• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • يوميات عالم من أهل التفسير في السجن

      يوميات شيخنا عوض بن محمَّد بانجار في السجن
      [align=justify]
      سبق أن ذكرتُ هنا وفاة شيخنا ووالدنا الشيخ عوض بن محمَّد بانجار في يوم الأحد 26 /5/ 1434هـ، الذي فجعت حضرموت خاصة واليمن عامة بوفاته، وما زالت إلى يومنا هذه تقام المحاضرات والندوات والخطب عن حياته وجهوده الدعوية، فهو بحق فارس الدعوة بحضرموت، إذ لم يجهر بها أحد غيره في وقت الشيوعية التي كانت تحكم جنوب اليمن، ولاقى من التعذيب والأذى الشيء الكثير، وامتحن في دين الله، فرفع الله ذكره، وأعلى مكانته، وقد سطَّر شيخنا معاناته في السجن في يوميات ومذكرات له، وهي عبارة عن محاضرة ألقاها في بعض مساجد حضرموت، وكنتُ قد حضرتها وسمعتها منه مباشرة، وفيها من العبر والعظات، أحببتُ نشرها هنا على حلقات متواصلة إن شاء الله تعالى، وما كان مكتوباً بالعامية أو ذكر منطقة من المناطق، أو توضيح، فإني أوضِّح ذلك من عندي باللون الأزرق إن شاء الله تعالى

      أبو إسحاق الحضرمي
      15 /6/ 1434 هـ[/align]

    • #2
      الحلقة الأولى

      قال شيخنا :
      بسم الله الرحمن الرحيم
      الحمد لله حمداً كثيراً طيباً، وصلاة وسلاماً على إمام المرسلين، وسيد الخلق أجمعين، كما ينبغي ويليق له من صلاة وسلام، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن اتبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين.
      وبعد:
      فهذه وريقات ضمنتها أيام خاصة من حياتي، وهي أيام عشتها في سجون الحكم الشمولي (الحزب الاشتراكي) أيام حكمه لجنوب اليمن.
      فقد ولدت بحضرموت بغيل باوزير، وهي تابعة للمكلا ( حضرموت الساحل ) بينما هي الآن مديرية مستقلة.
      ولدت عام: 1366 هـ ،"1945م" ولقد رافقتني النزعة الدينية منذ طفولتي حيث كنت أرافق أبي إلى المسجد وكان إماماً وحافظاً لكتاب الله رحمة واسعة، ولقد أحببتُ الدعوة إلى الله منذ وقت مبكر من حياتي وسرى حبها في عروقي وشراييني.
      والدعوة تعني أنك تؤمن أنت بالفكرة إيماناً جازماً ثم تنطلق بعزيمة وحرقة قاصداً أن يؤمن الناس بما آمنتَ، ويفهموا ما فهمت، ولا تهنأ بطعام وما تغمض لك عين حتى ترى شريعة الله هي الحاكمة ودين الله هو المسيطر.
      ولقد تعلمتُ وأنا في طريق الدعوة إلى الله أموراً كثيرة، وخاصة ما تعلمته وأنا أتنقل في مدرسة يوسف من سجن إلى آخر، ونحن نعلم جميعاً أن للقصة والحدث في القرآن الكريم أهدافاً وعبراً من بين هذه الأهداف:
      العبرة: ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ الآية.
      ومنها التثبيت: ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ الآية.
      إلى غيره من الأهداف والعبر.
      ولهذا فإني لن أسرد أحداث السجن فقط، ولكني سأستخلص من تلك الأحداث العبر والدروس جرياً وراء طريقة القرآن الكريم من قصه للقصص وسرده للأحداث.
      بدأ الإيذاء في (غيل باوزير)، وتمَّ نقلي إلى منطقة (حجر) للتدريس في عام 1975م، وعند وصولي ألقيتُ كلمة بعد صلاة الجمعة، وجاءت إليَّ في اليوم الثاني السبت رسالة تهديد ووعيد، وبعد ذلك تمَّ نقلي إلى منطقه أخرى في حجر (الجول)، وهي منطقة موبوءة، واستدعاني المشرف التعليمي في المنطقة وهدَّد بظلام لا نور فيه إذا استمريتُ في البلبلة كما يزعمون، أضف إلى ذلك ملاحقات واستدعاءات كثيرة.
      وعلمتُ فيما بعد من أحد المسؤولين في أمن الدولة أن الحزب (أي: الحزب الاشتراكي، وهو الحاكم آنذاك) كان يحصي الخطوات، ويعد الأنفاس، وكتبوا ملف كامل به مجموعة من التقارير.

