَتَدْبِيره ، وَبِإِرَادَتِهِ ، وَلَا فِعْل لِلشَّيْطَانِ فِيهِمَا ، لَكِنَّهُ يَحْضُر الْمَكْرُوهَة ، وَيَرْتَضِيهَا ، وَيُسَرُّ بِهَا ( [2] ) . وقال ابن العربي - : هي إدراكات يخلقها الله تعالى في قلب العبد على يدي الملَك أو الشيطان ، إما بأمثالها ، وإما بكناها ، وإما تخليطا ؛ ونظير ذلك في اليقظة : الخواطر ، فإنها تأتي على فسق في قصد ، وتأتي مسترسلة غير محصلة ؛ فإذا خلق الله من ذلك في المنام على يد الملك شيئًا كان وحيًا منظومًا وبرهانا مفهوما([3]). وقال ابن القيم - - بعد أن أورد قولين في تعريف الرؤية وردهما : ومن قائل : إن الرؤيا أمثال مضروبة يضربها الله للعبد بحسب استعداده على يد ملك الرؤيا ؛ فمرة يكون مثلا مضروبًا ، ومرة يكون نفس ما رآه الرائي فيطابق الواقع مطابقة العلم لمعلومِه .
        وهذا أقرب من القولين قبله [ أي اللذين ردهما ] ولكن الرؤيا ليست مقصورة عليه ، بل لها أسباب أخر ؛ من ملاقاة الأرواح وأخبار بعضها بعضًا ، ومن إلقاء الملَك الذي في القلب والروع ، ومن رؤية الروح للأشياء مكافحة بلا واسطة ( [4] ) .
        قال ابن القيم - : والرؤيا الصحيحة أقسام :
        منها : إلهام يلقيه الله سبحانه في قلب العبد ؛ وهو كلام يكلم به الرب عبده في المنام كما قال عبادة بن الصامت وغيره .
        ومنها : مثل يضربه له ملَك الرؤيا الموكل بها .
        ومنها : التقاء روح النائم بأرواح الموتى من أهله وأقاربه وأصحابه وغيرهم .
        ومنها : عروج روحه إلى الله سبحانه وخطابها له .
        ومنها : دخول روحه إلى الجنة ومشاهدتها .. وغير ذلك ( [5] ) .

        [1] - سيأتي تخريجه .

        [2] - انظر شرح النووي على صحيح مسلم : 15 / 15 ، 16 .

        [3] - انظر ( عارضة الأحوذي ) : 5 / 104 ( دار الفكر – بيروت )

        [4] - الروح ص 30 ، ومكافحة ، أي : مواجهة .

        [5] - انظر ( الروح ) لابن القيم ص 29 ، وقد ذكر لذلك أمثلة من رؤى الناس ، فليرجع إليها من شاء .
        د . محمد عطية

        تعليق


        • #4
          فصل : أهمية الرؤيا وتعلم تعبيرها

          علم تعبير الرؤى علم شريف ؛ يدل على ذلك قول الله تعالى : ] وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ [ ( يوسف : 6 ) ، وهذا إخبار من الله تعالى على لسان يعقوب u لما سيكون من أمر يوسف u ، وقوله تعالى : ] وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ[ ( يوسف : 21 ) ، وهذا إخبار من الله تعالى حكاية عن ما سيؤول من أمر يوسف u من علم تعبير الرؤى ، ثم قال الله تعالى على لسان يوسف u : ] وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ [ ( يوسف : 101 ) ، وهو يعدد نعم الله تعالى عليه ؛ واستدل بعض أهل العلم من ذلك بأن تعبير الرؤى ، وإن كان له علامات وإشارات تدل على ذلك ، إلا أن فيه جانبا من الإلهام في إصابة الحق ، والعلم عند الله تعالى .
          ومما يدلك على أهمية الرؤيا أن النبي e كان يسأل أصحابه بعد صلاة الصبح : " هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ الْبَارِحَةَ رُؤْيَا ؟ " فهذا يدل على أن للرؤيا شأنًا ؛ وكأنه - أيضا - كان يريد أن يعلم أصحابه تعبير الرؤى ، لما في ذلك من الفضل ، وهو يدل على شرف هذا العلم أيضا .
          روى مسلم عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ e إِذَا صَلَّى الصُّبْحَ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ فَقَالَ : " هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ الْبَارِحَةَ رُؤْيَا ؟ " ( [1] ) . قال النووي - : وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب السُّؤَال عَنْ الرُّؤْيَا وَالْمُبَادَرَة إِلَى تَأْوِيلهَا وَتَعْجِيلهَا أَوَّل النَّهَار لِهَذَا الْحَدِيث ، وَلِأَنَّ الذِّهْن جُمِعَ قَبْل أَنْ يَتَشَعَّبَ بِإِشْغَالِهِ فِي مَعَايِش الدُّنْيَا ، وَلِأَنَّ عَهْد الرَّائِي قَرِيب لَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهِ مَا يُهَوِّشُ الرُّؤْيَا عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِيهَا مَا يُسْتَحَبُّ تَعْجِيله كَالْحَثِّ عَلَى خَيْر ، أَوْ التَّحْذِير مِنْ مَعْصِيَة ، وَنَحْو ذَلِكَ . وَفِيهِ إِبَاحَة الْكَلَام فِي الْعِلْم وَتَفْسِير الرُّؤْيَا وَنَحْوهمَا بَعْد صَلَاة الصُّبْح ؛ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ا.هـ ( [2] ) .
          وفي رواية : " كَانَ مِمَّا يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ : مَنْ رَأَى مِنْكُمْ رُؤْيَا " قَالَ الْقَاضِي : مَعْنَى هَذِهِ اللَّفْظَة عِنْدهمْ كَثِيرًا مَا كَانَ يَفْعَل كَذَا ، وَكَأَنَّهُ قَالَ :مِنْ شَأْنه . وَفِي الْحَدِيث الْحَثّ عَلَى عِلْم الرُّؤْيَا وَالسُّؤَال عَنْهَا وَتَأْوِيلهَا ، قَالَ الْعُلَمَاء : وَسُؤَالهمْ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ e يُعَلِّمُهُمْ تَأْوِيلهَا وَفَضِيلَتهَا وَاشْتِمَالهَا عَلَى مَا شَاءَ اللَّه تَعَالَى مِنْ الْإِخْبَار بِالْغَيْبِ([3]).ا.هـ.
          وفي ( موطأ مالك ) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ e كَانَ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ يَقُولُ : " هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا " وَيَقُولُ : " لَيْسَ يَبْقَى بَعْدِي مِنْ النُّبُوَّةِ إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ " ( [4] ) .
          وفي صحيح مسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللّهِ e كَانَ مِمَّا يَقُولُ لأَصْحَابِهِ : " مَنْ رَأَى مِنْكُمْ رُؤْيَا فَلْيَقُصَّهَا أَعْبُرْهَا لَهُ " ( [5] ) . مَعْنَى قَوْله : " فَلْيَقُصَّهَا " لِيَذْكُرْ قِصَّتهَا وَيَتَّبِع جُزْئِيَّاتهَا حَتَّى لَا يَتْرُك مِنْهَا شَيْئًا ، مِنْ قَصَصْت الْأَثَر إِذَا اِتَّبَعْته ؛ وقوله : " أَعْبُرهَا " أَيْ : أُفَسِّرهَا( [6] ) .
          قال القرطبي : إنما كان يسألهم عن ذلك لما كانوا عليه من الصلاح والصدق ، وعلم أن رؤياهم صحيحة يستفاد منها الاطلاع على كثير من علم الغيب ، وليُسنَّ لهم الاعتناء بالرؤيا والتشوق لفوائدها ، ويعلمهم كيفية التعبير ، وليستكثر من الاطلاع على الغيب ( [7] ) .
          وفي حديث النبي e : " رُؤْيَا الْمُؤْمِن جُزْء مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّة " ( [8] ) ، بيان أهمية الرؤيا ، وأن لها فضلاً عظيمًا إذ عدت من أجزاء النبوة .
          قال النووي – : قَوْله e : " وَرُؤْيَا الْمُسْلِم جُزْء مِنْ خَمْسَة وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّة " وَفِي رِوَايَة : " رُؤْيَا الْمُؤْمِن جُزْء مِنْ سِتَّة وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّة " وَفِي رِوَايَة : " رُؤْيَا الرَّجُل الصَّالِح جُزْء مِنْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّة " وَفِي رِوَايَة : " الرُّؤْيَا الصَّالِحَة جُزْء مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّة " ( [9] ) فَحَصَلَ ثَلَاث رِوَايَات ، الْمَشْهُور سِتَّة وَأَرْبَعُونَ ، وَالثَّانِيَة خَمْسَة وَأَرْبَعُونَ ، وَالثَّالِثَة سَبْعُونَ جُزْءًا . وَفِي غَيْر مُسْلِم مِنْ رِوَايَة اِبْن عَبَّاس " مِنْ أَرْبَعِينَ جُزْءًا " وَفِي رِوَايَة : " مِنْ تِسْعَة وَأَرْبَعِينَ " وَفِي رِوَايَة الْعَبَّاس " مِنْ خَمْسِينَ " وَمَنْ رِوَايَة اِبْن عُمَر " مِنْ سِتَّة وَعِشْرِينَ " وَمِنْ رِوَايَة عُبَادَةَ " مِنْ أَرْبَعَة وَأَرْبَعِينَ " قَالَ الْقَاضِي : أَشَارَ الطَّبَرِيُّ إِلَى أَنَّ هَذَا الِاخْتِلَاف رَاجِع إِلَى اِخْتِلَاف حَال الرَّائِي ، فَالْمُؤْمِن الصَّالِح تَكُون رُؤْيَاهُ جُزْءًا مِنْ سِتَّة وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا ، وَالْفَاسِق جُزْءًا مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا ، وَقِيلَ : الْمُرَاد أَنَّ الْخَفِيَّ مِنْهَا جُزْء مِنْ سَبْعِينَ ، وَالْجَلِيّ جُزْء مِنْ سِتَّة وَأَرْبَعِينَ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره : قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : أَقَامَ e يُوحَى إِلَيْهِ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَة ، مِنْهَا عَشْر سِنِينَ بِالْمَدِينَةِ ، وَثَلَاث عَشْرَة بِمَكَّة ، وَكَانَ قَبْل ذَلِكَ سِتَّة أَشْهُر يَرَى فِي الْمَنَام الْوَحْي ، وَهِيَ جُزْء مِنْ سِتَّة وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا . قَالَ الْمَازِرِيّ : وَقِيلَ : الْمُرَاد أَنَّ لِلْمَنَامَاتِ شَبَهًا مِمَّا حَصَلَ لَهُ وَمَيَّزَ بِهِ النُّبُوَّة بِجُزْءٍ مِنْ سِتَّة وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا ... قَالَ : وَقَدْ قَدَح بَعْضهمْ فِي الْأَوَّل بِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُت أَنَّ أَمَد رُؤْيَاهُ e قَبْل النُّبُوَّة سِتَّة أَشْهُر ، وَبِأَنَّهُ رَأَى بَعْد النُّبُوَّة مَنَامَات كَثِيرَة ، فَلْتُضَمَّ إِلَى الْأَشْهُر السِّتَّة ، حِينَئِذٍ تَتَغَيَّر النِّسْبَة . قَالَ الْمَازِرِيّ : هَذَا الِاعْتِرَاض الثَّانِي بَاطِل ؛ لِأَنَّ الْمَنَامَات الْمَوْجُودَة بَعْد الْوَحْي بِإِرْسَالِ الْمَلَك مُنْغَمِرَة فِي الْوَحْي ، فَلَمْ تُحْسَب . قَالَ : وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد أَنَّ الْمَنَام فِيهِ إِخْبَار الْغَيْب ، وَهُوَ إِحْدَى ثَمَرَات النُّبُوَّة ، وَهُوَ لَيْسَ فِي حَدّ النُّبُوَّة ؛ لِأَنَّهُ يَجُوز أَنْ يَبْعَث اللَّه تَعَالَى نَبِيًّا لِيُشَرِّع الشَّرَائِع ، وَيُبَيِّن الْأَحْكَام ، وَلَا يُخْبِر بِغَيْبٍ أَبَدًا ، وَلَا يَقْدَح ذَلِكَ فِي نُبُوَّته ، وَلَا يُؤَثِّر فِي مَقْصُودهَا ، هَذَا الْجُزْء مِنْ النُّبُوَّة وَهُوَ الْإِخْبَار بِالْغَيْبِ إِذَا وَقَعَ لَا يَكُون إِلَّا صِدْقًا . وَاللَّهُ أَعْلَم .
          قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هَذَا الْحَدِيث تَوْكِيد لِأَمْرِ الرُّؤْيَا وَتَحْقِيق مَنْزِلَتهَا ، وَقَالَ : وَإِنَّمَا كَانَتْ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاء النُّبُوَّة فِي حَقّ الْأَنْبِيَاء دُون غَيْرهمْ ، وَكَانَ الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِمْ يُوحَى إِلَيْهِمْ فِي مَنَامهمْ كَمَا يُوحَى إِلَيْهِمْ فِي الْيَقِظَة .. قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَقَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : مَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ الرُّؤْيَا تَأْتِي عَلَى مُوَافَقَة النُّبُوَّة ، لِأَنَّهَا جُزْء بَاقٍ مِنْ النُّبُوَّة . وَاللَّه أَعْلَم .ا.هـ ( [10] ) .

