• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    هذا الموضوع مغلق.
    X
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • الذب عن مذهب أهل الحديث في المنع من الخروج على ولي الأمر الجائر

      بسم الله الرحمن الرحيم
      الذب عن مذهب أهل الحديث في المنع من الخروج على ولي الأمر الجائر
      فطر الله الخلق على بغض الظلم وأهله ، ومحبة العدل وأهله ، فالعدل من المستحسنات العقلية التي لا يتوقف إدراكها على إرسال الرسل وإنزال الكتب ، والظلم من المستقبحات العقلية التي لا يتوقف إدراكها على إرسال الرسل وإنزال الكتب ، ولذا تجد الأمم كلها اتفقت على مدح العدل واعتقاد حسنه ، وذم الظلم واعتقاد قبحه .
      ومن أشد أنواع الطعن في المقالات : نصب التعارض بينها وبين ما تقرر حسنه في الفطر والعقول ، إذ إن ذلك كاف في النفور منها ومن أهلها والتشنيع عليهم .
      وقد سلك بعض المناوئين لأهل الحديث هذا المسلك في الطعن في موقفهم في منع الخروج على ولي الأمر الجائر ، فزعم هؤلاء : إن مذهب أهل الحديث يقرُّ ظلم ولاة الأمور ويعطيه شرعية دينية !
      وينبغي التمييز هنا بين هذا الصنف الذي يطعن في أخلاقية مذهب أهل الحديث في هذه المسألة ويشنع عليهم ، وبين صنف آخر من أهل العلم يرون في المسألة خلافًا بين الصحابة فيزيفون لأجل ذلك دعوى الإجماع على منع الخروج ، كما ذهب إلى ذلك ابن حزم في مراتب الإجماع ، ونص عليه من المعاصرين الشيخ عبد الرحمن المعلمي تعالى ، فالمقصود هم الصنف الأول دون الثاني .
      ويمكن في هذا المقام سرد النصوص التي استدل بها أهل الحديث لمذهبهم هذا ، لكن لما كان هؤلاء مُستندين إلى مستند أخلاقي ، وهو قبح الظلم ، كان من المناسب الرد عليهم ببيان البعد الأخلاقي في منع أهل الحديث الخروج على أئمة الجور .
      ويتضح لنا ذلك البعد الأخلاقي بالنظر في كلام إمام من جلة أئمة أهل الحديث وهو الإمام أحمد بن حنبل ؛ قال أبو الحارث الصائغ : سألت أبا عبد الله في أمر كان حدث ببغداد، وهمَّ قومٌ بالخروج، فقلت : " يا أبا عبد الله ، ما تقول في الخروج مع هؤلاء القوم ، فأنكر ذلك عليهم ، وجعل يقول : سبحان الله ! الدماء الدماء ! لا أرى ذلك ، ولا آمر به ، الصبر على ما نحن فيه خير من الفتنة يسفك فيها الدماء ، ويستباح فيها الأموال ، وينتهك فيها المحارم ، أما علمت ما كان الناس فيه ، يعني أيام الفتنة .
      قلتُ : والناس اليوم، أليس هم في فتنة يا أبا عبد الله ؟
      قال : وإن كان ، فإنما هي فتنة خاصة ، فإذا وقع السيف عمَّت الفتنة ، وانقطعت السبل ، الصبر على هذا ، ويسلم لك دينك خير لك .
      ورأيته ينكر الخروج على الأئمة ، وقال: الدماء ! لا أرى ذلك ، ولا آمر به " .
      [ أخرجه الخلال في السنة برقم (89) ] .
      فالإمام أحمد تعالى يفرق بين الفتنة العامة والخاصة ، ويؤثر وقوع الثانية على الأولى ، ولا ريب أن صبر المرء على ذهاب مصلحته الخاصة من أجل مصلحة مجموع المسلمين ، وتقديم مصلحة المجموع وإيثارهم على نفسه ومصلحته ، من الأخلاق الحسنة الحميدة .
      قال ابن تيمية في منهاج السنة (4 / 540 - 541) : " وكثير ممن خرج على ولاة الأمور أو أكثرهم إنما خرج لينازعهم مع استئثارهم عليه ، ولم يصبروا على الاستئثار ، ثم إنه يكون لولي الأمر ذنوب أخرى ، فيبقى بغضه لاستئثاره يعظم تلك السيئات ، ويبقى المقاتل له ظانًّا أنه يقاتله لئلا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ، ومن أعظم ما حرَّكه عليه طلب غرضه : إما ولاية ، وإما مال " .
      فالذي يصبر على الولاية أو المال الذي يستحقه ، من أجل أن لا تسيل دماء المسلمين وتنقطع سبلهم وتتوقف مصالحهم ، أولى بالحمد ممن لا يُبصِر إلا مصلحة نفسه ويسعى في تحقيقها وإن جرَّ ذلك إلى الفتن والمصائب والمحن .
      ولهذا فرق ابن تيمية بين قتال المحاربين أو قطاع الطريق وبين قتال ولاة الأمور لطلب المال أو الولاية بأمرين:
      الأول : أن قطاع الطريق ضررهم عام على جميع الناس ، فهم يعادون جميع الناس ، وجميع الناس يعينون على قتالهم . أي أن فتنتهم فتنة عامة .
