• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • فقه الدعاء




      فقه الدعاء

      مابالنا ندعو فلا يستجاب لنا !!!؟؟

      قيل لابراهيم بن ادهم () :

      مابالنا ندعو فلا يستجاب لنا؟ .

      فقال :

      1 ـ لأنكم عرفتم الله فلم تطيعوه

      2 ـ وعرفتم الرسول فلم تتبعوا سنته

      3 ـ وعرفتم القران فلم تعملوا به

      4 ـ واكلتم نعم الله فلم تؤدوا شكرها

      5 ـ وعرفتم الجنةفلم تطلبوها

      6 ـ وعرفتم النارفلم تهربوا منها

      7 ـ وعرفتم الشيطان فلم تحاربوه ووافقتموه

      8 ـ وعرفتم الموت فلم تستعدوا له

      9 ـ ودفنتم الاموات فلم تعتبروا

      10 ـ وتركتم عيوبكم واشتغلتم بعيوب الناس .

      اخطأ السائل..والمجيب..

      اخطأ السائل لأنه خالف تعاليم رسول الله ..وأخطأ المجيب لأنه نصب نفسه وكيلا عن الله في الإجابة..
      فاتقوا الله، والجؤا إليه ابتداء وفي كل نائبة أو نازلة تنـزل بكم بفرد أو بجماعة، تنـزل بكم في مال أو في ولد أو في صحة أو في صلاة اجتماعية
      أو في أمور أخرى، الجئوا إلى الله فيها وتوسلوا إلى الله بأسمائه فقد أمرنا بذلكم في قوله :
      ( وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ) [الأعراف:180]، توسلوا إليه فراداً أو جماعات باللجوء من القلوب الموحدة لله المعتقدة في الله
      ما يليق بكماله وجلالة قائلين: اللهم أنا نسألك بأسمائك الحسنى كذا أو كذا، وسموا حاجاتكم من أمر الدين أو الدني
      ا ( رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)[البقرة:201]..
      ( رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا)[الفرقان:74].
      وإذا دعوتم الله فليكن مطعمكم حلال وقولكم حلال يقول عليه الصلاة والسلام: [ إن الله طيب لا يقبل إلى طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين،
      فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ) [المؤمنون:51]، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ)[البقرة:172]
      وإياكم والاستعجال فإن المرء كان لا يدري ما كان على دعائه، إياكم أن تستعجلوا أو أن تقولوا دعونا فلم يستجب لنا،
      ففي الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن أنس رضي الله تعالى عنه: [ لا يزال العبد بخير ما لم يستعجل، يقول: دعوات فلم يستجب لي ].
      فلتطلبوا القربى من الله بدعائه بإخلاص واحتساب ورغب ورهب، إن الله أثنى على آل زكريا فقال :
      ( إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) الأنبياء:90.
      فوصية الله التي أوصانا بها في كتابه المبين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) [آل عمران: 102].

      أمامنا باب خلفه ووراءه كنوز ثمينة، وأعطيات جزيلة، لا تقتصر على ذهب وفضة، بل تتجاوزها إلى صحة الأبدان وعلاج الأمراض،
      بل إنها تزيد على ذلك تنفيس الهموم وتفريج الكروب، بل إنها تتجاوز هذا وذاك، فيجد المرء وراء الباب كل ما يخطر على باله وما تطمح إليه نفسه.

      ما المطلوب؟! جهد قليل وعمل يسير، اطرق الباب، انتظر، أعد طرقه مرة أخرى، لا تتعجل، أخرج المفاتيح، جربها واحدًا فواحدًا حتى يفتح،
      واليقين أنه سيفتح، والجزم أنه سيفتح، وأنك بعد أن يفتح ستمد يديك وتغرف كما تشاء، وستنظر بعينيك فلن تدرك عظمة ما ترى.

      هل نحن نتحدث عن أحجية؟! إننا نتحدث عن أمر موصول في كل آنٍ وحين، وفي كل وقت وزمان، لكن له خصوصية في شهر رمضان،
      والذي هو على الأبواب.. إنه الباب الذي إذا طرقناه وجدنا وراءه وإثره أعطيات الرحمن ، الدعاء الذي نطرق به أبواب السماء،
      الدعاء الذي نستمطر به سحائب العطاء، الدعاء الذي يفيض فيه علينا من يملك خزائن السماوات والأرض ولا يعجزه شيء فيهما رب الأرض والسماء.

