إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • كلمات عن خروج الدجال ونزول عيسى بن مريم عليه السلام





    بسم الله الرحمن الرحيم, الحمدلله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف المرسلين, محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد, فهذه رسالة فيها كلمات عن أمور متعلقة ببعض أخبار آخر الزمان وبالأخص خروج الدجال ونزول عيسى بن مريم عليه الصلاة و السلام...

    المقدمة

    الكلمة الأولى
    الموضوع يمس بعض المسلمات عند المسلمين, والحقيقة خشيت أن أطلعه على العوام من الناس وطلاب العلم فيتعجلوا ويكفرونني أو ما شابه ذلك فلذلك هذه الكلمات أوجهها فقط لأهل العلم الذين سلموا من التقليد. وعملا بأمر الشارع بأن أسأل أهل العلم في مثل هذه المسائل فإني بهذه الكلمات أخاطب أولا أهل العلم المخلصين الذين يبحثون عن الحق و الذين أوتوا الحكمة ولهم سعة صدر ولا أزكي على الله أحدا

    الكلمة الثانية
    أرجو منكم أيها القارئ الكريم الذي أحسبه من أهل العلم أن تجعل هذا الموضوع بيني وبينكم, فإن كنت مخطئا فأسألكم أن تعلموني فإني والله أحب الحب و الوصول إلى الحق, و أسألكم أن تستروا على جهلي إن كنت قد جهلت في ما كتبت. ولعل العوام من الناس يُفتنون بكلماتي وإني أحذر أي عامي ليس من أهل العلم أن يقرأ كلماتي, وإن وقع عليها فإني أنصحه أن يعرضها على أهل العلم الثقات عنده قبل أن يقرأها. ثم أحب أن أنوّه أني لست من أهل العلم بل من العوام ولكن أحيانا وأنا أقرأ القرآن أو الأحاديث النبوية أفكر بأمور قد تكون مختلفة نوعا ما عن طريقة تفكير عوام الناس وأهل العلم ((وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبّكَ مَحْظُوراً))

    الكلمة الثالثة
    قرأت أحاديث خروج الدجال ونزول عيسى عليه الصلاة و السلام مثل الجسّاسة, والملحمة وغيرها من الأحاديث, وقد أشكل علي أمور كثيرة ولا أخفيكم بأن الشك والإنكار دخل قلبي من هذه الأحاديث. اعلم أخي القارئ الكريم بأني والله لا أشك في شيء ثبت قطعا عن رسول الله ولكن دخل في قلبي الشك من هذه الأحاديث المنسوبة إلى النبي صلى الله عليهم وسلم المحكومة لها بالصحة والتواتر أو بأنها أحاديث حسنة والله أعلم بحقيقة الأمر. إني أعرف حكم من ينكر أحاديث الرسول ولكني لا أنكر قول الرسول لكني أشك في الحكم على هذه الأحاديث بالصحة, أقصد هل فعلا قالها الرسول أم هناك أمورا خفيت علينا!؟

    الكلمة الرابعة
    تركت هذه الأحاديث خشية أن لا أشك أكثر كونها أحاديث حكموا عليها بالصحة ولكن في نفسي منها شيء بالرغم من ذلك. مرّت الأيام إلى أن وجدت أن الشيخ العلامة ابن عثيمين سُئل عن حديث الجسّاسة وقال: "في نفسي منها شيء" فرحت بذلك فرحا شديدا, ليس لأن ابن عثيمين قال في نفسي شيء عن حديث حكم العلماء عليه بالصحة, ولكن لأن عالما كبيرا كابن عثيمين شعر كما أشعر وهو مشهود له بالعلم ورجاحة العقل . بعدها وقعت على رسالة للشيخ عبدالرحمن السعدي المفسر عن الدجال, والحقيقة وجدته يفسر بعض الأحاديث بخلاف بقية العلماء, ولا أخفيكم أن نفس الأحاديث التي سلك فيها تفسيرا مختلفا هي نفس الأحاديث التي وجدت في نفسي شيء منها. فقررت أن أقرأ أحاديث آخر الزمان وبالأخص أحاديث الدجال ونزول عيسى عليه الصلاة والسلام متحصنا بالله من وسوسة الشيطان و أوهام النفس.

    الكلمة الخامسة
    لا أخفيكم بعد البحث وجدت تعارضا مع بعض ما أفهمه من القرآن الكريم والسنة النبوية أو مخالف للعقل على قدر عقلي و فهمي. فإن البشر تتفاوت عقولهم ولهذا في هذه الكلمات أريد أن أستفسر وأسأل أهل العلم عن طريق هذه الكلمات المنثورة في هذا الملف, لعل الله ينفعني بإجاباتهم في المستقبل, فكما تعلمون لا فائدة في الإيمان بأمر ما و أنا أشك فيه.

    الكلمة السادسة
    أعترف لكم أن هذا الإنكار أقصد انكار نزول عيسى وخروج الدجال (بمعنى هذا المخلوق الخارق الموصوف في الأحاديث) قد أنكره قبلي أناس قد وصفوا بأنهم من أهل البدع و الزندقة وما إلى ذلك مثل المعتزلة والقاديانية وبعض الشيعة وأيضا الملحدين أقصد الذين لا يدينون بدين. وفي أثناء بحثي وجدت أيضا أن بعض المنتسبين لأهل السنة والجماعة الذين وصفوا بالانحراف والشذوذ وغيرها من قبيح الصفات مثل الشيخ شلتوت و محمد رشيد رضا والطاهر بن عاشور وغيرهم من العلماء ينكرون هذه الأمور وكذلك بعض طلاب العلم الذين وصفوا بالزندقة وغيرها من قبيح الصفات كعدنان ابراهيم ينكرون خروج الدجال ونزول عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام أشد الإنكار, وكذلك الإمام ابن حزم كأن له رأي يخالف رأي العلماء في بعض هذه المسائل. بالرغم من أن كثيرا من الذين ذكرت قد رموا بالقبائح إلا أني والله لأحسبهم من أهل العلم ومن تتبع أحوالهم و كتاباتهم وأنصفهم لتبين لهم بأنهم أرفع من ما يقال فيهم, لهم اجتهادات مختلفة عن بقية العلماء ولا بأس في ذلك أما الحكم على النوايا فالله يتولى السرائر.

    الكلمة السابعة
    لعل بعض الناس يرميني بالزندقة والإلحاد وإني تأثرت بالزنادقة وغير ذلك لكني أحب أن أوضّح لكم أني في الحقيقة لم أقف على كلام هؤلاء أقصد كلام المعتزلة والقاديانية والشيعة فإن مواقع القاديانية محظورة عندنا في الإمارات وإني لا أملك كتب كتبها الشيعة أو المعتزلة ولم أجد مواقع للمعتزلة أو رأي الشيعة في هذه المسائل لكني سمعت في بعض المنتديات السنية أن لهم آراء مختلفة عن أهل السنة والجماعة. فالحقيقة لا أعلم بماذا أنكروا وكيف أنكروا لكني علمت بعض الأشياء التي ينكرونها عن طريق المنتديات في معرض رد الشبهات, وأي شيء أنقلها عنهم أو عن أفكارهم المنتشرة على الشبكة فسأذكر ذلك إن شاء الله وخاصة في أمور لغوية. أما عن الذين ينتسبون لأهل السنة والجماعة كالشيخ محمد رشيد رضا فإني قرأت له انكار حديث الجساسة أما غيرها من الأمور فالحقيقة لم أقرأ بعد وكذلك كلام ابن حزم والطاهر بن عاشور فإني علمت أن لهم كلمات كثيرة في الموضوع ولكني للأسف لم أقف عليها بعد إلا مجملا, ومناقشة الأدلة والرد عليها أو تقرير أدلة جديدة فغالبها من نفسي ولعلي أقوم بتحديث هذا الملف إن قرأت أقوال هؤلاء.

    الكلمة الثامنة
    أيها القارئ الكريم, اعلم بأني من أهل السنة والجماعة وتربيت على كتب شيخ الاسلام ابن تيمية وابن قيم الجوزية وابن عثيمين والألباني وغيرهم من العلماء الكبار فأعلم عقيدة أهل السنة والجماعة جيدا ولله الحمد, وأعلم طرق استدلالهم بفضل من الله وإني لأحسب كل من ذكرت من كبار علماء الإسلام وإني أحبهم في الله. فلا أريد أن أنكر هذه المسائل للكيد بأهل السنة والجماعة أو الحط من منزلة العلماء, وليست عندي أجندة سرية أو خطط ومن أنا لأفعل ذلك! لكني والله إنسان يبحث عن الحقيقة, أخذها أنّا وجدها ثم إني أتبع منهجية أمهات المؤمنين كعائشة في انتقادها لبعض ما نسب إلى النبي , وكحفصة بل منهن من سمعت من الرسول مشافهة وقد وردت بعض الاشكالات عليها فسألت النبي وحاكموا قوله إلى قول الله : الأول: ((وإن منكم إلا واردها)) ثم أجابها النبي, وكذلك في من نوقش العذاب الحديث. وأنا أؤمن بكل أحاديث الرسول التي ثبتت عنه أنه قالها بلا شبهة. (فائدة استفدتها من محاضرة) أيضا أتبع الخليل عليه الصلاة والسلام: ((ليطمئن قلبي)) وإني أحاكم بعض هذه الأحاديث إلى كتاب الله وثانيا إلى أحاديث الرسول الذي حكم عليها العلماء بالصحة ثم العقل.. فليس فيما أقول رد على الرسول وحاشا لله وإني أسأل الله أن لا يؤاخذني بما جهلت و يعلم ما في قلبي من نية لمعرفة الحق, وهو أهل أن يهدي لمن طلب العلم خالصا لوجهه سبحانه.

    الكلمة التاسعة
    أصدقكم القول بأني لولا الخشية لما كتبت هذه الكلمات, فإني منذ أكثر من شهر وفي حيرة من أمري. أقول كيف لي أن أرد على أحاديث حكموا عليها بالصحة وبهذا أكون قد تجرأت على جناب الرسول كما يقوله بعض أهل العلم, ومن أنا لأرد على العلماء الكبار أو أستشكل ما قالوا وحكموا وهم علماء كبار شهدوا لهم بالعلم وأنا من العوام. ولكن كثيرا ما راودتني خواطر استعذت منها كثيرا وخاصة عندما آوي إلى فراشي أقول ماذا لو كنت ما أقول هو الحق, كيف سأقابل رب العالمين يوم القيامة؟ وكيف سأجيب إن سألني, ماذا فعلت فيما علمت وهل دافعت بما علمت عن جناب النبي ؟ ولم اتخذت القرآن عضين وإنك تظن أن هذه الأحاديث تخالف القرآن!؟ فكما يقولون بين نارين, أحلاهما مر. منذ أن وجدت في قلبي هذا الشك لا أذكر ليلة تنقضي إلا وأنا أدعو الله أن يريني الحق حقا ويرزقني اتباعه, ويريني الباطل باطلا ويرزقني اجتنابه, و أن يهديني لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم وأتضرع إليه كل ليلة من أجل هذا الموضوع ثم إني والله أدعو من قلبي كلما أردت أن أقرأ القرآن بأن يفتح الله علي ولكني كلما أقرأ ازدادت مثل هذه الأفكار فلا أعلم إن هي فتوحات من رب العالمين أو وسوسة من الشيطان الرجيم, فإن كان الأول فأسأل الله أن يزيدني منه, وإن كان الآخر فأسأل الله بأسمائه الحسنى أن يذهبه عني. ثم إني ترددت كثيرا في نشر هذه الكلمات في منتدى أهل التفسير, واستخرت الله أكثر من ثلاثة مرات ورأيت فيما يرى النائم ثلاث مرات أشياء دفعتني إلى نشر ما كتبت وخاصة إني ذاهب لآداء الحج والله أعلم بما قدّره لي...

    الكلمة العاشرة
    أيها القارئ الكريم, إني أبحث على رد لكل الإشكالات التي سأوردها في هذا الملف, فأرجو منك أن لا تكتفي فقط وتقول هذا خلاف قول العلماء فلن أضيع وقتي بقراءة ما تكتب, وإن شئت اعتبر هذا الملف وصلك من نصراني أو انسان مسلم لكن من فرقة أخرى لا يعترف بالعلماء فعندما ترد أرجو أن تتقيد بما هو ثابت قطعا من المصادر الإسلامية مثل القرآن الكريم والمتواتر عن النبي التي لا شبهة فيها. أما إن الاستدلال فقط بقول العلماء فربما لن يفيد النصراني. أقول هذا لكي أدفعك إلى الرد العلمي بعيدا عن الرد العاطفي و لأني متأكد بأن ما سأورده في هذه الكلمات ستجد غيري قد أوردها فيما مضى أو سيوردها في المستقبل فالأفضل أن نستعد من الآن.

    الكلمة الحادية عشر
    إني أرجو بهذه الكلمات التي ستجدها في هذه الصفحات, هي اعادة النظر من طرف العلماء للأحاديث المتعلقة بخروج الدجال أو نزول عيسى , أقصد دراستها دراسة علمية من حيث السند و المتن. والظاهر من مسلك العلماء بأنهم ركزوا على السند أكثر من تركيزهم على المتن لأسباب معروفة وإني لا أدّعي بأنهم أهملوا المتن تماما فكثيرا ما تكلموا عن المتون ورووها لمخالفتها لقواطع القرآن أو السنة أو العقل أو الحس أو التاريخ أو غير ذلك ولا يخفى عليكم ذلك ولكن دعوة لأهل العلم بدراسة متن هذه الأحاديث, فإن دراسة السند طريقتها معروفة لكن دراسة المتن هنا بحاجة إلى كبار أهل العلم بالبحث. باختصار أريد أن أقول أن الحديث قد يكون مكذوبا بسبب أمور تتعلق بالراوي أو أمور تتعلق بالمروي أي بنص الحديث.

    الكلمة الثانية عشر
    وربما تتساءل أخي القارئ, هل يمكن أن يكون سند الحديث صحيحاً وليس متنه كذلك ، فأترك الإجابة لأحد أئمة الحديث وهو ابن الصلاح حيث قال في المقدمة: "والحديث الصحيح ليس من شرطه أن يكون مقطوعاً به في نفس الأمر، إذ منه ما ينفرد برواية عدل واحد، وليس من الأخبار التي أجمعت الأمة على تلقيها بالقبول.وكذلك إذا قالوا في حديث: إنه غير صحيح، فليس ذلك قطعا بأنه كذب في نفس لأمر، إذ قد يكون صدقاً في نفس الأمر، وإنما المراد به : أنه لم يصح إسناده على الشرط المذكور" ثم اعلم إن هذا الأمر يرجع الى أن الرواة - وإن حازوا شروط العدالة والضبط - فهم غير معصومين والخطأ عليهم جائز وكذا الوهم في بعض ما يروون ، وإن كانوا في الجملة ثقات وأثبات .فأعطيك فائدة, وهي أن نكارة المتن عادة تدل على علة خفية في السند, علمها من علمها, وجهلها من جهلها. وأيضا أحاديث خروج الدجال ونزول عيسى بن مريم من المتواتر المعنوي وليس اللفظي على حد قول بعض العلماء ولكن حتى التواتر المعنوي لا يسلم فبعض الباحثين المعاصرين زعم بأن على التحقيق غير متواتر. أما مبحث الحديث المتواتر فلي مبحث خاص به ليس هذا موضعه ولكن أقل ما أستطيع قوله الآن أن ليس هناك اجماع على كونها متواترة, فإن قلت هناك اجماع أقول نعم من يدعي الاجماع ربما يكونون كثر ولكن حقيقة الاجماع فلن تستطيع أن تثبت. كما أن بعض العلماء ادعوا الاجماع بأن الأشاعرة هم أهل السنة والجماعة. ستجد تفصيلا أكثر وفوائد وضوابط حديثية في القسم الأخيرة من البحث تحت عنوان: "كلمات أخيرة"

    الكلمة الثالثة عشر
    إن خروج الدجال ونزول عيسى ابن مريم ليس من أركان الإيمان المذكورة في القرآن وحديث جبريل بحيث من أنكرها فيكون كافرا, فإن قيل لكن الإيمان برسله ركن, والشهادة بمحمد تقتضي الإيمان بما أخبر سأقول: نعم إن قطعنا أنه قالها من غير أية شبهة, فالرواة في أنفسهم و إن كانوا صادقين و ثقة فاحتمال الخطأ وارد و كذلك الصحابة رضوان الله عليهم فهم بشر وإن صح الحديث إليهم فربما يهم وربما ينسى وربما كذا وكذا وكذلك التابعي و من يروي الحديث وهذا لا نقص فيه البتة بل ذكرا لحقيقتهم وأنهم ليسوا معصومين. أما من قطع الشك باليقين أن القائل هو الرسول ثم ينكرها فهنا يكون معاندا وينطبق عليه ما يذكره العلماء في مثل هذا الانكار.

    الكلمة الرابعة عشر
    أحب أن أنوّه أن البحوث الحديثية أو الحكم على الأحاديث معتمدة على أقوال طلاب علم أو موقع الدرر السنية إن لم يكن لي علم بحكم الحديث وعلّته, أما الأدلة العقلية والإشكالات الواردة فمعظمها مما يجول في نفسي منذ فترة وقليل منها ما وجدته على الشبكة خلال بحثي. أما ما قاله الشيخ ابن سعدي, او محمد رشيد رضا أو ابن عثيمين وكثير من علماء الأزهر وابن حزم وغيرهم فلم أطلع على أدلتهم وتصرفهم في معظم هذه الأحاديث ولكني قرأت اليسير مما قالوه بشكل مجمل فمن أراد أن يبحث فليبحث في كتبهم وما كتبوا فإن حصرها أمر صعب واستفدت من بعض المحاضرات مثل بعض محاضرات عدنان ابراهيم في هذا الموضوع ولكن من خلال بحثي بالرغم من اعترافي بالعلم والفضل لبعض من ذهب لمثل ما أنا ذاهب إليه قليل جدا مقارنة بما يخطر لي عن الموضوع. فإن وجدتم استفساراتي غير مقنعة أو ليس فيها شيء فأتمنى أن لا تظلموا العلماء وطلبة العلم بل اقرؤوا ما قالوا فلعل عندهم أقوال كثيرة غير الذي قلت, وأنا سأبحث فيما كتبوه إن شاء الله إن سمحت لي الفرص في المستقبل. وسأقسم التعليقات على قسمين, قسم خروج الدجال وقسم نزول عيسى عليه الصلاة و السلام.

    الكلمة الخامسة عشر
    اعلم أيها القارئ أنك ستجد في هذا البحث حوالي 150 كلمة, متعلقة بخروج الدجال ونزول عيسى بن مريم . و كل كلمة فيها أكثر من اشكال أو فيها رد لشبهات قد تصل إلى 5 شبهة, فيكون مجموع الاستدلال كثير جدا يصعب علي أن أحصيها, ثم اعلم إني بهذه الكلمات لم أراجع القرآن بعد, أقصد لم أتدبر آية بعد آية من سورة الفاتحة إلى الناس لاستخراج اشارات فإن ذلك سيطول وإني على ثقة تامة سأجد أكثر من 500 إشارة أو دعم لما أقوله في هذا الملف التي قد تكون حقيقة, ولكن هذا يحتاج لمجلد على الأقل. أيها القارئ ستجد في هذا البحث مجرد أصول ومختصرات وشوارد ولم أفصل بعد, أما سبب استدلالي واتباعي المنهجيات المذكورة في أصول الفقه فإني لم أفعل ذلك فلا أريد أن أحوّل البحث إلى دروس في أصول الفقه وقواعد التفسير و أصول تفسير الحديث النبوي فإن هذا يطول. ثم اعلم إني أستدل أولا بالآيات القرآنية وأرد على الشبهات أو أدعم نظريتي بحسب فهمي للآيات فلا يكون هذا تحكيما للعقل على النص. فهناك فرق كبير بين تحكيم العقل وفهم الآية أو النص.

    الكلمة السادسة عشر
    أيها القارئ لا تكن من الذين لا يفقهون أصول الفقه فتقول إنَّ القرآن الكريم طلب اعتبار الحديث وقبوله بقوله تعالى: ((وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)) وقوله سبحانه تعالى: ((َمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)) فإن من المعلوم أن الكلمات التالية تدور بين المحدثين وهي السنة والحديث الخبر و الأثر وهذه الكلمات ذات دلالة واحدة؟ بعضهم يدّعي بأنها ذات دلالة واحدة ، واللغة ترفض ذلك ، والمسألة ـ بين أهل اللسان العربي ، وبين أهل الحديث ـ محصورة بالحديث والخبر ، فعلامات الساعة من الحديث والخبر ، وليست من السنة والأثر. (محمد أمين) وإني لن أفصل في هذا فإن توضيح ما ذكرت بحاجة إلى صفحات كثيرة وإن أردت الاستزادة فراجع كتب أصول الفقه.

    الكلمة السابعة عشر
    يا طالب العلم, وأنت تقرأ لا يكن همّك الوحيد دحض ما أقول فكلما قرأت شيئا أول ما يخطر في بالك كيف ترد علي, ولكن فكّر وتدبر ثم افعل ما بدى لك, أي لا تكن كالذين قالوا: "مذهبنا صواب لا يحتمل الخطأ ومذهب مخالفنا خطأ لا يحتمل الصواب" فإن هذا دأب الجهّال وإني أعوذ بالله أن تكون من الجاهلين. ثم إن استطعت الرد على 10 كلمة أو دليل (فيما يظهر لي) وهناك أكثر من 150 كلمة ودليل ثم تقول: "كل ما تقوله غير صحيح" بالإجمال! ألا ترى أن النصارى إن زعموا أنهم وجدوا خطأ واحدا في القرآن الكريم يكفرون به وإن كان في القرآن أكثر من 7000 دليل للإسلام!؟ وطبعا حتى هذا الخطأ لا يمكن أن يجدوه. فلذلك لا تكن كالنصارى واليهود تنكر ما أنا ذاهب إليه فقط لرد استنتاج او دليل واحد فقط! بل اعتبر هذه شبهات منتشرة بين العامة.

    الكلمة الثامنة عشر
    أيها القارئ الكريم, ما ستجده في هذا الملف لم أقدم عليه إلا بعد قراءتي لتفاسير كثيرة و أكثر من 50 كتابا في التفسير في موضوع بحثي, وقرأت آلاف الأحاديث, وقرأت في أصول الفقه وقواعد التفسير ومناهج المفسرين وقرأت كثيرا في كتب ابن تيمية وابن القيم وعلماء السعودية كابن باز وابن عثيمين والفوزان وصالح آل شيخ. فإني أظن بأني ثبتّ أصول العقيدة عندي إن شاء الله, و لم أقدم على ما تجدونه في هذا الملف من غير سابقة علم وإني لم أكمله بعد, بل أكملت مجمل الكلمات بنسبة 70% وفي جعبتي أكثر من 60 كلمة إضافية لعلي أضيفها عند عرضها على العلماء بشكل رسمي. فاحذر كل الحذر أن تلوي الآيات والأحاديث النبوية ليوافق هواك في دحض ما أقوله وتذكر قول الله : ((وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ))

    الكلمة التاسعة عشر
    قبل أن أبدأ بالموضوع أحب أن أوصيكم بوصية نبوية وهي: "لا تغضب" فإن هذه المسائل لعلها تثير غضب الإنسان الغيور على الدين فيتسرع بالحكم, وإن الغضب يعمي ويصم كما أن الحب يعمي ويصم. واستعذ بالله قبل أن تقرأ هذا الملف, فإن الشيطان يجري في ابن آدم مجرى الدم وما إن وجد المرء خلاف ما تعوّد عليه وجد في نفسه نفرة منه فإنه عدو ما يجهل والشيطان يزين له هذا الجهل, ولا بأس أن ينصح المفضول الفاضل, والتلميذ المعلم والفاسق الصالح, ولنا في سلفنا الصالح أمثلة كثيرة.

    الكلمة العشرون
    أختم المقدمة بكلمات قيمة لابن قيم الجوزية في كتابه الضخم الرائع "مدارج السالكين": "استيقظ لنفسك، وقم لله قومة مفكر في نفسه في الخلوة في هذا الأمر، متجرد عن المقالات وأربابها وعن الهوى والحمية والعصبية، صادقا في طلب الهداية من الله، فالله أكرم من أن يخيب عبدا هذا شأنه"


  • #2
    خروج الدجال

    الكلمة الأولى
    الحقيقة لا أعلم آية ذكر فيها الدجال ولم أجد أي دليل لخروج الدجال وكونه أعظم فتنة وما إلى ذلك مما ورد عنه في الأحاديث. والحقيقة من بحث عن طريق برامج لبحث الكلمات في القرآن الكريم أو غيرها سيلاحظ أصلا أن كلمة الدجّال لم ترد في القرآن الكريم والحقيقة هذا شيء يثير الاستغراب.


    الكلمة الثانية
    بما أن الدجال لم يذكر قط في القرآن الكريم ولم يذكر شيء عن أخباره فهذا يدلنا على أن مسألة خروج الدجال ليست من أصول الدين أو العقائد بحيث من أنكرها فلن يضره شيء إن آمن وعمل صالحا إن شاء الله. أما كون الشخص يجتهد في أحاديث النبي وينكر شيئا منها بسبب ما فيها من الشبهات فالحقيقة مثل هذا لا ينبغي تكفيره كما يكفرهم بعض أهل العلم في المملكة العربية السعودية ومصر هداهم الله لأن الأمر إن كان من أصول الدين فلا يكون شبهة فيها والواقع أن كثير من هذه الأحاديث من قرأها لوجد فيها شبهات لاختلافها مع أحاديث أخرى أو لبعض الأصول الموجودة في القرآن وغير ذلك من الأمور. نعم أمرنا الله باتباع النبي ولكن قبل أن نحكم على شخص بأنه كافر لابد أن نقطع بأن قائل هذه الأحاديث هو الرسول قطعا لا شبهة في ذلك, وأن هذا الشخص قد أثبت له أن الرسول قالها قطعا, أما كون السند صحيح, أو حكم على الحديث بأنه صحيح فهذا لا يكفي, وكم من حديث حكم عليه بالصحة من قبل المحدثين وبعد مئات السنين تبين ضعفه والعكس صحيح.


    الكلمة الثالثة
    عرفنا أن الدجال أعظم فتنة, و في بعض الأحاديث أنه أعظم فتنة منذ خلق الله آدم و بعضها منذ أن خلق السماوات والأرض وهكذا. أقول فتنة عظيمة كالدجال ثم لا توجد آية في كتاب الله تحذرنا من فتنته؟ بالرغم من أن القرآن فيه تبيان لكل شيء, وكتاب مبين قد بين الله فيه ما ينفعنا و ما يضرنا, بل قد حذرنا من ابليس وبين عداوته لآدم وجرأته على الله , بل قد حذرنا الله من فتنة الدنيا كثيرا في كتابه. فإن قلت لي إن الدجال يعتبر من فتنة الدنيا فلهذا لم يكن هناك داع لذكر فتنته, أقول إن الله قد حذرنا من فتنة المال والولد وغيرها من الأمور التي هي أقل خطورة من فتنة الدجال على حسب الأحاديث, أيعقل أن لن يحذر الله عباده من هذا الشر العظيم!؟ سبحان الله!


    الكلمة الرابعة
    قد تقول أخي القارئ إن الله لم يذكر تفاصيل الصلاة والزكاة وأجملها وأمر نبيه ليبين لنا, أقول نعم ولكن أصل هذه الأمور موجودة في القرآن, مثل أقم الصلاة و يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة, وفي آيات كثيرة يأمرنا الله بالصلاة والزكاة, فالأصل موجود ثم يأتي التفصيل عن طريق رسول الله . أما أصل فتنة الدجال غير موجودة, فإن قلت إن التحذير من الشرك والكفر و غيرها موجود. أقول نعم موجود ولكن كذلك أصل كل خير وهو الإيمان بالله واليوم الآخر موجود فلم ذكر الصلاة والزكاة ولم يذكر الدجال؟


    الكلمة الخامسة
    لعلك تقول أخي القارئ إن الله لم يذكر الدجال في القرآن لأن الناس وقت نزول القرآن بغير حاجة إلى معرفة الدجال وخاصة أن الدجال من أشراط الساعة والله يعلم متى الساعة فعلم أن الناس ليسوا بحاجة إلى معرفته أو شيء من هذا القبيل, أقول سبحان الله! أليس القرآن الكريم كتاب للجيل الأول والأجيال القادمة من البشرية!؟ فقول إن الناس ليسوا بحاجة إلى معرفته أمر غير منطقي البتة! لأنه وقت خروج الدجال فماذا يفعل المسلمون وليس في كتابهم شيء عن ذكر الدجال؟


    الكلمة السادسة
    إن سلمت لكم بأن الناس ليسوا بحاجة إلى معرفة الدجال ولهذا لم يحذر الله سبحانه من شره في كتابه, سأقول لكم مباشرة إذا! لم أخبرنا النبي عن أخباره وكيف ننجو من فتنته و غير ذلك من الأمور؟ أليس النبي وحي يوحى!؟ عرفنا عن طريق الأحاديث أن ليس نبي إلا وحذر قومه فتنة الدجال! أي أن احتمال خروجه عندهم كان وارد وإلا فلم التحذير!؟ والحقيقة القول بأن الله كونه يعلم متى يخرج الدجال فلم يذكره و قد حذر الأنبياء من وقت نوح ثم لا يذكر الله في كتابه الحقيقة فيه نوع قدح في رحمة الله على قدر فهمي لأسماء الله وصفاته فأعطي هذا الموضوع حقه من التأمل!


    الكلمة السابعة
    تفصيل ما ذكرت, أقول هل فتنة الدجال أشد أم فتنة ابليس؟ من ظاهر الأحاديث إن الدجال أشد فتنة, فكون الدجال أشد فتنة من ابليس ثم لم يذكر الدجال!؟ عجيب! فإن قلت قد اكتفى الله بذكر ابليس أقول وإن ذكر ابليس فلم ذكر الفتنة الأقل خطورة من الفتنة الأشد خطورة؟ ثم كون فتنة الدجال أعظم فتنة يعارض بعض الأحاديث في نفس الباب أقصد خروج الدجال بغض النظر عن بقية الأحاديث. فإن قلت إن الله لم يذكر ابليس في القرآن لأنه أعظم فتنة, ولن يكون فتنة إن ذكر!؟ أقول هذا ابليس مذكور وفتنته مستمرة فلا يرد علي هذا الاشكال.


    الكلمة الثامنة
    في بيان أن عدم ذكر الدجال فيه قدح لأسماء الله الحسنى , إن قلت فتنة الدجال أشد من فتنة ابليس أقول قد حذرنا الله من فتنة ابليس وكيف استطاع أن يضلّ آدم وهو أول إنسان خلقه الله بيده وعلمه أسماء كل شيء وأسجد له الملائكة وعاين هذه العجائب بنفسه بل عاش في الجنة ثم استطاع ابليس أن يغويه ونجح في ذلك!؟ ثم يكون الدجال أعظم فتنة من ابليس ولا يذكر الله شيئا عنه ليحذر عباده من شره؟ وأين نحن من إيمان آدم وتعظيمه لربه! فهل يكلف الله البشر الذين ليسوا من خير القرون بفتنة أعظم من وسوسة الشيطان؟ ألم يقل الله في كتابه: ((لا يكلف الله نفسا إلا وسعها)) فلهذا قلت عدم ذكر الدجال قدح في رحمة وحكمة الله على قدر فهمي.


    الكلمة التاسعة
    إن المتأمل في القرآن يدرك تماما بأن الساعة بغتة ولا يعرف وقتها إلا الله , قال الله في كتابه العظيم: ((يَسْألُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَـوَاتِ وَالأرضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسألُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ* قُل لاَ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَآءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)) فالله هو الوحيد الذي يعلم وقت الساعة, فإن قلت لا اشكال فقد تكون بعد خروج الدجال ونزول عيسى عليه الصلاة والسلام وغيرها من هذه الأمور المذكورة في الأحاديث. قلت لك إذا اختفى الشفقة منها! أي الشفقة أن كونها تأتي بغتة! بل إني شخصيا سألت أكثر من طالب علم عن قرب الساعة قال ليست الآن: "لابد من خروج المهدي و يعيش سبع سنين و يخرج الدجال ويعيش كذا وكذا و ينزل عيسى ويعيش كذا وكذا" فالساعة ليست الآن! فأمثال هؤلاء في مأمن من الساعة إلى 20 سنة قادمة على الأقل وهذا الحقيقة عكس المقصد المطلوب من كونها بغتة فتأمل هذا الموضع!


    الكلمة العاشرة:
    قال الله سبحانه عنهم بأنهم كانوا يسألون ((أيّان مرساها)) أي متى أو أيّان موعدها, وفي تفسير القرطبي عن الربيع بن أنس: "متى زمانها", كان بإمكان الرسول أن يجيب كما يجيب في الأحاديث إذا خرج كذا وكذا, فإن قلت المقصود لحظة وقوع الساعة أي الصعقة وهذه الأمور فأين الدليل أقصد دليل التعيين؟ لأن السؤال المذكور في الآية نفس السؤال المذكور في الأحاديث الأخرى ولا وجود لقرينة تميز هذه الآية عن الأحاديث وقد تكونون أعلم بذلك مني في هذه الأمور. فإن قلت المقصود بالساعة يوم البعث, القيامة, فأقول لك أن ثمة فرق بين الساعة والقيامة ولا أظن أن يخفى ذلك عليكم ولتميز الفرق فالسياق مفيد. فإن كان المقصود هنا بالقيامة فأين الدليل على ذلك؟


    الكلمة الحادية عشر
    تأمل الآية قال الله سبحانه: ((كأنك حفي عنها)) أي عالم بها علما عميقا و من تأمل الأحاديث لوجد فعلا أن الرسول تقريبا لم يترك شيء من أشراط وترابط أحداث الساعة إلا ذكرها, إلا أنه لم يحددها ومن كان له مثل هذا العلم كان يستطيع أن يقول لهم انتظروا المهدي وانتظروا الدجال وانتظروا نزول عيسى بن مريم وهكذا. و يسألونك كأنك حفي عالم بها، كأنه يلوح إلى أنهم كرروا السؤال و ألحوا عليه، و لذلك كرر السؤال و الجواب والله أعلم. فإن تكرر السؤال والرسول اجابته نفس الاجابة لا يعلمها ولم يذكر القرآن أي شيء أن الرسول قال لهم بعد حدوث كذا وكذا.


    الكلمة الثانية عشر
    قال الله : ((قل إنما علمها عند الله)) أي ليس العلم عندك وارجع العلم إلى الذي عنده علم بأمرها. الرسول ذكر كثيرا من الأمور المتعلقة بآخر الزمان وقبل الساعة, من خروج المهدي والدجال ونزول عيسى وغيرها من هذه الأمور. فإن قلت الآية لا يدل أن الرسول يعلمها لكنه أدبا وعبودية أرجع العلم إلى الله سبحانه قلت لك اكمل قراءة الآية ويتبين لك ((وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ)) فهذا دليل قوي على أن النبي لم يكن يعرف عنها. أحب أن أبين لك بمثال, أرأيت إن كنت تدرس في جامعة, وسألتك متى الامتحانات فأجبت: "عندما أنتهي من المساقات كلها" فإنك توصف بالعلم بوقتها ولكن هل تعلم في أي ثانية تكون و في أي دقيقة على التعيين؟ مستحيل! لكن مجملا تعلم متى وقتها, فإن كان المقصود التعيين أقصد حال قيامها أو وقوعها بالتحديد فللساعة ليست خاصية محددة ولكن واضح من الآيات أن للساعة أقصد العلم بها شأن غير الأمور الأخرى من وصول فلان في الثانية الفلانية وهكذا.


    الكلمة الثالثة عشر
    قوله: ((وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ)) يدل على أن الرسول لا علم له بها, فالدجال وخروج المهدي و نزول عيسى من الغيب لا شك, أقصد أمور مستقبلية وكلمة الغيب تشمل كل هذه الأمور, فإن قلت المقصود الغيب هنا الساعة فقط أي قيام الساعة فقط لم قال بعدها: ((لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ)) فإن حصول الخير ودفع الشر ممكن إن علم أمورا كثيرة من الغيب مثل خروج الدجال ونزول عيسى وخروج المهدي وكذا وكذا ومن كان على يقين أن الساعة لا تقوم إلا بعد هذه السنوات ألم يكن ليرتاح البال قليلا؟ كما كان صاحبنا طالب العلم؟ وأليس الشفقة من أمور هي واقعة قبل الساعة أقصد قيامها لأنها تقدمها فكان الأحرى الخوف منها أولا. ألا ترى أن المؤمن مشفق من موته أكثر من الساعة, لأن وقت حصول موته ممكن أن تكون أية لحظة ربما دقيقة بعد الآن لكن الساعة لا تقوم حتى يخرج الدجال ويعيث في الأرض فسادا وكذلك ينزل عيسى ويعيش بسلام بعد قتل الدجال ونهاية يأجوج ومأجوج وأخبار السلف كثيرة من الشفقة من الموت والقبر وأمور تسبق الساعة.


    الكلمة الرابعة عشر
    لم لم يذكر القرآن عن الأنبياء أنهم حذروا الدجال, أليس الأجدر بالتحذير من الدجال!؟ بل كل اخبارهم انهم كانوا يدعون إلى التوحيد و يحذرون أقوامهم بعذاب الله أو الساعة, فإن خروج الدجال من الآيات التي لا ينفع نفس إيمانها بعد أن لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا كما في بعض الأحاديث. وكذلك النبي كان يحذر قومه أي قريش من الساعة. بل لم أجد في القرآن أي موضوع ولا في الأحاديث متى يخرج الدجال وهو أقرب من الساعة لكنهم دائما يسألون متى الساعة! وكذلك من قرأ كتب اليهود والنصارى أقصد الذي يزعمون بأنه التوراة أو الإنجيل فإنه لا يجد في قصص الأنبياء تحذيرا من خروج الدجال صراحة.


    الكلمة الخامسة عشر
    قال الله في كتابه: ((فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا)) أي أمارات اقترابها كانشقاق القمر وغيرها وتأمل قول الله سبحانه "فهل ينظرون إلا الساعة" يعني كأنه لم يبقى من الأمر شيء إلا أن تأتيهم بغتة ومعلوم عند نزول هذه الآية لم يخرج المهدي ولا الدجال (لفتنة الناس) ولم ينزل عيسى ! أما الرسول فنعم قد بعث وهو من أشراط الساعة. عند نزول هذه الآية كان بإمكان الكفار أن يستنكروا ويقولوا لم يخرج الدجال ولا نزل عيسى فمن أين يأتي رسول الله بآية صريحة أن الأشراط قد جاءت!؟ فإن قلت لكن الله لم يقل: "فقد كملت أشراطها" لقد جاء بعض أشراطها وبعض أشراطها الأخرى ستأتي في المستقبل أقول تابع القراءة: ((فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ)) أي لا ينفعهم عندما تأتي, ومعلوم من الأحاديث أن النصارى يؤمنون بعيسى ويقاتلون معه الدجال, أليس هذا نفع لهم؟ فلم ختم هذه الآية بالرغم من أن خروج الدجال لا ينفع نفس إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا! سبحان الله! وأين الشفقة من الساعة إن جاءت بعض أشراطها من كونها فعلا أتت أشراطها ولم يبقى إلا الساعة! والله إن لهناك فرقا عظيما!


    الكلمة السادسة عشر
    سأسلم لكم بأن الأشراط لم تكتمل بعد وفقط جاء بعضها, فعندما يخرج المهدي ويخرج الدجال وينزل عيسى ويصلي مع المسلمين والإمام هو المهدي أو إمام من المسلمين تشريفا للأمة, فماذا لو قلنا: ((فقد جاء أشراطها)) المقصود لم تكتمل حتى بعد موت عيسى ؟ سبحان الله الآية واضحة! ولنفترض أنها صحيحة فما ينفع هذا الوعيد حينها ولا ينفع نفس إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا.


    الكلمة السابعة عشر
    إن قلت بأن المقصود بالساعة في هذه الآية ساعة الإنسان أي موته, قلت لك مباشرة فلم قال: ((فقد جاء أشراطها)) ومعلوم أن علامات موت الانسان مختلفة من شخص لآخر من مرض وكبر سن أو علة أو غير ذلك من هذه الأمور. لك أن تقول نعم إن ولادة الإنسان شرط لموته ولكن ما أظهر بعد هذا التفسير للآية.


    الكلمة الثامنة عشر
    أخي القارئ, هل تساءلت يوما, لم يعطي الله هذه المعجزات والخوارق للدجال!؟ فقد أعطاه قدرات إلهية وآيات تفوق كل الأنبياء لكي يختبر الناس!؟ هل المقصود فتنة الناس عن دينهم؟ ولم الله يؤيد الدجال ليفتن الناس ثم لا يؤيد الرسول بمثل هذه المعجزات أقصد خوارق العادات من احياء الموتى باستقلالية كما يفعل الدجال؟ والمقصود أعظم أقصد أن يؤمن الناس برب العالمين بدلا من الدجال؟ إن قلت إن الله أعطى أنبيائه معجزات نعم أقول لكن خوارق كما هي مجتمعة للدجال لم نعرف عن أي نبي سبق ومعه كل هذه الخوارق لقوم مخالف! والمتأمل يجد بأن معجزة النبي الكبرى القرآن, لأن المعجزة المحسوسة تنفع المشاهد وقتها فقط ولا تنفع من لم يشاهدها كثيرا, فأين معجزة فرق البحر من القرآن, فربما يأتي شخص اليوم يقول لم أشاهد عندما انفرق البحر فلن أؤمن, ولكن لا يستطيع أن يقول هذا مع القرآن, فإن قال لم أشاهد معجزة نبيكم (أي رسول الله ) نقول له مباشرة, المعجزة أمامك!


    الكلمة التاسعة عشر
    هل سيعذب الله من اتبع الدجال وافتتن بفتنته؟ أقصد كونه يحيى الموتى ويأمر السماء فتمطر ويخرج كنوز الأرض وغير ذلك من الخوارق, فإن ظاهر الأحاديث أنه يفعل ذلك حقيقة لا خداعا للأبصار! وكيف للبشر أن لا يفتتنوا من فتنته وقد آمن سحرة فرعون لموسى بعد أن القى عصاه, وأين معجزة العصا من الخوارق التي سيفعلها الدجال؟ أليس هذا تكليفا بما لا يطاق؟ فإن قلت فقد تم تحذير الناس من أنه كذاب ودجال وغير ذلك, فأقول كذلك قال فرعون والملأ من قومه أن موسى يريد أن يفتن الناس وما إلى ذلك ولكن بالرغم من ذلك لم يستطيعوا إلا أن يؤمنوا به وهم سحرة ولكن انسان ضعيف وعامي لا يفتتن بمثل هذه الأمور؟ فإن افتتن من كذلك حاله هل سيعذب؟ وهل من اتبع الدجال اضطرارا وكرها بسبب حاجته إلى الطعام او غير ذلك هل يعذب؟ وهل للدجال علم بما في القلوب فلا يقبل من يتبعه من أجل هذه الأمور؟


    الكلمة العشرون
    إن قلت إننا لا نعلم هذه التفاصيل ولكن كلها من حكمة الله, نعم صحيح من حكمة الله ولكن ألا يناقض هذه الأمور رحمة الله؟ فلم يحذر من الدجال في كتابه وسيكون معه كذا وكذا فقط لكون الدجال أعظم فتنة فكان لابد أن لا يذكر الدجال في القرآن كي يكون أعظم فتنة؟ ثم تخيل معي, إنسان عامي لا يقرأ الأحاديث ويقتصر على القرآن ولم يجد من يحذره من الدجال ثم رآه أمامه فافتتن به!؟


    الكلمة الحادية والعشرون
    هل من حكمة من خروج الدجال؟ فإن قلت لاختبار ايمان الناس, قلت لك تم هذا الأمر في القرآن وقد قال الله : ((قد تبين الرشد من الغي)) الأمر واضح, فالخير واضح, والشر واضح, كم مرة البشرية بحاجة إلى هذا الاختبار بعد أن بعث الله إليهم خاتم الأنبياء!؟ المهدي, ثم الدجال, ثم عيسى ألا يحتاج كل منهم إلى اختبار! اقصد لنعلم إن كان صادقا أم كاذبا, فأما المشابهات الخلقية فكم اليوم فيهم ما وصف الرسول من خلقتهم!


    الكلمة الثانية والعشرون
    هل يؤيد الله الكافر الذي يدعي الألوهية بمعجزات؟ أم أن المعجزات خاصة بالأنبياء كما صرح بذلك جمع من العلماء! إما نعم أو لا, إن قيل نعم قد يقول قائل قد يجري المعجز على يد كذابين (والعياذ بالله) ثم إن ظنوا ذلك فربما يدخل الشك في نبوة النبي فربما كذب الله، وربما كذب النبي في هذا الخبر وأيده الله بالمعجزة (حاشاه لله) ولكن الواقع أن هذه بعض مزاعم أهل الكتاب اليوم ورد العلماء في مثل كتاب "هداية الحيارى" كيف الله يؤيد عدوا لله بهذه الأمور المعجزة والتأييد. فإن قلت لا إن الله لا يؤيد الكفار بالمعجزات والخوارق (وهو اللائق بحكمته ورحمه وعدله وعزته مثل إنه غير لائق به أن يترك الناس سدى أو يرسل إليهم رسولا) أقول إذا انتهينا من موضوع الدجال لأنه يخالف هذا الأصل. فإن قلت لا يؤيده بدليل يقرأ كل كاتب وغير كاتب على جبهته كافر! ولكن مباشرة سيقول لك من لا يقرأ لم يتبين لي كذبه! الحقيقة لو أننا نجيز عقلاً أن الله يجري المعجزات على يد مدعي النبوة والألوهية فإنه من الصعب إثبات القرآن الكريم وصدق محمد لغير المسلم بالرغم من إنه معجز فلابد من سلك طرق عقلية أخرى مستندة على أمور خارجية, فإن كان سهلا والحال هذه فأرجوكم أن تعلموني.