          [1] - مسلم ( 2275 ) .

          [2] - انظر شرح النووي على صحيح مسلم : 15 / 35 .

          [3] - انظر شرح النووي على صحيح مسلم : 15 / 30 .

          [4] - الموطأ : 2 / 956 ( 1714 ) ، ورواه أحمد : 2 / 325 ، وأبو داود ( 5017 ) ، و النسائي في الكبرى ( 7621 ) .

          [5] - مسلم ( 2269 ) .

          [6] - نقلا عن ( فتح الباري ) : 12 / 433 ، وعزاه للقرطبي .

          [7] - نقلا عن ( فيض القدير ) للمناوي : 5 / 147 .

          [8] - رواه مسلم ( 2264 ) عن عبادة بن الصامت وأنس ، وسيأتي عن أبي هريرة أيضا .

          [9] - رواه مسلم ( 2265 ) عن ابن عمر .

          [10] - انظر شرح النووي على صحيح مسلم : 15 / 21 .
          د . محمد عطية

          تعليق


          • #5
            فائدة
            قال الحافظ ابن حجر - - في حديث أبي هريرة المتقدم : فيه ردٌّ على من قال من أهل التعبير : يستحب أن يكون تفسير الرؤيا بعد طلوع الشمس إلى الرابعة من العصر إلى قبيل المغرب ؛ فإن الحديث دل على ندب تعبيرها قبل طلوع الشمس ، ولا يصح قولهم بكراهة تعبيرها في أوقات كراهة الصلاة ؛ قال المهلب : تعبير الرؤيا بعد الصبح أولى من جميع الأوقات لحفظ صاحبها لـها ، لقرب عهده بها ، وقَلَّ ما يعرض له نسيانها ، ولحضور ذهن العابر وقلة شغلـه فيما يفكر فيه فيما يتعلق بمعاشه ، وليعرض الرائي ما يعرض لـه بسبب رؤياه .ا.هـ ( [1] ) .

