• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • شرح الأصول الثلاثة مطولًا (1)

      بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله

      سأبدأ إن شاء الله تعالى عرض شرح الأصول الثلاثة مطولًا على هيئة حلقات , سائلًا الله أن ينفعني به يوم ألقاه , وأن ينفع به , وأن يعلمنا ما ينفعنا وينفعنا بما علمنا إنه ولي ذلك والقادر عليه .

      بِسْـمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

      الحَمْدُ للهِ وَكَفَى , وَصَلَاةٌ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى لَاسِيَّمَا عَبْدِهِ المُصْطَفَى وَآلِهِ المُسْتَكْمِلِينَ الشَّرَفَا .
      أَمَّا بَعْدُ ...
      فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ , وَأَحْسَنَ الهَدْيِّ هَدْيُّ مُحَمَّدٍ , وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا , وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ , وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ , وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ .

      لَمَّا كَانَ مِن مَقَاصِدِ التَّأْلِيفِ وَالتَّصْنِيفِ الَّتِي عَدَّهَا أَبُو حَيَّانَ :
      (جَمْعِ مُفْتَرِقٍ) – وَذَكَرَ سَبْعَةً غَيْرَهُ وَهِيَ: اخْتِرَاعَ مَعْدُومٍ , أَوْ تَكْمِيلَ نَاقِصٍ , أَوْ تَفْصِيلَ مُجْمَلٍ , أَوْ تَهْذِيبَ مُطَوَّلٍ , أَوْ تَرْتِيبَ مُخَلَّطٍ , أَوْ تَعْيِينَ مُبْهَمٍ , أَوْ تَبْيِينَ خَطَأٍ - كَانَ هَذَا تَجْمِيعُ شُرُوحِ مَتْنِ الأُصُولِ الثَّلَاثَةِ وَأَدِلَّتِهَا , جَمَعْتَهَا مِن وَقْعِ شُرُوحٍ لِمَشَايِخٍ كِبَارٍ مَشْهُودٍ لَهُمْ بِالْعِلْمِ وَسَلَامَةِ المَنْهَجِ – نَحْسَبُهُمْ كَذَلِكَ وَاللهُ حَسِيبُهُمْ – وَإِنْ كَانَ أَغْلَبُ مَا فِي الشَّرْحِ مُسْتَفَادًا مِن دُرُوسِ شَيْخِنَا الهُمَامِ / أَحْمَدَ بنِ عُمَرَ الحَازِمِيِّ – حَفِظَهُ اللهُ وَنَفَعَ بِهِ – كَمَا أَدْرَجْتُ مَعَهُ بَعْضَ تَعْلِيقَاتٍ لِلْشَّيْخِ العَلَامَّةِ / مُحَمَّدِ بنِ صَالِحِ بنِ العُثَيْمِيِّنَ – رَحِمَهُ اللهُ – كَمَا كَانَ الشَّيْخُ الحَازِمِيُّ يَعْتَمِدُ تَعْلِيقَاتَهُ أَثْنَاءَ شَرْحِهِ , كَمَا أَخْبَرَ هُوَ فِي ثَنَايَا الشَّرْحِ , وَكَذَلِكَ أَفَدتُكَ تَعْلِيقَاتٍ مِن أَصْحَابِ الفَضِيلَةِ :
      الشَّيْخِ / صَالِحِ الفَوْزَانَ (حَفِظَهُ اللهُ وَنَفَعَ بِهِ) .
      الشَّيْخِ / صَالِحِ آلَ الشَيْخِ (حَفِظَهُ اللهُ وَنَفَعَ بِهِ) .
      الشَّيْخِ / عَبْدِ اللهِ الفَوْزَانَ (حَفِظَهُ اللهُ وَنَفَعَ بِهِ) .
      فَجَمَعْتُ الفَوَائِدَ وَرَتَّبْتَهَا , وَمَا كَانَ لِي مِن عَمَلٍ غَيْرِ ذَلِكَ , وَاللهَ أَسْأَلُ أَن يَرْزُقَنِي الإِخْلَاصَ , وَأَن يُبَارِكَ فِي هَذَا العَمَلِ وَيَنْفَعَنِي بِهِ وَيَنْفَعَ بِهِ غَيْرِي , وَأَن يَرْزُقَنِي بَرَكَةَ العِلْمِ المَنُوطَةَ بِعَزْوِهِ لِأَهْلِهِ , وَأَعُوذُ بِاللهِ مِن ثَوْبَيِّ الزُّورِ , وَأَن يَرْزُقَنِي اعْتِقَادًا صَحِيحًا خَالِصًا , وَاتِّبَاعًا صَوَابًا مُجَرَّدًا , إِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالقَادِرُ عَلَيْهِ .

      وَهَذَا فَصْلٌ فِي أَهَمِيَّةِ العِلْمِ وَضَرُورَتِهِ وَفَضْلِهِ , وَالحَثِّ عَلَى تَوْجِيهِ مَعَالِي الهِمَمَ لِطَلَبِهِ , أُقدِّمُ بِهِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي المَقْصُودِ مِن شَرِحِ المَتْنِ , ألَّا يَسْتَثْقِلَ الطَّالِبُ طُولَ الشَّرْحِ وَتَفْرِيعَاتَهُ ؛ إِذْ فَشَى – وَلَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ – بَيْنَ طَلَبَةِ العِلْمِ الاهْتِمَامُ بِالدُّرُوسِ العَامَةِ فَقَط دُونَ المَنْهَجِيِّ مِنْهَا , وَأَصْبَحَ الطُّلَّابُ لَا تَنْبَعِثُ هِمَمَهُم إِلَّا لِلَّطِيفِ مِنَ الدُّرُوسِ القَصَصِيةِ وَالوَعْظِيةِ العَامَّةِ – مَعَ عَدَمِ التَّقْلِيلِ مِن شَّأْنِ الوَعْظِ ؛ لَكِنْ لَا يَكُونُ هُوَ الأَصْلُ وَالأَسَاسُ الَّذِي يَنْشَطُ لَهُ الطُّلَّابُ عَلَى حِسَابِ الدُّرُوسِ المّنْهَجِيَّةِ الَّتِي تُؤَصِّلُ المَسَائِلَ وَتُحَرِّرُهَا – فَتَرَى الحُضُورَ فِي هَذِهِ الدُّرُوسِ كَثِيرًا وَللهِ الحَمْدُ , وَإِذَا نَظَرْتَ لِلدُّرُوسِ التَّأْصِيلِيَّةِ العِلْمِيَّةِ تَكَادُ تَرَى المَسْجِدَ خَالِيًا , وَإِلى اللهِ المُشْتَكَى , وَهَذِهِ لَيْسَتْ بِقَاعِدَةٍ عَامَّةٍ ؛ بَلْ هُنَاكَ الكَثِيرُ مِنَ الأَمَاكِنِ وَالمَسَاجِدِ مَا تَكْتَظُ بِطَلَبَةِ العِلْمِ المُجْتَهِدِينَ فِي الطَّلَبِ وَالمُثَابِرِينَ عَلَيْهِ , أَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنْهُم ؛ وَإِن كُنَّا لَسْنَا أَهْلًا لِذَلِكَ ؛ وَلَكِنَّ الفَضْلَ عِنْدَ الكِرَامِ مَأْمُولُ , وَلَا أَكْرَمَ مِنَ المَلِكِ سُبْحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ .

      عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله : ((طلب العلم فريضة على كل مسلم)) . أخرجه من أصحاب الكتب الستة ابن ماجة : (1/81)، وأخرجه أبو يعلى في "مسنده" : (رقم : 2837)، والطبراني في "الأوسط" : (1/33) ، وغيرهم كثيرون ، وقد اختلف أهل العلم في هذا الحديث، فمنهم من صححه ومنهم من ضعفه , وممن صححه الألباني في "تخريج أحاديث مشكلة الفقر" وقال بعد أن تكلم عن طرقه : (إن طرقه يقوي بعضها بعضاً، بل أحدها حسن، فالحديث بمجموع ذلك صحيح بلا ريب عندي) .
      وعن إسحاق بن منصور الكوسج قال: سمعت إسحاق بن راهوية يقول: (طلب العلم واجب , ولم يصح فيه الخبر , إلا أن معناه أن يلزمه طلب علم ما يحتاج إليه من وضوئه وصلاته , وزكاته إن كان له مال , وكذلك الحج وغيره ...)
      قال أبو عمر (ابن عبد البر) : (يريد إسحاق – والله أعلم – أن الحديث في وجوب طلب العلم في أسانيده مقال لأهل العلم بالنقل , ولكن معناه صحيح عندهم , وإن كانوا قد اختلفوا فيه اختلافًا متقاربًا) .
      وقال أبو عمر : قد أجمع العلماء على أن من العلم ما هو فرضٌ متعينٌ على كل امرئ في خاصة نفسه , ومنه ما هو فرضٌ على الكفاية إذا قام به قائم سقط فرضه عن أهل ذلك الموضع .
      واختلفوا في تلخيص ذلك , والذي يلزم الجميع فرضٌ من ذلك ما لا يسع الإنسان جهله من جملة الفرائض المفترضة عليه نحو الشهادة باللسان والإقرار بالقلب بأن الله وحده لا شريك له , ولا شبه له , ولا مثل له ......
      وأن القرآن كلام الله , وما فيه حق من عند الله يلزم الإيمان بجميعه , واستعمال محكمه , وأن الصلوات الخمس فريضة , ويلزمه من علمها علم ما لا تتم إلا به , من طهارتها وسائر أحكامها , وأن صوم رمضان فرض , ويلزمه علم ما يفسد صومه , وما لا يتم إلا به ......
      إلى أشياء يلزمه معرفة جُمَلها , ولا يُعذر بجهلها , نحو تحريم الزنا , وتحريم الخمر , وأكل الخنزير , وأكل الميتة , والأنجاس كلها , والسرقة , والربا , والغصب , والرشوة في الحكم , والشهادة بالزور , وأكل أموال الناس بالباطل ......
      وما كان مثل هذا كله مما نطق به الكتاب , وأجمعت الأمة عليه , ثم سائر العلم وطلبه والتفقه فيه , وتعليم الناس إياه , وفتواهم به في مصالح دينهم ودنياهم , والحكم به بينهم فرض على الكفاية , يلزم الجميع فرضه , فإذا قام به قائم سقط فرضه عن الباقين , لا خلاف بين العلماء في ذلك , وحجتهم فيه قول الله : ﴿وَمَاكَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِينفرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّفِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لّيِتَفَقَّهُوا فِي الدّيِنِ وَلِيُنذِرُواقَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِليْهِمْ﴾ . فألزم النفيرَ في ذلك البعضَ دون الكل , ثم ينصرفون فيعلمون غيرهم , والطائفة في لسان العرب: الواحد فما فوقه .
      وعن سفيان بن عيينة قال: سمعت جعفر بن محمد يقول: (وجدنا علم الناس كله في أربع: أولها: أن تعرف ربك , والثاني: أن تعرف ما صنع بك , والثالث: أن تعرف ما أراد منك , والرابع: أن تعرف ما تخرج من دينك ؛ وقال بعضهم: ما يُخرجك من دينك) . اهـ (بتصرف يسير من صحيح جامع بيان العلم وفضله)
      وفي تفضيل العلم والتعليم على نوافل العبادات , جاء حديث عبد الله بن سعد الأنصاري , ولبعضه شاهد من حديث أبي ذر مرفوعًا , وكلاهما لم يصح إسناده , ولكن له أصل من كلام ابن مسعود موقوفًا عليه من طرق بألفاظ مختلفة , قال : ((إنكم أصبحتم في زمان كثيرٌ فقهاؤه قليل خطباؤه , قليلٌ سائلوه كثيرٌ معطوه , العمل فيه خير من العلم , وسيأتي على الناس زمان قليلٌ فقهاؤه كثيرٌ خطباؤه , قليلٌ معطوه كثيرٌ سائلوه , العلم فيه خير من العمل)) .
      وقال ابن وهب : كنت عند مالك بن أنس فجاءت صلاة الظهر أو العصر وأنا أقرأ عليه , وأنظر في العلم بين يديه , فجمعت كتبي وقُمتُ لأركع , فقال لي مالكٌ: (ما هذا؟ قلت: أقوم للصلاة . قال: إنّ هذا لعجيب , فما الذي قُمتَ إليه بأفضل من الذي كنت فيه ؛ إذا صحت النيةُ فيه) .
      وعن الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي يقول : (طلب العلم أفضل من الصلاة النافلة) .
      ولكن هذا ليس مطلقًا بمعنى أن تُترك النوافل كلها لطلب العلم ؛ إذ الغاية من طلب العلم العمل به , فإن لم يعمل فلا ثمرة لعلمه هذا وساوى الجاهل في العمل بعلمه , فلا يسمى عالمًا , فعن أبي عصمةَ عاصمِ بن عصامٍ البيهقي قال ( بتُّ ليلة عند الإمام أحمد فجاء بالماءفلما أصبح نظر إلى الماء فإذا هو كما كان , فقال : سبحان الله , رجل يطلب العلملا يكون له وِرد بالليل).
      أنشدعَمْرُو بْنُ الْجَاحِظِلِصَالِحِ بْنِ جَنَاحٍ فِي الْعِلْمِ :
      تَعَلَّمْ إِذَا مَا كُنْتَ لَيْسَ بِعَالِمٍ
      فَمَا الْعِلْمُ إِلا عِنْدَ أَهْلِ التَّعَلُّمِ
      تَعَلَّمْ فَإِنَّ الْعِلْمَ زَيْنٌ لأَهْلِهِ
      وَلَنْ تَسْتَطِيعَ الْعِلْمَ إِنْ لَمْ تُعَلَّمِ
      تَعَلَّمْ فَإِنَّ الْعِلْمَ أَزْيَنُ بِالْفَتَى
      مِنَ الْحُلَّةِ الْحَسْنَاءِ عِنْدَ التَّكَلُّمِ
      وَلا خَيْرَ فِيمَنْ رَاحَ لَيْسَ بِعَالِمٍ
      بَصِيرٍ بِمَا يَأْتِي وَلا مُتَعَلِّمِ
      وكان الثوري يقول : (لا أعلم من العبادة شيئًا أفضل من أن تعلِّم الناس شيئًا)
      العلمُ فيه حياةٌ للقلوبِ كما
      تحيا البلادُ إذا ما مَسَّها المطرُ
      والعلمُ يجلو العمى عن قلبِ صاحِبِهِ
      كما يجلى سوادُ الظلمةِ القمرُ
      وفي الحض على استدامة الطلب , والصبر فيه على اللأواء والنصب , وكان أبو بكر الخياط يدرس جميع أوقاته , حتى في الطريق , وكان ربما سقط في جُرُفٍ أو خبطته دابة.
      وكان بعضهم يقول: (متى تبلغ من العلم مبلغًا يُرضي؟ وأنت تؤثر النومَ على الدرس , والأكلَ على القراءة) .
      قال الشيخ أبو الأشبال : هذا – والله – الحرص والاجتهاد , ولم يبلغ القوم ما بلغوا إليه إلا بعد بذل الجهد الشديد , والدأب في التحصيل والتعب الكثير , وسهر الليالي الطوال حتى حازوا ذلك الفضل والجاه العريض الباقي على أعقاب الليالي والأيام , ومن جَدَّ وجد .
      كان مالك بن أنس يقول: (لا ينبغي لأحد يكون عنده العلم , أن يترك التعلُّم) .
      قال ابن أبي غسان : (لا تزال عالمًا ماكنت متعلمًا , فإذا استغنيت كنت جاهلًا) .

      وعن أبي الدرداء رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قال سمعت رَسُول اللَّهِيقول: (من سلك طريقاً يبتغي فيه علماً سهل اللَّه له طريقاً إلى الجنة،وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع، وإن العالم ليستغفرله من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم علىالعابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإنالأنبياء لم يورّثوا ديناراً ولا درهماً إنما ورّثوا العلم، فمن أخذه أخذبحظ وافر) رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ.
      قال ابن القيم في (مفتاح دار السعادة) :
      وقوله ((وإن العلماء ورثة الأنبياء)) هذا من أعظم المناقب لأهل العلم , فإن الأنبياء خير خلق الله فورثتهم خير الخلق بعدهم , ولما كان كل موروث ينتقل ميراثه إلى ورثته ؛ إذ هم الذين يقومون مقامه من بعده , ولم يكن بعد الرسل من يقوم مقامهم في تبليغ ما أرسلوا به إلا العلماء , كانوا أحق الناس بميراثهم , وفي هذا تنبيه على أنهم أقرب الناس إليهم , فإن الميراث إنما يكون لأقرب الناس إلى الموروث , وهذا كما أنه ثابت في ميراث الدينار والدرهم , فكذلك هو في ميراث النبوة , والله يختص برحمته من يشاء.
      قوله ((فمن أخذه أخذبحظ وافر)) أعظم الحظوظ وأجداها ما نفع العبد ودام نفعه له , وليس هذا إلا حظه من العلم والدين , فهو الحظ الدائم النافع الذي إذا انقطعت الحظوظ لأربابها , فهو موصول له أبد الآبدين , وذلك أنه موصول بالحي الذي لا يموت , فلذلك لا ينقطع ولا يفوت , وسائر الحظوظ تعدم وتتلاشى بتلاشي متعلقاتها , كما قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ ؛ فإن الغاية لما كانت منقطعة زائلة تبعتها أعمالهم فانقطعت عنهم أحوج ما يكون العامل إلى عمله وهذه هي المصيبة التي لا تجبر عياذًا بالله , واستعانةً به , وافتقارًا إليه , وتوكلًا عليه و ولا حول ولا قوة إلا بالله .
      وقوله موت العالم مصيبة لا تجبر , وثلمة لا تسد , ونجم طمس , وموت قبيلة أيسر من موت عالم , لمَّا كان صلاح الوجود بالعلماء ولولاهم كان الناس كالبهائم , بل أسوأ حالًا , كان موت العالم مصيبة لا يجبرها إلا خَلْفُ غيره له .

      قال أبو الدرداء : ((من رأى الغدو والرواح إلى العلم ليس بجهاد , فقد نقص عقله ورأيه)) , قال ابن القيم : فقوام الدين بالعلم والجهاد ؛ ولهذا كان الجهاد نوعين: جهاد باليد والسنان , وهذا المشارك فيه كثير , والثاني: الجهاد بالحجة والبيان , وهذا جهاد الخاصة من أتباع الرسل , وهو جهاد الأئمة , وهو أفضل الجهادين , لعظم منفعته , وشدة مؤنته , وكثرة أعدائه . قال تعالى : ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا * فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ فهذا جهاد لهم بالقرآن , وهو أكبر الجهادين , وهو جهاد المنافقين أيضًا ؛ فإن المنافقين لم يكونوا يقاتلون المسلمين , بل كانوا معهم في الظاهر , وربما كانوا يقاتلون عدوهم معهم , ومع هذا فقد قال تعــالى : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ ومعلوم أن جهاد المنافقين بالحجة والبرهان .
      والمقصـود : أن سبيل الله هي: الجهاد وطلب العلم ودعوة الخلق به إلى الله , ولهذا قال معاذ : (عليكم بطلب العلم , فإن تعلمه لله خشية , ومدارسته عبادة , ومذاكرته تسبيح , والبحث عنه جهاد) ؛ ولهذا قرن الله بين الكتاب المنزل والحديد الناصر , كما قال تعالى : ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَابِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَلِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌشَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُوَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ فذكر الكتاب والحديد إذ بهما قوام الدين , كما قيل:
      فما هو إلا الوحيُ أو حدُّ مُرهَفٍ
      تقيم ظباهُ أخدعًا كلَ مائلٍ
      فهذا دواءُ الداءِ من كلِ جاهلٍ
      و هذا دواءُ الداءِ من كلِ عاقلٍ
      قال كعب الأحبار: طالب العلم كالغادي الرايح في سبيل الله , وجاء عن بعض الصحابة : إذا جاء الموتُ طالبَ العلم وهو على هذه الحال مات وهو شهيد, وقال سفيان بن عيينة: من طلب العلم فقد بايع الله .اهـ
      في الحال التي يُسأل (يُطلب) بها العلم , الإخلاص الإخلاص , فقد روى مسلمٌ عن أبي هريرة قال : سمعترسول الله يقول : ( إن أول من تُسعر بهم النار يوم القيامةثلاثة , فذكرهم وذكر منهم رجلاً تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن , فأُتي بهفعرَّفه نعمه فعَرَفها , قال فما عملت فيها ؟ قال : تعلمت العلمَ وعلمته وقرأتفيك القرآن , قال : كذبت , ولكنك تعلمت العلم ليقال : عالم , وقرأت القرآنليقال : هو قارئ . فقد قيل . ثم أُمر به فيسحب على وجهه حتى أُلقي في النار... (.
      وقال الحافظ البغدادي في (الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع) : (وليحذر أن يجعله سبيلاً إلى نيل الأعراض وطريقاً إلى أخذ الأعواض , فقد جاء الوعيد لمن ابتغى ذلك بعلمه .. ) ثم قال ( وليتق المفاخرة والمباهاةبه , وأن يكون قصده نيل الرئاسة واتخاذ الأتباع , وعقد المجالس , فإن الآفةالداخلة على العلماء أكثرها من هذا الوجه) , وقال أيضاً ( وليجعل حفظه حفظ رعاية لا حفظ رواية , فإن رواة العلوم كثير , ورعاتها قليل , ورب حاضر كالغائب , وعالم كالجاهل , وحامل للحديث ليس معه منه شيء...)
      ثم ذكر الحسن البصري قوله ( همة العلماء الرعاية وهمة السفهاءالرواية) .اهـ
      وعن أبي الدرداء قال: ((العلم بالتعلم)) .
      وقال الريَّاشيُّ: سمعت الأصمعي وقد قيل له : حفظتَ ونسي أصحابك , قال: (درستُ وتركوا) .
      وقال رجل لأبي هريرة : إني أريد أن أتعلم العلم , وأخاف أن أضيعه , فقال أبو هريرة: (كفى بتركك له تضييعًا) .
      وقال الفرَّاء: (لا أرحم أحدًا كرحمتي لرجلين : رجل يطلب العلم ولا فهم له , ورجل يفهم ولا يطلبه , وإني لأعجب ممن في وسعه أن يطلب العلم ولا يتعلم) .
      وكان يُقال : (علم علمك من يجهل , وتعلم ممن يعلم , إذا فعلت ذلك علمت ما جهلت , وحفظت ما علمت) .
      وعن عشق العلم , وأخذه بتلابيب العقول , عن محمد بن أحمد الواعظ قال : (قام أبو بكر الباغندي يصلي , فكبر , ثم قال : ((حدثنا محمد بن سليمان)) , فسبحنا به , فقال : ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم * الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِين ﴾) .
      وروي عنه أيضًا قال : (قد حبب إلي الحديث , رأيت النبي , فلم أقل((ادع الله لي)) وقلت له : ((يارسول الله أيهما أثبت في الحديث : منصور أو الأعمش ؟ )) فقال لي: ((منصور , منصور)) ) , وقال ابن كثير : (إنه ربما يسرد بعض الأحاديث بأسانيدها في الصلاة والنوم , وهو لا يشعر) .
      وختامًا أقول كما قال الراجز:
      إن لم تكونوا مثلَهم فتشبهوا
      إن التشبه بالكرام فلاحُ

    • #2
      جزاكم الله خيرا

      تعليق


      • #3
        رد: شرح الأصول الثلاثة مطولًا (2)

        التعريف بالمصنف الإمام محمد بن عبد الوهاب :

        هو العلامة المجدد شيخ الإسلام أبو الحسين محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي مشرف آل معضاد المهيبي - من بني حنظلة بن مالك التميمي - فهو تميمي تعالى .
        وُلِدَ الإمام شيخ الإسلام المجدد في ( العيينة ) من قرى اليمامة عام خمسة عشر ومائة وألف من الهجرة النبوية ، نشأ في أحضان أسرة صالحة فاضلة ، وبين أبوين كريمين ، وإذا نشأ الابن بين أبوين كريمين صالحين فإنه سيكون لهما من الأثر في الابن ما هو ملاحظ مشهود .
        فوالده الشيخ عبد الوهاب بن سليمان تُوفِّيَ سنة ثلاث وخمسين ومائة وألف من الهجرة النبوية ، هو قاضي ( العيينة ) ، ومن علماء نجد المعروفين .
        وجدّه سليمان بن علي هو مفتي نجد آنذاك ، فهكذا نرى أن والده من علماء نجد ، وجده هو مفتي نجد . هذه البيئة الصالحة هيَّأت لهذا الإمام ولهذا الابن الجو المناسب للعلم ، ودفعه إلى الإقبال على العلم في وقتٍ مبكر ، وشجعه على طلبه والانقطاع إليه مع ما وهبه الله من الفهم الثاقب ، والذكاء الوافر ، والقدرة على الحفظ مع ما ذُكر فيما سبق ، ولذلك قيل : إنه حفظ القرآن دون العاشرة ، يعني لم يبلغ العاشرة من سِنِّه ، وأخذ عن كثير من علماء بلده ورحل وارتحل إلى الحجاز والبصرة والإحساء وغير ذلك .
        له مشاركات في فنون عديدة ، كتب وصنَّف ودرَّس مع ما كان فيه من تحمل لأعباء الدعوة التي قام بها تعالى ، وهي الدعوة السلفية بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والمشاركة بالجهاد بيده كما هو معلوم .
        مات في أواخر سنة ست ومائتين وألف من الهجرة النبوية ، عن إحدى وتسعين سنة قضاها في ميدان العلم والجهاد والدعوة .
        هذه سيرة مختصرة وليس المقام مقام تفصيل ، وإلا سيرة الإمام تحتمل أكثر من ذلك .