    الكلمة الثالثة والعشرون
    إن قلت من حكمة الله كما أنه يعطي الجن خوارق فكذلك أعطى هذا الإنسان مثل هذه الخوارق, أقول أولا إن قوانين الجن مختلفة عن قوانين البشر, فإن قلت قصة سليمان والعرش قلت لك مباشرة إنه ليس تأييدا للشياطين والجن بل إعطاء المعجزة لنبي من أنبيائه, فإن سلمت لك جدلا لقلت إن الله امتن على سليمان بذلك فقال ((سخرنا)) وكان في نفسه مقصود حسن, وما دليلك أن هذا العفريت كان كافرا؟ فإن قلت إن الجن يغوصون وغير ذلك أقول كذلك مخلوقات الله من البشر والحيوانات وغيرها. سأوضح لك ما أقصد بمثال, إن الإنسان لا يستطيع أن يطير لكنه قد يملك عصفورا يطير, وكذلك سليمان لا يستطيع أن يطير أو الغوص وهذه الأمور لكن كان تحت يده من المخلوقات من يستطيع ذلك. فإنك لن تذهب أمام انسان وتأتي بطير يطير فتقول انظروا ها أنا استطيع الطيران؟ أما عن خصائص الربوبية كإحياء الموتى وانزال القطر فلم نسمع بمخلوق قادر على ذلك استقلالا, بل كان احياء الموتى معجزة لعيسى بن مريم ولكن عقب الله بعد أن ذكر منته علي وقال: ((بإذني)) وإنك لا تجد هذه المنة من الله إلا يقرنه الله "بإذني" بخلاف بعض المنن الأخرى, لأنه من خصائصه سبحانه, عندما كان يحيى عيسى بن مريم الموتى كان يستعين بالله في ذلك, فهل الدجال وقت الفعل يستعين بالله, وإن كان كذلك فهل يجيبه الله مباشرة؟ تعالى الله عما فهمته أنا علوا عظيما... فإن قلت نرى اليوم سحرة يستعينون بالجن يقومون بمثل هذه الخوارق, أقول لك راجع قصة قتله للمؤمن, و إن سلّمت لك أنه ساحر, ألا يملك الساحر أن يفتن المسحور! بدليل القرآن والسنة فإن يستطيع ذلك ألا يكون لهم العذر!؟


    الكلمة الرابعة والعشرون
    قال الله : ((إذْ قَالَ إبْرَاهِيم رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيت . قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيت قَالَ إبْرَاهِيم فَإِنَّ اللَّه يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِق فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِب فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ)) فكأن الذي حاج إبراهيم سأله: من ربك؟ فقال: ((ربي الذي يحيى ويميت)) استدل ابراهيم على ربوبية الله وخصوصيته بالإحياء والإماتة و هذا ظاهر, فمن آكد خصوصيات الربوبية أنه يحيى ويميت, فهذا الدجال كما في الأحاديث يحيى ويميت فإن حاجه انسان وقال له إن ربي الذي يحيى ويميت لقال اتباع الدجال: "ربي الدجال يحيى ويميت" (استغفر الله العظيم) حقيقة لا مكابرة كالذي حاجه ابراهيم كما قصته مذكورة في كتب التفسير. فلو قالوا إن الدجال يستطيع احياء الموتى بإذن الله أو بكذا و كذا لقلنا ربما لكن هيهات هيهات! وتأمل فقه ابراهيم حيث أعاد المسألة إلى أصلها, أقصد القضية التي لم يدَّعِ أحد أنه فعلها، ولم يدَّع أحد أنه شريك فيها بل في القرآن آيات تدل على أن الكفار يقرون بذلك, ولكن إن قلت لي لكن هنا من ادعى ذلك من أهل هذا العصر أو غير ذلك, نقول له كل دعوى باطلة إن لم يدعمها دليل حسي, أما في الأحاديث فالدجال عنده هذا الدليل الحسي. فإن قلت إنه قتل المؤمن ولم يميته أقول لكنه أحياه, وما تقول في فساد أرض من لم يتبعه و الأدلة كثيرة.
    الكلمة الخامسة والعشرون
    قال الله في كتابه: ((لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ)) وهذه الآية أيضا تدل على أن الإحياء والإماتة من خصائص الله, تأمل بعد أن قال (لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ)) أتى بالدليل عليها بقوله ((يحيي ويميت)) لأن مسألة الإحياء والإماتة لله وحده لا منازع له فيها، فمثل هذه الآية, آيات كثيرة تدل على هذه الخصوصية. بل من تأمل هذه الكلمة التي نرددها في كل يوم: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو على كل شيء قدير" ففي هذه الكلمة من أفعاله الإحياء والإماتة وهذا واضح لمن تأمل ذلك ولم يكابر عقله.


    الكلمة السادسة والعشرون
    قال الله : ((قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ)) تأمل استدل بالرزق من السماء على ألوهيته, قال ابن كثير : أي من ذا الذي ينزل من السماء ماء المطر وفي تفسير الجلالين ((والأرض)) أي بالنبات فأيضا هذه الأمور من خصائص الله الذي لا نزاع في ذلك حتى بين الكافرين الذين يقرّون بوجود الله, ولكن الدجال أعطي مثل هذا بل أعجب فمن فتنته أن يأمر الأرض فتخرج كنوزها ، ويمر على القوم يؤمنون به فيأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت ، ويمر على من يردون قوله ويكذبون حديثه فيصيبهم القحط, فبمجرد الأمر وكأنه "كن فيكون" والعياذ بالله, فهل يعقل أن يؤيد الله هذا الكافر بهذه المعجزات وبهذه السرعة والقدرة ثم لا يفتتن به الناس وخاصة الذين لم يقرؤوا أحاديث الرسول . وأيضا الآية فيها ملك السمع والأبصار واخراج الحي من الميت والعكس فالآية ظاهرة أن هذه الأمور لا يقدر عليها أحد سوى الله .


    الكلمة السابعة والعشرون
    فإن قلت إن الإنسان يقال له يرزق فلان كذا وكذا إذا أطعمه ولكن أقول من تأمل الأحاديث لم يشك أن المقصود ليس ذلك, بل واضح وضوح الشمس أن هذه الأفعال خارقة بمجرد أمر, ليس بآلات والدليل على ما أقول أن من لم يؤمن به يصيبهم القحط ولم يذكر في الحديث أنه أفسد شيئا من ذلك بيده أو أمر جنوده بذلك. أليس لنا في قصة موسى فرعون وقومه عبرة وكيف أيد الله موسى بمثل هذه الآيات ليؤمن الناس به!


    الكلمة الثامنة والعشرون
    إن ابليس أصل الشر لم يعطه الله أي من هذه الخوارق لكي يفتن الناس عن دينهم أو ليختبر الناس, وهذا واضح, والدليل على ذلك في القرآن: ((وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) فهذا دليل قاطع على أن الشيطان ضعيف وكل ما يستطيع أن يفعله هو الوسوسة وتزيين الباطل فلا يستطيع احياء الموتى وغيرها من هذه الأمور وهو العدو الأساسي لله ولرسله والمؤمنين. أما من افتتن بالدجال فله أن يتعذر ويقول: "رب أعطيته ما لم تعطه الأنبياء, وأعطيته أمورا هي من خصائصك كإحياء الموتى وانزال القطر وجنة ونار فافتتنت به" أما ابليس فقد صدق في الآية وهو كذوب, ليس له سوى الوسوسة.


    الكلمة التاسعة والعشرون
    فإن قلت إن الله استجاب للشيطان وهو الذي تمرد عليه وأخرج آدم من الجنة فكيف يستجيب الله للشيطان, فكيف لا يعطي الدجال هذه الخوارق! أقول سبحان الله! لو لم يمهل ابليس لما حصل الغاية من الخلق وهو الابتلاء للعبودية ولما حصل ما حصل من المطالب العظيمة التي لا يخفى على عوام الناس فضلا عن طلاب العلم والعلماء. ومن سأل مثل هذا السؤال لاشك سيسأل لم خلق ابليس و لم خلق البشر وهكذا. ولابن القيم في الاجابة على هذا السؤال أسباب وحكم كثيرة موجودة في كتبه مثل شفاء العليل و مفتاح دار السعادة وهذه الحكم التي يقرها العقل موجودة أيضا في كتاب كشف الأسرار عما خفي عن الأفكار وغيرها من الكتب.


    الكلمة الثلاثون
    من فقه أسماء الله الحسنى لعلم أن استجابة الله لابليس دليل عظيم على كون الله هو الرب "العزيز الحكيم" فابليس دعى ربه أن ينظره ((قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون)) فمن خصائص الربوبية أنه يجيب دعوة من دعاه فيما لا يقدر عليه أحد سواه, ألا ترى أن معظم من قام بالدعاء من الأنبياء والمرسلين والصالحين عندما يدعون الله يقولون: ((رب)), وأعطيك بعض الأمثلة: ((رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء)), ((رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا)), ((رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء)), ((رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ)), ((ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)) وغيرها من الآيات. وكونه أنه العزيز فلأن الله لن يضره لو عاش ابليس ألف ألف مرة كعمر الدنيا كلها فلن يضر الله شيئا, ألا ترى أن ابليس في موضع آخر قال: ((فبعزتك لأغوينهم أجمعين)) فأقسم ابليس بعزة الله و لم يقسم بأي صفة أخرى لكن أقسم بصفة العزة لأنه يعلم بأن الله عزيز و مستغني عن خلقه لا يحتاج إليهم، و لا تضره معصية العاصين و لا تنفعه طاعة المطيعين. إن الله له العزة كلها سبحانه جل في علاه، فالرب عزيز قبل أن يخلق الخلق، وعزيز بعد أن خلق الخلق و عزيز قبل طاعة الخلق و عزيز بعد معصية إبليس و العاصين من بعده. أما كونه حكيما فلا يخفى. ثم انظر كيف توجه ابليس إلى الله للحصول على مطلوبه وإن كان شرا, ولكن الدجال عندما يحيى الموتى لا يسأل الله ولا يدعوه وكأنه غني وعزيز يستطيع فعل ذلك بغير حاجة إلى الله فالفرق بين ابليس والدجال كالفرق بين السماء والأرض أقصد من امهال الله لابليس واعطاء هذه الخوارق للدجال. فإن قلت إنك لا تدري لعله يتجه إلى الله, أقول هذا خلاف الظاهر و هذا قول لا يدعمه الدليل.


    الكلمة الحادية والثلاثون
    بالرغم من ضعف سلطان الشيطان وكيده إلا أن الله حذرنا منه ومن عداوته كثيرا والآيات كثيرة في ذلك, وتأمل كيف بين لنا طريقة لنرد نزغات الشيطان بكل يسر, قال الله : ((وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)) بخلاف الحال مع الدجال وهذا ظاهر.


    الكلمة الثانية والثلاثون
    من أشراط الساعة كما نعلم هو بعثة النبي : و قد قال رسول الله كما في البخاري: "بُعِثتُ أنا والسَّاعةُ كهاتَيْن" وهذه اشارة عظيمة لقرب الساعة ببعثة النبي , بل لم يشبه الرسول بقرب الساعة وخروج الدجال او نزول عيسى بمثل ما شبه بعثته والساعة وكأنه أقوى وآخر شرط. و في حديث آخر: " لستُ مِنَ الدنيا ، وليسَتْ مني ، إِنَّي بُعِثْتُ والساعةُ نَسْتبِقُ" نستبق وهذا تشبيه وانذار عظيم للناس, نستبق! أي كأننا نتسابق أيهما قبل! وفي حديث سهل بن سعد الساعدي: "مثلي ومثلُ الساعةِ، كفرسي رهانٍ، مثلي و مثلُ الساعةِ كمثلِ رجلٍ بعثَهُ قومٌ طليعةً، فلما خشيَ أنْ يسبقَ، ألاحَ بثوبيهِ : أتيتمْ أتيتمْ، أنا ذاكَ، أنا ذاكَ" فلم يكن يستبق الدجال ولا عيسى ولا المهدي مع الساعة بل الرسول , أقصد في المثال. تخيل معي أربعة أشراط للساعة الرسول والمهدي والدجال و نزول عيسى , فلم يكن ليخشى الرجل (الذي شبه الرسول بنفسه) ان سبقته الساعة لأن على الساعة أن تسبق المهدي والدجال وعيسى بن مريم . فإن قلت الرسول ليس بحاجة لذكر تفاصيل الساعة لك ذلك ولكن أليس خروج الدجال ونزول عيسى كما ذكر العلماء من علامات الساعة الكبرى! على كل أدعوك من جديد أن تتأمل هذه الأحاديث مجددا بعد أن تلجأ إليه بـ"اللهم أرني الحق حقا وارزقني اتباعه وأرني الباطل باطلا وارزقني اجتنابه"


    الكلمة الثالثة والثلاثون
    عن أبي سعيد الخدري قال رسول الله : "كيف أُنَعَّمُ وصاحِبُ الصورِ قدِ التَقَمه، وأَصْغَى سَمعَه، وحَنَى جَبهتَه، ينتظرُ متى يُؤْمَرُ بالنفخِ ؟ !، فقالوا : يا رسولَ اللهِ ! وما تأمرُنا ؟ ! قال : قولوا : حَسْبُنَا اللهُ ونِعْمَ الوكيلُ" وفي روايات أخرى "صاحب القرن". من تأمل هذا الحديث لعلم أن الساعة قريبة وقد تكون بغتة حتى في زمن الرسول , فإن الرسول لو كان يعلم بخروج المهدي ثم الدجال ثم نزول عيسى بن مريم و هذه الأحداث بدليل هذا الحديث وهذه الأمور أقصد خروج الدجال ونزول عيسى بن مريم لا تكون في يوم أو يومين بل سنوات فبالتالي الصور لا ينفخ فيه قبل هذه الأحداث, لكن الحديث ظاهر وكأن الساعة كانت ممكنة الوقوع في زمن الرسول ولذلك ثقلت على الصحابة رضوان الله عليهم.


    الكلمة الرابعة والثلاثون
    تعليقات على بعض الأحاديث الواردة في ذكر الدجّال. "خطب عمر بن الخطاب فحمد الله وأثنى عليه فقال ألا إنه سيكون من بعدكم قوم يكذبون بالرجم وبالدجال وبالشفاعة وبعذاب القبر وبقوم يخرجون من النار بعدما امتحشوا [ وفي رواية ] وزاد ويكذبون بطلوع الشمس من مغربها"
    الراوي: عبدالله بن عباس المحدث:الهيثمي - المصدر: مجمع الزوائد - الصفحة أو الرقم: 7/210
    خلاصة حكم المحدث: فيه علي بن زيد وهو سيئ الحفظ وبقية رجاله ثقات. أقول: من الدرر السنية, الحديث ضعفه الهيثمي وأيضا البوصيري و الوادعي يقول إلى الضعف أقرب, وقد قرأت في ملتقى أهل الحديث أن الألباني وشعيب الأرناؤوط أيضا يضعفان الحديث. واستدل بهذا الحديث أن أمثالي يمهدون لخروج الدجال لاستفساراتي أو إيرادي بعض الشبهات مما دفعني من التحفظ عن ابداء رأي من قبل ولكن الحمدلله إن الحديث ضعيف. أما حديث إن الناس ينسون ذكره على المنابر أيضا ضعفه أمثال شعيب الأرناؤوط فأقل ما فيه أن العلماء اختلفوا في صحته. ومن تأمل هذه الأحاديث لاستغرب لما يحاولون أن يرهبوا الناس بهذه المواضيع؟ وكأنهم أرادوا أن يغروا الناس على تصديقها والله أعلم بالحقيقة.


    الكلمة الخامسة والثلاثون
    حديث الْمُغِيرَةِ بْنِ شَعْبَةَ قَالَ: مَا سَأَلَ أَحَدٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الدَّجَّالِ مَا سَأَلْتُهُ وَإِنَّهُ قَالَ لِي: «مَا يَضُرُّكَ مِنْهُ؟» قُلْتُ: لأَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّ مَعَهُ جَبَلَ خُبْزٍ وَنَهَرَ مَاءٍ قال: "هُوَ أَهْوَنُ عَلَى اللهِ مِنْ ذَلِكَ" [أخرجه البخاري في: 92 كتاب الفتن: 26 باب ذكر الدجال]. أقول هذا الحديث يدل على أن الدجال ليس معه خوارق, فإن قيل أن هذا الحديث قبل ذكر بقية أحاديث الدجال وأن الرسول لم يخبرهم عن تفاصيل الدجال أقول إذا لم قال المغيرة "ما سأل أحد النبي عن الدجال ما سألته" فهذا يدل أن ثم أسئلة كثيرة واردة عن موضوع الدجال.


    الكلمة السادسة والثلاثون
    إن قيل معنى هو أهون على الله أي من أن يضل المسلمين, أقول لا والله, إن إنسانا يحيى الموتى, ويأمر السماء فتمطر والأرض فتخرج كنوزها وغير ذلك فهو لا شك أنه يستطيع أن يضل غيره لولا عصمة الله, أما من عصمه الله فلا سبيل إليه وفي أخبار الأولين والمتقدمين من افتتن في أقل من هذه الخوارق, بل بالوسوسة.


    الكلمة السابعة والثلاثون
    فإن قيل هو سحر وليس بحقيقة أقول له إذا هذه أيضا حجة للإنسان الذي يفتتن به, فإن الإنسان البسيط لا يستطيع أن يدرك أن هذا غير حقيقة. ألا ترى أن موسى أوجس في نفسه خيفة من سحر سحرة فرعون وكيف أن طمأنه الله ! وأين نحن من إيمان موسى وأين التأييد لنا كتأييد الله لموسى .


    الكلمة الثامنة والثلاثون
    قال رسول الله : "ما يضرك منه" وكأن لا يستطيع أن يضر أحد وهذا هو اللائق بأمثال هؤلاء, كابليس فانه لا سلطان له على الناس إلا أن يوسوس إليهم لهذا نجد في القرآن: ((وما كان لي عليكم من سلطان)) ومعلوم أن ابليس يخاطب الذين في النار. أما لو كان عند الدجال مثل هذه الخوارق المذكورة عن الدجال فيمكنه أن يحتج ويقول: "ربي لقد أعطيته من خصائصك مثل احياء الموتى, وانزال القطر, ونزع الرزق أو زيادة منه وهكذا" فهم استجابوا عن اضطرار وحاجة بخلاف الوضع مع ابليس وهذا واضح لمن تأمل. فإن قيل إن الرسول حذرهم, فأقول إن الرسول حذر الرماة في غزوة أحد ولكن ما إن شاهدوا الغنائم عصوه والرسول كان معهم, ولكن هؤلاء الرسول ليس معهم, وقد تصلهم الأخبار أو لا وفي بعض الأحاديث الواردة فرّ عثمان ولكن عفا الله عنه بدليل آية سورة آل عمران كما في تفسير ابن كثير وقد حقق الحديث الشيخ حكمت بشير حفظه الله صاحب "التفسير الصحيح", و أين إيمان المتأخرين من إيمان عثمان ابن عفان وهو أحد المبشرين بالجنة , وأين فتنة المشركين والغنائم من فتنة احياء الموتى و غيرها من هذه الأمور ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها...


    الكلمة التاسعة والثلاثون
    أحاديث طلوع الشمس من مغربها: "إن أول الآيات خروجا ، طلوع الشمس من مغربها ، وخروج الدابة على الناس ضحى . وأيهما ما كانت قبل صاحبتها ، فالأخرى على أثرها قريبا"
    الراوي: عبدالله بن عمرو بن العاص المحدث: مسلم - المصدر: صحيح مسلم - الصفحة أو الرقم: 2941 خلاصة الدرجة: صحيح.
    "لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات : طلوع الشمس من مغربها ، ويأجوج ومأجوج ، والدابة ، وثلاثة خسوف : خسف بالمشرق ، وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب ، ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس أو تحشر الناس فتبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا"
    الراوي: حذيفة بن أسيد الغفاري المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الترمذي - الصفحة أو الرقم: 2183 خلاصة الدرجة: صحيح
    "اطلع رسول الله من غرفة ونحن نتذاكر الساعة فقال لا تقوم الساعة حتى تكون عشر آيات طلوع الشمس من مغربها والدجال والدخان والدابة ويأجوج ومأجوج وخروج عيسى ابن مريم وثلاث خسوف خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر تبيت معهم إذا باتوا وتقيل معهم إذا قالوا"
    الراوي: حذيفة بن أسيد الغفاري المحدث: الألباني - المصدر: صحيح ابن ماجه - الصفحة أو الرقم: 3294 خلاصة الدرجة: صحيح
    "أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة على الناس ضحى قال عبد الله فأيتهما ما خرجت قبل الأخرى فالأخرى منها قريب قال عبد الله ولا أظنها إلا طلوع الشمس من مغربها"
    الراوي: عبدالله بن عمرو بن العاص المحدث: الألباني - المصدر: صحيح ابن ماجه - الصفحة أو الرقم: 3304 خلاصة الدرجة: صحيح
    "أول الآيات ، طلوع الشمس من مغربها"
    الراوي: أبو أمامة الباهلي المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم: 2560 خلاصة الدرجة: صحيح
    "ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا : طلوع الشمس من مغربها ، و الدجال ، و دابة الأرض"
    الراوي: أبو هريرة المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم: 3023 خلاصة الدرجة: صحيح
    تأملت هذه الأحاديث وعلى حسب فهمي وجدت بعض التعارض مع أحاديث الدجال, فإن كان طلوع الشمس من مغربها أول الآيات فهذا يعني أن طلوع الشمس قبل المهدي والدجال ونزول عيسى فكيف يستقيم ذلك؟


    الكلمة الأربعون
    أحاديث المهدي والدجال واضح أن فيها الإيمان والكفر, أقصد أناس يؤمنون بالمهدي ويتبعونه وأناس يتبعون الدجال والنصارى يؤمنون بعيسى ابن مريم فيؤمن معظمهم وغيرها من الأحاديث, فهذه الأحاديث تدل على أن الإيمان وقتها ينفع. فإن قيل لا المهدى من العلامات الوسطى أما الشمس والدجال من العلامات الكبرى, سأقول كيف صنفت أن المهدي من العلامات الوسطى؟ هل عندك دليل؟ ربما تقول لي استنبطت ذلك, وإن سلّمت لك ذلك فماذا عن الدجال؟ فلن تستطيع أن تقول أنه من العلامات الوسطى أو الصغرى بدليل الحديث أبو هريرة "ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها" وذكر في الحديث الدجال. ومعلوم أن الدجال قبل عيسى ومعلوم أن الإيمان ينفع حتى بعد نزول عيسى .


    الكلمة الحادية والأربعون
    فإن قلت: "لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل" المقصود أن من كان مؤمنا فيما سبق فسيكون مؤمنا في هذه الأحداث, ومن كان كافرا سيبقى كافرا, سأقول لك مباشرة إذا تقصد أن النصارى كانوا مؤمنين من قبل نزول عيسى والدجال, بدليل أنه نفعهم إيمانهم بعد نزول عيسى وخروج الدجال, أليس كذلك؟ وهم الذين اعتقدوا فيه ما اعتقدوا! فإن قلت هم معذورون بالجهل, سأقول إذا نصارى اليوم معذورون بالجهل أيضا! وأضف إلى ذلك, في هذه الفترة, الذي أغلب الظن أنه أربعون عاما, هل تريد مني أن أصدق أنه لن يلد مولود جديد؟ فإن قلت نعم سأقول لك ما الدليل؟ ولكن أقول لك أن هناك أطفال فمن ولد ليس له خيار؟ فإن كان من أولاد اليهود سيكون كافرا لأنه لن ينفعه ايمان لم يكن آمن من قبل وبهذا يعذب بما ليس له خيار وهذا خلاف حكمة الله ورحمته, وإن كان مؤمنا فلا بأس بذلك, فهل تستطيع أن تؤكد لي أنه لن يلد إلا أولاد المؤمنون؟ لن تستطيع ذلك! وطبعا بعد عيسى سيأتي زمن ويكاد ينسون ذكر اسم الله وغير ذلك فهل كل هذه الفترة لن يلد أي مولود؟ فإن قلت نعم سأقول لك إذا كيف كفر الناس وستقوم الساعة على شرار الناس؟ لأنه باب التوبة انغلق فلا سبيل للمؤمنين, فالمؤمن غير معصوم ولابد أنه سيذنب فكيف له أن يتوب وباب التوبة اغلق في وجهه (أقصد الأحياء)


    الكلمة الثانية والأربعون
    تفكّر أيها الإنسان, في الحديث أنهم سألوا الرسول عن الصلاة أيام الدجال, كيف سيقدرون الصلاة والشمس قد طلعت من مغربها؟ هل سيصلون العشاء ثم المغرب ثم العصر وهكذا؟ وإن كان كذلك فهذا شيء من العجب ولم يرد في أي حديث من الأحاديث الخاصة بالدجال أو المهدي أو نزول عيسى شيء من ذلك, الحقيقة أستطيع أن أطيل المقام هنا ولكن أظن فيما قلت كفاية والله أعلم.


    الكلمة الثالثة والأربعون
    حديث الجساسة: روايات كثيرة ولكن كل الروايات عن فاطمة بنت قيس, أي هي الوحيدة التي تفردت بذكر هذا الحديث, بل إننا لا نملك حديثا واحدا لتميم الداري أقصد هو نفسه يحكي القصة. سأذكر لكم بعض الروايات التي حكم العلماء عليها بالصحة:
    "أنه سأل فاطمةَ بنتَ قَيسٍ ، أختَ الضَّحاكِ بن قَيسٍ . وكانت من المهاجراتِ الأُوَلِ . فقال : حدِّثيني حديثًا سمعتِيه من رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ . لا تُسنِديه إلى أحدٍ غيرِه . فقالت : لئن شئتَ لأفعلنَّ . فقال لها : أجل . حدِّثيني . فقالت : نكحتُ ابنَ المغيرةِ . وهو من خيارِ شبابِ قريش ٍيومئذٍ . فأصيبَ في أولِ الجهادِ مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ . فلما تأيَّمتُ خطبني عبدُالرحمنِ بنُ عوفٍ ، في نفر ٍمن أصحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ . وخطَبني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على مولاه أسامةَ بنِ زيدٍ . وكنتُ قد حُدِّثتُ ؛ أنَّ رسولَ الله ِصلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال " من أحبَّني فليُحبَّ أسامةَ " فلما كلَّمني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قلتُ : أمري بيدِك . فأنكِحْني من شئتَ . فقال " انتقلي إلى أمِّ شَريكٍ " وأمُّ شريكٍ امرأةٌ غنيَّةٌ ، من الأنصارِ . عظيمةُ النَّفقةِ في سبيلِ اللهِ . ينزل عليها الضَّيفانُ . فقلتُ : سأفعل . فقال " لا تفعلي . إنَّ أمَّ شريكٍ امرأةٌ كثيرةُ الضَّيفانِ . فإني أكره أن يسقطَ عنك خمارُك ، أو ينكشفَ الثوبُ عن ساقَيك ، فيرى القومُ منكِ بعضَ ما تكرهين . ولكنِ انتقلي إلى ابنِ عمِّك ، عبدِاللهِ بنِ عَمرو بنِ أمِّ مكتومٍ " ( وهو رجلٌ من بني فِهرٍ ، فِهْرِ قريشٍ وهو من البطن الذي هي منه ) فانتقلتُ إليه . فلما انقضتْ عِدَّتي سمعتُ نداءَ المُنادي ، مناديَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ينادي : الصلاةَ جامعةً . فخرجتُ إلى المسجدِ . فصلَّيتُ مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ . فكنتُ في صفِّ النساءِ التي تلي ظهورَ القومِ . فلما قضى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ صلاتَه ، جلس على المنبرِ وهو يضحكُ . فقال " لِيلْزمْ كلُّ إنسانٍ مُصلَّاه " . ثم قال " أتدرون لم جمعتُكم ؟ " قالوا : اللهُ ورسولُه أعلمُ . قال " إني ، واللهِ ! ما جمعتُكم لرغبةٍ ولا لرهبةٍ . ولكن جمعتُكم ، لأنَّ تميمًا الدَّاريَّ ، كان رجلًا نصرانيًّا ، فجاء فبايع وأسلم . وحدَّثني حديثًا وافق الذي كنتُ أُحدِّثكم عن مسيح ِالدجالِ . حدَّثني ؛ أنه ركب في سفينةٍ بحريةٍ ، مع ثلاثين رجلًا من لَخْمٍ وجُذامٍ. فلعب بهم المَوجُ شهرًا في البحرِ . ثم أَرفَؤوا إلى جزيرةٍ في البحر ِحتى مغربَ الشمسِ . فجلسوا في أقربِ السفينةِ . فدخلوا الجزيرةَ . فلقِيتْهم دابَّةٌ أهلبُ كثيرُ الشَّعرِ . لا يدرون ما قُبُلَه من دُبُرِه. من كثرةِ الشَّعرِ . فقالوا : ويلك ! ما أنت ؟ فقالت : أنا الجسَّاسةُ . قالوا : وما الجسَّاسةُ ؟ قالت : أيها القوم ! انطلِقوا إلى هذا الرجلِ في الدِّيرِ . فإنه إلى خبرِكم بالأشواقِ . قال : لما سمَّت لنا رجلًا فرَقْنا منها أن تكون شيطانةً . قال فانطلقْنا سِراعًا . حتى دخلنا الدِّيرَ . فإذا فيه أعظمُ إنسانٍ رأيناه قطُّ خَلْقًا . وأشدُّه وثاقًا . مجموعةٌ يداه إلى عُنُقِه ، ما بين ركبتَيه إلى كعبَيه ، بالحديدِ . قلنا : ويلك ! ما أنت ؟ قال : قد قدرتُم على خبري . فأخبروني ما أنتم ؟ قالوا : نحن أناسٌ من العربِ . ركبنا في سفينةٍ بحريةٍ . فصادفْنا البحرَ حين اغتلمَ . فلعب بنا المَوجُ شهرًا . ثم أرفَأنا إلى جزيرتِك هذه . فجلسْنا في أقربِها . فدخلنا الجزيرةَ . فلقيتْنا دابةٌ أهلبُ كثيرُ الشَّعرِ . لا يُدرى ما قُبُلُه من دُبُرِه من كثرةِ الشَّعرِ . فقلنا : ويلكِ ! ما أنتِ ؟ فقالت : أنا الجسَّاسةُ . قلنا وما الجسَّاسةُ ؟ قالت : اعمِدوا إلى هذا الرجلِ في الدِّيرِ . فإنه إلى خبركم بالأشواقِ . فأقبلْنا إليكَ سِراعًا . وفزِعْنا منها . ولم نأمن أن تكون شيطانةً . فقال : أخبروني عن نخلِ بَيْسانَ . قلنا : عن أي شأنِها تستخبرُ ؟ قال : أسألُكم عن نخلِها ، هل يُثمرُ ؟ قلنا له : نعم . قال : أما إنه يوشك أن لا تُثمرَ . قال : أخبروني عن بحيرةِ الطبريةِ . قلنا : عن أيِّ شأنِها تستخبرُ ؟ قال : هل فيها ماءٌ ؟ قالوا : هي كثيرةُ الماءِ . قال : أما إنَّ ماءَها يوشِك أن يذهبَ . قال : أخبِروني عن عينِ زغرٍ . قالوا : عن أي شأنِها تستخْبِرُ ؟ قال : هل في العينِ ماءٌ ؟ وهل يزرعُ أهلُها بماءِ العَينِ ؟ قلنا له : نعم . هي كثيرةُ الماءِ ، وأهلُها يزرعون من مائِها . قال : أخبروني عن نبيِّ الأُمِّيِّينَ ما فعل ؟ قالوا : قد خرج من مكةَ ونزل يثربَ . قال : أَقاتَلَه العربُ ؟ قلنا : نعم . قال : كيف صنع بهم ؟ فأخبرناه أنه قد ظهر على مَن يليه من العربِ وأطاعوه . قال لهم : قد كان ذلك ؟ قلنا : نعم . قال : أما إنَّ ذلك خيرٌ لهم أن يطيعوه . وإني مُخبرُكم عني . إني أنا المسيحُ . وإني أوشك أن يُؤذَنَ لي في الخروجِ . فأخرج فأسيرُ في الأرضِ فلا أدَعُ قريةً إلا هبطتُها في أربعين ليلةً . غيرَ مكةَ وطَيبةَ . فهما مُحرَّمتانِ عليَّ . كلتاهما . كلما أردتُ أن أدخل واحدةً ، أو واحدًا منهما ، استقبلَني ملَكٌ بيدِه السَّيفُ صَلْتًا . يَصدُّني عنها . وإنَّ على كل نَقبٍ منها ملائكةً يحرسونها . قالت : قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ، وطعَن بمِخصرَتِه في المنبرِ " هذه طَيْبةُ . هذه طَيْبةُ . هذه طَيْبةُ " يعني المدينةَ " ألا هل كنتُ حدَّثتُكم ذلك ؟ " فقال الناسُ : نعم . " فإنه أعجَبني حديثُ تميمٍ أنه وافق الذي كنتُ أُحدِّثُكم عنه وعن المدينةِ ومكةَ . ألا إنه في بحرِ الشام أو بحرِ اليمنِ . لا بل من قِبَلِ المشرقِ ، ما هو . من قبلِ المشرقِ ، ما هو . من قبلِ المشرقِ ، ما هو " وأومأ بيده إلى المشرقِ . قالت : فحفظتُ هذا من رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ."
    الراوي: فاطمة بنت قيس المحدث:مسلم - المصدر: صحيح مسلم - الصفحة أو الرقم: 2942
    "يا أَيُّها الناسُ ! هل تَدْرُونَ لِمَ جَمَعْتُكم ؟ إني واللهِ ما جمعتُكم لرَغْبةٍ ولا لرَهْبةٍ ، ولكن جَمَعْتُكم لأنَّ تَمِيمًا الداريَّ كان رجلًا نصرانيًّا ، فجاء فبايع وأَسْلَمَ ، وحَدَّثَنِي حديثًا وافق الذي كنتُ أحدثُكم عن المسيحِ الدَّجَّالِ ، حدثني أنه رَكِب في سفينةٍ بَحْريةٍ مع ثلاثينَ رجلًا من لَخْمٍ وجُذَامَ، فلَعِب بهِمُ المَوْجُ شهرًا في البحرِ ، ثم أَرْفَؤُوا إلى جزيرةٍ في البحرِ حتى غروبِ الشمسِ ، فجلسوا في أَقْرُبِ السفينةِ فدخلوا الجزيرةَ ، فلَقِيَتْهم دابةٌ أَهْلَبُ ، كثيرُ الشَّعَرِ ، لا يَدْرُونَ ما قُبُلُه من دُبُرِه من كثرةِ الشَّعَرِ ، فقالوا : وَيْلَكِ ما أنتِ ؟ قالت : أنا الجَسَّاسَةُ ، قالوا : وما الجَسَّاسةُ ؟ قالت : أَيُّها القومُ انطَلِقوا إلى هذا الرجلِفي الدَّيْرِ ، فإنه إلى خَبَرِكم بالأشواقِ ، قال : لَمَّا سَمَّتْ لنا رجلًا ، فَرِقْنا منها أن تكونَ شيطانةً ، فانطلقنا سِرَاعًا حتى دَخَلْنا بابَ الدَّيْرِ ، فإذا فيه أعظمُ إنسانٍ رَأَيْناهُ قَطُّ خَلْقًا ، وأَشَدُّه وِثاقًا ، مجموعةٌ يَدَاه إلى عُنُقِهِ ، ما بين رُكْبَتَيْهِ إلى كَعْبَيْهِ بالحديدِ ، قلنا : وَيْلَكَ ما أنتَ ؟ قال : قد قَدَرْتم على خَبَرِي ، فأَخْبِروني ما أنتم ؟ قالوا : نحنُ أناسٌ من العربِ ، رَكِبْنا في سفينةٍ بَحْرِيَّةٍ ، فصادَفْنا البحرَ حين اغْتَلَم ، فلَعِب بنا المَوْجُ شهرًا ثم أَرْفَأْنا إلى جزيرتِك هذه ، فجَلَسْنا في أَقْرُبِها ، فدَخَلْنا الجزيرةَ فلَقِيَتْنا دابةٌ أَهْلَبُ ، كثيرُ الشَّعَرِ ، ما يُدْرَى ما قُبُلُه من دُبُرِه من كثرةِ الشَّعَرِ ، فقُلْنا وَيْلَكِ ما أنتِ ؟ قالت : أنا الجَسَّاسَةُ ، قلنا ؛ وما الجَسَّاسَةُ ؟ قالت : اعْمَدُوا إلى هذا الرجلِ في الدَّيْرِ ، فإنه إلى خَبَرِكم بالأشواقِ ، فأَقْبَلْنا إليكَ سِرَاعًا ، وفَرِقْنا منها ولم نَأْمَنْ أن تكونَ شيطانةً ، قال : أَخْبِروني عن نخلِ بَيْسانَ ، قلنا : عن أَيِّ شأنِها تَسْتَخْبِرُ ؟ قال : أسألُكم عن نخلِها هل يُثْمِرُ ؟ قلنا له : نعم ، قال : أَمَا إنها يُوشِكُ أن لا تُثْمِرَ ، قال : أَخْبِروني عن بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ ؟ قلنا : عن أَيِّ شأنِها تَسْتَخْبِرُ ؟ قال : هل فيها ماءٌ ؟ قلنا : هي كثيرةُ الماءِ ، قال : إنَّ ماءَها يوشِكُ أن يذهبَ، قال : أَخْبِروني عن عينِ زُغَرَ . قلنا : عن أَيِّ شأنِها تَسْتَخْبِرُ ؟ قال هل في العينِ ماءٌ ؟ وهل يَزْرَعُ أهلُها بماءِ العَيْنِ ؟ قلنا له : نعم هي كثيرةُ الماءِ ، وأهلُها يَزْرَعون من مائِها ، قال : أَخْبِروني عن نبيِّ الأُمِّيِّينَ ما فعل ؟ قالوا : قد خرج من مكةَ ، ونزل يَثْرِبَ ، قال : أَقَاتَلَه العَرَبُ ؟ قلنا : نعم ، قال : كيف صنع بهِم ، فأَخْبَرْناه أنه قد ظهر على مَن يَلِيهِ من العربِ ، وأطاعوه ، قال : قد كان ذلك ! قلنا : نعم ، قال أَمَا إنَّ ذلك خيرٌ لهم ؛ أن يُطِيعُوهُ ، وإني أُخْبِرُكم عني ،أنا المسيحُ وإني أُوشِكُ أن يُؤْذَنَ لي بالخروجِ فأَخْرُجُ ، فأَسِيرُ في الأرضِ ، فلا أَدَعُ قريةً إلا هَبَطْتُها في أربعينَ ليلةً ، غيرَ مكةَ وطَيْبَةَ ، هما مُحَرَّمتانِ عَلَيَّ كِلْتاهما ، كُلَّما أَرَدتُ أن أدخلَ واحدةً منهما استقبلني مَلَكٌ بيدِه السيفُ صَلْتًا ، يَصُدُّني عنها ، وإنَّ على كلِّ نَقْبٍ منها ملائكةً يَحْرُسُونَها ، أَلَا أُخْبِرُكم ؟ هذه طَيْبَةُ ، هذه طَيْبَةُ . هذه طَيْبَةُ ، أَلَا كنتُ حَدَّثْتُكم ذلك ؟ فإنه أَعْجَبَنِي حديثُ تَمِيمٍ ؛ أنه وافق الذي كنتُ أُحَدِّثُكم عنه وعنِ المدينةِ ، ومكةَ ، أَلَا إنه في بَحْرِ الشامِ ، أو في بَحْرِ اليَمَنِ ، لا بل من قِبَلِ المَشْرِقِ ، ما هو من قِبَلِ المَشْرِقِ ، ما هو من قِبَلِ المَشْرِقِ ، ماهو"
    الراوي: فاطمة بنت قيس المحدث:الألباني - المصدر: صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم: 7889
    "دخلتُ إلى فاطمةَ بنتِ قيسٍ فسألتُها عن حديثِها فأخبرتني وقرَّبت إليَّ رطبًا ثمَّ قالت ألا أخبرُكَ بشيءٍ سمعتُه من رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ دخلتُ يومًا المسجدَ ورأيتُ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ جالسًا على المنبرِ وقدِ اجتمعَ إليهِ من كانَ في المسجدِ فجلستُ قريبًا منهُ فقال إنِّي لم أجمعكم لشيءٍ بلغني عنِ عدوِّكم ولَكن تميمٌ الدَّاريُّ أخبرني أنَّ بني عمٍّ لهُ أخبروهُ أنَّهم كانوا في سفينةٍ فعصفت بِهمُ الرِّيحُ حتَّى لا يدرونَ أشرَّقوا هم أم غرَّبوا فقذفتهُمُ الرِّيحُ إلى جزيرةٍ فذَكرَ قصَّةَ الجسَّاسةَ بطولِها"
    الراوي: فاطمة بنت قيس المحدث:أبو نعيم - المصدر: حلية الأولياء - الصفحة أو الرقم: 8/143