            [1] - انظر فتح الباري : 12 / 439 .
            د . محمد عطية

            تعليق


            • #6
              المبشرات

              مما يدل على أهمية الرؤيا وفضلها ما رواه أحمد والترمذي وحسنه عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : ] لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [ فَقَالَ : مَا سَأَلَنِي عَنْهَا أَحَدٌ غَيْرُكَ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ مُنْذُ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ e فَقَالَ : " مَا سَأَلَنِي عَنْهَا أَحَدٌ غَيْرُكَ مُنْذُ أُنْزِلَتْ ، هِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ " ؛ وله شاهد عند الترمذي وحسنه عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ : نُبِّئْتُ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ e عَنْ قَوْلِهِ : ] لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [ قَالَ : " هِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُؤْمِنُ أَوْ تُرَى لَهُ " ( [1] ) . وروى أحمد والترمذي عن أَنَسٍ t قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e : " إِنَّ الرِّسَالَةَ وَالنُّبُوَّةَ قَدْ انْقَطَعَتْ ، فَلَا رَسُولَ بَعْدِي وَلَا نَبِيَّ " قَالَ : فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ ، قَالَ : قَالَ : " وَلَكِنْ الْمُبَشِّرَاتُ " قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ ؟ قَالَ : " رُؤْيَا الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ ، وَهِيَ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ " ( [2] ) . وروى أحمد عن أَبِي الطُّفَيْلِ t قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e : " لَا نُبُوَّةَ بَعْدِي إِلَّا الْمُبَشِّرَاتِ " قَالَ : قِيلَ وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : " الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ " أَوْ قَالَ : " الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ " ( [3] ) ؛ وفي صحيح البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ e يَقُولُ : " لَمْ يَبْقَ مِنْ النُّبُوَّةِ إِلَّا الْمُبَشِّرَاتُ " قَالُوا : وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ ؟ " قَالَ : " الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ " ( [4] ) . والْمُبَشِّرَات بِكَسْرِ الشِّين الْمُعْجَمَة جَمْع مُبَشِّرَة ، وَهِيَ الْبُشْرَى ، وَهِيَ مَا اِشْتَمَلَ عَلَى الْخَبَر السَّارِّ مِنْ وَحْي وَإِلْهَام وَرُؤْيَا وَنَحْوهَا ؛ قال الحافظ ابن حجر : وَالْمَعْنَى لَمْ يَبْقَ بَعْد النُّبُوَّة الْمُخْتَصَّةُ بِي إِلَّا الْمُبَشِّرَات ، ثُمَّ فَسَّرَهَا بِالرُّؤْيَا .ا.هـ .
              وروى مُسْلِم وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ ابْن عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ e كَشَفَ السِّتَارَة وَرَأْسه مَعْصُوب فِي مَرَضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ،وَالنَّاسصُفُوفخَلْف أَبِيبَكْرفَقَالَ:" يَا أَيّهَا النَّاس إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَات النُّبُوَّة إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَة ، يَرَاهَا الْمُسْلِم أَوْ تُرَى لَهُ " ( [5] ) ؛ وفي حَدِيث أُمِّ كُرْز ( بِضَمِّ الْكَاف وَسُكُون الرَّاء بَعْدهَا زَاي ) الْكَعْبِيَّة قَالَتْ : سَمِعْت النَّبِيّ e يَقُول : " ذَهَبَتْ النُّبُوَّة وَبَقِيَتْ الْمُبَشِّرَات " أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْن مَاجَهْ وَابْن حِبَّان ( [6] ) ، وَلِأَحْمَدَ عَنْ عَائِشَة مَرْفُوعًا " لَمْ يَبْقَ بَعْدِي مِنْ الْمُبَشِّرَات إِلَّا الرُّؤْيَا " ( [7] ) ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث حُذَيْفَة بْن أُسَيْد مَرْفُوعًا " ذَهَبَتْ النُّبُوَّة ، وَبَقِيَتْ الْمُبَشِّرَات " ( [8] ) وَلِأَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيث أَنَس رَفَعَهُ : " إِنَّ الرِّسَالَة وَالنُّبُوَّة قَدْ انْقَطَعَتْ ، وَلَا نَبِيّ وَلَا رَسُول بَعْدِي ، وَلَكِنْ بَقِيَتْ الْمُبَشِّرَات " قَالُوا : وَمَا الْمُبَشِّرَات ؟ قَالَ : " رُؤْيَا الْمُسْلِمِينَ ؛ جُزْء مِنْ أَجْزَاء النُّبُوَّة " .

              [1] - حديث أبي الدرداء رواه أحمد : 6 / 445 ، 446 ، 452 ، والترمذي ( 3106 ) ، وابن جرير : 11 / 93 وغيرهم ؛ وحديث عبادة رواه أحمد : 5 / 315 ، 321 ، 325 ، والطيالسي ( 583 ) ، وابن جرير : 11 / 93 ، 94 . ورواه الترمذي ( 2273 ) وحسنه ، وابن ماجة ( 3898 ) ، والدارمي ( 2132 ) ، والحاكم : 2 / 340 ، و صححه ووافقه الذهبي ، ثم رواه : 4 / 391 ، وصححه على شرطيهما ووافقه الذهبي ، وصححه الضياء في المختارة : 8 / 259 ( 315 ) ؛ ورواه ابن جرير : 11 / 94 عن أبي هريرة . ورواه عبد بن حميد ( 1105 ) عن جابر .

              2 – أحمد : 3 / 267 ، والترمذي ( 2272 ) . ورواه الحاكم : 4 / 391 وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي .

              [3] - أحمد : 5 / 454 . ورواه الطبراني في الكبير : 3 / 179 ( 3051 ) عن أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد، وله شاهد رواه أحمد: 6 / 129 عن عائشة ، وآخر رواه أحمد : 6 / 381 ، وابن ماجة ( 3896 ) عن أم كرز الكعبية وإسناده صحيح .

              [4] - البخاري ( 6990 ) .

              [5] - مسلم ( 479 ) .

              [6] - أحمد : 6 / 381 ، وابن ماجة ( 3869 ) ، والدارمي ( 2138 ) ، وابن حبان ( 6047 ) .

              [7] - أحمد : 6 / 129 .

              [8] - أحمد : ، والطبراني في الكبير : 3 / 379 ( 3051 ) .
              د . محمد عطية

              تعليق


              • #7
                التأثر بالرؤيا

                مما يدل على أهمية الرؤيا في حياة الناس : تأَثُرالنفس بها ؛ فقد روى الجماعة عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ : كُنْتُ أَرَى الرُّؤْيَا أُعْرَى مِنْهَا غَيْرَ أَنِّي لَا أُزَمَّلُ ، حَتَّى لَقِيتُ أَبَا قَتَادَةَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ e يَقُولُ : " الرُّؤْيَا مِنْ اللَّهِ ، وَالْحُلْمُ مِنْ الشَّيْطَانِ ، فَإِذَا حَلَمَ أَحَدُكُمْ حُلْمًا يَكْرَهُهُ فَلْيَنْفُثْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا ، وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ "( [1] ) ؛ وفي الموطأ بعد أن ذكر الحديث : قَالَ أَبُو سَلَمَةَ : إِنْ كُنْتُ لَأَرَى الرُّؤْيَا هِيَ أَثْقَلُ عَلَيَّ مِنْ الْجَبَلِ ، فَلَمَّا سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ فَمَا كُنْتُ أُبَالِيهَا ؛ وفي رواية : عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ : إِنْ كُنْتُ لَأَرَى الرُّؤْيَا تُمْرِضُنِي ، قَالَ : فَلَقِيتُ أَبَا قَتَادَةَ فَقَالَ : وَأَنَا كُنْتُ لَأَرَى الرُّؤْيَا فَتُمْرِضُنِي ، حَتَّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ e يَقُولُ : فذكر الحديث . وقوله : أُزَمَّل : أُغَطَّى وَأُلَفُّ كَالْمَحْمُومِ ؛ وَأُعْرَى ، أَيْ : أُحَمُّ ( أي تصيبه الحمى ) لِخَوْفِي مِنْ ظَاهِرهَا فِي مَعْرِفَتِي ؛ قَالَ أَهْل اللُّغَة : يُقَال : عُرِيَ الرَّجُل بِضَمِّ الْعَيْن وَتَخْفِيف الرَّاء يُعْرَى ، إِذَا أَصَابَهُ عُرَاء بِضَمِّ الْعَيْن وَبِالْمَدِّ ، وَهُوَ نَفْض الْحُمَّى ، وَقِيلَ : رَعْدَة .
                فانظر كيف كان يتأثر أبو سلمة بن عبد الرحمن - - بالرؤيا يراها حتى كانت تمرضه ، فلما سأل أبا قتادة t وجد أنه كان يتأثر كذلك بالرؤيا يراها حتى بيَّن النبي e أقسام الرؤى .

                [1] - أحمد : 5 / 296 ، 300 ، والبخاري ( 3292 ) ، ومسلم ( 2261 ) ، وأبو داود ( 5021 ) ، والترمذي ( 2277 ) ، والنسائي في الكبرى ( 7627 ) ، وابن ماجة ( 3903 ) .
                د . محمد عطية