      لماذا نتحدث عنه؟! لأن له في شهرنا وعبادتنا هذه خصوصيات ينبغي لنا أن نفقهها وأن نغتنمها.


      أولها: وردت الآيات العظيمة في الدعاء في وسط آيات الصيام: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ
      فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) [البقرة : 186]، قبلها آيات الصيام وبعدها آيات للصيام كذلك، فكأن هذه الاستجابة لهذا
      خصوصية وأفضلية في هذا الشهر العظيم، والأمر كذلك.فانتبوا...إذ الشهر الفضيل على الأبواب..

      وتدل عليه أحاديث رسولنا ؛ فقد روى ابن ماجه في سننه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص
      أن رسول الله قال: "إن للصائم عند فطره دعوة لا تُرَدّ"، وقد حسّن بعض أهل العلم الحديث، ويشهد له كذلك
      حديث رسول الله وهو صحيح: "ثلاث دعوات لا تُرَدّ: دعوة الوالد، ودعوة الصائم، ودعوة المسافر"،
      وكذلكم حديث أبي هريرة عند الترمذي في سننه وعند أحمد في مسنده عند رسول الله أنه قال:
      "ثلاثة لا تُرد دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام ويفتح لها أبواب السماء ويقول مقسمًا: لأنصرنك ولو بعد حين
      فثمة خصوصية نراها في هذا الصيام وفي هذا الشهر الكريم، لماذا؟! لأن العبد يكون فيها أكثر إخلاصًا لربه ومولاه.

      والله يقول كما في الحديث القدسي: "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم؛ فإنه لي وأنا أجزي به"، لماذا؟! لأنه لا يقصد إلا وجه الله،
      ولا يظهر في صيامه رياء، ولأنه يكون كذلك متلبسًا بالطاعات.

      وإليكم مزيدًا من وجوه الاختصاص؛ فإن الأوقات الفاضلة التي وردت النصوص بأنها أوقات لإجابة الدعاء لها خصوصية في شهر رمضان:
      "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد"، كما عند البخاري من حديث أبي هريرة، وكم نسجد في رمضان؟! أكثر أو لا؟!
      وكم يكون سجودنا في رمضان أكثر إخلاصًا وأكثر حضورًا للقلب أو لا؟!

      وانظر كذلك إلى حديث رسول الله : "ينزل ربنا حين يبقى الثلث الأخير من الليل، فيقول : من يدعوني فأستجيب له،
      من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له"، وأين نكون في هذا الوقت من الثلث الأخير من الليل في رمضان؟! نكون غالبًا مستيقظين،
      نكون متسحرين، نكون مستغفرين، نكون في حال من الطاعة متلبسين، فيكون ذلك أقرب إلى إجابة الدعوة.

      وفي حديث جابر عند مسلم في صحيحه عن رسول الله أنه قال: "إن في الليل ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله
      من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه، وذلك كل ليلة".

      فإذًا هذا هو الباب، لا يحتاج منا إلا إلى الطرق، والوعد من الله قائم، تأملوا الفضل من الله وهو الغني عنا!
      تأملوا الرحمة من الله ونحن الغافلون عن ذكره! تأملوا كرم الله ونحن الواقعون في معصيته!
      (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) [البقرة : 186].

      كان النبي مع بعض أصحابه، فرفعوا أصواتهم يكبرون فقال النبي : "اربعوا على أنفسكم؛
      فإنكم لا تدعون أصمّ ولا غائبًا، وإنما تدعون سميعًا قريبًا"، كما قال الحق : (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) [ق: 16].

      وتأمل فضله : (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) [غافر : 60]، وتأملوا الإعجاز القرآني القائل: هو رب الأرباب ،
      وأضاف كاف الخطاب للتحبب والتقرب: (رَبُّكُمْ)، ربنا الذي ننتسب إلى فضله وإلى كونه خالقنا ورازقنا يقول: (ادْعُونِي) بفعل الأمر،
      افعل فقط الأمر تأتك النتيجة بفعل جواب الشرط مباشرة من غير تعقيب بفاء ولا ثم ولا شيء: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ
      ألا نصدق قول الله ؟! ألا نوقن بوعده؟! ألا نكون على بينة من أمرنا في آيات ربنا ؟!