      تعليق


      • #3
        الحلقة الثانية

        قال شيخنا :
        [align=justify]والآن أبدأ أولاً بسرد أحداث السجون الثلاثة التي وقعت عليَّ منذ عام 1400هـ، "1979م":
        ففي حوالي عام: 1396 هـ بدأتُ الدعوة إلى الله ما بين (غيل باوزير)، و(المكلا) في المساجد ودروس خاصة في بيتي والتفَّ الشباب حولي.
        وفي عام 1399 هـ كنتُ أعقد حلقات في مسجد من مساجد (المكلا) عصراً إلى قرب آذان المغرب، وفي مسجد آخر من بعد صلاة المغرب إلى قيام صلاة العشاء، مع أنني أُدرس صباحاً في المدارس الحكومية، فقد كان نشاطاً غريباً مباركاً وكانت السلطات الشيوعية غافلة عنا والأصل أن الله صرفهم عنِّي.
        وفي عام: 1400 هـ، "1979م" تقريباً ذهبتُ إلى منطقة تسمَّى (حوره) بحضرموت الداخل (أي: وادي حضرموت) في زيارة لأهل زوجتي التي كانت من (حوره).

        وفي (حوره) عقدنا حلقات في مسجد الجامع من بعد صلاة المغرب حتى قيام صلاة العشاء، واحتشد الناس وجاءوا من القرى المجاورة، ومن الضواحي، وامتلأت ساحة المسجد الداخلي بالمسجلات، وساحة المسجد الخارجية بالسيارات والسياكل النارية، لتشوق الناس لسماع كلام الله، وقد كُمِّمَت الأفواه وحورب الدين.
        وذلك مما أزعج السلطات الغاشمة التي تحارب كل ما يتصل بالدِّين من قريب أو من بعيد، وما إن مر أسبوع واحد حتى استدعيتُ إلى مركز الحزب (أي الحزب الحاكم) بـ(حوره).
        وسألني مسئول المركز فيما إذا كان عندي ترخيص بالوعظ والتدريس، فقلتُ له: نعم لدي ترخيص من رب العالمين، ومن رسوله عليه الصلاة والسلام، فالله يقول: ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ، والرسول يقول: (( بلغوا عني ولو آية بلغوا عني ولو حديث)).
        ثم قلت للمسئول: ماذا تريدون ؟
        فقال: تحمل مسئوليتك.
        ولكني لم أفهم ماذا يعني: بتحمل مسئوليتك.
        وفي حقيقة الأمر كنا موعودين بإلقاء درس بعد العصر في مسجد (عرض آل بامخاشن) فلمَّا خرجتُ من المركز قلتُ لخال زوجتي: ماذا ترى بعد كلامهم هذا فرد عليَّ: عاد رب فوق العرب. (مثال مشهور).
        فلهذا تشجَّعتُ وذهبتُ إلى العرض لإلقاء الدرس حسب الوعد، فواصلتُ محاضراتي بعد صلاة المغرب في جامع (حوره)، وكان هناك من الجمع ما يشجع على الاستمرار والبذل والجهد الكبير في سبيل إعلاء كلمة الله، ويضرب بتهديدهم ووعيدهم عرض الحائط، وفي نفس اليوم ألقيتُ محاضرة، وبعدها سألني أحد المدفوعين سؤالاً، وقال: بلادنا تنتهج نهج اشتراكي فهل في الإسلام اشتراكية ؟ فأجبته: أن الدين دين كامل شامل فيه كل المحاسن مبرأ من كل المساوئ، وفيه العدل والحكمة والرحمة والمصلحة، وما سوى ذلك فهي أهواء البشر الجهلة وسمِّ هذه الأهواء ما شئت.[/align]
        يتبع إن شاء الله