    "حديثُ الجسَّاسةِ ، في صفةِ الدجالِ : أعظمُ إنسانٍ رأيناه خلقًا ، وأشدُّه وِثاقًا"
    الراوي: فاطمة بنت قيس المحدث:ابن عبدالبر - المصدر: الاستذكار - الصفحة أو الرقم: 7/338
    "في حديث تميم الداري قال فإذا أنا بامرأة تجر شعرها قال ما أنت قالت أنا الجساسة اذهبإلى ذلك القصر فاتيته فإذا رجل يجر شعره مسلسل في الأغلال ينزو فيما بين السماء والأرض فقلت من أنت قال أنا الدجال"
    الراوي: فاطمة بنت قيس المحدث:ابن حجر العسقلاني - المصدر: تخريج مشكاة المصابيح - الصفحة أو الرقم: 5/136
    "صلَّى رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ ذاتَ يومٍ وصعِدَ المنبرَ وَكانَ لا يصعَدُ علَيهِ قبلَ ذلِكَ إلَّا يومَ الجمعةِ، فاشتدَّ ذلِكَ علَى النَّاسِ فمِن بينِ قائمٍ وجالِسٍ، فأشارَ إليهم بيدِهِ أنِ اقعُدوا فإنِّي واللَّهِ ما قُمتُ مقامي هذا لأمرٍ ينفعُكُم، لرَغبةٍ ولا لرَهْبةٍ، ولَكِنَّ تميمًا الدَّاريَّ أتاني، فأخبرَني خبرًا مَنعَني القيلولةَ، منَ الفَرَحِ وقرَّةِ العينِ، فأحبَبتُ أن أنشُرَ عليكُم فرحَ نبيِّكم، ألا إنَّ ابنَ عمٍّ لتَميمٍ الدَّاريِّ أخبرَني، أنَّ الرِّيحَ ألجأَتْهم إلى جَزيرةٍ لا يعرِفونَها، فقعَدوا في قواربِ السَّفينةِ، فخَرجوا فيها، فإذا هُم بشيءٍ أَهْدَبَ أسودَ، قالوا لَهُ: ما أنتَ؟ قالَ: أَنا الجسَّاسةُ، قالوا: أخبِرينا، قالَت: ما أَنا بمُخْبِرَتِكُم شيئًا، ولا سائلتِكُم، ولَكِن هذا الدَّيرُ، قد رمَقتُموهُ، فأتوهُ، فإنَّ فيهِ رجلًا بالأشواقِ إلى أن تخبِروهُ ويُخْبِرَكم، فأتوهُ فدَخلوا علَيهِ، فإذا هم بشَيخٍموثقٍ شديدِ الوثاقِ، يظهرُ الحُزنَ، شديدِ التَّشَكِّي، فقالَ لَهُم: مِن أينَ؟ قالوا: منَ الشَّامِ، قالَ: ما فعَلتِ العربُ؟ قالوا: نَحنُ قومٌ منَ العَربِ، عمَّ تسألُ؟ قالَ: ما فَعلَ هذا الرَّجلُ الَّذي خَرجَ فيكُم؟ قالوا: خَيرًا، ناوى قومًا، فأظهرَهُ اللَّهُ علَيهم، فأمرُهُمُ اليومَ جميعٌ: إلَهُهم واحدٌ، ودينُهُم واحدٌ، قالَ: ما فعَلت عينُ زغرَ؟ قالوا: خيرًا يَسقونَ منها زروعَهُم، ويستَقونَ منها لسقيِهِم، قالَ: فما فعلَ نخلٌ بينَ عمَّانَ وبيسانَ؟ قالوا: يَطعمُ ثمرَهُ كلَّ عامٍ، قالَ: فما فعَلت بُحَيْرةُ الطَّبريَّةِ؟ قالوا: تَدفَّقُ جنباتُها مِن كثرةِ الماءِ، قالَ: فزفرَ ثلاثَ زفراتٍ، ثمَّ قالَ: لوِ انفلَتُّ مِن وثاقي هذا، لم أدَع أرضًا إلَّا وَطِئْتُها برجلَيَّ هاتينِ، إلَّا طَيبةَ،ليسَ لي عليها سبيلٌ، قالَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ: إلى هذا ينتَهي فرحي، هذِهِ طَيبةُ، والَّذي نَفسي بيدِهِ، ما فيها طريقٌ ضيِّقٌ، ولا واسعٌ، ولا سَهْلٌ، ولا جبَلٌ، إلَّا وعلَيهِ ملَكٌ شاهرٌ سيفَهُ إلى يومِ القيامةِ"
    الراوي: فاطمة بنت قيس المحدث:الألباني - المصدر: صحيح ابن ماجه - الصفحة أو الرقم: 3309
    "إني واللهِ ، ما قمتُ مقامي لأمرٍ ينفعكم لرغبةٍ ولا لرهبٍة ، ولكنَّ تميمًا الدَّاريَّ أتاني فأخبرني خبرًا منعَني القَيْلولَةَ من الفرحِ وقُرَّةِ العَينِ ، فأحبَبتُ أن أنشرَ عليكم فرحَ نبيِّكم ، ألا إنَّ تميمًا الدَّاريَّ أخبرني : أنَّ الريحَ ألجأَتْهم إلى جزيرةٍ لا يعرفونها ، فقعدوا في قواربِ السَّفينةِ ، حتى خرجوا إلى الجزيرة ، فإذا هم بشيءٍ أَهْلَبَ ، كثيرَ الشَّعرِ ، قالوا له : ما أنت ؟ قالت : أنا الجسَّاسَةُ ، قالوا : أخبِرينا ، قالت : ما أنا بمخبِرَتُكم شيئًا ؛ ولا سائلتُكم شيئًا ولكن هذا الدِّيرُ ، قد رَمَقْتُموه فأْتوه ، فإنَّ فيه رجلًا بالأشْواقِ إلى أن تُخبِروه ويخبركم ، فأَتَوه ، فدخلوا عليه ، فإذا هم بشيخٍ مُوثَقٍ ، شديدَ الوَثاقِ ، يُظهِرُ الحزْنَ ؛ شديدُ التشكِّي؛ فقال لهم : من أين ؟ قالوا : من الشامِ ، قال : ما فعلَتِ العربُ ؟ قالوا : نحن قومٌ من العربِ ، عمَّ تسألُ ؟ قال : ما فعل هذا الرجلُ الذي خرج فيكم؟ قالوا : خيرًا ، ناوَى قومًا ، فأظهره اللهُ عليهم ، فأمرُهم اليومَ جميعٌ : إلهُهم واحدٌ ، ودينُهم واحدٌ ، قال : ما فعلَتْ عينُ زُغَرَ ؟ قالوا : خيرًا ، يَسقون منها زرعَهم ، ويستَقون منها لِسَقْيِهم ، قال : ما فعل نخلُ بئرِ عُمانَ وبَيْسانَ ؟ قالوا : يُطعِمُ ثمرَه كلَّ عامٍ ، قال : ما فعلَتْ بُحَيرةُ طبَريَّةَ ؟ قالوا : تدفَّقَ جنَباتُها من كثرةِ الماءِ ، فزفَر ثلاثَ زَفَراتٍ ثم قال : لو انفلتُّ من وَثاقي هذا لم أدَعْ أرضًا إلا وطِئتُها برجليَّ هاتَين ؛ إلا طَيْبَةَ، ليس لي عليها سبيلٌ ، إلى هذا انتهى فرَحي ، هذه طَيْبَةُ ، والذي نفسي بيدِه ، ما فيها طريق ضَيِّقٌ ، ولا واسعٌ ، ولا سهلٌ ، ولا جبلٌ ، إلا وعليه ملَكٌ شاهرٌ سَيْفَه إلى يومِ القيامةِ"
    الراوي: فاطمة بنت قيس المحدث:الألباني - المصدر: صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم: 2508
    "أنَّ نبيَّ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ صعِدَ المنبرَ فضحِكَ فقالَ : إنَّ تميمًا الدَّاريَّ حدَّثَني بحَديثٍ ففَرِحْتُ فأحببتُ أن أحدِّثَكُم ، أنَّ ناسًا من أَهْلِ فلسطينَ رَكِبوا سَفينةً في البَحرِ فجالَت بِهِم حتَّى قذفَتهُم في جزيرةٍ من جزائرِ البَحرِ ، فإذا هم بدابَّةٍ لبَّاسةٍناشرةٍ شعرَها ، فقالوا : ما أَنتِ ؟ قالت : أَنا الجسَّاسةُ ، قالوا : فأخبِرينا ، قالَت : لَا أخبرُكُم ولَا أستَخبرُكُم ، ولَكِن ائتوا أقصَى القريةِ فإنَّ ثَمَّ من يخبرُكُم ويستخبرُكُم ، فأتَينا أقصى القريةِ فإذا رجلٌ موثَقٌ بسِلسلةٍ ، فقالَ : أخبروني عن عينِ زَغرَ ؟ قُلنا : ملأى تَدفَقُ ، قالَ : أخبروني عنِ البُحَيْرةِ ؟ قُلنا : مَلأى تدفقُ ، قالَ : أخبروني عن نخلِ بيسانَ الَّذي بينَ الأردنِّ وفِلَسطينَ هل أطعمَ ؟ قلنا : نعَم ، قالَ : أخبِروني عنِ النَّبيِّهل بُعِثَ ؟ قلنا : نعَم ، قالَ : أخبروني كيفَ النَّاسُ إليهِ ؟ قلنا سِراعٌ ، قالَ : : فنرَى نزوَهُ حتَّى كادَ ، قلنا : فما أنتَ ؟ قالَ : أَنا الدَّجَّالُ ، وإنَّهُ يدخلُ الأمصارَ كلَّها إلَّا طَيبةَ ، وطَيبةُ المدينةُ"
    الراوي: فاطمة بنت قيس المحدث:الألباني - المصدر: صحيح الترمذي - الصفحة أو الرقم: 2253
    "أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، أخَّر العشاءَ الآخرةَ ذاتَ ليلةٍ ، ثمَّ خرج فقال : إنَّه حبسني حديثٌ كان يُحدِّثنيه تميمٌ الدَّاريُّ ، عن رجلٍ كان في جزيرةٍ من جزائرِ البحرِ، فإذا بامرأةٍ تجُرُّ شعرَها ، قال : ما أنت ؟ قالت : أنا الجسَّاسةُ ، اذهَبْ إلى ذلك القصرِ . فأتيتُه ، فإذا رجلٌ يجُرُّ شعرَه مُسَلْسَلٌ في الأغلالِ ، ينزو فيما بين السَّماءِ والأرضِ ، فقلتُ : من أنت ؟ قال : أنا الدَّجَّالُ ، خرج نبيُّ الأمِّيِّين بعدُ ؟ قلتُ : نعم ! قال : أطاعوه أم عصَوْه ؟ قلتُ : بل أطاعوه ، قال : ذاك خيرٌ لهم"
    الراوي: فاطمة بنت قيس المحدث:الألباني - المصدر: صحيح أبي داود - الصفحة أو الرقم: 4325
    "سمِعتُ مناديَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُنادي : أنَّ الصَّلاةَ جامعةٌ . فخرجتُ ، فصلَّيتُ مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، فلمَّا قضَى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم صلاتَه ، جلس على المنبرِ وهو يضحكُ ، قال : ليلزَمْ كلُّ إنسانٍ مُصلَّاه . ثمَّ قال : هل تدرون لم جمعتُكم ؟ قالوا : اللهُ ورسولُه أعلمُ ، قال : إنِّي ما جمعتُكم لرهبةٍ ، ولا رغبةٍ ، ولكن جمعتُكم : أنَّ تميمًا الدَّاريَّ كان رجلًا نصرانيًّا ، فجاء فبايع وأسلم ، وحدَّثني حديثًا وافق الَّذي حدَّثتُكم عن الدَّجَّالِ ، حدَّثني : أنَّه ركِب سفينةً بحريَّةً مع ثلاثين رجلًا من لخْمٍ وجُذامٍ ، فلعِب بهم الموجُ شهرًا في البحرِ ، وأرفئوا إلى جزيرةٍ حين مغربِ الشَّمسِ ، فجلسوا في أقربِ السَّفينةِ ، فدخلوا الجزيرةَ ، فلقيتهم دابَّةٌ أهلبُ كثيرةُ الشَّعرِ ، قالوا : ويلك ما أنت ؟ ! قالت : أنا الجسَّاسةُ ، انطلقوا إلى هذا الرَّجلِ في هذا الدِّيرِ ، فإنَّه إلى خبرِكم بالأشواقِ ، قال : لمَّا سمَّت لنا رجلًا فرَقنا منها أن تكونَ شيطانةً ، فانطلقنا سِراعًا حتَّى دخلنا الدِّيرَ ، فإذا فيه أعظمُ إنسانٍ رأيناه قطُّ خَلقًا وأشدُّه وِثاقًا مجموعةٌ يداه إلى عنقِه – فذكر الحديثَ – وسألهم عن نخلِ بَيْسانَ ، وعن عينِ زَغرٍ ، وعن النَّبيِّ الأمِّيِّ ، قال : إنِّي أنا المسيحُ ، وإنَّه يُوشِكُ أن يُؤذَنَ لي في الخروجِ . قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : وإنَّه في بحرِ الشَّامِ ، أو بحرِ اليمنِ ، لا بل من قِبلِ المشرقِ ما هو مرَّتَيْن ، وأومأ بيدِه قِبَلِ المشرِقِ ، قالت : حفِظتُ هذا من رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم – وساق الحديثَ"
    الراوي: فاطمة بنت قيس المحدث:الألباني - المصدر: صحيح أبي داود - الصفحة أو الرقم: 4326
    أولا أقول, صدق الله : ((ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا)) و هذه الروايات تجد الاختلاف واضحا. على سبيل المثال: الاختلاف في صاحب القصة ومن لقي الجساسة والدجال, الإختلاف في وصف الجساسة اختلافا قويا وغيرها من الاختلافات. للعلم أن الشيخ عبدالرحمن بن ناصر السعدي شكك في هذا الحديث على حد قول ابن عثيمين, وكذلك ابن عثيمين قال ان في نفسه شيء, وأما محمد رشيد رضا فمعروف موقفه, وكذلك موقف ابن حزم وغيرهم من العلماء الكبار. و للعلم أحاديث الجساسة قد بحث فيها الدكتور حاكم المطيري و سأضيف بحثه في الملحق, فإنه مطوّل ولكنه مفيد جدا من الناحية الحديثية, و نتيجة ما توصل إليه:
    · حديث الجساسة هو حديث مجالد عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس، وهو أشهر من رواه عن الشعبي، حيث رواه عنه أئمة الأمصار في العراق والحجاز قبل أن يعرف عن غيره، حتى رواه عنه أعلم الناس بحديث الشعبي وأثبتهم وأحفظهم له وهو إسماعيل بن أبي خالد، ولهذا لم يخرجه ابن أبي شيبة في المصنف إلا من طريقه، مع أنه أوسع كتاب حديثي كوفي وصل إلينا، وابن أبي شيبة كوفي والشعبي كوفي! ومجالد ضعيف جدا وقد كان يرفع أحاديث كثيرة لا يرفعها غيره حتى بطل الاحتجاج به، وهذا الحديث الذي اشتهر عنه ودلسه عنه الآخرون لا يبعد أن يكون سمعه من الشعبي موقوفا من قصص تميم الداري فوهم ورفعها.
    · أنه ومن خلال استعراض طبقات أصحاب الشعبي لم يروه منهم على الصحيح إلا مجالد وداود بن أبي هند، ولهذا لم يجد أحمد حين خرجه في مسنده ـ الذي انتقاه من سبعمائة ألف رواية ـ إلا طريق مجالد بن سعيد وداود بن أبي هند، ورواه النسائي في الكبرى من طريق داود فقط، ورواه ابن ماجه من طريق مجالد فقط، ورواه أبو داود من طريق مجالد وابن بريدة، ورواه الترمذي من طريق قتادة فقط وقال غريب من حديث قتادة عن الشعبي، وأراد مسلم تخريجه في صحيحه فلم يجده عند أحد من أصحاب الشعبي إلا عند مجالد وهو متروك، وعند داود إلا أنه عن حماد بن سلمة عنه، ولم يخرج بهذا الإسناد إلا ما توبع عليه حماد لضعف حديثه عن داود، فلما لم يجد له متابعا تركه، ثم أخرج الحديث من أربعة طرق أخرى ثلاثة بصرية وواحد مدني ليس أحد من رواتها كوفي ولا من طبقات أصحاب الشعبي!
    · أنه ثبت أن داود رواه بالعنعنة وهو مدلس كما أن المشهور عنه رواية حماد بن سلمة وهي ضعيفة، كما أن رواية قتادة منقطعة إذ لم يسمع قتادة من الشعبي شيئا أصلا وكذلك لم يصرح بالسماع وهو مشهور بالتدليس، وأن رواية عبد الله بن بريدة التي جعلها مسلم أصلا في الباب ضعيفة لضعف عبد الله واضطرابه في روايته تارة يرويه عن يحيى بن يعمر عن فاطمة وتارة عن الشعبي عن فاطمة وتارة عن أبيه، وهو مدلس أيضا، وأما باقي المتابعات التي أخرجها مسلم فهي أشد ضعفا وكلها غرائب ومناكير تفرد بها رواتها، فرواية أبي الزناد لم يروها غير ابن بكير عن الحزامي عن أبي الزناد وهذا إسناد فيه ضعف مع غرابته، وكذا رواية قرة بن خالد عن سيار عن الشعبي لا يثبت فيها السماع بين سيار والشعبي، ورواية غيلان لم يروها عنه غير جرير بن حازم وعنه ابنه وهب فهي غريبة مع ضعف في جرير لكثرة خطئه وقد قال في روايته( سمعت غيلان يحدث عن الشعبي) فليس فيها تصريح بالسماع.
    · أن البخاري ترك حديث الجساسة، حيث لم يجده عند ثقات أصحاب الشعبي لا الطبقة الأولى ولا الثانية ممن هو على شرطه، فتركه وأخرج ما يعارضه وهو حديث ابن صياد، وهو ترجيح منه لهذا الحديث على حديث الجساسة كما قال ابن حجر.


    الكلمة الرابعة والأربعون
    من الأحاديث يتبين لنا أن الدجال إنسان, فمرة يذكر بأنه إنسان ومرة رجل ومرة شيخ, فإن قيل هو شيطان تمثل في شكل إنسان فإن هذا بحاجة إلى دليل. ولا دليل صريح مع المخالف فيما أعلم.


    الكلمة الخامسة والأربعون
    يقول الله سبحانه: ((وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون)) ففي الآية دليل على أن الله لم يجعل الخلد لبشر قبل النبي فإن قيل بأنه سيموت في المستقبل أقول على الأقل عاش 1400 سنة وهذا قد خالف المعهود من عمر البشر والله أعلم متى يوم القيامة فلعله يكون بعد 5000 سنة أو بعد مليون سنة فيكون الدجال قد عاش ألوف السنين, وقد قيل من خالف المعهود من العمر يصح أن يقال له الخلد وفي اللغة أمثلة في ذلك فمن أراد فليبحث. و في بعض الروايات أن عمر آدم 1000 سنة و طوله ستون ذراعا, فإنك إن تأملت لوجدت أن الأعمار والطول في تناقص فعاش نوح 950 سنة و قصر طول البشر, فالدجال إن ثبت حديث تميم الداري يفوق عمره 1000 سنة وفي هذا نوع من الغرابة بل إنه قد يعيش لأكثر من مليون سنة إلى أن يخرج والله أعلم


    الكلمة السادسة والأربعون
    أقول هذا أيضا يخالف الحديث الآخر: "أرأيتكم ليلتكم هذه فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد" فحدد الرسول ظهر الأرض فهو يشمل الدجال والخضر وغيرهم. فإن قال المخالف لكن الدجال في البحر, فسأقول له لكنه كان في جزيرة ومن كان على جزيرة يقال أنه كان على الأرض وإن قيل إن الرسول يقصد كذا وكذا فعليه بإتيان الدليل لأنه يقوم بتأويل الحديث بخلاف الظاهر بل أقول في رواية أخرى قال : "ما من نفس منفوسة اليوم تأتي عليها مائة سنة وهي حية يومئذ" فلم يحدد الأرض بل في هذا الحديث فائدة, فإنه يشمل كل نفس منفوسة مثل الحيوانات, وأيضا يشمل الأراضي والبحار وغير ذلك ولكن في الحديث الآخر فيه تخصيص.


    الكلمة السابعة والأربعون
    فإن قيل إن الله استثناه نقول أين الدليل؟ لا أستغرب إن جاءني أحدهم فقال لي, إذا لماذا ابليس من المنظرين وهو في الأرض أو شيء من هذا القبيل أرد عليه مباشرة بقول الله : ((فإنك من المنظرين)) أما الدجال فليس هناك آية واحدة أو حديث يدل على أنه من المنظرين. فإن قيل الأحاديث, فالحديث الوحيد الذي يدل على عمر الدجال وأنه عاش طويلا هذا الحديث الذي نحن بصدده (الجسّاسة) وقد علمت ما في هذا الحديث! فإن قيل إن الله يميته ثم يحييه فهذا قول بحاجة إلى دليل.


    الكلمة الثامنة والأربعون
    إن سلمت لكم فرضا أن عمره فوق 1000 سنة, ولكن إنسان يعيش ألف سنة ولا يتغير في خلقته!؟ قال الله : ((وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ)) سبحان الله وكأن في هذه الآية رد من الله على من زعم أن الخضر ما يزال حيا على حد زعم الصوفية وكذلك كأنها رد على من يقول أن عمر الدجال فوق الـ1000 وإن تأملت الآية يقول بعدها "أفلا يعقلون" والله أعلم. أيضا يشبهه الرسول في أحاديث أخرى برجل في زمنهم؟ و قد وصف بأنه شاب في أحاديث أخرى فهذا يعني أن الله يعيد شبابه وهذا بحاجة إلى دليل, أو أنه سحر أعين الناس فرأوه شابا وإن سلمنا بالأخير فإن عدد الشبهات ستتكاثر ولكني سأكتفي لكي لا تتشابك المواضيع.


    الكلمة التاسعة والأربعون
    ألا تستغربون معي! في بعض الروايات كانوا قرابة ثلاثين شخص ولم يذكر أنه اطلع عليه أحد غيرهم فإن أعمى الله الخلق عن رؤية الدجال فهذا يعتبر نوع كرامة لهؤلاء القوم لأنهم شاهدوا شيئا لم يشاهده غيرهم, فلم لم يروى عن أي أحد منهم أي من قوم تميم الداري أو الجماعة أحد وقد وافقوا ما قاله النبي صلى الله عليهم وسلم وكانت بذلك قرة عين له!. ثم لم لم يحدثوا عن تميم الداري نفسه ويسألوه عن الحادثة؟ وخاصة أن هذه القصة عجيبة غريبة, فيها من العجائب وعادة هذه الأمور تنتشر.


    الكلمة الخمسون
    إن لم تكن رؤية الدجال ممكنة فلابد من دليل وظاهر الحديث أن رؤيته ممكنة كما في الرواية المذكورة. وإن كان رؤية الدجال ممكنة, أليس غريبا بعد كل هذه السنوات ومع تطور العلم والمواصلات والاتصالات لا يمكنهم معرفة مكانه بالرغم من أنه على جزيرة من هذا الأرض وليس في بعد آخر أو تحت الأرض أو ما أشبه ذلك بدليل الروايات المذكورة في هذه القصة.


    الكلمة الحادية والخمسون
    في كل الروايات المذكورة بأنه مربوط بالسلاسل وغير ذلك, فكيف يقضي حاجته أو كيف يأكل أو كيف يستحم؟ ومن يقوم على أمره؟ فمثلا لو كان يقضي حاجته في مكانه لوجدوا البقايا, و إن كان يستحم فكيف ذلك وهو مربوط؟ فإن قيل إنه ليس بحاجة لذلك فنقول سبحان الله, هل يكرم الله كافرا كالدجال بأن رائحته لا تنتن كأنه النبي ! فسبحان الله! فلم يذكر أحدهم أنه الرائحة نتنة أو ان الطعام كان متناثرا, بل كان أمره طبيعيا نوعا ما لأنهم خافوا من الجساسة ولم يخافوا من الدجال كما في الروايات!


    الكلمة الثانية والخمسون
    فإن قيل إن الجساسة كانت تطعمه نقول ما الدليل!؟ و إن سلمنا بذلك, نقول إذا الجساسة تعيش طويلا كعمر الدجال وفي هذا ما ترى! وإن قيل إن الله لم يجعله يحتاج إلى ماء أو طعام أو قضاء حاجة فصار كالملائكة أو المخلوقات الخارقة وإن سلمنا بذلك فهذا سيثير كثيرا من الشبه, واعلموا إن الله سبحانه نفى ألوهية المسيح بن مريم : ((ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون)) وفي هذه الآية من الفوائد واللطائف والرد على بعض الطوائف ما الله به عليم ولعلي سأتطرق إليها في حديثي عن قضية نزول عيسى عليه الصلاة و السلام في آخر الزمان.


    الكلمة الثالثة والخمسون
    في الرواية الأولى نجد أن خطبة الرسول كان وقت الصلاة بدليل صلت في صف النساء, وللعلم لم تقل أذن المؤذن بل نادى بالصلاة جامعة, على كل هذا يدل أنه صلاة ويصعب القول بأن جمعا قليلا من الصحابة حضروه, فالغريب إننا لا نجد هذه القصة إلا منها . وأغلب الظن أن قصة تميم الداري أي عندما شاهد الدجال كان نصرانيا, فإن لم يكن كذلك بل كان مسلما فشيء غريب نوعا ما خاصة أن الرسول ذكر أنه بايع, و غريب أن يستدل الرسول بما كان يخطب بقصة تميم الداري, وكأنه دلالة على نبوته وهو لا يحتاج ذلك فداه أبي وأمي, فيكفيه شهادة الله له .


    الكلمة الرابعة والخمسون
    في الرواية الأولى قال: "فلقِيتْهم دابَّةٌ أهلبُ كثيرُ الشَّعرِ . لا يدرون ما قُبُلَه من دُبُرِه" فأنث في البداية وقال فلقيتهم و ذكر دابة, وبعدها ذكّر فقال ما قبله من دبره بدلا من "لا يدرون ما قبلها من دبرها" ولعل هذا جائز في اللغة أو فيه سر والله أعلم.


    الكلمة الخامسة والخمسون
    في الرواية الأولى قال: ". فإذا فيه أعظمُ إنسانٍ رأيناه قطُّ خَلْقًا" فإن كان المقصود من حسن وغير ذلك فهذا يخالف وصف النبي , فإن قيل إنهم وقتها لم يروا النبي لقلت لكم لكنهم حينما كان يروي تميم هذه القصة فهو يرويها مباشرة أمام الرسول ولم يكن ليقول ذلك لأن الحس دليل. وإن كان المقصود عظم الجسم فهذا والله أعلم هو الراجح والظاهر, ولكن إن قلنا بذلك أيضا فيه اشكال لأن في أحاديث أخرى هو قصير وليس بطويل وهذا يخالف أن يكون عظيما, فإن قيل هو قصير و لكن شكله عظيم أو مخيف لم يقول أعظم خلقة والله أعلم.


    الكلمة السادسة والخمسون
    في الرواية الأولى يقول: ": أما إنَّ ماءَها يوشِك أن يذهبَ" يتحدث الدجال عن طبرية, وكيف عرف ذلك, هل يعرف الدجال الغيب؟ فإن قال أحدهم نعم يعرف فأقول له إذا لم يتعب الدجال نفسه بفتنة الناس!؟ ففي حديث صحيح مسلم: "فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية (أي يأجوج ومأجوج) فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء" وهذا في الحديث نفسه يحدث بعد أن يقتل عيسى بن مريم الدجال! فإذا الدجال عرفا شيئا سيقع بعد موته!؟ وقد قال الله : ((قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)) فأي جهل أعظم من جهل الدجال؟


    الكلمة السابعة والخمسون
    فإن قيل لا هو يعرف شيئا من الغيب ولا يعرف كله فهو عرف بذهاب ماء طبرية ولكنه لم يعرف أنه سيموت بدليل قصة ابن صياد حيث قال دخ ولم يقل دخان!؟ نقول لهم إذا أنتم تثبتون أن ابن صياد هو الدجال؟ فإن قالوا لا فانقلب عليهم حجتهم, وإن قالوا نعم فانتهينا من هذا الموضوع أساسا, وأما حديث ابن صياد فلي وقفة مع الحديث في بحث آخر إن شاء الله.


    الكلمة الثامنة والخمسون
    سأسلم لكم أن الدجال عرف هذا الغيب الذي يحدث في آخر الزمان لحكمة أرادها الله, ولكني أقول الله يقول: ((عَالِمُ الغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً *إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ)) فسبحان الله هل الدجال من الذين ارتضى عنهم فأطلعه على شيء من الغيب!؟ وهل هو من الجن الذين كانوا يسترقون السمع؟ بدليل هذا الحديث فلا! وهل أعانه الجن على ذلك فأقول بحاجة إلى دليل. وقد علمت أن الله يقول في كتابه: ((فلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ)) فإن قالوا الغيب المقصود كذا وكذا وإن الله يشاء شيئا لغاية عظمى هي خير والشر ليس إليه فأقول إذا لكل حادث حديث ونحن بحاجة إلى فهم بعض أصول العقيدة ومن ثم نفصّل.


    الكلمة التاسعة والخمسون
    في الرواية الأولى يقول: "وفزِعْنا منها . ولم نأمن أن تكون شيطانةً"فشيء غريب, فزعوا منها ولم يأمنوا أن تكون شيطانة ثم يطيعونها! وأيضا هم لم يفزعوا ولم يخافوا من الدجال ولم يشكوا بكونه انسانا وفي هذا رد على من قال أن الدجال قصير ولكن خلقته عظيمة أي مخيفة أو شيء من هذا القبيل, فإنهم لم يخافوا منه وخافوا من الجساسة!


    الكلمة الستون
    قال الدجال في الرواية الأولى: "أما إنَّ ذلك خيرٌ لهم أن يطيعوه" أصبح الدجال آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر!؟ سبحان الله, هذا الشيطان الذي يريد أن يفتن الخلق كلهم يبين لهم الحق؟ أعظم فتنة خلقها الله يأمر و يذكر شيئا مثل هذا؟ لنفترض إن أسلم تميم الداري بعد سماع ما قاله الدجال فالدجال كان سببا في اسلام صحابي؟ أترون لم هذه العبارة فيه إشكالية عظيمة؟ ولعله من سوء فهمي والله أعلم. ويمكن أن يقال إنه قال ذلك لكي يسلم الناس بالنبي فيسرع خروجه وفي هذا بعد لكوننا سنعود إلى مسألة علم الغيب والله أعلم


    الكلمة الحادية والستون
    قال الدجال في الرواية الأولى: "إني أنا المسيحُ", لماذا سمي الدجال بالمسيح؟ بعضهم يقول لأنه عكس عيسى ابن مريم , ولكن الرد أن الدجال كان موجودا منذ زمن نوح لأدلة كثيرة (اعتمادا على الأحاديث الواردة في ذكره) ولا يسعني المقام أن أذكرها. ثانيا إن سمي المسيح لأن عينه ممسوحة لذكر تميم هذه الصفة وأن عينه ممسوحة فهم ذكروا خلقته وشعره...الخ وإن قيل لأنه يمسح الأرض فنقول إذا هذا الراجح من سبب تسميته بهذا الاسم استنادا على هذا الحديث. وإن عرف أن الرسول قال عنه أنه المسيح, نقول وهل يعقل إذا عرف هذه التفاصيل عن الرسول ثم يقول خير لهم إن يتبعوه!؟


    الكلمة الثانية والستون
    في الرواية الأولى يقول الرسول : "ألا إنه في بحرِ الشام أو بحرِ اليمنِ . لا بل من قِبَلِ المشرقِ ، ما هو . من قبلِ المشرقِ ، ما هو . من قبلِ المشرقِ ، ما هو " وأومأ بيده إلى المشرقِ" بالله عليكم هل هذا التصرف هو تصرف يليق بالنبي أم أنه اشبه بكاهن؟ حاشا لله و حاشا أن ننتقص الرسول بفهمي الضعيف وأعوذ بالله من زلات اللسان ولكن أمر غريب, مرة يقول بحر الشام ومرة بحر اليمن, ومرة قبل المشرق, ومرة ما هو, ويعود ويكرر" ائتوني بحديث غير هذا الحديث يتصرف فيه الرسول بمثل هذا التصرف؟ إن غير المسلم اليوم لو عرف أن نبينا فعل ذلك لشك في تصرفاته.


    الكلمة الثالثة والستون
    فإن قيل لم يكن يعرف فهل الرسول يقف ما ليس به علم وقد نها الله عن ذلك!؟ وإن قيل الوحي كان يتنزل عليه؟ نقول أين إذا دلالات نزول الوحي كبقية الأحاديث من الثقل والعرق...الخ وإن قيل إن فاطمة نسيت أو وهمت فإذا انتهينا من الموضوع لأنه نفس الشيء يقال لهذا الحديث كله فإن قالوا لا يقدح نسيان فاطمة جزءا من الحديث, أقول إن اطلعنا على الروايات لوجدناها مختلفة


    الكلمة الرابعة والستون
    قال رسول الله : "إنه لم يكن نبي قبلي إلا حذر أمته الدجال وإنه فيكم أيتها الأمة وإنه يطأ الأرض كلها غير طيبة هذه طيبة" بالرغم من كون احدى الروايات فيها أن مكة أيضا لا يدخلها, وللعلم أنا لم أعلق على بقية الروايات لأني لا أريد الإطالة و أرى أن فيما ذكرت كفاية للتساؤل ولا تكاد تخلو رواية من شبهات.


    الكلمة الخامسة والستون
    أحاديث قتال الدجال: "ستقاتلون جزيرة العرب فيفتحها الله ثم تقاتلون الروم فيفتحها الله ثم تقاتلون الدجال فيفتحها الله قال جابر فما يخرج الدجال حتى تفتح الروم"
    الراوي: نافع بن عتبة بن أبي وقاص المحدث:الألباني - المصدر: صحيح ابن ماجه - الصفحة أو الرقم: 3320 خلاصة حكم المحدث: صحيح
    "تغزونَ جزيرةَ العربِ فيفتحُها اللهُ ، ثم فارسَ ، فيفتحُها اللهُ ، ثم تغزونَ الرومَ ، فيفتحُها اللهُ ، ثم تغزونَ الدجَّالَ ، فيفتحُها اللهُ"
    الراوي: نافع بن عتبة بن أبي وقاص المحدث:الألباني - المصدر: صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم: 2969 خلاصة حكم المحدث: صحيح
    من تأمل هذا الحديث أول شيء يتبادر في الذهن أن الدجال مثل الروم أو جزيرة العرب أي كأن الدجال دولة أو منظمة أو نظام أو شيء من هذا القبيل, وتأمل في الحديث قال: "فيفتحها الله" كأن الدجال دولة أو شيء من هذا القبيل, والحقيقة كأني قرأت أن الشيخ السعدي تكلم عن هذا الحديث, وأيضا أسمع عن رجل يدعى "عمران حسين" أوّل أحاديث الدجال في موقع يوتيوب لكن الحقيقة لم أستمع إليه. شخصيا أجد أن هذا الحديث بحاجة إلى تأويل. فإن قلت إن المقصود أن ينصركم الله, نعم لا بأس بذلك, ولكن الدجال مفرد فتأمل في اللغة! وربما يقال أن التأنيث في يفتحها الله إلى المقاتلة! لعلكم أدرى بالعربية وأما إن كان المقصود بأنه الدجال ومن معه من أتباعه فنعم.


    الكلمة السادسة والستون
    أحاديث تبين أن الدجال أعور العين: "الدجَّالُ أعورُ العينِ اليُسْرَى ، جُفَالُ الشَّعرِ ، معه جنةٌ ونارٌ ، فنارُهُ جنةٌ ، وجنتُهُ نارٌ"
    الراوي: حذيفة بن اليمان المحدث:الألباني - المصدر: صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم: 3400 خلاصة حكم المحدث: صحيح
    "ما بعثَ اللهُ مِنْ نَبِيٍّ إلَّا أنذرَ أُمَّتَهُ الدَّجالَ ، أنذَرَهُ نوحٌ والنبيونَ مِنْ بعدِهِ ، وإِنَّه يخرجُ فيكم ، فما خفِيَ عليْكُمْ مِنْ شأنِهِ فليْسَ يخْفَى عليْكُمْ أنَّ ربَّكُمْ ليس بأعورَ ، وإِنَّهُ أعورُ العينِ اليُمْنَى ، كأنَّ عينَهُ عنبَةٌ طافِيَةٌ ، ألَا إِنَّ اللهَ حرَّمَ عليكم دماءَكم ، وأموالَكم ، كحُرْمَةِ يومِكُمْ هذا ، في بلَدِكُم هذا ، في شهرِكم هذا ، ألَا هَلْ بلَّغْتُ : اللَّهُمَّ اشهدْ) ثلاثًا) ، ويحكم ! انظُروا لَا ترجِعُوا بعدِي كُفَّارًا ، يضرِبُ بعضُكُمْ رقابَ بعضٍ"
    الراوي: عبدالله بن عمر المحدث:الألباني - المصدر: صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم: 5577 خلاصة حكم المحدث: صحيح
    من تأمل الحديثان لوجد تعارضا صريحا, ففي الأول هو أعور العين اليسرى و في الحديث الثاني أعور العين اليمنى, فهو إما أعور اليمنى أو اليسرى, فإحدى الروايتين لا محالة فيها خلل أو كلاهما والله أعلم.


    الكلمة السابعة والستون
    فإن قلت عين ممسوحة وعين طافية وفي كل منهما عيب وخلل فيستخدم أعور, أقول النبي خير من نطق بالعربية كان بإمكانه أن يقول أعور العينان بالرغم من أن المعنى المتبادر إلى الذهن عندما تسمع كلمة أعور ذهاب بصر احد العينين.


    الكلمة الثامنة والستون
    اشكالية أخرى, وكأن النبي يريد أن يقول بأنه إن اشتبه عليكم أمركم بسبب خوارقه وعجائبه فلا يشتبه عليكم أمركم لأن الله ليس بأعور! فرب قائل يقول حسن إن لم يكن في احدى عيناه خلل فهل نصدق أنه الله! حاشا الله وأعوذ بالله! وقد علم الصحابة أن ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وقد قرأت مثل هذه الاشكالية ممن رُمي بالتشيع و بعض الأشاعرة والله أعلم.


    الكلمة التاسعة والستون
    فإن قيل بأن المقصود أنه فقط يبين نقص الدجال فأقول كان بإمكانه أن يقول: ((لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار)) أو يقول لهم كما قال لهم في أحاديث أخرى أنهم لن يروا الله إلا بعد الموت. ثم لنفترض أن جاء انسان لا يبصر وكان الدجال أمامه! كيف سيعرف هذا أن الدجال أعور؟ ثم أظن أن الأمر واضح أن النبي يبين هذا الفرق لأمة مسلمة سواء للصحابة أو من سيأتون بعده من المسلمين الذين يؤمنون بكتاب الله, فهم ليسوا بحاجة لمثل هذا البيان وفي القرآن عندهم قصة سؤال موسى وهو كليم الله من أولي العزم من الرسل أن يرى ربه! كيف تجلى الله للجبل فجعله دكا! والدجال معه جبال الخبز ويراه الفاسق والصالح, فإن كان فهمي لهذا الحديث أن هذه فقط هذه هي العلامة الوحيدة التي تميزه عن الله سبحانه, فتعالى الله عما فهمته علوا عظيما


    الكلمة السبعون
    سأقول الدجال أعور العين اليمنى أو اليسرى لن أبالي بذلك. لكن مخلوق يستطيع أن يحيى الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص و يأمر السماء فتمطر ويخرج كنوز الأرض بأمر ومعه جنة ونار وغير ذلك من الأمور الخارقة, أيعجز أن يصلح الخلل في عينه!؟ إن الناس اليوم يستطيعون بعملية واحدة علاج الخلل, فالناس ليسوا بحاجة إلى دليل بأنه يستطيع احياء الموتى إن كان لا يستطيع أن يشفي نفسه! سبحان الله!؟ فإن قلت إن الله لا يمكنّه من ذلك فأقول لك أين الدليل على ما تقول؟ فإن قلت هو جاهل لذلك لم يفكّر بذلك! أقول إذا من يتبعه لا شك بأنه أجهل منه! والحقيقة من بهذا القدر من الجهالة كيف تكون فتنته عظيمة بحيث لا يستطيع الثبات إلا المؤمنون بل يفرون بدينهم كي لا يفتتنوا, ومن افتتن به بعد هذا الجهل كما افتتن الناس بعبادة الأصنام فهذا من باب تزيين الشيطان لهم, إذا وسوسة ابليس أشد من فتنته وهذا خلاف بعض الأحاديث إلا إن يقال بالاستثناء والله أعلم


    الكلمة الحادية والسبعون
    في حديث رؤيا النبي للمسيح عيسى بن مريم والدجال وطوافهما حول الكعبة, ولا يخفى أن رؤيا الأنبياء حق فكيف يطوف الدجال حول الكعبة, بل كيف يدخلها؟ وفي روايات لا يدخلها؟ ولم يذكر أحد من الذين ذكروا خروج الدجال بأنه سيطوف حول الكعبة بالرغم من أنهم ذكروا تفاصيل بقائه في الأرض. ولكن لقائل أن يقول إنها مجرد رؤيا تعبر عن أمور فلك ذلك.


    الكلمة الثانية والسبعون
    في الحديث عند أبي داوود والترمذي: "إنه لم يكن نبي بعد نوح إلا وقد أنذر الدجال قومه وإني أنذركموه فوصفه لنا رسول اللهِ وقال لعله سيدركه من قد رآني وسمع كلامي قالوا يا رسول اللهِ كيف قلوبنا يومئذ أمثلها اليوم قال أو خير
    الراوي:أبو عبيدة عامر بن الجراح المحدث:أبو داود - المصدر: سنن أبي داود - الصفحة أو الرقم: 4756 خلاصة حكم المحدث: سكت عنه [وقد قال في رسالته لأهل مكة كل ما سكت عنه فهو صالح]. وقال الترمذي حسن غريب و لكن ضعفه الألباني.
    "ما من نبي إلا وقد أنذر قومه المسيخ الدجال لقد أنذر نوح قومه ولعله سيدركه بعض من رأى أو سمع كلامي قالوا يا رسول اللهِ فكيف قلوبنا يومئذ قال مثلها يعني اليوم أو خير ولكن سأقول لكم فيه قولا لم يقله نبي لقومه تعلمون أنه أعور وإن ربكم ليس بأعور وتعلمون أنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت وأنه مكتوب بين عينيه كافر يقرأه من كره عمله"
    الراوي:عبدالله بن عمر المحدث:ابن العربي - المصدر: عارضة الأحوذي - الصفحة أو الرقم: 5/75 خلاصة حكم المحدث: صحيح
    "إنَّهُ لم يَكُن نبيٌّ بعدَ نوحٍ إلا وقَدِ أنذرَ الدَّجَّالَ قومَهُ ، وإنِّي أُنذرُكُموه قالَ : فَوصفَهُ لَنا رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ، قالَ : ولعلَّهُ يدرِكُهُ بَعضُ من رآني أو سمِعَ كلامي قالوا : يا رسولَ اللَّهِ : كيفَ قلوبُنا يومئذٍ أَمِثْلُها اليومَ ؟ قالَ : أو خيرٌ"
    الراوي:أبو عبيدة عامر بن الجراح المحدث: أحمد شاكر - المصدر: مسند أحمد - الصفحة أو الرقم: 3/147 خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح
    أقل ما يقال في هذه الأحاديث أن العلماء قد اختلفوا في الحكم على الحديث, فإن صح الحديث فأيضا يناقض بعض الأحاديث الأخرى ويناقض الواقع! وأيضا في هذا الحديث رد لمن قال بأن النبي كان يقصد أمته ولم يقصد أصحابه في الكلمات السابقة كما علقت.


    الكلمة الثالثة والسبعون
    في حديث سفينة مولى رسول الله : "ألا إنه لم يكنْ نبيٌّ قبلِي إلا وقد حذَّر أمتَه الدجالَ ، هو أعورُ عينُه اليمنَى بعينِه اليمنَى ظفرةٌ غليظةٌ مكتوبٌ بينَ عينَيه كافرٌ يخرجُ معه واديانِ أحدُهما جنَّتَه والآخرُ نارُه فنارُه جنةٌ وجنتُه نارٌ معَه ملَكانِ من الملائكةِ يشبهانِ نبيَّينِ من الأنبياءِ ولو شئتُ أن أُسمِّيهما بأسمائِهما وأسماءِ آبائِهما لفعلتُ ، وأحدُهما عن يمينِه والآخرُ عن شمالِه وتلك فتنةٌ : يقولُ الدجالُ ألستُ بربِّكم ؟ ألستُ أُحيي وأُميتُ ؟ فيقولُ له أحدُ الملَكينِ كذبتَ فلا يسمعْه أحدٌ من الناسِ إلا صاحبُه فيقولُ له صدقتَ فيسمعه الناسُ فيظنون أنما يصدقُ الدجالَ وذلك فتنةٌ ثم يسيرُ حتى يدخلَ المدينةَ فلا يُؤذَنُ له بدخولِها فيقولُ : هذه قريةُ ذاك الرجلِ : ثم يسيرُ حتى يأتِيَ الشامَ فيُهلِكَه اللهُ عندَ عقبةِ أفيقَ"
    قال ابن كثير اسناده لا بأس به و قال الوادعي بأنه حسن و قال الألباني منكر بذكر الملكين! أما الهيثمي فقال رجاله ثقات وفي بعضهم كلام لا يضر‏‏ (انظر مجمع الزوائد) أقول دجال ومعه ملكان ويشبهان نبيان أيضا! فمن فتنته أن قيد الله معه ملكان ليفتن الناس كما قال بعض المفسرين عن الملكين ببال هاروت وماروت! على الأقل إن سلمت بأنهم كانوا ملكين على الأقل قالوا إنما نحن فتنة فلا تكفر! وهنا لم يقولا أي شيء من هذا! وإضافة إلى ذلك أعطوا شبها من الأنبياء! وتأمل هنا يهله الله عند عقبة أفيق وفي حديث آخر بباب لد! عقبة أفيق على حد ما قرأت في الأردن وباب لد في فلسطين!


    الكلمة الرابعة والسبعون
    في حديث النواس بن سمعان الطويل الذي في صحيح مسلم وصححه الألباني: "ثم يدعو رجلًا مُمتلئًا شبابًا . فيضربه بالسيفِ فيقطعه جزلتَينِ رميةَ الغرضِ ثم يدعوه فيقبِلُ ويتهلَّلُ وجهُه . يضحك" أما في حديث أبو سعيد الخدري وهو أيضا في مسلم: "قال فيقولُ أنت المسيحُ الكذَّابُ قال فيُؤمرُ به فيُؤشرُ بالمئشارِ من مفرقِه حتى يفرقَ بين رجلَيْه قال ثم يمشي الدجالُ بين القطعتينِ ثم يقولُ له قمْ فيستوي قائمًا" وفي حديث نفسه الذي صححه الألباني في صحيح الجامع: "فيُؤْمَرُ به فيُنْشَرُ بالمِنْشارِ ، من مَفْرِقِهِ حتى يُفَرَّقَ بين رِجْلَيْهِ ، ثم يَمْشِي الدجالُ بين القِطْعَتَيْنِ ، ثم يقولُ له : قم ، فيَسْتَوِي قائمًا" فسبحان الله أي تناقض هذا, وهل السيف والمنشار نفس الشيء؟ العامي قبل طالب العلم يميز الفرق بين السيف والمنشار! وأيضا تأمل كيف يقول له قم فيقوم! أي قدرة هذه بلا دعوة ولا هم يحزنون مجرد كلمة هو قائلها وإذا تم ما قال. ومرة المقتول يضحك ومرة لا يكذب الدجال والمعروف من الروايات أن المقتول واحد لأنه فقط يسلط على واحد من المؤمنين. ومرة هو أي الدجال يدعو رجلا و مرة يخرج إليه الرجل!

    تعليق


    • #3
      نزول عيسى عليه الصلاة و السلام

      مسألة نزول عيسى مرتبطة ارتباطا شديدا بخروج الدجال, وفي الحقيقة قصة صعود عيسى إلى السماء ومن ثم نزوله آخر الزمان من عقائد النصارى ولكن لا أقصد بما قلت بأن هذا مستحيل أن يقع لكن سأكتب بعض الكلمات بما يتعلق بنزول عيسى كما فعلت مع مسألة خروج الدجال:


      الكلمة الأولى
      لا يوجد أي دليل من القرآن الكريم أن عيسى حي في السماء, نعم قد يستدل البعض ببعض الآيات ولكن يكون الاستدلال ضعيف جدا و لا تكاد تجد فرقة من المسلمين إلا ويستدلون بآيات من القرآن على معتقداتهم و إن كان الاستدلال خاطئا. فإن كان هذا الأمر أقصد كون عيسى حي في السماء من أصول الدين بحيث من أنكر ذلك يكون مرتدا لذكره الله بصيغة صريحة في القرآن. بل على حسب علمي المتواضع لا أعرف أي حديث عن الرسول ذكر فيه أن عيسى حي في السماء ولا عن الصحابة أنه رفع إلى السماء حيا ببدنه وروحه وهو حي الآن.


      الكلمة الثانية
      ما الهدف من نزول عيسى آخر الزمان؟ هل فقط لقتل الدجال؟ فإن كان كذلك فكان بالإمكان قتله بأي مؤمن من المسلمين, فإن قلت ليذل من جعلوه ربا بكسره للصليب وقتله الخنزير و غير ذلك, أقول كان بالإمكان أن يحدث هذا في يوم القيامة كما ذكر الله في كتابه عن كفر المتبوعين بشرك الأتباع. فهل أبقى الله عيسى حيا في السماء كل هذه السنين والله أعلم إلى متى فقط من أجل قتل الدجال؟


      الكلمة الثالثة
      معظم آيات القرآن ظاهرها توحي بأن عيسى توفي وليس حيا في السماء, ومن تأمل الآيات ولم يسمع بخبر نزول عيسى لم يكن ليخطر في قلبه أن عيسى رفع حيا إلى السماء وهو حي الآن لكن لأن عقله مشحون بهذه الروايات والأخبار التي سمعها من الذين سبقوه فتأصلت العقيدة في قلبه وحالهم يشبه حال من ذكرهم الله : ((إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ)) فاللهم نعوذ بك من التقليد ونسألك الإتباع بعلم وبصيرة.