        ·بين يدي الكتاب :

        قال الشيخ الحازمي : هذه (( الأصول الثلاثة )) ذكر بعضهم أن لها أسماءً متعددة ، تُسمَّى ((الأصولالثلاثةوأدلتها))،و((ثلاثةالأصولوأدلتها))،و((الأصول الثلاثة )) بتقديم الأصول وأدلتها ، و (( الأصول الثلاثة الواجبة على كل مسلم ومسـلمة ، وتلقين أصول العقيدة للعامة ، وأصول الدين الإسلامي ، ومبادئ الإسلام )) . أسماء كلها متقاربة من حيث إفادة أن مضمون هذه الرسالة المباركة ، أن مضمونها هو ما يتعلق بأصل أصيل ، وركن ركين ، وأساس من أُسس العقيدة العامة التي يجب على كل مسلم ومسلمة العلم بها واعتقادها والعمل بمدلولها . وبعضهم يُشدد ويجعل أن ثَمَّ فرقًا بين (( ثلاثة الأصول )) ، و (( الأصول الثلاثة وأدلتها )) .
        الرسالة سماها المصنف بـ (( الأصول الثلاثة )) هكذا قال : فإذا قيل لك : ما الأصول الثلاثة التي يجب على كل مسلم .. إلى آخره ؟ ما الأصول الثلاثة ؟ إذًا سماها (( الأصول الثلاثة )) .
        وسماها كذلك ابن القاسم تعالى في حاشيته ، قال : (( حاشية ثلاثة الأصول )) والشيخ ابن عثيمين رحمه الله كذلك قال : (( شرح ثلاثة الأصول )) ، وكذلك الشيخ بن باز تعالى .
        وقد سمى الشيخ محمد بن عبد الوهاب الرسالة نفسها بـ (( ثلاثة الأصول )) ، سماها (( الأصول الثلاثة )) ، وسماها أيضًا (( ثلاثة الأصول )) ، قال : قد قررت في ثلاثة الأصول توحيد الربوبية ، وتوحيد الإلوهية ، والولاء والبراء ، وهذا هو حقيقة الدين.
        إذًا لا فرق عند المصنف تعالى بين التسميتين سواء سميت (( ثلاثة الأصول وأدلتها )) ، أو (( الأصول الثلاثة وأدلتها )) .
        المحتوى المجمل للرسالة :
        هذه الرسالة على صِغرها اشتملت علي : مقدمة ، وموضوع الكتاب ، وخاتمة .
        1- المقدمة :
        وهذه المقدمة مكونة من ثلاثة أشياء ، كل واحد منها يُصَدِّرُها بقوله : اعلم رحمك الله ، اعلم أرشدك الله لطاعته .
        الأولى : في بيان وإيضاح وجوب أربعة مسائل على كل مكلف .
        والثانية : بيان وجوب ثلاث مسائل على كل مكلف أيضًا .
        والثالثة : بيان وإيضاح حقيقة دعوة ملة إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم .
        هذه المقدمات الثلاث ، هل هي من صُلب الكتاب أم أنها أُلحقت بعد الإمام تعالى ؟
        قيل : بهذا وقيل : بذاك ، والظاهر - والله أعلم - أنها من صلب الكتاب ، أنه أرادها ، بدليل أن ابن القاسم رحمه الله جعلها بكاملها في (( الدرر السنية )) ، وكذلك هي موجودة في مصنفات شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب .
        2- موضوع الكتاب :
        وهو الحديث عن الأصول الثلاثة :
        هذه الأصول التي يُسأل عنها المرء في قبره أول ما يُسأل , قال الحافظ الحكمي في السلم :
        وَأَنَّ كُلًا مُقْعَـدٌ مَسْـئُولُ
        مَا الرَّبُ مَا الدِّينُ وَمَا الرَّسُولُ
        فَعِنْدَ ذَا يُثَبِّتُ المُهَيْمِنُ
        بِثَابشتِ القَولِ الَّذِيْنَ آمَنُوا
        وَيُوقِنُ المُرْتَابُ عِنْدَ ذَاكَ
        بِأَنَّ مَا مَوْرِدَهُ المَهَالِكُ

        الأصل الأول : معرفة الله .
        الأصل الثاني : معرفة الدين ومراتبه الثلاثة . الإسلام ، والإيمان ، والإحسان .
        الأصل الثالث : معرفة النبي , وقد ذكر شيئًا مختصرًا اختصارًا شديدًا من سيرته عليه الصلاة والسلام , نُبِّئَ بكذا ، وبَقِيَ في مكة ثم هاجر .. إلى آخر ما ذكره .
        3- الخاتمة :
        وذكر فيها شيئًا مما يتعلق بالبعث والحساب ، ثم تطرَّق إلى بيان وجوب الكفر بالطاغوت ، وبيَّن حقيقة الكفر بالطاغوت ، وبيَّن رؤوس الطواغيت .

        فالرسالة مختصرة بأسلوب واضح بيَّن ، يهتم بذكر المسألة مقرونة بدليلها ، وهذا يؤكد أن دعوته - - دعوة سلفية قائمة على الكتاب والسنة بفهم سلف هذه الأمة . اهـ من كلام الحازمي .

        تعليق


        • #4
          رد: شرح الأصول الثلاثة مطولًا (3)

          ·مبادئ علم التوحيد :

          إِنَّ مَبادِئ كُلِّ فَنٍّ عَشَـرَه(

          الحَدُّ وَالموضُوعُ ثُمَّ الثَّمَرَه(
          وَنِسْبـَةٌ وَفَضْلُهُ وَالوَاضِعْ (

          وَالاِسْمُ الِاسْتِمْدَادُ حُكْمُ الشَّارِعْ(
          مَسَائِلٌ والبَعْضُ بِالبَعْضِ اكْتَفَى(

          وَمَنْ دَرَى الجَمِيعَ حَازَ الشَّرَفَا(

          1- الحَـدُّ :
          [في اللغـة]:
          مادة (وَحَّدَ) تدور حول انفراد الشيء بذاته أو صفاته أو أفعاله، وعدم وجود نظير له فيما هو واحد فيه.
          والتوحيد مصدر وحَّدَهُ يُوَحِّدُهُ تَوْحِيدًا , ومعناه حينئذ كما يقول ابن فارس في مقاييسه (إما جَعَلَهُ واحدًا , أو اعتقده واحدًا) .
          فللتوحيد لغةً معنيان:
          الأول: جعل المتعدد واحدًا فمن جمع بين أقطار متفرقة يقال له وحَّدها .
          والثاني: اعتقاد الشيء واحدًا، وهذا بمعنى النسبة إلى الوحدانية ، وهذا لا يتحقق إلا بنفي وإثبات , بنفي الحكم عما سوى الموحَّد وإثباته له.
          [في الشـرع]:
          هو: إفراد الله بالعبادة حسب ما شرع وأحب، مع الجزم بانفراده في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، فلا نظير له ولا مثيل له في ذلك كله .(الحجة في بيان المحجة للأصبهاني)
          قال الشيخ علي بن محمد بن ناصر الدين الشافعي الشهير بالسويدي : "التوحيدفعل للموحِّد، وهو وصف الله تعالى بالوحدانية، وذلك نوعان: توحيد فيربوبيته، وهو الحاصل بعد توحيد الذات والصفات، وتوحيد في ألوهيته"(العقد الثمين في بيان مسائل الدين)
          قال الشيخ عبد الله الغنيمان حفظه الله: "هو إفراده تعالى بالعبادة التي تتضمن غاية الحب ومنتهاه، مع غاية الذل وأقصاه، والانقياد لأمره والتسليم له"(شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري).

          قال الشيخ محمد يسري أن الشيخ عبد الرحمن البراك أملى عليه بمنزله بالرياض في ذي الحجة عام 1424 هـ : (هو اعتقاد تفرده سبحانه في ربوبيته , وألوهيته , وأسمائه وصفاته , وتخصيصه بالعبادة) . (علم العقيدة عند أهل السنة والجماعة المبادئ والمقدمات)
          قال في لوامع الأنوار البهية : (التوحيد تفعيل للنسبة , كالتصديق والتكذيب , لا للجعل فمعنى وحَّدت الله : نسبت إليه الوحدانية , لا جعلته واحدًا , فإن وحدانية الله ذاتية له , ليست بجعل جاعل) .
          قال الشيخ ابن عثيمين : "والتوحيد هنا ليس بمعنى التصيير والجعل، فالله واحد اعتقدت ذلك أم لم تعتقده" . (شرح السَّفَّارينيّة)
          قال الشيخ الحازمي : (وأما التوحيد في الشرع : فهو إفراد الله تعالى بما يختص به من الألوهية , والربوبية , والأسماء والصفات) .
          قال الشيخ صالح آل الشيخ : (والتوحيد يشمل توحيد الله في ربوبيته , وفي ألوهيته , وفي أسمائه وصفاته , والمقصود الأخص من هذه الثلاثة : توحيد العبادة ؛ لأن الخصومة وقعت فيه , ومعلوم أن توحيد العبادة متضمن لتوحيد الربوبية , ولتوحيد الأسماء والصفات) .

          ومما سبق علمنا أن لفظ التوحيد يطلق ويراد به : صفة الله تعالى , وفعل العبد .
          وكذا علمنا أن العلماء يعرِّفونه أحيانًا بمفرداته وأقسامه , كما يعرفونه أحيانًا أخرى بأهم أفراده وهو توحيد الألوهية أو العبادة , فهو له أقسام .
          - فأما كون لفظِهِ يطلق ويراد به إما صفة الله تعالى , أو فعل العبد , فإن هذا ورد صريحًا في القرآن والسنة :
          قال تعالى : ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ , ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ .
          قال تعالى : ﴿ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴾ , وهذا ظاهر في فعل العبد ... قال الطبري : (وقال هؤلاء الكافرون الذين قالوا : محمدساحر كذاب : أجعلمحمدالمعبودات كلها واحدا ، يسمع دعاءنا جميعنا ، ويعلم عبادة كل عابدٍ عَبَدَهُ منا) . اهـ
          قال ابن كثير : أي : أزعم أن المعبود واحد لا إله إلا هو ؟ ! أنكر المشركون ذلك - قبحهم الله تعالى - وتعجبوا من ترك الشرك بالله ، فإنهم كانوا قد تلقوا عن آبائهم عبادة الأوثان وأُشربَتْهُ قلوبهم فلما دعاهم الرسول - - إلى خلع ذلك من قلوبهم وإفراد الله بالوحدانية أعظموا ذلك وتعجبوا وقالوا) : أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب( وانطلق الملأ منهموهم سادتهم وقادتهم ورؤساؤهم وكبراؤهم قائلين : ( [ أن ] امشوا ) أي : استمروا على دينكم) واصبروا على آلهتكم(ولا تستجيبوا لما يدعوكم إليهمحمدمن التوحيد .اهـ
          وفي حديث بعثة النبي معاذًا إلى اليمن كما عند مسلم : (أن معاذا قال بعثني رسول الله قال: إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب فادعُهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ...) . الحديث
          وفي رواية عند مسلم أيضًا من مسند ابن عباس , قال : (أن رسول الله بعث معاذا إلى اليمن قال: إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله ...) . الحديث
          ورواه البخاري من مسند ابن عباس أيضًا في(كتاب التوحيد) في (باب ما جاء في دعاء النبي أمته إلىتوحيد الله ). وهو أول حديث عنده في (كتاب التوحيد) قال : عن ابن عباس يقول: لما بعث النبي معاذًا نحو اليمن قال له: (إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله...) . الحديث
          فإن النبي – من حاصل مجموع الروايات – عرَّف التوحيد بالشهادة (لا إله إلا الله) أي : لا معبود بحق [حق] إلا الله , وبفعل العبد (العبادة) التي هي توحيد الألوهية ؛ وخصه بذلك الفرد من أفراده كما قلنا ؛ لأنه ما وقع فيه النزاع ودارت عليه الخصومة بين الأنبياء وأقوامهم .
          - وأما كونه له أقسام :
          فقد قال الشيخ ابن العثيمين – - : والتعريف الأعم للتوحيد هو ((إفراد الله بما يختص به)) .
          وأنواع التوحيد ثلاثة :
          الأول : توحيد الربوبية : وهو إفراد الله بالخلق والملك والتدبير .
          الثاني : توحيد الألوهية : وهو إفراد الله بالعبادة , بأن لا يتخذ الإنسان مع الله أحداً يعبده , ويتقرب إليه , كما يعبد الله تعالى ويتقرب إليه .
          الثالث : توحيد الأسماء والصفات : وهو إفراد الله بما سمى به نفسه , ووصف به نفسه , في كتابه , أو على لسان رسوله , وذلك بإثبات ما أثبته , ونفي ما نفاه , من غير تحريف , ولا تعطيل , ومن غير تكييف , ولا تمثيل . اهـ (من شرح ثلاثة الأصول)
          وهذا التقسيم ليس تقسيمًا مبتدعًا حادثًا , إنما هو أصل في تعريف التوحيد باستقراء نصوص الكتاب والسنة ...
          وفي هذه المسألة ألف الشيخ عبد الرازق عبد المحسن البدر رسالة ماتعة نافعة تسمى (القول السديد على من أنكر تقسيم التوحيد) , فليُرجع إليها , وسأنقل منها هنا ماتيسر وخدم , ببعض التصرف :
          قال ابن القيم :
          وغالب سور القرآن، بل كل سورة في القرآن فهي متضمنة لنوعي التوحيد، بل نقول قولاً كليّاً: إنَّ كلَّ آية في القرآن فهي متضمنة للتوحيد شاهدة به داعية إليه؛ فإنَّ القرآن إمَّا خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، فهو التوحيد العلمي الخبري، وإمَّا دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له، وخلع كلِّ ما يعبد من دونه، فهو التوحيد الإرادي الطلبي، وإمَّا أمرٌ ونهيٌ وإلزامٌ بطاعته في نهيه وأمره، فهي حقوق التوحيد ومكملاته، وإمَّا خبر عن كرامة الله لأهل توحيده وطاعته وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في الآخرة، فهو جزاء توحيده، وإمَّا خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال وما يحل بهم في العقبى من العذاب فهو خبر عمن خرج عن حكم التوحيد .
          قال الشوكاني في مقدمة كتابه القيّم "إرشاد الثقات إلى اتفاق الشرائع على التوحيد والمعاد والنبوات" (ص:4): "واعلم أنَّ إيراد الآيات القرآنية على إثبات كلِّ مقصد من هذه المقاصد، وإثبات اتفاق الشرائع عليها، لا يحتاج إليه من يقرأ القرآن العظيم؛ فإنَّه إذا أخذ المصحف الكريم وقف على ذلك في أيّ موضع شاء، ومن أيِّ مكان أحبَّ، وفي أيّ محل منه أراد، ووجده مشحوناً به من فاتحته إلى خاتمته".
          وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي : "وقد دلَّ استقراء القرآن العظيم على أنَّ توحيد الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
          الأول: توحيده في ربوبيته، وهذا النوع من التوحيد جبلت عليه فِطَرُ العقلاء، قال تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ ... ، وقال: قُلْ مَن يَّرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَّمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَن يُّخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُّدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ
          . والآيات الدالة على ذلك كثيرة جداً.
          الثاني: توحيده جلَّ وعلا في عبادته. ومن الآيات الدالة على هذا النوع من التوحيد قوله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ ... الآية، وقوله: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَالآية ، وقوله: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّه لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ
          .
          النوع الثالث: توحيده جلَّ وعلا في أسمائه وصفاته. وهذا النوع من التوحيد ينبني على أصلين:
          الأول: تنزيه الله جلَّ وعلا عن مشابهة المخلوقين في صفاتهم؛ كما قال تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ .
          والثاني: الإيمان بما وصف الله به نفسه؛ أو وصفه به رسوله على الوجه اللائق بكماله وجلاله؛ كما قال بعد قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ: وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ، مع قطع الطمع عن إدراك كيفيَّة الاتصاف، قال تعالى: يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً.

          وبعد ذكر الشيخ عبد المحسن لكلام الشنقيطي - – بطوله , قال : وقد نقلت كلامه بطوله لأهميته، وقد نبَّه فيه إلى أنَّ أقسام التوحيد الثلاثة مأخوذة بالاستقراء لنصوص القرآن الكريم، وبهذا يُعلم أن هذا التقسيم من الحقائق الشرعية المستمدة من كتاب الله تعالى، وليس أمراً اصطلاحياً أنشأه بعض العلماء .
          قال الشيخ العلامة بكر أبو زيد حفظه الله: "هذا التقسيم الاستقرائي لدى متقدمي علماء السلف أشار إليه ابن مندة وابن جرير الطبري وغيرهما، وقرره شيخا الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وقرره الزبيدي في تاج العروس وشيخنا الشنقيطي في أضواء البيان وآخرين رحم الله الجميع، وهو استقراء تامٌّ لنصوص الشرع، وهو مطرد لدى أهل كلِّ فنٍّ، كما في استقراء النحاة كلام العرب إلى اسم وفعل وحرف، والعرب لم تَفُهْ بهذا، ولم يعتب على النحاة في ذلك عاتب، وهكذا من أنواع الاستقراء" .
          ثم قال – حفظه الله - : وأما القول بأنَّ هذا التقسيم اخترعه ابن تيمية، ولم يقل به أحد من السلف الصالح، ولم يوجد إلا في القرن الثامن الهجري فهذا دليل على قصور علمٍ وقلةِ خبرةٍ ومعرفةٍ بكتب السلف الصالح إذ هي مليئة بالتصريح تارة والإشارة تارة إلى هذه الأقسام، ولو ذهبت أنقل كل ما أعلمه من أقوالهم في ذلك لطال المقام ، لكن حسبي أن أورد هنا بعض النقول ونزراً يسيراً من النصوص المشتملة على ذكر أقسام التوحيد الثلاثة لبعض الأئمة الذين كانوا قبل شيخ الإسلام ابن تيمية :
          النص الأول: للإمام أبي عبد الله عبيد الله بن محمد بن بطة العكبري المتوفى سنة 387هـ.
          فقد قال في كتابه "الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة" ما نصه: "... وذلك أنَّ أصل الإيمان بالله الذي يجب على الخلق اعتقاده في إثبات الإيمان به ثلاثة أشياء:
          أحدها: أن يعتقد العبد ربانيته ليكون بذلك مبايناً لمذهب أهل التعطيل الذين لا يثبتون صانعاً.
          والثاني: أن يعتقد وحدانيته ليكون مبايناً بذلك مذاهب أهل الشرك الذين أقروا بالصانع وأشركوا معه في العبادة غيره.
          والثالث: أن يعتقده موصوفاً بالصفات التي لا يجوز إلا أن يكون موصوفاً بها من العلم والقدرة والحكمة وسائر ما وصف به نفسه في كتابه.
          إذ قد علمنا أنَّ كثيراً ممن يقر به ويوحده بالقول المطلق قد يلحد في صفاته فيكون إلحاده في صفاته قادحاً في توحيده.
          ولأنَّا نجد الله تعالى قد خاطب عباده بدعائهم إلى اعتقاد كل واحدة من هذه الثلاث والإيمان بها.

          النص الثاني: لإمام قبل هذين الإمامين وهو الإمام القاضي أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الكوفي , صاحب أبي حنيفة المتوفى سنة 182هـ.
          فقد قال ابن مندة في كتابه التوحيد: أخبرنا محمد بن أبي جعفر السرخسي ثنا محمد بن سلمة البلخي ثنا بشر بن الوليد القاضي عن أبي يوسف القاضي أنَّه قال: "ليس التوحيد بالقياس ألم تسمع إلى قول الله في الآيات التي يصف بها نفسه أنَّه عالم قادر قوي مالك ولم يقل: إني عالم قادر لعلةِ كذا أقدر، بسبب كذا أعلم، وبهذا المعنى أملك، فلذلك لا يجوز القياس في التوحيد، ولا يعرف إلا بأسمائه، ولا يوصف إلا بصفاته ...

          قال أبو يوسف: لم يقل الله: انظر كيف أنا العالم وكيف أنا القادر وكيف أنا الخالق، ولكن قال: انظر كيف خلقت ثم قال: وَاللهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ ، وقال: وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ أي: تعلم أن هذه الأشياء لها ربٌّ يقلبها ويبديها ويعيدها وأنك مكون ولك من كونك. وإنما دل الله خلقه بخلقه ليعرفوا أنَّ لهم رباً يعبدوه ويطيعوه ويوحدوه، ليعلموا أنه مكونهم، لا هم كانوا، ثم تسمى فقال: أنا الرحمن وأنا الرحيم وأنا الخالق وأنا القادر وأنا المالك، أي: هذا الذي كونكم يسمى المالك القادر الله الرحمن الرحيم بها يوصف.
          ثم قال – حفظه الله - : قلت: فهذان نصان عن إمامين ماتوا قبل شيخ الإسلام ابن تيمية (728:671 هـ), الأول منهم مات في القرن الرابع الهجري والثاني وهو أبو يوسف مات في القرن الثاني الهجري، وروى أثره التيمي وقد مات في القرن السادس وهي مشتملة على أقسام التوحيد الثلاثة بغاية الجلاء والوضوح فعلى مرِّ القرون أهل السنة والجماعة متتابعون على هذا التقسيم ليس بينهم خلاف فيه، ولا ينكر ذلك إلا مبتدع ضال منحرف. اهـ

          وهذا يدلُّك بالضرورة على أن هذه الدعوى باطلة أيضًا في حق شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب (1206:1115 هـ) رحم الله الجميع .

          وقال الشيخ محمود عبد الرازق الرضواني في رسالته (المختصر المفيد في علَّة تقسيم التوحيد) ؛ مبينًا العلَّة في ذكر هذا التقسيم في تصانيف أهل العلم من أهل السنة والجماعة :
          والباعث على تصنيف التوحيد إلى ثلاثة أنواع يمكن إجماله فيما يلي :
          صُنِّفَ التوحيد عند السلف إلى ثلاثة أنواع على اعتبار وجود تصنيف مبتدع أحدثه المتكلمون من الأشعرية منذ وقت مبكر وأذاعوه بين الناس وانتشر بحكم السطوة والقربة لدى الساسة والأمراء والخلفاء , كما حدث من حمقى المعتزلة عندما أرادوا البلاد الإسلامية في عهد مجموعة من خلفاء بني العباس فغيروا وبدلوا معنى التوحيد , قال محمد بن عبد الكريم الشهرستاني في (الملل والنحل) في بيان أنواع التوحيد عند الأشعرية : (وأما التوحيد فقد قال أهل السنة وجميع الصفاتية : إن الله تعالى واحد في ذاته لا قسيم له , وواحد في صفاته الأزلية لا نظير له , وواحد في أفعاله لا شريك له) , وفضلًا عن ادعائهم أن الأشعرية هم أهل السنة , فقد صنفوا التوحيد إلى ثلاثة أنواع محدثة لا دليل عليها من كتاب أو من سنة و فلم يكن بد من رد الفعل الطبيعي لهذا التقسيم المحدث , بنشر تقسيم السلف لأنواع التوحيد وإذاعته وتركيز الضوء على أدلته ... , وقد ظهرت سلسلة من الردود المتوالية في مؤلفات كثيرة تدافع عن مذهب السلف وتعيد الناس إلى ما كان عليه أصحاب رسول الله , وكان لشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم الباع الأكبر في ذلك , فقد صنفا حشدًا هائلًا من الردود والمصنفات في خدمة العقيدة السلفية , ويمكن القول إن من أتى بعدهما كان عالة عليهما وعلى ما تركاه من مصنفات . اهـ

          تعليق


          • #5
            رد: شرح الأصول الثلاثة مطولًا (4)

            وبعد تقرير أن هذا التقسيم لأنواع التوحيد هو تقسيم شرعي ليس بِمُحْدَثٍ ولا مُبْتَدَعٍ , فمن الحسن ذكرُ أن بعض العلماء قسَّمه لقسمين , ومنهم من قسَّمه لثلاثة أقسام , واختلفت مسميات هذه الأقسام أيضًا ؛ لكنَّ المَرَّدَ والمرادَ واحدٌ فيها كلها , على ما سنبينه الآن إجمالًا :
            قال الشيخ محمود عبد الرازق :
            أما تصنيفه إلى نوعين , والأسماء التي قد يرد بها كل نوع , فبيانه كالتالي :
            الأول :
            هو توحيد الغاية والوسيلة , ويسمى توحيد الألوهية , ويطلق عليه أيضًا توحيد العبادة , وتوحيد القصد والطلب , وتوحيد الشرع والقدر , وتوحيد الإرادة .
            الثاني :
            هو توحيد الربوبية والأسماء والصفات , ويطلق عليه توحيد المعرفة والإثبات , أو توحيد العلم والخبر .
            ثم قال في الهامش (ص: 26) : للتعرف على أنواع التوحيد عند السلف , والأسماء التي قد يرد بها كل نوع , انظر اجتماع الجيوش الإسلامية , ومنهاج السنة النبوية , واقتضاء الصراط المستقيم , ومجموع الفتاوى , ومدارج السالكين , وشرح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي .
            ... ثم قال : كل من أقر بتصنيف التوحيد إلى نوعين على اعتبار تنفيذ الأمر وتصديق الخبر , أو على اعتبار توحيد الغاية والوسيلة , أو توحيد القصد والطلب , وتوحيد العلم والخبر , فسوف يُقِرُ ضرورة بتصنيف التوحيد إلى ثلاثة أنواع على اعتبار أن توحيد الربوبية والأسماء والصفات نوعان , وليس نوعًا واحدًا كما سبق .
            فعند الفصل بينهم تظهر أنواع التوحيد الثلاثة , وهذه الأنواع اشتهرت بين المتبعين لنهج السلف الصالح , بحيث غطت شهرتها على التصنيف السابق بنسبة كبيرة .اهـ

            وعلى هذا فالتوحيد باعتبار المُوَحَّدِ (وهو الله) يشمل توحيد الربوبية والأسماء والصفات , وهو توحيد المعرفة والإثبات , وهو توحيد العلم والخبر , بما جاء عن الله , في ذاته , وأسمائه , وصفاته , وأفعاله , وإنما أفرد توحيد الأسماء والصفات عن توحيد الربوبية , لما وقع فيه من النزاع والخلاف بين الفرق الضالة وبين أهل السنة والجماعة .

            أما باعتبار المًوَحِّدِ (وهو العبد) فهو توحيد الألوهية , وتوحيد العبادة , وتوحيد القصد والطلب , وتوحيد الإرادة , وتوحيد الغاية , والوسيلة الموصلة لتلك الغاية , وتوحيد الشرع والقدر ولزومهما للعمل وعدم الاتكال على ما كتب وقُدِّر من مقادير العباد .

            2- الموضـوع :
            يدور على أمور منها : بيان حقيقة اللإيمان بالله تعالى وتوحيده , وما يجب له تعالى من صفات الجلال والكمال , مع إفراده وحده بالعبادة دون شريك , والإيمان بالملائكة الأبرار والرسل الأطهار والكتب المنزلة وما يتعلق باليوم الآخر , والقضاء والقدر , كما يدور على بيان ضد التوحيد وهو الشرك والكفر , وبيان حقيقتهما وأنواعهما.

            3- الثمـرة :
            قال الشيخ الحازمي – حفظه الله - : تحقيق الإيمان بالله يقينًا لا تقليدًا ، ثمرة تعلم التوحيد والإيمان هو تحقيق معرفة الله والإيمان به بالدليل ، لأن النفس إذا عرفت الدليل ، وعرفت الحجة كانت أقوى وأسلم مما لو أخذ دينه بالتقليد ، ولذلك إذا وردت الشُّبَه عند من أخذ عقيدته بالدليل يستطيع أن يقاوم أو يستسلم ؟ يقاوم ، عنده من القوة وعنده من الحصانة وعنده من المناعة ما يستطيع أن يقاوم أيَّ شبهة ترد عليه ، هذا إذا أخذ عقيدته بالدليل ، وأما إن كان مقلدًا مع القوم ، فحينئذٍ يكون مرتعًا للشبه والشبهة تفضي إليه دون غيره ، ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية لما ذكر إيمان العامة قال : (هو ضابطه ما لو شُكِّكُوا لَشَكُّوا) ، يعني العامة لو جاءتهم فتنة يستسلمون مباشرة ، لو قيل : في هذا الحجر اعتقاد ، يوم ويومين وأسبوع تجد بعض الناس يسير مع اعتقاد هذا أنَّ الحجر مبارك ونحو ذلك ، وأما إن كان اعتقاده وتوحيده عن دليل حينئذٍ لا يمكن أن يكون واقعًا فيه .
            هذا ومن الثمرة أيضًا الفوز بسعادة الدارين ، لأنَّ علم التوحيد يُنَجِّي من الشرك والبدع والخرافات . (إتحاف العقول , ص:24)




            4- نسبتـه :
            والنسبة هي علاقته بغيره من العلوم وصلته بها .
            علم التوحيد فنٌّ مستقل بذاته , قائم بنفسه , له أصوله , ومصادره , ومناهجه ومسائله , ولا يغني عنه غيره , وإن كان كالأساس لعلوم الإسلام , وهو منها بمنزلة الرأس من الجسد , لذا قال بعض العلماء بأن نسبته لغيره من العلوم بأنه أصلها وما سواه فرع عنه , لذا قال السَّفَّارينيُّ في منظومته :
            وبعد فاعلم أنَّ كل العلم ... كالفرع للتوحيد فاسمع نظمي
            قال ابن القيم في المدارج : (... فصار التوحيد أصلًا لغيره من العلوم حيث ارتبطت به , واعتمدت عليه) .