      (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ) [النمل: 62]، (يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ)، ويجيب بصيغة المضارع
      التي تدل على الاستمرار، وهذا حديث رسول الله القدسي يرويه أبو ذر، وهو الطويل: "لو أن أولكم وآخركم وإنسكم
      وجنكم كانوا على صعيد واحد، فسألني كل واحد مسألته فأعطيته إياها، لم ينقص ذلك من ملكي شيئًا إلا كما ينقص المخيط إذا غمس في ماء البحر"، هل نستعظم ما نطلب؟!


      هل تستعظم ذنبك أن يغفره من قال: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً) [الزمر : 53]،
      هل تستعظم آثامك ومعاصيك وربك يقول: (إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ) [النساء : 48]،
      هل تستعظم ذلك ورسولك فيما صح من حديث أنس يقول: "من سبّح بعد صلاته ثلاثًا وثلاثين، وحمد ثلاثًا وثلاثين،
      وكبّر ثلاثًا وثلاثين، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، إلا غُفر له خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر".

      ألا نسمع ونعرف حديث رسول الله يرويه عن رب العزة والجلال: "ابن آدم: لو لقيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك
      بي شيئًا لقيتك بقرابها مغفرة ولا أبالي"، سبحانك ما أعظمك!!

      لم لا يكون في قلوبنا اليقين الجازم؟! لأن المطلوب منا أن نحرك قلوبنا، أن ننطق بألسنتنا، أن نرفع أيدينا، ألم تستمعوا إلى حديث
      رسول الله عند الترمذي وغيره في السنن: "إن الله حيي ستير كريم يستحيي إذا رفع العبد يديه أن يردهما صفرًا
      لا ترجع من سؤال الله خائبًا، ولا ترجع من بابه مطرودًا، ونحن في هذه العبادة وفي هذا الموسم وفي هذا الفضل العظيم وفي هذه الأيام المباركة
      والليالي الفاضلة في كل ذلك، أفلا يكون هذا أرجى وأكثر قبولاً وتيسيرًا عند الله .

      وفي الحديث المتفق عليه عند الشيخين عن رسول الله : "لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارزقني إن شئت،
      فليعزم المسألة، فإن الله لا مُكْرِه له"، إن شئت! نعم هو يشاء ولا راد لمشيئته، فلا تعلِّق ولا تتشكّك، ولا يكن في نفسك تردد، بل اجزم بدعائك،
      واجزم بيقينك، واجزم بإيمانك، واجزم بإقبالك على ربك وطاعتك لمولاك أنه سيعطيك، وعطاؤه لك لا ينقص من ملكه شيئًا،
      وأنه سيعطيك، وعطاؤه لك يليق بجلال عظمته وكرمه وجوده وصفحه وعفوه ومقدرته ورضوانه --.

      وفي حديث مسلم في هذا الحديث في رواية أخرى: "ولكن ليعزم وليعظم الرغبة، فإن الله لا يتعاظمه شيء"، لا تقل: هذا عظيم!
      إن ذهبت إليّ أو إلى غيري من أهل الدنيا خشيت إن سألته الكثير أن يستكثره، لكن الله -- لا يُستكثر في سؤاله شيء مطلقًا،
      ولا يستقل في سؤاله مطلقًا، فإن بعض السلف كان يسأل الله إذا انقطع شسع نعله، يسأل في كل أمر من الصغير والكبير، من اليسير والعسير؛ لأنه بيده كل شيء.