                تعليق


                • #8
                  فصل : أقسام الرؤية
                  روى الشيخان عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ e قَالَ : " إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الْمُسْلِمِ تَكْذِبُ ؛ وَأَصْدَقُكُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُكُمْ حَدِيثًا ، وَرُؤْيَا الْمُسْلِمِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ ، وَالرُّؤْيَا ثَلَاثَةٌ : فَالرُؤْيَا الصَّالِحَةِ بُشْرَى مِنْ اللَّهِ ، وَرُؤْيَا تَحْزِينٌ مِنْ الشَّيْطَانِ ، وَرُؤْيَا مِمَّا يُحَدِّثُ الْمَرْءُ نَفْسَهُ ؛ فَإِنْ رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ فَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ ، وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا النَّاسَ " قَالَ : " وَأُحِبُّ الْقَيْدَ وَأَكْرَهُ الْغُلَّ ، وَالْقَيْدُ ثَبَاتٌ فِي الدِّينِ " ؛ وفي لفظ للترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e : " الرُّؤْيَا ثَلَاثٌ : فَرُؤْيَا حَقٌّ ، وَرُؤْيَا يُحَدِّثُ بِهَا الرَّجُلُ نَفْسَهُ ، وَرُؤْيَا تَحْزِينٌ مِنْ الشَّيْطَانِ ؛ فَمَنْ رَأَى مَا يَكْرَهُ فَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ " وَكَانَ يَقُولُ : " يُعْجِبُنِي الْقَيْدُ وَأَكْرَهُ الْغُلَّ ، الْقَيْدُ ثَبَاتٌ فِي الدِّينِ " وَكَانَ يَقُولُ : " مَنْ رَآنِي فَإِنِّي أَنَا هُوَ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لِلشَّيْطَانِ أَنْ يَتَمَثَّلَ بِي " وَكَانَ يَقُولُ : " لَا تُقَصُّ الرُّؤْيَا إِلَّا عَلَى عَالِمٍ أَوْ نَاصِحٍ " ( [1] ) .
                  وعند ابن أبي شيبة وابن ماجة والطبراني وابن حبان عن عوف بن مالك أن رسول الله e قال : " الرُّؤْيَـا ثَلَاثَةٌ : مِنْهَا تَهْويِلُ مِنْ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ ابْنَ آدَمَ ، وَمِنْهَا مَا يَهِمُّ بِهِ الرَّجُلُ فِي يَقَظَتِهِ فَرَآهُ فِي مَنَامِهِ ، وَمِنْهَا جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ " ولفظ ابن ماجة : " مِنْهَا أَهَاوِيلُ " : جَمْع أَهْوَال وهُوَ جَمْع هَوْلٍ ، كَأَقَاوِيل : جَمْع أَقْوَال جَمْع قَوْل ، والهول : الخوف الشديد( [2] ) .
                  وروى الجماعة عَنْ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ e أَنَّهُ قَالَ : " الرُّؤْيَا مِنْ اللَّهِ ، وَالْحُلْمُ مِنْ الشَّيْطَانِ ؛ فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَنْفُثْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، وَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ " ( [3] ) . وروى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال : الرؤيا ثلاثة : حضور الشيطان ، والرجل يحدث نفسه بالنهار فيراه بالليل ، والرؤيا التي هي الرؤيا ( [4] ) . قال القرطبي - : الرؤيا المضافة إلى الله تعالى التي خلصت من الأضغاث والأوهام ، وكان تأويلها موافقا لما في اللوح المحفوظ ؛ والرؤيا التي هي من خبر الأضغاث هي الحلم ، وهى المضافة إلى الشيطان ؛ وإنما سميت ضغثا ، لأن فيها أشياء متضادة ؛ قال معناه المهلب ( [5] ) .
                  فمن هذه الأحاديث الصحيحة الصريحة يتبين أن أقسام الرؤى ثلاثة :
                  1 - رؤيا من الله تعالى ؛ وهي الرؤيا الحسنة الصالحة ، وهي رؤيا الحق ، وهي التي من المبشرات التي هي جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة . وهذا الرؤيا هي التي تعبر وتؤوَّل .
                  2 – حلم من الشيطان ؛ وهي الرؤيا السوء ، وهي التي يريد الشيطان بها أن يحزن ابن آدم ؛ وهذه لا يلقي لها بالا ، ولا يقصها على أحد ، وليس لها تأويل ؛ قال ابن العربي - : يضرب ( أي الشيطان ) له الأمثال المكروهة الكاذبة ليحزنه .ا.هـ ( [6] ) .
                  وسيأتي الحديث عن آداب الحلم .
                  3 – رؤيا من تحديث النفس ؛ وهي ما يهم به الرجل في يقظته فيراه في منامه ؛ وهذه ليس لها تأويل أيضا ؛ قال ابن العربي - : وأما خطرات الوساوس وحديث النفوس فيجري على غير قصد ولا عقد في المنام جريانها في اليقظة ( [7] ) .
                  وقد يضاف إليها نوع رابع وهو : أضغاث الأحلام : وهي الرؤيا التي لا يصح تأويلها لاختلاطها ؛ ومعنى اختلاطها التباسها بالرؤيا الصادقة وغيرها ، ولا يصح تأويلها لذلك .

                  [1] - البُخاري ( 7017 ) ، ومسلم ( 2263 ) ، والترمذي ( 2280 ) ، ورواه غيرهم .

                  [2] - ابن أبي شيبة ( 30507 ) ، وابن ماجة ( 3907 ) ، والطبراني في الأوسط ( 6742 ) ، وابن حبان ( 6042 ) .

                  [3] - أحمد : 5 / 296 ، 403 ، والبخاري ( 3292 ، 6984 ، 6986 ) ، ومسلم ( 2261 ) ، وأبو داود ( 5021 ) ، والترمذي ( 2277 ) ، والنسائي في الكبرى ( 7655 ، 10734 : 10738 ) ، وابن ماجة ( 3909 ) .

                  [4] - ابن أبي شيبة ( 30509 ) .

                  [5] - انظر تفسير القرطبي : 9 / 125 ، بتصرف يسير .

                  [6] - انظر ( عارضة الأحوذي ) : 5 / 107 ( دار الفكر – بيروت )

                  [7] - انظر ( عارضة الأحوذي ) : 5 / 107 ( دار الفكر – بيروت )
                  د . محمد عطية

                  تعليق


                  • #9
                    فائدتان
                    الأولى : قال الحافظ ابن حجر في ( فتح الباري ) بعد أن ذكر حديث عوف بن مالك : قُلْت : وَلَيْسَ الْحَصْر مُرَادًا مِنْ قَوْله : " ثَلَاث " لِثُبُوتِ نَوْع رَابِع فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي الْبَاب وَهُوَ حَدِيث النَّفْس ؛ وَلَيْسَ فِي حَدِيث أَبِي قَتَادَةَ وَأَبِي سَعِيد الْمَاضِيَيْنِ سِوَى ذِكْر وَصْف الرُّؤْيَا بِأَنَّهَا مَكْرُوهَة وَمَحْبُوبَة أَوْ حَسَنَة وَسَيِّئَة ؛ وَبَقِيَ نَوْع خَامِس وَهُوَ تَلَاعُب الشَّيْطَان ... وَنَوْع سَادِس ، وَهُوَ رُؤْيَا مَا يَعْتَادهُ الرَّائِي فِي الْيَقَظَة ، كَمَنْ كَانَتْ عَادَته أَنْ يَأْكُل فِي وَقْت فَنَامَ فِيهِ ، فَرَأَى أَنَّهُ يَأْكُل ؛ أَوْ بَاتَ طَافِحًا مِنْ أَكْل أَوْ شُرْب فَرَأَى أَنَّهُ يَتَقَيَّأ ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيث النَّفْس عُمُوم وَخُصُوص ؛ وَسَابِع وَهُوَ الْأَضْغَاث .ا.هـ ( [1] ) .
                    قال مقيده - عفا الله عنه : في حديث عوف t : " وَمِنْهَا مَا يَهِمُّ بِهِ الرَّجُلُ فِي يَقَظَتِهِ فَرَآهُ فِي مَنَامِهِ " وهذا هو المراد من تحديث النفس في حديث أبي هريرة t ؛ وكذلك ما ذكره الحافظ - - في النوع السادس يدخل فيها ، وقد أشار هو إليه بقوله : وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيث النَّفْس عُمُوم وَخُصُوص ؛ وأما تلاعب الشيطان فيدخل في ( الحلم ) . فظهر أن أقسام الرؤيا كما ذكرنا ؛ وهي كما يقول ابن القيم : والرؤيا كالكشف منها رحماني ومنها نفساني ومنها شيطاني ( [2] ) ، ويبقى الرابع وهو الأضغاث الذي يمكن أن يكون أخلاطًا من الثلاثة ؛ والعلم عند الله تعالى .
                    الثانية : قال ابن حجر - : قَالَ أَهْل الْعِلْم بِالتَّعْبِيرِ : إِذَا رَأَى الْكَافِر أَوْ الْفَاسِق الرُّؤْيَا الصَّالِحَة فَإِنَّهَا تَكُون بُشْرَى لَهُ بِهِدَايَتِهِ إِلَى الْإِيمَان مَثَلًا أَوْ التَّوْبَة ، أَوْ إِنْذَارًا مِنْ بَقَائِهِ عَلَى الْكُفْر أَوْ الْفِسْق , وَقَدْ تَكُون لِغَيْرِهِ مِمَّنْ يُنْسَب إِلَيْهِ مِنْ أَهْل الْفَضْل , وَقَدْ يَرَى مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِمَا هُوَ فِيهِ وَيَكُون مِنْ جُمْلَة الِابْتِلَاء وَالْغُرُور وَالْمَكْر ؛ وَنَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ ( [3] ) .

                    [1] - انظر فتح الباري : 12 / 408 .

                    [2] - مدارج السالكين : 1 / 51 ( دار الكتاب العربي ) .