            5- فضلـه :
            فضله من جهة موضوعه , يكفيك أن تعلم أن متعلقه ذات الرب المتفرد بصفات الجلال والجمال والكمال , ونعوت الكبرياء والعزة , لذا كان أشرف العلوم موضوعًا ومعلومًا , ولأجل هذا سماه بعض السلف الفقه الأكبر
            سُئل النبي أي العمل أفضل ؟ , فقال : ((إيمانٌ بالله ورسوله)) . متفق عليه من حديث أبي هريرة .
            وقال النبي : ((أفضل الأعمال عند الله : إيمان لا شك فيه)) . (أخرجه أحمد,والدارمي, والطياليسي,والبخاري في خلق أفعال العباد, وابن حبان في صحيحه,من حديث أبي هريرة , وإسناده صحيح)
            أما الحاجة إليه , تظهر جلية بعلم نسبته للعلوم كلها – كما أسلفنا- وأنه أصلٌ لكل العلوم , والعلوم له كالفرع , وكما قال ابن تيمية : (صحة الأصول يقتضي صحة الفروع) , والعكس , فهو الذي بصحته تصح كل أعمال العبد , وبفساده تفسد كل أعماله .
            وعلى هذا فإن كل فضائل الأعمال تعتبر من فضائل التوحيد ؛ إذ به وبصحته تصح الأعمال أصالةً .
            وقدحكى الإجماع على تقديم التوحيد على غيره من العلوم والأحكام وأنه أعمُّالعلوم غير واحد من العلماء منهم : الإمام ابن بطة العكبري في كتابه(الإبانة الكبرى) ،والإمام اللالكائي في كتابه : (شرح أصول اعتقاد أهلالسنة والجماعة) ، وكذا شيخ الإسلام ابن تيمية في مواضع من كتبه ومنها مجموعالفتاوى .

            تعليق


            • #6
              6- الواضـع :
              أي أول من ألَّف فيه وصنَّف .
              قال الشيخ محمد يسري في كتابه (علم العقيدة المبادئ والمقدمات) :
              وبدأ هذا (يعني طور التدوين) في حياة التابعين... حيث ابتدأ ذلك الإمام الزهري تعالى، ثم شاع ذلك في النصف الأول من القرن الثاني الهجري كما فعل الإمام مالك في الموطأ، حيث رتبت الأحاديث على أبواب تتعلق بالتوحيد مثل: باب الإيمان، وباب التوحيد، وباب العلم، الخ..
              ولعل هذا التبويب للأحاديث كان النواة الأولى في استقلال كل باب فيما بعد بالتصنيف والبحث.
              ومما أوقد جذوة التدوين ما وقع في آخر زمن الصحابة من بدع واختلاف في العقيدة، كما في مسألة القدر، وكان أول من تكلم به معبد الجهني (ت: 80هـ)، ومسألة التشيع والغلو في آل البيت، وفتنة عبد الله بن سبأ، كما وقعت من قبل بدعة الخوارج وصرحوا بالتكفير بالذنوب، وبعد ذلك نشأ مذهب المعتزلة على يد واصل بن عطاء (ت: 131هـ)، وصنف في مسائل من العقيدة ما خالف به الصحابة والتابعين، وخرج على إجماع خير القرون في الاعتقاد، فتصدى له التابعون بالرد عليه والمناظرة في هذه المسائل، ثم بدأ التصنيف في عقيدة أهل السنة حين أصبح ضرورة لا بد منها لنفي تأويل المبطلين، ورد انحراف الغالين، وكان أول مدون عرفناه في العقيدة - على هذا النحو – هو كتاب الفقه الأكبر لأبي حنيفة (ت: 150هـ)، رواه أبو مطيع الحكم بن عبد الله البلخي، كما رواه حماد بن أبي حنيفة – وإن قيل إنه من وضع أبي مطيع البلخي – حدد فيه أبو حنيفة عقائد أهل السنة تحديدا منهجيا ورد فيه على المعتزلة، والقدرية، والجهمية، والشيعة، واشتمل على خمسة أبواب - في أتم رواياته -: الأول في القدر، والثاني والثالث في المشيئة، والرابع في الرد على من يكفر بالذنب، والخامس في الإيمان، وفيه حديث عن الأسماء والصفات، والفطرة، وعصمة الأنبياء، ومكانة الصحابة، وغير ذلك من مباحث العقيدة.
              فلو قال قائل: إن واضع علم التوحيد – بمعنى أول من وضع مؤلفا خاصا في الفن من أهل السنة – هو الإمام أبو حنيفة؛ لكان صادقا ولم يبعد عن الصواب، "وإن كان قد قيل: إن واضعه الإمام مالك بن أنس، وأنه ألف فيه رسالة، وقيل أيضا إنه لما كثرت الفتن أمر المنصور بوضع كتب لإزالتها والرد عليها.
              كما ثبت أن الإمام ابن وهب (ت: 197هـ) وضع كتابا في القدر على طريقة المحدثين في جمع الأحاديث وإن كان دون تبويب.
              ولقد نسب كتاب بنفس اسم الفقه الأكبر للإمام الشافعي (ت: 204هـ)، تناول فيه مسائل الاعتقاد مسألة مسألة، ورد على الفرق المخالفة في ثنايا كلامه، إلا أن نسبة الكتاب إلى الإمام الشافعي غير موثقة، فقد قال حاجي خليفة في كشف الظنون: .. لكن في نسبته إلى الشافعي شك، والظن الغالب أنه من تأليف بعض أكابر العلماء.
              ثم تتابع التأليف بعد أبي حنيفة في علم التوحيد ولكن بأسماء مختلفة لهذا العلم. فمن أول ذلك كتاب الإيمان لأبي عبيد القاسم بن سلام (ت: 224هـ)، وتبعه على هذا كثيرون إلى يوم الناس هذا، كما ظهر مصطلح السنة للدلالة على ما يسلم من الاعتقادات، واشتهر ذلك زمن الإمام أحمد ، ومن الكتب المصنفة باسم السنة، كتاب السنة لابن أبي شيبة (ت: 235هـ) والسنة للإمام أحمد (ت: 240هـ) وغير ذلك، ثم ظهر مصطلح التوحيد في مثل كتاب التوحيد لابن سريج البغدادي (ت: 306هـ)، وكتاب التوحيد لابن خزيمة (ت: 311هـ)، وواكب ذلك ظهور مصطلح أصول الدين، ثم ظهر التأليف باسم العقيدة أوائل القرن الخامس الهجري، واستقرت حركة التصنيف ومنهج التأليف، واستقل علم التوحيد علما متميزا عن غيره بلقب ومنهج مخصوص.
              وأخيرا فإن فيما سبق بيانه رد على من زعم – من الأشاعرة والماتريدية – أن واضعي علم التوحيد هما: أبو الحسن الأشعري (ت: 324هـ)، وأبو منصور الماتريدي (ت: 333هـ)، حيث سبقا بتآليف كثيرة كتبت على منهج أهل الحديث، أهل السنة والجماعة. اهـ

              7- الاســم :
              هو ما يطلق عليه من أسماء معتبرة عند أهل العلم .
              - التوحيــد :
              وتعريفه ذكرناه كما سلف , وقد كثرت الكتب المصنفة في باب الاعتقاد , والتي تحمل اسم التوحيد قديمًا وحديثًا , فمن ذلك :
              (كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب) للإمام أبي بكر بن خزيمة .
              وكذا (كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد) لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب .
              - العقيــدة :
              والعقيدة في اصطلاح علماء التوحيد : (هي الإيمان الذي لا يحتمل النقيض) . (المدخل لدراسة العقيدة للبريكان بواسطة)
              قال في نفس المصدر (بواسطة) :
              وعلم العقيدة وعلم التوحيد مترادفان عند أهل السنة , وإنما سُمي علم التوحيد بعلم العقيدة بناء على الثمرة المرجوة منه , وهي انعقاد القلب انعقادًا جازمًا لا يقبل الانفكاك .
              أما من حيث الاصطلاح فثمَّ بعض الفروق :
              من حيث أن العقيدة أشمل وأعمُّ من التوحيد , فإن مباحث العقيدة وأبوابها ستة , وهي أركان الإيمان الستة : الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر , أما التوحيد فمتعلق بالركن الأول من أركان الإيمان فقط : وهو الإيمان بالله .
              وكذلك فإن في علم العقيدة يُبحث فيه عن مصادر التلقي كمبحث أصلي في العلم , وكذا يدخل فيه باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
              والأمر فيه سعة من حيث الاصطلاح , ولا مشاحة .
              ومن الأئمة من سمى مصنفاته بالعقيدة , فمن ذلك :
              (عقيدة السلف أصحاب الحديث) لأبي عثمان الصابوني , ومن كتب المعاصرين الكثير.
              - الإيمــان :وهو يطلق على الاعتقاد القلبي , مع الإقرار اللفظي , مع العمل الحسي امتثالًا للأوامر واجتنابًا للمناهي . (اعتقاد أئمة الحديث للإسماعيلي , عقيدة السلف أصحاب الحديث , لمعة الاعتقاد , الواسطية .... بواسطة)
              وصنف السلف كتبًا باسم الإيمان بحثت قضايا الاعتقاد جميعًا , ومنها :
              (كتاب الإيمان ومعالمه وسننه واستكمال درجاته) للإمام أبي عبيد القاسم ابن سلَّام البغدادي .
              (كتاب الإيمان) للحافظ أبي بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة العبسي .
              (كتاب الإيمان) للحافظ محمد بن إسحاق بن يحيى بن منده .
              - السنـة :
              قال ابن رجب : ((وكثير من العلماء المتأخرين يخص اسم السنة بما يتعلق بالاعتقاد ؛ لأنها أصل الدين , والمخالف فيها على خطر عظيم)) . (جامع العلوم والحكم بواسطة)
              فأُطلقت على عقيدة السلف لاتباعهم طريقة النبي والصحابة في الاعتقاد خاصة , واستفاض ذلك المصطلح في الناس حتى إذا قيل : فلان صاحب سنة , كان معناه أنه على معتقد السلف .
              وقد كان تسمية العقيدة بالسنة خلافًا وردًا على الفرق الضالة في باب المعتقد , وكأنها السنة التي هي مقابل البدعة لكن في الأصول لا الفروع .
              ومن تلك الكتب التي حملت هذا الاسم :
              (السنة) للإمام أحمد .
              (السنة) للخلال .
              (السنة) لابن أبي عاصم .
              (أصول السنة) لأبي عبد الله محمد بن عبد الله الأندلسي الشهير بابن أبي زمنين .
              (أصول السنة) لعبد الله بن الإمام أحمد .
              - أصول الدين :
              المعنى المستفاد من هذا التركيب : أن أصول الدين هي المبادئ العامة والقواعد الكلية الكبرى , التي بها تتحقق طاعة الله والرسول .
              فأصول الدين بهذا الاعتبار تشمل أركان الإسلام من الأعمال الظاهرة , وأركان الإيمان من الاعتقادات الباطنة , ثم غلب على العلماء المصنفين في الاعتقاد استعمال هذا الاصطلاح في قضايا التوحيد والعقيدة , وعُللت التسمية ؛ بأن بحوث علم الاعتقاد أصل لما يتلوها من العلوم الدينية الأخرى كالفقه والحديث , ومن جهة أخرى , فإن هذا العلم يبحث في العقائد التي هي الأصول الواجب على المكلف اعتقادها قبل أن يبدأ العمل , فلا يثمر العمل في الآخرة إلا باعتقاد هذه الأصول في الدنيا .
              وقد صنف العلماء بهذا الاسم , مثل :
              (الشرح والإبانة عن أصول السنة والديانة) لأبي عبد الله بن بطة العُكبري الحنبلي .
              (الإبانة عن أصول الديانة) لأبي الحسن على بن إسماعيل الأشعري .
              - الشريعــة :
              هي ما شرع الله لعباده من الأحكام التي جاء بها نبي من الأنبياء , سواء كانت متعلقة بكيفية عمل , وتسمى فرعية وعملية , أو بكيفية الاعتقاد , وتسمى أصلية واعتقادية , فالتفاوت بينها بحسب الاعتبار لا الذات . (كشاف اصطلاح الفنون للتهانوي , بواسطة وتصرف)
              ثم أطلقت الشريعة بإطلاق أخص – كما قال ابن تيمية – على : (العقائد التي يعتقدها أهل السنة من الإيمان , مثل اعتقادهم أن الإيمان قول وعمل , وأن الله موصوف بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله , وأن القرآن كلام الله غير مخلوق ...) .
              وأُلفت كتبًا في الاعتقاد تحمل اسم الشريعة , مثل :
              (الشريعة) لأبي بكر الآجُرِّي .
              (الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة) لابن بطة العكبري الحنبلي .
              - الفقه الأكبر :
              قال الإمام أبو حنيفة : (الفقه : معرفة النفس مالها وما عليها) , وذلك من كل ما تنتفع به وتتضرر في الآخرة , من الاعتقادات والأعمال والأخلاق ونحو ذلك , ثم لما أراد أبو حنيفة تمييز الاعتقادات عن غيرها , جاء بهذا الاصطلاح الذي لم يُسبق له في التعبير عن التوحيد , فسماه الفقه الأكبر , تمييزًا له عن الأصغر وهو فقه الفروع .
              وللاستزادة في تفصيل أسماء علم التوحيد فليرجع لكتاب (علم العقيدة عند أهل السنة والجماعة المبادئ والمقدمات) للشيخ الدكتور / محمد يسري .
              فقد نقلت الكلام منه بتصرف كبير , كذا باقي مبادئ علم التوحيد التسعة , فقد استفدت منه كلام كثير , حفظه الله ورزقنا وإياه الإخلاص في القول والعمل , والله المستعان .

              8- الاستمـداد :
              يستمد من نصوص الكتاب والسنة , وإجماع سلف الأمة .
              قال ابن تيمية (في مجموع الفتاوى) :
              فدين المسلمين مبني على اتباع كتاب الله وسنة نبيه وما اتفقت عليه الأمة , فهذه الثلاثة أصول معصومة .
              ثم قال في موضع آخر :
              فالإجماع هو الأصل الثالث الذي يعتمدون عليه في العلم والدين , والإجماع الذي ينضبط ما كان عليه السلف الصالح ؛ إذ بعدهم كثر الخلاف وانتشرت الأمة .


              9- حكم الشارع :
              وفي الحق أن تعلم علم التوحيد منه ما هو فرض عين , ومنه ما هو فرض كفاية .
              فكان أول الواجبات وأوجب التكليفات , هو إفراد الله تعالى بالتوحيد , والبراءة من الشرك باتفاق أهل السنة , وفي الحديث : (إن العبد أول ما يُسئل في قبره : من ربك , وما دينك , ومن الرجل الذي بعث فيكم) . أخرجه أبو داود وابن ماجة
              قال الشيخ حافظ حكمي :
              أول واجب على العبيد ... معرفة الرحمن بالتوحيد
              إذ هو من كل الأوامر أعظم ... وهو نوعان أيا من يفهم
              فتعلم فرض العين من علم التوحيد هو أول الواجبات وأولاها وأفرضها على المكلفين أجمعين .
              وفرض العين منه : هو ما تصح به عقيدة المسلم في ربه من حيث ما يجوز ويجب ويمتنع في حق الله تعالى , ذاتًا وأسماءً وأفعالًا وصفاتٍ , على وجه الإجمال , وهذا ما يسمه بعض العلماء بالإيمان المجمل أو الإجمالي .
              وأما فرض الكفاية منه : فما زاد على ذلك من التفصيل والتدليل والتعليل , وتحصيل القدرة على رد الشبهات وقوادح الأدلة , وإلزام المعاندين , وإفحام المخالفين , وهذا ما يسمى بالايمان التفصيلي , وهو المقدور على إثباته بالأدلة وحلِّ ودفع الشبهة الواردة عليه , وهو من أجل فروض الكفايات في علوم الإسلام ؛ لأنه ينفي انتحال الغالين وتأويل المبطلين , فلا يجوز أن يخلو الزمان ممن يقوم بهذا الفرض الكفائي المهم ؛ إذ لا شك أن حفظ عقائد الناس أكثر أهمية من حفظ أبدانهم وأموالهم وأعراضهم .

              10- مسـائله :
              علم التوحيد : هو العلم بالأحكام الشرعية العقدية , المكتسب من أدلتها المرضية , ورد الشبهات وقوادح الأدلة الخلافية .
              وكان موضوع علم التوحيد هو الله تعالى , والملائكة , والرسل الكرام , وقضايا اليوم الآخر والغيبيات , والقدر .
              فمسائله : هي معرفة أحكام القضايا الاعتقادية المتعلقة بذلك كله من الوجوب والجواز والاستحالة , وما توقفت عليه تلك الأحكام لا ستفادتها على منهج أهل السنة والجماعة . (علم العقيدة المبادئ والمقدمات)

              تعليق


              • #7
                * بسم(1) الله(2) الرَّحمن الرَّحيم(3)
                ـــــــــــــــــــــــ
                * : قال الحازمي :
                قال المصنف : ( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ )
                هذه عادة أهل العلم يستفتحون رسائلهم بالبسملة ، وذلك لثلاثة أمور :
                أولاً : اقتداءً بالكتاب العزيز ، حيث افتُتح فيه الكتاب ببسم الله الرحمن الرحيم اتفاقًا ، أول ما تفتح القرآن تجد : ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ .
                ثانيًا : تأسيًا بالنبي حيث كان يفتتح رسائله ، وكتاباته إلى الملوك بالبسملة ، جاء في صحيح البخاري ومسلم من حديث ابن عباس , أن النبي كتب إلى هرقل : ( بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم ) . فبدأ بالبسملة .
                ثالثًا : قال الحافظ ابن حجر : وقد استقر عمل الأئمة المصنفين على افتتاح كتب العلم بالتسمية وكذا معظم الكتب والرسائل .
                لهذه الأمور الثلاثة افتتح المصنف هذه الرسالة المباركة بهذه البسملة , وهذه الجملــة ( بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ ) .
                يشتهر حديث « كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر » . وفي رواية « فهو أقطع » . وفي رواية « فهو أجزم » . ومجموع هذه الروايات أنه ناقص البركة ، لكن هذا الحديث ضعفه أهل العلم فلا يُعوَّل عليه ، إذًا ليس إلا السنة الفعلية وليس ثمة سنة قولية .
                (1) : ( بِسْمِ اللَّهِ ) جار ومجرور متعلِّق بمحذوف لأنه معمول ، وكلُّ معمولٍ لا بد له من عامل .
                قال في نظم قواعد الإعراب :
                لا بُدَّ لِلجَارِّ مِنَ التَّعلُّقِ بِفِعْلٍ أوْ مَعْنَاهُ نَحْوُ مُرتَقِي
                فالجار والمجرور لابد له من متعلَّق يتعلق به , وهو محذوف هنا , والأصح أنه يُقدَّر فعلًا مؤخرًا مناسبًا للمقام .
                وقدرناه فعلًا ؛ لأن الأصل في العمل للأفعال .
                وقدرناه مؤخرًا , لفائدتين :
                - التبرك بالبداءة باسم الله سبحانه .
                لأنه لم يبدأ : أقرأ أو أؤلف بسم الله ، لو قدَّم الفعل أؤلف على بسم الله حينئذٍ لم يبدأ ببسم الله ، فلما أَخَّرَه حينئذٍ قال : بسم الله أؤلف ، فقدم البسملة فحصل التبرك بها .
                - إفادة الحصر .
                لأن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر ، وهو إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما عداه.
                حينئذٍ بسم الله أألف , أي : بسم الله لا بسم غيره .
                ومناسبًا للمقام لأن كلَّ مَن أراد أن يبسمل أو أراد أن يفعل فإنما يضمر في نفسه ما جعل البسملة مبدءًا له ، فالذي يُريد أن يأكل يقول : بسم الله , ماذا ينوي ؟ آكل ... وهكذا .
                جاء في (فتح المجيد) , قال ابن القيم : لحذف العامل فوائد , منها : أنه موطن لا ينبغي أن يتقدم فيه غير ذكر الله , ومنها : أن الفعل إذا حذف صحَّ الابتداء بالبسملة في كل عمل وقول وحركة , فكان الحذف أعمَّ . اهـ
                وقال أيضًا (صاحب فتح المجيد) : وباء (بسم الله) للاستعانة , وقيل للمصاحبة , والأول أوفق وأظهر في العبادة , فيكون التقدير : بسم الله أؤلف حال كوني مستعينًا بذكره , متبركًا به .
                ثم قال : والاسم مشتق من السُّموِّ وهو العلو , وقيل : من الوسم وهو العلامة ؛ لأن كل ما سُمِّي فقد نُوِّه باسمه ووُسِم . اهـ بتصرف يسير
                (2) : الله : لفظ الجلالة , علم على ذات الباري , متضمن لصفة الإلهية فهو المألوه سبحانه وبحمده محبةً وتعظيمًا .
                قال ابن الملقن في ((المعين على تَفَهُّمِ الأربعين)) :
                (قال الخطَّابي : وأحب الأقوال إلي : قول من ذهب إلى أنه اسم علم وليس بمشتق .
                قلت : وجمهور العلماء النحاة على أنه مشتق , واختلف في اشتقاقه على أقوال :
                أحدها : من أَلِهَ يأَلَهُ إذا تحيَّر , إذ القلوب تحار في عظمته , وهذا أنكره ابن فارس.
                ثانيهما : من (إله) وهو الذي يُفزع إليه في الحوائج .
                ثالثهما : أنه من باب (التَّأَلُّه) وهو التعبد .
                رابعهما : أنه من (الوَلَهِ) وهو أشد ما يكون من الشوق ؛ لأن القلوب تشتاق إلى معرفته , قال تعالى : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ .
                خامسها : أنه من الإلهية , وهي القدرة على الاختراع , ومحل الخوض في ذلك كتب العربية ؛ فلا نطوِّل به ) . اهـ
                ويقول ابن سيده: (والإلهة والألوهة والألوهية: العبادة) وأما الألوهية التي جاءت هذه الكلمة لإثبات استحقاق الله وحده لها فهي من مجموع كلام أهل اللغة أيضاً فزع القلب إلى الله، وسكونه إليه، واتجاهه إليه لشدة محبته له، وافتقاره إليه ويجمعهما كون الله هو الغاية والمراد والمقصود مطلقاً.
                قال الكِسائيُّ والفرَّاء : وأصله الإله , حذفوا الهمزة , وأدغمت اللام في اللام , فصارت لامًا واحدة مشددة مفخمة .
                قال ابن القيم : الصحيح أنه مشتق , وأن أصله الإله , كما قال سيبويه وجمهور أصحابه إلا من شذَّ , وهو الجامع لمعاني الأسماء الحسنى والصفات العُلى .
                والذين قالوا بالاشتقاق إنما أرادوا أنه دال على صفة له تعالى , وهي الإلهية , ونحن لا نعني بالاشتقاق إلا أنها ملاقية لمصادرها في اللفظ والمعنى , لا أنها متولدة منه تولد الفرع من أصله , وتسمية النحاة للمصدر والمشتق منه : أصلًا وفرعًا , ليس معناه أن أحدهما متولد من الآخر , وإنما باعتبار أن أحدهما يتضمن الآخر وزيادة .
                فـ (الله) من أَلِهَ يأْلَهَ أُلُوهَةً وإِلَاهِيةً , وهو المعبود محبة وتعظيمًا , وهذا ما عليه جمهور أهل اللغة , وهو المعنى الذي عُرِّف به في الشرع , والمعاني الأخرى صحيحة أيضًا.
                قال رؤبة بن العجاج :
                لله درُّ الغانيات المدَّهِ ... سبحن واسترجعن من تألهي
                من تألهي : أي من تعبدي .
                قال ابن القيم في (المدراج) : فاسمه (الله) دل على كونه مألوهًا معبودًا , يألهه الخلائق محبةً وتعظيمًا وخضوعًا ؛ ومفزعًا إليه في الحوائج والنوائب .
                (3) : الرَّحمن الرَّحيم :
                و ( الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ ) هذان اسمان مُشتقان من الرحمة ؛ إلا أن الرحمن أبلغ من الرحيم ، لأنه مشتمل على خمسة أحرف ، والرحيم أقل منه معنى لأنه يشتمل على أربعة أحرف .
                قال ابن القيم تعالى : ( الرحمن دال على الصفة القائمة به سبحانه ، والرحيم دال على تعلقها بالمرحوم ، فكان الأول للوصف , والثاني للفعل , فالأول دال على أن الرحمة صفته , والثاني دال على أنه يرحم خلقه برحمته , وإذا أردت فهم هذا فتأمل قوله : ﴿ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً ﴾ [ الأحزاب : 43] ، ﴿ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ﴾[ التوبة : 117] , ولم يجيء قط : رحمن بهم . فعلم أن رحمن هو الموصوف بالرحمة، ورحيم هو الراحم برحمته ) . اهـ من بدائع الفوائد بواسطة


                اعلم(1) رحمك الله(2) أنه يجب(3) علينا(4) تعلم(5) أربعِ مسائل(6) :
                ــــــــــــــــــــــــــــ
                (1) : وكلمة (اعلم) يؤتى بها من باب التنبيه وحث السامع على أن يصغي لما سيقال، فهي أمر بتحصيل العلم والتهيؤ لما سيلقى إليك من العلوم.
                ولهذا ينبغي للمتكلم إذا تحدث أمام الناس أن يستعمل معهم بين حين وآخر العبارات التي تشد أذهانهم معه؛ لأن السامع بطبيعته يحتاج إلى ما يحرك ذهنه ويثير انتباهه، ولهذا كان الرسول يطرح السؤال بين حين وآخر على الصحابة : " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟"، "أتدرون ماذا قال ربكم؟" ، "أتدرون ما الغيبة؟"، والقصد من هذا أن السامعين يستعدون لسماع ما سيقال لهم، وهذا يعتبر من باب اختيار المقدمات المناسبة للكلام .
                (2) : (رحمك الله) : جملة خبرية لفظاً، إنشائية معنى؛ لأن المراد بها الدعاء للمتعلم بالرحمة، أي : غفر الله لك ما مضى من ذنوبك ووفقك وعصمك فيما يستقبل، هذا إذا أفردت الرحمة، وإذا قرنت بالمغفرة : فالمغفرة لما مضى، والرحمة لما يستقبل بالتوفيق للخير والسلامة من الذنوب.
                و(رحمك الله) عُبِّر بهذه الصيغة – صيغة الفعل الماضي – عن المستقبل ؛ تفاؤلًا بإيقاع رحمة الرب , وليس فيه دليل جزم بوقوع الرحمة .
                قال الشيخ صالح آل الشيخ :
                وهذا فيه التلطف , وفيه التنبيه إلى أن مبنى هذا العلم على التلطف , وعلى الرحمة بالمتعلمين , لأنه دعا له بالرحمة , وكان العلماء يَروُن ويُرَوُّن لمن بعدهم فيمن طلب الإجازة في الحديث , رواية حديث : (الراحمون يرحمهم الرحمن) , وهذا حديث معروف عند أهل العلم بالحديث المسلسل بالأولية ؛ لأن كل راو يقول للذي بعده (وهو أول حديث سمعته منه) . قال العلماء : سبب ذلك أن مبنى هذا العلم الرحمة , ونتيجته الرحمة في الدنيا , وغايته الرحمة في الآخرة . اهـ
                (3) : (أنه) : الضمير هنا يُسمى ضمير الشأن , والحال , والقصة , أي اعلم رحمك الله أن الحال والشأن (وجوب تعلم أربع مسائل) .


                - (يجب) :
                قال الحازميُّ :
                فالواجب في اللغة : (الساقط , واللازم ، والثابت) ، وَجَبَ يَجِبُ وَجْبَةً سقط .
                وقال في المصباح : وَجَبَ الحَقُّ والبَيْعُ يَجِبُ وُجُوبًا ووَجْبَةً لزم وثبت .
                إذ الواجب يأتي بمعنى الثابت ، « أسألك موجبات رحمتك » . يعني الكلمات المثبتة للرحمة ، ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ بمعنى سقطت ، هذا معنى الواجب في اللغة .