      الكلمة الرابعة
      قال الله في كتابه: ((إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)) فواضح من الآية أن الله سيتوفى عيسى ولذلك في التفسير الصحيح للدكتور حكمت بشير عن ابن عباس قال: "إني متوفيك أي مميتك" وهذا دليل قوي على أن عيسى سيموت وللعلم في كتاب التفسير الصحيح لا تجد أية رواية غيرها بخلاف التفاسير الأخرى.


      الكلمة الخامسة
      فإن قلت إن الوفاة قد تأتي بمعنى وفاة النوم فأولا سأنقل لكم ما وجدته على الشبكة من تعريف الوفاة: تعريف الوفاة: جاء في المقاييس لابن فارس: الواو والفاء والحرف المعتلّ: كلمةٌ تدلُّ على إكمالٍ وإتمام. منه الوَفاء: إتمام العَهْد وإكمال الشَّرط . ووَفَى أوْفَى، فهو وفِيٌّ. ويقولون: أوْفَيْتُكَ الشَّيءَ، إذا قَضَيْتَه إيّاهُ وافياً. وتوفَّيْتُ الشَّيءَ واستَوْفَيْته؛ إذا أخذتَه كُلّه حتَّى لم تتركْ منه شيئاً. ومنه يقال للميِّت: تَوفَّاه الله. " اهـ . وجاء في اللسان: والوَفاةُ: المَنِيَّةُ. والوفاةُ: الموت. وتُوُفِّيَ فلان وتَوَفَّاه الله إذا قَبَضَ نَفْسَه، وفي الصحاح: إذا قَبَضَ رُوحَه، وقال غيره: تَوَفِّي الميتِ اسْتِيفاء مُدَّتِه التي وُفِيتْ له وعَدَد أَيامِه وشُهوره وأَعْوامه في الدنيا. وتَوَفَّيْتُ المالَ منه واسْتوْفَيته إذا أَخذته كله. جاء في القاموس المحيط: توفاه الله :قبض روحه . جاء في تاج العروس: توفاه الله :أماته الله . وفي المنجد: توفي فلانا : قبضت روحه ومات " اهـ المعنى أكثر من واضح ولا يحتاج إلى استدلال فإنه المعنى المتفق عليه في كل المعاجم وفي كل المعاني أدلة توافق على موت عيسى , فإن أخذنا بأنه اكمال واتمام فقد أكمل وأتم عيسى مدته. أما في اللسان وفي الصحاح وبقية المعاجم فواضح.


      الكلمة السادسة
      فإن قلت إن الوفاة المقصود بها النوم بدليل آية سورة الأنعام: ((وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ)) سأقول لك مباشرة أين القرينة إذا!؟ في الآية التي يخاطب الله فيها عيسى بن مريم ؟ فالله لم يقل في الآية إني متوفيك في منامك أو متوفيك بالليل, بل قال فقط إني متوفيك ورافعك. ومن تأمل آيات القرآن الكريم لوجد دائما الوفاة تأتي بمعنى الموت فإن كان المراد معنى آخر غير الموت نجد أن الله يذكر قرينة توضح المعنى والله أعلم, بدليل الآية المذكورة في سورة الأنعام وأيضا دليل آخر: ((اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)) ففهمنا المقصود بقوله ((لم تمت في منامها)) فتأمل هذا الموضع.


      الكلمة السابعة
      تأمل قوله تعالى: ((إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ)) لم قال الله إني متوفيك ورافعك إلي؟ فالحقيقة هذا ظاهر أنه أولا حدث الوفاة ثم الرفع وهذا مع الأنبياء يرفع الله أرواحهم كما قال ذلك بعض العلماء, فإن قلت لا المقصود رافعك إلي ثم متوفيك بعد أن تنزل آخر الزمان, فأقول سبحان الله كل هذا التأويل! لن يفهم الآية من لم يقرأ الأحاديث!؟ فالحقيقة إن الآية دليل أن الوفاة غير الرفع فإن البعض فسر متوفيك برافعك! أي برافعك من الأرض.


      الكلمة الثامنة
      تأمل قول الله ((إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ)) وأقول سبحان الله, قال متوفيك ورافعك ومطهرك, فإن من المعلوم عند من قرأ الكتاب الذي يسمونه المقدس أو حتى قرأ النسخة المصورة منها - Action Bible لوجد أن من صُلب يعتبر ملعونا ولذلك بعض الدعاة اليوم عندما يناظرون النصارى يستدلون بهذا الشيء المعروف عندهم أن من صلب يكون ملعونا أو قذرا أو من هذا القبيل فكيف تقولون أن المسيح عيسى بن مريم قد صلب! وطبعا من المعروف عندنا في القرآن أن اليهود أرادوا قتل المسيح وكذلك قالوا على مريم بهتانا عظيما و وصفوا المسيح عيسى بن مريم بأنه نتيجة زنى (حاشاه) ولكن هذه من مقولات اليهود. تأمل كيف أكرم الله عيسى ورد على اليهود, فبدل أن يقتلوه أي اليهود توفاه الله فما أعظمها من تكريم, وفرق بين القتل والوفاة وهذا يحتاج لمبحث آخر لن أتطرق إليه. ثم قال رافعك إلي يعني كأنه يرفعه الله مكانة بعكس مقولتهم أنه ملعون ومن لعن فقد أبعد من الله و صار في الحضيض ولا يمنع أن يرفع الله روحه إليه كأرواح الشهداء, و مطهرك ليقابل مقولتهم الشنيعة بحقه وحق أمه, فما أعظمها من آية وكلمات فيها تكريم عظيم ورد قوي بخلاف ما أراد اليهود.


      الكلمة التاسعة
      من تأمل وتفكّر في الآية ((إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)) لوجد أن الله يكرم عبده عيسى عليه الصلاة و السلام بكرامات عظيمة ولم يذكر في الآية أبدا أنك ستنزل من جديد لتقتل الدجال و توحد الملل و تعيش بسلام...الخ وهي من الكرامات العظيمة لعيسى (أقصد أحاديث نزوله والأفعال) ولكن لم يتطرق الله إلى شيء من ذلك وهذا الحقيقة شيء يثير العجب وخاصة أن الله ذكر القيامة, الحقيقة في هذا دليل قوي لمن قال بأن عيسى توفي وسيبعثه الله يوم القيامة. ثم أريدك أن تتفكر معي, عندما ينزل عيسى و يقرأ المسلمون ((إني متوفيك و رافعك إلي)) و ((بل رفعه الله إليه)) فمن كان يؤمن أن عيسى حي في السماء بمقتضى هذه الآيات, كيف حاله و هو يشاهد عيسى أمامه أقصد في آخر الزمان؟ فهل ستقول هذه الآيات معناها فقط في الماضي وكأنها قصة!؟ وماذا بعد وفاة عيسى بن مريم في الأرض فماذا عن هذه الآيات!؟ ثم أيضا تفكّر لما قال الله: ((جاعل الذين اتبعوك)) ولم يقل جاعلك لأن عيسى إن كان سيرجع آخر الزمان فالله بلا شك يعلم ذلك, و كذلك من الأحاديث عيسى علم مهمته بعد رجوعه, فلم يقل الله ذلك ولكن قال عن اتباعه!


      الكلمة العاشرة
      لعل أقوى دليل على رفع عيسى هو قول الله في كتابه: ((وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً)) ولكن المتأمل في هذه الآية يجدها بمعنى الآية السابقة أقصد ((إني متوفيك ورافعك إلي)) فالله أثبت الرفع في هذه الآية, وأما الآية التي ذكرتها في الكلمات السابقة قال ((إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك... ))الآية فلا يمكن لأحد أن يقول فقط رفعه هنا ولم يتوفاه بدليل الآية, فلابد من الجمع وإن اختلف التأويل في الرفع في هذه الآية فربما يكون الرفع رفع حقيقة على من يتمسك بأن عيسى حي في السماء و سأقول أنا الرفع بمعنى آخر وسيأتي ثالث بمعنى آخر وهكذا ولكن الآية السابقة تقيد وتوضح المعنى أقصد إذا جمعت بمعنى إن قلت لي أن معنى الرفع هنا الرفع الحقيقي بالجسد والروح سأقول لابد من هذا الرفع أن يكون مع الوفاة والتطهير والرفع المثبت هنا هو ما أخبر الله سبحانه عبده عيسى في الآية الأخرى فلا يقال هذا نتيجة وذاك نتيجة أخرى.


      الكلمة الحادية عشر
      فإن قلت كما قال العلماء في معنى ((بل رفعه الله إليه)) "مقتضى الإضراب في قوله تعالى: ((بل رفعه الله إليه)) أن يكون سبحانه قد رفع عيسى عليه الصلاة والسلام بدنا وروحا حتى يتحقق به الرد على زعم اليهود أنهم صلبوه وقتلوه لأن القتل والصلب إنما يكون للبدن أصالة ولأن رفع الروح وحدها لا ينافي دعواهم القتل والصلب فلا يكون رفع الروح وحدها ردا عليهم ولأن اسم عيسى حقيقة في الروح والبدن جميعا فلا ينصرف إلى أحدهما عند الإطلاق إلا بقرينة ولا قرينة هنا)) فأولا أقول إن الرد على اليهود ممكن وحتى إن رفع الله عيسى وهو ميت, و أيضا الرد ممكن بأن يتوفى الله عيسى ثم لا يظهره عليهم, أما قول العلماء بأن الإسم حقيقة في الروح والبدن فلا أسلم ذلك, فكم مرة تجد في الأحاديث من رأى في المنام فيقول رأيت فلانا وفلانا ولا يشك عاقل أن هذا الذي في المنام مجرد روح أو صورة أو شيء من هذا القبيل ولا يكون ببدنه حقيقة! وإنما حقيقة الإنسان بروحه لا بجسده وعلى ما أقول أدلة كثيرة حتى بدون القرينة! وإن سلمت لكم إن القرينة غير موجودة فألزمكم بذلك مع آية: ((إني متوفيك ورافعك إلي)) فإن قلتم الأحاديث تخصص فأقول الآيات الأخرى تخصص هنا أيضا! فإن سلمت لكم على كل الأحوال أن رفعه الله إليه حيا بروحه وبدنه فأين الدليل أنه سينزل آخر الزمان؟ وسآتي على هذا القول في كلمات قادمة كونه حيا بروحه وبدنه في السماء.


      الكلمة الثانية عشر
      فإن قلت لم اكتفى الله في هذه الآية بالرفع بدون الوفاة والتطهير, فأقول والله أعلم: إن قول الله ((بل رفعه الله إليه)) يكفي عن ذكر الوفاة والتطهير, فإن الرفع يكون بالوفاة فإن كانت أرواح الشهداء ترتفع وتكون تحت العرش فالأولى أرواح الرسل والأنبياء والله أعلم. وأيضا من رفعه الله فقد طهره الله, أما لو فقط قال إني متوفيك فالله يتوفى الأنفس وإن كانت كافرة, وإن قال مطهرك فقط فلن يفهم الوفاة بدليل تطهير أهل البيت كما في القرآن, أما الرفعة فيدل ويشير إلى الثلاثة ولعل هذه اللطيفة لا تجدها في كتاب ولم أسبق إليها والله أعلم.


      الكلمة الثالثة عشر:
      أيضا إن قلنا إن الآية ((بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً)) المقصود كما قاله العلماء أقول أين عيسى بن مريم اليوم؟ هل هو على يمين العرش كما قالت النصارى؟ أم إنه في السماء الثانية كما في حديث المعراج؟ فإن قلت في السماء الثانية أقول إذا ادريس في السماء الرابعة وموسى وابراهيم كانوا في سماء أعلى من عيسى فهذا يعني أن الله أيضا رفعهم إليه فهل هؤلاء أحياء بأرواحهم وأجسادهم!؟ لا شك ستقول ماتوا, فإن قلت إن هؤلاء مجرد أرواح أي في حديث المعراج, فأقول إذا انتفى قولكم بأنه لا يطلق الاسم على الروح فقط. فإن قلت المقصود رفعة المكانة فقلت هذا يؤيد ما أنا ذاهب إليه.


      الكلمة الرابعة عشر:
      تأمل كيف ختم الله الآية ((بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً)) بقوله ((وكان الله عزيزا حكيما)) أقول ما أحسن استخدام هذه الأسماء الحسنى لتختم بالآية. لا أظن إني بحاجة إلى شرح اسم الله العزيز أو الحكيم فمن أراد ذلك فليقرأ في شروحات أسماء الله الحسنى وهي كثيرة وأحسنها بالنسبة لي شخصيا "النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى". ربما تقول أيها القارئ الكريم, قد علمنا أن الله قد قرن بينهما في أكثر من 20 موضعا في القرآن الكريم, لكن إلى الآن لم تخبرنا عن سبب هذا الاقتران أو شيئا منها! أسباب كثيرة لا يعلمها إلا الله و لكن أقول و بالله التوفيق هو حاجة نفوس البشر إلى ذلك. أما فائدة اسم "العزيز" فتخيل معي لاعب الشطرنج, يتحكم بالقطع و يحركها كيفما شاء فهو المالك و إن أراد أن يحطم القطع و يرمي بها فله ذلك, و لا تستطيع هذه الجمادات فعل شيء لدفع قوة الإنسان المحركة. فكذلك نحن البشر و لله المثل الأعلى, إن الله عزيز غالب على أمره و هو الملك, مهما كان الإنسان قويا فلن يستطيع مواجهة الله سبحانه و تعالى بقوته, فالله يستطيع و له الحق أن يفعل بالإنسان ما شاء كيفما شاء متى ما شاء و أنت لا حول و لا قوة لك لدفع شيء من مشيئة الله. فإن قال الله لك افعل هذا و لا تفعل ذلك. بحكم أن الله هو العزيز عليك طاعته سواء شقّ عليك ذلك أم لم يشق و لا أحد يستطيع أن يلوم الله, فإنه هو المالك لنا, و لا مجال للمقارنة بين حالنا مع الله و حال قطع الشطرنج مع الإنسان, فالفرق أعظم من أن نتخيل, فالله عظيم لا يقارن بشيء من مخلوقاته.
      سأوضح ما أريد أن أصل إليه بمثال, إذا أكرهك ملك عزيز أن تنفذ أمرا ما لا تعلم عواقبه, ستنفذه رغما عنك و ذلك لعزة الملك و أنه غالب على أمره و أنت لا قوة لك لدفع أمره, فتكون مضطرا لتنفيذ أوامره سواء رغبت أو كرهت فعل ذلك. ربما تقول لهذا الملك: "لم تجبرني على فعل ذلك؟ لم لا ترحمني؟" و هكذا و ربما تنسب إلى هذا الملك الظلم. و هنا يأتي دور الإسم الثاني و هو "الحكيم", و هو الذي يضع الشيء موضعه المناسب اللائق به. تخيل معي رجل حكيم يعرف التصرف في ماله و انفاقها في طرقها المشروعة الصحيحة المطلوبة, إن أردت أن تتصدق بمالك و لا تعلم أن تصرفها في مواضعها المطلوبة فإنك تعطيه لينفقها, و إن بذلت المال لغيرك فإنك لا تنزعج بل تكون مرتاح البال لأنك تعلم أن هذا الرجل حكيم سيضع المال في مواضعها المناسبة. و تخيل معي طبيب يعطيك الدواء الذي لا يعجبك لكنك لا تمانع من أخذه لأنك علمت أن هذا الدواء وضع للتخلص من الداء المعين, فيضع الطبيب الدواء في المحل المناسب و بهذا تشفى بإذن الله. نحن كبشر لا نتردد أبدا في استشارة الطبيب و أخذ الدواء لأننا نعلم العواقب الحميدة لفعلنا, فإننا نعلم أنه الشخص المناسب الذي يستطيع أن يصف لنا الدواء المناسب, و هذا بالرغم من قصور علم الطبيب و حكمته, فما بالك بالله الحكيم؟ الذي كما ذكرنا لا يضع الشيء إلا في موضعه المناسب. كون الله متصف بصفة الحكمة يعني ذلك أنه إذا أمر أو نهى أو قدّر أمرا فإن في ذلك من الغايات الحميدة التي يستحق أن يحمد عليها و لهذا نقول في كل حال "الحمدلله رب العالمين" لأنه يستحق أن يحمد في كل حال لحكمته في كل شيء.
      و من فوائد اقتران "العزيز الحكيم" عند قراءة القرآن الكريم, أنك تجد بعض الأحكام التي ربما تكرهها بعض النفوس السوية لجهلها بالله سبحانه و تعالى, فيختمها الله باقتران الإسمين العزيز الحكيم مثل قوله سبحانه و تعالى: ((وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)) فربما بعض ضعاف النفوس اليوم و خاصة من النساء تستنكرن هذه الدرجة و القوامة و يشق عليهن هذا الحكم من الله سبحانه و تعالى فنجد أن الله ختم الآية بالعزيز الحكيم. فإن قالت المرأة لم حكم الله في كتابه أن للرجال عليهن درجة؟ فإن قلت لها إنه عزيز يحكم ما يريد لعلها إن كانت جاهلة بقدر الله قالت, لم الله متحيز للرجال!؟ و لكن إن أضفت إلى اسم العزيز و قلت بأن الله مع عزته فهو حكيم, فهنا تطمئن نفس المرأة و لن يشق على قلبها هذا الحكم فإنها تعلم أن في ذلك غاية حميدة. ولنا في قصة ابراهيم وزوجته هاجر عبرة ودروس كثيرة لن أتطرق إليها.
      مثال آخر, نجد في سورة المائدة يقول الله سبحانه و تعالى: ((وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)) فكثير من الناس و خاصة الليبراليون اليوم يشق عليهم هذا الحكم من الله و يتهمون الإسلام بالعنف و الوحشية. الله يعلم أن هناك نفوسا ضعيفة كنفوسنا فلعل ذلك إحدى اسباب اقتران اسم العزيز الحكيم كي تطمئن نفوسنا بأن هذا الحكم لم يصدر عن عبث و عزة محضة لكن لما فيها من الحكم و الغايات الحميدة. إنك إن جادلت كافرا بالله و أنكر على المسلمين قطع يد السارق, إن أجبته بأن الله عزيز يفعل ما شاء, فربما لن يكتفي و يقتنع بذلك و ربما يتّهم الله بالظلم و العبث كما اتهموه الجهّال من الكفار و الفسّاق من قبل لكن إن قلت له إن الله عزيز و حكيم فإنه لن يستطيع أن ينكر عليك. كيف ينكر على الله و قد علم أنه عزيز و حكيم؟ لا ينكر ذلك بعد العلم إلا جاحد كاره لله سبحانه و تعالى. وكذلك في هذه الآية لعل قائل يقول وخاصة من النصارى الذين أسلموا يستنكرون لم توفى الله عيسى أي أماته وكان بإمكانه أن يصرف الأعداء عنه كما فعل مع الرسول في الغار وغيرها كثير! ولكن إن علم النصراني الذي أسلم حديثا أو المسلم استنكر أن يقبض الله نبيه وكان بإمكانه أن يصرف الأعداء لعل شعر بالحزن أو شيء من هذا القبيل فناسب أن يقرن اسم العزيز بالحكيم فقال ((وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً)) ولعل لقائل نستطيع أن نقول ذلك وإن رفعه الله إليه حيا ببدنه وروحه أقول نعم تستطيع ولكن تأمل الفروق الشاسعة في المعاني واللطائف عسى الله يفتح علينا من فتوحاته.


      الكلمة الخامسة عشر
      قال الله : ((وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)) قال ابن جرير : "وفي هذا تبيانُ أن الله تعالى ذكره إنما عرّفه أفعالَ القوم ومقالتهم بعد ما قبضه إليه وتوفاه بقوله: ((أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ)) " فهذه الآية فيها دليل من أقوى الأدلة على وفاة عيسى وأنه لن ينزل آخر الزمان لقتل الدجال لأن المتفق عليه عند أهل العلم والمفسرون أن السؤال يوم القيامة فالآية إذا تدل أن عيسى توفي في زمانه وليس في آخر الزمان والدليل في قوله: ((وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني...)) قال ابن عاشور : "والمعنى : أنّك لمّا توفّيتني قد صارت الوفاة حائلاً بيني وبينهم فلم يكن لي أن أنكر عليهم ضلالهم ، ولذلك قال كنتَ أنتَ الرقيب عليهم ، فجاء بتضير الفصل الدّال على القصر ، أي كنت أنتَ الرقيب لا أنا إذ لم يبق بيني وبين الدنيا اتّصال". فلا شك أن عيسى في الأحاديث يعلم ما أحدثوا بعده لذلك يكسر الصليب ويقتل الخنزير ولا شك أنه يقرأ القرآن فسيعيش مع المسلمين سنوات ثم يتوفى ويصلون عليه! فهل يعقل كل هذه السنوات لا يقرأ أحد من أولي العزم من الرسل القرآن الكريم! هذا والله فيها قدح عظيم في نبي الله عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم.


      الكلمة السادسة عشر
      فإن قلت عيسى لم ينفي العلم عن نفسه ولكنه رد العلم إلى الله, أقول يكفي لرد هذه المقولة حديث رسول الله : "ألا وإن أول الخلائق يكسي يوم القيامة إبراهيم ألا وإنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول : يا رب أصحابي فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول كما قال العبد الصالح ، وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم ، فيقال لي : إن هؤلاء لا يزالون مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم" فهذا دليل صريح على أن عيسى لم يدري ما أحدثوا بعده لذلك قال النبي مثله. وتأمل أيضا عندما أجاب المسيح عيسى بن مريم قال: "توفيتني" ولم يقل رفعتني وأول ما يتبادر في الذهن هو الوفاة المعروفة وليس الرفع إلى السماء بالبدن. فإن قلت كان خائفا أقول قد أتى الله حجته وفصّل الأمر وأعطى إجابة تامة وهذا هو اللائق به وتأمل كيف ختم الله السورة ليتبين لك ما أقصد.


      الكلمة السابعة عشر
      فإن قلت بأن المعني هنا هو وفاة عيسى في آخر الزمان فسيكون معنى كلامه أن عيسى رفع إلى السماء حيا – مخالفا آية سورة آل عمران التي أوردتها من قبل. وأيضا أقول لك إن قلت بأن المعني آخر الزمان فسأقول لك, لم أوّلت الوفاة هنا بالموت وفي الآية الأخرى أوّلتها بمعنى آخر, سبحان الله! وظل حيا بدون أن يعلم ما أحدثه أتباعه على الأرض وهو علم الدجال بحيث لم يسأل أي انسان عنه و كذلك يكسر الصليب وهكذا؟ عجيب! وإن سلمت لك بأن المقصود الوفاة التي في آخر الزمان (وهو بعيد كما ترى) فهل معنى ذلك أن الناس يتخذون عيسى وأمه آلهة من دون الله من جديد؟ بعد أن يتبعه النصارى ويقتلون اليهود وتكون الملة هي الإسلام!


      الكلمة الثامنة عشر
      في هذه الكلمة سأكتب مما استفدته من خلال بحثي على الشبكة أي لم يخطر في بالي وأنا أقرأ الآيات التي فيها ذكر عيسى من قبل. قال الله : ((وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً)) فقالوا هذا دليل أنه قد توفي, فإن لم يتوفى فهل يقال إنه يزكي ويصلي في السماء؟ والحقيقة هذا دليل قوي أيضا لم يخطر في بالي, لعلك تقول المقصود فقط وقت مكوثه على الأرض فعندما يرفعه الله إلى السماء فينتفي ذلك! فأقول لا دليل لك على ما تقول! فإن قلت إنه نائم في السماء! فنعم لك أن تقول ذلك ولكن يخالف قصة الإسراء والمعراج! أي إن قلت إنه نائم! فإن قلت أن في المعراج هو الروح فقط فقد أيدتني في كلمات سابقة! وأيهما أكمل؟ أن يكون عيسى في السماء عند الله نائم, أم إنه يسبحه ويقدس له بروحه؟ أرجو أن تعطي هذا الموضع حقه من التفكّر.


      الكلمة التاسعة عشر
      من تأمل سورة مريم لوجد أن حال عيسى لا يختلف كثيرا عن يحيى عليهم الصلاة و السلام, ولن أتطرق إلى نهاية يحيى , يخبرنا الله عن يحيى : ((وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا)) و بعدها ببضع آيات قال عن عيسى : ((وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا)) فمن لاحظ الآيات لم يجد أي فرق بين عيسى ويحيى عليهم الصلاة و السلام. فالسلام على عيسى يوم ولد و لتحقيق السلام يوم يموت أن يقبضه الله ويخاطبه بذلك و يوم يبعث حيا, وهذا واضح, الولادة, والموت في الأرض ثم البعث. فإن قلت لكن المقصود يوم أموت هو آخر الزمان, أقول نعم لك أن تقول ذلك ولكن من تأمل الآيات أنه لا مزية خاصة لعيسى ولذلك في قصة المعراج, كان عيسى ويحيى في نفس السماء. وكأن في هاتين الآيتين رد على النصارى والصابئة, فالنصارى يقولون سيرجع عيسى وينشر السلام, و الصابئة يقولون سيعود يحيى وينشر السلام, وكأن في هاتين الآيتين أن حال عيسى كيحيى ماتوا بسلام من غير قتل أو صلب أو شيء من هذا القبيل, والسلام عليهم يوم يبعثون. فإن قلت لكن ماذا عن قصة قتل يحيى , أقول إن هذا الموضوع, موضوع بحث لا أريد أن أتطرق إليه في هذا البحث.


      الكلمة العشرون
      بعد ان انتهيت من ذكر الآيات الصريحة التي فيها أدلة على موت عيسى , سأكتب تعليقات على آيات أخرى فيها فوائد متعلقة بموضوعنا. ولكن قبل ذلك أحب أن أنوّه أن لا يذكر عن أحد من الأنبياء والمرسلين أنه قال سيرجع عيسى آخر الزمان ويخلص الناس من أعظم فتنة! بل نجد في القرآن الكريم يقول الله : ((وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ)) و كما في كتب التفسير عن علي بن أبي طالب وابن عباس المقصود بالرسول هو محمد . فأخذ الله ميثاق النبيين أجمعين أن يؤمنوا بمحمد وينصروه إن أدركوه, وأمرهم أن يأخذوا بذلك الميثاق على أممهم ومن أراد التوسع في هذا فأنصحه بقراءة كتاب: "محمد في الكتب المقدّسة " و " ماذا قال الإنجيل عن محمد " وهناك كتب كثيرة وهذا هو اللائق بمقام النبي .


      الكلمة الحادية والعشرون
      قال الله : ((وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ)) فلو كان يعلم عيسى عن نفسه أنه سيرجع آخر الزمان ويوحد الملل ويقضي على أعظم فتنة لقال انتظروني حتى أرجع, أو أبشركم أني سأنزل إليكم من جديد ومن هذه الأمور. بل من قرأ الكتاب الذي يزعمون أنه مقدس The Bible لوجد أن عيسى لم يذكر عن نفسه شيء من هذا ولكن الأتباع الصقوا به وقالوا سيرجع ويفعل كذا وكذا أما هو عن نفسه في كتبهم لم يقول "اعبدوني" أو "سأرجع" على حسب العقائد الموجودة عندهم وعندنا وهذا من العجب! وهنا لطيفة, من بحث في القرآن لاكتشف أن الرسول الوحيد الذي بشّر بالذي بعده هو المسيح عيسى بن مريم , فلم يقل ابراهيم مبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه كذا وكذا, وكذلك موسى و نوح وفي هذا من الاشارات المفهومة الشيء الكثير.


      الكلمة الثانية والعشرون
      إن قلنا أن عيسى الآن حي في السماء وسينزل آخر الزمان ليخلص الناس من أعظم فتنة, ويؤمن به الناس إلا اليهود, و يوحد الملل على الإسلام, ويعيش الناس بسلام لا يُتخيل إلا في الجنة, وأوتي من الخوارق ما إن بنفسه يموت كل كافر, و يذوب أعظم فتنة من أوتي من الخوارق الشيء العجيب, كل هذه الأمور والخوارق لعيسى , لا شك أن النصارى سيقولون عنه هو أفضل من محمد , بل عاش في السماء كل هذه السنين فالحقيقة يكون هو كخاتم المرسلين و كأنه البطل المنتظر والذي أنجز أعظم انجاز حيث وحد الملل في فترة وجيزة بل يهلك الله كل الملل إلا الإسلام. من تأمل هذه الأمور لوجد إن هذا الأمر يخدم النصارى كثيرا بل يدعم أقوالهم وغلوهم في عيسى , و كأن في هذه الأمور تفوق لعيسى . فإن قلت ما المشكلة من ذلك, فإن موسى كلمه الله و عيسى أحيى الموتى بإذن الله, و ابراهيم خليل الرحمن فلا بأس أن يكون بعض الأنبياء أفضل من بعض. نعم أتفق معك لكن كما هو معلوم نبينا أوتي أفضل ما أوتي النبيون والمرسلين, فقد كلمه الله, و وصل إلى سدرة المنتهى, والجذع يبكي أمامه, والأطعمة تسبح أمامه, وهو خليل الرحمن أيضا فإن كان الله سيوحد الملل ويقضي على أعظم الفتن لكان هذا النبي هو أول المرشحين لهذه المهمة العظيمة وخاصة كونه خاتم النبيين فأفعال عيسى توحي أنه خاتم النبيين ويصلح العالم وغيرها من هذه الأمور بل لا يخرج إلا ولا تنفع نفس إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا!


      الكلمة الثالثة والعشرون
      يستدل العلماء بقول الله : ((وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً)) بأن عيسى سينزل آخر الزمان وحينها يؤمن به أهل الكتاب, و الحقيقة لا دليل قوي يستند عليه, بل العلماء اختلفوا في ذلك, فبعضهم قال المقصود عيسى في آخر الزمان, وبعضهم قال يعلمون حقيقة موت عيسى وإنه ليس بإله أو ابن الله, و بعضهم قال المقصود اليهود والنصارى قبل موتهم سيؤمنون بعيسى أنه عبد الله ورسوله عندما يحضره الموت إلا آمن عند المعاينة أي قبل خروج روحه بعيسي وانه عبد الله وابن أمته ولكن لا ينفعه هذا الإيمان في تلك الحالة. وبعضهم قال المقصود هو القرآن الكريم وبعضهم قال الرسول . فمن أين لكم هذا الدليل القطعي من الآية إنه سينزل آخر الزمان وعندها سيؤمن به أهل الكتاب؟ بل وجدت في تفسير ابن جرير : "حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا يَعْلَى , عَنْ جُوَيْبِر فِي قَوْله : لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْل مَوْته قَالَ : فِي قِرَاءَة أُبَيّ : " قَبْل مَوْتهمْ " ولكن الله أعلم بصحة هذا. ما أريد أن أقوله, ليس في هذا دليل قطعي أن عيسى سينزل آخر الزمان. والحقيقة في هذه الآية دليل قاطع على أن المسيح قد مات إن أخذنا بأن المقصود عيسى (قبل موته) إلا إذا أوّلت الآية أن المقصود آخر الزمان. والحقيقة من قرأ كتبهم أقصد النصارى, عندهم أن الناس آمنوا بعيسى حينما صلب وندموا على ذلك أشد الندامة لأنهم أنكروه وكذبوه قبل الصلب.


      الكلمة الرابعة والعشرون
      إن سلّمت لك إن المقصود نزوله آخر الزمان لكن هذا يخالف الأحاديث, فإن اليهود لن يؤمنوا به عند نزوله بل سيتبعون الدجّال, فإن قلت سيؤمنون به عند موتهم فأقول إذا رجعنا لنفس الموضوع والاشكالية التي أوردها ابن جرير إن أخذنا بهذا القول, أقصد بأن الكتابي سيعاين الحقيقة عند موته ولكن لن ينفعه ذلك والحقيقة إن قلنا ذلك إنه آخر الزمان سيخالف الروايات المروية عن ابن عباس وما صح عن مجاهد وعكرمة وابن سيرين والضحاك أقصد هذه الرواية: "قيل لابن عباس: أرأيت إن خر من فوق بيت؟ قال: يتكلم به في الهويّ قيل: أرأيت إن ضربت عنق أحدهم قال: يلجلج بها لسانه".


      الكلمة الخامسة والعشرون
      لقائل أن يقول في قوله : ((وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً)) ولم يقل يوم القيامة يشهد لهم بإيمانهم أو بشيء من هذا القبيل ولكن الحقيقة لا دليل على ذلك إذ يمكن أن يموتوا ولم ينفعهم إيمانهم, كفرعون. ولكن المفسرون على أنهم يؤمنون به حقيقة أقصد في آخر الزمان, ولكن ما الذي يدفعهم للإيمان به؟ هل سيأتي بمعجزات تبرهن صحته؟ أقصد كيف سيثبت للعالم أنه المسيح عيسى بن مريم الذي رفعه الله إلى السماء؟ فلن ينفع مجرد دعوى بأنه المسيح المنتظر, فكم اليوم من الكفار من يدعي انه المسيح بن مريم ولكن إن لم يكن ما يؤيد صدقه فكيف سيؤمنون به؟ فإن قلت يأتون بالخوارق فكذلك الدجال يأتي بالخوارق! ثم كيف ينفع النصارى واليهود إيمانهم وقتها ونزول عيسى بعد خروج الدجال وخروج الدجال بعد طلوع الشمس من مغربها على حسب الحديث! ثم كم مرة سيختبر الله , فالناس بحاجة إلى الإيمان بالمهدي ولابد من أن يبرهن على أنه المهدي, و كذلك لابد لهم أن يصبروا على فتنة الدجال بأنه نبي أو إله و من ثم لابد ويؤمنوا بعيسى ويبرهن صدقه, فالمسألة متكررة كل هذه المرات بعد النبي بالرغم من أنه أرسل للناس أجمعين وخاتم النبيين.


      الكلمة السادسة والعشرون
      على حسب الأحاديث, فإن آمن به اليهود والنصارى بمفهوم الآية ((وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به)) والمسلمون قبل ذلك, فهذا يعني أن الفرق الثلاثة سيؤمنون به و سيعيشون إلى ما شاء الله. أقول من يكون أكثرهم تابعا يوم القيامة؟ الرسول أم عيسى ؟ فإن قلت هم يتبعون دين محمد , ولكن أليس في الحديث أن كل نبي مع اتباعه, فمن سيكونون اتباع عيسى يوم القيامة؟ الذين آمنوا به وقت بعثته اضافة إلى من يؤمن به آخر الزمان أم فقط الذين آمنوا به وقت بعثته؟


      الكلمة السابعة والعشرون
      الحقيقة من تأمل قول الله : ((وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَاب)) لوجد ظاهر الآية أي بمعنى كل واحد, وهذا مثل قول الله : ((وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها)), فالآية عامة, فيكون أي من أهل الكتاب سواء الذين عاشوا معه والذين من بعده, وليس فيه خصوصية أنهم اليهود والنصارى في آخر الزمان, أقصد لا دليل لصرف ظاهر الآية, فالآية عامة في أهل الكتاب ولعل هذا المناسب والله أعلم. لأن كل من أهل الكتاب عندهم اعتقاد خاطئ في المسيح عيسى بن مريم , فإن اليهود ظنوه دجالا وأراد تغيير ديانة اليهودية بل رموه وأمه بالقبائح فهم فرطوا في هذا النبي الكريم. أما النصارى فقد غلوا فيه واعتقادهم بأنه هو الله, أو هو ابن الله, أو هو ثالث ثلاثة كل هذه أباطيل فكان من المناسب أن يكون المقصود كل من اليهود والنصارى بلا تحديد فئة معينة في وقت معين هذا والله أعلم.


      الكلمة الثامنة والعشرون
      إن سلّمت لكم بالخصوصية فلم لا يكون المعني هم فئة من الذين آمنوا بعيسى , فمن دعاهم عيسى كذبوه وقالوا ساحر وأرادوا أن يقتلوه, ولكن ماذا لو آمن به قوم من أهل الكتاب غير الذي كانوا في فلسطين أو في مكان دعوته الأولى. من غير أتطرق إلى مواضيع أخرى يصعب اثباتها, لم لا يكون المعنيون هم الذين ذكر الله في هذه الآية: ((إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)) فالذي يقرأ يجد أن هناك فريقان, فريق آمنوا به وفريق كذبوا به إلى يوم القيامة من أهل الكتاب, فإن قلتم بالخصوصية قلنا لم لا يكون هؤلاء, ويدل الآية أنهم سيبقون مختلفين إلى يوم القيامة لذلك يحكم الله بينهم فيما كانوا فيه يختلفون, وهذا يوافق ما يقوله فريق من النصارى اليوم الذين يعتقدون أن الله واحد وأن عيسى هو عبده ورسوله فيكونون بذلك غير اليهود وغير الذين ألهوه. ولعل المقصود أن النصارى واليهود بشكل عام, على كل في كلا الحالتين, أقصد التعميم والتخصيص يدل على ما أنا ذاهب إليه أن عيسى مات في زمنه وسيبعث يوم القيامة بل من جمع بين الآيات لوجد هذا ظاهرا, و يوافق هذه الآية: ((فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا)) والناس لن يجمعوا بالايمان به ايمانا ينفعهم إلا الذين ذكر الله, فإن كان المقصود العام فكما ذكرت لإبطال قول اليهود والنصارى, وإن كان المقصود فئة معينة فهم الطائفة من بني إسرائيل الذين آمنوا وليس آخر الزمان من المسلمين واليهود والنصارى, هذا والله أعلم.


      الكلمة التاسعة والعشرون
      قال الله في سورة الزخرف: ((وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ)) وهذه الآية يستدل العلماء على نزول عيسى آخر الزمان, بل إن هذه الآية عندهم من أقوى الأدلة على نزوله. اختلف المفسرون في الهاء التي في قوله (وإنه) فقال البعض المقصود عيسى , أي ظهوره علم يعلم به مجيء الساعة لأن ظهوره من أشراطها ونزوله إلى الأرض دليل على فناء الدنيا واقبال الآخرة, ذكر قريبا من هذا ابن جرير في تفسيره وإن البعض قرأها ((وَإِنَّهُ لَعَلَم لِلسَّاعَةِ)). وقال آخرون المقصود القرآن الكريم, أي وإن هذا القرآن لعلم للساعة وقد قال قتادة: "كان ناس يقولون القرآن علم الساعة" بكسر العين, وقال بعدها ابن جرير : "وَاجْتَمَعَتْ قُرَّاء الْأَمْصَار فِي قِرَاءَة قَوْله : ((وَإِنَّهُ لَعِلْم لِلسَّاعَةِ)) عَلَى كَسْر الْعَيْن مِنْ الْعِلْم وَالصَّوَاب مِنَ الْقِرَاءَة فِي ذَلِكَ : الْكَسْر فِي الْعَيْن ; لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة مِنَ الْقُرَّاء عَلَيْهِ", بل يروى أن في قراءة أبي ((وَإِنَّهُ لَذِكْر لِلسَّاعَةِ)). وقال آخرون وإنه أي اخراج عيسى الموتى دليل على الساعة. وقال آخرون المقصود هو الرسول . فهذه أشهر الأقوال في هذه الآية فكيف يستدل به البعض ويقطع إن هذه الآية دليل قاطع على نزول عيسى ويقول إنه يكّفّر القرآن! هذا والله من العجلة وقلة في العلم في هذه المسألة!


      الكلمة الثلاثون
      فإن قلت لا كل هذه الأقوال الأخرى ضعيفة لأن اكثر المفسرين اليوم يفسرونها على أنها راجعة إلى عيسى . فسأقول لك وإن كان المقصود عيسى فليس في الآية دليل على كونه حيا في السماء وينزل آخر الزمان ليقتل الدجال وغير ذلك. فإن قلت كيف ذلك والله يقول: (لعلم للساعة) أقول لك مباشرة كون عيسى من علامات الساعة لا يعني إنه سينزل آخر الزمان, والدليل على ما أقول حديث رسول الله حيث قال: "بعثت أنا والساعة كهاتين" والحديث مشهور, فالرسول أيضا من علامات وأشراط الساعة بل كما ذكرت في كلمات سابقة ظاهر الأحاديث بأنه أظهر علامة من علامات الساعة. وأيضا انشقاق القمر إذا أخذنا أن الواقعة فعلا حدثت وليست الحادثة مما سيكون في المستقبل, فشيء حصل في الماضي ولكن الانشقاق أيضا من علامات الساعة.


      الكلمة الحادية والثلاثون
      ومن تأمل هذه السورة أقصد سورة الزخرف وتأمل آيات القرآن الكريم في حديث الله عن القرآن, و وتأمل السياق لوجد أن الراجح والله أعلم هو القرآن الكريم. بل عندما تأملت السورة وافتتاحيتها قلت في نفسي سبحان الله ما أعظم هذا الكتاب, فالآية التي يستدل بها الناس على نزول عيسى آخر الزمان وليس للقائلين بذلك دليل قطعي من القرآن, يجد افتتاحيتها: ((حم * والكتاب المبين)) أي البِّين الواضح الجلي لا خفاء فيه ثم قال بعدها: ((إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)) أي تفهمونه وتتدبرونه, والله إن هذه الافتتاحية كأنها صفعة قوية! وفي هذه السورة بالتحديد إشارات وصفعات لمنهجية بعض المنتسبين إلى العلم ما الله به عليم ولعلي أقف على بعض منها في أبحاث قادمة, ففيها لمن يقول في القرآن ما ليس فيه ولا يتحاكم إليه عند التشابه, فبدل أن يرد المتشابه إلى المحكم, يرد المحكم إلى المتشابه والله المستعان.


      الكلمة الثانية والثلاثون
      من تأمل سورة الزخرف, لوجد من مقاصدها كما قال بعض العلماء فيها تحذير من الإنخداع بالمظاهر المادية أو تحدي العرب والتذكير بالوحدة والتحذير من الفرقة وأهمية الصفح وما إلى ذلك. ولكني عندما تأملت السورة وجدتها تدور حول عظمة هذا القرآن وهدف من هذا الكتاب والحث على التمسك به, والله أعلم, فإن كان حقا فمن الله وإن كنت مخطئا فمن نفسي ومن الشيطان. وسأوضح لكم لم أقول ذلك. تأمل كيف ابتدأ السورة (والكتاب المبين) أي إنه واضح مبين, وبعدها (إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون) حث على التدبر وإنه متيسر فهمه ولنرفع الجهل عن أنفسنا, ثم إن الله شرّف هذا الكتاب بقوله (وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم) وتأمل كيف رد الله على من تقول عليه بلا علم (أم أتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون) وبيّن إنهم مقلدون لا علم عندهم مجرد التقليد. وتأمل كيف قالوا (وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) وأيضا كيف حثّ النبي وأمته بقوله (فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم) و بعدها قال (وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون) وأخيرا (وإنه لعلم للساعة) فمن تأمل السورة لم يخفى عليه فإنه ظاهر.


      الكلمة الثالثة والثلاثون
      كثيرا ما نجد في القرآن مثل قوله سبحانه: (وإنه لعلم للساعة) مثل قوله : (وإنه لتنزيل رب العالمين) و (إنه لكتاب عزيز) وأيضا قال (وإنه لذكر لك ولقومك) وفي موضع آخر (وإنه في أم الكتاب) و (إنه لقرآن كريم) و (إنه لتذكرة للمتقين) و (إنه لحسرة على الكافرين) و (إنه لحق اليقين) و هكذا فإن هذه الآيات عن القرآن الكريم وكذلك من تأمل (وإنه لعلم للساعة) هذا والله أعلم.


      الكلمة الرابعة والثلاثون
      تأمل سورة الزخرف من جديد, لوجدت الله ذكر الله أنه أرسل الأنبياء و أنهم كذبوا و ذكر الشرك من الطوائف و ذكر قصص الأنبياء من ابراهيم وموسى وعيسى , ثم أولا ذكر عيسى في معرض الرد على المشركين الذين جادلوا الرسول وسبب نزول هذه الآيات معروفة في كتب أسباب النزول والتفاسير وبعد أن رد عليهم ذكر آيات أخرى ثم فصّل قصة عيسى بذكره: (وَلَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَا مِنكُم مَّلائِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ) ثم قال (وإنه لعلم للساعة) ثم بعدها فصّل قصة عيسى , فمن قال إن السياق واضح إن المقصود عيسى قلت لهم بل السياق واضح إن المقصود القرآن الكريم فلا دليل قطعي لمن قال إن المقصود هو عيسى قطعا وكذلك لا أدّعي قطعا إن المقصود هو القرآن فكما ذكرت إن كان الراجح في اللغة بأن الضمير عائد على عيسى فلا فيه من قريب ولا من بعيد دليل على نزوله في آخر الزمان ولكن (كل حزب بما لديهم فرحون) هذه دعوة لنتدبر كلام الله ونتأمل وإن شاء الله ينكشف لنا أمورا كثيرة كانت تخفى علينا.


      الكلمة الخامسة والثلاثون
      قال الله في نفس السورة للرد على المشركين: ((إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ)) بما أكرمناه به من النبوة، وأنعمنا عليه برفعة المنزلة والذكر و قوله (وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل) أي آية وعبرة لهم، يعرفون به قدرة الله سبحانه، فإنه كان من غير أب، وكان يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله. أقول في هذه الآية أيضا دليل واضح إن عيسى توفي ولن ينزل آخر الزمان, فإن قلت لي كيف ذلك إنما أنت مفتر!؟ قلت لك أليس في الحديث ينزل آخر الزمان ويقتل الدجال ويتبعه المسلمون والنصارى ويقتل اليهود بل في بعضها إن من بقي من اليهود يؤمنون به و يوحد الملل بفضل الله, كل هذه الأمور تثبت إنه لم يكن خاصة لبني اسرائيل بل للناس كافة! وخاصة في آخر الزمان حيث هناك فرق لا يحصيها إلا الله , فإن قلت إنك لا تدري, لعل كل الملل تختفي ويبقى بني اسرائيل قلت لك مباشرة هذا خطأ فإن المسلمون يكونون معه بدليل الحديث إنهم سيقتلون اليهود. فإن قلت هو لم يبعث برسالة جديدة للناس فراسلته كانت في بني اسرائيل لكن هنا ينزل لمهمة واحدة فقط! أقول وإن اختلفت المهمات فهي أيضا نوع من الرسالة ويثبت عليه كونه مثلا للناس, فكما ذكرت في التفسير (وجعلناه مثلا لبني إسرائيل) بما أكرمه الله من النبوة وأنعم عليه برفعة المنزلة والذكر, فأي رفعة مثل أن يخلص الله العالم به أعظم فتنة, ويجمع الناس على ملة واحدة ويفعل ما يفعل في زمن تكثر فيه الفتن. فإن قلت وقتها لن يكون نبيا؟ أقول لك أيضا أخطأت بدليل أن الله يوحي إليه بأنه لن يستطيعوا مقاتلة يأجوج ومأجوج.