                    [3] - انظر فتح الباري : 12 / 397 ، 398 .
                    د . محمد عطية

                    تعليق


                    • #10
                      فصل : آداب الرؤيا والحلم
                      لما كان للرؤية تلكم الأهمية التي أسلفنا الحديث عنها ، جاء في السنة ما يبين آداب الرؤيا والحلم ، فأما الرؤيا التي من تحديث النفس ، فلا تفسير لها وغالبا ما تكون معروفة لصاحبها ، وهاكم بيان ما يتعلق بالرؤية والحلم من آداب ؛ ولنبدأ بآداب الحلم .


                      آداب الحلم ( الرؤيا المكروهة )
                      تقدم معنا كيف كان للرؤيا تأثير على النفوس حتى إنها لتؤدي إلى مرض صاحبها ؛ وهذا لعدم معرفة صاحبها بما يتعلق بها من آداب تدفع عنه أثر هذه الرؤيا ، فلما علم ذلك لم يلق لها بالا ؛ ففي حديث أبي قتادة المتقدم أن النبي e قال : " فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَنْفُثْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، وَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا ، فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ " ؛ قال النووي - - في ( شرح مسلم ) : إِنَّ اللَّه تَعَالَى جَعَلَ هَذَا سَبَبًا لِسَلَامَتِهِ مِنْ مَكْرُوه يَتَرَتَّب عَلَيْهَا ، كَمَا جَعَلَ الصَّدَقَة وِقَايَة لِلْمَالِ وَسَبَبًا لِدَفْعِ الْبَلَاء ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُجْمَع بَيْن هَذِهِ الرِّوَايَات ، وَيُعْمَل بِهَا كُلّهَا . فَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَههُ نَفَثَ عَنْ يَسَاره ثَلَاثًا قَائِلًا : أَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَان وَمِنْ شَرّهَا ، وَلْيَتَحَوَّلْ إِلَى جَنْبه الْآخَر ، وَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ ، فَيَكُون قَدْ عَمِلَ بِجَمِيعِ الرِّوَايَات . وَإِنْ اِقْتَصَرَ عَلَى بَعْضهَا أَجْزَأَهُ فِي دَفْع ضَرَرهَا بِإِذْنِ اللَّه تَعَالَى كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ الْأَحَادِيث . ا.هـ .
                      ومن مجموع الأحاديث الواردة في ذلك نستخلص هذه الآداب :
                      1 - التحول عن جنبه الذي كان عليه ؛ أي : يتحول عن الجهة التي كان نائما إليها ، إلى جهة أخرى ، ففي صحيح مسلم عَنْ جَابِرٍ t عَنْ رَسُولِ اللَّهِ e أَنَّهُ قَالَ : " إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ الرُّؤْيَا يَكْرَهُهَا فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا ، وَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ ثَلَاثًا ، وَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ " ( [1] ) ؛ وفيه تفاؤل بتحول الحال ، كما قد يكون فيه أيضا بُعْدٌ عن الجهة التي بها الشيطان .
                      2 - التعوذ من الشيطان ؛ أي : اللجوء إلى الله تعالى أن يقيه شر ما يكون من الشيطان من تخويف وتحزين ، ويحتمل مطلق التعوذ من كل ما يكون من الشيطان .

                      3 - النفث عن اليسار ثلاثا ؛ والنفث أقل من التفل ، والتفل يكون معه شيء من الريق ، وأما النفث فشبيه بالنفخ ، وقيل هما بمعنى ؛ وقيل مع النفث ريق خفيف ، وقال أبو عبيد : يشترط في التفل ريق يسير ، ولا يكون في النفث ، وقيل عكسه .. قال وسئلت عائشة عن نفث النبي e في الرقية ؟ فقالت : كما ينفث آكل الزبيب ، لا ريق معه ، قال : ولا اعتبار بما يخرج معه من بلة ولا يقصد ذلك ، وقد جاء في حديث الذي رقى بفاتحة الكتاب : فكان يجمع بزاقه ويتفل ، والله أعلم . قلت : وصوَّب ابن حجر - - أن النفث فيه ريق خفيف ، لكنه فرق بين النفث في الرقية ، والنفث إذا رأى ما يكره في الرؤيا ، لأنَّ الْمَطْلُوب فِي الْمَوْضِعَيْنِ مُخْتَلِف ، فالْمَطْلُوب فِي الرُّقْيَة التَّبَرُّك بِرُطُوبَةِ الذِّكْر ، وَالْمَطْلُوب هُنَا طَرْد الشَّيْطَان وَإِظْهَار اِحْتِقَاره وَاسْتِقْذَاره - كَمَا نَقَلَهُ النووي عَنْ عِيَاض - فَاَلَّذِي يَجْمَع الثَّلَاثَةَ الْحَمْلُ عَلَى التَّفْل فَإِنَّهُ نَفْخ مَعَهُ رِيق لَطِيف ، فَبِالنَّظَرِ إِلَى النَّفْخ قِيلَ لَهُ نَفْث وَبِالنَّظَرِ إِلَى الرِّيق قِيلَ لَهُ بُصَاق . ( [2] ) . والعلم عند الله تعالى .
                      والحكمة من النَّفْثِ ثَلَاثًا - كما نقل النووي عن القاضي عياض - طَرْدُ الشَّيْطَانِ الَّذِي حَضَرَ رُؤْيَاهُ الْمَكْرُوهَة تَحْقِيرًا لَهُ وَاسْتِقْذَارًا ، وَخُصَّتْ بِهِ الْيَسَار لِأَنَّهَا مَحَلّ الْأَقْذَار وَالْمَكْرُوهَات وَنَحْوهَا ، وَالْيَمِين ضِدَّهَا ( [3] ) .
                      وقد جاء فِي رِوَايَة جابر : " فَلْيَبْصُقْ عَلَى يَسَاره ثَلَاثًا ؛ وفي أخرى : " فَلْيَتْفُل " ؛ قال النووي : فَحَاصِله ثَلَاثَة ؛ أَنَّهُ جَاءَ : " فَلْيَنْفُثْ " ، وَ" فَلْيَبْصُق " ، وَ" فَلْيَتْفُل " ؛ وَأَكْثَر الرِّوَايَات " فَلْيَنْفُثْ " ، ومن العلماء من فرق بَيْن هَذِهِ الْأَلْفَاظ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إِنَّهَا بِمَعْنًى ، وَلَعَلَّ الْمُرَاد بِالْجَمِيعِ النَّفْث ، وَهُوَ نَفْخ لَطِيف بِلَا رِيق ، وَيَكُون التَّفْل وَالْبَصْق مَحْمُولَيْنِ عَلَيْهِ مَجَازًا . انتهى مختصرا ( [4] ) ؛ قال ابن العربي - : وأمر بالتفل كما يتفل الراقي ليقرر في النفس رميه عنها باحتقار ، فإذا تمكن ذلك في النفس خلق الله عند ذلك العصمة كما يخلق الشفاء عند تفل الراقي ( [5] ) .
                      ويكون النفث حين يستيقظ من نومه ؛ ففي رواية لمسلم عن أبي قتادة : " فَلْيَبْصُقْ عَلَى يَسَارِهِ حِينَ يَهُبُّ مِنْ نَوْمِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ " ويهب ، أي : يَسْتَيْقِظ .
                      4 - يقوم فيتوضأ ويصلي ، كما في حديث أبي هريرة المتقدم : " فَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ " ، لأنه بدخوله في الصلاة يكون قد لجأ إلى الله تعالى ، وقد كان النبي e إذا حزبه أمر يهرع إلى الصلاة ، لما في ذلك من القرب من الله تعالى الذي ينجي العبد مما هو فيه . وقال ابن العربي : لأن التحرم بها عصمة من الأسواء ، ونهي عن المنكر والفحشاء ( [6] ) .
                      5 - لا يخبر بها أحدا ؛ لقَوْله e : " وَلَا يُحَدِّث بِهَا أَحَدًا " وَسَبَبه أَنَّهُ رُبَّمَا فَسَّرَهَا تَفْسِيرًا مَكْرُوهًا عَلَى ظَاهِر صُورَتهَا ، وَكَانَ ذَلِكَ مُحْتَمَلًا ، فَوَقَعَتْ كَذَلِكَ بِتَقْدِيرِ اللَّه تَعَالَى ، فَإِنَّ الرُّؤْيَا عَلَى رِجْل طَائِر ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهَا كَانَتْ مُحْتَمِلَة وَجْهَيْنِ فَفُسِّرَتْ بِأَحَدِهِمَا وَقَعَتْ عَلَى قُرْب تِلْكَ الصِّفَة ؛ قَالُوا : وَقَدْ يَكُون ظَاهِر الرُّؤْيَا مَكْرُوهًا ، وَيُفَسَّر بِمَحْبُوب ، وَعَكْسه ، وَهَذَا مَعْرُوف لِأَهْلِهِ ( [7] ) ؛ ومن ذلك ما رواه أحمد ومسلم وابن ماجة عَنْ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ e أَنَّهُ قَالَ لِأَعْرَابِيٍّ جَاءَهُ فَقَالَ : إِنِّي حَلَمْتُ أَنَّ رَأْسِي قُطِعَ فَأَنَا أَتَّبِعُهُ ، فَزَجَرَهُ النَّبِيُّ e وَقَالَ : " لَا تُخْبِرْ بِتَلَعُّبِ الشَّيْطَانِ بِكَ فِي الْمَنَامِ " ؛ وفي رواية : قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ رَأْسِي ضُرِبَ فَتَدَحْرَجَ ، فَاشْتَدَدْتُ عَلَى أَثَرِهِ ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ e لِلْأَعْرَابِيِّ : " لَا تُحَدِّثْ النَّاسَ بِتَلَعُّبِ الشَّيْطَانِ بِكَ فِي مَنَامِكَ " وَقَالَ [ جابر ] سَمِعْتُ النَّبِيَّ e بَعْدُ يَخْطُبُ فَقَالَ : " لَا يُحَدِّثَنَّ أَحَدُكُمْ بِتَلَعُّبِ الشَّيْطَانِ بِهِ فِي مَنَامِهِ " ؛ وفي رواية أحمد وابن ماجة : " إِذَا حَلَمَ أَحَدُكُمْ فَلَا يُخْبِرْ النَّاسَ بِتَلَعُّبِ الشَّيْطَانِ بِهِ فِي الْمَنَامِ " ( [8] ) ؛ وروى أحمد والنسائي وابن ماجة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ e فَقَالَ : إِنِّي رَأَيْتُ رَأْسِي ضُرِبَ ، فَرَأَيْتُهُ يَتَدَهْدَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ e : " يَعْمِدُ الشَّيْطَانُ إِلَى أَحَدِكُمْ فَيَتَهَوَّلُ لَهُ ، ثُمَّ يَغْدُو يُخْبِرُ النَّاسَ " ( [9] ) ، ويَتَدَهْدَه : أَيْ يَتَدَحْرَج وَيَضْطَرِب .
                      فهذه الأحاديث الصحيحة تدل على أن من رأى رؤيا هي من تلعب الشيطان ، أو من تحزين الشيطان وتخويفه لابن آدم ، فلا يخبر بها أحدًا ؛ وهي - إن شاء الله - لا تضره إن فعل تلكم الآداب الخمسة التي أسلفنا الحديث عنها .