                أما في الاصطلاح : (فهو ما طلب الشارع فعله طلبًا جازمًا) .
                وإما أن يكون غيرَ جازم وهو الندب , إن رَتَّبَ الشارع العقوبة على الترك فحينئذٍ يكون هذا الطلب جازمًا ، وإن لم يرتب العقوبة على الترك فنقول : هذا الطلب غير جازم وهو الندب .
                والوجوب المقصود هنا على مراد الشيخ هو الوجوب العيني , الذي يلزم كل مكلف بعينه أن يفعله , والدليل على أنه وجوب عيني يتضح بالدليل الذي ذكره الشيخ على وجوب تعلم هذه المسائل , فكل مسلم مطالب وجوبًا بإنقاذ نفسه من الخسران , ولا يتم له هذا إلا بالإيمان والعمل الصالح والدعوة والصبر , وهذا بيِّنٌ جلي في السورة , وسيأتي الكلام عليه تفصيلًا .
                إذ الوجوب منه ما هو عيني ومنه ما هو كفائي , فالكفائي هو ما لو قام به بعض المسلمين سقط إثم الترك عن الباقي , شريطة حصول الكفاية , وإلا فكلهم مؤاخذون بالإثم .
                (4) : علينا : ومراد الشيخ هنا هو غلبة توجيه الخطاب - إذ يغلب توجيه الخطاب للمسلمين الذين يمتثلون أمر الله وينقادون له – وإلا فكل مسلم وكافر بل وجنيّ داخل في الخطاب , إذ الكل مخاطب بأصول الشريعة , والمسلمون والجنُّ , والكفار على الصحيح مخاطبون بفروع الشريعة , وليس مراد الشيخ هنا بقوله (علينا) الاحتراز .
                فمخاطبة الكل بأصول الشريعة واضح بيِّن , قال تعالى : (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) , قال تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) والناس : هذه عام يشمل المسلم والكافر .
                أما مخاطبة الكفار بفروع الشريعة , ففيه نزاع بين العلماء .
                وكونهم لا يقومون بها إلا بعد امتثالهم التوحيد ودخولهم في الإسلام , فهذا محل اتفاق .
                وكونهم غير مطالبين بالقضاء بعد إسلامهم , فهذا أيضًا محل اتفاق .
                أما قبل الإسلام فهم مخاطبون بها أيضًا على الراجح , وهذا محل نزاع .
                الكفار مخاطبون بأصول الشريعة بالإيمان ، ولا خلاف بين أهل العلم في هذه المسألة ، يبقى مسألة الفروع كالصلاة ، والزكاة ، والصيام ، ونحو ذلك ، وبرِّ الوالدين ، وصلة الرحم ، هذا فيها خلاف بين أهل العلم ، والصواب أنهم مخاطبون كذلك بفروع الشريعة ، ولذلك جاء قوله : ﴿ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ﴾ [المدثر : 42-43] و ﴿ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ﴾[فصلت : 6-7] وقوله : ﴿ وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً ﴾ [الفرقان : 68-69] حينئذٍ رتب العقاب ورتب مضاعفة العذاب على ماذا ؟ ﴿ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ﴾ يعني يدعو غير الله فقد وقع في الشرك ، ولذلك جاء ﴿ وَيَخْلُدْ فِيهِ ﴾ إذًا الخلود هذا مقابل للشرك . ﴿ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ ﴾ فقتلوا هذا معصية أو لا ؟ معصية ، ﴿ وَلا يَزْنُونَ ﴾ فزنوا ، حينئذٍ فعلوا الشرك وفعلوا كبيرتين لا تخرجهم من الملة إذا فعلهما المسلم ، وهما قتل النفس المعصومة بغير حق ، وفعل الزنا . قال : ﴿ يُضَاعَفْ ﴾ [الفرقان : 69] فالمضاعفة هنا في مقابلة ماذا ؟ فعل الشرك وارتكابهم للكبيرتين . ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ الْعَذَابِ ﴾ [النحل : 88] أي عذاب ؟ الذي هو مقابل للشرك ، ﴿ زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ الْعَذَابِ ﴾ أي عذاب ؟ نقول : العذاب الذي رتبه الربُّ على وقوعهم في الكفر والشرك ، فحينئذٍ زدناهم عذابًا لصدهم عن الحق ، وصدهم عن سبيل الحق .
                الفائدة من كون القول بخطاب أو مخاطبة الكفار بفروع الشريعة ؟ نقول : هم لا يطالبون بها في حال كفرهم وهذا محل اتفاق ، ولا يطالبون بقضائها بعد إسلامهم وهذا محل اتفاق . لا يطالبون بها حال كفرهم لأن من صحة العبادة الإخلاص ، ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ [البينة :5] وهذا انتفى في حقه الإخلاص ، فيمتنع أن يصلي وهو كافر لانتفاء النية والقصد . ولا يُطالب بها لقضائها بعد الإسلام إذا أسلم لقوله : ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ [الأنفال :38] ، كل ما قد سلف فهو مغفور لهم . « الإسلام يجب ما قبله » . وبالإجماع العملي ، النبي كان يأتيه من يُسلم أو يُسلم على يديه ، والصحابة كذلك من بعده لم يطالبوا أحدًا البتة ، لم ينقل ، ولو وجد لنقل ، وعدم النقل دليل على أنه لم يحصل ولم يقع ، لم ينقل عن أحد منهم أنه طالب كافرًا بقضاء الصلوات والصيام ونحو ذلك .
                فحينئذٍ نقول : الفائدة تكون فائدة أخروية فحسب وليست دنيوية ، أخروية في مضاعفة العذاب ، فالمسلم كما أنه يُعذب إن شاء ربه إذا لم يتب عليه يعني إذا مات مرتكبًا لكبيرة ، قد يُعذَّب على فعل الكبيرة ، أليس كذلك
                هذا معتقد أهل السنة والجماعة ، وقد يعفو الله عنه . والكافر يفعل ما يشاء ؟ يعني لو أردنا أن ننظر إليها بالنظر العقلي الكافر لا يمكن أنه يُترك يفعل ما يشاء يشرب الخمر ، ويأكل الربا ، ويقطع الأرحام ، ويعقّ والديه ، ثم نقول : لا يعذب ! ، لا ، بل يعذب وهو أولى من المسلم وإن كان كافرًا لم يأت بأصل الدين ، بل ذهب بعضهم إلى أنه يعذب على الطيبات . ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ [الأعراف : 32 ] إذًا ليست للكفار ، فكل ما كان من الطيبات فالأصل أنه للمؤمنين ، فإذا تلبَّسوا وأكلوا وشربوا فحينئذٍ نقول : فعلوا ما ليس ملكًا لهم ، بل هو ملك للمؤمنين ، فيكون فيه اعتداء فيعذب على ذلك ، وهذا اختيار الشيخ ابن عثيمين تعالى . اهـ (إتحاف العقول)
                (5) : تَعَلُّمُ : تَفَعُّل , يدل على الوجوب , وهو طلب تحصيل العلم شيئًا فشيئًا .
                والتعلم المراد هنا هو تعلم الواجب العيني علينا من هذه المسائل الأربع , حينئذ يكون الاحتراز من الواجب الكفائي والمندوب , وهذا في المسائل الأربع كلها , كما سيأتي.
                (6) : أربع مسائل :
                أربع : العدد هنا له مفهوم , من جهة أنه لا يدخل فيه ما هو أقل من أربعة ؛ لأن الدليل واضح في سورة العصر , المقصود منه أربع مسائل .
                أما من جهة أن ليس أكثر من أربعة , فلا مفهوم له حينئذ , بدليل ذكره فيما بعد وجوب ثلاث مسائل أيضًا .
                ومسائل : جمع مسألة , مشتقة من السؤال , وهو ما يبرهن عنه في العلم , يعني ما يُثبت له الدليل , ويُطلب ويُسأل عنه .

                تعليق


                • #8
                  الأولى: العلم(1) : وهو معرفة الله(2) ، ومعرفة نبيه (3) ، ومعرفة دين الإسلام(4)بالأدلة(5) . ـــــــــــــــــــــــ (1) : الأولى من تلكم المسائل : (العلــم) : لام التعريف هنا للعهد الحضوري . إذ العلم هنا المقصود به العلم الشرعي للمسائل التي ذكرها تعريفًا له فقد عرَّفه بمعرفة الله ونبيه ودين الإسلام . وعرّفه ابن القيم (أي العلم الشرعي) فقال : هو معرفة الهدى بدليله العلمُ معرفةُ الهدى بدليلِهِ ... ما ذاك والتقليدُ يستويان والعلم كما هو معلوم منه ماهو فرض عين , وما هو فرض كفائي , وما هو سنة , ومراد الشيخ هنا هو القدر الواجب العيني من العلم بهذه المسائل التي عرَّف بها العلم , وكذا في باقي المسائل الأربع كلها ؛ لأنه قال (يجب علينا) وهذا هو الوجوب العيني , فكان لزامًا أن يكون المراد من المسائل الأربع القدر الواجب العيني منها على المكلف , وليست على إطلاقها . فإن هذه الأمور - التي عرَّف الشيخ بها العلم – ليست كل مسائلها على مرتبة واحدة في الوجوب ؛ خاصةً وأنها تلزم كل من المقلد العامي , والعالم , وكل منهم يختلف في وضوح المسائل والبراهين عليها والعلم بها أصالةً وجهالتها , وقد يعبر عن هذا القدر بـ (المعلوم من الدين بالضرورة) ومن الضرورة معرفة أن هذا المصطلح ليس له حدٌّ يحده أو عددٌ من المسائل تُعَيِّنَهُ , جاء في مركز الفتوى في موقع إسلام ويب , ردًا على سؤال يبتغي صاحبة تعينَ المعلوم من الدين بالضرورة , فقال : (فإن المقصود بالمعلوم من الدين بالضرورة هو ما علمه عامة المسلمين من الدين بالأوليَّة من دون نظر ولا تأمل وجوبا أو تحريما، مثل: وجوب الصلاة والزكاة والصوم والحج.. وتحريم الزنا والعقوق والظلم والخمر والخنزير والقتل إلى غير ذلك من المسائل التي ينتشر بين المسلمين وجوبها أو تحريمها في الاعتقاد أو العمل، ولم نقف على من حصرها في عدد معين؛ لأن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص والبيئات، فقد يكون الأمر ضروريا في بيئة ويكون نظريا في أخرى. ومن كان حديث عهد بالإسلام أو يعيش في بيئة لا يوجد فيها مسلمون فإنه يعذر بجهل ما لا يعذر به من عاش في بيئة مسلمة ) . فالمعلوم من الدين بالضرورة معناه: ما لا يسع المسلم أن يجهله. والمعلوم من الدين بالضرورة يختلف ويتفاوت باختلاف الأزمنة والأمكنة والطوائف، فقد يكون الشيء معلوماً من الدين بالضرورة في وقت دون وقت وفي عصر دون عصر وفي مصر دون آخر وعند طائفة دون أخرى . هذه مسألة كان يجب أن يُقدَّم بها في هذا الموضع , حتي يتبين ويتضح الكلام فيما بعد , وحتى يُعلم القدر الواجب في الحكم على الإنسان بالإسلام , وحتى يُعلم يقينًا أن هذا الحكم قد يختلف في بعض الأوقات عن بعضها , وبعض الأماكن عن غيرها , ففي بعض أرياف مصر مثلًا ترى بأمِّ عينك أن هناك بعض النساء لا يصلين مطلقًا , لما ؟ لأنهن يعتقدن أن الصلاة فرض على الرجال فقط (حكاه الشيخ / أحمد النقيب , معاينةً بنفسه) . فمسائل العقيدة مثلًا التي تكون معلومًا من الدين بالضرورة في مكان ما , يكون قد انتشرت فيه دعوة التوحيد , لا يمكن جعلها معلومًا من الدين بالضرورة في مكان انتشرت فيه البدع والشركيات وأُصِّل لها وتم نشرها بين العوام على أنها هي الدين القيم , وكذا في الأماكن التي يتعذر وصول الدعوة إليها بالشكل الكافي الذي يُعلم به التوحيد صافيًا . وكل هذا لا ينافي ضرورة تعلُّم المرء لما يقوم به دينه , كما قال الإمام أحمد : يجب عليه أن يتعلم ما يقوم به دينه . فكل ما يجب عليه اعتقاده والعمل به , فهو واجب عليه العلم به ؛ إذ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب , هذه حقيقة العلم الذي هو فرض عين . والشيخ هنا عرّف العلم بالمعرفة , فقال العلم : وهو معرفة الله ... فهل العلم والمعرفة مترادفان ؟ أم متغايران ؟ قال الحازمي : (هذا محل نزاع عند أهل العلم ، أكثر أهل العلم - والمسألة لغوية - أن العلم بمعنى المعرفة ، والمعرفة بمعنى العلم فهما مترادفان . وبهذا قال أبو الخطاب في شرح (( التمهيد )) ، واستدل بقوله تعالى : ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة :146] قال : ﴿ يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾ ثم قال : ﴿ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ يعلمون أنك رسول الله ، أليس كذلك ؟ حينئذٍ أردف هنا أو عبَّر عن المعرفة بالعلم ، فدلّ على أن المعرفة هي العلم . وهذا اختيار المصنف هنا كما هو الظاهر ، فقد قال: ( العلم وَهُوَ مَعْرِفَةُ ) فدل على أن العلم والمعرفة عنده سيَّان . وذهب بعضهم إلى التفريق ولم يوجد ضابط صحيح يمكن التعويل عليه في الفرق بين المعرفة والعلم ، ولذلك أهل الأصول يذكرون هذه المسألة ثم يذكرون أنواعًا من الضوابط في التفرقة بينهما ، أشهر ما ذُكر بأنَّ المعرفة يسبقها جهل ، والعلم لا يسبقه جهل ، يعني لا يعلم ثم يقال فيه : عالم وعارف ، أما الذي لا يسبقه جهل كعلم الله نقول : هذا عالم ولا يصح أن يقال فيه : عارف . هذا أشهر ما قيل . وابن القيم يرى التفريق بين المعرفة والعلم وذكر ذلك في (( مدارج السالكين )) قال - تعالى - : والفرق بين العلم والمعرفة من وجوه ثلاثة : أحدها : أنَّ المعرفة لُبُّ العلم يعني هي أخصُّ منه - ولُبُّ العلمِ خُلاصته ، مثل ما أقول : الإخلاص خلاصة العبادة - ونسبةُ العلم إليها كنسبة الإيمان إلى الإحسان ، والإحسان دائرة أضيق من دائرة الإيمان ، نسبة العلم إلى المعرفة والمعرفة إلى العلم كنسبة الإحسان إلى الإيمان ، وهي علم خاصٌّ متعلَّقها أخفى من متعلَّق العلم وأدق . وهذا يحتاج إلى تأمل . والثاني : أن المعرفة هي العلم الذي يراعيه صاحبه بموجبه ومقتضاه ، فهو علم تتصل به الرعاية يعني العلم قد يعمل به صاحبه ، وقد لا يعمل به ، فإن عَمِلَ به حينئذٍ صار علمًا ومعرفة وإلا فهو علم بحت ، حينئذٍ صارت المعرفة أخص ، لأنها علم مع رعاية يعني يلاحظ معلوماته يطبقها يعلم حقيقة الإخلاص فيحاول أن يتلبس بالإخلاص ، ووسائل الإخلاص ، يتعلم خشية الله ثم يحاول أن يُسدد نفسه على ما علمه ، نقول : هذه رعاية العلم ، العمل بالعلم . الثالث : أن المعرفة شاهد لنفسها ، وهي بمنزلة الأمور الوجدانية التي لا يمكن لصاحبها أن يشك فيها ولا ينتقل عنها ، لذلك قال : وكشف المعرفة أتم من كشف العلم ، والله أعلم ) . فالمعرفة علم وزيادة , والزيادة تكون بالمراعة بالموجب والمقتضى , كما قال ابن القيم , وهذا يتضح معنا في الكلام على معرفة الله , ومعرفة نبيه , ومعرفة دين الإسلام , وكيف شرح هذه المعاني الشيخ ابن العثيمين تعالى . (2) : (وهو معرفة الله) : قال ابن العثيمين : (أي معرفة الله بالقلب معرفة تستلزم قبول ما شرعه والإذعان , والانقياد له , وتحكيم شريعته التي جاء بها رسوله) . وهذا هو ضابط المعرفة الشرعية – والتي هي مرادة هنا – لا المعرفة الفطرية الاضطرارية التي لا تثمر شيئًا ولا تنفع العبد عند ربه جلَّ وعلا ؛ فإن إبليس يعرف ربه , وفرعون الذي ادعى الربوبية يعرف ربه , قال تعالى : (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً) , وهذه المعرفة لا تنفعهم عند الله جلَّ وعلا . قال الحازمي : (ولا يكون العبد على حقيقة من دينه إلا بعد العلم بالله ، ولذلك قدَّم المصنف معرفة الله على معرفةِ الدين ومعرفةِ النبي لماذا ؟ لأنه لا يمكن أن يتلبس بدينه إلا إذا عرف اللهَ ، عرفه بأسمائه وصفاته ، بإلوهيته ، وربوبيته ، هذا المقصود بمعرفة الله أن يعرف بقلبه ربه ، من هو هذا الرب ؟ من هو هذا المعبود ؟ لا بد أن يعرفه بأفعاله التي هي متعلق الربوبية ، وأن يفرد هذا الرب بالعبودية وهي أفعال العباد وهو توحيد الإلوهية ، وأن يعرف الرب بأسمائه وصفاته) . وهذه الأفراد التي يعرف بها ربه تكون على الإجمال لا التفصيل الذي يُدرَّس في كتب العقيدة لطلبة العلم ؛ إذ ليس كل المسلمين طلاب علم . فيعلم ويصدق ويُقِرُّ من قلبه أن الله منفردٌ بالخلق والرَزق والتدبير والإحياء والإماتة , وهو وحده النافع الضار , وأن علمه وقدرته وسعت كل شئ , وأنه وحده هو المستحق للعبادة دون غيره , ولا يجوز قصد غيره بالتوجه والطلب , وكذا أن له الأسماء الحسنى والصفات العلى على ما يليق بعظمته سبحانه , يؤمن بذلك ويعلمه مجملًا , وإن لم يعلم تفاصيل هذه الأمور ودقائقها , فإن عُرض عليه التفصيل وعلمه وسمع به وجب عليه الإيمان به , وعَقْدُ قلبه على ما علم . قال الأمام أحمد , فيما ذكره ابن مفلح في (الآداب الشرعية) عنه : ((ويجب على كل أحد الإيمان بما جاء به الرسول إيمانًا عامًا مجملًا , ولا ريب أن معرفة ما جاء به الرسول على التفصيل فرضٌ على الكفاية , فإنه داخل في التبليغ بما بعث الله به رسوله , وفي تدبر القرآن وعقله وفهمه وعلم الكتاب والحكمة وحفظ الذكر , والدعاء إلى الخير , والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)) . اهـ قال ابن القيم (في مدارج السالكين) : (أن يشهد صاحبه قيومية الرب تعالى فوق عرشه , يدبر أمر عباده وحده , فلا خالق ولارازق , ولا معطي ولا مانع , ولا مميت ولا محيي , ولا مدبر لأمر المملكة – ظاهرًا وباطنًا – غيره , فما شاء كان , وما لم يشأ لم يكن , لا تتحرك ذرة إلا بإذنه , ولا يجري حادث إلا بمشيئته , ولا تسقط ورقة إلا بعلمه , ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا أحصاها , وأحاطت بها قدرته , ونفذت بها مشيئته , واقتضتها حكمته) ... وقال في موضع أخر : (لا يستقر للعبد قدمٌ في المعرفة – بل ولا في الإيمان – حتى يؤمن بصفات الرب جلَّ وعلا , ويعرفها معرفةً تخرجه عن حد الجهل بربه , فالإيمان بالصفات وتَعَرُّفُها هو أساس الإسلام , وقاعدة الإيمان , وثمرة شجرة الإحسان) . اهـ قال ابن تيمية (في الرسالة التسعينية) : (أما التوحيد الذي ذكره الله في كتابه , وأنزل به كتبه , وبعث به رسله , واتفق عليه المسلمون من كل ملة , فهو كما قال الأئمة : شهادة أن لا إله إلا الله , وهو عبادة الله وحده لا شريك له , كما بيَّن ذلك بقوله : (وَإِلَـهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) فأخبر أن الإله إله واحد , ولا يجوز أن يُتخذ إلهٌ غيره , فلا يُعبد إلا إياه) . اهـ وهنا مسألة : هل يُعرف الرَّبُ بالعقل أم بالنقل ؟ وهل يُعرف بالآيات الشرعية أم بالآيات الكونية , أصالةً واستقلالًا ؟ أقول وبالله التوفيق : انتشر على لسان العوام كلمة قبيحة ألا وهى : ( ربنا عرفوه بالعقل ) وكان مَن هم أعلى مرتبة قليلاً منهم يقولون : ( لا , ربنا عرفوه بالعقل والنقل ) وأقول : ( إن الله لم يُعرف إلا بالنقل وفقط , على تفصيل يأتى فى المسألة ) ... أقول : كيف يوصلنى العقل أن الله له وجه , ويد , وساق , ومن أين أعلم أسماء الله سبحانه وبحمده الحسنى وصفاته العلى ... قد يقول قائل إن كل ذلك من لوازم الربوبية , ولكن أقول من أين لى أن أعلم التفاصيل فى هذا على الوجه الذى فصَّله الله لنا , فإن العقل لايعلم الأمر على جادته وتفصيله إلا بأمرين : 1) إما أن أرى بنفسى ذات الشئ . 2) وإما أن أرى مثيلاً له لايَشِذُّ عنه . ولا هذا ولا ذاك حدث مع الله , فإنا لم نر ربنا فى الدنيا – أسأل الله ألا يحرمنا لذة رؤيته فى الآخرة – وأيضاً لم نر له شبيهاً ولا مثيلاً – تعالى ربنا وتنزه - حتى نصل إليه بعقولنا , فلم يكن ذلك إلا بأن يعرفنا الله بذاته فى كلامه , أو على لسان رسوله . وقد يقول قائل : إننا نتعرف على الله بالتفكر فى آياته , ووسيلة التفكر هى العقل , فبذلك نحن نعرف الله بالعقل … أقول أيضاً نحن سنعرف بالتفكر فى آيات الله , أصل وجود الله و مجملات عنه وليس تفاصيل كالتى جاء بها النبى , أو عرفنا الله بها بذاته... ثم إن هذه المعرفة تكون تابعًا للمعرفة الشرعية لا استقلالًا , وفرع من فروعها لا أصلًا في معرفة الله , قال ابن العثيمين : (ويتعرف العبد على ربه بالنظر في الآيات الشرعية في كتاب الله َّ وسنة رسوله , والنظر في الآيات الكونية التي هي المخلوقات ؛ فإن الإنسان كلما نظر في تلك الآيات ازداد علمًا بخالقه ومعبوده , قال تعالى : ((وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ)) . اهـ فدعاهم للنظر في الآيات بمسمى اليقين [لله دره فهي كسؤال إبراهيم ربه رؤية إحياء الموتى] . كالأعرابى الذى استدل على وجود الله تعالى بآياته , فقال : ( البعرة تدل على البعير , والأثر يدل على المسير , فسماء ذات أبراج , وأرض ذات فجاج , أما يدلان على العليم الخبير ) بلى يدُلَّان ... ولكن آيات الله يتفكر فيها المؤمنون ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم ... فيكون بذلك الصحيح أن الله عُرف بالنقل فقط , وليس بالعقل , وليس بالعقل والنقل . قال شيخ الإسلام ابن تيمية نقلًا عن أبى محمد عبد الله بن أحمد الخليدى قوله : ( ولسنا نقول إن الله يُعرف بالمخلوقات , بل المخلوقات كلها تُعرف بالله , لكن معرفته تزيد بالنظر فى مخلوقات الله ) .اهـ مجموع الفتاوى [2/2 هامش] قال عبد الرحمن بن أبى حاتم , حينما سُئل عن رجل يقول: عرفت الله بالعقل والإلهام , فقال : ( من قال عرفت الله بالعقل والإلهام فهو مبتدع , عرفنا كل شئ بالله ) . اهـ وهذا التفصيل الذي ذُكر ليس في معرض الكلام على إثبات خالقٍ واجدٍ لهذا الكون مدبرٍ له , بل هو فيما يلي إثبات ذلك ؛ إذ هذا التفصيل يحسُن ويجمُل في معرض الكلام في مصادر تلقي العقائد وأن أصلها عند أهل السنة والجماعة النقل لا العقل خلافًا لمن خالف الطريق القويم والمنهج المستقيم . والله أعلم