      الكلمة السادسة والثلاثون
      الحقيقة من تأمل هذه الآية: ((إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ)) لوجد فيها إشارة إلى موت المسيح عيسى بن مريم , فالمشركون قارنوا آلهتهم بعيسى بن مريم, فكما أن آلهتهم أموات لا يستطيعون دفع الضر ولا تحويلا كذلك المسيح بن مريم , أما إن كان معلوما عندهم أنه حي في السماء لشبّه عليهم الأمر ولظنوا فيه الألوهية كما يفعل النصارى, فجاء الرد إنه لا ميزة على غيره من المرسلين, عبد أنعم الله عليه بالرسالة وأرسله لبني اسرائيل كموسى وذكره الله بصيغة الماضي ولم يشر الله لا من قريب ولا من بعيد على نزوله آخر الزمان.


      الكلمة السابعة والثلاثون
      ذكرت لكم من قبل وكأن هذه السورة صفعة لما فيها من الإشارات إلى نقد أفكار البعض, قال الله مباشرة بعد أن فصّل قصة عيسى : ((هلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ)) سبحان الله! لم يذكر أي شيء عن نزوله, بل إن لنزوله مقدمات, ومن ثم يعيش سنين وكأن في الآية اشارة إلى نفي هذه الأفكار حيث إن الساعة بغتة, أي ما ينتظر هؤلاء إلا الساعة فقد جاء أشراطها وعلاماتها ومعلوم عند نزول هذه الآية عيسى لم ينزل, بل على حسب علمي السورة مكية المرحلة الأولى من بعثة النبي . أتمنى منكم أن تتأملوا ما أقول ولعل الله يفهمكم أمورا لم أفهمها فنستفيد من بعضنا البعض.


      الكلمة الثامنة والثلاثون
      قال الله : ((إن مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)) إن عيسى بشر وإنسان خلقه الله كآدم من تراب, رد الله عليهم بخلقة عيسى بأنه لا فرق بينه وبين آدم. فإن كان حيا في السماء كما يقول معظم العلماء فالحقيقة لا يكون عيسى كآدم. فإن قلت الله ذكر الفرق في أصل الخلقة ولم يذكر الفرق في النهايات, أقول نعم هو كذلك, ولكن إن كان حيا في السماء لقالت النصارى, إنه غير آدم, هو حي عند الله في السماء, والحقيقة هذه هي عقيدة النصارى فهم يعتقدون أن عيسى يجلس على يمين الله عما يقولون علوا كبيرا! فالقول بأنه حي في السماء مخالف لسنة الله في كونه, فلم يجعل أول إنسان بعد توبته ولم يجعل خاتم الأنبياء وهو أفضلهم في السماء, فجعل عيسى, فهذا فيه دعم قوي جدا لمزاعم النصارى لما في ذلك إعطاء لعيسى شيئا من الألوهية والربوبية و فيه اختلاف بيّن بينه وبين آدم.


      الكلمة التاسعة والثلاثون
      تأمل قصة أول إنسان خلقه الله بيده, و كيف أمره الله بالهبوط من الجنة, ماذا قال الله بعد تلك الأمور التي وقعت مع آدم وابليس؟ قال الله : ((وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ)) وهذا واضح أن البشر سيعيشون ويموتون في الأرض وسيبعثهم الله منها. فإن كان عيسى حيا في السماء فقد استقّر في السماء أكثر من ألفين سنة وهذا مخالف لسنة الله ولكن تقول إن لله في خلقه شؤون.


      الكلمة الأربعون
      قرأت من قبل في موقع الإسلام سؤال وجواب من قبل بأن البشرية لن تستطيع أن تعيش على أي كوكب غير الأرض بدليل سنة الله في البشر حيث قال الله ((مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى)) وقد يستدل أحدهم بأن عيسى قد مات بدليل هذا الحديث, لكن لقائل أن يقول إن الله بعد أن سينزل عيسى من السماء سيقبضه في الأرض وسيبعثها منها, ولذلك هذه الآية على حسب فهمي ليس فيها دليل قوي للرد على من يعتقد بأن عيسى حي في السماء والله أعلم.


      الكلمة الحادية والأربعون
      قال الله : ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ)) وهذه الآية من أقوى الأدلة أن عيسى مات, فإن ظاهر الآية أن كل الرسل من قبل محمد قد خلوا وماتوا. قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: " أي له أسوة بهم في الرسالة وفي جواز القتل عليه" و قال ابن جرير : "وَمَا مُحَمَّد إِلَّا رَسُول كَبَعْضِ رُسُل اللَّه الَّذِينَ أَرْسَلَهُمْ إِلَى خَلْقه دَاعِيًا إِلَى اللَّه وَإِلَى طَاعَته , الَّذِينَ حِين اِنْقَضَتْ آجَالهمْ مَاتُوا وَقَبَضَهُمْ اللَّه إِلَيْهِ" وعندما سئل ابن عثيمين عن تفسير هذه الآية قال: "يقول الله تعالى في هذه الآية الكريمة مبيناً حال رسول الله إنه عليه الصلاة والسلام رسول قد خلت من قبله الرسل أي مضت من قبله الرسل فبلغوا الرسالة ثم كان مآلهم إلى الفناء لأن كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام قد خلت من قبله الرسل ومضت في إبلاغ دعوتها إلى الله ثم ماتوا كسائر البشر" فإن قلت إن عيسى رفع إلى السماء حيا لكان قائل يقول: "لا لم يمت بل رفعه إلى السماء كعيسى " ولكن كلنا نعلم قصة موت رسول الله وكيف هدأ أبو بكر الصديق الناس بهذه الآية ولم يقل أي من الصحابة أنه رفع كما رفع عيسى بل قالوا ذهب إلى ربه كما ذهب موسى وفي هذا دليل قوي جدا إن عيسى ليس حيا في السماء ببدنه.


      الكلمة الثانية والأربعون
      قال الله : ((مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ)) وهذه الآية مثل الآية السابقة وفيها دليل قوي على أن عيسى قد توفي, في تفسير الجلالين: "ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت مضت من قبله الرسل فهو يَمضي مثلهم وليس بإله كما زعموا وإلا لما مضى" و في تفسير القرطبي: "أي ما المسيح وإن ظهرت الآيات على يديه فإنما جاء بها كما جاءت بها الرسل؛ فإن كان إلها فليكن كل رسول إلها؛ فهذا رد لقولهم واحتجاج عليهم." فالرسول والمسيح عليهم الصلاة والسلام نفس الشيء, لا ميزة بين أحد منهم على الآخر. فإن قلت بأن الله رفعه إلى السماء حيا لاحتج النصارى وقالوا هذا مثل عقيدتنا فنحن نعتقد إن عيسى في السماء حي وسيرجع. وفي هذا دعم لاعتقاداتهم الفاسدة, فيكون المبدأ آية والنهاية آية أي رفع إلى السماء حيا, وما بينهما آية فكيف لن يفتن به الناس؟ وللنصارى أن يقولوا: "لا ليس كمثل بقية الرسل, فموسى مات, وابراهيم مات لكن هو لم يمت إلى الآن بل حي!!" انظر ما خطورة هذه المقولة! وتأمل ما ألطف أسلوب القرآن في الرد على المخالف بحجج قوية, فقال كانا يأكلان الطعام, إشارة إلى أن الإله ليس بحاجة إلى إله, ومن كان غنيا عن الطعام فهو أكمل من هو بحاجة إلى الطعام, وأيضا تأمل, من كان يأكل الطعام لابد من إخراجه وكون إله لابد أن يخرج الطعام من بدنه فهذا أمر لا يقبله أي عاقل لكراهة الأمر عند البشر فكيف عند من يُعبد! وأيضا لما لهم التستر والحفر وكل من بحاجة إلى طعام فلابد ومصيره الفناء وما إلى ذلك من الإشارات المفهومة لمن تدبر, والله أعلم.


      الكلمة الثالثة والأربعون
      قال الله : ((وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ)) فكما قلت في كلماتي عن الدجال, فكذلك أقول هنا, في الآية دليل على أن الله لم يجعل الخلد لبشر قبل النبي فإن قيل أنه سيموت في المستقبل بعد نزوله من السماء, أقول هو إلى الآن على الأقل عاش أكثر 2000 سنة وهذا قد خالف المعهود من عمر البشر والله أعلم متى ينزل عيسى فلعله يكون بعد 5000 سنة أو بعد مليون سنة فيكون المسيح بن مريم حيا في السماء ألوف السنين, وقد قيل من خالف المعهود من العمر يصح أن يقال له الخلد وفي اللغة أمثلة في ذلك فمن أراد فليبحث. ثم إننا نعلم من الأحاديث أن عمره وهو ينزل من السماء ليس فوق 1000 سنة, فإن قلت إن الله حفظ له شبابه فهذا لا دليل عليه ولكنه ممكن ولكن أيضا سيتصف بصفات كالملائكة وربما استدل النصارى على ألوهية المسيح بهذه الحجة حيث إنهم سيقولون عاش أكثر من 2000 سنة ولم يحتج إلى شيء من ما يحتاجه البشر بل لم يكبر في العمر فهذه بحد ذاتها معجزة وكرامة للمسيح عيسى بن مريم ولم يذكر أي شيء من هذا في الأحاديث ولكن طبعا الرد عليهم, إن الله يفعل ما يشاء وهو على كل شيء قدير.


      الكلمة الرابعة الأربعون
      فإن قلت إن عيسى ليس هو الوحيد الذي خالف المعهود, فأصحاب الكهف ضرب آذانهم فلبثوا في كهفهم 300 سنة وازدادوا تسعا, وكذلك الذي مر على قرية أماته الله 100 عام ثم بعثه. أقول, على الأقل ذكر الله قصتهم وبيّن أن ذلك من آياته, ومكث عيسى حيا في السماء لأكثر من 2000 سنة ولا يذكر الله شيئا من ذلك ولا حتى رسوله فإن هذا شيء يدل على قدرة الله!؟ بل الفرق بين عيسى وبعثة النبي مئات السنين.


      الكلمة الخامسة والأربعون
      قال الله : ((إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَـذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ)) ففي هذه الآية دليل قوي أيضا أن عيسى لم يرفع حيا ببدنه, ومعلوم أن هذه الآية, أقصد الخطاب يكون يوم القيامة و إن لم يكن يوم القيامة لكان كافيا أيضا, فإن الله في هذه الآية عدد نعمه على عيسى ولم يذكر منها أنه رفعه إليه ولا أنه يكون سببا لتوحيد الملل وقتل أعظم فتنة ولا شيء من هذا القبيل بالرغم من كونها آية عظيمة ولكن لم يتطرق الله إليها, فسبحان الله!


      الكلمة السادسة والأربعون
      ربما تقول, قال الله ((وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَـذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ)) فهذا دليل على رفعه, أقول ليس في الآية دليل لا من قريب ولا من بعيد على أن المقصود بكففت بأنه رفعه إلى السماء الدنيا حيا بل إن دفع الله شرهم فيصح أن يكون كفّهم عنهم, مثله مثل ما كفى الله الرسول عندما أرادوا قتله قبل الهجرة, فكّفهم الله وكذلك إن ألقى الشبه عليهم فكذلك يكون قد كفّه الله شرّهم وهكذا فلا دليل مع الطرف الآخر أنه رفع إلى السماء حيا ببدنه.


      الكلمة السابعة والأربعون
      قال الله : ((وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ)) وقال في آية أخرى: ((وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)) أريدك أخي القارئ أن تتأمل في هاتين الآيتين, فإن الله وصفهم بأنهم أحياء, وفي الآية الأخرى أضاف (عند ربهم) ولم يذكر أي شيء من هذا القبيل عن عيسى , بل عندما رد على اليهود بأنهم قتلوه أو صلبوه لم يقل بل هو حي عنده أي صراحة بل قال إنه رفعه إليه وقد تحدثت عن تلك الآية في كلمة سابقة. فالشهداء لا شك أنهم قتلوا, أي أبدانهم في الأرض ولكن أرواحهم في السماء, ولكن قال الله عنهم أحياء, ولكن عيسى الذي هو حي بروحه وبدنه كما يقول العلماء لم يقل الله عنه ذلك فتأمل!


      الكلمة الثامنة والأربعون
      من تأمل الهدف من بعثة عيسى بن مريم لوجد أن الله يذكر في كتابه: ((وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ)) ففي الآية دليل أن مهمة عيسى ما ذكر في الآية, فلم يقل عيسى ولم يذكر الله في آية واحدة مهمته في قتل الدجال, ومصدقا للقرآن بخروجه الأخير, و توحيد الملل, وقيادة الأمة الإسلامية بعد خروج يأجوج ومأجوج وكل هذه الأمور, والآية التي ذكرت موافقة للآية ((إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ)) وهذا واضح فتأمل!


      الكلمة التاسعة والأربعون
      سؤال راودني, أيهما أكمل, أن يعيش النبي فترة قصيرة لا تتجاوز المائة عام ثم يموت وبدنه تحت الأرض, روحه في السماء, أو أن يرفع إلى الله في السماء ببدنه وروحه ويعيش في السماء ألاف السنين في الملأ الأعلى لينزل آخر الزمان ثم يعيش الناس بقيادته بسلام سنين وكأنهم يعيشون في الجنة! والله لا يكاد يجد طالب العلم ردا مقنعا إن استدل النصراني بذلك فضلا عن العامي!!!


      الكلمة الخمسون
      من تدبر القرآن الكريم, لوجد أن النبي الوحيد الذي ذكر الله وفاته أكثر من غيره هو عيسى بن مريم , فكم مرة بين ذلك, ((متوفيك)) و ((بل رفعه)) و ((قد خلت من قبله الرسل)) ((ويوم أموت)) و ((ومبشرا برسول يأتي من بعدي)) ((فلما توفيتني)) وغيرها من الآيات التي تدل صراحة أو إشارة. فإنك لن تجد عن وفاة موسى أو ابراهيم أو آدم أو أي أحدا من الأنبياء مثل ما تجد عن عيسى , وكأن في هذا اشارة وردا لمن يزعم أنه حي في السماء من المسلمين والنصارى, وردا على اليهود بزعمهم أنه قتل وهذه لطيفة لعلك لا تجدها في كتاب.


      الكلمة الحادية والخمسون
      في حديث أم سلمة , أقصد حديث الهجرة إلى الحبشة وعندما كان جعفر بن أبي طالب متحدثا نيابة عن المسلمين عندما سئل عن عيسى "فقال له جعفر بن أبي طالب : نقول فيه الذي جاء به نبينا ، هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول" تأمل لم يضف ولم يقل إن الله رفعه إليه في السماء, بالرغم من أنه قال له كلمته ألقاها إلى مريم, ومعلوم أن الرفع إلى الله في السماء وهو حي منقبة عظيمة جدا لعيسى بن مريم ولكنه لم يقل أي شيء من ذلك ولم يذكر أنه سينزل في آخر الزمان. وعندما سمع النجاشي هذه الكلمات "ضرب النجاشي يده إلى الأرض فأخذ منها عودا ثم قال : ما عدا عيسى بن مريم ، ما قلت هذا العود" فإن كان للمسيح بن مريم عودة آخر الزمان وسيقتل الدجال وغير ذلك لأخبرهم فالنبي يرسل إلى قومه بشيرا ونذيرا وما أعظم بشرى أن عيسى سينزل آخر الزمان ليطهر الأرض من الفساد, هذا والله أعلم.


      الكلمة الثانية والخمسون
      في حديث النواس بن سمعان الطويل فيها أي من قدرات عيسى بن مريم الخارقة: "لا يحلُّ لِكافرٍ يجدُ ريحَ نَفسِهِ – يعني أحدًا – إلَّا ماتَ ، وريحُ نَفسِهِ مُنتهى بصرِهِ ، قال : فيطلُبُهُ حتَّى يدرِكَهُ بباب لدٍّ ، فَيقتلُهُ" أقول أليس هذه قدرة عظيمة, نعم إنها عظيمة, ولكن الغرابة إنه يطلب الدجال ولا يموت الدجال مباشرة, فإن قلت إن الدجال حالة استثنائية أقول لك أين الدليل؟ وثم هناك مشكلة أخرى, إن كان لعيسى بن مريم هذه القدرة العظيمة, أما كان يكفي أن ينظر إلى يأجوج ومأجوج فيموتوا جميعا!؟ أليسوا كفارا؟ فإن قلت إن الله أوحى إليه فهو لا يريد أن يخالف أمر ربه فلك ذلك ولكن عندما يحاصرونهم: "ويحاصَرُ عيسى بنُ مريَمَ وأصحابُهُ حتَّى يَكونَ رأسُ الثورِ يومئذٍ خيرًا لهم مِن مائةِ دينارٍ لأحدِكُمُ اليومَ" فلم لم ينظر إليهم عيسى بن مريم فبمجرد النظر كان بإمكانه أن يقتل من حاصروهم وخاصة أنهم كانوا على الجبال, ولي تعليقات على موضوع ريح نفس عيسى بن مريم ولكن لعلي أعلق في أبحاث قادمة.


      الكلمة الثالثة والخمسون
      في حديث عبدالله بن عباس عن آية (وإنه لعلم للساعة) نجد في الحديث: "قد علِمتْ قريشٌ أنَّ النَّصارَى تعبدُ عيسَى بنَ مريمَ وما تقولُ في محمَّدٍ . فقالوا : يا محمَّدُ . ألستَ تزعمُ أنَّ عيسَى كان نبيًّا وعبدًا من عبادِ اللهِ صالحًا ، فلئن كنتَ صادقًا فإنَّ آلهتَهم لكما تقولُ..." الحديث. الشاهد في الحديث أن قريش سألوا عن عيسى بن مريم بصيغة الماضي, "كان" فلو كان حيا الآن في السماء كان الأجدر أن يستدلوا بكونه الآن في السماء عيسى نبي عبد صالح...الخ ولكن السياق يتبين أنه من أخبار الماضين ولا وجود له اليوم. أما إن قلت في الحديث نفسه خروج عيسى بن مريم قبل يوم القيامة فأقول بين خروج عيسى بن مريم ونزوله فرق عظيم.


      الكلمة الرابعة والخمسون
      في حديث فاطمة بنت رسول الله وفي رواية عن عائشة : "أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ قالَ في مرضِهِ الَّذي قُبضَ فيهِ لفاطمةَ : يا بنيَّةُ أحني عليَّ ، فأحنَت عليْهِ ، فناجاها ساعةً ، ثمَّ انْكشفَت عنْهُ وَهيَ تبْكي ، وعائشةُ حاضرةٌ ، ثمَّ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ بعدَ ذلِكَ بساعةٍ : أَحني عليَّ يا بنيَّة فأحنَت عليْهِ فناجاها ساعةً ، ثمَّ انْكشفَت تضحَكُ قالَ : فقالت عائشةُ أي بنيَّةُ اخبريني ماذا ناجاكِ أبوكِ؟ قالت فاطمةُ : أوشَكتِ رأيتِهِ ناجاني على حالِ سرٍّ ، وظننتِ أنِّي أخبرُ بسرِّهِ وَهوَ حيٌّ قالَ : فشقَّ ذلِكَ على عائشةَ أن يَكونَ سرًّا دونَها ، فلمَّا قبضَهُ اللهُ إليْهِ قالَت عائشةُ لفاطمةَ : ألا تخبريني بذلِكَ الخبَرِ؟ قالَت : أمَّا الآنَ فنعَم ناجاني في المرَّةِ الأولى فأخبرني أنَّ جبريلَ كانَ يعارضُهُ بالقرآنِ في كلِّ عامٍ مرَّةً ، وأنَّهُ عارَضني بالقرآنِ العامَ مرَّتينِ وأخبَرني أنَّهُ لم يَكن نبيٌّ كانَ بعدَهُ نبيٌّ إلَّا عاشَ بعدَهُ نصفَ عمرِ الَّذي كانَ قبلَهُ ، وأخبَرني ، أنَّ عيسى ابنَ مريمَ عليْهِ السَّلامُ عاشَ عشرينَ ومائةَ سنةٍ ، فلا أُراني إلَّا ذاهبًا على رأسِ السِّتِّينَ ، فأبْكاني ذلِكَ وقالَ : يا بنيَّةُ إنَّهُ ليسَ أحدٌ من نساءِ المسلِمينَ أعظمُ رزيَّةً منْكُم ، فلا تَكوني مِن أدنى امرأةٍ صبرًا وناجاني في المرَّةِ الآخرةِ ، فأخبرَني أنِّي أوَّلُ أَهلِهِ لحوقًا بِهِ وقالَ : إنَّكِ سيِّدةُ نساءِ أَهلِ الجنَّةِ إلَّا ما كانَ منَ البتولِ مريمَ بنتِ عمران ، فضحِكتُ لذلِكَ"
      الراوي:فاطمة بنت رسول الله المحدث:البيهقي - المصدر: دلائل النبوة - الصفحة أو الرقم: 7/166
      خلاصة حكم المحدث: صحيح
      فهذا نص صريح بأن عيسى قد توفي بل وعاش عشرين ومائة سنة, فكيف يقال إن الله رفعه إليه عنده حي بجسده وروحه؟ أما لو كان حيا الآن فعمره على الأقل أكثر من 1500 سنة! فإن قلت عمره الذي عاش في الأرض قبل أن يرفع وعندما أرادوا أن يصلبوه كان 120 سنة فأقول هذا يخالف كلام المفسرين ويخالف أحاديث نزوله آخر الزمان. ثم استدل الرسول على عمره عند وفاته بعمر عيسى , والحقيقة لا داعي لكثير من النقاش والتوضيح فالحديث واضح جدا.


      الكلمة الخامسة والخمسون
      بالرغم من صحة الحديث إلا أن في نفسي شيء من هذا الحديث أيضا, فإن قلنا أن النبي يعيش نصف عمر النبي الذي قبله فهذا يخل نوعا ما, فهل هذا ينطبق على يحيى بن زكريا وعيسى بن مريم ؟ وهكذا إن عدنا إلى الزمان سيخالف عمر نوح المذكور في القرآن. ولكن لعل يقال نوح عمّر أكثر من ذلك ولكنه دعى قومه المدة المذكورة في القرآن بدليل أنه عاش هذه المدة ثم أخذهم الطوفان ومن ثم نجاه الله ومن معه, فالله أعلم كم سنة عاش بعد أن نجّاه الله, هذا والله أعلم.


      الكلمة السادسة والخمسون
      الحديث كما قلت صحيح, فإن كنا سنبحث من جديد في سند الحديث أو نرد الحديث لأن في الحديث نكارة, لقلت, لم لا نفعل ذلك بأحاديث خروج الدجال ونزول المسيح بن مريم , فلعل باحث يجد ما لم يجده من سبقه, والأحاديث متنها منكر أقصد يخالف صريح القرآن في كثير من الآيات فأقل ما يقال عن هذه الأحاديث أنها من المتشابهات, وقد أمرنا أن نرد المتشابهات إلى المحكمات لا المحكمات إلى المتشابهات.


      الكلمة السابعة والخمسون
      في حديث البخاري: "- تحشرون حفاةً عراةً غرلًا ، ثم قرأ : كما بدأْنا أولَ خلقٍ نُعيدُه وعدًا علينا إنا كنا فاعلين . فأولُ من يُكسى إبراهيمُ ، ثم يؤخذُ برجالٍ من أصحابي ذاتَ اليمينِ وذاتَ الشمالِ ، فأقولُ : أصحابي ، فيقالُ : إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابِهم منذ فارقتهم ، فأقولُ كما قال العبدُ الصالحُ عيسى ابنُ مريمَ : وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" أيضا في هذا الحديث دليل على أن عيسى لم يعرف ما أحدثوه قومه من بعده وإلا لم يكن النبي ليصنع ما صنع عيسى بن مريم , وقد تحدثت بالتفصيل عن الحديث في كلمات سابقة.


      الكلمة الثامنة والخمسون
      حديث جابر بن عبدالله الذي في صحيح مسلم: "لا تَزالُ طائِفةٌ من أُمَّتي يُقاتِلونَ على الحقِّ ظاهِرينَ إلى يومِ القيامَةِ. قال، فيَنْزِلُ عيسَى ابنُ مَريَمَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيقولُ أميرُهُم: تَعالَ صَلِّ لنا . فيقول : لا . إن بَعضَكُم علَى بعضٍ أُمَراءُ. تَكرِمَةَ اللهِ هذه الأُمَّةَ" فإن كان الحديث متصل الأحداث فهذا يعني أن عيسى سينزل في يوم القيامة أو بعدها بدليل الرواية الأخرى: "لا تَزالُ طائفةٌ من أُمَّتي يقاتِلونَ على الحقِّ ، ظاهرينَ إلى يومِ القيامةِ ، فيَنْزِلُ عيسى ابنُ مريمَ ، فيقولُ أميرُهم : تَعَالَ صَلِّ لنا ، فيقولُ : لا ، إنَّ بعضَكم على بعضٍ أميرٌ ، تَكْرِمَةُ اللهِ لهذه الأُمَّةِ", وهذا خلاف المعروف, بل يوم القيامة, يوم يقوم الناس لرب العالمين, يخرجون من قبورهم, فكيف ينزل وقتها والمفروض أن يكون ميتا وقتها بدليل أنه سيموت ويصلي عليه الناس!؟ فإن قلت لا المقصود أن جابر أو الرسول يتكلم عن حادثتين مستقلتين فلك ذلك.


      الكلمة التاسعة والخمسون
      حديث أبو هريرة المشهور: "ينزِلُ ابنُ مريمَ حكمًا مُقسطًا يكسِرُ الصَّليبَ ويقتُلُ الخنزيرَ ويضعُ الجزيةَ ويَفيضُ المالُ حتَّى لا يقبلُه أحدٌ" أقول لم يكسر الصليب؟ ألم يقل الله في كتابه: ((لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ)) وإن كان يذكر أن للآية سبب نزول ولكنه عام أيضا, فمن أراد أن يكفر فعليه كفره, ألا ترى أننا لا نقاتل من يقاتلنا أو يمنعنا من الدعوة؟ و قال الله : ((وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)) بالرغم من أن الآية في معرض التهديد ولكن يستدل بذلك وبين أن من كفر فإن الله سيعذبه في الآخرة. و قال : ((لكم دينكم ولي دين)) فحرية الاعتقاد بحاجة إلى بحث مستقل لكن كسر الصليب و وضع الجزية كأن فيها مخالفة للآيات وتغيير لبعض أحكام الإسلام الثابتة.


      الكلمة الستون
      إن المتأمل في القرآن الكريم لوجد أن الله يعطي لهم حرية الاختيار, وإلا لما صلح اقامة الحجة عليهم. قال الله : ((ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِي أَحْسَنُ)) وهل كسر الصليب وقتل الخنزير و وضع الجزية من ذلك!؟ الله أعلم! بل إن القرآن ليبين لرسول اللَّه أنه لا سبيل إلى الحجر على حرية الناس في التفكير أو الاعتقاد وأن الأمر في ذلك إليهم، يختار كل منهم لنفسه, قال سبحانه: ((وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يكُونُوا مُؤْمِنِينَ)) وهناك أحاديث كثيرة تقرر هذا.


      الكلمة الحادية والستون
      تأمل قول الله : ((وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يكُونُوا مُؤْمِنِينَ)) فيها إشارة بأن لا يمكن أن يؤمن الناس جميعا في هذا العالم بعد نزول هذه الآية, لأن الله إن شاء لاستطاع أن يهلك كل الملل زمن رسول الله وهو خاتم النبين, فلم يغير الله سنته ويفعل ذلك في زمن عيسى وقد قال الله : ((فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً))


      الكلمة الثانية والستون
      من تأمل قول الله : ((وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ)) لوجد فيها إشارة إلى أن هذا الأمر سيكون إلى أن يرث الأرض ومن عليها, فمهما حرص الرسل والأنبياء, ما أكثر الناس بمؤمنين, نعم لك أن تقول تمام الإيمان وكماله ولكن في نفس السورة قال الله : ((وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ)) فالآية فيها اشارة واضحة ولكن لك أن تقول أن الشرك قد يكون شركا خفيا فهذا لا يكاد ينجو منه عوام الناس إلا من رحم الله.


      الكلمة الثالثة والستون
      ما الحكمة من قتل الخنزير؟ ألم ينهانا الله ورسوله عن قتل نفس بلا حق وإن هذا الحيوان أقصد الخنزير نفس منفوسة. أما إن استدليت بآية ((ما قطعتم من لينة)) فقياس مع الفارق, وإن سلّمت لك أنه لا فرق في القياس سأقول اختلف أهل التفسير في تفسير هذه الآية, والتفسير معروف. وإن أيضا سلّمت لكم أقول لم يأتي الأمر ابتداء من الله بل اجتهادا ثم أتى تقرير من الله , فأين الأمر ابتداء بقتل الخنزير؟ فإن قلت قتل الوزغ أقول إن الحديث معرض البحث بين المحدثين وإن قلت بقتل الوزغ فالسبب المشاركة في احراق ابراهيم ولكن أين ذكر مشاركة الخنزير؟ فإن قلت بسبب الوباء وغير ذلك أقول لا تتكلف! أين الدليل!؟


      الكلمة الرابعة والستون
      حديث أبو هريرة : "ليهبطن عيسى ابن مريم حكما، و إماما مقسطا، و ليسلكن فجا فجا، حاجا أو معتمرا، و ليأتين قبري حتى يسلم علي، و لأردن عليه" أقول هذا يخالف الأحاديث الأخرى عند ذكر الدجال بقول رسول الله إن خرج الدجال وهو بينهم فهو حجيجه ومعلوم أن نزول عيسى في زمن الدجال و بعد خروج الدجال, فكان الاحتمال موجودا ولكن هذا الحديث صريح أن الرسول كان يعلم بنزوله بعد موته! بخلاف حديث ابن صياد وغيرها من الأحاديث, فسبحان الله من تأمل لوجد التعارض واضحا والله أعلم وفوق كل ذي علم عليم.


      الكلمة الخامسة والستون
      حديث: "مَنْ أدرَكَ منكم عيسى ابنَ مريَمَ ، فلْيُقْرِئْهُ منِّي السلامَ" وهذا حديث واضح أن الرسول كان يخاطب الصحابة ويقصدهم هم ولم يقصد الذين يأتون من بعده بأكثر من ألف سنة. فمرت كل هذه السنوات ولم يخرج الدجال ولم ينزل عيسى بن مريم , بدليل أحاديث أخرى في هذا الباب, ولكن بالإمكان تأويل الحديث بما يريده الطرف الآخر أيضا أي أحد من أمته.


      الكلمة السادسة والستون
      في تفسير ابن كثير في تفسيره لآية سورة آل عمران: ((وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ)) قال ابن كثير : "وفي بعض الأحاديث "لو كان موسى وعيسى حيين لما وسعهما إلا اتباعي" ولكن للأمانة العلمية فإني لم أجد سند هذا الحديث في التفسير, وقرأت في الشبكة أن الألباني ينكر هذه الزيادة أي (عيسى). والله أعلم بما قاله غيره من العلماء. فإن صح الحديث فهذا دليل قاطع على وفاة عيسى بن مريم عليه الصلاة و السلام.


      الكلمة السابعة والستون
      قال الواحدي في كتابه الرائع "أسباب النزول" قَدِمَ وَفْدُ نَجْرَانَ، وَكَانُوا سِتِّينَ رَاكِبًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِيهِمْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ، وَفِي الْأَرْبَعَةَ عَشَرَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ إِلَيْهِمْ يؤول أمرهم، "فالعاقب" أَمِيرُ الْقَوْمِ وَصَاحِبُ مَشُورَتِهِمُ الَّذِي لَا يُصْدِرُونَ إِلَّا عَنْ رَأْيِهِ وَاسْمُهُ: عبد المسيح، و"السيد" إمامهم وَصَاحِبُ رَحْلِهِمْ وَاسْمُهُ: الْأَيْهَمُ، "وَأَبُو حَارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ" أُسْقُفُهُمْ وَحَبْرُهُمْ، وَإِمَامُهُمْ وَصَاحِبُ مِدْرَاسِهِمْ، وَكَانَ قَدْ شَرُفَ فِيهِ وَدَرَسَ كُتُبَهُمْ حَتَّى حَسُنَ عِلْمُهُ فِي دِينِهِمْ، وَكَانَتْ مُلُوكُ الرُّومِ قَدْ شَرَّفُوهُ وَمَوَّلُوهُ وَبَنَوْا لَهُ الْكَنَائِسَ لِعِلْمِهِ وَاجْتِهَادِهِ، فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَدَخَلُوا مَسْجِدَهُ حِينَ صَلَّى الْعَصْرَ، عَلَيْهِمْ ثياب الحبرات جُبّات وَأَرْدِيَةٌ فِي جَمال رجال بين الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ.
      يَقُولُ بَعْضُ مَنْ رَآهُمْ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا رَأَيْنَا وَفْدًا مِثْلَهُمْ، وَقَدْ حَانَتْ صَلَاتُهُمْ، فَقَامُوا فَصَلَّوْا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "دَعُوهُمْ" فَصَلَّوْا إِلَى الْمَشْرِقِ، فَكَلَّمَ السَّيِّدُ وَالْعَاقِبُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "أَسْلِمَا"، فَقَالَا: قَدْ أَسْلَمْنَا قَبْلَكَ، قَالَ: "كَذَبْتُمَا مَنَعَكُمَا مِنَ الْإِسْلَامِ دُعَاؤُكُمَا لِلَّهِ وَلَدًا، وَعِبَادَتُكُمَا الصَّلِيبَ، وَأَكْلُكُمَا الْخِنْزِيرَ"، قَالَا: إِنْ لَمْ يكن عيسى ولد الله فَمَنْ أَبُوهُ؟ وَخَاصَمُوهُ جَمِيعًا فِي عِيسَى .
      فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ وَلَدٌ إِلَّا وَهُوَ يُشْبِهُ أَبَاهُ؟" قَالُوا: بَلَى، قَالَ: "أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَبَّنَا حَيٌّ لَا يَمُوتُ، وأن عيسى أتى عَلَيْهِ الْفَنَاءُ؟" قَالُوا: بَلَى، قَالَ: "أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَبَّنَا قَيِّمٌ عَلَى كَلِّ شَيْءٍ يَحْفَظُهُ وَيَرْزُقُهُ؟" قَالُوا: بَلَى، قَالَ: "فَهَلْ يَمْلِكُ عِيسَى مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا؟" قَالُوا: لَا، قَالَ: "فَإِنَّ رَبَّنَا صَوَّرَ عِيسَى فِي الرَّحِمِ كَيْفَ شَاءَ، وَرَبُّنَا لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ وَلَا يُحْدِثُ" قَالُوا: بَلَى، قَالَ: "أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ عِيسَى حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كَمَا تَحْمِلُ الْمَرْأَةُ، ثُمَّ وَضَعَتْهُ كَمَا تَضَعُ الْمَرْأَةُ وَلَدَهَا، ثُمَّ غُذِّيَ كَمَا يُغَذَّى الصَّبِيُّ، ثُمَّ كَانَ يَطْعَمُ وَيَشْرَبُ وَيُحْدِثُ؟" قَالُوا: بَلَى، قَالَ: "فَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا كَمَا زَعَمْتُمْ؟" فَسَكَتُوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فِيهِمْ صَدْرَ سُورَةِ آلِ عمران إلى بضعة وثمانية آيَةٍ مِنْهَا" فإن صح هذا الحديث فهو أيضا دليل قاطع على موت عيسى بن مريم , ولقد علمت مؤخرا أن الحديث استدل به القاديانية وقد رد على هذا الحديث أحد العلماء فقال أن الحديث لا اسناد له أصلا, والحقيقة الواحدي تجده يفعل ذلك في كتابه. ولكن بعض علماء الطوائف يصححون الحديث ويشهدون للحديث لكني لم أبحث عنها لما قد يقع في أنفسهم من أغراض لتصحيح أو تضعيف الأحاديث والله أعلم.


      الكلمة الثامنة والستون
      قال الله في كتابه: ((وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ)) وقال بعدها ((أمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاء وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ)) ففي هذه الآيات أيضا دلالة على أن المسيح بن مريم قد توفي, لأن لو أخذنا بعموم الآية وقت نزول القرآن فإن النصارى كانوا يدعون ويلجؤون لعيسى بن مريم وأحيانا أمه بالدعاء والصلاة والطلب والرزق والرجاء ، فإن شملت الآية هؤلاء ففيها دليل قاطع أن المسيح وأمه أموات, وأما إن كان المقصود الأوثان والحجارة فنعم لكم ذلك.


      الكلمة التاسعة والستون
      من قرأ في كتب السيرة والتاريخ لاكتشف بأنه لم يرد على رسول الله مُحمد صلى اللهُ عليه وسلم أي استفسار أو قول حول كون عيسى في السماء, فلم يسأله المشركون ولا اليهود ولا النصارى وإن بحثت كثيرا في الأحاديث الصحيحة فلم أجد الصحابة استفسروا عنه! وكأن الأمر محسوم وقتها ومعروف بأن المسيح عيسى قد مات مثله مثل غيره من الرسل. ثم إن الكتب التي في ذكر لقصص الأنبياء والرسل لا تجد في أي منها أن الله سيرفع المسيح بن مريم عنده بخلاف قصة المعراج وبخلاف ما ينشر اليوم من رفع ادريس مكانا عليا مثل ما هو موجود في كتبهم مثل Book Of Enoch والـScrolls وغيرها مما اكتشف قريبا. إني لا أستدل بهذه الأمور لأناقض السنة, لكني أريد أن أقول انه ليس في القرآن ولا في السنة ولا في الكتب القديمة شيء!


      الكلمة السبعون
      الحاجة من إرسال الرسل أن يقوموا بأمر لا يمكنه أن يفعله غيرهم, فلذلك تجد بين كل 500 سنة أو ما قارب يرسل الله رسولا وهذا هو الفرق بين محمد وعيسى , فالفرق ليس أكثر من 1400 سنة أو ربما 5000 سنة ليرسل الله عيسى مجددا لقتل الدجال! فإن قلت إن المسلمين ليسوا بحاجة إلى نبي مؤيد من الله فأقول هذا ما أريد أن أقوله, لأن في أمة محمد من هم ظاهرين بالحق لا يضرهم من خالفهم إلى قيام الساعة, و كذلك حديث المجدد على رأس كل 100 سنة وغيرها من الأحاديث فالأمة ليست بحاجة إلى نبي مرسل قد بعث من قبل ليقتل الدجال و يصلح الأمة. ومن هو أولى بالمسلمين واصلاحهم بل وبالعالمين؟ أهو عيسى بن مريم أم محمد


      الكلمة الحادية والسبعون
      في حديث أبو موسى الأشعري المخرج في الصحيحان: "خُسفتِ الشمسُ، فقام النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فزعًا، يخشى أن تكون الساعةُ، فأتى المسجدَ، فصلى بأطولِ قيامٍ وركوعٍ وسجودٍ رأيتُه قطُّ يفعله، وقال : هذه الآياتُ التي يرسلها اللهُ، لا تكون لموتِ أحدٍ، ولا لحياتِه، ولكن يخوف اللهُ بها عبادَه، فإذا رأيتُم شيئًا من ذلك، فافزعوا إلى ذكرِه ودعائِه واستغفارِه" ففي الحديث دليل قوي أن الرسول لم يكن يعلم بخروج الدجال أو نزول عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام وإلا لم خشي أن تكون الساعة!؟ فإن من يعلم أن المهدي لم يخرج بعد, ولابد من الدجال أن يخرج و من ثم لابد من أن ينزل عيسى بن مريم و سيعيش سنين بل ربما يأتي ويسلم عليه فيرد النبي وهو في قبره كيف فزع أن تكون الساعة!؟ فإن قلت إن النبي أراد أن يعلم أصحابه أن يهرعوا إلى الصلاة فأقول لك مباشرة لم كان فزعا وخشى أن تكون الساعة, والفزع لا يكون تمثيلا بل أغلب الظن بأن احتمال الساعة وقتها ممكن جدا وهذا ظاهر ولا يحتاج لمزيد تفصيل. ثم اعلم أن هذه الحادثة وقعت بعد وفاة ابنه ابراهيم أي في السنة الثامنة من الهجرة وبالرغم من ذلك كان فزعا! فأقول ما يقال أن الرسول لم يكن يعلم أي شيء عن خروج الدجال ونزول عيسى بن مريم قبل هذه الحادثة!


      الكلمة الثانية والسبعون
      إن من تدبر القرآن الكريم وعلم بعضا من سنن الله سبحانه, لوجد أن الله لا يجعل مجالا للشبهة لتأليه غيره, بمعنى أن كل من ألهه البشر كفرعون فإن الله سيميته لكي يظهر أنه الإله الحق, مثل عزير والمسيح بن مريم ليقضي على تلك الدعاوي الباطلة! فإن كان المسيح بن مريم حيا في السماء لفرح النصارى بذلك وقالوا: "هو ابن الله وإلا لم يرفعه إليه ألوف السنين ليكون معه ثم ينزل آخر الزمان ويفعل ما يفعل, هذا عندنا من أعظم الأدلة على كونه ابن الله" ولكن توفاه الله لكي لا يكون عند النصارى أية حجة! فإن قلت فلم لم يمت الله الملائكة وهل الملائكة تشاهد أو شوهدت من قبل هؤلاء الذين عبدوهم؟

      تعليق


      • #4
        كلمات أخيرة

        الكلمة الأولى
        أيها القارئ, قد تقول كل ما عندك هي شبهات باطلة و العلماء من السلف والخلف قد أجابوا على الشبهات, فأقول أولا إن كنت تظن أن ما أورده مجرد شبهات فأرجو منك أن ترد عليها برد مقنع, فإن كل إنسان قد يستطيع أن يرد على ما أتيت به, أرأيت النصارى والملحدين كيف يردون على حجج الإسلام بردود واهية وسخيفة, فهل هذا يعني بأنهم أبطلوا حجج الإسلام؟ لا والله! ألم يقل الله في كتابه: ((وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ)) فالعبرة ليست بالإجابة إنما بماهية الإجابة. فالعلماء جزاهم الله خيرا نعم أجابوا على بعض الشبهات, ولكن هل الإجابة تبطل حجج المخالف؟ واليوم قد عرضت عليكم أكثر من 100 اشكال على الأقل لا أظن أنها قد عرضت من قبل على موضوع خروج الدجال أو نزول عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام.


        الكلمة الثانية
        قد تقول فما بال كل هذه الأحاديث عن خروج المهدي والدجال ونزول عيسى بن مريم , أقول إن العلماء ركزوا على اسناد هذه الأحاديث وربما غاب عنهم نقد المتن وعرض متون هذه الأحاديث على القرآن الكريم أو الأحاديث النبوية الأخرى. أو لعل هناك من نسب هذه الأقوال إلى الصحابة أو الرواة خطأ أو لغاية وقاموا بإنشاء سند لها. وقد فعل ذلك بعض من السابقين فيما يروى عنهم. وأيضا


        الكلمة الثالثة
        ربما تقول إذا هل نسفّه العلماء؟ أقول لا والله لا أسفههم, وكيف أفعل ذلك وقد علمت أن لكل فن رجاله ولكل علم أهله الذين يرجع إليهم عند الاختلاف ويحتكم إليهم عند التنازع, ولكنها قد تكون أمورا خفيت عليهم فهذه فرصة لإعادة النظر أو قد تكون أمور خفيت علي فأستفيد. وإنك بعد قراءة ما كتبت لوجدت أن هناك أكثر من 100 إشكالية حول هذه الأحاديث, اشكالية معتبرة وليست اشكالية نابغة عن هوى في النفس أو تربص والعياذ بالله. فقبل الإجابة على هذه الإشكاليات بإجابات قد تكون فيها تكلف ظاهر, أول ما ينبغي أن ينظر فيه المحدث أو طالب العلم هو السند، أقصد بالسند سلسلة الرواة من آخر راو إلى الصحابي الذي روى الحديث عن النبي . فها اليوم بعد أكثر من 1000 سنة من تصحيح حديث الجسّاسة اكتشف البعض بأن الحديث فيه ضعف (انظر الملحق). وكذلك أحاديث كثيرة تجد أن الألباني صححها أو ضعفها بعد ما كان الاعتقاد فيها غير ما حكم عليها الألباني لمدة استمرت أكثر من مئات السنين, فلا يقال أن الألباني أو غيره سفهوا من سبقوهم من العلماء. فإن قلت هذا الألباني عالم ومن أنت!؟ أقول لا تدري, لعل الله يوفق الصغير على أن يقول الحق ويخطئ العالم ولنا في قصة عمر مع المهر والمرأة التي راجعته عبرة.