                      [1] - مسلم ( 2262 ) ، ورواه أبو داود ( 5022 ) .

                      [2] - انظر لسان العرب مادة ( نفث ) ، والمفردات للراغب : 521 ( نفث ) ، وشرح مسلم : 14 / 182 ، والنهاية في غريب الحديث : 5 / 88 ، وفتح الباري : 7 / 738 ، 12 / 371 .

                      [3] - انظر شرح مسلم : 15 / 18 .

                      [4] - انظر شرح مسلم : 15 / 18 .

                      [5] - انظر ( عارضة الأحوذي ) : 5 / 108 ( دار الفكر – بيروت )

                      [6] - انظر ( عارضة الأحوذي ) : 5 / 108 ( دار الفكر – بيروت )

                      [7] - انظر شرح النووي على صحيح مسلم : 15 / 18 .

                      [8] - أحمد : 3 / 350 ، ومسلم ( 2268 ) ، وابن ماجة ( 3913 ) .

                      [9] - أحمد : 2 / 364 ، والنسائي في الكبرى ( 10749 ) ، وابن ماجة ( 3911 ) ، وصححه الألباني في الصحيحة ( 2453 ) .
                      د . محمد عطية

                      تعليق


                      • #11
                        فائدة :
                        نقل النووي عن الْمَازِرِيُّ - رحمهما الله - قال : يَحْتَمِلُ أَنَّ النَّبِيّ عَلِمَ أَنَّ مَنَامه هَذَا مِنْ الْأَضْغَاث بِوَحْيٍ ، أَوْ بِدَلَالَةٍ مِنْ الْمَنَام دَلَّتْهُ عَلَى ذَلِكَ ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ مِنْ الْمَكْرُوه الَّذِي هُوَ مِنْ تَحْزِين الشَّيَاطِين .ا.هـ . وَأَمَّا الْعَابِرُونَ فَيَتَكَلَّمُونَ فِي كُتُبهمْ عَلَى قَطْع الرَّأْس ، وَيَجْعَلُونَهُ دَلَالَة عَلَى مُفَارَقَة الرَّائِي مَا هُوَ فِيهِ مِنْ النِّعَم ، أَوْ مُفَارَقَة مَنْ فَوْقه ، وَيَزُولُ سُلْطَانُهُ ، وَيَتَغَيَّرُ حَاله فِي جَمِيع أُمُوره ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَبْدًا فَيَدُلُّ عَلَى عِتْقه ، أَوْ مَرِيضًا فَعَلَى شِفَائِهِ ، أَوْ مَدْيُونًا فَعَلَى قَضَاء دَيْنه ، أَوْ مَنْ لَمْ يَحُجَّ فَعَلَى أَنَّهُ يَحُجُّ ، أَوْ مَغْمُومًا فَعَلَى فَرَحِهِ ، أَوْ خَائِفًا فَعَلَى أَمْنِهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ ( 1 ) .
                        __
                        1 ) انظر شرح النووي على صحيح مسلم : 15 / 27 .
                        د . محمد عطية

                        تعليق


                        • #12
                          آداب الرؤيا ( المحبوبة )

                          أما آداب الرؤيا المحبوبة التي هي بشرى لصاحبها أو لغيره ، فيمكن إجمالها فيما يلي :
                          1 - حمد الله تعالى على الرؤيا الحسنة ؛ فإنها بشرى ، والبشرى نعمة لقوله e : " فَالرُؤْيَا الصَّالِحَةِ بُشْرَى مِنْ اللَّهِ " .
                          2 - يستبشر خيرًا بما رآه ، لقوله e : " فَإِنْ رَأَى رُؤْيَا حَسَنَةً فَلْيُبْشِرْ " مِنْ الْإِبْشَار وَالْبُشْرَى والبشارة ، فهي في نفسها بشرى لعظم مسرتها في نفس الرائي .
                          3 - لا يخبر بها إلا من يحب ؛ لقَوْله e فِي الرُّؤْيَا الْمَحْبُوبَة الْحَسَنَة : " لَا تُخْبِر بِهَا إِلَّا مَنْ تُحِبّ " وَسَبَبه - كما يقول النووي - أَنَّهُ إِذَا أَخْبَرَ بِهَا مَنْ لَا يُحِبّ رُبَّمَا حَمَلَهُ الْبُغْض أَوْ الْحَسَد عَلَى تَفْسِيرهَا بِمَكْرُوهٍ ، فَقَدْ يَقَع عَلَى تِلْكَ الصِّفَة ، وَإِلَّا فَيَحْصُل لَهُ فِي الْحَال حُزْن وَنَكَد مِنْ سُوء تَفْسِيرهَا ؛ وَاللَّهُ أَعْلَم ([1])؛ وفي حديث أبي رزين العقيلي t عند أحمد وأبي داود والترمذي وابن ماجةمرفوعا: " وَلَا تُحَدِّثْ بِهَا إِلَّا لَبِيبًا أَوْ حَبِيبًا " فـ(أَوْ) لِلتَّنْوِيعِ ؛ واللبيب : العَاقِل ، وهو إِمَّا أن يَعْبُرُ بِالْمَحْبُوبِ ، أَوْ يَسْكُتُ عَنْ الْمَكْرُوهِ ؛ والحَبِيب، أَيْ : المُحِبُّ لَا يَعْبُرُ لَك إِلَّا بِمَا يَسُرُّك ، وفي رواية : " وَلَا يَقُصّهَا إِلَّا عَلَى وَادٍّ أَوْ ذِي رَأْي " ([2]) ؛ والوادُّ اِسْم فَاعِل مِنْ الْوُدِّ .
                          هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فقد يكون حكايتهالمبغضداعيًالأن يكيد له كيدا ؛ كما يفهم من وصية يعقوب ليوسف - : ] لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ[ ( يوسف : 5 ).