                  تعليق


                  • #9
                    (3) : (ومعرفة نبيه) : قال الشيخ ابن العثيمين : (أي: معرفة رسوله محمد المعرفة التي تستلزم قبول ما جاء به من الهدى ودين الحق , وتصديقه فيما أخبر , وامتثال أمره فيما أمر , واجتناب مانهى عنه وزجر , وتحكيم شريعته , والرضا بحكمه , قال تعالى : ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَحَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِيأَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ , وقال تعالى : ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَالْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَبَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُالْمُفْلِحُونَ﴾ . وقال تعالى : ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍفَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَبِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ , وقال : ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . قال الإمام أحمد: [أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك . لعله إذا ردَّ بعض قوله أن يقع في قلبه شئ من الزيغ فيهلك]) . اهـ * قال الشيخ الحازمي :هنا قال : ( وَمَعْرِفَةُ نَبِيِّهِ ) ولم يقل رسوله . أيهما أخص وأيهما أعم ؟ القاعدة عند الجمهور : كل رسول نبي ولا عكس ، ليس كل نبي يكون رسولاً ، حينئذٍ إثبات الأعم هل يستلزم إثبات الأخص ؟ يعني إذا قيل : ( مَعْرِفَةُ نَبِيِّهِ ) محمد هل يلزم من هذا اللفظ إثبات الرسالة له ؟ لا ، لا يلزم ، ومعرفة نبيه لا يستلزم إثبات الرسالة للنبي ، لكن لو قال : معرفة رسوله استلزم ، لأن القاعدة : ( أن إثبات الأعم لا يستلزم إثبات الأخص ، وإثبات الأخص يستلزم إثبات الأعم ، ونفي الأعم يستلزم نفي الأخص ، ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم ) إذًا ( وَمَعْرِفَةُ نَبِيِّهِ ) ولم يقل رسوله ، أثبت الأعم فلا يستلزم إثبات الأخص . لكن نقول : في مثل هذا الموضع النبي والرسول مترادفان ، لأن المصنف لم يرد بيان حقيقة النبوة أو الرسالة ، ولم يرد أن يثبت للنبي من جهة الرسالة أو النبوة شيء آخر ، وإنما مراده أنه من عند الله ، وأنه جاء بشرع وهو العلم الشرعي ، قصد العلم الشرعي الذي جاء به محمد ، ومعرفة محمد أصل لمعرفة ذلك العلم الشرعي . (4) : (ومعرفة دين الإسلام) : قال ابن تيمية :ويقال : يَدِينُ الله ، ويَدِينُ لله ، (يعني يتعدى بنفسه ويتعدى باللام) ، أي يعبد الله ويطيعه ويخضع له . الإسلام له معنيان : معنى عام ، ومعنى خاص ؛ لأنه جاء إطلاق لفظ الإسلام في شرائع من قبلنا. قد جاء وصف مَن سبق بالإسلام ، جاء على لسان إبراهيم : ﴿ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ ﴾ . كذلك جاء في وصف التوراة وأنبياء بني إسرائيل ﴿ يَحْــكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا ﴾. كذلك قال موسى لقومه : ﴿ وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ﴾ . - هذا إسلام العام ، يُفسر بالقدر المشترك بين الأنبياء , وهو التوحيد . قال تعالى : ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُـولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ , إذ دين الأنبياء واحد ، وهو الدعوة إلى عبادة الله ونبذ كل ما سواه﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ , ﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ﴾ . لذلك قال النبي : (الأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلاتٍ ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ) المسند وصحيح ابن حبان وأصله في صحيح مسلم من رواية أبي هريرة, قال: سمعت رسول الله يقول(أنا أولى الناسبابن مريم , الأنبياء أولاد علات وليس بيني وبينه نبي) , وفي رواية : (أنا أولى الناسبعيسى ابن مريمفي الأولى والآخرة قالوا : كيف يا رسول الله ؟ قال : الأنبياء إخوة من علات ، وأمهاتهم شتى ، ودينهم واحد، وليس بيننا نبي) قال النووي في الشرح : قال العلماء : أولاد العَلَّات بفتح العين المهملة وتشديد اللام هم الإخوة لأب من أمهات شتَّى. قال جمهور العلماء : معنى الحديث أصل إيمانهم واحد ، وشرائعهم مختلفة ، فإنهم متفقون في أصول التوحيد، وأما فروع الشرائع فوقع فيها الاختلاف . فائدة : قال ابن كثير - - : أولاد العَلَّات : هم الأخوة من أب واحد وأمهات شَتَّى ، فالدين واحد وهو عبادة الله وحده لا شريك له ، وإن تنوعت الشرائع التي هي بمنزلة الأمهات . إخوة الأخيافعكس هذا ، بنو الأم الواحدة من آباء شتى . والأخوة الأعيان : الأشقاء من أب واحد وأم واحدة . "تفسير ابن كثير " ( 3 / 383 ) إذًا هذا إسلام عام المراد به عبادة الله وحده ، ونبذ كل ما سواه سبحانه من الآلهة الباطلة . - وأما الإسلام الخاص فهو ما جاء به محمد أصلاً وفرعًا ، يعني الأصول التي شارك فيها غيره من الأنبياء كأصول التوحيد والإيمان ، وكذلك الفروع التي هي كالصلاة والزكاة ونحو ذلك ، فصار عَلَمًا بالغلبة في أمة محمد , إذا أُطلق انصرف إلى ما جاء به عليه الصلاة والسلام ، وإلَّا فالأصل هو وصفٌ عامٌّ لكل ما جاء به الأنبياء ثم صار علمًا بالغلبة لما جاء به محمد . فيختص بما بعث به محمد ، لأن ما بُعث به النبي عليه الصلاة والسلام نسخ جميع الأديان السابقة . قال تعالى : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ , قالالسعدي:(مصدقا لما بين يديه من الكتاب) لأنه شهد لها ووافقها، وطابقت أخبارهأخبارها، وشرائعه الكبار شرائعها، وأخبرت به، فصار وجوده مصداقا لخبرها), (ومهيمنا عليه) أي: مشتملا على ما اشتملت عليه الكتب السابقة وزيادة فيالمطالب الإلهية والأخلاق النفسية. فهو الكتاب الذي تَتَبعَ كل حق جاءت بهالكتب فأمر به، وحث عليه، وأكثر من الطرق الموصلة إليه. وهو الكتاب الذيفيه نبأ السابقين واللاحقين، وهو الكتاب الذي فيه الحكم والحكمة والأحكام, الذي عُرضت عليه الكتب السابقة ، فما شهد له بالصدق فهو المقبول، وما شهد لهبالرد فهو مردود قد دخله التحريف والتبديل، وإلا فلو كان من عند الله لميخالفه. اهـ فصار من اتبعه مسلمًا ، ومن خالفه ليس بمسلم , فأتباع الرسل مسلمون في زمن رسلهم ، أتباع موسى مسلمون في زمن موسى ، ثم بعد بعثة النبي ليسوا بمسلمين بل هم كفار ، واليهود مسلمون في زمن موسى عليه الصلاة والسلام ، والنصارى مسلمون في زمن عيسى عليه الصلاة والسلام ، وأما حين بعث النبي كفروا به فليسوا بمسلمين. روى مسلم في صحيحه , وأحمد في مسنده واللفظ له عَنْأَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِالأُمَّةِ , وَلا يَهُودِيٌّ ، وَلا نَصْرَانِيٌّ فَمَاتَ وَلَمْ يُؤْمِنْبِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ " . قال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -: (أما الإسلام بمعناه الخاص فهو الذي بعث الله به نبيه محمدًا ؛ لأنه بعد بعثة الرسول لا دين إلا دينه ، والإسلام انحصر في اتباعه - - فلا يمكن لليهودي أن يقول : أنا مسلم ، أو النصراني يقول : أنا مسلم ، بعد بعثة النبي وهو لا يتبعه ، فالإسلام بعد بعثة النبي هو اتباعه - - قال تعالى : [IMG]file:///C:\DOCUME~1\ADMINI~1\LOCALS~1\Temp\msohtmlclip1\01 \clip_image001.gif[/IMG] قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [IMG]file:///C:\DOCUME~1\ADMINI~1\LOCALS~1\Temp\msohtmlclip1\01 \clip_image002.gif[/IMG]) .اهـ وهذا الدين الإسلامي هو الدين المقبول عند الله النافع لصاحبه ، قال الله :﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ ﴾ , وقال تعالى : ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ . وهذا الإسلام هو الإسلام الذى امتن الله به على محمد وأمته ، قال الله تعالى : ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً ﴾ أي الإسلام الخاص دينًا تدينون به ربَّكم . وهذه المعرفة – معرفة دين الإسلام - المراد بها المعرفة التي تقتضي الرضا بهذا الدين , واليقين الجازم بأخباره والتصديق التام لها , والاستسلام التام لأحكامه وامتثالها على وجهها الذي أراده الله منها , وهو الوجه الذي جاء به من بُعث بها , والاحتكام لهذه الشرعة المطهرة في كل صغير وكبير , وخاص وعام . (5) : (بالأدلــة) : قال الشيخ عبد الله الفوزان : وقولـه : بالأدلة جمع دليل . والدليل فعيل بمعنى : فاعل . من الدلالة وهي الإرشاد، فالدليل هو المرشد إلى المطلوب ، وهو إما سمعي : وهو ما ثبت بالوحي من كتاب أو سنة [أو إجماع] . وإما عقلي : وهو ما ثبت بالنظر والتأمل . اهـ (وقد سبق الكلام عليه بما فيه غنىً عن ذكره ثانية) قال الشيخ الحازميُّ : قوله (بالأدلة) هل هي متعلقة بالثلاثة الأصول : معرفة الله , ومعرفة نبيه , ومعرفة دين الإسلام , أم أنها متعلقة بمعرفة دين الإسلام؟ ولتحرير المسألة نقول : على القاعدة النحوية (أن الجار والمجرور أو المعمول يكون متعلقًا بالمتأخر) هذه قاعدة العرب كما هي القاعدة في مرجع الضمير يكون للأخير , وعليه يكون قوله (بالأدلة) متعلقًا بقوله (معرفة دين الإسلام) . ويحتمل أن المراد معرفة الله بالأدلة , ومعرفة نبيه بالأدلة , ومعرفة دين الإسلام بالأدلة . وجهان محتملان في تفسير النص , وهما متقاربان وكل منهما يدل على الآخر . يعني لا خلاف ينبني عليه , فلا فرق بين إن جعلنا (بالأدلة) متعلقًا بالأخير , أو جعلناه متعلقًا بالثلاث ؛ لأن النتيجة واحدة , فإذا قلنا : متعلقًا بالثلاث فحينئذ معرفة الله لا تكون معرفة شرعية إلا إذا عرفها بالأدلة السمعية – الكتاب والسنة والإجماع - , ومعرفة نبيه لا تكون معرفة شرعية إلا إذا عرفها بالأدلة السمعية , ومعرفة دين الإسلام لا تكون معرفة شرعية إلا إذا عرفها بالأدلة السمعية . وإذا جعلناها متعلقة بالمتأخر – أي معرفة دين الإسلام – تكون متعلقة بالأصول منه – والذي منها معرفة الله ومعرفة نبيه لا مراء – أما في الفروع فلم يَقُل أحد من أهل العلم بهذا . اهـ بتصرف يسير وقوله (بالأدلة) يجرُّنا إلى مسألة التقليد في العقائد , وهل يصح إيمان المقلد ؟ وفي هذه المسألة خلاف بين أهل العلم كبير , وصورة المسألة قد تكون مختلطة في كلام أهل العلم ؛ لذا أقول إن مسألة التقليد في العقائد هذه أو صحة إيمان المقلد , تُعنى في كلام أهل العلم بمرحلتين تحت كل مرحلة نقاط : 1- مرحلة ما قبل الدخول في دين الله تعالى , أو ما يسمى بالتقليد في التعرف على وجود الله تعالى. 2- مرحلة ما بعد الدخول في دين الله تعالى , وما يطالب به العبد بعدها من أصول وفروع الدين . - أما الكلام على المرحلة الأولى : مرحلة ما قبل الدخول في دين الله تعالى , أو ما يسمى بالتقليد في معرفة الله تعالى وأن هناك إلهًا لهذا الكون موجود , هو الذي خلقه وأنشأه , وهي تسمى بالمعرفة الفطرية . فهذه لاتصح إلا بالنظر والتأمل كالأعرابي الذي استدل على وجود الله تعالى بمخلوقاته , فقال : البعرة تدل على البعير , والأثر يدل على المسير , فسماء ذات أبراج , وأرض ذات فجاج , أما يدلان على اللطيف الخبير . فالمقلد في معرفة الله تعالى لا يكاد يوجد , فإنه قلَّ أن يوجد من لم ينتقل ذهنه من الحوادث إلى موجدها , كما قال الشاعر : وفي كل شئ له آيـة تدل على أنه واحـد ولكن هذه المسألة مع ما ترجح من عدم جواز التقليد فيها , ليس من ورائها فائدة تذكر ؛ إذ المطلوب المعرفة الشرعية التي هي في المرحلة الثانية بعد الدخول في هذا الدين , وما يطالب به العبد بعدها من أصول وفروع الدين . وما كان من خلاف في هذه المسألة فأصله ومرده إلى علم الكلام والفلسفة التي تشبع بها المعتزلة ومن وافقهم وسار على دربهم في هذه المسألة , وأن أول واجب على العبد النظر الفلسفي , لا النظر والتأمل في آيات الله ومخلوقاته التي تقود الفطرة السليمة لمعرفة العبد أن لهذا الكون خالقًا خلقه ودبَّر أمره ونظمه في أدق نظام . [وننبه هنا أن أول واجب على المكلفين – عند أهل السنة والجماعة – هو "التوحيد" أو "الشهادتين" أو "عبادة الله" عبارات مختلفة ومردها واحد , ومعانيها متداخلة متلازمة مطلوبة جميعها , وفي هذا يقول ابن أبي العز - - في شرحه: ((وَلِهَذَا كَانَ الصَّحِيحُأَنَّ أَوَّلَ وَاجِبٍ يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِشَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، لَا النَّظَرُ، وَلَاالْقَصْدُ إِلَى النَّظَرِ، وَلَا الشَّكُّ، كَمَا هِيَ أَقْوَالٌلِأَرْبَابِ الْكَلَامِ الْمَذْمُومِ. بَلْ أَئِمَّةُ السَّلَفِ كُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ مَا يُؤْمَرُ بِهِ الْعَبْدُ الشَّهَادَتَانِ،وَمُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ الْبُلُوغِ لَمْيُؤْمَرْ بِتَجْدِيدِ ذَلِكَ عَقِيبَ بُلُوغِهِ، بَلْ يُؤْمَرُبِالطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ إِذَا بَلَغَ أَوْ مَيَّزَ عِنْدَ مَنْ يَرَىذَلِكَ، وَلَمْ يُوجِبْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى وَلِيِّهِ أَنْ يُخَاطِبَهُحِينَئِذٍ بِتَجْدِيدِ الشَّهَادَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَ الْإِقْرَارُبِالشَّهَادَتَيْنِ وَاجِبًا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَوُجُوبُهُيَسْبِقُ وُجُوبَ الصَّلَاةِ، لَكِنْ هُوَ أَدَّى هَذَا الْوَاجِبَ قَبْلَ ذَلِكَ )) . وقد تختلف بإختلاف الأحوال , كما بيَّن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية , حيث قال في (درء تعارض العقل والنقل): ((وأولالواجبات الشرعية يختلف باختلاف أحوال الناس، فقد يجب على هذا ابتداءً مالا يجب على هذا ابتداءً، فيخاطب الكافر عند بلوغه بالشهادتين، وذلك أولالواجبات الشرعية التي يؤمر بها. وأما المسلم فيخاطب بالطهارة إذا لم يكن متطهراً، وبالصلاة وغير ذلك من الواجبات الشرعية التي لم يفعلها. وفي الجملة فينبغي أن يعلم أن ترتيبالواجبات في الشرع واحداً بعد واحد، ليس هو أمراً يستوي فيه جميع الناس، بلهم متنوعون في ذلك، فكما أنه قد يجب على هذا ما لا يجب على هذا، فكذلك قديؤمر هذا ابتداءً بما لا يؤمر به هذا))] - أما المرحلة الثانية : مرحلة ما بعد الدخول في دين الله تعالى , وما يطالب به العبد بعدها من أصول وفروع الدين , وهي تسمى المعرفة الشرعية . فالمطلوب هنا التعرف على الله بما عرَّف به نفسه بأسمائه وصفاته وأفعاله وأوامره ونواهيه وتوحيده , وما يجب لله وما يمتنع وما يجوز , وإثبات الرسالات , وكل ما جاء من الشرع بالوحي . ووقع الخلاف هنا أيضًا بين العلماء , فبين مانع ومجيز للتقليد , ونعرض أدلة الفريقين : أدلة المانعين : 1- أن التقليد مذموم شرعًا , وهذا في آيات كثيرة مثل قوله تعالى : ﴿ إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ ﴾ . والرد على هذا : أن التقليد المذموم هنا هو التقليد في الباطل . 2- أن الأصول مشتركة بين الناس , إذ هي عقلية متيسرة فهم فيها كالمجتهد في السمعيات . والرد على هذا : قال الشيخ سعد بن ناصر الشثري : بل في بعض الأدلة العقلية من الغموض أكثر مما في الأدلة السمعية وجحد ذلك مكابرة. وأيضًا جعل مدرك هذه الأصول العقل غير مُسَلَّم , بل إن مدارك الصفات السمع. أدلة المجيزين : أن منع التقليد يحتاج إلى دليل صالح للاحتجاج به , ولا دليل قائم على منعه . (قلت) : والذي يظهر لي - والله أعلم – أن من تكلم في هذه المسألة من العلماء – وهم علماء الأصول ومظانها كتب الأصول – واختلفوا فيها سواء كانوا مجيزين أو مانعين , فمرادهم الكلام على المقلد في أصل معرفة الله , والحكم على ما انبنى على هذه المعرفة من أصول الدين , لا الحكم على التقليد في أصول الدين مجردة , ومما يدلل على كلامي هذا ما نقله السفاريني في (لوامع الأنوار 269) , قال : وقال العلامة المحقق ابن قاضي الجبل - من علمائنا - في أصوله , قال ابن عقيل : .... ثم قال ومما يرد على زاعمي بطلان إيمان المقلد أن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين فتحوا أكثر العجم وقبلوا إيمان عوامهم كأجلاف العرب , وإن كان تحت السيف أو تبعًا لكبير منهم أسلم , ولم يأمروا أحدًا منهم بترديد النظر , ولا سألوه عن دليل تصديقه , ولا أرجأوا أمره حتى ينظر , والعقل يجزم في نحو هذا بعدم وقوع الاستدلال منهم لاستحالته حينئذ , فكان ما أطبقوا عليه دليلًا أي دليل على إيمان المقلد .اهـ ونحن محل نزاعنا الكلام على التقليد في أصول الدين مجردة عما يسبقها من النظر والتأمل ؛ إذ كما سبق قلنا أن هذا يمثل المعرفة الفطرية ولا ينبني عليه فائدة ؛ فكلامنا على المعرفة الشرعية هل يجوز التقليد فيها أم لا ؟ والحق والصواب – والله أعلم - جواز التقليد في ذلك - بشروط نذكرها قريبًا – لما تبين لك أن أدلة المانعين ليست في محل النزاع أصلًا , ولما ذكرناه من قبل أن منع التقليد يحتاج إلى دليل صالح للاحتجاج به , ولا دليل قائم على منعه . وقال الشيخ محمد الجيزاني في (معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة 499) : ولأنه يجب على كل أحد أن يؤمن بما جاء به الرسول إيمانًا عامًا مجملًا , أما معرفة ذلك على وجه التفصيل فهو فرض كفاية على المؤمنين . وما يجب على أعيانهم فهو يتنوع بتنوع قُدَرِهم , وحاجتهم , ومعرفتهم , وما أمر به أعيانهم , ولا يجب على العاجز عن سماع بعض العلم أو عن فهم دقيقه , ما يجب على القادر على ذلك . فالمقصود أن ذلك مشروط بالاستطاعة والقدرة . اهـ شروط التقليد الجائز : 1- أن يكون المقلد جاهلًا , عاجزًا عن معرفة حكم الله ورسوله , أما القادر على الاجتهاد فالصحيح أنه يجوز له التقليد حيث عجز عن الاجتهاد إما لتكافؤ الأدلة , وإما لضيق الوقت عن الاجتهاد , وإما لعدم ظهور دليل له , فإنه حيث عجز سقط عنه وجوب الاجتهاد وانتقل إلى بدله وهو التقليد , [ولو كان هذا الاجتهاد الذي قَدِرَ عليه في مسألة واحدة فقط , أو في مسائل دون غيرها , كما قال ابن تيمية في الفتاوى: (وكذلك العامي إذا أمكنه الاجتهاد في بعض المسائل جاز له الاجتهاد , فإن الاجتهاد منصبٌ يقبل التجزئ والانقسام) , والمقصد - والله أعلم – من كلامه لا مطلق معنى الاجتهاد ؛ بل المقصد أنه يعلم المسألة حينها بدليلها قادرًا على فهم الدليل ؛ لأن معرفته للدليل وقدرته على فهمه لا يعدُّ تقليدًا على الصحيح , قال ابن تيمية: (فالعبرة بالقدرة والعجز , وقد يكون الرجل قادرًا في بعض عاجزًا في بعض , لكن القدرة على الاجتهاد لا تكون إلا بحصول علوم تفيد معرفة المطلوب , فأما مسألة واحدة من فن فيبعد الاجتهاد فيها , والله سبحانه أعلم) , وحينئذ يسمى متبعًا , قال الجيزاني عند التفريق بين الاتباع والتقليد: (ولا يُشترط في الاتباع والعمل بالوحي سوى العلم بما يعمل , ولا يتوقف ذلك على تحصيل شروط الاجتهاد) ] . 2- أن يقلد من عُرف بالعلم والاجتهاد من أهل الدين والصلاح , فلا يجوز له تقليد من لا يعلم أنه أهل لأن يؤخذ عنه بقوله , قال تعالى : ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾. 3- ألَّا يتبين للمقلد الحق وألَّا يظهر له أن قول غير مقلده أرجح من قول مقلده , أما إن تبين له ذلك أو عرف الحق وفهم الدليل فإن التقليد والحالة كذلك لا يجوز , بل الواجب عليه اتباع ما تبينت صحته , (وهذا لا يكون إلا بقرائن خارجية ؛ إذ لو كان التفريق بين الحق والباطل الخفي يسير على المقلد لما صار مقلدًا , وما اشترطنا جهله لتجويز التقليد له , والقرائن قد تكون باتباع الأحوط لدينه , أو اتباع معلوم الإمامة في الدين وسلامة المنهج بشهادات أغلب العلماء , أو اتباع جمهور علماء بلده , أو اتباع الأعلم الأورع , أو اتباع ما يراه أتقى لدينه , وهذا جزء مستفاد من كلام شيخنا / جمال علواني - حفظه الله ونفع به آمين – عند الكلام على موقف العامي عند تضارب الأقوال لديه , والله أعلم) . 4- ألَّا يكون في التقليد مخالفة واضحة للنصوص الشرعية أو لإجماع الأمة . 5- ألَّا يلتزم المقلد مذهب إمام بعينه في كل المسائل , بل عليه أن يتحرَّى الحق , ويتبع الأقرب للصواب , ويتقي الله ما استطاع . وعليه - في المقابل – ألَّا يتنقل بين المذاهب تتبعًا للرخص وبحثًا عن الأسهل على نفسه والأقرب لهواه . اهـ (من معالم أصول الفقه بتصرف يسير) قال إبراهيم البريكان في ((منهج شيخ الاسلام في تقرير عقيدة التوحيد)) : وإيمان المقلد عنده – أي عند شيخ الاسلام ابن تيمية - صحيح عندئذ , وإن كان الواجب طلب الدليل والحجة لمن قدر عليها , وإن أخطأ الحق فهو معذور حينئذ ....وعزاه إلى (درء تعارض العقل والنقل) و(الفتاوى) . ثم قال : وهذا الذي رأه ابن تيمية هو الذي نراه , ونميل إليه , والحق إن شاء الله لا يغادره , وبه يجمع بين الأدلة المتعارضة . وينص ابن تيمية على أن المخطئ في باب الاعتقاد إذا بذل وسعه في معرفة الحق ولم يقصر , فهو معذور غير آثم . أما إذا كان مقصرًا , أو كان صاحب هوى فهو آثم , ودليله قوله تعالى : ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ , وقوله : ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ , وقد أُجيب هذا الدعاء في حق هذه الأمة . اهـ وقد ذكر هذا الخلاف السَّفَّارينيُّ في (لوامع الأنوار 1/267) , بكلام جيد أنقله لك – بتصرف يسير – لنفاسته , قال : وَقِيلَ يَكْفِي الجَزْمُ إِجْمَاعًا بِمَا يُطْلَبُ فِيهِ عِنْدَ بَعْضِ العُلَمَا فَالجَازِمُونَ مِنْ عَوَامِ البَشَرِ فَمُسْلِمُونَ عِنْدَ أَهْلِ الأَثَرِ وقال هذا المعتزلي – أبو القاسم ابن التِّبان – إذا عرف الله , وصدَّق رسوله , وسكن قلبه إلى ذلك واطمأن به , فلا علينا من الطريق تقليدًا كان أو نظرًا أو استدلالًا , وإلى هذا الإشارة بقوله ((وقيل يكفي)) في أصول الدين ((الجزم)) ولو تقليدًا ((إجماعًا)) ((بـ)) ـكل ((ما)) أي حكم ((يُطلب)) بضم أوله مبنيًا لما لم يسم فاعله ونائب الفاعل مضمر يعود على الجزم ((فيه)) أي في ذلك المطلوب من أصول الدين ((عند بعض العلما)) من علماء مذهبنا والشافعية والمعتزلة وغيرهم قال العنبري وغيره: يجوز التقليد في أصول الدين , ولا يجب النظر اكتفاءً بالعقد الجازم ؛ لأنه كان يكتفي في الإيمان من الأعراب وليسوا أهلًا للنظر بالتلفظ بكلمتي الشهادة المنبئ عن العقد الجازم , ويُقاس غير الإيمان من أصول الدين عليه . ((فالجازمون)) حينئذ بعقدهم ولو تقليدًا ((من عوام البشر)) الذين ليسوا بأهل للنظر والاستدلال بما لا يتم الإسلام بدونه ((فـ)) على الصواب هم ((مسلمون عند أهل الأثر)) وأكثر النظار والمحققين وإن عجزوا عن بيان ما لا يتم الإسلام إلا به . وقال ابن حامد من علمائنا: لا يشترط أن يجزم عن دليل – يعني بل يكفي الجزم ولو عن تقليد. .... وقال – أي ابن عقيل – إن التقليد: أن يسمع من نشأ بِقُلَّةِ جبلٍ الناسَ يقولون للخلق ربٌ خلقهم وخلق كل شئ من غير شريك له ويستحق العبادة عليهم , فيجزم بذلك إجلالًا لهم عن الخطأ وتحسينًا للظن بهم , فإذا تم جزمه ؛ بأن لم يُجوِّز نقيض ما أخبروا به فقد حصل واجب الإيمان , وإن فاته الاستدلال ؛ لأنه غير مقصود لذاته بل للتوصل به للجزم وقد حصل. وقال الإمام النووي: الآتي بالشهادتين مؤمن حقًا وإن كان مقلدًا على مذهب المحققين والجماهير من السلف والخلف ؛ لأنه اكتفى بالتصديق بما جاء به ولم يشترط المعرفة بالدليل , وقد تظاهرت بهذا الأحاديث الصحاح يحصل بمجموعها التواتر والعلم القطعي . ثم قال: وبما تقرر تعلم أن النظر ليس بشرط في حصول المعرفة مطلقًا ؛ وإلا لما وجدت بدونه لوجوب انتفاء المشروط بانتفاء الشرط , لكنها قد توجد فظهر أن النظر لا يتعين على كل أحد , وإنما يتعين على من لا طريق له سواه بأن بلغته دعوة النبي ولم يحصل له العقد الجازم ابتداءً تقليدًا , فيجب عليه النظر حتى يظهر له حقيقة الإسلام , إذ الإعراض غير جائز , فمثل هذا الشخص النظر عليه واجب إجماعًا , وأما المقلد الذي يؤمن بما جاء به النبي أول ما بلغته دعوته وصدق به تصديقًا جازمًا بلا تردد , فمع صحة إيمانه بالاتفاق لا يأثم بترك النظر - وإن كان ظاهر ما تقدم الإثم مع حصول الإيمان -؛ لأن المقصود الذي لأجله طُلب النظر من المكلف -وهو التصديق الجازم- قد حصل بدون النظر فلا حاجة إليه . اهـ فالذي يظهر –والله أعلم- أن قول الشيخ: (بالأدلة) فيه نظر ؛ لما تقدم معنا من الكلام على صحة إيمان المقلد , وكذا لأن مراد الشيخ من المعرفة المعرفة الشرعية لا الفطرية .