      ولذلك عندما ننتبه نجد أن هذه الخصوصية تحتاج منا أن نغتنمها وننتفع بها، وأن يكون كل تعلقنا بقلوبنا الخافقة، وجباهنا الساجدة،
      وألسنتنا الذاكرة، وأعيننا الدامعة، وأيدينا المرفوعة، كلها موصولة متعلقة بالله وليس بأحد سواه، لن يعطيك أحد شيئًا إلا من عطاء الله ،
      لن يبرئك من مرضك طبيب، بل الطبيب والشافي هو الله ، ثق بذلك وأيقن به، واستمع إلى ابن مسعود فيما يرويه
      عن رسول الله : "من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد، ومن أنزلها بالله فيوشك الله له برزق عاجل أو آجل
      أنزل مسألتك بربك، وضع فاقتك وحاجتك بين يدي مولاك، واصدق وأخلص، فقد ورد في حديث النبي :
      "من أراد أن يستجيب الله له في الشدة فليكثر من الدعاء في الرخاء".

      وورد في بعض الآثار أن العبد إذا دعا في شدة قال الله لبعض ملائكته: "إن هذا صوت معروف أو مألوف يدعو دائمًا"، يسأل الله دائمًا،
      لا يكتفي بأن يسأل الله إذا ضاقت به الأمور وسدّت في وجهه الأبواب؛ لأنه يعلم أن كل أسبابه التي بين يديه إنما يسرها وسخّرها له الله،
      فهو يسأل في كل لحظة وآن، ويسأل في كل أمر وخطب، ويسأل في كل ظرف وحال، ويعلّق قلبه بالله دائمًا وأبدًا.

      ولذلك ننظر هنا إلى هذه الحقائق في خصوصية رمضان مع الدعاء، وفي هذه الحقائق التي تجلّي لنا عظمة ربنا وخالقنا في فضله وعفوه وعطائه،
      من لا تنفد خزائنه ، وهو الذي يغضب إذا ترك العباد سؤاله كما ورد في حديث النبي ،
      أنا وأنت إذا سألنا هذا تضايقنا، فإذا عاد السؤال ربما زاد ضيقنا، فإذا عاد السؤال ثالثة أو رابعة تبرّمنا بهم وضقنا بهم ذرعًا،
      والله يحب العبد الملحاح الذي يكثر السؤال ويكرر الدعاء ويديم تعظيم ربه ومولاه .

      ولذلك من أعظم وأجلّ آداب الدعاء أن تقدمه وتقدم بين يديه المدح والثناء لله : "اللهم لك الحمد أنت خالق السماوات
      والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيوم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن".
      كما قال رسول الله في معرض الثناء على ربه بين يدي دعائه وسؤاله لربه ومولاه.


      ووقفتنا الأخيرة هنا في هذا المقام إلى سادات الناس وأشرافهم، إلى صفوة خلق الله من رسله وأنبيائه، أليسوا هم الموصولين بالسماء والوحي؟!
      أليسوا هم أصدق الناس إيمانًا وأخلصهم توحيدًا؟! أليسوا هم أكثرهم طاعة وأشدهم عبادة ومع ذلك تمتلئ آيات القرآن بدعائهم لله .

      وتأتي الآيات بالاستجابة المباشرة، وهذا أيوب : (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) [الأنبياء : 83] لم يقل شيئًا أكثر
      من وصف حاله وافتقاره ثم ثنائه على ربه ، مسني الضر بالمرض وأنت رحمن رحيم، هذا يكفي! عندما تتذلل بضعفك، عندما تقرّ بذنبك،
      عندما تتبتل إلى ربك ثم تناجي عظمته ثم تذكر جلاله وعظمته، ثم تذكر فضله وكرمه، فإن من أعظم الدعاء الذي
      أخبر النبي عن خصوصيته وفضيلته: "اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني"، فإذا كان العفو صفة له،
      وإذا كان العفو له محبوبًا، فلمَ لا يعفو عمن يسأله العفو ، وهكذا ننظر إلى دعاء الأنبياء، إلى ذكرهم، كيف
      كان يونس في بطن الحوت!! كيف قال: (فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) [الأنبياء : 87]،
      كما قال آدم وزوجه: (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [الأعراف : 23]، كل النتائج نعرفها،
      استجابة الحق ، بل الأمر في الجانب الآخر في جانب مواجهة الأعداء، ومواجهة الذين يحاربون دين الله -
      والذين يقتلون عباده، ليس شيء إلا الاستنصار بالله .