        الكلمة الرابعة
        اعلم أخي القارئ بأني عندما أنكرت على خروج الدجال فلا يذهبن عقلك بأني أنكرت كل الروايات, فربما هناك أحاديث يقال فيها الدجال ويكون المقصود غير الدجال, كما أول بعض الأحاديث الشيخ عبدالرحمن بن ناصر السعدي وكذلك كما أوّل ذلك جملة من العلماء وطلبة العلم. فربما في الحديث المقصود دولة أو نظام, وربما في حديث آخر مقصود ابليس وهكذا. فمثلا إن تأملت حديث الاستعادة في الصلاة من أربعة وهي عذاب جهنم, وعذاب القبر, وفتنة المحيا والممات ومن فتنة الدجال. فاستعاذ من عذاب جهنم و هو مصير الكفرة وقبل المثوى الأخير للموحدين, والقبر ما هي إلا أول منازل الآخرة, وفتنة المحيا والممات فتنة الدنيا والنفس الأمارة بالسوء, فيفتتن بنفسه ان افتقر او استغنى او مرض وغير ذلك والأخير فتنة وسوسة الشيطان وابليس وينطبق عليه وصف الدجال أكثر من غيره وهو أيضا فتان كما هو معروف في أحاديث البيوع. فالإنسان قد يأتيه خاطر الخير أو خاطر الشر, أما الخير فمن الله أو الملك, والآخر من الشيطان, ثم تتحول هذه الخواطر إلى النفس (أي نفس الإنسان ولا مؤثر خارجي) و بناء عليه يعمل في الدنيا و ما يجده في قبره نتيجة ما عمله في حياته وما يجده في الآخرة يجده أشد أو أفضل من ما كان يجده في القبر والله أعلم.


        الكلمة الخامسة
        أيها القارئ الكريم, لا تظن بأني عندما قلت التركيز من قبل العلماء على سند الحديث أكثر من متن الحديث بمعنى أنهم أهملوا متن الحديث, فهذا كلام غير صحيح وغير منصف ولكن التركيز على نقد السند كان أكثر من التركيز على نقد المتن. الحقيقة إن نقد متن الحديث من أدق مباحث علوم الحديث وأصعبها عند من يزن الكلام ولا يلقيه جزافا. وإن من العلماء من وضع ضوابط لنقد متن الحديث أو تمييز الصحيح من الضعيف وإن كان السند كالشمس, مثل الخطيب البغدادي و ابن قيم الجوزية و ابن الجوزي وابن كثير وغيرهم من العلماء والحفاظ . بل الواقع غالب كتب مشكل الحديث ومختلف الحديث هي كتب متخصصة في نقد المتن وهي كثيرة ولعل من أشهر كتب مشكل الحديث كتاب الإمام الطحاوي "مشكل الآثار" ومن الكتب المعاصرة "أصول منهج النقد عند أهل الحديث" لعصام البشير وكتاب "مقاييس نقد متون السنة" للدكتور الدميني و كتاب "السنة ومكانتها للتشريع" لمصطفى السباعي وكتاب "نقد المتن" للدكتور الإدلبي وكتاب: "منهج نقد متن الحديث عند علماء الحديث" و غيرها من الكتب.


        الكلمة السادسة
        أما سبب انتشار كثير من الأحاديث التي قد تكون ضعيفة بالرغم من صحة اسنادها, ظاهرتين انتشرتا في العصور السابقة وخاصة زمن الفتنة, منها ظاهرة الوضع وظاهرة الوهم. فالموضوعات ذاعت وانتشرت و تداولها بعض الرواة والصالحين بعضهم عن قصد وكثير منهم من غير قصد, فاحتمال تسرب هذه الموضوعات إلى الروايات الموثوقة أمر وارد وخاصة ان طالت الحلقات في سلسلة الإسناد. ولعل هذا احدى أسباب أنك تجد المحدث يجتمع له روايات كثيرة صحيحة فلا يعتمد منها إلا بنسبة 30% من المرويات عنده. لذلك تجد الصحابي الجليل ابن عباس كان يعرض عن سماع الحديث من بعض الصحابة في زمن الفتنة وكان يقول: "لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف" ولعل من أسباب وضع هذه الأحاديث تشويه الإسلام أو الإنتصار للمذهب والتوصل إلى الأغراض الدنيوية الترغيب والترهيب وأسباب غير مقصودة مثل وقوع الوهم أو الغلط من الراوي, والدس في كتاب الراوي وهو لا يشعر, فعلى سبيل المثال الإمام العراقي الحافظ ابن الحافظ "سفيان بن وكيع بن الجراح" الذي قال عن والده يحيى بن معين: "وكيع في زمانه كالأوزاعي في زمانه" و الذي قال عن والده الإمام أحمد: "ما رأيت أحدا أوعى للعلم ولا أحفظ من وكيع" كان له وراق يدخل عليه الحديث. لمزيد من قصص الدس في كتاب الراوي الثقة انظر كتاب "ميزان الاعتدال" للحافظ الذهبي وكتاب "الموضوعات" للإمام ابن الجوزي .


        الكلمة السابعة
        المرويات التي في خروج المهدي والدجال و نزول عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام أكثر من 1000 رواية وهذا يدل على أن كانت هناك حركة لإدخال هذه الأفكار إلى معتقدات المسلمين كما فعل أهل السنة بفضائل معاوية للرد على الموضوعات المنسوبة للنبي عن أهل البيت, حيث جمعوا مئات الأحاديث لا يكاد يصح منها شيء وكذلك الشيعة نسبوا فضائل لأهل البيت ولعلي بفضائل كثيرة لا يكاد يصح منها إلا القليل مقارنة بما افتروا, وهكذا مع المهدي وخروج الدجال ونزول عيسى بن مريم. وبالرغم من كل هذه المرويات فغير مذكور في القرآن الكريم.



        الكلمة الثامنة
        اعلم أيها القارئ الكريم, أن الموضوعات قد تسربت إلى المحدثين من بعض أقوال أهل الكتاب عن طريق وضّاع أو كذاب يريدون أن ينسبونها للنبي , ولهذا تجد أكثر أحاديث نزول عيسى بن مريم وخروج الدجال أو خروج المهدي هي أحاديث ضعيفة وموضوعة وصح منها جملة. ولا يكون التسرب فقط عن طريق الكذابين, فقد تسرّب إلينا هذه المرويات بسبب مسلمة أهل الكتاب مثل كعب الأحبار و غيره بل إن من الصحابة من كان لهم علم بعلوم أهل الكتاب مثل أبو هريرة وعبدالله بن عمرو.


        الكلمة التاسعة
        وقد قال البخاري وابن كثير وغيرهما من العلماء أن كثيرا ما كان أبو هريرة يجالس كعب الأحبار فيحدثان بعض وكان الواحد منهم يحدث عن الآخر فيوهم بعض الرواة فيرفعونها إلى النبي , وتجد هذا النقد على رواية مسلم التي أخرجها في صحيحه بأن "الله خلق التربة يوم السبت وخلق فيها الجبال...) الحديث ونفس الحديث تم نقده من قبل جماعة من العلماء جميعا. اعلم بأن أبو هريرة حمل (أي الحديث) عن كعب الحبر (كما هو مذكور في سير أعلام النبلاء) و أما الذين رووا عن أبو هريرة فقد قال العلماء أكثر من 800 إنسان!


        الكلمة العاشرة
        أخرج الإمام أبو زرعة الدمشقي في تاريخه و الإمام ابن كثير في تفسيره و ذكر الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء - سعيد بن عبد العزيز: عن إسماعيل بن عبيد الله، عن السائب بن يزيد، "سمع عمر يقول لأبي هريرة: لتتركن الحديث عن رسول الله -- أو لألحقنك بأرض دوس. وقال لكعب (أي كعب الأحبار): لتتركن الحديث، أو لألحقنك بأرض القردة" وأظن بأن المعلمي ضعف الحديث ولكن العلامة شعيب الأرناؤوط قال هذا اسناد صحيح والحقيقة معروفة في كتب التاريخ فهي أشهر من نار على علم أقصد انكار عمر , وقد ذكر العلماء أسبابا لإنكار عمر ولكني لن أتطرق إليها, ولكني أحب أن أنقل لكم ما كتبه الذهبي في سير أعلام النبلاء: "هكذا هو كان عمر -- يقول: أقلوا الحديث عن رسول الله --. وزجر غير واحد من الصحابة عن بث الحديث، وهذا مذهب لعمر ولغيره ، فبالله عليك إذا كان الإكثار من الحديث في دولة عمر كانوا يمنعون منه مع صدقهم، وعدالتهم، وعدم الأسانيد، بل هو غض لم يشب، فما ظنك بالإكثار من رواية الغرائب والمناكير في زماننا، مع طول الأسانيد، وكثرة الوهم والغلط، فبالحري أن نزجر القوم عنه، فيا ليتهم يقتصرون على رواية الغريب والضعيف، بل يروون -والله- الموضوعات، والأباطيل، والمستحيل في الأصول والفروع والملاحم والزهد - نسأل الله العافية -.فمن روى ذلك مع علمه ببطلانه، وغر المؤمنين، فهذا ظالم لنفسه، جان على السنن والآثار، يستتاب من ذلك، فإن أناب وأقصر، وإلا فهو فاسق، كفى به إثما أن يحدث بكل ما سمع، وإن هو لم يعلم فليتورع، وليستعن بمن يعينه على تنقية مروياته - نسأل الله العافية - فلقد عم البلاء، وشملت الغفلة، ودخل الداخل على المحدثين الذين يركن إليهم المسلمون، فلا عتبى على الفقهاء، وأهل الكلام." فهذه الأمور تدل الباحث على أن تسرّب الأحاديث الضعيفة أو حتى الموضوعة إلينا عن طريق الثقات والعدول أمر وارد.


        الكلمة الحادية عشر
        أخرج ابن كثير في كتابه: "البداية والنهاية" من طريق مسلم بن الحجاج، عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن مروان بن محمد بن حسان الدمشقي، عن الليث بن سعد، عن بكير بن الاشج عن بسر بن سعيد، قال: "اتقوا الله، وتحفظوا من الحديث، فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة، فيحدث عن رسول الله -- ويحدثنا عن كعب، ثم يقوم، فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول الله عن كعب، ويجعل حديث كعب عن رسول الله " و أورده الذهبي في كتابه: "سير أعلام النبلاء" و قال عنه العلامة شعيب الأرناؤوط "هذا سند صحيح" فبهذا الحديث نعلم بأن الأحاديث وإن كان السند صحيحا قد يدخل في المتن ما ليس من قول رسول الله , وإن بذل العلماء جهدا لتبيين ذلك لكن الحق يقال فإنهم لم يستوعبوا ذلك. و أيضا روى ابن كثير في كتابه "البداية والنهاية" قال ابن أبي خيثمة: حدثنا هارون بن معروف ثنا محمد بن سلمة ثنا محمد بن إسحاق عن عمر أو عثمان بن عروة عن أبيه - يعني عروة بن الزبير بن العوام قال: "قال لي أبي الزبير: أدنني من هذا اليماني - يعني أبا هريرة - فإنه يكثر الحديث عن رسول الله ، قال: فأدنيته منه، فجعل أبو هريرة يحدث، وجعل الزبير يقول: صدق، كذب ,صدق، كذب. قال: قلت يا أبه ما قولك: صدق كذب ؟ قال: يا بني أما أن يكون سمع هذه الاحاديث من رسول الله فلا أشك، ولكن منها ما يضعه على مواضعه، ومنها ما وضعه على غير مواضعه" ويروى عن الصحابي الجليل عمران بن الحصين : "إني سمعت كما سمعوا، وشاهدت كما شاهدوا، ولكنهم يحدثون أحاديث ما هي كما يقولون، وأخاف أن يشبه لي كما شبه لهم." لا تسيء الظن بي أو بالصحابة رضوان الله عليهم فتقول إنهم يكذبون بعضهم البعض, و لكن لفظ الكذب عند العرب قد يعني الخطأ أو الغلط, فالصحابة لم يتهموا أبو هريرة أو غيرهم بأنهم يكذبون ويفترون ولكن الخطأ وارد منهم والله أعلم.


        الكلمة الثانية عشر
        قد تقول إذا ما ضوابط نقد متن الحديث؟ من أحسن من كتب في هذه الضوابط مصطفى السباعي حيث عدد منها عددا أنقلها لكم مختصرة:
        · ألا يخالف بدهيات العقول.
        · ألا يخالف القواعد العامة في الحكمة ـ الطب ـ والأخلاق.
        · عدم ركة ألفاظه.
        · ألا يخالف الحس والمشاهدة، كالحقائق العلمية.
        · ألا يخالف سنن الله في الكون والإنسان.
        · ألا يدعو للرذيلة ـ الانحطاط بإنسانية الإنسان، فالمساس بإنسانية الإنسان حاربته جميع الشرائع.
        · ألا يخالف المعقول في العقيدة والصفات.
        · ألا يشتمل على سخافات يصان عنها العقلاء.
        · ألا يخالف القرآن.
        · ألا يخالف متواتر السنة ـ المجمع عليه المعلوم من الدين بالضرورة، كأركان الإسلام والإيمان، والحدود والقيم
        · ألا يخالف الحقائق التاريخية المعروفة عن أيام الرسول والصحابة.
        · ألا يوافق مذهب الراوي. (أقول في هذا نظر)
        · ألا يكون الرسول قد أخبر عن أمر وقع في مشهد عظيم، ثم يأتي ويخبر به واحد فقط.
        · ألا يشتمل على إفراط في الثواب والعقاب على الحقير من العمل.
        · ألا يكون ناشئاً عن باعث نفسي.


        الكلمة الثالثة عشر
        ذكر الإمام السيوطي في كتاب (تدريب الراوي) قال ابن الجوزي: "ما أحسن قول القائل: إذا رأيت الحديث يباين المعقول، أو يخالف المنقول، أو يناقض الأصول، فاعلم أنه موضوع" أقول ما أحسن عقل هذا القائل. أما عن كون خروج الدجال ونزول عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام فإن قرأ ما ذكرت في كلمات سابقة لوجد الموضوع يباين المعقول و يخالف المنقول و يناقض الأصول. أما بالنسبة للمعقول فلا أقصد فقط الخوارق العجيبة لكن مثل إعطاء الله من خصوصياته للدجال مثل إحياء الموتى, وأمور تتعلق بأسماء الله وصفاته, وأمور طبيعية غير معقولة لمن أراد الجمع بين الأحاديث من عجائب روايات الدجال ونزول عيسى بن مريم ولا أريد أن أفصل في المخالفات العقلية لأني سأفتح مباحث عقلية فلسفية وبقليل من التأمل من إنسان عقله حر سلم من التقليد أو الهوى لوجد مباينة هذا الموضوع للمعقول. أما المنقول فكتبت أمثلة كثيرة أبين أنها تخالف أحاديث صحيحة أخرى لا يتأتى معها الجمع السليم البعيد من التكلف. أما مخالفة أصول فكثيرة جدا مثل كون الساعة بغتة والنبي خاتم الأنبياء والمرسلين وأنه أفضلهم, واتمام الدين و قتل الغير بغير حق, و الحرية وكثير من هذه الأصول المعروفة في كتب مقاصد الشريعة. الحقيقة من تأمل أحاديث خروج الدجال ونزول عيسى بن مريم لم يجد فيها جلال النبوة كما في الأحاديث المتواترة الأخرى, فإن الذي قرأ ألوف الأحاديث النبوية وتدرب عليها لوجد الفرق مباشرة, كما أن القارئ للقرآن يجد فرقا مباشرة عندما يقرأ القرآن ويقرأ أحاديث النبي , فكذلك يجد فرقا واضحا بين أحاديث النبي وغيره من الناس, ولكن لا يميز هذا إلا من له طول باع في هذا المجال. بل الحديث المطول وكأنها قصة من قصص الوعاظ المنتشرة في كتب الوعظ لابن الجوزي وهذا واضح, فالصحابة يسألون وهو يجيب وانظر طريقة سؤالهم وما هي أسئلتهم, ثم قارنها بالأحاديث المتواترة الثابتة قطعا عنه .


        الكلمة الرابعة عشر
        فإن قلت, عقول الناس متفاوتة فالعبرة بالمنقول والمهم أن تؤمن ولا تحاول تفسر بعقلك, أقول نعم عقول الناس متفاوتة ولكن لتعلم بأن العقل السليم لا يخالف النقل السليم والنقل السليم لا يناقض العقل السليم (انظر كتاب درء تعارض العقل والنقل لشيخ الإسلام ابن تيمية) ولكني أحب أن أقول العبرة بالعقل والنقل وليس فقط بالإيمان! لأن الإيمان الصحيح ينبغي أن يكون قائماً على معقول صريح، ومنقول صحيح, أقصد هنا بالصحة ما لا ينقضه العقل وما لا تحوم حوله الشكوك والأوهام لاسيما فيما يتعلق بالعقائد والإيمان. أما إن قلت العبرة فقط بالإيمان فاعلم يا عزيزي القارئ بأن الجموع الغفيرة من البشرية يؤمنون بأن لله ولد أو ند والله ثالث ثلاثة وأكثر من مليار نفس قد آمنوا بجميع ما في كتاب محرّف وهو المعروف اليوم عندهم: بـالكتاب المقدس.. اعلم وفقك الله بأن النقل لا يثبت نقلا إلا بالعقل فإنك لا تعرف بأن هذا الحديث صحيح أو ضعيف إلا بنعمة العقل التي أودعها الله فيك وهي تشمل نعمة التمييز والتفكر وغير ذلك.


        الكلمة الخامسة عشر
        زعم بعض العلماء بأن أحاديث الدجال متواترة ويقصدون بأنها متواترة معنويا مثل الشوكاني و الألباني والغماري و طلاب العلم كالددو والطريفي رحم الله الأموات وحفظ الأحياء, ولكن لا يسلّم لهم ذلك, أولا لأن تعريف التواتر المعنوي مختلف عند العلماء, و من ثم اختلف العلماء في التواتر المعنوي بأنه يفيد اليقين أم لا, و هل مثلا إذا تواتر ذكر الدجال معنويا فهل يكون المقصود في كل رواية نفس المخلوق الخارق أم في بعضها مقصود بمخلوق و في البعض الآخر مخلوق آخر وهكذا. وكما ذكرت في كلمات سابقة يتبين أن الاحتمال وارد بأن المقصود ربما يختلف من حديث لآخر.


        الكلمة السادسة عشر
        قد تقول إن هذه الأحاديث ثبتت قطعا عن النبي , أقول لا أسلّم لك ذلك. فأولا لابد أن تعرف ما هو معيارك أو مقياسك لهذا الثبوت عن النبي !؟ فإن قلت النظر إلى الأسانيد وأحوال الرجال وما جاء فيهم من تعديل أو تجريح أو أنه مدون في صحيح البخاري أو مسلم و غيرهما من كتب الحديث المشهورة أو قال الألباني أو قال الشوكاني و قال ابن حجر, فاعلم بأن الحق لا يعرف بالرجال. ثم اعلم أن لا بد أن تثبت الرواية بمقاييس المنهج النقدي العام أو الشمولي, بحيث تتجاوز مجرد النظر إلى الإسناد إلى آفاق واسعة من خلال محاكمة متن الرواية إلى ثوابت القرآن الكريم كما فعل الصحابة رضوان الله عليهم, والسنة المتواترة قطعا والحقائق التاريخية الثابتة والحس والمشاهدة و السنن الإلهية في الكون. ثم اعلم وفقك الله بأن القرآن الكريم هو دستور أمة محمد , فهو الوحي الثابت ثبوتاً قطعياً لا شك فيه، وقال خالد الوهيبي: "فالسنة النبوية جاءت ترجمة عملية لدلالات القرآن الكريم ومعانيه، والنبي كان قرآنا يمشي على الأرض، والقرآن الكريم قال اللهُ عنه: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) وقال فيه: (تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ) فتجاوز الرواية لدلالات الكتاب العزيز أمر مؤذن بعدم ثبوتها عن صاحب الرسالة ، وللأسف الشديد انساحت كثير من المرويات عبر التاريخ بسبب إغفال كثير من المناهج الحديثية للقرآن الكريم." و أيضا من المقاييس كما هو معلوم لديك ثبوت الرواية بمقاييس السند من الإتصال وعدالة الرواة وضبطهم ومنها مراعاة وضبط موقع الرواية بعد ثبوتها في حركة الحياة, قال الوهيبي: "بعد ثبوت الرواية متناً وسنداً لا بد أن تخضع لهيمنة أصول الدين وقواعده الكلية أي لدلالات القرآن الكريم والسنة المتواترة، فهو الوحي الثابت ثبوتاً قطعياً لا شك فيه، وهو يحكم النسب والموازين وضبط موقع الرواية في بناء صرح الإيمان" ولا تقل لي من هذا الوهيبي؟ أقول: لا عليك من الوهيبي ولكن اقرأ ما يقوله الوهيبي.


        الكلمة السابعة عشر
        لم تتم دراسة جادة لسند الأحاديث المتعلقة بخروج الدجال ونزول عيسى بن مريم وبعد البحث تبين أنها لا تخلو من مقال كحديث الجسّاسة والروايات السبعة المنسوبة لأبي هريرة مثل "وإنه ليجيء معه بمثال الجنة والنار..." و "ما من نبي إلا وقد أنذر..." الحديث و ورواية: "وإني قائل فيكم قولا..." الحديث, و "أيها الناس, إنه لم يكن..." الحديث فكل هذه الروايات لا تخلو من مقال عند البحث الجاد و أكثر من عشرة روايات منسوبة للصحابي عبادة بن الصامت أيضا لا تخلو من مقال وكذلك رواية هشام بن عروة بن الزبير عن عائشة لا تخلو من مقال, وكذلك الرواية المنسوبة لرجل مجهول من أصحاب النبي فكل هذه الروايات عند البحث المتعمق والدقيق لا تخلو من مقال وبهذا فلا يسّلم لمن زعم بأن أحاديث خروج الدجال ونزول عيسى بن مريم متواترة فالعلماء اختلفوا في حد التواتر.


        الكلمة الثامنة عشر
        قال الشيخ محمد الغزالي في كتابه: "السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث: "قد ضقت ذرعا بأناس قليلي الفقه في القرآن كثيري النظر في الأحاديث. يصدرون الأحكام، ويرسلون الفتاوى فيزيدون الأمة بلبلة وحيرة. ولازلت أحذر الأمة من أقوام بصرهم بالقرآن كليل، وحديثهم عن الإسلام جريء، واعتمادهم كله على مرويات لا يعرفون مكانها من الكيان الإسلامي المستوعب لشئون الحياة" و قال أيضا: " تلاوة قليلة للقرآن الكريم وقراءة كثيرة للأحاديث لا تعطيان صورة دقيقة للإسلام، بل يمكن القول إن ذلك يشبه سوء التغذية، إذ لا بد من توازن العناصر التي تكون الجسم والعقل على السواء" و قال أيضا في نفس الكتاب: "كل ما نحرص نحن عليه شد الانتباه إلى ألفاظ القرآن ومعانيه . فجملة غفيرة من أهل الحديث محجوبون عنها مستغرقون في شؤون أخرى تعجزهم عن تشرب الوحي, والفقهاء المحققون إذا أرادوا بحث قضية ما جمعوا كل ما جاء في شأنها من الكتاب والسنة، وحاكموا المضنون إلى المقطوع وأحسنوا التنسيق بين شتى الأدلة .أما اختطاف الحكم من حديث عابر، والاعتراض عما ورد في الموضوع من آثار أخرى، فليس عمل العلماء."


        الكلمة التاسعة عشر
        من خلال بحثي على الشبكة وجدت كلمات لمفتي عمان الشيخ أحمد الخليلي وأظن بأنه إباضي ولكن الحقيقة أن الرجل صاحب علم, قال فيما قاله: "مما يؤسف أن الكثير من المحدثين والنقاد نظروا إلى جانب السند وتجاهلوا جانب المتن، مع أنه لا بد من أن ينقد الحديث من جانب المتن، وهذا الذي فعله الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فقد كانوا كثيراً ما ينقدون الروايات حتى ولو جاءت عن الثقات من الصحابة" وأيضا وجدت كلاما في نفس المعنى للأستاذ الجامعي لؤي صافي, قال الأستاذ: "لم يقبلوا (أي الصحابة رضوان الله عليهم) الحديث المرفوع إلى رسول الله على عواهنه؛ لأن صحابياً رواه، بل نظروا إلى الرواية من خلال الرؤية القرآنية التي اكتسبوها من استبطان معاني كتاب الله الكريم، وعرضوها على نسق المبادئ والمقاصد التي تشكل ثوابت هذه الرؤية، ولم يترددوا في رد الحديث أو تأويله عند تعارضه مع المبادئ القرآنية الثابتة"


        الكلمة العشرون
        لا ينبغي للعلماء أن يقوموا بتهديد وتخويف من يخالفهم الرأي في مثل هذه المواضيع بالقتل أو اتهامهم بالتكفير والردة وغير ذلك لأنهم خالفوا هذه المرويات بزعمهم أنها متواترة أو ثابتة قطعا عن النبي و قد علمت بعد قراءة هذا الملف كثرة الشبهات والإشكاليات المتعلقة بهذه الروايات ومزاعم العلماء, فمن تعجّل وكفّر بناء على مبلغه من العلم فقد ظلم نفسه وظلم غيره. أما المنهج القرآني الذي كان يقارع الباطل فيدمغه, وبالرغم من كون الطرف الآخر باطلا قطعا لا مجال للشك فيه إلا أن القرآن كان يعطيهم مجالا لطرح ما عندهم, ألم يقل الله في كتابه العظيم: ((قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)) فلا يأتيني متعجّل لا نصيب له من العلم إلا تقلّيد من سبقه فيقول أنت كافر ومرتد وعلى خطر وتخالف العلماء كلهم ومن أنت لتخالفهم و غيرها من الاستفزازات العاطفية, طرحت ما عندي فاطرحوا ما عندكم وأقول كما قال الله في كتابه: ((قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)) فإن كنت مخطئا فهي فرصة لأن تهدوا من ضل عن الطريق ولكم الأجر, و إن كنت مصيبا فأسأل الله أن لا يحرمني الأجر وفي كل الحالات المؤمن يستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم.

        تعليق


        • #5
          الخلاصة

          • خروج الدجال ونزول عيسى بن مريم غير مذكور في القرآن الكريم
          • خروج الدجال و نزول عيسى بن مريم ليسا من أركان الإيمان
          • أحاديث خروج الدجال ونزول عيسى بن مريم من الأخبار
          • كثير من الآيات المتشابهات تم تأويلها أو الضغط عليها من قبل العلماء بواسطة الروايات المنسوبة للنبي بدلا من الأخذ بظاهرها أو موازنتها بالآيات المحكمات في كتاب الله.
          • لا يسّلم لمن زعم تواتر أحاديث خروج الدجال ونزول عيسى بن مريم لا تواترا لفظيا ولا معنويا
          • لم تتم دراسة جادة لسند الأحاديث المتعلقة بخروج الدجال ونزول عيسى بن مريم إلا القليل
          • لم يتم نقد ودراسة متن هذه الأحاديث من قبل العلماء إلا القليل
          • الساعة بغتة
          • النبي لم يكن يعلم متى الساعة
          • أشراط الساعة الكبرى (إن صح التعبير) قد ولّت وجاءت
          • أحاديث خروج الدجال ونزول عيسى بن مريم فيها قدح عظيم في حكمة الله ورحمته
          • أحاديث خروج الدجال ونزول عيسى بن مريم فيها قدح عظيم في تصرفات الرسول الله
          • الأحاديث ليس فيها جلالة النبوة ومن كلمات الحديث يكاد العامي قبل العالم يميز بأنها ليست كلمات النبي ولكن واعظ من الوعّاظ
          • الأحاديث تخدم بشكل عظيم معتقدات النصارى
          • الأحاديث فيها تناقضات مع حقائق علمية
          • الأحاديث فيها تناقضات مع حقائق تاريخية
          • الأحاديث فيها تناقضات مع آيات قرآنية محكمة
          • الأحاديث فيها تناقضات مع أحاديث نبوية صحيحة
          • الأحاديث فيها تناقضات مع سنن الله في كونه
          • الأحاديث فيها تناقضات لواقع البشر
          • الأحاديث تناقض بعضها البعض
          • هناك اختلاف بين العلماء في معنى التواتر و الفرق بين المتواتر والآحاد
          • لا يمكن الاعتماد كليا على الجرح والتعديل
          • نقد متن الرواية كان منهج الصحابة رضوان الله عليهم قبل الفتنة وكثيرا بعد الفتنة أيضا.
          • يمكن للحديث الضعيف أن يُعتقد بصحته لمئات السنين ثم يتبين ضعفه, و كذلك يمكن للحديث الصحيح يُعتقد بضعفه لمئات السنين ثم يتبين صحته
          • عدد ليس بقليل من العلماء المعاصرين أنكروا هذه الأحاديث أو أوّلوها
          • كل عالم يؤخذ من كلامه ويرد إلا الرسول
          • لا يعرف الحق بالرجال و إنما يعرف الرجال بالحق