        تعليق


        • #4
          الحلقة الثالثة

          قال شيخنا :
          [align=justify]فما إن أصبح الصباح وصليتُ الفجر مع المسلمين ثم عدتُ فنمتُ قليلاً فإذا بأهلي ينادونني بأن المليشيا تطلبك، فخرجتُ، فقابلني رجل مخيف في وجهه غبرة ترهقها قترة.
          قلتُ: سبحان الله ما أخبر الله عنه في القرآن عن حال الكفار يوم القيامة نراه في الدنيا واضحاً جلياً في وجوه هؤلاء المجرمين.
          فقادني الرجل إلى المليشيا (أي إلى مقر المليشيا)، وهناك أُخبرتُ أنَّ لديهم أمراً باعتقالي ونقلي إلى سجن (القطن) (منطقة مشهور بوادي حضرموت).
          وكان من مجمل كلامهم أنني أخلَّيتُ بالأمن، وقمتُ بحشد هذا الجمع الكبير في المحاضرة مع أنَّهم لا يستطيعون حشد مثل هذا الجمع إذا أرادوا، فتذكرتُ في هذا الموقف الشخص الذي سألني أثناء المحاضرة عن الاشتراكية، فعلمتُ حين ذلك أنه أحب بسؤالي أن يستدرجني إلى فخ الاشتراكي (أي الحزب الحاكم آنذاك).
          عند ذلك جاءت زوجتي ومعها ولدي محمد، وعمره عشرة أشهر تحمله في يدها وهي تصيح في أفراد المليشيا، فقلتُ لها: يقضي الله ما هو كائن، عودي إلى رحلك.
          فأخذوني من (حوره) إلى سجن (القطن) فأتوا بي إلى مقر المليشيا بـــ(القطن) وجرَّدوني من ثيابي وحزامي وساعتي (ساعة اليد)، وحقَّقوا معي، وقالوا لي في التحقيق:
          مثال من معك من أصحابك ؟
          ما علاقتك بالسعودية ؟
          من أين يأتيك الدعم : ... إلخ.
          ثم قادوني إلى سجن (القطن) فقال مسئول السجن: ضعوه في رقم (1) وامنعوا عنه الزيارات.
          ومكثتُ فيه بقية يومي، وفي آخر النهار جاء كبير رجال المليشيا الذي قادني من (حوره) إلى (القطن) وقال لي: قم معنا إلى (سيئون) فإنهم سيلقنونك درساً لن تنساه وسيحسنون تأديبك بعد أن طعنتَ في الدولة وما تركتَ عيباً إلا وألصقته بالدولة.
          فقادني ومعه حارس آخر أو حارسان وقادوني إلى سجن (سيئون) وهو جهاز أمن الدولة إدارة وسجناً.
          وقد كان سجناً موحشاً ضيقاً غريباً فقد كان عرض الزنزانة ذراع ونصف تقريباً، وارتفاع جدرانه بعيداً جداً، وعند السقف فتحة صغيرة جداً، علماً أنَّ الباب صغير جداً من الخشب القوي يحدث الظلمة والاختناق والوحشة وحدث ولا حرج.
          وأجروا معي تحقيقاً وعذبوني حيث كان الحرَّاس لا يأذنون لي بالخروج إلا مرة واحدة في اليوم الواحد، وإذا خرجتُ استعجلوني قبل قضاء حاجتي، وربما حملوني من مكان قضاء الحاجة حملاً قبل تمامها، وأعادوني إلى زنزانتي، بالإضافة إلى الاستفزاز والإيذاء، ودخل عليَّ رمضان فصمتُ مع أنهم كانوا جميعاً يفطرونه في إعلان وتحدٍّ.
          وقد كنتُ في مدَّة سجني هذا أعيشُ شدَّة وألم شديدين، وذلك لأنني أسجن لأول مرَّة، ولقسوة الحرَّاس واستفزازهم، ولضيق الزنزانة وظلمتها وكانوا يسخرون مني ومن الدين الذي أدين به.[/align]
          يتبع إن شاء الله ....