      الثاني : أنهم يبتدؤون الناس بالقتال .
      وهذا الفرق الثاني فرق مهم أيضًا ، إذ إن أهل الحديث في قولهم هذا إنما عنوا مبادءة الولاة بالخروج بالسيف ، إذ من شأن ولاة الأمور أنهم " لا يبتدؤون بالقتال للرعية " ، - كما يقول ابن تيمية - .
      أما إذا اعتدى ولي الأمر بنفسه أو بجنوده ورجاله على حرمات المسلمين من دماء وأعراض ، فهذا شأن آخر ، ليس هو محل النظر في مسألة الخروج على ولي الأمر ، إذ المقصود بالخروج الممنوع : مبادءتهم بالقتال.
      فإذا أمر ولي الأمر بقتل رجل معصوم الدم ظلمًا وعدوانًا فإنه يقتل به ، فالمسلمون تتكافأ دماؤهم ، ولا فرق بين دم ولي الأمر ودم أقل مسلم من الرعية ، قال الإمام أبو عبد الله الشافعي في الأم (7/107) : " وإذا أمر الإمامُ الرجلَ بقتل الرجل فقتله المأمور فعلى الإمام القود إلا أن يشاء ورثة المقتول أن يأخذوا الدية " .
      وفي مصنف الإمام عبد الرزاق الصنعاني تعالى باب في القود من السلطان روى فيه آثارًا عن السلف في هذا الباب ، منها قول حبيب بن صهبان عن عمر بن الخطاب : " ظهور المسلمين حمى الله لا تحلُّ لأحد ، إلا أن يخرجها حدٌّ .
      قال حبيب : " ولقد رأيت بياض إبطه قائمًا يقيد من نفسه " . أخرجه عبد الرزاق برقم (18036) .
      ولو فُرض أن ولي الأمر صال على حريم المسلمين فإن له أحكام الصائل ، فيجب قتاله ودفعه بالأخف فالأخف ، ويهدر دمه إذا قُتل خلال ذلك ، شأنه شأن غيره ، وإذا جس للكفار فإن له حكم الجاسوس - وقد ذهب بعض الأئمة إلى قتله - شأنه شأن غيره ، لا يمنعه من ذلك اسم ولي الأمر ولا منصبه ، وهكذا سائر الجنايات .
      وهنا كلمة للإمام أبي بكر الآجري في كتاب الشريعة قد يراها البعض مشكلة على ما تقدم وهي قوله : " ومن أُمِّر عليك من عربي أو غيره أسود أو أبيض أو عجمي فأطعه فيما ليس لله فيه معصية ، وإن حرمك حقًّا لك ، أو ضربك ظلمًا لك ، أو انتهك عرضك ، أو أخذ مالك ، فلا يحملك ذلك على أن تخرج عليه بسيفك حتى تقاتله ، ولا تخرج مع خارجي يقاتله ، ولا تحرض غيرك على الخروج عليه ، ولكن اصبر عليه " .
      فقد يستشكل البعض أمره بالصبر على انتهاك العرض ، وهذا الإشكال يزول بفهم معنى انتهاك العرض ، قال الأصمعي - كما نقله الأزهري في تهذيب اللغة - : " النهك أن تبالغ في العمل , وإن بالغت في شتم العرض قال : انتهك عرضه " .
      فليس المراد أن يصبر الإنسان على ولي الأمر إذا صال على حريمه وأراد انتهاك أعراضهن !! هذا معلوم البطلان من الإسلام بالضرورة .
      ثم إذا قلنا إن الأفعال المذكورة من الضرب وحرمان الحقوق وانتهاك العرض - بالمعنى المذكور آنفًا - وأخذ المال ليس فيها شيء موجب للخروج على ولي الأمر ، فليس في ذلك ما يمنع من أن يقيم المجني عليه دعوى ضد ولي الأمر ، فيقتص منه ، ففرق بين موجبات الخروج ، وموجبات القصاص وغيره من العقوبات على الجنايات ، وهذا أمر لا ينبغي أن يفوت من يروم فهم كلام الأئمة .
      فأهل الحديث هم حفظة سنة النبي ، والذابون عنها ، ومقاصدهم شريفة نبيلة ، ليس لهم غرض في دنيا أو مال ، حتى يحرفوا الشرع ليطابق مقاصد الولاة ، والطاعنون في مذهبهم بمثل هذه الطعون أولى بالاتهام بسوء القصد وخبث الطوية .
      واعلم أنني لم أقصد مما تقدم الدفاع عن نظام من الأنظمة العربية المعاصرة ، حتى يعترض معترض بأنهم ليسوا ولاة أمور شرعيين أو أنهم وكلاء للكفار على أموال المسلمين ومقدراتهم ، فهذه مسألة أخرى ، وإنما المقصود الذب عن مذهب أهل الحديث وتفهمه ، وإذا استعمل بعض الناس هذا المذهب في الدفاع عن الأنظمة العربية المعاصرة لمقاصد دنيوية خسيسة فليس ذلك بموجب للقدح في نفس المذهب ، والله تعالى أعلم .

      مجلة حراس الشريعة - العدد السابع - ذي القعدة 1434 هـ
      لتحميل العدد كاملا:
      Horras#07

    • #2
      وصلت الرسالة، وشكرا جزيلا !

      تعليق

      19,982
      الاعــضـــاء
      237,726
      الـمــواضـيــع
      42,690
      الــمــشـــاركـــات
      يعمل...
      X