          تعليق


          • #6
            الملحق
            دراسة الشيخ حاكم المطيري
            المبحث الأول: تخريج روايات حديث الشعبي عن فاطمة:
            سياق الإمام مسلم لحديث فاطمة في صحيحه: قال (حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، وحجاج بن الشاعر كلاهما عن عبد الصمد (واللفظ لعبد الوارث بن عبد الصمد)، حدثنا أبي عن جدي، عن الحسين بن ذكوان، حدثنا ابن بريدة، حدثني عامر بن شراحيل الشعبي، شعب همدان، أنه سأل فاطمة بنت قيس، أخت الضحاك بن قيس، وكانت من المهاجرات الأول، فقال: حدثيني حديثاً سمعتيه من رسول الله e لا تسنديه إلى أحد غيره. فقالت: لئن شئت لأفعلن، فقال لها: أجل حدثيني. فقالت: نكحت ابن المغيرة، وهو من خيار شباب قريش يومئذ فأصيب في أول الجهاد مع رسول الله e فلما تأيمت خطبني عبد الرحمن بن عوف في نفر من أصحاب رسول الله e، وخطبني رسول الله e على مولاه أسامة بن زيد، وكنت قد حدثت أن رسول الله e قال: ((من أحبني فليحب أسامة)) فلما كلمني رسول الله e قلت: أمري بيدك. فأنكحني من شئت. فقال: ((انتقلي إلى أم شريك)) وأم شريك امرأة غنية من الأنصار عظيمة النفقة في سبيل الله، ينزل عليها الضيفان، فقلت: سأفعل. فقال: ((لا تفعلي. إن أم شريك امرأة كثيرة الضيفان فإني أكره أن يسقط عنك خمارك، أو ينكشف الثوب عن ساقيك، فيرى القوم منك بعض ما تكرهين، ولكن انتقلي إلى ابن عمك عبد الله بن عمر بن مكتوم)) (وهو رجل من بني فهر، فهر قريش وهو من البطن الذي هي منه) فلما انقضت عدتي سمعت نداء المنادي، منادي رسول الله e ينادي: الصلاة جامعة، فخرجت إلى المسجد فصليت مع رسول الله e فكنت في صف النساء التي تلي ظهور القوم، فلما قضى رسول الله e صلاته، جلس على المنبر وهو يضحك فقال: ((ليلزم كل إنسان مصلاه))، ثم قال: ((أتدرون لم جمعتكم؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ((إني والله ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة، ولكن جمعتكم لأن تميماً الداري كان رجلاً نصرانياً، فجاء فبايع وأسلم، وحدثني حديثاً وافق الذي كنت أحدثكم عن مسيح الدجال. حدثني أنه ركب في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلاً من لخم وجذام، فلعب بهم الموج شهراً في البحر، ثم أرفؤا إلى جزيرة في البحر حتى مغرب الشمس، فجلسوا في أقرب السفينة، فدخلوا الجزيرة فلقيتهم دابة أهلب كثير الشعر، لا يدرون ما قبله من دبره من كثرة الشعر، فقالوا: ويلك ما أنت؟ فقالت: أنا الجساسة، قالوا: وما الجساسة؟ قالت: أيها القوم انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير فإنه إلى خبركم بالأشواق. قال: لما سمت لنا رجلاً فرقنا منها أن تكون شيطانة، قال فانطلقنا سراعاً حتى دخلنا الدير فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خلقاً، وأشده وثاقاً، مجموعة يداه إلى عنقه، ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد ؟ قلنا: ويلك ما أنت؟ قال: قد قدرتم على خبري فأخبروني ما أنتم ؟ قالوا: نحن أناس من العرب ركبنا في سفينة بحرية فصادفنا البحر حين اغتلم، فلعب بنا الموج شهراً، ثم أرفأنا إلى جزيرتك هذه، فجلسنا في أقربها فدخلنا الجزيرة، فلقيتنا دابة أهلب كثير الشعر، لا يدرى ما قبله من دبره من كثرة الشعر، فقلنا: ويلك ما أنت؟ فقالت: أنا الجساسة. قلنا: وما الجساسة؟ قالت: اعمدوا إلى هذا الرجل في الدير، فإنه إلى خبركم بالأشواق، فأقبلنا إليك سراعاً وفزعنا منها، ولم نأمن أن تكون شيطانة. فقال: أخبروني عن نخل بيسان. قلنا: عن أي شأنها تستخبر ؟ قال: أسألكم عن نخلها هل يثمر ؟ قلنا له: نعم. قال: أما إنه يوشك أن لا تثمر. قال: أخبرني عن بحيرة الطبرية. قلنا: عن أي شأنها تستخبر ؟ قال: هل فيها ماء؟ قالوا: هي كثيرة الماء. قال: أما إن ماءها يوشك أن يذهب. قال: أخبروني عن عين زغر. قالوا: عن أي شأنها تستخبر. قال: هل في العين ماء؟ وهل يزرع أهلها بماء العين ؟ قلنا له: نعم. هي كثيرة الماء وأهلها يزرعون من مائها. قال: أخبروني عن نبي الأميين ما فعل ؟ قالوا: قد خرج من مكة ونزل يثرب. قال: أقاتله العرب ؟ قال: نعم. قال: كيف صنع بهم ؟ فأخبرناه أنه قد ظهر على من يليه من العرب وأطاعوه. قال لهم: قد كان ذلك ؟ قلنا: نعم. قال: أما إن ذاك خير لهم أن يطيعوه، وأني مخبركم عني، إني أنا المسيح، وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج فأخرج فأسير في الأرض فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة. فهما محرمتان علي كلتاهما، كلما أردت أن أدخل واحدة، أو واحداً منها استقبلني ملك بيده السيف صلتاً يصدني عنها، وإن على كل نقب منها ملائكة يحرسونها. قالت: قال رسول الله e وطعن بمخصرته في المنبر ((هذه طيبة. هذه طيبة. هذه طيبة )) يعني المدينة ((ألا هل كنت حدثتكم ذلك )) فقال الناس: نعم. ((فإنه أعجبني حديث تميم أنه وافق الذي كنت أحدثكم عنه وعن المدينة ومكة ألا إنه في بحر الشام أو بحر اليمن، لا بل من قبل المشرق ما هو. من قبل المشرق ما هو. من قبل المشرق ما هو )) وأومأ بيده إلى المشرق. قالت فحفظت هذا من رسول الله e.
            ـ حدثنا يحيى بن حبيب الحارثي، حدثنا خالد بن الحارث الهجيمي، أبو عثمان حدثنا قرة، حدثنا سيار أبو الحكم، حدثنا الشعبي قال: دخلنا على فاطمة بنت قيس فأتحفتنا برطب يقال له رطب ابن طاب، وأسقتنا سويق سلت، فسألتها عن المطلقة ثلاثاً أين تعتد ؟ قالت: طلقني بعلي ثلاثاً، فأذن لي النبي e أن اعتد في أهلي. قالت فنودي في الناس: إن الصلاة جامعة، قالت: فانطلقت فيمن انطلق من الناس، قالت: فكنت في الصف المقدم من النساء وهو يلي المؤخر من الرجال، قالت: فسمعت النبي e وهو على المنبر يخطب فقال: ((إن بني عم لتميم الداري ركبوا في البحر)) وساق الحديث وزاد فيه: قالت: كأنما انظر إلى النبي e، وأهوى بمخصرته إلى الأرض، وقال: ((هذه طيبة)) يعن المدينة.
            ـ وحدثنا الحسن بن علي الحلواني وأحمد بن عثمان النوفلي. قالا: حدثنا وهب بن جرير. حدثنا أبي. قال: سمعت غيلان بن جرير يحدث عن الشعبي، عن فاطمة بنت قيس، قالت: قدم على رسول الله e تميم الداري فأخبر رسول الله e أنه ركب البحر، فتاهت به سفينته فسقط إلى جزيرة، فخرج إليها يلتمس الماء، فالتقى إنساناً يجره شعره، واقتص الحديث. وقال فيه، ثم قال: أما إنه لو قد أذن لي في الخروج قد وطئت البلاد كلها غير طيبة، فأخرجه رسول الله e إلى الناس فحدثهم قال: ((هذه طيبة وذاك الدجال)).
            ـ حدثني أبو بكر ابن إسحاق، حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا المغيرة (يعني الحزامي ) عن أبي الزناد، عن الشعبي عن فاطمة بن قيس، أن رسول الله e قعد على المنبر فقال: ((يا أيها الناس حدثني تميم الداري أن أناساً من قومه كانوا في البحر في سفينة لهم فانكسرت بهم، فركب بعضهم على لوح من ألواح السفينة فخرجوا إلى جزيرة في البحر)) وساق الحديث.[3]
            تخريج طرق الحديث عن الشعبي : وقد رواه عن الشعبي كل من :
            أولا : مجالد بن سعيد عن الشعبي: وقد رواه عنه كل من :
            1 ـ سفيان بن عيينة : رواه عنه الحميدي[4] ، والطبراني.[5]
            2 ـ يحيى بن سعيد القطان : رواه عنه أحمد[6]، والطبراني.[7]
            3 ـ حماد بن أسامة : رواه عنه إسحاق وابن أبي شيبة.[8]
            4 ـ علي بن مسهر : رواه عنه ابن أبي شيبة.[9]
            5 ـ إسماعيل بن أبي خالد : رواه أبو داود[10] ، وابن ماجه[11]، والآجري من طرق عنه.[12]
            6 ـ زيد بن أبي أنيسة : رواه الطبراني.[13]
            ثانيا : داود بن أبي هند عن الشعبي :
            رواه أحمد[14]، والنسائي[15] ، وابن حبان[16]، والطبراني[17] كلهم من طرق عن حماد بن سلمة عنه.
            ثالثا : عبد الله بن بريدة عن الشعبي:
            رواه مسلم[18] وأبو داود[19]، كلاهما من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه عن حسين المعلم عن عبد الله بن بريده.
            رابعا : قتادة عن الشعبي :
            رواه إسحاق بن راهويه والترمذي[20]، كلاهما من طريق معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة به.
            خامسا : عمران بن سليمان عن الشعبي:
            رواه ابن حبان[21]، من طريق عبد الملك بن سليمان القرقساني عن عيسى بن يونس عن عمران به.
            سادسا : أبو الزناد عبد الله بن ذكوان :
            رواه مسلم[22]، والطبراني[23]، من طريق يحيى بن بكير عن المغيرة الحزامي عن أبي الزناد به.
            سابعا : غيلان بن جرير عن الشعبي :
            رواه مسلم[24]، والطبراني[25]، كلاهما من طريق وهب بن جرير عن أبيه جرير بن حازم عن غيلان به.
            ثامنا : سيار العنزي عن الشعبي :
            رواه مسلم[26]، والطبراني[27]، من طريق خالد بن قرة عن سيار به.
            ومن خلال تخريج الحديث يظهر مدى شهرته عن مجالد بن سعيد حيث رواه عنه ستة من الحفاظ الأثبات الثقات، بينما الروايات عن غيره لم تشتهر عمن رووها بل عامتها غرائب كما سيأتي بيانه!
            المبحث الثاني :دراسة طرق حديث الشعبي بحسب شهرتها:-
            أولا : رواية مجالد بن سعيد عن الشعبي: -
            وهي أشهر روايات هذا الحديث على الإطلاق، فقد رواها عن مجالد ستة من الحفاظ والثقات الأثبات وهم:-
            أ- إسماعيل بن أبي خالد: كما عند أبي داود والطبراني والآجري من طرق عن المعتمر بن سليمان، وعند ابن ماجة من طريق عبد الله بن نمير، وعند الآجري من طريق أبي شهاب، كلهم المعتمر وابن نمير وأبو شهاب عن إسماعيل عن مجالد عن الشعبي به.
            ب- يحيى بن سعيد القطان: كما عند أحمد، وعند الطبراني من طريق مسدد بن مسرهد ،كلاهما أحمد ومسدد عن يحيى عن مجالد به.
            ج- سفيان بن عيينة: كما في مسند الحميدي عنه عن مجالد به، والرمادي عن سفيان كما في الطبراني.
            د- حماد بن أسامة: كما في مصنف ابن أبي شيبة عنه عن مجالد به.
            ه- زيد بن أبي أنيسة: كما عند الطبراني من طريق الرهاوي عنه عن مجالد به.
            و- علي بن مسهر: كما عند ابن أبي شيبة عنه عن مجالد به.
            فالحديث محفوظ مشهور عن مجالد عن الشعبي، رواه عنه ستة من الثقات، أربعة منهم من الأئمة الحفاظ، منهم اثنان من حفاظ الكوفة هما حماد بن أسامة، وإسماعيل بن أبي خالد الذي هو بإجماع أهل الحديث أحفظ أصحاب الشعبي[28]، وأعلمهم بحديثه وأرواهم له، والمقدم عليهم جميعاً عند الاختلاف في حديث الشعبي، ومع ذلك لا يروى هذا الحديث إلا عن مجالد عن الشعبي!
            وكذا رواه عن مجالد يحيى بن سعيد القطان إمام أهل البصرة وحافظها، والمتشدد في الرواية، وكان لا يحبذ الرواية عن مجالد لشدة ضعف مجالد عنده ، ومع هذا اضطر لرواية هذا الحديث عنه؟!
            وفيهم أيضا سفيان بن عيينة إمام أهل الحجاز وحافظهم؟!
            فاجتمع على رواية هذا الحديث عن مجالد أئمة أهل الحديث من الحجاز والبصرة والكوفة قبل أن يعرف عن غيره؟!
            بل إن ابن أبي شيبة حافظ أهل الكوفة لم يرو هذا الحديث في مصنفه ـ الذي جمع فيه فأوعى حتى بلغت مروياته نحو أربعين ألف رواية ـ إلا من طريق مجالد مع أنه أورد مرويات كثيرة جداً في شأن الدجال؟!
            وهذا أحمد حافظ العراق على الإطلاق، وإمام أهل الحديث في زمانه – الذي انتقى مسنده من سبعمائة ألف رواية فاختار أجودها – وكان يرى أحاديث مجالد شبه الحلم، ومع ذلك يروي هذا الحديث من طريقه[29]؟!
            ومجالد قال عنه في التهذيب (قال البخاري كان يحيى بن سعيد يضعفه، وكان ابن مهدي لا يروي عنه، وكان أحمد بن حنبل لا يراه شيئا، وقال ابن المديني قلت ليحيى بن سعيد مجالد قال في نفسي منه شيء، وقال أحمد بن سنان القطان سمعت ابن مهدي يقول حديث مجالد عند الاحداث أبي أسامة وغيره ليس بشيء، ولكن حديث شعبة وحماد بن زيد وهشيم وهؤلاء يعني إنه تغير حفظه في آخر عمره، وقال عمرو بن علي سمعت يحيى بن سعيد يقول لبعض أصحابه أين تذهب قال إلى وهب بن جرير اكتب السيرة عن أبيه عن مجالد، قال تكتب كذبا كثيرا لو شئت أن يجعلها لي مجالد كلها عن الشعبي عن مسروق عن عبد الله فعل! وقال أبو طالب عن أحمد ليس بشيء يرفع حديثا كثيرا لا يرفعه الناس، وقد احتمله الناس، وقال الدوري عن ابن معين لا يحتج بحديثه، وقال ابن أبى خيثمة عن ابن معين ضعيف واهي الحديث، كان يحيى ابن سعيد يقول لو أردت أن يرفع لي مجالد حديثه كله رفعه، قلت ولم يرفعه؟ قال للضعف. وقال ابن أبي حاتم سئل أبي يحتج بمجالد قال لا.. وليس مجالد بقوي في الحديث، وقال النسائي ليس بالقوي ووثقه مرة، وقال ابن عدي له عن الشعبي عن جابر أحاديث صالحة وعن غير جابر وعامة ما يرويه غير محفوظة، وقال عمرو بن علي وغيره مات سنة أربع وأربعين ومائة في ذي الحجة حديثه عند مسلم مقرون.وقال يعقوب بن سفيان تكلم الناس فيه وهو صدوق، وقال الدارقطني مجالد لا يعتبر به، وقال الساجي قال محمد بن المثنى يحتمل حديثه لصدقه، وقال ابن سعد كان ضعيفا في الحديث، وقال العجلي جائز الحديث وكان يحيى بن سعيد يقول كان مجالد يلقن في الحديث إذ لقن، وقال البخاري صدوق، وقال ابن حبان لا يجوز الاحتجاج به).[30]
            ثانيا : رواية داود بن أبي هند عن الشعبي:-
            والرواية المشهورة عنه رواية حماد بن سلمة كما عند أحمد والنسائي في الكبرى وابن حبان والطبراني من طرق عن حماد عن داود به هذا هو الطريق المشهور.
            وقد ضعف الأئمة حديث حماد عن داود بن أبي هند[31].
            ولم يخرج البخاري عن حماد ولا عن داود بن أبي هند شيئاً أصلاً.
            كما لم يخرج مسلم من حديث حماد إلا ما تابعه عليه الثقات، ولم يخرج عنه من روايته عن داود شيئاً تفرد به[32]، ولهذا لم يخرج هذا الإسناد في قصة تميم الداري.
            إلا أنه تابعه خالد الطحان عن داود به كما عند الطبراني والروياني.[33]
            وليس في كلا الروايتين تصريح من داود بالسماع من الشعبي وإنما رواه عنه معنعناً، وقد ذكر ابن حبان أن داود روى عن أنس خمسة أحاديث لم يسمعها منه، وأنه كان يهم إذا حدث من حفظه[34]، وذكر ابن حجر أنه رأى أنس بن مالك، ونقل عن الأثرم عن أحمد أن داود كثير الاضطراب والاختلاف.[35]
            فإذا كان قد رأى أنساً وحدث عنه أحاديث لم يسمعها منه فهذا هو التدليس، وقد ذكره الدميني في المرتبة الثانية من المدلسين[36]، ولعل مسلماً لم يخرج هذه الرواية لتفرد حماد به عن داود، أو لعدم ثبوت تصريح داود بالسماع من الشعبي.
            ثالثا : رواية عبد الله بن بريدة عن الشعبي:-
            وهي الأصل الذي قدمه مسلم في الباب وأصح شيء عنده فيه!
            ولم يروه عن ابن بريدة إلا حسين المعلم ولا عن حسين إلا عبد الوارث بن سعيد ولا عن عبد الوارث إلا ابنه عبد الصمد ؟!
            ومن طريق عبد الصمد رواه مسلم وأبو داود والطبراني.
            وفي هذه الرواية علل :
            1 ـ فهي رواية غريبة لم تشتهر إلا عن عبد الصمد عن أبيه.
            وقد رواه الطبراني عن حفص بن عمر الصباح عن عبد الله بن عمرو عن عبد الوارث به.[37]
            إلا أن الصباح هذا متكلم فيه، فقد قال عنه أبو أحمد الحاكم: حدث بغير حديث لم يتابع عليه.[38]
            وقال عنه الذهبي ليس بالمتقن.[39]
            ولم أجد من تابعه على روايته هذه إلا إبراهيم بن فهد عند ابن مندة[40]، غير أن ابن فهد متهم بالكذب وأحاديثه مناكير وأمره مظلم.[41]
            فلا ينتفع بمتابعته، والصحيح أن هذه الطريق لا تكاد تثبت إلا عن عبد الصمد وعنه رواه الناس، والحديث حديثه عن أبيه، وقد تكلم الأئمة في عبد الصمد فقال عنه أبو داود: (يحتمل التلقين).[42]
            وقال أبو حاتم: (صدوق صالح الحديث).[43]
            وقال عنه ابن قانع: (ثقة يخطىء).[44]
            وقال ابن معين: (يقول في كتبه حدثنا حدثنا، ولم يكن في كتابه حدثنا، رأيت كتابه فلم أر فيه: حدثنا).[45]
            أي أن في أصوله (فلان عن فلان) بالعنعنة إلا أنه عند الأداء يحملها كلها على التحديث فيقول: (فلان ثنا فلان) لأنه ليس من أئمة هذا الفن ولا من الحفاظ المتقنين ولهذا قال عنه ابن حجر: (صدوق).[46]
            وقد كان ابن معين لا يعتد بمثل هذه الصيغة إلا إذا كانت من حافظ ثبت وأثبتها كذلك في كتابه عند التحمل ولهذا قال: (ليس الحافظ عندنا إلا من كان في كتابه (حدثنا) فإن لم يكن في كتابه (حدثنا) وقال (حدثنا) فليس بشيء)[47] وما ذلك إلا لكثرة الوهم وسبق اللسان إلى صيغة (حدثنا).
            فلذا لا يمكن الاحتجاج بقول عبد الصمد (حدثنا أبي قال سمعت حسيناً المعلم حدثنا عبد الله بن بريدة حدثنا الشعبي) على إثبات السماع بين حسين المعلم وابن بريدة أو بين ابن بريدة والشعبي؛ لأنه لا وجود لهذه الصيغة في أصل كتابه – على فرض وجود هذا الحديث فيه – وإنما أحاديثه معنعنة كما قال ابن معين.
            فإذا كان عبد الصمد صدوقاً، ويحتمل التلقين، ويخطىء في حديثه، وجب التحري في قبول ما انفرد به، وقد توبع من عبد الله بن عمرو لولا أنه من رواية ابن الصباح عنه وليس بالمتين، وعلى كل حال فالمتابعة ترجح ثبوته عن عبد الوارث بن سعيد.
            2 ـ كما أن حسيناً المعلم مع كونه ثقة إلا أنه متكلم فيه أيضا، فقد ذكره العقيلي في الضعفاء وقال عنه: (مضطرب الحديث)[48]، وروى عن يحيى بن سعيد القطان ـ وهو تلميذه ـ قوله عنه: (فيه اضطراب)[49]، وذكره ابن الجوزي في الضعفاء وقال(قال يحيى فيه اضطراب وقال العقيلي ضعيف وقد أخرج البخاري ومسلم عنه).[50]
            3 ـ وكذا عبد الله بن بريدة متكلم فيه، فقد ذكره العقيلي في الضعفاء، وروى عن أحمد ما يدل على ضعفه عنده.[51]وقد ذكر ابن حجر عن أحمد قوله: (أما سليمان بن بريدة فليس في نفسي منه شيء وأما عبد الله! ثم سكت)[52]. وقال أيضاً: (ضعيف فيما يروي عن أبيه)[53] ونقل عن إبراهيم الحربي قوله:(لم يسمعا من أبيهما وفيما روى عبد الله عن أبيه أحاديث منكرة).[54]
            وقال الجوزجاني: (قلت لأبي عبد الله: سمع عبد الله من أبيه؟ قال: ما أدري عامة ما يروى عن بريدة عنه. وضعّف حديثه)[55].
            فإذا ثبت ما قاله إبراهيم الحربي أنه لم يسمع من أبيه شيئاً فإن روايته عنه حينئذ تكون تدليساً، إذ أنه لا خلاف في أنه أدرك أباه وعاصره مدة طويلة، إذ توفي بريدة سنة 63هـ[56]، وولد عبد الله سنة 15هـ، وتوفي سنة 115هـ[57]، أي كان له عند وفاة أبيه نحو خمسين سنة تقريباً ففي شك أحمد وتردده في سماعه من أبيه وصم له بالتدليس إذ لم يحمل عنعنته عن أبيه على السماع.
            ومن كان هذا حاله لا يحتج بما رواه إلا إذا صرح بالسماع ممن روى عنه، ولعله لهذا السبب تحاشى البخاري روايته عن أبيه فلم يخرج منها مع كثرتها إلا حديثاً واحداً في المغازي.[58]
            4 ـ وعلى فرض ثبوته عن ابن بريدة فقد اضطرب في روايته لهذا الحديث اضطرابا شديدا، وقد سئل الدارقطني عن حديثه هذا فقال :( يرويه عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر عن فاطمة. وخالفه بشير بن المهاجر فرواه عن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن النبي ، وخالفه حسين المعلم فرواه عن ابن بريدة عن الشعبي عن فاطمة).[59]
            وقد رواها ابن حبان[60] عن هارون بن عيسى، عن الفضل بن موسى، عن عون بن كهمس، عن أبيه، عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر عن فاطمة به.
            فاجتمع في طريق ابن بريدة ضعف في بعض رواته، وغرابة في إسناده، واختلاف على راويه في روايته.
            رابعا : رواية قتادة عن الشعبي:
            وفي هذه الطريق علل هي :
            1 ـ غرابة في إسناده إذ لم يروها عن قتادة إلا هشام ولا عن هشام إلا ابنه معاذ ومن طريقه رواه الترمذي وقال: (غريب من حديث قتادة) وهو كما قال.
            2 ـ ومعاذ متكلم فيه فقد قال عنه ابن معين: (ليس بذاك القوي)[61]، وقال أيضاً: (لم يكن بالثقة إنما رغب فيه أصحاب الحديث للإسناد وليس عند الثقات الذين حدثوا عن هشام هذه الأحاديث)[62]، أي التي ينفرد بروايتها معاذ عن أبيه عن قتادة دون باقي أصحاب هشام الحفاظ لحديثه.
            وقد سئل عنه أبو داود: أحجة هو؟ فقال: (أكره أن أقول شيئاً كان يحيى لا يرضاه .. وأظنه يحيى القطان).[63]
            وهذا من الأحاديث التي تفرد بها عن أبيه عن قتادة، وليس مثله من يقبل منه مثل هذا التفرد عن إمامين كبيرين اعتنى الحفاظ بجمع حديثهما، بل لو تفرد هشام عن قتادة لعدّ حديثه منكراً[64]، حتى يتابع على روايته لعناية أصحاب قتادة بحديثه وحفظهم له كشعبه بن الحجاج وسعيد بن أبي عروبة وهمام.[65]
            وقد قال ابن حجر عن معاذ: (صدوق ربما وهم).[66]
            3 ـ ثم إنه على فرض ثبوت الحديث عن قتادة فإن فيه علة تمنع من الحكم له بالاتصال والصحة، وهي عنعنة قتادة وهو مشهور بالتدليس وممن لا تقبل عنعنته.[67]
            وقد قال الدار قطني في حديث رواه قتادة عن الشعبي معنعناً: (لم يرفعه عن الشعبي غير قتادة وقتادة مدلس لعله بلغه عنه)[68]، بل قال يحيى بن معين: (لم يسمع من الشعبي)[69] وكذا قال البسوي: (لم يسمع قتادة من الشعبي إنما أرسل عنه).[70]
            ومعلوم أن مرسل قتادة من شر أنواع المرسل وأشده ضعفاً لأنه حافظ لا يكاد ينسى من حدثه فلا يسقط الواسطة إلا إذا كان لا يستجيز التصريح باسمه لضعفه، ولهذا كان يحيى القطان يرى مراسيل قتادة شبه الريح وأنها لا شيء.[71]
            فلو سلمت هذه الرواية من غلط معاذ ووهمه، لم تسلم من إرسال قتادة وتدليسه، إذ ربما بلغه الحديث عن مجالد لشهرته عنه فرواه عن الشعبي وأسقط اسم مجالد، فكيف وقد نص الأئمة على عدم سماعه أصلا من الشعبي شيئا !!
            خامسا: رواية غيلان بن جرير عن الشعبي:-
            وفيها علل هي :
            1 ـ غرابة في الإسناد، إذ لم يروها عن غيلان إلا جرير بن حازم، وعنه ابنه وهب بن جرير، وقد رواه مسلم من طريقين عن وهب عن أبيه عن غيلان.
            2 ـ ضعف في الإسناد، فوهب متكلم فيه وقد ذكره ابن عدي في الضعفاء وذكر كلام عفان وابن مهدي فيه وساق له حديثين أنكرهما[72]، وكذا ذكره العقيلي في الضعفاء[73]. إلا أنه توبع على روايته كما سيأتي.
            وأبوه جرير متكلم فيه أيضاً فقد قال عنه أحمد: (كثير الغلط)[74] وقال ابن حبان: (كان يخطىء لأن أكثر ما كان يحدث من حفظه)[75] وذكره العقيلي في الضعفاء.[76]
            3 ـ عنعنة وتدليس ، فقد روى العقيلي عن حماد بن زيد إنكاره عليه تصريحه بالسماع.[77]
            وقال أحمد: (كان سجية في جرير بن حازم يقول: حدثنا الحسن قال حدثنا عمرو بن تغلب، وأبو الأشهب يقول: عن الحسن قال: بلغني أن النبي e قال لعمرو بن تغلب)؟!![78]
            فلا ينتفع والحال هذه بتصريحه بالسماع بين غيلان والشعبي.
            وهو أيضاً مدلس[79] وقد قال في روايته هذه (سمعت غيلان يحدث عن الشعبي) وليست هذه العبارة صريحة في سماع غيلان من الشعبي وليست في قوة (غيلان عن الشعبي) أو (غيلان حدثنا الشعبي) بل تحتمل أن غيلان كان يحدث عن الشعبي بواسطة أو بما بلغه عن الشعبي كأن يقول: (قال الشعبي) أو: (بلغنا عن الشعبي) فكل ذلك يصدق عليه أنه كان يحدث عن الشعبي، ومما يؤكد ذلك أن الطبراني[80] وابن مندة[81] أخرجاه من طريق موسى بن إسماعيل عن جرير وفيه (سمعت غيلان يحدث عن الشعبي) مما يثير الشك في عدوله عن الصيغة التي يستخدمها دائماً وهي (حدثنا فلان حدثنا فلان) إلى مثل هذه العبارة الموهمة التي تشعر بعدم اتصال السند فقد يكون نسي الواسطة التي ذكرها غيلان كما يحدث منه ذلك كثيراً[82] لكونه يحدث من حفظه ويخطىء، أو يكون قد دلسه وأسقط الواسطة قصداً لضعف هذه الواسطة، فقد روى أحمد عن وكيع وابن مهدي وعفان ثلاثتهم عن جرير قال سمعت أبا فروة قال حدثنا جار لنا عن شريح القاضي …إلخ.
            قال عفان: ثم ذكرت للأغضف حديث جرير عن أبي فروة. فقال أي الأغضف حدثني أي جرير عن الحسن بن عمارة عن أبي فروة ؟!!! [83]
            وهذا وهم فاحش، أو تدليس شنيع عن رجل كمثل الحسن بن عمارة المتروك لضعفه[84]، ولعله لهذا السبب تجنب أحمد رواية جرير هذه مع أنها عند شيخه موسى بن إسماعيل.
            وعليه فلا يمكن الاحتجاج بمثل هذه الصيغة ما دام قد ثبت أن جريراً يتساهل في استخدام عبارات التحديث ويصرح بالسماع فيما هو في الأصل مروي بالعنعنة، كما أنه مدلس أيضاً ويدلس عن مثل الحسن بن عمارة.
            وقد يعتذر لمسلم بأنه إنما أخرج هذه الرواية في المتابعات التي لا تخلو من ضعف[85]، وإنما اعتمد على رواية ابن بريدة.
            ثم إن جريراً من تلاميذ مجالد ويروي عنه السيرة[86] مما يدل على كثرة حديثه عنه فلا يبعد أن يكون سمع هذا الحديث منه فوهم على غيلان أو دلسه عنه، فإن له أوهاماً عجيبة عن كثير من شيوخه.[87]
            سادسا: رواية أبي الزناد عن الشعبي:-
            وفيها علل:
            1 ـ غرابة في الإسناد، فلم يروها عنه إلا المغيرة الحزامي، ولا عن المغيرة إلا يحيى بن بكير المصري، ومن طريقه رواه مسلم والطبراني، ولم يستطع الطبراني مع جمعه للغرائب أن يجد متابعاً ليحيى بن بكير أو للحزامي عن أبي الزناد؟!
            2 ـ ضعف في ابن بكير مع جلالته، وقد قال النسائي عنه: (ضعيف) و (ليس بثقة)[88]، وقال أبو حاتم: (لا يحتج به)[89]، وقال يحيى بن معين فيه: (ليس بشيء).[90]
            وشيخه الحزامي مع كونه ثقة فقد ذكره ابن عدي في الضعفاء، وروى عن ابن معين قوله فيه: (الحزامي صاحب أبي الزناد ليس بشيء)[91]، وقال أيضاً: (ضعيف الحديث)[92]، وقال النسائي: (ليس بالقوي)[93]، وقد ذكر ابن عدي أنه روى عن أبي الزنـاد ما لا يوافقه عليه الثقات.
            ولا ريب أن هذا الحديث منها إذ أنه تفرد بروايته عن أبي الزناد وهو من كبار علماء المدينة وحفاظهم الذين اعتنى العلماء بجمع حديثهم وله كثير من التلاميذ[94]، ففي تفرد المغيرة بهذا الحديث عنه ما يوهنه ويقضي عليه بالحكم بالنكارة والرد.
            3 ـ ومما يزيد الشك في حديثه هذا أن إسحاق بن أبي فروة المدني يروي عن أبي الزناد عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس قصة طلاقها وهو جزء من حديث الشعبي هـذا عنها.
            ولا يروي هذا الحديث عن إسحاق إلا الليث كما عند ابن ماجه[95] والطبراني.[96]
            والحزامي وابن أبي فروة كلاهما مدني ومن طبقة واحدة؟! ويحيى بن بكير والليث بن سعد كلاهما مصري؟! ويحيى من تلاميذ الليث بن سعد وأكثر الناس رواية عنه؟! وإسحاق بن أبي فروة متروك ليس بثقة[97]. وهو كثير الحديث روى عنه الليث نسخة طويلة وعامة أحاديثه مناكير لا يتابعه عليها أحد في أسانيدها ولا متونها.[98]
            فالظاهر أن الحزامي تلقف هذا الحديث من إسحاق ودلسه عنه فرواه عن أبي الزناد معنعناً، فلم يصرح بالسماع من أبي الزناد لا عند مسلم ولا عند الطبراني!
            وعلى كل حال فحديث أبي الزناد عن الشعبي عن فاطمة في قصة طلاقها محفوظ من رواية الليث بن سعد عن إسحاق بن أبي فروة عن أبي الزناد، فإما أن يحيى بن بكير وهم فيه على الحزامي أو أن الحزامي دلسه وأسقط ابن أبي فروة من الإسناد.
            وعليه فالإسناد فيه ضعف من جهة الرواة، وعنعنة بين الحزامي وأبي الزناد، وغرابة من هذا الوجه إذ لا متابع ليحيى، ولا للحزامي، ولا يعرف هذا الحديث عن أبي الزناد من وجه تقوم به الحجة.
            ويعتذر عن مسلم بأنه أورده في المتابعات لا في الأصول.
            سابعا: رواية سيار العنـزي عن الشعبي:
            ولم يروها عنه إلا قرة بن خالد وقد اختلف عليه:-
            ففي رواية مسلم: (ثنا سيّار ثنا الشعبي).
            وعند الطبراني من طريق حماد بن مسعدة[99] وسعيد بن الربيع[100]، وعند البغوي من طريق سهل بن حماد[101] ثلاثتهم عن قرة بن خالد قال: (عن سيّار)، وقال حماد وسهل (عن الشعبي) معنعناً ليس فيه التصريح بالسماع.
            وكذا رواه عنه أبو داود الطيالسي (ثنا قرة ثنا سيار عن الشعبي).[102]
            وقد كان أحمد ينكر دخول التحديث في كثير من الأسانيد ويقول هو خطأ أي ذكر السماع[103]،وكان لا يسلم من الوقوع في مثل هذا الوهم حتى كبار الحفاظ[104]،لدقته وخفائه، ولهذا كان يحيى بن معين لا يقبل منه إلا ما كان محفوظاً كتابة.
            وقرة بن خالد وإن كان ثقة إلا أنه قد رأى أنساً وروى عنه، مع أنه لم يسمع منه شيئاً[105]، وهذا هو التدليس فقد عرفه ابن حجر فقال: (من ذُكر بالتدليس أو الإرسال إذا روي بالصيغة الموهمة عمن لقيه فهو تدليس أو عمن أدركه ولم يلقه فهو المرسل الخفي أو عمن لم يدركه فهو مطلق الإرسال)[106]، وقال ابن رجب: (من يحدث عمن رآه بما لم يسمعه منه فإنه لا يقبل منه حديثه حتى يصرح بالسماع ممن روى عنه… ولم يعتبر الشافعي أن يتكرر التدليس ولا أن يغلب على حديثه بل اعتبر تدليسه ولو بمرة واحدة).[107]
            وعبارة الشافعي: (من دلس مرة فقد أبان لنا عن عورته… فقلنا لا نقبل من مدلس حديثاً حتى يقول فيه (حدثني) و (سمعت))[108].
            بل إن الأئمة ربما توقفوا في قبول عنعنة الثقة وإن لم يكن مدلساً إذا كان متن الحديث منكراً ويرون أن العنعنة كافية للقدح في صحة مثل هذا الخبر قال المعلمي: (إذا استنكر الأئمة المحققون المتن وكان ظاهر السند الصحة فإنهم يتطلبون له علة قادحة فإذا لم يجدوا علة قادحة مطلقاً أعلوه بعلة غير قادحة مطلقاً ولكنهم يرونها كافية للقدح بذلك المنكر، فمن ذلك إعلاله بأن راويه لم يصرح بالسماع هذا مع أن الراوي ليس مدلساً…)[109] ثم ذكر على ذلك أمثلة من صنيع الأئمة.
            ومن ذلك قول أبي حاتم في حديث رواه أبو صالح عن الليث بن سعد فأنكره فقال: (ولم يذكر أيضاً الليث في هذا الحديث خبر (أي تصريح بالسماع) ويحتمل أن يكون سمعه من غير ثقة ودلسه ولم يروه غير أبي صالح)[110]؟!.
            مع أن الليث إمام كبير ولم يوصف بتدليس، وكذا أبو صالح لم يوصف بتدليس بل قال عنه أبو حاتم (حسن الحديث… صدوق أمين).[111]
            وقرة بن خالد مع كونه ثقة إلا أن ابن مهدي غض من درجته عن درجة جرير بن حازم ـ وكلاهما من شيوخه ـ فقد قال: (جرير أوثق عندي من قرة بن خالد)[112]، وفي رواية (فوق قرة)[113]، فإذا كان جرير الذي قال عنه أحمد: (يحدثهم بالتوهم أشياء عن قتادة يسندها بواطيل… كأن حديثه عن قتادة غير حديث الناس)، وقال عنه أيضاً: (يروى عن أيوب عجائب) وقال عنه يحيى بن معين أنه ضعيف في قتادة يحدث عنه عن أنس بأحاديث مناكير.[114]
            وقال عنه مسلم في حديث رواه عن يحيى بن سعيد الأنصاري وأخطأ فيه: (جرير لم يعن بالرواية عن يحيى إنما روى من حديثه نزراً ولا يكاد يأتي بها على التقويم والاستقامة…)[115] ،فإذا كان هذا حال جرير فلم يجعله ابن مهدي أوثق من خالد وفوقه إلا وقد رأى من خالد بن قرة ما يغض من مكانته ودرجته، وقد نقل البسوي عن علي بن المديني هذا الحوار مع أحد شيوخه: (قال علي: كان يحدثني عن الشيخ فيقول: قال حدثني قال أخبرني.
            فأفرح به. فيقول: تفرح بهذا؟! لم يكن ممن يعتمد عليه في هذا قرة.
            سمعت الحسن قال سمعت صعصعة!!
            يقول: هكذا هو).[116]
            وهذا النص مشكل إلا أنه يمكن فهمه على ضوء ما رواه العقيلي[117] عن علي بن المديني وحواره مع ابن المهدي في شأن تفضيله جرير على قرة وقد قال علي له بعد ما سمع منه هذا التفضيل: (أحفظ هذا عنك؟ قال: نعم) خاصة وأن البسوي نقل عبارة علي السابقة في معرض كلام البسوي عن طبقات أصحاب الحسن البصري وترتيب درجاتهم في الحفظ والإتقان وقد جعل قرة وجريراً في أواسطهم.
            فيظهر أن الشيخ الذي كان يحاوره علي بن المديني ـ كما في نص البسوي ـ هو ابن مهدي، وكان حديثهما عن أحد الشيوخ الذين يصرحون بالسماع في الأسانيد المروية أصلاً بالعنعنة فكان علي بن المديني إذا سمع مثل هذا التصريح فرح به إلا أن شيخه ابن مهدي نبهه إلى عدم الاعتداد بمثل هذا التصريح إذا كان ممن لا يعتد به ولا يعتمد عليه، لأن هذا الشيخ يقول: (سمعت فلاناً يقول حدثنا فلان) على السجية والطبع ولا يتحرى الدقة في أداء صيغ التحديث فهو الذي يقول: سمعت الحسن قال سمعت صعصعة؟! بينما أصحاب الحسن يروونه عن الحسن بالعنعنة عن صعصعة.
            وفي صحيح ابن حبان(..حدثنا قرة بن خالد عن الحسن قال: حدثني صعصعة بن معاوية قال: لقيت أبا ذر بالربذة وقد أورد رواحل له، فسقاها). [118]
            وقال أحمد (ثنا يحيى بن سعيد عن قرة ثنا الحسن حدثني صعصعة بن معاوية قال : انتهيت إلى الربذة).[119]
            بينما أخرجه ابن حبان(..حدثنا جرير بن حازم، حدثنا الحسن، قال: قال صعصعة بن معاوية عم الأحنف: أتيت أبا ذر بالربذة). [120]
            وصيغة (قال قال صعصعة) أقرب إلى الانقطاع منها بالاتصال.
            وقد رواه أصحاب الحسن يونس وحبيب وحميد وأشعث وأبو حرة والمفضل وعنبسة وعامر كلهم بالعنعنة بين الحسن وصعصعة (عن الحسن عن صعصعة).[121]
            وكذا جاء عن هشام بن حسان في أكثر الروايات عن الحسن عن صعصعة. [122]
            فعامة أصحاب الحسن الحفاظ الأثبات يروونه عنه عن صعصعة بالعنعنة،وقد رواه قرة بن خالد بإثبات السماع بين الحسن وصعصعة، وكذا جاء في بعض الروايات عن جرير وهشام بن حسان.
            وقد عاب ابن مهدي من روى عن (الحسن سمعت صعصعة) ثم قال(لم يكن ممن يعتمد عليه في هذا قرة)؟ فعاب على قرة روايته الحديث مصرحاً فيه بالسماع.
            والمقصود أن تفضيل ابن مهدي لجرير بن حازم ـ مع ما اشتهر عنه من الوهم في صيغ الأداء ـ على قرة بن خالد يشعر بأن قرة يقع منه شيء من هذا القبيل، وإن لم يكن يخطىء كجرير في رفع الموقوف ووصل المرسل ونحو ذلك من الأوهام، إذ لم يذكر عن قرة شيء من ذلك، فلا بد من حمل عبارة ابن مهدي في قرة على أهون المحامل وهو عدم ضبط صيغ الأداء.
            ثم إن إسماعيل بن أبي خالد – وهو أحفظ أصحاب الشعبي – من تلاميذ سيار أيضاً، وكذا زيد بن أبي أنيسة من تلاميذ سيار[123]، وبعيد أن يكون الحديث عند سيار عن الشعبي، ويرويه إسماعيل وزيد عن مجالد، فيحتمل أن سياراً إنما يرويه عن مجالد هو أيضاً ويحتمل أن قرة دلسه.
            ومما يؤكد ذلك أن حافظ البصرة ابن أبي عاصم (ت287هـ)[124] قد ذكر حديث الشعبي عن فاطمة في قصة طلاقها فقال: (وممن رواه عن الشعبي: ابن بريدة وقتادة وسلمة بن كهيل وأبو إسحاق والمغيرة وإسماعيل بن أبي خالد وسيار وداود بن أبي هند ومجالد وأبو الزناد والأشعث وزكريا)[125].
            ثم ذكر من روى حديثها في الدجال فقال: (ابن بريدة وقتادة وغيلان وداود بن أبي هند ومجالد)[126] فلم يذكر سياراً هنا وذكره هناك مما يدل على أنه غير معروف من حديث سيار، وإلا لذكره إذ هو أولى بالذكر من مجالد.
            ويعتذر عن مسلم بأنه إنما أورده متابعة لحديث ابن بريدة.
            (8) رواية عمران بن سليمان عن الشعبي:-
            ولم يروها عنه إلا عيسى بن يونس، كما عند ابن حبان إلا أنها عنده من طريق عبد الملك بن سليمان القرقساني عن عيسى بن يونس عن عمران.
            وهذا إسناد ضعيف معلول فقد ذكره العقيلي في الضعفاء وقال: (عبد الملك بن سليمان عن عيسى بن يونس حديثه غير محفوظ)[127].
            ولم يخرج له ابن حبان في صحيحه إلا هذا الحديث، وعيسى بن يونس إمام حافظ روى عنه عشرات من الأئمة الحفاظ منهم علي بن المديني ويحيى بن معين ومسدد وأبو مسهر وابن أبي شيبة وغيرهم من الحفاظ الأثبات[128] الذين كتبوا حديثه فلا يقبل أن يتفرد عنه كمثل عبد الملك بن سليمان الذي ليس معدوداً في تلاميذه ولا معروفاً بالرواية عنه.
            إلا أن الطبراني[129] رواه عن عبد الله بن الحسن الحراني ثنا عبد الله بن جعفر الرقي عن عيسى بن يونس به، وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات إلا أنه له علة، لأن عبد الله بن جعفر قد اختلط سنة 218هـ وظل يحدث حتى توفي سنة 220هـ وقال عنه النسائي: (ليس به بأس قبل أن يتغير)[130]، وقد ولد عبد الله بن الحسن سنة 206هـ[131] أي كان له اثنا عشرة سنة عندما اختلط ابن جعفر، وقد ذكر الخطيب البغدادي ما يدل على أنه قد سمع الحديث سنة 218هـ من النفيلي[132]، ولعله أول شيوخه، فيكون سماعه من ابن جعفر في حال اختلاطه قطعا، وعلى فرض ثبوت هذا الحديث عن عيسى بن يونس، فإن عمران بن سليمان غير معروف فقد ذكره البخاري[133] وابن أبي حاتم[134] فلم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً، وذكره ابن حبان كعادته في ثقاته[135] وذكر أنه كوفي وقال عنه الأزدي: (يعرف وينكر)[136]، ولم يذكره العجلي في ثقاته مع أنه كوفي وهو أدرى وأعلم بأهل بلده من ابن حبان الذي اشتهر بتوثيق المجاهيل.
            ثم إنه لم يصرح بالسماع من الشعبي في هذا الحديث بل رواه عنه معنعناً عند ابن حبان وعند الطبراني؟!
            (9) رواية محمد بن أبي أيوب عن الشعبي:-
            ولم يروها عنه إلا أبو نعيم الفضل بن دكين الحافظ واختلف عليه: فرواه الطبراني[137] عن علي بن عبد العزيز عن أبي نعيم عن محمد به مطولاً وفي آخره ألفاظاً غريبة لم يتابع عليها ومنها أن الدجال كان مسنداً ظهره إلى الجبل وأنه زفر فسار في الجبل ثم وقع ثم سار ثم وقع… إلخ؟!
            ورواه الداني[138] بإسناد صحيح من طريق الحافظ أحمد بن أبي خيثمة عن أبي نعيم عن محمد به مختصراً ولفظه: (خرج رسول الله e يوماً فجلس على المنبر فقال: هذه طيبة – يعني المدينة – لا يدخلها الدجال، ليس منها نقب إلا عليه ملك شاهر السيف).
            ولا شك أن رواية ابن أبي خيثمة الحافظ[139] أولى من رواية عبد العزيز البغوي، فقد كان النسائي لا يروي عنه ولا يرضاه مع كونه ثقة[140] وذكر ابن حجر ما يدل على تساهله عند القراءة عليه.[141]
            وقد جاء في روايته ألفاظ غريبة لا يتابع عليها. ومحمد بن أبي أيوب لم يخرج له أحد من أصحاب الكتب الستة شيئاً إلا مسلماً أخرج له حديثاً واحداً[142]، وقد قال عنه ابن حجر: (صدوق).[143]
            (10) رواية أبي إسحاق الشيباني عن الشعبي:-
            وقد ذكره الدارقطني في غرائبه فقال (غريب من حديث سليمان الشيباني عن الشعبي ما كتبناه إلا عن ابن عقدة).[144]
            وقد رواها الطبراني[145] من طريق عثمان بن أبي شيبة عن محمد بن فضيل عن الشيباني به.
            وعثمان بن أبي شيبة مع جلالته له أوهام ومناكير[146]، ومحمد متكلم فيه فقد قال ابن سعد: (بعضهم لا يحتج به)[147]وقال عنه ابن حاتم: (شيخ)[148] أي في (المنـزلة الثالثة يكتب حديثه وينظر فيه)[149] وهذه العبارة تفيد تليين حال الراوي لا تمتينه وهي إلى التضعيف أقرب منها للتوثيق.[150]
            وقد ذكر مسلم حديثاً رواه محمد بن فضيل فقال: (فأما رواية ابن فضيل فوهم كله برمته الإسناد والمتن)[151] وقد قال عنه ابن حجر: (صدوق)[152] ،وقد تابعه على هذه الرواية أسباط بن محمد كما عند ابن منده[153] بإسناد لا بأس به من طريق أسباط عن الشيباني به، وأسباط أيضاً متكلم فيه قال عنه يحيى بن معين: (ثقة والكوفيون يضعفونه)[154]،وقال عبد الله بن المبارك في شأن محمد بن فضيل وإسباط بن محمد: (لا أرى أصحابنا يرضونهما)[155] وقد ذكره العقيلي في الضعفاء وقال: (ربما يهم في الشيء)[156]ومع ما فيهما من ضعف فإنه لم يصرح أحد منهما بالسماع من الشيباني ولا ذكرا سماعاً بين الشيباني والشعبي، وهما كوفيان وقد قال يزيد بن هارون: (قدمت الكوفة فما رأيت بها أحداً إلا وهو يدلس إلا مسعر بن كدام وشريكاً)[157] وقال الحاكم: (أكثر المحدثين تدليساً أهل الكوفة).[158]
            ومما يدل أن هذا الحديث مدلس على الشيباني أن في آخره زيادة في الإسناد عن الشعبي عن ابن أبي هريرة عن أبيه وعن محمد بن القاسم عن عائشة بنحو حديث فاطمة، وهذه لا تعرف إلا من رواية مجالد كما سيأتي بيانه، وهذه المطابقة والمشابهة كافية في إثبات تدليسه عن مجالد.[159]
            فهذه الطرق العشرة هي أمثل طرق حديث الشعبي، وقد ذكر الطبراني طرقاً أخرى كوفية لا تخلو من متروك أو منكر ، وليس في هذه الطرق العشرة طريق واحد يداني طريق مجالد في شهرته إذ رواه ستة من الثقات عنه، بينما لم يروه عن كل واحد من التسعة الباقين إلا راو واحد؟!! وأكثرها لا يكاد يثبت عمن روي عنه، بل إن أصح هذه الروايات وهي رواية ابن بريدة التي احتج بها مسلم وقدمها على سائر الروايات لم يروها عن ابن بريدة إلا حسين المعلم ولم يروها عن المعلم إلا عبد الوارث ولم يروها عن عبد الوارث إلا ابنه عبد الصمد على الصحيح؟!
            وهذا يكشف مدى شهرة رواية مجالد وأن الحديث محفوظ عنه مشهور به، وأن الحديث حديثه، تواطأ على روايته عنه الأئمة الحفاظ، ورواه عنهم أصحاب المسانيد والمصنفات، بل إنه مشهور عن إسماعيل بن أبي خالد (ت 146هـ) ومجالد (144 هـ) ربما قبل أن يولد عبد الصمد (ت207هـ)؟!
            وبعيد كل جدا أن يشتهر حديث كل هذه الشهرة عن ضعيف كمجالد وهو يوجد عند غيره من الثقات، ومن عرف حال أهل الحديث كسفيان بن عيينة ويحيى القطان وعنايتهم بجمع الحديث وتتبعه علم يقينا أنه لا يقع مثل ذلك عنده أبدا، وإنما لما اشتهر من حديث مجالد عن الشعبي، صار بعض الرواة يحدثون به ويدلسونه.
            ثم إنه ليس في هؤلاء العشرة من هو معدود من أصحاب الشعبي إلا أربعة، وسيأتي بيان طبقات أصحاب الشعبي ومراتبهم.
            المبحث الثالث: بيان طبقات أصحاب الشعبي:
            وقد ذكر أحمد[160] وعلي بن المديني[161] وأبو داود[162] مراتب أصحاب الشعبي على النحو التالي:-
            الطبقة الأولى: إسماعيل بن أبي خالد، وأبو حصين عثمان بن عاصم.
            الطبقة الثانية: أبو إسحاق الشيباني، وداود بن أبي هند، ومطرف بن طريف، وبيان بن بشر، وحصين بن عبد الرحمن، وإسماعيل بن سالم، وفراس بن يحيى، وابن عون.
            الطبقة الثالثة: مغيرة بن مقسم، وزكريا بن أبي زائدة، وعبد الله بن أبي السفر.
            الطبقة الرابعة: مالك بن مغول، وعبد الملك بن حيان ابن أبحر، وأبو حيان التيمي.
            الطبقة الخامسة: مجالد بن سعيد، ومحمد بن سالم.
            الطبقة السادسة: أجلح بن عبد الله، وأشعث بن سوار، وجابر الجعفي.
            الطبقة السابعة: داود بن يزيد الأودي، والسري بن إسماعيل.
            فهذا ترتيب أصحاب الشعبي بحسب ما ظهر من عبارات هؤلاء الأئمة ولا يوجد بينهم كبير خلاف اللهم إلا في أصحاب الطبقة الثانية والثالثة في تقديم بعضهم أو تأخيره.
            والطبقة الأولى هي طبقة الحفاظ، وقد اختار أكثرهم تقديم إسماعيل بن أبي خالد على جميع أصحاب الشعبي، وهو اختيار يحيى بن القطان والثوري وأحمد وابن معين بل وشيخه الشعبي كان أيضاً يفضله.
            ثم الطبقة الثانية وهي طبقة الشيوخ الأثبات من أصحاب الشعبي.
            ثم الثالثة وهي طبقة الثقات من أصحابه.
            ثم الرابعة وهم مثل الثالثة إلا أنهم أقل معرفة بحديثه وأقل رواية عنه.
            ثم الخامسة والسادسة طبقة الضعفاء من أصحاب الشعبي، ومجالد من أكثر أصحاب الشعبي رواية عنه إلا أنه ضعيف، والسادسة دون الخامسة في الضعف.
            ثم السابعة وهي طبقة المتروكين من أصحاب الشعبي.
            ومع كثرة طرق هذه الحديث عن الشعبي إلا أنه لم يروه من أهل هذه الطبقات إلا:-
            1- إسماعيل بن أبي خالد، وهو أحفظ أصحاب الشعبي وأعلمهم بحديثه، إلا أنه إنما يرويه عن مجالد عن الشعبي.
            2- وداود بن أبي هند، وهو من أهل الطبقة الثانية إلا أنه لم يصرح بالسماع وهو مدلس كما أن المحفوظ هو من رواية حماد بن سلمة عنه وفيها ضعف واضطراب.