                    تعليق


                    • #10
                      الثانيــة : العمــل به . ـــــــــــــــــــــــ قال الشيخ صالح الفوزان : قوله : العمل به : أي بالعلم لأنه لا يكفي أن الإنسان يعلم ويتعلم بل لا بد أن يعمل بعلمه ، فالعلم بدون عمل إنما هو حجة على الإنسان ، فلا يكون العلم نافعا إلا بالعمل ، أما من عَلِمَ ولم يعمل فهذا مغضوب عليه ؛ لأنه عرف الحق وتركه على بصيرة . والناظم يقول : وَعَــالِمٌ بِعِلْمِـهِ لَـمْ يَعْمَلَـنْ مُعَذَبٌ مِنْ قَبْلِ عُبَّادِ الوَثَنْ وهذا مذكور في الحديث الشريف : إن من أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ، عالم لم يعمل بعلمه العلم مقرون بالعمل ، والعمل هو ثمرة العلم ، فعلم بلا عمل كشجرة بلا ثمر ، لا فائدة فيها ، والعلم إنما أنزل من أجل العمل . كما أن العمل بدون علم يكون وبالا وضلالا على صاحبه ، إذا كان الإنسان يعمل بدون علم فإن عمله وبال وتعب على صاحبه ، قال - - : من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد . ولهذا نقرأ في الفاتحة في كل ركعة اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ . فسمى الله الذين يعملون بدون علم الضالين ، والذين يعلمون ولا يعملون بالمغضوب عليهم ، فلنتنبـه لذلك فإنه مهم جدا . اهـ قال الشيخ عبد الله الفوزان : قول المصنف : الثانية : العمل به ، أي : العمل بالعلم؛ لأن العلم لا يطلب إلا للعمل، وذلك بأن يتحول العلم إلى سلوك واقعي يظهر على فكر الإنسان وتصرفه، وقد وردت النصوص الشرعية في وجوب إتباع العلم بالعمل , وظهور آثار العلم على طالبه , وورد الوعيد الشديد لمن لا يعمل بعلمه , ولم يبدأ بإصلاح نفسه قبل إصلاح غيره، وهي أدلة معروفة معلومة . وما أحسن قول الفضيل بن عياض : (لا يزال العالم جاهلاً حتى يعمل بعلمه فإذا عمل به صار عالماً). وهذا كلام دقيق ؛ لأنه إذا كان عنده علم ولكنه لا يعمل بهذا العلم فهو جاهل؛ لأنه ليس بينه وبين الجاهل فرق إذا كان عنده علم ولكنه لا يعمل به، فلا يكون العالم عالماً حقًّا إلا إذا عمل بما علم ، ثم إن العمل إضافة إلى أنه حجة للإنسان فهو أيضاً من أسباب ثبات العلم وبقائه، ولهذا تجد الذي يعمل بعلمه، يستحضر علمه، أما الذي لا يعمل بعلمه فسرعان ما يضيع علمه . قال بعض السلف : (كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به) . أضف إلى هذا ما قاله بعض أهل العلم : (من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم، ومن لم يعمل بما علم أوشك الله أن يسلبه ما علم)، وهذا يذكره بعضهم على أنه حديث , وهذا ليس بصحيح ، إنما هي عبارة مأثورة ذكرها شيخ الإسلام ، ومعنى أورثه الله علم ما لم يعلم، أي : زاده إيماناً ونوّر بصيرته وفتح عليه من العلوم أنواعاً وفروعاً؛ ولهذا تجد العالم العامل بازدياد، ويبارك الله في وقته وعلمه، ودليل هذا في كتاب الله، قال – تعالى - :        ، قال الشوكاني : (زادهم إيماناً وعلمًا وبصيرةً في الدين، أي : والذين اهتدوا إلى طريق الخير فآمنوا بالله وعملوا بما أمرهم به زادهم إيماناً وعلمًا وبصيرة في الدين). [ قال البغوي: ( والذين اهتدوا ) يعني المؤمنين ( زادهم ) ما قال الرسول - – (هدى وآتاهم تقواهم ) وفقهم للعمل بما أمرهم به ، وهو التقوى ، قال سعيد بن جبير : وآتاهم ثواب تقواهم ]. فعلى المسلم أن يدرك أهمية العمل بالعلم، وأن الإنسان الذي لا يعمل بعلمه سيكون علمه حجة عليه. كما ورد في حديث أبي برزة – – قال رسول الله : "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع ، ومنها : وعن علمه ماذا عمل فيه" . وهذا لا يخص العلماء كما قد يفهم بعض الناس بل كل من علم مسألة من المسائل قامت عليه الحجة فيها، فإذا سمع إنسان فائدة في محاضرة أو خطبة جمعة تضمنت تحذيرًا من معصية هو واقع فيها، فعلم أن هذه المعصية التي وقع فيها أنها أمر محرم، فهذا عِلْمٌ. فتقوم عليه الحجة بما سمع. وقد ثبت في حديث أبي موسى الأشعري – – أنه قال : "والقرآن حجة لك أو عليك" . اهـ قال الشيخ الحازمي : هذا فيه إشارة إلى الثلاثة الذين أخبر النبي أنهم أول من تسعر بهم النار , وذكر منهم عالمًا لم يعمل بعلمه , ولا عمل صحيح إلا بعلم صحيح . قال الراجز : وَمَنْ بِغَيْرِ عِلْمٍ يَعْمَلُ أَعْمَالُهُ مَرْدُودَةٌ لَا تُقْبَلُ .... هذه المسألة الثانية الواجبة , وهي ثمرة للعلم ؛ لأن العلم كما قيل: أصل , والعمل ثمرته ؛ لأن العلم لا يُقصد لذاته , وإنما يُقصد للعمل به , فإذا قُصد لذاته كانت النية غير صالحة . ولا حول ولا قوة إلا بالله .اهـ والعمل هنا هو العمل الواجب المتعين على كل فرد عملًا بالواجبات , فعلمه بالواجبات يوجب عليه العمل بها , وإلا فالعمل بالمستحب مستحب , ومراد الشيخ هنا في المسائل الأربع القدر الواجب منها ؛ إذ تنقسم كل واحدة منها إلى ما هو واجب عيني , وما هو دونه في المرتبة فرضًا كفائيًا كان أو سنةً . وكذا ترك العمل بموجبات الإيمان كفر , وترك العمل بالواجبات معصية , وترك العمل بالمسنونات مكروه , وترك العمل بالمباح مباح . قال الشيخ صالح آل الشيخ : والعمل بالعلم منه ماتركه كفر , ومنه ما تركه معصية , ومنه ماتركه مكروه , ومنه ما تركه مباح , كيف يكون ذلك؟ العلم ينقسم : فالعلم بالتوحيد ؛ بأن الله هو المستحق للعبادة وحده , إذا علمه العبد ولم يعمل بهذا العلم , بأن أشرك بالله لم ينفعه علمه , فكان ترك العمل في حقه كفرًا . وقد يكون معصية بأن علم مثلًا أن الخمر حرامٌ شربها , حرامٌ بيعها , حرامٌ شراؤها , حرامٌ سقيها , حرامٌ استسقاؤها , ونحو ذلك , وخالف العلم الذي عنده , علم أنه حرام فخالف , فتكون مخالفته معصية , يعني ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب في هذه المسألة . منه ما هو مكروه ؛ إذا علم أن النبي كان يصلي على هيئة وصفة معينة , فخالف في سنة من السنن بعد علمه بها , تَرْكُ العمل بالعلم الذي عنده هذا مكروه ؛ لأنه ترك العمل بسنة ليس بواجب , فيكون تركه مكروه , ويكون العمل بذلك مستحبًا . وقد يكون العمل بالعلم مباحًا , وتركه مباح أيضًا بمثل المباحات والعادات ونحو ذلك , كأن بلغنا من العلم أن النبي كانت مشيته على نحو ما , هذه الأمور الجبلِّية الطبيعية فيما نتعلمه مما لم نخاطب فيها بالاقتداء , إذا ترك العمل بها , كان تركه مباحًا ؛ لأنه لم يخاطب المسلم أن يقتدي بمثل هذه الأمور بنحو سير النبي , بصوته , بالأمور الجبلِّية التي كان عليها النبي , فيكون العمل بذلك مباحًا - وقد يؤجر عليه إذا نوى الاقتداء – , فيكون ترك العمل أيضًا مباحًا . لأنه قد يتبادر إلى الذهن أن المنهيات ليست داخلة تحت العمل , إذ كيف يُعمل بها؟ كترك الزنا , والربا , والغيبة , والنميمة , نقول: تركك هذا يعتبر عملًا ؛ لأن الترك فعل على الصحيح , قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ ، كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ , لا يتناهون تركوا التناهي , ففعلهم ترك , فلذا قال: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ , فسمى تركهم للتناهي فعلًا , فدل على أن الترك فعل , وقال : (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) , فسمى ترك الأذى هنا إسلامًا . وقال الراجز: لئن قَعَدْنا والنبي يَعْمَل لذاك مِنَّا العَمَلُ المُضَلَّل قال في المراقي : فَكَفُّنَا بِالنَّهْي مَطْلُوبُ النَّبِي والكَفُ فِعْلٌ في صحيحِ المَذْهَبِ فقوله (العمل به) : نقول ومنه الترك . يعني ما أوجب العلم إيجاده , وما أوجب العلم تركه .اهـ قال العمريطي في نظم الورقات : والحكمُ واجبٌ ومندوبٌ وما أُبِيحَ والمكروهُ مَعْ ما حُرِّمَا قال الشيخ ابن العثيمين : هذه خمسةٌ، فالأحكامُ التكليفيةُ خمسةٌ. وطريق العلم بها التَّتَبُّعُ والاستِقْراءُ؛ وذلك لأن الشرعَ إما أن يَأْمُرَ بالشيءِ، أو يَنْهَى عنه، أو يَسْكُتَ، فهذه أقسامٌ ثلاثةٌ. فإن أمَر بالشيءِ، فإما أن يَأْمُرَ به على سبيلِ الإلزامِ، أو على سبيلِ الاختيارِ، فالأول واجبٌ، والثاني مندوبٌ. وما نَهى عنه إما أن يَنْهَى عنه على وجهِ الإلزامِ بالتركِ، وإما على سبيلِ الاختيارِ، فالأولُ حرامٌ، والثاني مكروهٌ. وإما أن يَسْكُتَ فهذا مباحٌ؛ لأنه جاء عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم فيما يُرْوَى عنه أنه قال: «وما سكت عنه فهو عفوٌ» , هذا وجهُ انحِصارِ الأحكامِ بخمسةِ أقسامٍ .اهـ قال ابن العثيمين : قوله العمل به : أي: العمل بما تقتضيه هذه المعرفة من الإيمان بالله , والقيام بطاعته بامتثال أوامره واجتناب نواهيه من العبادات الخاصة , والعبادات المتعدية , فالعبادات الخاصة مثل الصلاة , والصوم , والحج , والعبادات المتعدية كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , والجهاد في سبيل الله , وما أشبه ذلك .اهـ

                      تعليق


                      • #11
                        الثالثة : الدعـوة إليـه .
                        ــــــــــــــــــــ
                        قال الشيخ الحازمي : الدعوة هذه فَعْلَةٌ مأخوذة من الدعاء وهو الطلب ، لأن الدعوة فيه نوع طلب ، طلبتَ (دعوتَ) جارَكَ إلى الصلاة ، إذا طلبت منه أن يصلي معك ، فإذا كمَّل العبد قوته العلمية وذلك بالعلم ، وقوته العملية وذلك بالعمل ، أوجب عليه الشرع أن يكمَّل غيره بما كمَّل به نفسه ، إذا كَمُلَتْ عنده القوتان ، كما قال ابن القيم ، القوة العلمية وهذه تكون بالعلم ، والقوة العملية وهذه تكون بالعمل بالعلم ، فحينئذٍ أُمِرَ شرعًا بتكميل إخوانه من المسلمين وذلك بالدعوة إلى ما تَعَلَّمَهُ .
                        ..... ثم قال: والمصنف عنى بالمسائل الأربع الواجبة - وتجد الشراح يعممون الواجب والمستحب – القدر الواجب منها ؛ لأن المصنف قيدها فقال: ( اعلم رحمك الله أنه يجب ) إذًا خرج كل مستحب . ( يَجِبُ عَلَيْنَا ) قال في الأول : ( يَجِبُ عَلَيْنَا ) فدل على أن مراده بكل ما سيذكره هو الواجب فقط ، حينئذٍ يُحمل كلامه على الواجب فحسب ، ولا يُعمم على المستحب ..... والواجب هو الدعوة إلى الأصول , فالدعوة للتوحيد واجبة , وكل أصل من أصول الدين , فالأصل أن الدعوة إليه واجبة

                        قال الشيخ صال آل الشيخ : إذا علم وعمل فإنه يدعو إلى ذلك , والدعوة قد تكون بالمقال , وقد تكون بالفعال ؛ لأن الامتثال بالفعل دعوة , فإن امتثل المسلم لما أُمر به , فإن هذا يجعله يرشد غيره إرشادًا صامتًا بالفعل إلى أن هذا مطلوب .

                        يقول الشيخ ابن العثيمين : ولابد لهذه الدعوة من علم بشريعة الله , حتى تكون الدعوة عن علم وبصيرة , لقول الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ , والبصيرة تكون فيما يدعو إليه , بأن يكون الداعية عالمًا بالحكم الشرعي , وفي كيفية الدعوة , وفي حال المدعو .
                        ومجالات الدعوة كثيرة منها : الدعوة إلى الله تعالى بالخطابة , وإلقاء المحاضرات , ومنها الدعوة إلى الله بالمقالات , ومنها الدعوة إلى الله بحلقات العلم , ومنها الدعوة إلى الله بالتأليف ونشر الدين عن طريق التأليف .
                        ومنها الدعوة إلى الله في المجالس الخاصة , فإذا جلس الإنسان في مجلس – في دعوة مثلًا – فهذا مجال للدعوة إلى الله , ولكن ينبغي أن تكون على وجه لا ملل فيه ولا إثقال , ويحصل هذا بأن يعرض الداعية مسألة علمية على الجالسين , ثم تبتدئ المناقشة , ومعلوم أن المناقشة والسؤال والجواب له دور كبير في فهم ما أنزل الله على رسوله وتفهيمه , وقد يكون أكثر فاعليه من إلقاء خطبة أو محاضرة إلقاءً مرسلًا كما هو معلوم .
                        [قلت: وهي طريق أيضًا للذين لا يحضرون مجالس العلم , لتعرض عليهم المسائل الواجبة عليهم في دينهم ؛ بل التي قد لا يصح إسلامهم إلا بها , وقد يكونون لا يعلمون عنها شئ وهي من أوضح الواضحات , وحينها سترى العجب العجاب , فقد حدثني أخٌ لي أهل ثقة: أنه جلس يومًا مجلسًا مع اثنين من معارفه , فأخذهم الحديث عن الإيمان , فيقول فسألتهم : هل الذي يُكذِّب بعثة النبي ولا يصدقه , كافر أم مسلم؟ يقول: فأما أحدهم فقال: نعم , لا يكون مسلمًا , وأما الآخر فقال: الله أعلم . ولا حول ولا قوة إلا بالله] .
                        والدعوة إلى الله – الكلام للشيخ ابن العثيمين – هي وظيفة الرسل عليهم الصلاة والسلام , وطريقة من تبعهم بإحسان , فإذا عرف الإنسان معبوده , ونبيه , ودينه , ومَنَّ الله عليه بالتوفيق لذلك , فإن عليه السعي في إنقاذ إخوانه بدعوتهم إلى الله عز وجل , وليبشر بالخير , قال النبي لعلي بن أبي طالب يوم خيبر : ((انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَبِسَاحَتِهِمْ ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلامِ ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَايَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَوَاللَّهِ لأَنْيَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلا وَاحِدًا ، خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَكُونَلَكَ حُمْرُ النَّعَمِ)) متفق عليه
                        ويقول النبي فيما رواه مسلم : ((مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِمَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا ، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَة كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْآثَامِهِمْ شَيْئًا)) .
                        وقال النبي فيما رواه مسلم : ((مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ)) . اهـ

                        قال الشيخ عبد الله الفوزان :
                        والدعوة لا تؤتى ثمارها وتكون وسيلة إصلاح وبناء، إلا إذا كان الداعي متصفاً بما يكون سبباً لقبول دعوته وظهور أثرها . ومن ذلك :
                        1- التقوى : ويقصد بها كل معانيها من امتثال المأمور واجتناب المحظور، والتحلي بصفات أهل الإيمان .
                        2- الإخلاص : بأن يقصد بدعوته وجه الله تعالى ورضاه، والإحسان إلى خلقه ويحذر من أن يقصد إظهار التميز على غيره. وإذلال المدعو بإشعاره بالجهل والتقصير.
                        3- العلم : فلابد أن يكون الداعي عالماً بما يدعو به، ذا فهم لما جاء في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ، وسير السلف الصالح.
                        4- الحلم وضبط النفس عند الغضب؛ لأن ميدان الداعية صدور الرجال ونفوس البشر، وهي متباينة ومختلفة كاختلاف صورهم وأشكالهم.
                        5- أن يبدأ بالأهم فالأهم على حسب البيئة التي يدعو فيها. فمسائل العقيدة وأصول الدين تأتي في المقام الأول. وقد دل على ذلك قول النبي لمعاذ – رضي الله عنه - : "فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ... الحديث".
                        6- أن يسلك في دعوته المنهج الذي نصَّ الله عليه في كتابه الكريم ، يقول – سبحانه - :(&#228;&#237;÷Š$#4n<&#206;)&#200;@&#206;6yy7&#206;n/u&#207;pyJ&#245;3&#207;t&#248;:$$&#206;/&#207;psà&#207;&#227;&#246;qyJ&#248;9$#ur&#207;puZ|&#161;pt&#248;:$#(O&#223;g&#248;9&#207;»y_ur&#211;&#201;L©9$$&#206;/&#207;d&#223;`|&#161;ômr& ) , والحكمة معرفة الحق والعمل به والإصابة في القول والعمل، وهذا لا يكون إلا بفهم القرآن، والفقه في شرائع الإسلام وحقائق الإيمان &#207;psà&#207;&#227;&#246;qyJ&#248;9$#ur&#207;puZ|&#161;pt&#248;:$#( الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب، وإلآنة القول وتنشيط الموعوظ .
                        O&#223;g&#248;9&#207;»y_ur&#211;&#201;L©9$$&#206;/&#207;d&#223;`|&#161;ômr&4 فيسلك كل طريق يكون أدعى للاستجابة : من الالتزام بالموضوع والبعد عن الانفعال والترفع عن المسائل الصغيرة في مقابل القضايا الكبرى حفظاً للوقت وعزة للنفس وكمالاً للمروءة . اهـ

                        ولفقه الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , كتب كثيرة مُؤصِّلة , يحسن أن يرجع إليها للتفصيل , وسنذكر طرفًا من هذا عند الكلام على سورة العصر في قوله تعالى: ﴿ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ ﴾ .

                        تعليق


                        • #12
                          الرابعـة : الصبر على الأذى فيـه .
                          ـــــــــــــــــــــــ
                          وسوف نذكر طرفًا من الكلام على منزلة الصبر هنا , على أن نتوسع في الكلام على سورة العصر فيما بعد ؛ إذ هو الجامع لما قبله من الواجبات التي ذكرها الشيخ - – وسيتبين ذلك في ثنايا الكلام , والله المستعان.
                          قال ابن القيم في ((المدارج)) :
                          قال الإمام أحمد تعالى: (الصبر في القرآن في نحو تسعين موضعًا , وهو واجب بإجماع الأمة , وهو نصف الإيمان , فإن الإيمان نصفان : نصف صبر , ونصف شكر) .
                          [ولعل مستند الإمام - والله أعلم - ما رواه مسلم أن النبي قال: (عَجَبًا لأمرِ المؤمنِ إِنَّ أمْرَه كُلَّهُ لهُ خَيرٌ وليسَ ذلكَ لأحَدٍ إلا للمُؤْمنِ إِنْ أصَابتهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فكان خَيرًا لهُ وإنْ أصَابتهُ ضَرَّاءُ صَبرَ فكان خَيرًا لهُ) فقد جعل النبي كل أمر المؤمن في شيئين إما إصابة سراء ومقتضاها الشكر , وإما إصابة ضراء ومقتضاها الصبر] .
                          وهو مذكور في القرآن على ستة عشر نوعًا – نقتصر على بعض منها -:
                          الأول: الأمر به , قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ , وقوله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا﴾ .
                          الثاني: النَّهي عن ضده , كقوله تعالى: ﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ ﴾ , وقوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا ﴾ فإن الوهن من عدم الصبر.
                          العاشر: ضمان النصر والمدد لهم , كقوله تعالى: ﴿ بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ﴾ , ومنه قول النبي : (واعلم أن النصر مع الصبر) .
                          الحادي عشر: الإخبار منه تعالى بأن أهل الصبر هم أهل العزائم , كقوله تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ .
                          الثاني عشر: الإخبار أنه ما يُلقَّى الأعمال الصالحة وجزاءها والحظوظ العظيمة إلا أهل الصبر , كقوله تعالى: ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الصَّابِرُونَ , وقوله: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ .
                          الرابع عشر: الإخبار بأن الفوز المطلوب المحبوب , والنجاة من المكروه المطلوب , ودخول الجنة ؛ إنما نالوه بالصبر , كقوله تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ .
                          الخامس عشر: أنه يورث صاحبه درجة الإمامة , سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية – قدس الله روحه – يقول : بالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين , ثم تــلا قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُون﴾ .
                          السادس عشر: اقترانه بمقامات الإسلام والإيمان , كما قرنه الله باليقين وبالإيمان , وبالتقوى والتوكل , وبالشكر والعمل الصالح والرحمة , ولهذا كان الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد , ولا إيمان لمن لا صبر له , كما أنه لا جسد لمن لا رأس له , وقال عمر بن الخطاب : (خير عيش أدركناه بالصبر) , وأخبر النبي في الحديث الصحيح ((أنه ضياء)) , وقال: ((ومن يتصبَّر يُصبِّره الله)) .
                          وأخبر أن الصبر خير كله و فقال: (ما أعطي أحدٌ عطاءً خيرًا وأوسعَ من الصبر) . اهـ بتصرف

                          قال الشيخ الحازمي:
                          (( الصَّبْرُ عَلَى الأَذَى فِيْهِ ) الضمير يعود إلى العلم الشرعي ، ولو أعاده على الأخير الدعوة ، لقال : الصبر على الأذى فيها ، ويحتمل أنه أراد كل ما ذُكِر ، الصبر على الأذى ، يعني في طلب العلم الشرعي ، لأن العلم الشرعي يحتاج إلى صبر ، كما ذكرناه آنفًا لابد من صبر ، كذلك العمل لابد من صبر ، وكذلك الدعـوة لابد من صبر ،﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ إذًا الصبر على الأذى فيه في الدعوة إلى العلم ، أو في العلم ، أو في العمل بالعلم ، أو إن شئت قل في كل ما ذكر ) . اهـ
                          [فالمسائل الثلاث التي ينسحب عليها وجوب الصبر في كلام المؤلف , هي: العلم , والعمل بالعلم , والدعوة إلى العلم والعمل .
                          وهي كلها من باب العبادات , فيدخل فيها الصبر على الطاعات , والصبر عن المحرمات , ولكن هل يدخل فيها الصبر على الأقدار الموجعة ؟
                          فالمعلوم عند أهل العلم أن الصبر على ثلاثة أقسام:
                          1- الصبر على طاعة الله .
                          2- الصبر عن معصية الله .
                          3- الصبر على أقدار الله .
                          أما الأخير هذا فينقسم إلى صبر على القَدَرِ الكوني , وصبر على القَدَرِ الشرعي , لذلك قال ابن العثيمين : (صبر على أقدار الله التي يجريها إما مما لا كسب للعباد فيه , وإما مما يجريه الله على أيدي بعض العباد من الإيذاء والاعتداء) .اهـ
                          وفي هذا المعنى قال ابن القيم في (المدارج) : ((والقصد : أن ملاحظة حسن العاقبة تُعين على الصبر فيما تتحمله باختيارك , وغير اختيارك)) .اهـ
                          فكأن الذي دعا للعلم والعمل به , قد عرَّض نفسه للمطلوب الشرعي الذي أراده الله , والذي من لازمه المعلوم - بمعرفة ما حدث للأنبياء والرسل وأخبرنا الله به في كتابه – الأذى من وراء هذه الدعوة , فكان صبرًا على مطلوب شرعي , لا على أمر كوني.

                          وكذا الصبر على الطاعات – أي العمل بالمأمور – وهو أيضًا المراد به الصبر على الواجب من المأمورات , فيخرج به الصبر على المستحبات والمندوبات , فهو مستحبٌ.
                          وأما الصبر عن المحرمات , فإن كله واجب لا مستحب فيه ؛ إذ ليس في اجتناب النهي ما يتعلق بالاستطاعة أصالةً , كما هو القول في امتثال الأمر , فقد قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾ , وقال النبي فيما رواه البخاري ومسلم: ((ما نهيتكم عنه ، فاجتنبوه ، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم ...)) الحديث] .
                          قال ابن القيم في((مفتاح دار السعادة)) :
                          جهاد النفس أربع مراتب :
                          إحداها: أن يجاهدها على تعلم الهدى ودين الحق الذي لا فلاح لها ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا به.
                          الثانية: أن يجاهدها على العمل به بعد علمه.
                          الثالثة: أن يجاهدها على الدعوة إليه وتعليمه من لا يعلمه.
                          الرابعة: أن يجاهدها على الصبر على مشآق الدعوة إلى الله [وهو مما يتحمله العبد اختيارًا,كما سبق وذكرنا] وأذى الخلق , ويتحمل ذلك كله لله .
                          فإذا استكمل هذه المراتب الأربع صار من الربانيين . اهـ

                          قال الشيخ الحازمي : أما الذي لا يصبر هذا يكون داخلًا في قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ , فلا يكون الإنسان خفيفًا لذلك حذر النبيُّ أصحابَه من العجلة , وقال: (ولكنكم قوم تستعجلون) .
                          هذه المسائل الأربعة :
                          الأولى : العلم ، وفسره المصنف .
                          الثانية : العمل به .
                          الثالثة : الدعوة إليه .
                          الرابعة : الصبر على الأذى فيه .
                          هذه لابد عليها من دليل لأنه قال : ((واجبة)) . ( والدَّلِيْلُ قَوْلُهُ تَعَالَى : بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإنسان لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ .

                          تعليق


                          • #13
                            والدَّلِيْلُ(1) قَوْلُهُ تَعَالَى : بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ(2) ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإنسان لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) ....
                            ــــــــــــــــــــــــــــــــ
                            (1) : والدليل : أي على ما سبق من المسائل الأربع التي يجب علينا تعلمها ؛ لأن الوجوب حكم شرعي يفتقر إلى دليل .
                            والدليل كما قال العلماء : إما سمعي , وإما عقلي .
                            فالسمعي: ما جاء من طريق الوحي , إما من كلام الله أو من سنة النبي .
                            وأما العقلي: فالمقصود به ما أرشد الشرع إليه , وأمر بإعمال العقل فيه , فالعقل في الشرع ليس لاغيًا كما يظن البعض , بل هو في أعلى مراتب التكريم ؛ ذاك أن الذي خلق العقل هو الذي يعلم حدوده ومداركه , فأمره بالعمل في حدود ما خُلق له , ونهاه عن الخوض فيما ليس من مداركه وحدوده أصلًا , فيتعب وليس من وراء هذا التعب طائل ولا فائدة ؛ بل وليس هناك دافعًا للخوض فيما لم يأمر الله العقل أن يخوض فيه أصلًا إلا عند المتكلفين والمتنطعين , وإلزامه حدوده هي أعلى مراتب التكريم .
                            فعلى هذا كل مثلٍ في القرآن , وكل أمر بإعمال النظر والتفكر في آيات الله ومخلوقاته ونعمه ومننه على عباده , يصح حينها – على ما ذكرناه – أن يكون دليلًا عقليًا .
                            أما العقل المحض الذي لا يُقيد بشرع , ويذهب صاحبه ليُعمِلَه فيما هو ليس من شأنه , ويكلفه ما لا يطيقه ؛ بل ويجعله هو الحاكم على الشرع , يقبل من الشرع ويرد عليه ما أوصله إليه عقله السقيم , فإن هذا لا يكون عقلًا أصلًا ؛ بل هو محض الهوى والشهوة , وليس داخلًا في حدود الشرع من شئ .
                            قال ابن تيمية: ((العقل الصريح لا يُعارض النقل الصحيح ، بل يشهد له ويؤيده لأن المصدر واحدفالذي خلق العقل هو الذي أرسل إليه النقل ، ومن المحال أن يُرسل إليه مايُفسده)) .
                            وقد قال الله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ .
                            قال شيخ الإسلام تعالى : "كل ما يدل عليه الكتاب والسنة فإنهموافق لصريح المعقول ، والعقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح ، ولكن كثيراًمن الناس يغلطون إما في هذا وإما في هذا ، فمن عرف قول الرسول ومراده بهكان عارفاً بالأدلة الشرعية ، وليس في المعقول ما يخالف المنقول".
                            (2) : فائدة :
                            هل البسملة آية من كتاب الله , وهل هي آية من الفاتحة ؟
                            قال ابن العثيمين في (الشرح الممتع) :
                            ((بل هي آيةٌ مستقلِّة يُفتتح بها كلُّ سورة مِن القرآن؛ ما عدا براءة، فإنهليس فيها بسملة اجتهاداً من الصحابة، لكنه اجتهاد - بلا شك - مستندٌ إلىتوقيف؛ لأننا نعلم أنه لو نزلت البسملة بين الأنفال وبراءة لوجب بقاؤها؛لأن الله يقول: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُلَحَافِظُونَ) فلمَّا لم يكن، عُلِمَ أن اجتهاد الصَّحابة كانموافقاً للواقع.))

                            [لكنها مسألة خلافية ومظانها كتب (علم عدِّ الآي) كما سيأتي في المبحث التالي إشارة إلى هذه المسألة عامة وتعلقها بالفاتحة خاصة ؛ لكن عمومًا نقول أنه كان مقصد نزولها هو إعلام النبي انتهاء السورة وابتداء سورة جديدة .
                            قالالسيوطيفي الإتقان: أخرج أبو داود والحاكم والبيهقي والبزار من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباسقال: كان النبي لا يعرف فصل السورة حتى تنزل عليه بسمالله الرحمن الرحيم , زاد البزار: فإذا نزلت عرف أن السورة قد ختمت واستقلتأو ابتدأت سورة أخرى .
                            وأخرج الحاكم من وجه آخر عن سعيد بن جبير عن ابن عباسقال: كان المسلمون لا يعلمون انقضاء السورة حتى تنزل بسم الله الرحمنالرحيم، فإذا نزلت علموا أن السورة قد انقضت. إسناده على شرط الشيخين.
                            وأخرج الحاكم أيضا من وجه آخر عن ابن عباس أن النبي إذاجاءه جبريل فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم علم أنها سورة , إسناده صحيح.
                            وأخرجالبيهقي في الشعب وغيره وعن ابن مسعود قال: كنا لا نعلم فصلًا بين السورتينحتى تنزل بسم الله الرحمن الرحيم .]
                            أما عن كونها آية من الفاتحة أم لا ؟
                            قال ابن العثيمين: ((والدليل على أنها ليست من الفاتحة ما ثبت في «الصحيح» من حديث أبي هريرةأنَّ النبي قال: «قال الله تعالى: قَسَمْتُ الصَّلاةَبيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبدُ: الحمدُ لله ربِّالعالمين، قال اللَّهُ تعالى: حَمَدَني عبدي...» الحديث.
                            فإن قيل: إذا لم تكن مِن الفاتحة؛ فإنه مِن المعلوم أنَّ الفاتحةَ سبعُآيات، فكيف تُوزَّع السَّبع الآيات على الفاتحة إذا أخرجنا البسملةَ منها؟
                            فالجواب: أنها توزَّع كالآتي:
                            )
                            الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الفاتحة:2) الأولى.) الرَّحْمَنِالرَّحِيمِ) (الفاتحة:1) الثانية.)مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) (الفاتحة:4) الثالثة.)إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الفاتحة:5) الرابعة.)اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) (الفاتحة:6) ))صِرَاطَالَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِم)(الفاتحة: منالآية7)السادسة.(غيرالْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ)(الفاتحة: من الآية7)السابعة.