          تعليق


          • #5
            الحلقة الرابعة

            قال شيخنا :
            [align=justify]وبعد شهرين من الزمان أطلق سراحي.
            فقد أخرجوني ليلاً صبحها يوم (عيد الفطر)، وبقيتُ في ساحة السجن أشعر بالفرح لظني أنه إفراج ولكن الحراس كانوا يهدِّدونني ويتوعدونني بسجن بعده أسوأ.
            وفي الصباح جاء المحقِّق في اليوم الثاني من يوم العيد، وهدَّدني إن أنا عدت لدعوتي سيكون السجن أطول والعذاب أشد.
            ثم أخرجوني وذهبوا بي إلى أصهاري (أي: أقارب زوجته) في (حوره) وعلمتُ حينها أنه إفراج على الحقيقة، وبعدها سافرتُ إلى أهلي بــــ(الغيل) (أي: بمنطقة غيل باوزير).
            ولكني لم أترك الدعوة إلى الله بعد خروجي، فقد ملك حبها عليِّ أقطار نفسي، فلم أصبر وتجمَّع الشباب حولي هذه المرة بالعشرات، بل بالمئات فكان بيننا الحب في الله، وكانت اللقاءات الإيمانية، إلى جانب الدعوة العامة في المساجد، والرحلات الدعوية والترفيهية.
            وفي عام 1402هـ الموافق: "1981م" وفي آخر شهر ذي الحجة، وقد كان الشباب يتجمَّعون معي كل ليلة في زيارة لأحدهم في بيته، ونعقد حلقة، ولكن (الحزب الحاكم) لم يرضَ بهذا وغاظه ما يرى من تجمعنا، ونحن نمشي، ونحن نلتقي، ولعبتْ برأسه الظنون.
            وفي مساء يوم العشرين من ذي الحجة عام 1402هـ الموافق: "1981م" كان جنود وزبانية (الحزب الاشتراكي) يطوقون المسجد ويطوقون بيتي.
            فما إن قضيتُ صلاة العشاء، وقصدتُ بيتي إلا وسمعتُ من ينادي عليَّ فالتفتُّ فشاهدتُ وجهاً مظلماً كالذي رأيته بــ(حورة) يقول لي: عندنا أمر باعتقالك وتفتيش بيتك.
            ودخلوا البيت فأقلقوا أمنه، ولم يرحموا صراخ امرأة، ولا بكاء طفل، ولم يحترموا مصحفاً، ولا كتباً إسلامية، فقد وطئت أقدامهم المصاحف والكتب، وفتشوا تفتيشاً دقيقاً، وعملوا حراسةً عليَّ في بيتي حيث أنِّي أردتُ دخول (دورة المياه) في بيتي، فقال أحدهم: دعنا نفتشه.
            وبعد أن خرجتُ شاهدتهم يحركون قلماً خوفاً أن فيه قنبله أو شيء متفجر، ودخلوا غرفة نومي التي هي عبارة عن غرفة نوم لي ولزوجتي وأطفالي، وفيها مكتبتي، فعاثوا فساداً فيها وكادوا يقتلون أحد أطفالي الذي كان نائماً هناك، وأخذوا من مكتبتي كل شيء، فلم يتركوا أخضراً ولا يابساً (من كتب ومجلات وسجلات ورسائل حتى أوراق العلاج وشهادات المدارس).
            ثم اقتادوني إلى مليشيا (غيل باوزير) أولاً، ومنها إلى جهاز أمن الدولة بالمكلا.
            وبتُّ في إحدى المخازن وأنا أسمع طول ليلتي أصوات الأسلحة فلا أدري أهم يتفقدونها ويصلحونها أم هم أرادوا إرعابي وإزعاجي.
            وبتُّ بشر ليلة بلا عشاء، وفي إزعاج مستمر، ولكني طلبت الوضوء فصليتُ وبتُّ ألهج بذكر ربي.
            وفي الصباح جاء أحد رجالات الأمن وقال لي: هيَّا قم.
            فقلتُ: إلى أين ؟
            قال: إلى جهنم.
            فاقتادوني إلى سجن المنورة المركزي بــ(المكلا)، ومكثتُ فيه نصف شهر، أجروا خلاله بعض التحقيقات.
            وبعدها جاءني محقِّق عدني ومعه جنديان مسلحان وقال لي المحقق: قم إلى عدن، وهناك سيفقشوك -يقصد سيقتلوك- وتحركت بنا السيارة، ولكنها اتجهت إلى ناحية (حضرموت الداخل) وطول الطريق كان المحقق العدني يهدِّدنني بالقتل.
            وقال لي: نحن نستطيع أن نقتلك ولن يحاسبنا أحد.
            ومرَّ بنا على جبل فقال لي: أترى هذا الجبل، فحزبنا (يقصد الحزب الحاكم آنذاك) ثابت راسخ مثل هذا الجبل.
            فقلتُ: سبحان الله لقد قال في كتابه: ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ الآية.[/align]
            يتبع إن شاء الله ...

            تعليق

            19,982
            الاعــضـــاء
            237,726
            الـمــواضـيــع
            42,690
            الــمــشـــاركـــات
            يعمل...
            X