      ماذا صنع نوح بعد ألف سنة إلا خمسين عامًا؟! رفع يده إلى السماء: (أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ *
      وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ) [القمر: 10-13].

      إنه ليس شيء إلا ذلك الدعاء الخالص، تتغير به الأجواء، تتغير به المسلّمات والقواعد الثابتة، ويوم كبّر رسول الله
      في يوم الأحزاب، فإذا بالريح تتحول إلى جند من جند الله تطفئ النيران، تقلع الخيام، تكفأ القدور، تطرد أولئك المعتدين وتفرّق جمعهم،
      ويوم بدر وما أدراك ما يوم بدر ونحن نستقبل ذكراه أو موافقته قريبًا، أي شيء صنع سيد الخلق ؟!
      وهو لم يخرج لقتال ولم يكن معه إلا عدد يسير، ولم يكن عندهم من السلاح إلا السيوف في قرابها، توجّه في عريشه إلى ربه:
      "اللهم إن هذه قريش جاءت بخيلائها وكبريائها تحاد دينك وتحارب رسولك، اللهم فاهزمهم الغداة، اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تُعبَد في الأرض أبدًا
      ويدعو ويدعو حتى قال أبو بكر: "حسبك يا رسول الله، فإن الله منجز لك ما وعدك"، فإذا برسول الله يعيّن مصارع القوم:
      "هذا مصرع أبي جهل، هذا مصرع أُبي بن خلف، هذا مصرع أمية بن خلف"، فلم يعد واحد منهم الموضع
      الذي عيّنه رسول الله : (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى) [الأنفال : 17]، (وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللهِ) [آل عمران: 126].

      ماذا صنع موسى مع طغيان فرعون، دعا ربه، انفلق البحر وتغيّرت نواميس الكون والطبيعة كلها،
      ماذا صنع إبراهيم وهو سيلقى في النار؟! بقلبه، بلسانه، تعلّق بربه: (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ) [الأنبياء : 69].

      ينبغي أن نعظّم يقيننا بعطاء ربنا وعفوه، بقدرته، بالهم الذي يفرجه، بالكرب الذي ينفّسه، بالخير الذي يبسطه، بالرزق الذي يعطيه ،
      ونحن نقترب من شهر نحن أقرب إلى الله من غيره، نحن نصوم ونصلي ونخلص وندعو ونستكثر من الخير، فلا يفوتنك أن تطرق الباب وأن تلزمه فيفتح،
      وهو مفتوح جزمًا، وسيكون العطاء الذي لا يحدّه وصف ولا يحيطه حد؛ لأنه ممن لا تنفد خزائنه .

      أسأل الله أن يجيب دعاءنا، وأن يعطينا سؤلنا، وأن ينيلنا مما نسأله كل ما يحب لنا ويرضى، إنه ولي ذلك والقادر عليه

    • #2
      الدعاء والقضاء


      هل يغير الدعاء من القضاء

      تابعوا معي
      عن إبراهيم يقول
      (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ )الأنعام:84
      وعن زكريا يقول
      (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ) الأنبياء : 90
      أنه قدم هبة يحيى لزكريا على إصلاح الزوجة من باب التنبيه على أن وهب يحيى ليس موقوفا على صلاح الزوجة بل هو بمحض القدرة الإلهية
      والقاعدة القرءانية
      ( لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ ) الشورى : 49
      (أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ )الشورى : 50
      إذن فالحمل كله يقع ضمن مشيئة الله وضمن طلاقة قدرته
      يقول ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة
      وقد أمدّنا القرآن بشواهد ونماذج واقعية من دعاء الأنبياء، واستجابة الدعاء لهم بعد وقوع البلاء بهم، وتغيير الحوادث والوقائع:
      (ونُوحاً إذ نَادى مِن قَبلُ فاستَجَبْنا لَهُ فَنجّيْناه وَأهلَهُ مِن الكَرْبِ العَظيم) .(الانبياء ـ 76)
      (وأيّوبَ إذ نادى ربَّهُ أنّي مسَّني الضُّرُّ وأنتَ أرْحمُ الرَّاحمين *فاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِن ضُرٍّ وآتيناه أهلَهُ
      ومِثْلَهُمْ مَعَهُم رَحمةً من عِندِنا وِذكرى للِعابدين) .(الانبياء / 83 ـ 84)
      (وذا النُّون إذ ذَهَبَ مُغاضباً فَظَنَّ أن لَن نَقدِر عليه فَنادى في الظُّلمات أن لا إلهَ إلاَّ أنْتَ سُبحانَكَ إنّي كُنْتُ مِن الظَّالمين *
      فاسْتَجَبْنا لَهُ وَنجَّيناه مِن الغَمِّ وَكذلِكَ نُنْجِي المُؤمنين) .(الانبياء / 87 ـ 88)