                            فإن قال قائل: إذا قلتم ذلك فكيف الجواب عمَّا نجدُه في المصاحف: أن أول آية في الفاتحة هي البسملة؟
                            فالجواب: هذا الترقيم على قول بعض أهل العلم : أنَّ البسملة آية منالفاتحة. ولهذا في بقية السُّور لا تُعدُّ مِن آياتها ولا تُرقَّم. والصَّحيحُ أنها ليست مِن الفاتحة، ولا مِن غير الفاتحة)) . اهـ


                            [اختلف العلماء في هذه المسألة ، قال الإمام النووي: اعلم أنَّ مسألة البسملة عظيمة مهمة ينبني عليها صحة الصلاة التي هي أعظم الأركان بعد التوحيد .
                            اختلف علماء العدِّ في عدِّ البسملة في سورة الفاتحة :
                            عدَّها آية المكيّ والكوفيّ , ولم يعدها آية المدنيان والشاميّ والبصريّ , وعلى هذا من يقرأ بقراءة أهل مكة والكوفة – ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي وخلف العاشر الكوفيين – فإن البسملة عنده آية من الفاتحة , يجب أن يقرأ بها .
                            ومن يقرأ أهل المدينة والشام والبصرة – نافع وأبي جعفر المدنيين وابن عامر الشامي وأبي عمرو ويعقوب البصريين – فإن البسملة ليست آيةً من الفاتحة , فلا يجب أن يقرأ بها .
                            قال الشيخ الشنقيطي في (المذكرة) :
                            (ومن أحسن ما قيل في ذلك: الجمع بين الأقوال بأن البسملة في بعض القراءات آية من القرآن , وفي بعض القراءات ليست آية , ولا غرابة في ذلك ...
                            ثم قال: وبه تعرف أنه لا إشكال في كون البسملة آية في بعض الحروف دون بعض , وبذلك تتفق أقوال العلماء) .اهـ

                            والذي يظهر - والله أعلم - أن مسألة البسملة في الفاتحة في قراءة النبي في الصلاة , لا ترجع إلى مسألة عدِّ الآي ؛ لكنّ محل النزاع فيها هو مسألة فقهية ألا وهي مسألة الإسرار والجهر بالبسملة في الصلاة , وهل كان جهر النبي بها راجع إلى اختلاف القراءات – حينها تتعلق بها مسألة عدّ الآي - , أم إشارة منه إلى جواز الجهر مطلقًا ؛ ذاك أن الظاهر أن أغلب فعله والخلفاء الراشدين من بعده – كما سيأتي ذكره من كلام ابن كثير - ترك الجهر بالبسملة .

                            قال ابن كثير - – (من عمدة التفسير) :
                            فجهر بها من الصحابة : أبو هريرة , وابن عمر , وابن عباس , ومعاوية , ونقله الخطيب عن سعيد بن جبير , وعكرمة , وأبي قلابة , والزهري , وسعيد بن المسيب , وعطاء , وطاوس , ومجاهد , وعمر بن عبد العزيز , وغيرهم.
                            وروى أبو داود والترمذي عن ابن عباس (أن رسول الله كان يفتتح الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم) . ثم قال الترمذي وليس إسناده بذاك , وقد رواه الحاكم في المستدرك عن ابن عباس , قال: (كان رسول الله يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم , ثم قال: صحيح) .
                            وفي صحيح البخاري عن أنس بن مالك أنه سُئل عن قراءة النبي , فقال: (كانت قراءته مدًا , ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم , يمد بسم الله , ويمد الرحمن , ويمد الرحيم) .
                            وفي مسند الإمام أحمد , وسنن أبي داود , وصحيح ابن خزيمة , ومستدرك الحاكم , عن أم سلمة , قالت: (كان رسول الله يُقطِّع قراءته : بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله رب العالمين . الرحمن الرحيم . مالك يوم الدين) وقال الدارقطني إسناده صحيح
                            وروى الإمام الشافعي , والحاكم في المستدرك عن أنس : أن معاوية صلى بالمدينة , فترك البسملة , فأنكر عليه من حضر من المهاجرين ذلك , فلما صلى المرة الثانية بسمل .
                            وفي هذه الأحاديث , والآثار التي أوردناها كفاية ومقنع في الاحتجاج لهذا القول عما عداها , فأما المعارضات والروايات الغريبة , وتطريقها , وتعليلها , وتضعيفها , وتقريرها , فله موضع آخر.
                            وذهب آخرون إلى أنه لا يُجهر بالبسملة في الصلاة , وهذا هو الثابت عن الخلفاء الأربعة , وعبد الله ابن مغفل , وطوائف من سلف التابعين والخلف , وهو مذهب أبي حنيفة , والثوري , وأحمد بن حنبل , وعند الإمام مالك : أنه لا يقرأ بالبسملة بالكلية , لا جهرًا ولا سرًا .
                            واحتجوا بما في صحيح مسلم عن عائشة , قالت: (كان رسول الله يفتتح الصلاة بالتكبير , والقراءة بالحمد لله رب العالمين) .
                            وبما في الصحيحين عن أنس بن مالك , قال: (صليت خلف النبي , وأبي بكر , وعمر , وعثمان , فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين) , ولمسلم : (لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أوَّل قراءة ولا في آخرها) . ونحوه في السنن عن عبد الله بن مغفل .
                            وهذا ليس معناه أنهم لا يأتون بالبسملة سرًا ؛ لما جاء عند ابن ماجة , والطحاوي في مشكل الآثار , عن أنس أيضًا , قال: (أن رسول الله كان يُسرُّ ببسم الله الرحمن الرحيم , وأبو بكر , وعمر) . (الأوسط لابن المنذر)
                            فهذه مآخذ الأئمة في هذه المسألة وهي قريبة ؛ لأنهم أجمعوا على صحة صلاة من جهر بالبسملة ومن أسر , ولله الحمد والمنة .

                            فعند ذلك لو كان مرجع التنويع في الفعل إلى التنوع في القراءات , فلا إشكال في ذلك , وحينها يلزم كل صاحب قراءة ما ثبت في قرائته , لو كانت آية جهر بها لكونها ثابته تواترًا , ولفعل النبي , ولو لم تكن , لزمه الإسرار لنفس العلة , ولو جهر لا تبطل صلاته –والله أعلم- ؛ إذ إنه ما أتى بغير قرآن , ولتغبيش أثر ابن ماجة والطحاوي المروي عن أنس في التصريح بالقراءة سرًا حال عدم الجهر , والذي به نخرج من مبحث التلفيق في القراءات في الصلاة .
                            أما لو كان حكمًا فقهيًا محضًا غير مرتبط بالقراءات , فالأمر على الجواز وفيه سعة , لورود الفعل على الوجهين , وإن كان الأولى الإسرار ؛ لأنه غالب فعله , وكذا غالب فعل الخلفاء الراشدين من بعده , كما في حديث أنس .
                            والمسألة تحتاج لمزيد بحث وتحرير , فقد كان الكلام فيها على عجالة ؛ إذ ليس هذا بمقامها أصالةً , والله أعلم بالصواب] .

                            تعليق


                            • #14
                              (3) : ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإنسان لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ .
                              قال الشيخ عبد الله الفوزان:
                              استدل المصنف على هذه المسائل الأربع بسورة عظيمة لا تزيد على ثلاث آيات وهي سورة العصر. فالمسألة الأولى والثانية في قوله – سبحانه-: ( w&#206;)tûï&#207;%©!$#(#q&#227;ZtB#u&#228;(#qè=&#207;Jt&#227;ur&#207;M»ys&#206;=»¢&#193;9$#) فإن الإيمان لا يكون صحيحاً، والعمل لا يكون صالحاً إلا بالعلم بأن يعبد الله على بصيرة. والمسألة الثالثة في قوله : ( (#&#246;q|¹#uqs?ur&#200;d,ys&#248;9$$&#206;/.) والرابعــة في قوله : ((#&#246;q|¹#uqs?ur&#206;Ž&#246;9¢&#193;9$$&#206;/ ) .
                              قال ابن كثير –- :
                              ((العصر : الزمان الذي يقع فيه حركات بني آدم ، من خير وشر .
                              وقالمالك، عنزيد بن أسلم: هو العشي ، والمشهور الأول .
                              فأقسم تعالى بذلك على أن الإنسان لفي خسر ، أي : في خسارة وهلاك ( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) فاستثنى من جنس الإنسان عن الخسران الذين آمنوا بقلوبهم ، وعملوا الصالحات بجوارحهم ( وتواصوا بالحق) وهو أداء الطاعات ، وترك المحرمات ( وتواصوا بالصبر) على المصائب والأقدار ، وأذى من يؤذي ممن يأمرونه بالمعروف وينهونه عن المنكر . آخر تفسير سورة " العصر " ولله الحمد والمنة)) .اهـ

                              قال الشيخ السعدي –- في (تيسير الكريم الرحمن) :
                              ((والخسار مراتب متعددة متفاوتة: قد يكون خسارًا مطلقًا كحال من خسر الدنيا والآخرة وفاته النعيم واستحق الجحيم , وقد يكون خسارًا من بعض الوجوه دون بعض , ولهذا عمم الله الخسار لكل إنسان ؛ إلا من اتصف بأربع صفات:
                              الإيمان بما أمر الله بالإيمان به , ولا يكون الإيمان بدون العلم , فهو فرع عنه لا يتم إلا به.
                              والعمل الصالح , وهذا شامل لأفعال الخير كلها الظاهرة والباطنة المتعلقة بحقوق الله , وحقوق عباده , الواجبة والمستحبة .
                              والتواصي بالحق الذي هو الإيمان , والعمل الصالح , أي يوصي بعضهم بعضًا بذلك ويحثه عليه ويرغبه فيه .
                              والتواصي بالصبر على طاعة الله , وعن معصية الله , وعلى أقدار الله المؤلمة .
                              فبالأمرين الأولين يُكمِّل العبد نفسه , وبالأمرين الأخرين يُكمِّل العبد غيره , وبتكميل الأمور الأربعة يكون العبد قد سلم من الخسار , وفاز بالربح العظيم .)) اهـ
                              قوله تعالى: ﴿ وَالْعَصْـرِ :
                              قال الشيخ ابن باز :
                              (وقد أقسم الله على هذا بقوله : وَالْعَصْرِ وهو الصادق وإن لم يقسم ، ولكن أقسم لتأكيد المقام . والله يقسم بما شاء من خلقه ، فلا أحد يتحجر عليه ، فأقسم بالسماء ذات البروج ، وأقسم بالسماء والطارق ، وبالضحى وبالشمس وضحاها ، وبالليل إذا يغشى ، وبالنازعات ، وغير ذلك ؛ لأن المخلوقات تدل على عظمته ، وعلى أنه سبحانه هو المستحق للعبادة ولبيان عظم شأن هذه المخلوقات التي تدل على وحدانيته وأنه المستحق للعبادة وحده .
                              وأما المخلوق فليس له أن يقسم إلا بربه ، فلا يقسم ولا يحلف إلا بالله ، ولا يجوز له أن يحلف بالأنبياء ، ولا بالأصنام ، ولا بالصالحين ، ولا بالأمانة ، ولا بالكعبة ، ولا بغيرها . هذا هو الواجب على المسلم ؛ لقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ :" من حلف بشيء دون الله فقد أشرك " أخرجه أحمد وصححه الألباني.
                              وقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ : " من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ". فالواجب على كل مسلم ومسلمة الحذر من الحلف بغير الله وأن تكون أيمانهم كلها بالله وحده ) .اهـ
                              قال الشيخ الحازمي:
                              قوله تعالى: ﴿ وَالْعَصْرِ الواو هذه واو القسم ، هنا أقسم الرب ، فالمقسِم هو الرب سبحانه ، ﴿ وَالْعَصْرِ مقسَم به , وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الإنسان لَفِي خُسْرٍ هذا جواب القسم ، لأن القسم لا بد له من جواب ، وهو المقسَم عليه ، أقسم الرب بالعصر وهو المُقسِم ، والمقسَم به العصر ، والمقسَم عليه هو خسارة الإنسان.
                              ما المراد بالعصر ؟
                              قال الشنقيطي في (أضواء البيان) :
                              العصر : اسم للزمن كله أو جزء منه,ولذا اختلف في المراد منه ، حيث لم يبين هنا .
                              فقيل : هو الدهر كله ، أقسم الله به لما فيه من العجائب ، أمة تذهب وأمة تأتي ، وقدر ينفذ ، وآية تظهر، وهو هو لا يتغير ، ليل يعقبه نهار ، ونهار يطرده ليل ، فهو في نفسه عجب .

                              واستدل لهذا القول بما جاء موقوفًا علىعلي ، ومرفوعًا من قراءة شـاذة : "والعصر ونوائب الدهر " . وحمل على التفسير إن لم يصح قرآنا ، وهذا المعنى مروي عنابن عباس.
                              وقيل العصر : الليل والنهار .
                              والعصران أيضا : الغداةُ والعشيُّ .
                              وقيل : إنه العَشيُّ وهو ما بعد زوال الشمس إلى غروبها ، وهو قولالحسنوقتادة .
                              وعنقتادةأيضا : هو آخر ساعة من ساعات النهار ، لتعظيم اليمين فيه ، وللقسم بالفجر والضحى .
                              وقيل : هو صلاة العصر لكونها الوسطى .
                              وقيل : عصر النبي أو زمن أمته ; لأنه يشبه عصر عمر الدنيا .
                              والذي يظهر والله تعالى أعلم : أن أقرب هذه الأقوال كلها قولان : إما العموم بمعنى الدهر للقراءة الشاذة ، إذ أقل درجاتها التفسير ، ولأنه يشمل بعمومه بقية الأقوال .
                              وإما عصر الإنسان أي عمره ومدة حياته الذي هو محل الكسب والخسران لإشعار السياق ، ولأنه يخص العبد في نفسه موعظة وانتفاعا .
                              ويرجح هذا المعنى ما يكتنف هذه السورة من سور التكاثر قبلها ، والهمزة بعدها ، إذ الأولى تذم هذا التلهي والتكاثر بالمال والولد ، حتى زيارة المقابر بالموت ، ومحل ذلك هو حياة الإنسان.
                              وسورة الهمزة في نفس المعنى تقريبا ، في " الذي جمع مالا وعدده،يحسب أن ماله أخلده"
                              فجمع المال وتعداده في حياة الإنسان ، وحياته محدودة ، وليس مخلدا في الدنيا ، كما أن الإيمان وعمل الصالحات مرتبط بحياة الإنسان .
                              وعليه ، فإما أن يكون المراد بالعصر في هذه السورة العموم لشموله الجميع وللقراءة الشاذة ، وهذا أقواها .
                              وإما حياة الإنسان ، لأنه ألزم له في عمله ، وتكون كل الإطلاقات الأخرى من إطلاق الكل ، وإرادة البعض ، والله تعالى أعلم .اهـ




                              قال الطبري تعالى في تفسيره :
                              ( والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن ربنا أقسم بالعصر ، والعصر اسم للدهر ، وهو العشي والليل والنهار ، ولم يَخْصُص مما شمله هذا الاسم معنىً دون معنى ، فكل ما لزمه هذا الاسم فداخل فيما أقسم به جل ثناؤه ) .
                              قال الشيخ مساعد الطيار في (تفسير جزء عمَّ) :
                              (ومن هنا فإن سبب الاختلاف هو الاشتراك اللغوي في لفظ العصر , فهو يطلق على عدة معان , وبهذا يرجع الخلاف إلى أكثر من معنى , وكل هذه الأقوال محتمل كما قال الطـبري , غير أن القول بأنه ((الدهر)) يظهر في شموله للأوقات كلها , والله أعلم) .اهـ

                              تعليق


                              • #15
                                لماذا أقسم الله بالعصر ؟
                                قال الرازي :
                                ((والسبب فيه وجوه:
                                أحدها: أنه أقسم تعالى بالعصر كما أقسم بالضحى لما فيهما جميعًا من دلائل القدرة , فإن كل بُكرة كأنها القيامة , يخرجون من القبور , وتصير الأموات أحياء , وتقام الموازين , وكل عشية تشبه تخريب الدنيا بالصعق والموت , وكل واحد من هاتين الحالتين شاهد عدل , ثم إذا لم يحكم الحاكم عقيب الشاهدين عُدَّ خاسرًا , فكذا الإنسان الغافل عنهما في خسر .
                                وثانيهما: قال الحسن -- إنما أقسم بهذا الوقت تنبيهًا على أن الأسواق قد دنا وقت انقطاعها , وانتهاء التجارة والكسب فيها , فإذا لم تكتسب , ودخلت الدار وطاف العيال عليك يسألك كل أحد ما هو حقه , فحينئذ تخجل فتكون من الخاسرين , فكذا نقول: والعصر , أي عصر الدنيا قد دنت القيامة , وأنت بعد لم تستعد , وتعلم انك تُسأل غدًا عن النعيم الذي كنت فيه في دنياك , وتُسأل في معاملتك مع الخلق , وكل أحد من المظلومين يدعي ما عليك , فإذا أنت خاسر , ونظيره: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْوَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ .
                                وثالثهما: أن هذا الوقت معظم , والدليل عليه قوله : (من حلف بعد العصر كاذبًا لا يكلمه الله ولا ينظر إليه يوم القيامة) , فكما أقسم في حق الرابح بالضحى , فكذا أقسم في حق الخاسر بالعصر ؛ وذلك لأنه أقسم بالضحى في حق الرابح وبشر الرسول أن أمره إلى الإقبال , وههنا في حق الخاسر توعده أن أمره إلى الإدبار , ثم كأنه يقول بعض النهار باقٍ , فيحثه على التدارك في البقية بالتوبة , وعن بعض السلف: تعلمت معنى السورة في بائع الثلج , كان يصيح ويقول: ارحموا من يذوب رأس ماله , ارحموا من يذوب رأس ماله , فقلت: هذا معنى ﴿ إِنَّ الإنسان لَفِي خُسْرٍ ﴾ يمر به العصر فيمضي عمره ولا يكتسب , فإذا هو خاسر .
                                أما عن وجه القسم عند من قال: إن المراد صلاة العصر , فلكونها أفضل الصلوات ؛ إذ هي الصلاة الوسطى , وقد قال فيها النبي (الذي تفوته صلاة العصر كأنما وُتِرَ أهله وماله) .متفق عليه , وقال عليه الصلاة والسلام: (من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله ) .رواه البخاري , إلى غير ذلك مما ورد فيها من فضائل , والله تعالى أعلم)).اهـ
                                قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الإنسان لَفِي خُسْرٍ .
                                قال الشيخ صالح آل الشيخ :
                                ((فجواب القسم هو (إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ)، وأكد ذلك، بـ(إنَّ) وباللام في قوله (لَفِي خُسْرٍ)، ومن المتقرر في علم المعاني من علوم البلاغة, أن (إنّ واللام من أنواع المؤكدات), اجتمع هاهنا أنواع من المؤكدات:
                                أولا القسم .
                                الثاني مجيء إنّ .
                                الثالث مجيء اللام التي تسمى المزحلقة , مجيء اللام في خبر إنّ، قال ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ .
                                وأهل العلم يقولون -يعني أهل العلم بالمعاني- يقولون "إن مجيء المؤكدات يصلح إذا كان المخاطَبُ منكِرا لما اشتمل عليه الكلام".
                                فمثلا تقول لمن لم يكن عنده الخبر، فلان قادم، لا يصلح أن تقول "إنّ فلانا لقادم" وذاك لم ينكر الكلام، ويريد أن يستقبل الخبر [هذا من يسمى بخالِ الذهن]، تقول "فلان قادم"، فأخبرته بقدوم فلان، لكن إن كان منكرا له، أو مُنزَّلُ منزلةَ المنكر له، فإنه تؤكد الكلام له، لكي يزيد انتباهه، ويعظم إقراره لما اشتمل عليه.
                                المشركون لأجل ما هم فيه من شرك، وما عاندوا فيه الرسالة، حالهم , بل ومقالهم أنهم هم أصحاب النجاة ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ ، فهم ينكرون أنهم سيكونون في خسارة، و ينكرون -طائفة أخرى منهم- أن يكون الإنسان سيرجع إلى خسارة ، وأنه لن ينجوا إلا أهل الإيمان ، فأكد الله ذلك لأجل إنكارهم بالمقال والفعل وبالحال)) .اهـ

                                قوله تعالى: ﴿ الْإِنسَانَ ﴾ .
                                كلمةإنسان فيكلام العرب يرجع إلى معنى الظهور، عكس الجن. ثم إنهم ذكروا للإنسان معنى آخر هو: النسيان. فقد أوردابن منظور عنابن عباس قوله: "إنما سمي الإنسان إنسانا؛ لأنه عُهد إليه فنسي"، إذ يقول الله تعالى: "ولقد عهدنا إلىآدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما". وبهذا قالالكوفيون: إنه مشتق من النسيان.لذا فإن معنى الإنسان في كلامالعرب يعني الظهور، والنسيان.
                                قال الحازمي: قيل هو مشتق من النَّوس: وهو الحركة .
                                أما في الآية , ففي تفسيره أقوال :
                                قيل المراد بالإنسان : (الكافر) , وهذا القول حُكي عن ابن عباس في رواية أبي صالح عنه : أن المراد بالإنسان الكافر.
                                وقيل (جماعة من الكفار : وهمالوليد بن المغيرة ،،والعاص بن وائل ،،والأسود بن عبد المطلب بن أسد) .
                                وقيل أن المراد (جنس الإنسان) وهو قول الجمهور , أي كل الناس لفي خسر , قال العمريطي في ((نظم الورقات)) في (العام) :
                                الفَرْدُ وَالجَمْعُ المُعَرَّفَانِ
                                بِاللامِ كَالكَافِرِ والإِنْسَانِ
                                وهذا الأخير هو الأصح , والأولى حمل اللفظة عليه ؛ فـ(أل) هذه تفيد الاستغراق والشمول , بدليل صحة وقوع لفظة (كل) محلها , ولصحة الاستثناء منها .
                                وصحة الاستثناء تدل على أن اللفظ عام , كما يقول أهل الأصول: (الاستثناء معيار العموم) .
                                فعلى هذا (الإنسان) في الآية يشمل المؤمن والكافر ؛ بل لا يقتصر على الإنس فقط إذ يشمل الجن أيضًا ؛ لأنهم من أمم التكليف مع الإنس , قال تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) .
                                قال الشنقيطي: ((قوله تعالى: (إن الإنسان لفي خسر)، نص على الإنسان على ما تقدم وقد جاءت آية أخرى تدل على أن الجن كالإنس في قوله تعالى: (أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين) وتقد بيان تكليف الجن بالدعوة واستجابتهم لها , والدعوة إليها)) .اهـ

                                تعليق


                                • #16
                                  قوله تعالى: ﴿ لَفِي خُسْرٍ ﴾ .
                                  قال الطبري: (إن ابن آدم لفي هلكة ونقصان) , قالالأخفش : في خسر في هلكة ,وقالالفراء : عقوبة,وقالابن زيد : لفي شر , وقيل : الغبن , وكلها معان متقاربة , ولا تضارب بينها .
                                  قال الشنقيطي في (أضواء البيان) :
                                  ((وأصل الخسر والخسران كالكفر والكفران ، النقص من رأس المال ، ولم يبين هنا نوع الخسران في أي شيء ، بل أطلق ليعم ، وجاء بحرف الظرفية ، ليشعر أن الإنسان مستغرق في الخسران ، وهو محيط به من كل جهة)) . اهـ
                                  قال ابن الجوزي: ((والإنسان إذا لم يستعمل نفسه وعمره فيما يُوجب له الربح الدائم , فهو في خسران ؛ لأنه عمل في إهلاك نفسه وعمره , وهما أكبر رأس ماله)) .اهـ
                                  قال الشنقيطي :
                                  ((فعليه يكون الخسران في الدين من حيث الإيمان بسبب الكفر ، وفي الإسلام وهو ترك العمل ، وإن كان يشمله الإيمان في الاصطلاح والتلهي في الباطل وترك الحق ، وفي الهلع والفزع . ومن ثم ترك الأمر والنهي بما فيه مصلحة العبد وفلاحه وصلاح دينه ودنياه، وكل ذلك جاء في القرآن ما يدل عليه نجمله في الآتي :
                                  أما الخسران بالكفر . فكما في قوله تعالى:(لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين) .
                                  وقوله: (قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله) ، أي : لأنهم لم يعملوا لهذا اللقاء ، وقصروا أمرهم في الحياة الدنيا فضيعوا أنفسهم ، وحظهم في الآخرة .
                                  وأما الخسران بترك العمل ، فكما في قوله تعالى: (ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم)، لأن الموازين هي معايير الأعمال كما تقدم: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره).
                                  ومثله: (ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا)، لأنه سيكون من حزب الشيطان (ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون)، أي بطاعتهم إياه في معصية الله .
                                  وأما الخسران بترك التواصي بالحق فليس بعد الحق إلا الضلال ، والحق هو الإسلام بكامله ، وقد قال تعالى: (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين).
                                  وأما الخسران بترك التواصي بالصبر والوقوع في الهلع والفزع ، فكما قال تعالى: (ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين) .

                                  تحقيق المناط في حقيقة خسران الإنسان :
                                  اتفقوا على أن رأس مال الإنسان في حياته هو عمره ; كلف بإعماله في فترة وجوده في الدنيا ، فهي له كالسوق . فإن أعمله في خير ربح ، وإن أعمله في شر خسر . ويدل لهذا المعنى قوله تعالى : (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة)الآية
                                  وقوله: ( هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليمتؤمنون بالله ورسوله)الآية , وفي الحديث عند مسلم : " الطهور شطر الإيمان " .
                                  وفي آخره " كل الناس يغدو ، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها " مما يؤكد أن رأس مال الإنسان عمره .
                                  ولأهمية هذا العمر جاء قسيم الرسالة والنذارة في قوله: ( أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير).
                                  وعلى هذا قالوا : إن الله تعالى أرسل رسوله بالهدى .
                                  وهدى كل إنسان النجدين ، وجعل لكل إنسان منزلة في الجنة ومنزلة في النار .
                                  فمن آمن وعمل صالحا كان مآله إلى منزلة الجنة ، وسلم من منزلة النار ، ومن كفر كان مآله إلى منزلة النار ، وترك منزلته في الجنة .
                                  كما جاء في حديث القبر : " أول ما يدخل في قبره إن كان مؤمنا يفتح له باب إلى النار ، ويقال له : ذاك مقعدك من النار لو لم تؤمن ثم يقفل عنه ، ويفتح له باب إلى الجنة ويقال له : هذا منزلك يوم تقوم الساعة ، فيقول : رب ، أقم الساعة " .
                                  وإن كان كافرا كان على العكس تماما ، فإذا دخل أهل الجنة الجنة ، وأهل النار النار ، فيأخذ كل منزلته فيها ، وتبقى منازل أهل النار في الجنة خالية فيتوارثها أهل الجنة ، وتبقى منازل أهل الجنة في النار خالية ، فتوزع على أهل النار ، وهنا يظهر الخسران المبين ; لأن من ترك منزلة في الجنة وذهب إلى منزلة في النار ، فهو بلا شك خاسر ، وإذا ترك منزلته في الجنة لغيره وأخذ هو بدلا عنها منزلة غيره في النار ، كان هو الخسران المبين ، عياذا بالله .
                                  أما في غير الكافر وفي عموم المسلمين ، فإن الخسران في التفريط بحيث لو دخل الجنة ولم ينل أعلى الدرجات يحس بالخسران في الوقت الذي فرط فيه ، ولم ينافس فعل الخير ، لينال أعلى الدرجات .
                                  فهذه السورة فعلا دافع لكل فرد إلى الجد والعمل المربح ، ودرجات الجنة رفيعة ، ومنازلها عالية مهما بذل العبد من جهد ، فإن أمامه مجال للكسب والربح ، نسأل الله التوفيق والفلاح .
                                  وقد قالوا : لا يخرج إنسان من الدنيا إلا حزينا ، فإن كان مسيئا فعلى إساءته ، وإن كان محسنا فلتقصيره ، وقد يشهد لهذا المعنى قوله تعالى: ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنةالتي كنتم توعدون) , فالخوف من المستقبل أمامهم ، والحزن على الماضي خلفهم ، والله تعالى أعلم .))

