إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • إيضاح قول الجويني في مسألة عدد أهل الاختيار في عقد الإمامة

    بسم الله الرحمن الرحيم
    إيضاح قول الجويني في مسألة عدد أهل الاختيار في عقد الإمامة
    من الاعتراضات العصريَّةِ الشهيرة على التراث الفقهي والكلامي في باب الإمامة : عدم إعطائه مسألة الشورى حقها من تأصيل القواعد وبيان الآليات التي تتيح تفعيل الشورى في نظام الحكم .
    ويقولون : إن تراث المسلمين في باب الإمامة يُنظِّر للاستبداد .
    وفي هذا السياق : يضرب هؤلاء المعترضون قول إمام الحرمين أبي المعالي الجويني تعالى في الاكتفاء برجل واحد في عقد الإمامة ؛ يضربونه مثالًا على تكريس التراث الفقهي للاستبداد وسلب الأمة حقها في اختيار من يحكمها ، وربما يعرضونه في قالب من التهكم والسخرية ، حتى يخيل للناظر أن الاستهتار والحمق قد وصل بالجويني غايته عندما قال قوله هذا !!
    فما حقيقة قول الجويني ؟ وما أصله ؟
    من المعلوم لدى الدارسين لكتب الاعتقاد أن باب الإمامة هو أحد الأبواب الأصليَّة فيها ، إذ لما كان مقصود علم الاعتقاد تقرير العقائد الدينية بإيراد الحجج ودفع الشبه ، وكان لطوائف المبتدعة من الخوارج والشيعة مخالفات في هذه المسألة ، احتاج العلماء أن يفردوا بابًا لتحقيق ذلك المقصود في هذه المسألة .
    وقد صنف إمام الحرمين كتاب النظامي ( العقيدة النظامية ) وضمنه أبواب الاعتقاد عدا باب الإمامة ، ثم أتبعه بكتاب الغياثي ( غياثُ الأمم في التِيَاث الظُّلَم ) وجعله خاصًّا بباب الإمامة ، وبحث فيه بعض المسائل الجديدة التي احتيج إليها في وقته ، مثل مسألة الوظائف السلطانية المرصودة للجهاد ، وشغور الزمان عن الأئمة ، وكلا الكتابين صنفهما للوزير السلجوقي نظام الملك تعالى .
    ومن عادة المتكلمين أنهم يقررون القول بوجوب الإمامة وجوبًا شرعيًّا ، ويبطلون قول من أوجبها بالعقل ، ثم يحصرون مسالك إثباتها في النص والاختيار ، ثم يبطلون القول بالنص ، فينحصر طريق إثباتها بالاختيار ، فيحتاجون إلى الكلام عن أهل الاختيار وعددهم .
    وقد ذكر إمام الحرمين وظيفة أهل الاختيار وحاصلها : النظر في من يستحق الإمامة ، ثم تعيين واحد من الذين اجتمعت فيهم الصفات المشروطة شرعًا في الإمام حتى يقعدوا له عقد الإمامة ، وخلع الإمام إذا استحق الخلع .
    وهذا ينبغي التفطن له ، إذ قد يُتوَهَّم أن أهل الاختيار - أو أهل الحل والعقد – الذين يتحدث عنهم الجويني وغيره تقوم وظيفتهم في النظام الإسلامي مقام السلطة التشريعية في الدولة الحديثة ، وهذا غلط جلي ، بل قد قرر الجويني أن أهل الاختيار يمكن الاستغناء عنهم في العقد عندما ينفرد في الزمان متأهل للإمامة مستجمع لشروطها ذو شوكة يحصل بها مقصود الإمامة .
    ثم ذكر الجويني صفات أهل الاختيار : كالذكورة والحرية والعلم وخلافًا في اشتراط الاجتهاد ، ومن أهم الصفات التي ذكرها : أن " يستعقب عقده منعة وشوكة للإمام المعقود له ، بحيث لا يبعد من الإمام أن يصادم بها من نابذه وناواه، ويقارع من خالفه وعاداه " .