                          4 - لا يطلب تأويلها إلا من عالم بتعبير الرؤى ؛ ففِي حديث أبي هريرة المتقدم " لَا تُقَصُّ الرُّؤْيَا إِلَّا عَلَى عَالِمٍ أَوْ نَاصِحٍ " ؛ وليس كل أحد يحسن تأويل الرؤى ، فإنه علم دقيق ؛ وقوله e في حديث أبي رزين العقيلي : " أَوْ ذِي رَأْي " مَعْنَاهُ : ذُو عِلْم بِعِبَارَةِ الرُّؤْيَا ؛ فَإِنَّهُ يُخْبِرك بِحَقِيقَةِ تَفْسِيرهَا أَوْ بِأَقْرَب مَا يُعْلَم مِنْهُ ؛ نقله العظيم أبادي في ( عون المعبود ) عن الزَّجَّاج ( [3] ) . ونقل ابن حجر عن الْقَاضِي أَبِي بَكْر بْن الْعَرَبِيِّ قَالَ : أَمَّا الْعَالِم فَإِنَّهُ يُؤَوِّلهَا لَهُ عَلَى الْخَيْر مَهْمَا أَمْكَنَهُ ، وَأَمَّا النَّاصِح فَإِنَّهُ يُرْشِد إِلَى مَا يَنْفَعهُ وَيُعِينهُ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا اللَّبِيب وَهُوَ الْعَارِف بِتَأْوِيلِهَا فَإِنَّهُ يُعْلِمهُ بِمَا يُعَوَّل عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ أَوْ يَسْكُت ، وَأَمَّا الْحَبِيب فَإِنْ عَرَفَ خَيْرًا قَالَهُ وَإِنْ جَهِلَ أَوْ شَكَّ سَكَتَ ؛ ثم قال ابن حجر – : قُلْت : وَالْأَوْلَى الْجَمْع بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ فَإِنَّ اللَّبِيب عَبَّرَ بِهِ عَنْ الْعَالِم ؛ وَالْحَبِيب عَبَّرَ بِهِ عَنْ النَّاصِح ( [4] ) .ا.هـ . قال مقيده - عفا الله عنه - وهو جمع حسن . وسيأتي مزيد بيان عند الحديث عن ( من يعبر الرؤيا ؟ ) .
                          هذا ، والعلم عند الله تعالى .
                          [1] - انظر شرح النووي على صحيح مسلم : 15 / 20 .

                          [2] - سيأتي الحديث بتمامه وتخريجه إن شاء الله تعالى .

                          [3] - انظر عون المعبود : 8 / 331 ( دار الحديث ) .

                          [4] - انظر فتح الباري : 12 / 386 .
                          د . محمد عطية

                          تعليق


                          • #13
                            فائدة :
                            قال ابن حجر – : وَذَكَرَ أَئِمَّة التَّعْبِير أَنَّ مِنْ أَدَب الرَّائِي أَنْ يَكُون صَادِق اللَّهْجَة ، وَأَنْ يَنَام عَلَى وُضُوء عَلَى جَنْبه الْأَيْمَن ، وَأَنْ يَقْرَأ عِنْدَ نَوْمه الشَّمْس وَاللَّيْل وَالتِّين وَسُورَة الْإِخْلَاص وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ ، وَيَقُول : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذ بِك مِنْ سَيِّئ الْأَحْلَام , وَأَسْتَجِير بِك مِنْ تَلَاعُب الشَّيْطَان فِي الْيَقَظَة وَالْمَنَام ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلك رُؤْيَا صَالِحَة صَادِقَة نَافِعَة حَافِظَة غَيْر مُنْسِيَة , اللَّهُمَّ أَرِنِي فِي مَنَامِي مَا أُحِبُّ ؛ وَمِنْ أَدَبه أَنْ لَا يَقُصَّهَا عَلَى عَدُوٍّ وَلَا جَاهِل ( [1] ) .

                            [1] - انظر ( فتح الباري ) : 12 / 451 مختصرا ؛ وماذكرهالحافظنقلاعنأئمةالتغبيرمنالقراءةوالدعاءالمذكورين؛ليسعليهدليل، لكن يجوز فعله لمناسبة الحال ، وحتى لا يظن أحد سنيته ، لزم التنويه ؛ ويكفي في ذلك ما ثبت عن النبي e من أذكار عند النوم .
                            د . محمد عطية

                            تعليق


                            • #14
                              فصل : أصدق الرؤى

                              يتعلق الحكم على ( أصدق الرؤى ) بوقت الرؤيا من ليل أو نهار ، وزمانها من حيث اعتدال الزمان أو قرب الساعة ، وحال الرائي من صدق أو كذب ؛ ولا يثبت شيء من هذا إلا بدليل ، أو طول تمرس وسبر لأحوال الرائين .
                              فأما ما يتعلق بوقت الرؤيا ؛ فقد بوب البخاري بابين ، الأول : ( بَاب رُؤْيَا اللَّيْل ) قال ابن حجر : أَيْ رُؤْيَا الشَّخْص فِي اللَّيْل هَلْ تُسَاوِي رُؤْيَاهُ بِالنَّهَارِ أَوْ تَتَفَاوَتَانِ ؟ وَهَلْ بَيْن زَمَانِ كُلٍّ مِنْهُمَا تَفَاوُتٌ ؟ وَكَأَنَّهُ يُشِير إِلَى حَدِيث أَبِي سَعِيد " أَصْدَقُ الرُّؤْيَا بِالْأَسْحَارِ " أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مَرْفُوعًا وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان ؛ وَذَكَرَ نَصْر بْن يَعْقُوب الدِّينَوَرِيّ أَنَّ الرُّؤْيَا أَوَّلَ اللَّيْل يُبْطِئ تَأْوِيلُهَا ، وَمِنْ النِّصْف الثَّانِي يُسْرِع بِتَفَاوُتِ أَجْزَاء اللَّيْل ، وَأَنَّ أَسْرَعَهَا تَأْوِيلًا رُؤْيَا السَّحَر ، وَلَا سِيَّمَا عِنْد طُلُوع الْفَجْر , وَعَنْ جَعْفَر الصَّادِق أَسْرَعُهَا تَأْوِيلًا رُؤْيَا الْقَيْلُولَة ( [1] ) . والباب الثاني : ( بَاب الرُّؤْيَا بِالنَّهَارِ )، وروى عَنْ ابْنِ سِيرِينَ قال : رُؤْيَا النَّهَارِ مِثْلُ رُؤْيَا اللَّيْلِ ( [2] ) ، قال الحافظ في ( الفتح ) : قَالَ الْقَيْرَوَانِيّ : وَلَا فَرْقَ فِي حُكْم الْعِبَارَة بَيْن رُؤْيَا اللَّيْل وَالنَّهَار ، وَكَذَا رُؤْيَا النِّسَاء وَالرِّجَال ، وَقَالَ الْمُهَلَّب نَحْوه ؛ وَقَدْ تَقَدَّمَ نَحْو مَا نُقِلَ عَنْ بَعْضهمْ فِي التَّفَاوُت , وَقَدْ يَتَفَاوَتَانِ أَيْضًا فِي مَرَاتِب الصِّدْق ( [3] ) .
                              والحديث الذي أشار إليه الحافظ رواه أحمد والترمذي والحاكم وابن حبان عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ e قَالَ : " أَصْدَقُ الرُّؤْيَا بِالْأَسْحَارِ " ( [4] ) أَيْ : مَا رُئِيَ بِالْأَسْحَارِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْغَالِبَ حِينَئِذٍ أَنْ تَكُونَ الْخَوَاطِرُ مُجْتَمِعَةً وَالدَّوَاعِي سَاكِنَةً ، وَلِأَنَّ الْمَعِدَةَ خَالِيَةٌ فَلَا يَتَصَاعَدُ مِنْهَا الْأَبْخِرَةُ الْمُشَوِّشَةُ ، وَلِأَنَّهَا وَقْتُنُ زُولِ الْمَلَائِكَةِ لِلصَّلَاةِ الْمَشْهُودَةِ ؛ ذَكَرَهُالطِّيبِيُّ([5]) ؛ وقال ابن العربي - : وذلك لوجهين : أحدهما : فضل الوقت بانتشار الرحمة فيه ؛ والثاني : لراحة القلب والبدن بالنوم ، وخروجهما عن تعب الخواطر وتوتر الشعور والتصرفات ، ومتى كان القلب أفرغ كان الوعي لما يلقى إليه ( [6] ) .
                              قال مقيده عفا الله عنه : لو صح الحديث لكان رافعا للإشكال ، ولكنه فيه ضعف ، فلذلك نقلنا الخلاف في الوقت ؛ ونقل ابن بطال عن المهلب قال : معنى هذين البابين أنه لا يخص نوم النهار على نوم الليل، ولا نوم الليل على نوم النهار بشيء من صحة الرؤيا وكذبها ، وأن الرؤيا متى أريت فحكمها واحد .ا.هـ . على أنه يمكن أن يترجح وقت السحر بفضيلة هذا الوقت وبما ذكر العلماء من حال الرائي في هذا الوقت ، قال ابن القيم - - في ( مدارج السالكين ) : وأصدق الرؤيا رؤيا الأسحار ، فإنه وقت النزول الإلهي ، واقتراب الرحمة والمغفرة ، وسكون الشياطين ؛ وعكسه رؤيا العتمة عند انتشار الشياطين والأرواح الشيطانية .ا.هـ ( [7] ) . والعلم عند الله تعالى .
                              فهذا ما يختص بوقت الرؤيا .
                              وأما ما يتعلق بزمان الرؤيا وحال الرائي ؛ ففي المقال الآتي ... إن شاء الله تعالى .