                                  قال ابن القيم في ((التبيان في أقسام القرآن)) :
                                  (... بل الإنسان من حيث هو إنسانٌ خاسرٌ , إلا من , فهداه ووفقه للإيمان والعمل الصالح في نفسه , وأمر غيره به , وهذا نظير رَدِّهِ الإنسانَ إلى أسفل سافلين , واستثناء الذين آمنوا وعملوا الصالحات من هؤلاء المردودين) . اهـ
                                  فهنا مسألة :
                                  قد علمنا من قبل أن الأصل في الإنسان التوحيد لا الكفر , لأن أصل الفطرة على التوحيد ويطرأ عليها ما يطرأ , أو تظل كما هي وتنمى , وهذ مصداق قول النبي: (مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، فَأَبَوَاهُيُهَوِّدَانِهِ،وَيُنَصِّرَانِهِ،وَيُمَجِّسَانِهِ ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ ؟ ثُمَّ يَقُولُأَبُو هُرَيْرَةَ : وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ : فِطْرَةَ اللَّهِالَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ).
                                  وقد دلت آية العصر على أن الأصل في الإنسان الخسارة , وكذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ﴾ دلَّ على أن الأصل في النفس البشرية أن تدعو صاحبها إلى السوء .
                                  فكيف الجمع بين النصوص التي تدل على أن الإنسان الأصل فيه التوحيد , والنصوص التي تدل على أن الأصل فيه الخسران , والدعوة إلى السوء ؟
                                  الجواب على هذه المسألة يتعلق بثلاثة أصول :
                                  الأول: هل الفطرة التي فطر الله الناس عليها من التوحيد , تقوم بها الحجة على العباد في تصديق الخبر وامتثال الأمر واجتناب النهي ؟
                                  وقد سبق معنا الحديث علي هذه المسألة وقررنا القول فيها أنها ليس بحجة على العباد , فليُرجع إليه .
                                  بما أنها ليس بحجة شرعية على العباد , فماذا تكون إذن ؟ إجابة هذا السؤال في الأصل الثاني في الرد .
                                  الثاني: التفريق بين أمر الله الكوني , وأمره الشرعي .
                                  فَقَدَّرَ الله على مقتضى حكمته , خلق أصلين ملازمين لكل مكلف –وتتضح بهما حكمة البلاء كما سيأتي معنا- ألا وهما : فطرته على التوحيد , ووجود أصل الخير ووازعه في أصل خلقته , وكذا خلق أصل الخسارة في نفسه ووازعها في أصل خلقته أيضًا , وهذا مصداق قول الله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ أصلًا وفرعًا .
                                  فبقاء الإنسان على أصل فطرة الخير , لا يكون إلا بامتثاله للأمر الشرعي : (الإيمان بالله وعمل الصالحات) .
                                  ومن انساق وراء أصل الخسران , وأثبته لنفسه , لا يكون إلا بمخالفة الأمر الشرعي , من ترك الإيمان والعمل الصالح .
                                  الثالث: إعذار الخلق أصلٌ في الابتلاء .
                                  فكما أن الله خلق للشر والضلال أعوانًا وأسبابًا , إذا أخذ العبد بها أهلك نفسه وأوبقها , كذلك خلق للخير والاستقامة أعوانًا وأسبابًا , إذا أخذ العبد بها أنجى نفسه وفاز في الدارين .
                                  ولكن حكمة البلاء أن تكون هناك الدوافع الداخلية والخارجية للخسران , ويردها العبد بالدوافع الداخلية والخارجية أيضًا للربح , وهذا السر في ذكر أن الأصل الخسارة ويستثنى منها الرابح بأخذه بأسباب الفوز , إذ الأصل في الابتلاء والاختبار المجاهدة ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ .
                                  وبهذا يقع الخلط عند كثير من الناس –إلا من رحم الله- في هذه المسألة ؛ لأنهم لا ينظرون إلا لأسباب الهلاك والخسران فقط , وأنهم محاطون بهذه الأسباب من كل جانب , على الرغم من أن الله ساوى بين الطرفين , وجعل الاختيار للعبد ﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ , ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ .
                                  - فالنفس تأمر بالسوء , ويقابلها الفطرة التي فطر الله الناس عليها من الخير والتوحيد , وهي وازع الخير في قلب كل مؤمن –كما أخبر النبي- , وهي أيضًا مركبة في أصل النفس ؛ لكن قليل من يُلتفت إليها لقوة الداعي إلى السوء لموافقته لشهوات النفس .

                                  - وكذا الشيطان العدو الخارجي الذي يوسوس في صدور بني آدم , يقابله الملك الذي جعله الله موكلًا بدعوة العبد للخير .

                                  - وكذا قرناء السوء في الخارج , يقابلهم قرناء الخير (الجليس الصالح , والجليس السوء)

                                  - وفوق كل هذا حب الله الخير لعباده , وتوفيقه لهم , وحلمه عليهم , أعظم معين على سلوك طريق الخير والثبات عليه ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَىلِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ , (إن صاحب الشمال ليرفع القلم ست ساعات عن العبد المسلم المخطئ , فإن ندم واستغفر الله منها ألقاها وإلا كتبت واحدة) .

                                  لذلك فإن أصل الخير في النفس لا يقوى إلا بالطاعات وهي من المكاره عند النفس البشرية , فهو ثقيل على النفس , وأصل الشر والخسران لا يقوى إلا بالشهوات والأهواء الموافقة لهوى النفس , فهو محبب إليها , سهل يسير عليها , -وهذا هو أصل الابتلاء وحكمته- لذلك لا يكون العجب فيمن هلك كيف هلك , ولكن العجب فيمن نجى كيف نجى؟
                                  اللهم اجعلنا من الناجين الفائزين .

                                  تعليق


                                  • #17
                                    قوله تعالى: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ .
                                    قال الشيخ الحازمي:
                                    ﴿ إِلَّا هذه أداة استثناء ، والاستثناء : إخراج ما لولاه لدخل فيما قبل ( إلا ) ، يعني فيما كان من المستثنى . وهنا إذا قيل : بأن الإنسان المراد به جنس الإنسان وهو الناس صار الاستثناء متصلاً . اهـ
                                    [وإذا قيل بأن الإنسان المراد به الكافر , كما فسره ابن عباس , يكون الاستثناء منقطع.
                                    والأصل في اللغة أن يكون الاستثناء متصلًا لا منقطعًا , إنما يَرِدُ الانقطاع على الاستثناء إذا اختل شرطان على التحقيق الذي ذكره الشنقيطي في (أضواء البيان) فقال :
                                    ((اعلم أن تحقيقالفرق بين الاستثناء المتصل والمنقطعيحصل بأمرين يتحقق بوجودهما أن الاستثناء متصل ، وإن اختل واحد منهما فهو منقطع : الأول أن يكونالمستثنى من جنس المستثنى منه ، نحو : جاء القوم إلا زيدًا ، فإن كان من غير جنسه فهو منقطع ، نحو : جاءالقوم إلا حمارًا ، والثاني : أن يكون الحكم على المستثنى بنقيض الحكم على المستثنى منه ، ومعلوم أن نقيضالإثبات النفي كالعكس ، ومن هنا كان الاستثناء من النفي إثباتا ، ومن الإثبات نفيا ، فإن كان الحكم علىالمستثنى ليس نقيض الحكم على المستثنى منه فهو منقطع ولو كان المستثنى من جنس المستثنى منه)) . اهـ
                                    فبالقول بأن (الإنسان) عام يشمل كل جنس الإنسان , تحقق شرطا اتصال الاستثناء , وهو الأولى لغةً . فهذا جانب أيضًا في ترجيح قول الجمهور في تفسير (الإنسان) , والله أعلم] .
                                    أما عن الإيمان لغةً :
                                    ورد في تفسير الإيمان لغة أقوال ادعى بعضهم الإجماع عليها –وهو غير صحيح- ورد بعضهم تلك الأقوال بردود مفحمة , وزاد بعضهم في دلالته لغةً بأدلة صحيحة , وكان منشأ الخلاف في تفسير الإيمان لغةً بدعة في دين الله قصرت تعريف الإيمان في الشرع على دلالة من دلالات لفظة الإيمان في اللغة , ألا وهم المرجئة والجهمية .
                                    والحق شرعًا أن الألفاظ الشرعية لابد وأن تغاير المعنى اللغوي لها ؛ وإن حملت بعض دلالاته من اللغة , ألا وإنها في الأغلب تخصص المعنى العام لغةً بأفراد مخصوصة مرادة شرعًا , وهذه ليست بقاعدة شرعية وفقط ؛ بل هي أيضًا قاعدة لغوية , إذ من المعلوم أن كل لفظ في اللغة تختلف دلالته باختلاف الإضافة عينًا أو حسًا : أي بإضافته إلى أعيان معلومة مختلفة فتختلف حقيقته اللغوية باختلاف حقائق الأعيان عند الإضافة , وكذا فقل في الإضافة إلى المعاني من حيث السياقات والأحوال - بل ليس هناك في اللغة لفظ له معنى مجرد عن الإضافة أصلًا - , وكل هذا مقبول عقلًا وشرعًا , بل الأصل في الشرع اعتبار حقائق الألفاظ ومعانيها التي وضعت لها قصدًا من الشارع , وعدم هيمنة غيرها عليها , بل لأبعد من هذا أذهب فأقول لو لم يقبل الشرع اللفظة وردها لوجه في المعنى اللغوي فاسد , لا يجوز استعمالها شرعًا من جهة قصد المعنى اللغوي الصحيح –إلا بدليل من الشرع يصحح الاستعمال- , قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا﴾ , على الرغم من أن المعنى الذي ذهبت إليه يهود بعيد لغةً , ويقينًا لن يقصده الصحابة في خطابهم للنبي , وعلى الرغم من ذلك نهوا عنه تحريمًا ؛ فدل ذلك على أن الشريعة ألفاظ ومعان خاصة مقصودة من الشارع الحكيم , لا تحكم عليها اللغة بعمومها , بل تعطيها الدلالات الموافقة لها شرعًا , والذي يحدد هذه الموافقة السياقات التي تدل على مراد الله من اللفظة , والتي هي مقصودة بحزافيرها , لا يُخرج عنها ولا يُتوسع فيها ؛ وإلا فدونك الابتداع في دين الله , وادعاء الخلل والنقص وعدم البيان , وليس بعد الحق إلا الضلال.

                                    وعلى عجالة هنا أنقل لك – بتصرف - من كتاب ((الإيمان عند السلف وعلاقة العمل به وكشف شبهات المعاصرين)) لمحمد بن محمود آل خضير , الكلام على تعريف الإيمان لغةً:
                                    قال: المبحث الأول : الإيمان لغةً .
                                    اشتهر عند أهل اللغة تعريف الإيمان بالتصديق , حتى ادعى بعضهم الإجماع على ذلك.
                                    قال الزهري: (واتفق أهل العلم من اللغويين وغيرهم أن الإيمان معناه: التصديق) .
                                    ومن أهل اللغة من فسر الإيمان بما يتضمن عمل القلب , ولم يقصره على التصديق , قال ابن منظور: (وَحَدَّ الزجَّاج الإيمان فقال: الإيمان إظهار الخضوع والقبول للشريعة , ولِما أتى به النبي , واعتقاده وتصديقه بالقلب) , وقال الفيروزآبادي: (والإيمان: الثقة , وإظهار الخضوع , وقبول الشريعة) .
                                    والقول بأن الإيمان هو التصديق , رده شيخ الإسلام ابن تيمية (في مجموع الفتاوى) من وجوه كثيرة , حاصلها :
                                    1- أن لفظ التصديق يتعدى بنفسه , دون لفظ الإيمان ؛ فإنه لا يتعدى إلا بالباء أو اللام , فيقال للمخبر إذا صدقته : صدقه , ولا يقال : آمنه وآمن به , بل يقال: آمن له , كما قال تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ , وقال: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ﴾.
                                    2- أنه ليس مرادف للفظ التصديق في المعنى , فإن الإيمان لا يستعمل إلا في الأمر الذي يُؤتمن عليه المُخبر ؛ كالأمر الغائب , بخلاف التصديق فإنه يستعمل في كل خبر (فإن كل مُخبر عن مشاهدة أو غيب يُقال له في اللغة: صدقت , كما يُقال كذبت , فمن قال السماء فوقنا , قيل له: صدق , كما يُقال كذب , وأما لفظ الإيمان فلا يستعمل إلا في الخبر عن غائب , لم يوجد في الكلام أن من أخبر عن مشاهدة – كقوله طلعت الشمس وغربت – أنه يقال له: آمناه , كما يُقال: صدقناه ....
                                    فإن الإيمان مشتق من الأمن , فإنما يُستعمل في خبر يُؤتمن عليه المُخبر , فاللفظ يتضمن معنى التصديق , ومعنى الائتمان والأمانة , كما يدل عليه الاستعمال والاشتقاق, ولهذا قالوا ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ أي لا تُقرُّ بخبرنا ولا تثق به ولا تطمئن إليه , ﴿وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ ؛ لأنهم لم يكونوا عنده ممن يؤتمن على ذلك , فلو صدقوا لم يأمن لهم) .
                                    3- أن لفظ الإيمان في اللغة لم يقابل بالتكذيب كلفظ التصديق , فإنه من المعلوم في اللغة أن كل مخبر يقال له: صدقت أو كذبت , ولا يقال لكل مخبر: آمنا له أو كذبناه , بل المعروف في مقابلة الإيمان لفظ الكفر , والكفر لا يختص بالتكذيب ؛ بل لو قال: أنا أعلم أنك صادق لكن لا أتبعك , بل أعاديك وأبغضك , وأخالفك , ولا أوافقك لكان كفره أعظم , فلما كان الكفر المقابل للإيمان ليس هو التكذيب فقط , عُلم أن الإيمان هو التصديق فقط .
                                    4- أن التصديق إنما يعرض للخبر فقط , فأما الأمر فليس فيه تصديق من حيث كونه أمر , وكلام الله خبر وأمر , فالخبر يستوجب تصديق المُخبر , والأمر يستوجب الانقياد له , والاستسلام , وهو عمل في القلب جِماعه الخضوع والانقياد للأمر.

                                    ورجح ابن تيمية بعد هذه المناقشات كون الإيمان يُفسر لغةً بالإقرار لا التصديق , فقال: (وإنما يُقال آمن له , كما يُقال أقررت له , فكان تفسيره بلفظ الإقرار أقرب من تفسيره بلفظ التصديق مع أن بينهما فرقًا) .
                                    وهذا ما ذهب إليه ابن العثيمين في ((شرح الواسطية)) , فقال: (ولهذا لو فُسر الإيمان بالإقرار لكان أجود , فنقول: الإيمان الإقرار , ولا إقرار إلا بتصديق , فنقول: أقر به , كما نقول: آمن به , وأقر له , كما نقول: آمن له , هذا في اللغة) . اهـ من الإيمان عند السلف

                                    وللشيخ صالح آل الشيخ كلام بديع في هذه المسألة في (اللآلئ البهية في شرح العقيدة الواسطية) , قال (2/372 وما بعدها) :
                                    ((فالإيمان لغةً : مشتق من الأمن أَمِنَ يأمن أمانًا , ومعنى الإيمان في اللغة التصديق والاستجابة , التصديق الجازم , والاستجابة إذا كان فيما صُدِّق استجابة له بعمل , بل إن التصديق في الحقيقة في اللغة وفيما جاء في القرآن لا يُطلق إلا على من استجاب ؛ ولهذا بعض أهل العلم يقول: الإيمان في اللغة هو التصديق الجازم . ولا يذكر قيد الاستجابة ؛ وذاك لأن التصديق لا يكون تصديقًا حتى يكون مستجيبًا فيما كان يحتاج إلى الاستجابة في أمور التصديق .
                                    [قلت: وقد أشار ابن تيمية لهذا المعنى في أكثر من موضع : فتكلم في تلازم إقرار القلب لعمل القلب وعمل الجوارح – وسيأتي معنا- وأشار أيضًا لهذا المعنى بعينه في كلامه على الإيمان في اللغة وذكر في معرضه حديث النبي : (إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ ، فَزِنَا الْعَيْنِ : النَّظَرُ ، وَزِنَا اللِّسَانِ : الْمَنْطِقُ ، وَالنَّفْسُ : تَمَنَّى وَتَشْتَهِي ، وَالْفَرْجُ : يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ) ومعلوم أن تصديق الفرج أو تكذيبه , لا يكون إلا بالعمل أو الكف , والله أعلم] .
                                    ثم قال الشيخ صالح: وقد قال تعالى في قصة إبراهيم مع ابنه إسماعيل: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ *وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ ومعلوم أن إبراهيم كان مصدقًا للرؤيا ؛ لأنه هو الذي رآها , فلم يكن عنده شك من حيث اعتقاد أنه رأى هذا الشئ الذي رآه , ولكن سُمي مصدقًا للرؤية لما استجاب بالفعل ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ متى ذلك؟ ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ؛ فإن التصديق الجازم في لغة العرب تارة يكون من جهة الاعتقاد , وتارة يكون من جهة العمل , فما كان من الأخبار فتصديقه باعتقاده , وما كان من الأوامر والنواهي - يعني: من الإنشاءات – فتصديقه بامتثاله , هذا من جهة دلالة اللغة , وكذلك جاءت في استعمال القرآن .
                                    ... وذالك أن الإيمان اللغوي يُعدى في القرآن باللام , كما أنه في اللغة أيضًا قد يُعدى باللام , قال تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ عُدي الإيمان بالام لأنه هنا تصديق واستجابة , وقال تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾ يعني: التصديق معه الاستجابة , فهذا الإيمان في هذه الآيات هو الإيمان اللغوي .
                                    فضابط استعمال الإيمان اللغوي في القرآن أنه يُعدى باللام غالبًا , وأما إذا عُدي الإيمان في القرآن بالباء , فإنه يُراد منه الإيمان الشرعي المخصوص ؛ كما في قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ هذا بالباء آمن بكذا , هذا الإيمان الشرعي , وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ والآيات في تعدية الإيمان بالباء كثيرة .
                                    لماذا عُدي الإيمان في تلك المواضع باللام ؟ الجواب : لأنه مُضمَّن معنى الاستجابة , أو لأن معناه التصديق والاستجابة , والاستجابة في اللغة تُعدى باللام ؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ .
                                    فإذًا في اللغة الإيمان اعتقاد واستجابة , وفي الشرع صار الإيمان بأشياء مخصوصة , اعتقادًا خاصًا , واستجابةً خاصةً , وزيادة مراتب وشروط وأركان .
                                    إذا تبين ذلك فإن الإيمان الشرعي له صلة بالإيمان اللغوي , والإيمان اللغوي منه العمل –الاستجابة- , حتى التصديق لا يُقال : إنه صدَّق الأمر حتى يمتثله في اللغة , يعني التصديق الجازم)) . اهـ بتصرف يسير

                                    تعليق


                                    • #18
                                      أما الإيمان شرعًا :
                                      قال الشيخ يوسف الغفيص –حفظه الله- في شرح (كتاب الإيمان معالمه وسننه واستكمال درجاته لأبي عبيد القاسم بن سلَّام) :
                                      وألفاظ السلف في القول في مسمى الإيمان متعددة، واختلافها هو من باب الخلاف اللفظي، وهذا أدق من أن يقال: إنه خلاف تنوع .
                                      فإن الخلاف عند النظّار ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
                                      1- خلافٌ لفظي. 2- خلاف تنوع. 3- خلاف تضاد .
                                      وخلاف التضاد: هو أن يكون بين القولين تضاد، أي: لا يمكن اجتماعهما، كأن يقول قائل: إن العمل يسمى إيماناً، ويقول الآخر: إن العمل لا يسمى إيماناً.
                                      وخلاف التنوع: هو أن تكون المادة المستعملة تختص في قول ما لا تختص في القول الآخر، بمعنى: أن صاحب القول الأول يذكر وجهاً من المعنى لا يذكره صاحب القول الثاني، وصاحب القول الثاني يذكر وجهاً من المعنى لا يذكره صاحب القول الأول، ويكون المعنى الأول والثاني كلاهما صحيح، ويحصل التمام باجتماعهما.
                                      وغالب ما يكون خلاف التنوع في كلام السلف في التفسير، فإن الناظر في كتب التفسير كتفسير ابن جرير -وهو أخص كتاب في المأثور- يرى أن أقوال الصحابة والتابعين -ولا سيما من انشغل منهم بالتفسير- فيها اختلافٌ كثير، وعامةُ هذا الاختلاف إما لفظي وإما تنوع [كما ذكرنا في تفسير لفظة (العصر) آنفًا] .
                                      [والخلاف اللفظي: يكون بزيادة أفراد في التعريف بغرض زيادة البيان أو التنصيص وإظهار الاهتمام بشئ معين من ماهية الشئ , كما هو الحال في تعريفات السلف للإيمان] .
                                      الألفاظ المنقولة عن السلف كثيرة:
                                      أشهرها وأكثرها شيوعاً في كلام الأئمة: أن الإيمان قولٌ وعمل، وإن لم يكن هذا هو الشائع عند المتأخرين؛ فإن الشائع في المختصرات عند المتأخرين هو كلام الشافعي : "إن الإيمان قولٌ وعملٌ واعتقاد" وهو مقارب لكلام المصنف.
                                      وقد نقل عن طائفةٍ كـالبخاري في صحيحه في إحدى الروايتين -فإن لفظ البخاري روي بوجهين-: "وقال أبو عبد الله : الإيمان قولٌ وعمل". والرواية المشهورة في صحيح البخاري أن البخاري قال: "وهو قولٌ وفعل" وهذا حرفٌ صحيح .
                                      وقد بحث الشراح عن وجه الفرق بين الفعل والعمل... إلخ، وهذا كله تكلف، حيث إنه لا فرق عند البخاري بين قوله: الإيمان قولٌ وعمل، أو الإيمان قولٌ وفعل، وقد يكون أراد مراداً من التحقيق.. وهذا أمر آخر.
                                      وقال سهل بن عبد الله التستري -وبعض شيوخ العُباد من السلف- لما سئل عن الإيمان ما هو؟ فقال: "الإيمان قولٌ وعملٌ ونية وسنة" . وهؤلاء يعللون قولهم بأن العمل والقول والنية إذا خرج عن السنة صار بدعة .
                                      لكن هل هذا القيد قيد لازم أو قيدٌ بياني؟ هو قيد بياني؛ لأن من المقطوع به أن من قال: الإيمان قولٌ إنما يقصد الأقوال الشرعية وليس البدعية والعادية.
                                      والقيود البيانية من جنس الاصطلاح، لا مشاحة فيها. وإذا قيل: هل الفاضل ذكرها أو تركها؟ قيل: الأمر متعلقٌ بمصلحة ذكرها، فإن كان ذكرها يقتضي مصلحة كفهم المخاطبين كان ذكرها حسناً، وإن كان ذكرها يقتضي قدراً من الاختلاف وإشاعة الخلاف , وما إلى ذلك فإن ذكرها لا يكون مصلحةً ؛ ولهذا العامة والجمهور من السلف لم يزيدوا على قولهم: الإيمان قولٌ وعمل، وقال الشافعي : "قولٌ وعملٌ واعتقاد". وقال المصنف : : "الإيمان بالإخلاص لله بالقلوب وشهادة الألسنة وعمل الجوارح" . وهذه كلها أقوالٌ صحيحة، فمن قال منهم: قولٌ وعمل واعتقاد.. فقوله واضحٌ ، وهو أبين من جهة ذكره للمواضع الثلاثة: أن الإيمان يكون بالقلب، ويكون باللسان، ويكون بعمل الجوارح .

                                      وإنما كان التفصيل –شيئًا ما- في تعريف الإيمان لغةً وشرعًا ؛ لأنها مسألة عظيمة كبيرة الشأن , وإنما كان أمرها كذلك لسببين:
                                      السبب الأول: أنها أول مسألة تنازع فيها أهل القبلة ، ولم يكن قبلها بين المسلمين نزاع في شيء من مسائل أصول الدين، إنما كانوا يختلفون في مسائل الفروع ومسائل الفقه وما يتعلق بذلك.
                                      السبب الثاني: أن حماد بن أبي سليمان ، ومن وافقه من الفقهاء لم يستعملوا في الاستدلال على قولهم شيئاً من الطرق المحدثة المبتدعة ، بل كان طريقهم في الاستدلال هو طريق الأئمة المعروفين، وإنما اشتبه عليهم مقام في كتاب الله، وهو ما ذكر في القرآن كثيراً في قول الله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) وكذلك جملة من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم .

                                      قوله تعالى: ﴿ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ .
                                      الصالحات: وصف لموصوف محذوف , (وعملوا الأعمال الصالحات) ؛ لأن الوصف لا يُعمل .
                                      والصالحات هنا تشمل كل الأعمال الصالحة , كل ما أمر به الوحي من الخير سواءً في ذلك كان واجبًا , أو مستحبًا , ظاهرًا , أو باطنًا , بالقلب , أو باللسان , أو بالجوارح.
                                      قد علمنا من قبل في تعريف الإيمان لغةً وشرعًا أن العمل داخل فيه ركن منه , والأدلة على ذلك كثيرة , منها حديث النبي لوفد عبد القيس: ((آمُرُكُمْ بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ . وَتَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ ؟ شَهَادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ , وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ , وَإِقَامُ الصَّلاةِ , وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ , وَصَوْمُ رَمَضَانَ , وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ الْمَغَانِمِ الْخُمُسَ))
                                      قال الآجري في (الشريعة) :
                                      ((واعلموا رحمنا الله تعالى وإياكم , أني قد تصفحت القرآن , فوجدت فيه ما ذكرته في ستة وخمسين موضعًا من كتاب الله , أن الله , لم يدخل المؤمنين الجنة بالإيمان وحده , بل أدخلهم الجنة برحمته إياهم , وبما وفقهم له من الإيمان به والعمل الصالح , وهذا ردٌّ على من قال: الإيمان: المعرفة , وردٌّ على من قال: المعرفة والقول وإن لم يعمل , نعوذ بالله من قائل هذا)) . اهـ بواسطة
                                      قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (( الفتاوى )) ( 7/209) :
                                      ))قال الشافعي – تعالى - : وكان الإجماع من الصحابة و التابعين بعدهم , ومن أدركناهم , يقولون : الإيمان قول و عمل و نية , و لا يجزئ واحد من الثلاث إلا بالآخر ((.
                                      وورد عنهم (الإيمان قول وعمل ونية وإصابة سنة) وحكى الإجماع على هذا اللفظ الإمام أبو عمر الطلمنكي.

                                      تعليق

                                      19,987
                                      الاعــضـــاء
                                      237,758
                                      الـمــواضـيــع
                                      42,700
                                      الــمــشـــاركـــات
                                      يعمل...
                                      X