    يقول الجويني : " فالوجه عندي في ذلك أن يُعتبر في البيعة حصول مبلغ من الأتباع والأنصار والأشياع تحصل بهم شوكة ظاهرة ومنعة قاهرة ، بحيث لو فُرِض ثوران خلاف ، لما غلب على الظن أن يُصطَلَم أتباع الإمام ، فإذا تأكدت البيعة ، وتأطَّدَت بالشوكة والعدد والعدد ، واعتضدت وتأيدت بالمنة ، واستظهرت بأسباب الاستيلاء والاستعلاء ، فإذ ذاك تثبت الإمامة وتستقر ، وتتأكد الولاية وتستمر " .
    [ الغياثي (ص250-251) ] .
    وهذه الصفة حاصلةٌ في الإمامة القهرية كما هو معلوم ، لكنها مشروطة أيضًا في الإمامة الاختيارية - التي يعقدها أهل الاختيار - ؛ يشترط فيهم أن يكون وراءهم من الشوكة والعدة ما يحصل به مقصود الإمامة من إقامة الدين وسياسة الدنيا به ، وإلا لم تكن إمامةً .
    ولما جاء إمام الحرمين إلى ذكر عدد أهل الاختيار قال : " وأقرب المذاهب ما ارتضاه القاضي أبو بكر (الباقلاني) ، وهو المنقول عن شيخنا أبي الحسن (الأشعري) وهو أن الإمامة تثبت بمبايعة رجل واحد من أهل العقد .
    ووجه هذا المذهب : أنه تقرر أن الإجماع ليس شرطًا في عقد الإمامة ، ثم لم يثبت توقيف في عدد مخصوص ، والعقود في الشرع مولاها عاقد واحد ، وإذا تعدى المتعدي الواحد فليس عدد أولى من عدد ، ولا وجه للتحكم في إثبات عدد مخصوص ، فإذا لم يقم دليل على عدد لم يثبت العدد ، وقد تحققنا أن الإجماع ليس شرطًا ، فانتفى الإجماع بالإجماع ، وبطل العدد بانعدام الدليل عليه ، فلزم المصير إلى الاكتفاء بعقد الواحد .
    وظاهر قول القاضي يشير إلى أن ذلك مقطوع به ، وهذا وإن كان أظهر المذاهب في ذلك، فلسنا نراه بالغا مبلغ القطع " [ الغياثي (ص249-250) ] .
    فهذا القول هو قول أئمة الأشعرية ، وقد نصب القاضي أبو يعلى الحنبلي تعالى الخلاف معهم فيه في كتاب المعتمد في أصول الدين (ص239) ، واختار أنه لا بد من اتفاق أهل الحل والعقد جميعًا ، واستدل عليهم بأن الله أمرنا بلزوم الجماعة وهذا لا يصدق على الواحد ، وبحديث : " إن الشيطان مع الواحد وهو مع الاثنين أبعد " .
    وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية تعالى هذه المسألة في منهاج السنة (1 / 526 -527) فقال ردًا لقول الرافضي : " إنهم يقولون: إن الإمام بعد رسول الله أبو بكر ، بمبايعة عمر، برضا أربعة " : " ليس هذا قول أئمة أهل السنة ، وإن كان بعض أهل الكلام يقولون : إن الإمامة تنعقد ببيعة أربعة ، كما قال بعضهم : تنعقد ببيعة اثنين ، وقال بعضهم : تنعقد ببيعة واحد ، فليست هذه أقوال أئمة السنة .
    بل الإمامة عندهم تثبت بموافقة أهل الشوكة عليها ، ولا يصير الرجل إمامًا حتى يوافقه أهل الشوكة عليها ، الذين يحصل بطاعتهم له مقصود الإمامة ، فإن المقصود من الإمامة إنما يحصل بالقدرة والسلطان، فإذا بويع بيعة حصلت بها القدرة والسلطان صار إمامًا .
    ولهذا قال أئمة السلف : من صار له قدرة وسلطان يفعل بهما مقصود الولاية ، فهو من أولي الأمر الذين أمر الله بطاعتهم ما لم يأمروا بمعصية الله، فالإمامة ملك وسلطان ، والملك لا يصير ملكًا بموافقة واحد ولا اثنين ولا أربعة ، إلا أن تكون موافقة هؤلاء تقتضي موافقة غيرهم بحيث يصير ملكًا بذلك " .