                              [1] - انظر ( فتح الباري ) : 12 / 407 ( دار الريان للتراث ) .

                              [2] - رواه معلقا عن ابن سيرين في ترجمة بَاب ( الرُّؤْيَا بِالنَّهَارِ ) من كتاب ( التعبير ) .

                              [3] - انظر ( فتح الباري ) : 12 / 409 ( دار الريان للتراث ) .

                              [4] - أحمد : 3 / 29 ، 68 ، والترمذي ( 2274 ) ، والدارمي ( 2146 ) ، وفي إسناده ابن لهيعة لكنه من حديث قتيبة عنه عند الترمذي ، وقتيبة ممن سمع منه قديما ، وتابعه عمرو بن الحارث عن دراج به عند أحمد : 3 / 68 ، وابن حبان ( 1799 ) والحاكم : 4 / 392 ، وصححه ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي ؛ لكنَّ درَّاجا أبا السمح ضعيف في روايته عن أبي الهيثم ، ويحسِّن له عنأبيالهيثمالترمذيوابنحبانوالحاكم، وقد أورده الذهبي في ( المغني في ضعفاء الرجال ) وقال : ضعفه أبو حاتم ، وقال أحمد : أحاديثه مناكير ؛ وعد ابن عدي هذا الحديث مما أنكر من أحاديث درَّاج ؛ و أما الترمذي فسكت عنه .

                              [5] - نقلا عن تحفة الأحوذي للمباركفوري : 6 / 552 .

                              [6] - انظر ( عارضة الأحوذي ) : 5 / 108 ( دار الفكر – بيروت )

                              [7] - انظر مدارج السالكين : 1 / 52 .
                              د . محمد عطية

                              تعليق


                              • #15
                                ما يتعلق بزمان الرؤيا وحال الرائي
                                في حديث أبي هريرة المتقدم : " إِذَا اِقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الْمُسْلِمِ تَكْذِبُ ؛ وَأَصْدَقُكُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُكُمْ حَدِيثًا " .
                                قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره : قِيلَ : الْمُرَاد إِذَا قَارَبَ الزَّمَان أَنْ يَعْتَدِل لَيْله وَنَهَاره ، وَقِيلَ : الْمُرَاد إِذَا قَارَبَ الْقِيَامَة ؛ وَالْأَوَّل أَشْهَر عِنْد أَهْل عَبْر الرُّؤْيَا ، وَجَاءَ فِي حَدِيث مَا يُؤَيِّد الثَّانِي ؛ وَاللَّهُ أَعْلَم ( [1] ) . وقَالَ صَاحِبُ ( الْفَائِقِ ) فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ : أَحَدُهَا أَنَّهُ أَرَادَ آخِرَ الزَّمَانِ وَاقْتِرَابَ السَّاعَةِ ، لِأَنَّ الشَّيْءَ إِذَا قَلَّ وَتَقَاصَرَ تَقَارَبَتْ أَطْرَافُهُ ، وَيُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ e : " فِي آخِرِ الزَّمَانِ لَا تَكَادُ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ تَكْذِبُ " ( [2] ) ؛ ثَانِيهَا أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ اِسْتِوَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، لِزَعْمِ الْعَابِرِينَ أَنَّ أَصْدَقَ الْأَزْمَانِ لِوُقُوعِ الْعِبَارَةِ وَقْتُ اِنْفِتَاقِ الْأَنْوَارِ ، وَزَمَانُ إِدْرَاكِ الْأَثْمَارِ ، وَحِينَئِذٍ يَسْتَوِي اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ . وَثَالِثُهَا أَنَّهُ مِنْ قوله e : " يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ حَتَّى تَكُونَ السَّنَةُ كَالشَّهْرِ ، وَالشَّهْرُ كَالْجُمْعَةِ ، وَالْجُمْعَةُ كَالْيَوْمِ ، وَالْيَوْمُ كَالسَّاعَةِ " ، قَالُوا : يُرِيدُ بِهِ زَمَنَ خُرُوجِ الْمَهْدِيِّ وَبَسْطِ الْعَدْلِ وَذَلِكَ زَمَانٌ يُسْتَقْصَرُ لِاسْتِلْذَاذِهِ فَيَتَقَارَبُ أَطْرَافُهُ .ا.هـ ( [3] ) . ورجح ابن العربي في ( عارضة الأحوذي ) أن المراد بتقارب الزمان : اقتراب يوم القيامة ، فإنها الحاقة التي تحق فيها الحقائق ، فكلما قرب منها فهو أخص بها ( [4] ) ، وكذا رجحه الحافظ في ( فتح الباري ) ( [5] ) . وقال ابن القيم : وهي عند اقتراب الزمان لا تكاد تخطئ كما قال النبي e ؛ وذلك لبعد العهد بالنبوة وآثارها ، فيتعوض المؤمنون بالرؤيا ؛ وأما في زمن قوة نور النبوة ففي ظهور نورها وقوته ما يغني عن الرؤيا ( [6] ) . فهذا ما يختص بالزمان .

                                ما يتعلق بحال الرائي
                                فقَوْله e : " وَأَصْدَقكُمْ رُؤْيَا أَصْدَقكُمْ حَدِيثًا " قال النووي - : ظَاهِره أَنَّهُ عَلَى إِطْلَاقه ؛ لِأَنَّ غَيْر الصَّادِق فِي حَدِيثه يَتَطَرَّق الْخَلَل إِلَى رُؤْيَاهُ وَحِكَايَته إِيَّاهَا .ا.هـ ( [7] ) . ورواية الترمذي : " وَأَصْدَقهُمْ رُؤْيَا أَصْدَقهُمْ حَدِيثًا " قال ابن العربي - : وذلك لأن الأمثال إنما تضرب على مقتضى أحواله من تخليط وتحقيق ، وكذب وصدق ، وهزل وجد ، ومعصية وطاعة .. قال ابن سيرين : ما احتلمت في حرام قط ، فقال بعضهم : ليت عقل ابن سيرين في المنام يكون لي في اليقظة ( [8] ) .
                                قال الغزالي - : الرؤيا انكشاف لا يحصل إلا بانقشاع الغشاوة عن القلب فلذلك لا يوثق إلا برؤيا الرجل الصالح الصادق ، ومن كثر كذبه لم تصدق رؤياه ، ومن كثر فساده ومعاصيه أظلم قلبه فكان ما يراه أضغاث أحلام ؛ ولهذا أمر بالطهارة عند النوم لينام طاهرًا ، وهو إشارة لطهارة الباطن أيضا فهو الأصل ، وطهارة الظاهر كالتتمة ( [9] ) .
                                قال ابن القيم - : والرؤيا مبدأ الوحي ؛ وصدقها بحسب صدق الرائي ، وأصدق الناس رؤيا أصدقهم حديثا ، وهي عند اقتراب الزمان لا تكاد تخطئ كما قال النبي e ( [10] ) .

                                [1] - نقلا عن شرح النووي على صحيح مسلم : 15 / 23 ( دار المعرفة - ط 8 ) ، وفتح الباري : 12 / 423 ( الريان للتراث ) .

                                [2] - معنى حديث أبي هريرة المتقدم : " إذا تقارب الزمان .. " الحديث .

                                [3] - انظر ( الفائق في غريب الحديث ) للزمخشري : 3 / 175 .

                                [4] - انظر ( عارضة الأحوذي ) : 5 / 105 ( دار الفكر – بيروت ) .

                                [5] - انظر فتح الباري : 12 / 423 ( الريان للتراث ) .

                                [6] - انظر مدارج السالكين : 1 / 50 .

                                [7] - نقلا عن شرح النووي على صحيح مسلم : 15 / 23 ( دار المعرفة – ط 8 ) .

                                [8] - انظر ( عارضة الأحوذي ) : 5 / 105 ( دار الفكر – بيروت )

                                [9] - نقلا عن فيض القدير : 4 / 60 .

                                [10] - انظر مدارج السالكين : 1 / 50 .
                                د . محمد عطية

                                تعليق

                                19,962
                                الاعــضـــاء
                                231,888
                                الـمــواضـيــع
                                42,546
                                الــمــشـــاركـــات
                                يعمل...
                                X