      (وزكريّا إذ نادى ربّهُ ربّ لا تذَرني فَرداً وأنت خَيْرُ الوارثين * فاسْتَجَبنا لَهُ وَوَهَبنا لَهُ يحيى وأصْلحنا لَهُ زَوْجَهُ . . .) .(الانبياء / 89 ـ 90)

      فهذا العرض القرآني الصريح يكشف لنا بوضوح تام، العلاقة السببية بين الدعاء وتغير الحوادث والوقائع الجارية في دنيا الإنسان .
      وإنّ كل هذه الحقائق تجري وفق الحقيقة الكبرى التي عبّر عنها الوحي الإلهي بقوله:
      ( . . . لِكُلّ أجَل كَتابٌ * يَمحُو اللهُ ما يشاءُ ويُثبِتُ وعِندهٌ أمُّ الكِتاب) .(الرعد / 38 ـ 39)
      فالله يغير ويبدّل الامور والحوادث بمشيئته، ووفق إرادته وقضاء محكم وترابط التقدير وليس هدماً طارئاً للقضاء والقدر الذي ثبت بحكمة الله ومن غير تقدير، أو علم إلهي مسبق .
      أمّا الحديثان اللّذان يوضّحان أن الدعاء إنما يقع سبباً وفق قضاء الله، لتنفيذ ما أراد الله وقضى بخفي علمه ولطفه، من تغيير الحوادث والوقائع التي ستحدث:
      (إذا أُلهِمَ أحَدُكُم الدعاءَ عندَ البَلاء فاعلموا أنَّ البَلاء قصير).
      (إن الله عزَّ وجلَّ لَيَدفَع بالدعاء الأمر الذي علمه إن يدعى له فيستجيب، ولولا ما وفّق العبد من ذلك الدعاء لأصابه منه ما يجثّه من جديد الأرض).
      وبالتأمل بنص هذين الحديثين، والتدقيق بهما والوقوف عند العبارات (أُلهِم)، (الأمر الذي علمه ان يدعى له فيستجيب)، (ولولا ما وفق العبد)،
      وبالوقوف عند هذه العبارات، نجد أنّ الالهام والتوفيق من الله كانا لسابق علم الله بأنّ العبد سيبتلى وإنّ الله يريد المنّة عليه واللطف به،
      فقضى بحكمه أن يلهمه الدعاء ويوفقه إلى المسألة بكشف الضرّ عنه، فيكشف عنه ضرّه، ويجيب له طلبه تعبيداً للإنسان، وإشعاراً له بحاجته إلى الله سبحانه، وبفضل الله ولطفه به .
      وبذا يتّضح لنا انّ علم الله وقضاءه لا يتناقضان مع الدعاء، وانّ التغيّر في الأحداث والوقائع التي تجري على الإنسان إنما تجري
      وفق علم مسبق بحدوث الشيء وبتغيره، وان هذا التغيير جرى على أساس من قاعدة السببية الجارية على كل حقيقة في عالم الإنسان .
      وإن العلم الإلهي والقضاء محيطان بهذا التغيير وسابقان له ولا شيء يكون جديداً أو متعارضاً مع قضاء الله وعلمه.
      فالله يعلم بالحوادث، وبتغييرها، وعلى أساس هذا العلم كان القضاء، قضاء بوقوع الحوادث، وقضاء بجعل الدعاء سبباً للتغيير، وقضاء بالتغيير .

      تعليق

      20,022
      الاعــضـــاء
      238,002
      الـمــواضـيــع
      42,795
      الــمــشـــاركـــات
      يعمل...
      X