    وحقيقة الأمر أن هذا الاستثناء الذي ذكره ابن تيمية في آخر كلامه : " إلا أن تكون موافقة هؤلاء تقتضي موافقة غيرهم بحيث يصير ملكًا بذلك " هو مذهب الجويني ، فليس بين قول ابن تيمية وقوله كبير خلاف إذًا .
    وقد استدلَّ الأشعرية لمذهبهم بسنة الخلفاء الراشدين ، قال أبو بكر ابن فورك في مقالات الأشعري (ص191) : " وكان أبو الحسن الأشعري يقول في عدد المُختارِين : أن ليس لذلك حد في العدد لا يزاد فيه ولا ينقص منه ، بل يجب أن يكونوا ممن يصلحون لذلك إذا كانوا جماعة ، وأقلهم واحد ، وكان يستشهد على ذلك بعقد أبي بكر لعمر ، وإجماع الأمة عليه ، وتركهم النكير عليه في تفرده بالاختيار والعقد له " .
    وقال أبو الحسن الآمدي في أبكار الأفكار (5/188) : " وإذا ثبت ما قررناه إلى هنا وجوب ثبوت الإمامة بالاختيار دون التنصيص ؛ فذلك مما لا يفتقر إلى الإجماع من كُلِّ أهل الحل والعقد ، فإنه مما لم يقم عليه دليل عقلي ولا سمع نقلي ، بل الواحد أو الاثنين من أهل الحل والعقد كاف في ذلك ، ووجوب الطاعة والانقياد للإمام المختار ، وذلك لعلمنا بأن السلف والصحابة رضوان الله عليهم مع ما كانوا عليه من الصلابة في الدين والمحافظة على أمور الدين ؛ اكتفوا في عقد الإمامة بالواحد والاثنين من أهل والعقد ، كعقد عمر لأبي بكر وعبد الرحمن بن عوف لعثمان ، ولم يشترطوا إجماع من في المدينة من أهل الحل والعقد ، فضلا عن إجماع من عداهم من أهل الأمصار ، وعلماء الأقطار ، وكانوا على ذلك متفقين ، وله مجوزين من غير مخالف ولا نكير ، وعلى هذا انطوت الأعصار في عقد الإمامة إلى يومنا هذا " .
    وبصرف النظر عن الترجيح بين ما اختاره أبو يعلى ونحوه وبين قول الأشعرية ، فإنه خلاف من جنس الخلافات الفقهية ، وليس قولا مبتدعًا عجيبًا ، بل هم يستدلون له بصنيع الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم .
    فإذا تبين هذا ؛ فلماذا يتعجب المعاصرون من قول الجويني والأشعرية في هذه المسألة ويشنعون عليه ؟
    والجواب : أن هؤلاء المتعجبين صنفان :
    الأول : الاتجاه التنويري ، وهؤلاء خلافهم مع الجويني بل مع أئمة المسلمين ليس في هذه المسألة فحسب ، وإنما في غاية النظام السياسي ، فالواجب البحث في ذلك أولًا ، وشرح هذا : أنهم لا يرون الغاية من النظام السياسي سياسة الدنيا بالدين ، وإنما هو نظام يتجه نحو تحقيق الغايات واللذائذ المادية الليبرالية ، ولذا منعوا تعيين حاكم دون موافقة الأغلبية من الناس ، لأن هذا مصادم لقيمة الحرية التي هي أولى القيم بالرعاية لديهم .
    الثاني : بعض الباحثين في السياسة الشرعية من الإسلاميين ، وهؤلاء يشترطون موافقة أغلبية الشعب في اختيار الحاكم ، ولذا يتعجبون ممن يرى انعقادها بعدد قليل من الشعب فضلًا عن أن يكون رجلا واحدًا .
    وهؤلاء يبحث معهم في التكييف الفقهي لعقد الإمامة ، ولو افتُرِض أن الأمة طرف فيه ، فما هو مفهوم الأمة في هذا المحل وعلى من يصدُق ؟ ، ثم يبحث في أدلتهم على اشتراط الأغلبية .
    وأرجو أن يتيسر لي بحث ذلك في مقال آخر .

    مجلة حراس الشريعة - عدد شهر رمضان المبارك
19,840
الاعــضـــاء
231,443
الـمــواضـيــع
42,350
الــمــشـــاركـــات
يعمل...
X