            3- والشيباني، وهو من الطبقة الثانية إلا أن الإسناد لا يكاد يصح إليه لضعف في رواته وعنعنة في إسناده.
            4- ومجالد بن سعيد، وروايته أشهر الروايات على الإطلاق، رواها عنه ستة من الثقات منهم أربعة من الحفاظ الكبار؟!
            ولهذا لم يذكر ابن أبي عاصم من روى هذا الحديث من أهل هذه الطبقات إلا (مجالد وداود بن أبي هند) ولم يخرجه أحمد في مسنده إلا من طريقهما، ولو كان عند أحد أثبت منهما لخرجه من طريقه مع أنه احتاط فيه إسناداً ومتناً وانتقاه من سبعمائة ألف رواية[163]، وقد قال ابن حجر: (مسنده أنقى أحاديث وأتقن رجالاً من غيره وهذا يدل على أنه انتخبه).[164]
            ولعله لهذا السبب لم يخرجه البخاري في صحيحه، لأنه إنما يخرج عن الأئمة ما رواه عنهم أهل الطبقة الأولى وهي طبقة الحفاظ، فإن لم يجده عندهم نزل إلى أهل الطبقة الثانية وهي طبقة الشيوخ الأثبات[165]، فلما لم يجده عند أهل الطبقة الأولى إلا عند إسماعيل عن مجالد وهو ضعيف، ولا عند أهل الطبقة الثانية إلا عند داود من طريق حماد عنه ـ وليس واحد منهما على شرطه ولم يخرج لهما في صحيحه شيئاً ـ ترك هذا الحديث بالمرة وتنكب عن تخريجه لما لم يجده على شرطه.
            وقد جاء مسلم فلم يجد هذا الحديث يثبت عن أهل الطبقات الأربع الأول وهم ثقات أصحاب الشعبي إلا عن داود بن أبي هند غير أنه من طريق حماد عنه، ولم يحتج مسلم بما رواه حماد عن داود، ولم يخرج له إلا ما تابعه عليه أصحاب داود[166]، فتركه لذلك ولعنعنة داود بن أبي هند، فاضطر أن يخرج الحديث من أربعة طرق أخرى ليس منها طريق واحد عن أحد من ثقات أهل هذه الطبقات ـ وهم أصحاب الشعبي وأعرف الناس بحديثه ـ فثبت بذلك أن الحديث لا يثبت عن الشيباني ولا عن أحد من ثقات أهل هذه الطبقات، وإلا لخرجه مسلم من طريقه ولما اضطر إلى تخريجه من طريق (ابن بريدة وسيار وغيلان وأبي الزناد) وليس أحد منهم من أهل الكوفة ولا من المعدودين في تلاميذ الشعبي وأصحابه، ولم يخرج البخاري عن أحد منهم من حديث الشعبي شيئاً إلا عن سيار[167] حديثين اثنين مما يرويه هشيم بن بشير وشعبة عن سيار عن الشعبي[168]، ولم يخرج البخاري ولا أحد من أصحاب الكتب الستة عن قرة بن خالد عن سيار شيئاً إلا مسلم وحده.[169]
            ولم يخرج النسائي هذا الحديث في الكبرى إلا من طريق داود بن أبي هند ـ وليس هو في الصغرى ـ كما لم يخرجه ابن ماجه إلا من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن مجالد.
            وقد أخرجه أبو داود من طريق إسماعيل عن مجالد، ومن طريق ابن بريدة، وكل ذلك دليل على أنه ليس عند أحد من أصحاب الشعبي إلا مجالد وابن أبي هند، ولم يصرح بالسماع من الشعبي وهو مدلس، فظهر أنه أخذه عن مجالد، إذ هما متعاصران في بلد واحد وهو العراق، ومشتركان في كثير من الشيوخ والتلاميذ،ووفاتهما متقاربة ما بين140 إلى 145 هـ .
            وقد تفرد مسلم عن أصحاب الكتب السبعة فأخرجه من طريق (غيلان وسيار وأبي الزناد) وليس منها شيء محفوظاً، وقد يعتذر عن مسلم بأنه إنما أوردها في المتابعات واعتمد على رواية ابن بريدة وقد ذكر في مقدمة كتابه أنه يقدم من الأخبار التي هي أسلم من العيوب من غيرها وأنقى ثم يتبع بأحاديث يقع في أسانيدها من ليس موصوفاً بالحفظ والإتقان.[170]
            ولهذا قصرت رتبته عن صحيح البخاري قال ابن حجر: (فأكثر من يخرج لهم البخاري في المتابعات يحتج بهم مسلم، وأكثر من يخرج لهم مسلم في المتابعات لا يعرج عليهم البخاري)[171]وقال النووي: (عاب عائبون على مسلم روايته في صحيحه عن جماعة من الضعفاء…. الذين ليسوا على شرط الصحيح)[172]، ثم اعتذر بأعذار أقومها أنه إنما أخرج لهم في المتابعات لا الأصول.
            والمقصود أن الروايات التي تفرد بها مسلم بل وحتى رواية ابن بريدة التي اتخذها أصلاً ليست سوى غرائب ومناكير، وأسانيدها لا تخلو من ضعف أو عنعنة مدلس، وكثرة طرقها عن الضعفاء والمدلسين لا يزيدها إلا وهناً على وهن لترك الثقات لها، ولو كانت صحيحة لكان الثقات أولى بها، وأكثر عناية بروايتها من الضعفاء والمدلسين وقد قال أحمد: (لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب فإنها مناكير وعامتها عن الضعفاء)[173]، وقال أيضاً: (يطلبون حديثاً من ثلاثين وجهاً أحاديث ضعيفة وجعل ينكر طلب الطرق نحو هذا قال: هذا شيء لا ينتفعون به).[174]
            ولا شك في أن رواية أبي الزناد منكرة لا أصل لها عن أبي الزناد ولم يروها إلا الحزامي ولا عن الحزامي إلا يحيى بن بكير؟!
            كما أن رواية ابن بريدة غريبة لم يروها عنه إلا حسين المعلم ولا عن حسين إلا عبد الوارث واشتهرت عن ابنه عبد الصمد؟!
            وكذا رواية غيلان لم يروها عنه إلا جرير بن حازم؟!
            ورواية سيار لم يروها عنه إلا قرة بن خالد؟!
            ورواية قتادة لم يروها عنه إلا هشام ولا عن هشام إلا معاذ،وقتادة لم يسمع من الشعبي؟!
            وليس منها إسناد سالم من النقد، وليس فيها ما تقوم به الحجة لما فيها من العلل إما ضعف في رواتها أو عنعنة في أسانيدها. بينما رواية مجالد محفوظة عنه رواها عنه ستة من الثقات الأثبات؟!!
            وأما باقي الروايات التي أخرجها الطبراني فأكثرها عن الضعفاء والمتروكين وأكثرها مروي بالعنعنة وقد ذكر ابن رجب[175] أن معاجمه مجمع للغرائب والمناكير، لأنه كلما تأخر العهد طالت الأسانيد، وكثرت الأوهام والتدليسات، وأولع الرواة بالغريب، وقد قال أحمد: (إذا سمعت أصحاب الحديث يقولون: هذا الحديث غريب أو فائدة فاعلم أنه خطأ، أو دخل حديث في حديث، أو خطأ من المحدث، أو ليس له إسناد قائم، وإن كان قد روى شعبة أو سفيان)[176] فإذا كان هذا هو الحال في عصر أحمد فكيف هو بعد ذلك خاصة في حديث أهل العراق وقد قال الحازمي بعد ذكر التدليس: (وكان جماعة من ثقات الكوفيين والبصريين مولعين به ممن حديثه مخرج في الصحاح).[177]
            ولا أدل على ذلك من حديث الشعبي هذا حيث تكاثرت طرقه على النحو التالي:-
            1- رواه الحميدي المكي (ت219هـ) في مسنده عن سفيان بن عيينة عن مجالد.
            2- ورواه ابن أبي شيبة الكوفي (ت235هـ) عن حماد بن أسامة عن مجالد وعن علي بن مسهر عن مجالد.
            3- ورواه أحمد بن حنبل البغدادي (ت241هـ) عن يحيى القطان عن مجالد ومن طريق حماد عن داود بن أبي هند.
            4- ورواه مسلم (ت261هـ) من طريق ابن بريدة وأبي الزناد وسيار وغيلان.
            5- ورواه الطبراني (ت360هـ) في المعجم من طريق عشرين راو عن الشعبي؟!!
            أي أن عدد الرواة تضاعف عشر مرات في مدة مائة سنة ما بين وفاة أحمد وتأليف الطبراني لمعجمه؟!
            والغريب أن تكون أضعف الروايات هي أشهرها على الإطلاق فيرويها عن مجالد الكوفي أربعة من حفاظ وثقات الكوفة وهم إسماعيل بن أبي خالد، وحماد بن أسامة، وزيد بن أبي أونيسة، وعلي بن مسهر، وحافظ البصرة يحيى بن سعيد القطان، وحافظ الحجاز سفيان بن عيينة، ولا يجد ابن أبي شيبة وهو إمام أهل الكوفة رواية أصح منها يودعها في مصنفه.
            بينما أصح الروايات التي احتج بها مسلم وقدمها على غيرها لا يرويها إلا ابن بريدة ولا عنه إلا حسين ولا عنه إلا عبد الوارث ولا عنه إلا ابنه عبد الصمد؟!
            وما كان يحيى القطان ليروي عن مجالد مثل هذا الحديث وهو يجده عن غيره من الثقات، وما كان إسماعيل ليرويه عنه ـ وهو أعلم الناس بحديث الشعبي و أرواهم له ـ لو وجده عند أحد من أصحابه الثقات.
            كل ذلك يؤكد شهرة حديث مجالد، وأنه محفوظ عنه، ومعروف به، والحديث حديثه، وعنه رواه الناس، وإن دلسه من دلسه فرواه عنه يحيى في البصرة، وحدث به سفيان في مكة، وحدث به حماد بن أسامة، وإسماعيل بن أبي خالد، وعلي بن مسهر في الكوفة، وحدث به زيد بن أبي أنيسة في الرها، ولا يوجد قط حديث يرويه ثقة وضعيف ثم يشتهر عن الضعيف دون الثقة، ومن عرف حال علماء الحديث، وشدة عنايتهم في تتبع أحاديث الثقات وجمعها وحفظها والتحديث بها والرحلة من أجل سماعها علم يقيناً أنه ما كان حديث مجالد هذا ليشتهر كل هذه الشهرة وهو عند غيره من الثقات، وقد كان مجالد حياً في عصر التدوين إذ توفي سنة 144هـ.[178]
            وعلى كل فليس في كل أسانيد هذا الحديث إسناد واحد سالم من النقد، وكان بالإمكان أن يقوي بعضها بعضاً لولا أن الحديث مشهور عن مجالد، وغريب عن غيره، ولم تسلم هذه الغرائب من عنعنات المدلسين، فلا سبيل لأن يقوي بعضها بعضاً ما دامت تعود إلى مجالد، إذ أن جميع الرواة عن الشعبي هم من طبقة مجالد فلا يبعد ـ على فرض صحة الطرق إليهم ـ أنهم بلغهم عن مجالد أو سمعوه منه كما سمعه إسماعيل بن خالد فأخذوا يروونه عن الشعبي وأسقطوا اسم مجالد من الإسناد، فعادت كلها إلى طريق واحد، وقد قال العلائي: (بعض المراسيل رويت من وجوه متعددة مرسلة والتابعون متباينون فيظن أن مخارجها مختلفة وأن كلاً منها يعتضد بالآخر ثم عند التفتيش يكون مخرجها واحداً ويرجع كلها إلى مرسل واحد).[179]
            فإذا كان بعض المرسل كذلك، فالمدلس أسوء حالاً لما فيه من حذف وإسقاط للواسطة والإيهام بالسماع واتصال الإسناد.
            على أن قاعدة تقوية الحديث إذا كثرت طرقه ليست على إطلاقها[180]، ولا هي محل اتفاق فقد قال ابن حجر: (فأما ما حررناه عن الترمذي أنه يطلق عليه اسم الحسن من الضعيف والمنقطع إذا اعتضد فلا يتجه إطلاق الاتفاق على الاحتجاج به جميعه ولا دعوى الصحة فيه إذا أتى من طرق).[181]
            فإذا ثبت ذلك وأن الحديث لا يثبت عن الشعبي إلا من طريق مجالد لزم البحث في المتابعات والشواهد عن غير الشعبي من التابعين وعن غير فاطمة من الصحابة.
            المبحث الرابع: المتابعات لرواية الشعبي:
            أولا : رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن عن فاطمة بنت قيس:-
            1 ـ رواها أبو داود[182] من طريق عثمان بن عبد الرحمن عن ابن أبي ذئب عن الزهري عن أبي سلمة به (أن رسول الله أخر العشاء الآخرة ذات ليلة ثم خرج فقال إنه حبسني حديث كان يحدثنيه تميم الداري عن رجل كان في جزيرة من جزائر البحر فإذا أنا بامرأة تجر شعرها قال ما أنت قالت أنا الجساسة اذهب إلى ذلك القصر فأتيته فإذا رجل يجر شعره مسلسل في الأغلال ينزو فيما بين السماء والأرض فقلت من أنت قال أنا الدجال خرج نبي الأميين بعد قلت نعم قال أطاعوه أم عصوه قلت بل أطاعوه قال ذاك خير لهم).
            وعثمان قال عنه أحمد: (لا أجيزه)[183] وقال ابن نمير (كذاب) وقال ابن حبان: (يروي عن أقوام ضعاف أشياء يدلسها عن الثقات حتى إذا سمعها المستمع لم يشك في وضعها فلما كثر ذلك في أخباره ألزقت به تلك الموضوعات وحمل عليه الناس في الجرح فلا يجوز عندي الاحتجاج بروايته كلها على حالة من الأحوال لما غلب عليها من المناكير عن المشاهير والموضوعات عن الثقات)[184].
            ورواه أبو يعلى[185] وابن أبي عاصم[186] والطبراني[187] من طرق عن ابن أبي ذئب إلا أن فيه ما يلي:-
            أ- أنه من رواية ابن أبي ذئب عن الزهري وقد تكلم فيها الأئمة فكان يحيى القطان لا يرضى حديثه عن الزهري ولا يقبله. وقال يحيى بن معين: حديثه عن الزهري ضعيف[188].
            ب- أن ابن أبي ذئب لم يصرح بالسماع من الزهري وقد عنعنه في كل الروايات وقد ثبت عنه أنه روى حديثاً عن عطاء ولم يسمعه منه[189]، وكذا حدث عن نافع حديثاً ولم يسمعه منه[190]. وهذا تدليس فلا يقبل منه إلا ما صرح فيه بالسماع.
            ج- أن الزهري مع إمامته مشهور بالتدليس وقد جعله ابن حجر في الطبقة الثالثة[191] ،وهم الذين لا يقبل منهم إلا ما صرحوا فيه بالسماع، وقد رواه معنعناً.
            د- أن ابن أبي ذئب تفرد به عن الزهري وليس هو من حفاظ أصحابه[192]، ولم يتابعه عليه أحد منهم كما لم يتابعه أحد من الثقات على روايته من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن مع كثرة من روى عنه فاجتمع في هذه الرواية ضعف وتدليس وغرابة فهي منكرة.
            وقد رواه ابن أبي عاصم[193] والطبراني[194] من طريق إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع عن الزهري عن أبي سلمة به.
            إلا أن إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع قال عنه أبو داود: (ضعيف متروك الحديث).[195]
            وإبراهيم بن إسماعيل من تلاميذ الزهري ومن طبقة ابن أبي ذئب وكلاهما مدني فلا يبعد أن يكون ابن أبي ذئب قد دلسه عنه.
            2 ـ وقد رواه عن أبي سلمة أيضاً: الوليد بن عبد الله بن جميع واختلف عليه اختلافاً شديداً:-
            فرواه أبو داود[196] من طريق محمد بن فضيل عنه عن أبي سلمة عن جابر بن عبد الله في قصة الجساسة؟
            ورواه أحمد[197] عن أبي نعيم الفضل بن دكين عنه عن أبي سلمة عن أبي سعيد الخدري في قصة النبي e مع
            ابن صياد؟! وكذا رواه العقيلي من طريق أبي نعيم[198].
            بينما رواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده[199] عن يزيد بن هارون عنه عن أبي سلمة عن جابر في قصة ابن صياد؟!! وكذا رواه العقيلي من طريق يزيد بن هارون. [200]
            كما روي عنه عن أبي سلمة عن أبي سعيد الخدري في قصة الجساسة[201]؟!
            وهذا تخليط فاحش من الوليد بن جميع فأحياناً يرويه عن أبي سلمة عن جابر تارة قصة الجساسة، وتارة في قصة ابن صياد. وأحياناً يرويه عن أبي سلمة عن أبي سعيد الخدري تارة قصة الجساسة وتارة قصة ابن صياد؟!!
            وقد قال ابن حبان: (ينفرد عن الأثبات بما لا يشبه حديث الثقات فلما فحش ذلك منه بطل الاحتجاج به)[202] وقال عنه الحاكم – مع تساهله -: (لو لم يخرج له مسلم لكان أولى).[203]
            وقد قال الدارقطني عن رواية الوليد عن أبي سلمة عن جابر ورواية الزهري عن أبي سلمة عن فاطمة (قول الزهري أشبه بالصواب).[204]
            كما أن محمد بن فضيل الذي روى عنه الحديث على أنه في قصة الجساسة متكلم فيه أيضاً، وقد خالفه من هو أحفظ منه: الحافظان يزيد بن هارون وأبو نعيم الفضل بن دكين إذ روياه عن الوليد على أنه في قصة ابن صياد لا قصة الجساسة إلا أنهما اختلفا عليه في اسم الصحابي فرواه يزيد بن هارون على أنه عن جابر، ورواه أبو نعيم على أنه عن أبي سعيد الخدري.
            والصحيح أنه عن جابر كما رواه يزيد بن هارون ووافقه عليه محمد بن فضيل، وفي قصة ابن صياد كما رواه يزيد بن هارون ووافقه عليه أبو نعيم، فقد رواه أحمد[205] من طريق أبي الزبير عن جابر في قصة ابن صياد.
            فاجتمع في رواية محمد بن فضيل عن الوليد عن أبي سلمة في قصة الجساسة:
            1- ضعف في محمد بن فضيل.
            2- مخالفة منه للحفاظ الأثبات.
            3- ضعف شديد في الوليد بن جميع.
            4- اضطراب فاحش منه في روايته هذه.
            5- مخالفته لرواية من رواه عن الزهري عن أبي سلمة عن فاطمة ومع ضعف رواية الزهري إلا أنها أمثل حالاً من هذه الرواية.
            6- تفرده بروايته هذا الحديث عن أبي سلمة عن جابر في قصة الجساسة كما نص على ذلك ابن عدي.[206]
            ثانيا : يحيى بن يعمر عن فاطمة:-
            رواها ابن حبان[207] عن هارون بن عيسى، عن الفضل بن موسى، عن عون بن كهمس، عن أبيه، عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر به.
            وهذا وهم بلا شك من عون على أبيه كهمس إذ المحفوظ عن ابن بريدة هو ما رواه حسين المعلم عنه عن الشعبي. وقد سئل أحمد عن عون هذا فقال: (لا أعرفه)[208] وقد قال عنه ابن حجر: (مقبول)[209] أي عند المتابعة وإلا فليّن ولم يتابع على هذه الرواية، بل ولا يعرف ليحيى بن يعمر رواية عن فاطمة بنت قيس، ولم يذكره أحد في الرواة عنها، وإنما سبق وهم عون إلى حديث أبيه عن ابن بريدة عن ابن يعمر عن ابن عمر في قصة جبريل وسؤال النبي e عن الإسلام والإيمان والإحسان وهو حديث مشهور فقد رواه ابن حبان من طريق كهمس عن ابن بريدة عن يحيى.
            فلما جاء عون يحدث بحديث أبيه عن ابن بريدة عن الشعبي عن فاطمة سبق وهمه أو دخل في كتابه إسناد في إسناد أو سبق لسانه إلى يحيى بن يعمر بدل الشعبي لشهرة حديث يحيى بن يعمر عن ابن عمر في قصة جبريل فإذا هذا الخطأ البيّن يصبح طريقاً آخر ومتابعة لحديث الشعبي؟!!!
            وهذه من الغرائب التي فاتت الطبراني مع كثرة ما جمع منها في تخريج حديث فاطمة؟!!
            وعلى كل فهذه المتابعة منكرة للأسباب التالية:-
            1- ضعف في عون بن كهمس.
            2- ومخالفة للرواية المحفوظة عن ابن بريدة.
            3- وتفرد بهذا الإسناد.
            4- ولأنه لا يعرف – أصلاً – رواية ليحيى بن يعمر عن فاطمة.
            5- ولمطابقة لفظه لحديث الشعبي حتى في قوله لفاطمة: (حدثيني بشيء سمعتيه من رسول الله e ولا تحدثيني بشيء لم تسمعيه من رسول الله e… إلخ).
            وهذه عبارة الشعبي نفسها فثبت يقيناً خطأ عون وأنه لا دخل ليحيى بن يعمر في هذا الحديث.
            كما وهم بشير بن المهاجر فرواه عن ابن بريدة عن أبيه بريدة في قصة الجساسة.
            ذكره ابن أبي حاتم لأبيه وأبي زرعة الرازيين وسألهما ما علته؟ فقالا: (له عورة، روى عبد الوارث عن حسين بن ذكوان المعلم عن ابن بريدة عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس عن النبي e في ذلك. قالا: فأفسد هذا الحديث حديث بشير).[210]
            وإنما وهم بشير بن المهاجر ولزم الجادة إذ رواية ابن بريدة عن أبيه جادة مشهورة وأكثر حديث بريدة إنما يرويه عنه ابنه عبد الله فظن بشير أن حديث الجساسة منها.
            وهذا اختلاف على ابن بريدة شديد، وقد سئل عنه الدارقطني فقال :( يرويه عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر عن فاطمة. وخالفه بشير بن المهاجر فرواه عن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن النبي ، وخالفه حسين المعلم فرواه عن ابن بريدة عن الشعبي عن فاطمة).[211]
            وهكذا تتكاثر الروايات والطرق بسبب أوهام الرواة وأخطائهم؟!
            المبحث الخامس: الشواهد لحديث الشعبي:
            أولا : حديث جابر بن عبد الله:-
            رواه أبو داود من طريق محمد بن فضيل، عن الوليد بن جميع، عن أبي سلمة، عن جابر نحو حديث فاطمة.
            وقد قال عنه ابن حجر: (أخرجه أبو داود بسند حسن)[212] ، وقد ثبت بما لا شك فيه أنه لا أصل له عن جابر، وإنما هو من تخاليط الوليد وأوهامه، إن لم يكن من أوهام محمد بن فضيل، وقد نص ابن عدي على أنه لم يتابع عليه، وعدّه في مناكير ، وكذا عده العقيلي في مناكيره، فلا يمكن اعتباره بأي حال من الأحوال شاهداً لحديث فاطمة وقد قال ابن الصلاح: (ليس كل ضعف في الحديث يزول بمجيئه من وجوه… كالضعف الذي ينشأ من كون الراوي متهما بالكذب أو كون الحديث شاذاً).[213]
            والمنكر أشد ضعفاً من الشاذ ولا يمكن أن تكون أوهام الرواة وتخاليطهم عواضد وشواهد، وإلا فقد اضطرب الوليد في رواية هذا الحديث على أوجه فإذا الحديث قد صار أربعة أحاديث؟!!
            ومما يدل على أنه لا أصل له عن جابر ما رواه البخاري[214] ومسلم[215]من طريق محمد بن المنكدر قال: (رأيت جابر بن عبد الله يحلف بالله أن ابن صائد الدجال. فقلت: أتحلف بالله؟ قال: إني سمعت عمر يحلف على ذلك عند النبي e فلم ينكره).
            فهذا نص صريح في أن جابراً لم يسمع بقصة تميم الداري هذه وإلا لم يكن ليحلف على أن ابن صياد اليهودي في المدينة هو الدجال الذي في الجزيرة ولا شك أن ابن المنكدر إنما سمع هذا الحديث منه بعد وفاة النبيe.
            فثبت يقيناً بطلان ما رواه الوليد عن أبي سلمة عن جابر وثبت خطأ قول ابن حجر أن إسناده حسن.
            ثانيا : حديث عائشة:
            ثالثا: حديث أبي هريرة :
            وقد رواهما مجالد عن الشعبي في حديثه المشهور فقال بعد أن ذكر حديثه عن فاطمة: قال الشعبي فلقيت محرر بن أبي هريرة فحدثته فقال أشهد على أبي هريرة أنه حدثني بهذا وزاد: (إنه نحو المشرق).
            قال الشعبي: ثم لقيت القاسم بن محمد فذكرت له حديث فاطمة فقال: أشهد على عائشة أنها حدثتني كما حدثتك غير أنها قالت: (الحرمان عليه حرام: مكة والمدينة).
            كذا رواه عن مجالد: يحيى القطان وسفيان بن عيينة وعلي بن مسهر، وليس هو في رواية إسماعيل بن أبي خالد عنه عند ابن ماجه والآجري من طرق، وإن كان الطبراني قد جمع الأسانيد عن القطان وابن عيينة وإسماعيل وزيد بن أبي أنيسة ثم ساق متناً واحداً.
            وقد قال ابن مهدي: (حديث مجالد عند الأحداث: يحيى بن سعيد القطان وأبي أسامة ليس بشيء)[216] فمع ضعف مجالد إلا أنه ازداد ضعفاً في آخر حياته بعد تغيره فرواية القطان وحماد بن أسامة وعلي بن مسهر منه أشد ضعفاً من رواية القدماء عنه ومنهم إسماعيل بن أبي خالد إذ هو من أقرانه، ومجالد ضعيف بل قال عنه ابن معين: (واهي الحديث) ـ كما سبق ذكره ـ فلا يمكن قبول تفرده عن الشعبي بثلاثة أحاديث: حديث فاطمة، وحديث عائشة، وحديث أبي هريرة، دون مئات الحفاظ الأثبات من أصحاب أبي هريرة وعائشة، ولو تفرد ثقة بمثل هذا لعد حديثه منكراً فكيف بمثل مجالد؟!
            وقد جاءت مثل هذه الزيادة من طريق الشيباني عند الطبراني وابن مندة وثبت أن الحديث لا يصح أصلاً عن الشيباني عن الشعبي، وإنما هو حديث مجالد، ولم يصرح من راوه عن الشيباني بالسماع منه، ولا الشيباني بالسماع من الشعبي.
            ثم على فرض صحة هذه الرواية عن الشعبي عن المحرر عن أبي هريرة فإن المحرر نفسه (مقبول) كما قال ابن حجر[217] أي حيث يتابع وإلا فلين فلا يمكن قبول تفرده بهذا الحديث دون كل أصحاب أبي هريرة.
            وقد قال ابن حجر: (أخرجه أبو يعلى من وجه آخر عن أبي هريرة)[218] إلا أن هذه الرواية أشد ضعفاً من رواية المحرر ، فقد أوردها ابن كثير في الملاحم[219] (قال الحافظ أبو يعلى ثنا محمد بن أبي بكر ثنا أبو عاصم سعد بن زياد ثنى نافع مولاي عن أبي هريرة…)، ثم قال ابن كثير: (حديث غريب جداً وقد قال أبو حاتم ليس بالمتين).
            وقد قال أبو حاتم عن سعد بن زياد: (يكتب حديثه وليس بالمتين)[220] كما ذكر شيخه نافعاً فلم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً[221]، وقد ذكره ابن حبان في الثقات[222] ، وأورد له خبراً منكر عن أم قيس بنت محصن قالت: لو رأيتني ورسول الله e آخذ بيدي! في سكة من سكك المدينة حتى أتينا البقيع! فقال يا أم قيس يبعث من هذه القبور سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب… إلخ.
            وقد رواه ابن شبه[223] ثم روى بعده ما يدل على أن هذا من كلام كعب الأحبار؟!
            كما روى الطبراني في الأوسط[224] من طريق سعد عن نافع، عن قيس بن سلع الأنصاري حديثاً ثم قال: (لا يروى عن قيس إلا بهذا الإسناد تفرد به سعد)؟!
            فهذا كل ما لنافع هذا من الحديث ـ فيما وقفت عليه ـ حديثه عن أم قيس، وعن قيس بن سلع، وعن أبي هريرة، وهي غرائب ومناكير لا يتابع على شيء منها، ولهذا تنكب الأئمة عن تخريج حديثه فليس له في الكتب الستة ولا المسند مع سعته شيء.
            وقد ذكر ابن حبان في ثقاته كثيراً من المجاهيل حتى ممن نص هو على عدم معرفته بهم كما قال ابن حجر[225] ونقل عنه قوله: (من كان منكر الحديث على قلته لا يجوز تعديله إلا بعد السبر… هذا حكم المشاهير من الرواة أما المجاهيل الذين لم يرو عنهم إلا الضعفاء فهم متروكون على كل الأحوال)، وهذا يصدق على نافع فإنه لم يرو عنه إلا سعد بن زياد وسعد ضعيف، وليس لنافع من الحديث إلا النزر اليسير من الغرائب والمناكير فهو ـ على وفق قاعدة ابن حبان نفسه ـ متروك على كل حال فروايته عن أبي هريرة منكرة للعلل الثلاث:
            1- ضعف في سعد بن زياد كما قال أبو حاتم عنه (ليس بالمتين).
            2- جهالة في نافع إذ لا يكاد يعرف إلا من رواية سعد عنه.
            3- غرابة في حديثه عن أبي هريرة كما قال ابن كثير.
            ثم إن سعداً إنما يروي عنه أهل العراق، والبصريون[226] على وجه الخصوص فعاد الحديث من حيث خرج؟!
            وأما طريق عائشة فلم يجد له الحافظ ابن حجر متابعاً فلم يزد على قوله: (أما حديث عائشة فهو في الرواية المذكورة عن الشعبي)[227] ولم يروه إلا مجالد بن سعيد على الصحيح، ولهذا تنكب أصحاب السنن الأربعة ومسلم عن تخريج هذه الزيادة مع نفاستها، ومع تخريج مسلم للحديث من أربعة طرق غريبة عن الشعبي إلا أنه لم يخرج هذه الزيادة لأنها لا تروى إلا عن مجالد، ولو صحت عن غيره ـ خاصة الشيباني ـ لخرجها مسلم في صحيحه أو ابن حبان أو لاستدركها الحاكم إذ فيها شاهدان عن صحابيين لحديث فاطمة فثبت يقيناً أنها لا تعرف إلا من حديث مجالد.
            ثم على فرض صحة هذه الزيادة الإسنادية، فإنه لم يسق أحد لفظ حديث عائشة أو لفظ حديث أبي هريرة لمعرفة ما الذي تابعوا عليه فاطمة أهو حديثها في قصة تميم الداري أم ما روته من قول النبي e بعد ذلك: (إن طيبة المدينة ما لها طريق ضيق ولا واسع في سهل ولا جبل إلا عليه ملك شاهر سيفه إلى يوم القيامة ما يستطيع الدجال أن يدخلها)[228]؟
            فالظاهر أن الشعبي إنما حدث المحرر بما حدثته فاطمة عن النبي e أن الدجال لا يدخل المدينة فقال المحرر أنه سمع من أبيه مثل ذلك وزاد: (نحو المشرق) ثم حدث الشعبي محمد بن القاسم فحدثه عن عائشة مثل ذلك وزاد :(الحرمان عليه حرام مكة والمدينة).
            ومما يؤكد ذلك:
            1ـ ما رواه ابن الأعرابي[229] من طريق موسى بن إسماعيل الحافظ عن الحسن بن أبي جعفر عن مجالد عن الشعبي عن المحرر عن أبيه قال: قال e: [لا يأتي الدجال المدينة إلا وجد عند كل نقب من نقابها ملكاً مصلتاً بالسيف] والحسن بن أبي جعفر قال عنه ابن حجر: (ضعيف الحديث مع عبادته وفضله).[230]
            فكشفت هذه الرواية وميزت حديث أبي هريرة عن حديث فاطمة وأن المتابعة إنما هي في هذا القدر فقط.
            2ـ ما رواه الحاكم[231] وتمام الرازي[232] من طريق عمرو بن أبي قيس، عن مطرف، عن الشعبي، عن ابن أبي هريرة، عن أبيه قال: قال النبي e: ((يخرج الدجال من ها هنا أو من ها هنا بل يخرج ها هنا يعني المشرق)) قال الحاكم: (صحيح الإسناد).
            3ـ ما رواه أحمد[233]، والنسائي[234]، من طريق محمد بن أبي عدي، عن داود بن أبي هند، عن عامر الشعبي، عن عائشة قالت: قال النبي e: ((لا يدخل الدجال مكة ولا المدينة)).
            وهذا إسناد رجاله ثقات، وفيه كشف داود بن أبي هند عن لفظ حديث عائشة، إلا أنه سقط من الإسناد الواسطة بين الشعبي، وعائشة ويبدو أن الذي أسقطه هو الشعبي نفسه فإنه كان يرسل عن عائشة.[235]
            وقد قال المزي عن هذه الرواية: (كذا وقع في هذه الرواية والمحفوظ رواية الشعبي عن فاطمة).
            وهذا دليل على أن المزي لا يرى رواية من رواه عن الشعبي من حديث عائشة محفوظة، والصحيح أن غير المحفوظ ما رواه مجالد عن الشعبي عن عائشة نحو حديث فاطمة عن تميم الداري وقصته، أما من رواه عن الشعبي عن عائشة نحو حديث فاطمة عن النبي e في أن الدجال لا يدخل المدينة فلا يبعد أن يكون محفوظاً عن الشعبي إذ هو ثابت عن عائشة من طرق أخرى كما سيأتي.
            وقد سئل الدارقطني عن حديث مسروق عن عائشة عن النبي (إن الدجال لا يدخل مكة ولا المدينة) فقال (اختلف فيه على الشعبي :فرواه محبوب بن الحسن عن داود عن الشعبي عن مسروق عن عائشة.ورواه مسلمة بن علقمة عن داود عن الشعبي عن عائشة لم يذكر بينهما أحدا.ورواه الشيباني عن الشعبي عن عبد الرحمن بن أبي بكر عن عائشة. وقال مجالد : عن الشعبي عن القاسم عن عائشة. وقال السري بن إسماعيل:عن الشعبي عن مسروق مثل قول محبوب بن الحسن عن داود وهو مختصر من حديث ... الجساسة الذي يرويه الشعبي عن فاطمة بنت قيس).[236]
            4ـ أن هذا القدر هو المحفوظ عن أبي هريرة وعن عائشة.
            فقد روى البخاري[237] ومسلم[238]من حديث أبي هريرة: ((على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الدجال)) وفي رواية لمسلم: ((يأتي المسيح (أي الدجال) من قبل المشرق همته المدينة حتى ينـزل دبر أحد ثم تصرف الملائكة وجهه قبل الشام وهنالك يهلك)) فقوله: [من قبل المشرق] هو مقصود المحرر: [إنه نحو المشرق] أي يأتي من تلك الجهة.
            كما روى أحمد[239] وابن حبان[240] من حديث عائشة: ((فيسير [أي الدجال] حتى ينـزل بناحية المدينة وهي يومئذ لها سبعة أبواب على كل باب ملكان.. )).
            وبهذه الأدلة يتضح صواب قول من قال بأن حديث فاطمة حديث فرد غريب وبان خطأ استدراك ابن حجر عندما قال: (توهم بعضهم أنه غريب فرد وليس كذلك فقد رواه مع فاطمة بنت قيس: أبو هريرة وعائشة وجابر).
            فقد ثبت أن حديث جابر لا أصل له، وأنه من أوهام ومناكير الوليد بن جميع وتخاليطه كما نص عليه العقيلي وابن عدي، وأن حديث أبي هريرة وعائشة لم تذكر الروايات ـ التي أحالت على حديث فاطمة ـ لفظه وقد جاءت روايات عن مجالد نفسه ومن طريق آخر عن الشعبي فكشفت لفظ كل من أبي هريرة وعائشة وأنهما تابعا فاطمة على حديثها عن النبي e في أن الدجال لا يدخل المدينة فقط لا على كل حديثها في شأن الدجال وقصة تميم والجساسة.
            فإذا ثبت ذلك وأن ما ظنه ابن حجر شواهد هي لا أصل لها، وإذا ثبت أن حديث فاطمة بنت قيس لا يثبت عن أبي سلمة عنها، ولا عن يحيى بن يعمر عنها، وأنه لا يثبت إلا من طريق مجالد ـ وحده ـ عن الشعبي عنها، فإن له عللاً أخرى على فرض ثبوته عنها منها:-
            5ـ أن فاطمة صحابية مشهورة وليس لها سوى حديثين اثنين فقط:
            الأول: حديث طلاقها وقول النبي e لها ((لا نفقة لك ولا سكنى)) لأنه لا رجعة لزوجها عليها، وخطبة النبي e إياها لأسامة بن زيد وهو حديث مشهور عنها، فقد رواه علماء الحجاز والعراق وعلى رأسهم فقهاء المدينة سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعبيد الله بن عتبة بن مسعود، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان.
            ورواه أيضاً الأسود بن يزيد النخعي، والشعبي، وعبد الله بن البهي، وعبد الرحمن بن عاصم بن ثابت، وتميم أبو سلمة.[241]
            وقد اشتهر عنها هذا الحديث منذ عهد عمر ، وشغلت الناس به حتى قال ابن المسيب (تلك امرأة فتنت الناس)[242] وظلت تحدث به الناس إلى زمن عبد الله بن الزبير وكتبه عنها أبو سلمة بن عبد الرحمن في تلك الفترة[243]، أي أنها حدثت الناس بهذا الحديث منذ سنة 13هـ إلى سنة 73هـ تقريباً أي مدة ستين سنة ومع هذا كله لم يرو عنها أهل المدينة إلا هذا الحديث في شأن طلاقها، ولم يشتهر عنها سواه، وقد روى هذا الحديث من أصحاب الشعبي كبار أصحابه الحفاظ منهم إسماعيل بن أبي خالد، والشيباني، ومطرف، وسلمة بن كهيل، وأبو حصين، وابن أبي زائدة، والأعمش، وحماد بن أبي سليمان، ويونس بن إسحاق، وداود بن أبي هند، ومغيرة، وحصين، ومجالد، وأشعث، وغيرهم.
            الثاني: حديث الشعبي عنها في قصة تميم والجساسة ولم يشتهر عنها إلا من طريق الشعبي، ولا عن الشعبي إلا من طريق مجالد!
            وقد قال ابن حجر[244] عن حديثها الأول: (وهي قصة مشهورة) بينما قال عن حديثها الثاني: (وهي التي روت قصة الجساسة بطولها فانفردت بها مطولة رواها عنها الشعبي لما قدمت الكوفة على أخيها وهو أميرها) وذكر أن فاطمة من المهاجرات الأول وأنها كانت أكبر من أخيها الضحاك أمير الكوفة بعشر سنين.
            لكن يشكل على هذا ما جاء في بعض روايات هذا الحديث كرواية مسلم[245]: (دخلنا على فاطمة بنت قيس فأتحفتنا برطب يقال له رطب بن طاب) وهو رطب المدينة المشهور، وفي رواية عند الطبراني[246] من طريق حماد بن زيد عن مجالد عن الشعبي قال (خالفنا أهل المدينة في سكنى المطلقة ونفقتها فقالوا لي: بيننا وبينك حديث فاطمة بنت قيس فأتيتها…) وهذا يؤيد أنه سمع منها في المدينة. وفي رواية عند الطبراني[247]: (لقيت فاطمة بنت قيس بالحرة…) وهي رواية ضعيفة إلا أنها يستأنس بها وعند الطبراني أيضاً[248]: (دخلت المدينة فجلست عند المنبر…) وهي ضعيفة إلا أنها ترجح أن سماع الشعبي منها كان في المدينة ولم أجد ما يؤيد قول الحافظ ابن حجر أنه سمع منها عندما قدمت على أخيها الضحاك الكوفة وهو أمير عليها إلا ما رواه البسوي في المعرفة والتاريخ[249] من طريق مجالد عن الشعبي قال قدمت فاطمة ابنة قيس على أخيها الضحاك بن قيس وكان عاملاً عليها فأتيتها فسألناها، فإن ثبت ما قاله الحافظ فيكون سماعه منها ما بين سنة 53هـ ـ 57هـ وهي المدة التي كان فيها الضحاك أميراً على الكوفة كما ذكره خليفة بن خياط في تاريخه.[250]
            ويكون سنها آنذاك قد تجاوز السبعين سنة إذا افترضنا أن لها عندما هاجرت عشرين سنة على الأقل وقد كانت من أوائل المهاجرات في سبيل الله.
            وإن لم يثبت قول الحافظ فيحتمل أن سماع الشعبي منها كان بعد ذلك في المدينة في زمن ابن الزبير إذ أن الشعبي ولد في حدود سنة 20هـ ـ كما في تهذيب التهذيب[251] ـ فيحتمل أنه سألها بعد أن أصبح فقيهاً يجادل فقهاء المدينة في مسألة فقهية كهذه المسألة فيحتجون عليه بحديث فاطمة ويحتكمون إليها ـ كما تدل عليه رواية مجالد عنه ـ وهذا يقتضي أن يكون قد بلغ من السن والعلم الدرجة التي تؤهله بلوغ هذه المنـزلة الرفيعة في نظر أهل المدينة.
            وعلى كل حال فسماع الشعبي منها إنما كان بعد أن بلغ سنها السبعين سنة ـ على أقل تقدير ـ إن لم تكن بلغت الثمانين سنة أو أكثر.
            وقد تكلم الصحابة في حديث فاطمة الأول وردوا عليها روايتها وأنكروها وهو قولها أن النبي e لم يجعل للمطلقة ثلاثاً نفقة ولا سكنى حتى قال عمر: (لا نترك كتاب الله وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت)[252] كما أنكرت عليها ذلك عائشة [253]، وقد أخذ أكثر العلماء بقول عمر وعائشة في قدحهما في صحة روايتها قال الطحاوي: (فهذا أبو سلمة يخبر أيضاً أن الناس قد أنكروا ذلك على فاطمة وفيهم أصحاب رسول الله e ومن لحق بهم من التابعين فقد أنكره عمر وعائشة وأسامة وسعيد بن المسيب مع من سمينا معهم ولم يعملوا به، وذلك من عمر بن الخطاب بحضرة أصحاب رسول الله e فلم ينكره عليه منهم منكر).[254]
            وقال ابن عبد البر: (عمر وعائشة وابن عمر ينكرون على فاطمة أمر السكنى ويخالفونها في ذلك ومال إلى قولهم فقهاء التابعين بالمدينة)[255] وقال أيضاً: (أما الشافعي ومالك فإنه لم يثبت عندهما عن النبي e أنه قال لفاطمة لا سكنى لك ولا نفقة مع ما رأوا من معارضة العلماء الجلة لها في ذلك).[256]
            وما كان للصحابة أن يقدحوا في روايتها ويردوها وهي تخبر عن رسول الله e أنه قضى في شأنها قضاءً، لولا أنه ثبت عندهم ما يقدح في حفظها وضبطها قال ابن حجر[257]: (لقد كان الحق ينطق على لسان عمر فإن قوله (حفظت أو نسيت) قد ظهر مصداقية في أنها أطلقت في موضع التقييد أو عمت في موضع التخصيص…) وقد قال إسماعيل القاضي: (وإذا كان هذا الإنكار كله وقع في حديث فاطمة فكيف يجعل أصلاً).[258]
            6ـ أن في حديث فاطمة أن النبي e نادى في الناس: ((الصلاة جامعة)) وأنها كانت في الصفوف الخلفية مع النساء عندما قام النبي e خطيباً … إلخ ويستحيل عادة وقوع هذا الأمر الجامع للناس ثم لا يرويه ولا يخبر به إلا امرأة واحدة في الصفوف الخلفية؟!
            بل جرت العادة أن تتوافر الهمم على رواية مثل هذا الحدث عند وقوعه وقد ذكر أبو يعلى ما يرد به خبر الواحد فقال: (أن ينفرد بما جرت العادة في نقله بالتواتر مثل أن ينفرد بنقل أن الخطيب سقط يوم الجمعة من المنبر فالعادة جرت بأن الواحد لا ينفرد بنقله فإذا انفرد به علمناه بخلاف العادة فرددناه).[259]
            7 ـ ثم إن صاحب القصة نفسها وهو تميم الداري عاش في المدينة إلى سنة 35هـ ثم تحول إلى الشام وهي بلده وتوفي سنة 40هـ وكان أول واعظ وقاص في الإسلام، وعظ وقص في عهد عمر وقد روى عنه جماعة من الصحابة والتابعين[260] ، فلم يرو أحد منهم عنه هذه القصة مع ما فيها من غرابة ومنقبة له، إذ حدث عنه النبي e بهذه القصة فكيف تتفرد فاطمة برواية هذه القصة عن النبي e من دون الصحابة ثم تتفرد بها عن تميم أيضاً؟!
            ولا يرويها عنه أحد من الصحابة، ولا أحد من أصحابه وتلاميذه ـ الذين رووا عنه حديثه ـ من أهل المدينة أو أهل الشام، وقد قال ابن القيم[261] في ما يستدل به على بطلان الخبر: (ومنها أن يدّعى على النبي e أنه فعل أمراً ظاهراً بمحضر من الصحابة كلهم وأنهم اتفقوا على كتمانه ولم ينقلوه… وكذلك رواية (أن الشمس ردت لعلي بعد العصر) والناس يشاهدونها ولا يشتهر هذا أعظم اشتهار ولا يعرفه إلا أسماء بنت عميس).
            وهذا شبيه بخبر فاطمة بنت قيس.
            8ـ ومما يزيد الشك في خبرها أن الصحابة قد اختلفوا في شأن الدجال اختلافاً شديداً حتى كان جابر بن عبد الله يحلف بالله أن ابن الصياد هو الدجال ويخبر أن عمر كان يحلف على ذلك عند النبي e فلا ينكر عليه.
            وحديثه عند البخاري[262] ومسلم[263] وإنما كان جابر يحلف على ذلك بعد وفاة النبي e كما هو ظاهر الرواية إذ فيها أن محمد بن المنكدر ـ وهو تابعي ـ رآه يحلف على ذلك. كما روى مسلم أيضاً في صحيحه[264] من حديث أبي سعيد الخدري قال: (صحبت ابن صائد إلى مكة فقال لي: أما قد لقيت من الناس يزعمون أني الدجال…).
            وفي رواية له: (مالي ولكم يا أصحاب محمد! ألم يقل نبي الله e ((إنه (أي الدجال) يهودي)) وقد أسلمت، قال: (ولا يولد له) وقد ولد لي، وقال: ((إن الله حرم عليه مكة)) وقد حججت. قال أبو سعيد: فما زال حتى كاد أن يأخذ فيّ قوله…).
            وفي رواية لمسلم أيضاً أن ابن صائد قال: (يا أبا سعيد! لقد هممت أن آخذ حبلاً فأعلقه بشجرة ثم أختنق مما يقول لي الناس، يا أبا سعيد! من خفي عليه حديث رسول الله e ما خفي عليكم معشر الأنصار! ألست من أعلم الناس بحديث رسول الله e؟ أليس قد قال رسول الله e: ((هو كافر)) وأنا مسلم، أو ليس قد قال رسول: ((هو عقيم لا يولد له)) وقد تركت ولدي بالمدينة، أو ليس قال رسول الله e: ((لا يدخل المدنية ولا مكة)) وقد أقبلت من المدينة وأنا أريد مكة؟…).
            وفي رواية لمسلم أن أبا سعيد كان يجيبه بقوله (بلى).
            كما روى مسلم في صحيحه[265] من حديث ابن عمر أنه كان يظن ابن صياد هو الدجال حتى أن حفصة كانت تحذره من إغضابه لأن النبي e كان يخبر عن الدجال أنه يخرج من غضبة يغضبها.
            وروى أبو داود[266] بسند صحيح ـ كما قال ابن حجر[267] ـ أن ابن عمر كان يحلف أنه الدجال وروى أحمد[268] أن أبا ذر كان يقول: (لأن أحلف عشر مرار أن ابن صائد هو الدجال أحب إلي من أن أحلف مرة واحدة أنه ليس به…) قال في الفتح: (سنده صحيح). [269]
            وروى أبو يعلى والطبراني عن ابن مسعود قال: (لأن أحلف بالله تسعاً أن ابن صياد هو الدجال أحب إلي من أن أحلف واحدة…). قال الهيثمي: (رجال أبي يعلى رجال الصحيح). [270]
            فإذا كان عمر وجابر بن عبد الله وأبو سعيد الخدري وابن عمر وحفصة وأبو ذر وابن مسعود، بل والناس عامة، والأنصار خاصة، يتحدثون أن ابن صياد اليهودي هو الدجال وكان بعضهم يحلف على ذلك ـ وهذا كله بعد وفاة النبي e ـ فكيف يمكن التوفيق بين هذا وقول فاطمة أن النبي e جمع الناس وقص عليهم خبر تميم الداري الذي فيه خبر الدجال وأنه مسجون في جزيرة في عرض البحر؟!
            ولهذا استشكل الطحاوي ذلك فقال( فإن قال قائل فكيف بقي ابن مسعود وأبو ذر وجابر على ما كانوا عليه فيه مما قد رويته عنهم في هذا الباب مما قالوه فيه بعد النبي ؟ فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه: أنه قد يحتمل أن ذلك كان منهم لأنهم لم يعلموا بما كان من رسول الله بما حدث به الناس عن تميم الداري ولا من سروره به فقالوا في ذلك ما قالوا).[271]
            وذكر ابن حجر قول البيهقي: (كأن الذين يجزمون بابن صياد هو الدجال لم يسمعوا بقصة تميم وإلا فالجمع بينهما بعيدٌ جداً إذ كيف يلتئم أن يكون من كان في أثناء الحياة النبوية شبه المحتلم ويجتمع به النبي e ويسأله، أن يكون هو في آخرها شيخاً كبيراً مسجوناً في جزيرة من جزائر البحر موثوقاً بالحديد يستفهم عن خبر النبي e هل خرج أولاً؟ فالأولى أن يحمل على عدم الإطلاع…).[272]
            بل هذا الذي يجب، إذ لا يتصور أن يكون هؤلاء الصحابة قد اطلعوا أو سمعوا بخبر تميم الداري ثم يحلفون بعد ذلك أن ابن صياد ـ اليهودي الذي كان يعيش في المدينة في حياة النبي e ثم أسلم بعد ذلك ـ هو نفسه الدجال الذي كان موثوقاً في جزيرة من الجزر. قال المزي[273]: (عمارة بن عبد الله بن صياد الأنصاري ـ ولاءً ـ وأبوه الذي قيل عنه أنه الدجال… وكان مالك بن أنس لا يقدم عليه ـ أي على عمارة ـ في الفضل أحداً) وقال أيضاً عن أبي عمارة: (وهو الذي قيل إنه الدجال لأمور كان يفعلها وقد أسلم عبد الله بن صياد وحج وغزا مع المسلمين وأقام بالمدينة) وقد كان ولده عمارة من سادات التابعين وثقاتهم. ومع ذلك كان أهل المدينة يظنون أن أباه هو الدجال لموافقة صفته صفة الدجال التي كان النبي e قد أخبرهم بها[274] إلى أن توفي في المدينة بعد ذلك فثبت أنه ليس هو.
            فإذا ثبت ذلك فمن هم الناس الذين خطب بهم النبي e ونادى فيهم (أن الصلاة جامعة) وقص عليهم خبر تميم الداري ـ وكان ذلك سنة 9هـ ـ عندما جاء تميم مهاجراً مسلماً؟!
            فهؤلاء الصحابة :عبد الله بن عمر وعبد الله بن مسعود وجابر بن عبد الله وأبو ذر وأبو سعيد الخدري وحفصة بنت عمر هم حفاظ السنة وعلماء الصحابة وأعلم الناس بالأخبار والآثار النبوية فإذا كانوا لم يحضروا قصة تميم عن الدجال بل ولا سمعوا عنها ـ وإلا لما ظنوه ابن صياد ولا حلفوا على ذلك ـ فمن الذي حضر هذه الخطبة؟! وكيف يتحدث الناس والأنصار عامة ـ كما في صحيح مسلم ـ أن ابن صياد هو الدجال دون أن يتذكروا أو يذكرهم أحد بخطبة النبي e التي جمعهم فيها وقص عليهم خبر تميم الداري؟!
            بل إنه مع كل هذا الخلاف في شأن ابن صياد بين الصحابة إلا أنه لم يثبت قط عن أحد منهم القول بأن الدجال موجود موثوق في جزيرة في عرض البحر!!
            وإذا كان عمر بن الخطاب يحلف على أن ابن صياد هو الدجال عند النبي e ـ كما روى ذلك جابر عنه ـ فإنه أيضاً لم يثبت عنه خلاف هذا القول بعد ذلك ولا دليل على أنه سمع بخبر تميم الداري فرجع عن اعتقاده في ابن صياد.
            نعم كان بالإمكان قبول خبر فاطمة لو أنها روته عن النبي e دون أن تقول إن النبي e نادى في الناس ((الصلاة جامعة)) وأنها حضرت الخطبة وكانت في صفوف النساء خلف الرجال … إلخ إذ يمكن القول حينئذ أنها سمعت من النبي e حديثاً لم يسمعه الصحابة الآخرون، أما والحال ما ذكرت في حديثها، فإن ذلك يوجب التوقف في قبول مثل هذا الخبر خاصة وأنه ثبت عن علماء الصحابة وحفاظهم الملازمين لرسول الله e سفراً وحضراً أنهم لم يسمعوا بمثل هذا الخبر بل ولا سمع به الأنصار، بل ولا أهل المدينة مهاجروهم وأنصارهم، بل ولم يسمع به أحد من غيرهم حتى خرج مجالد يروي عن الشعبي ويحدث الناس بهذا الحديث في الكوفة عن امرأة من أهل المدينة أنها شهدت خطبة لم يسمع بها عمر ولا عبد الله بن عمر ولا حفصة ولا ابن مسعود ولا جابر بن عبد الله ولا أبو ذر الغفاري ولا أبو سعيد الخدري ولا أهل المدينة ولا الأنصار الذين ظلوا يعتقون أن ابن صياد هو الدجال؟!
            ولو لم يرو عن هؤلاء الصحابة مثل هذا الرأي في ابن صياد لكان بالإمكان القول بأنه لا دليل ينافي دعواها أن الناس حضروا هذه الخطبة الجامعة وليس بالضرورة أن تتوافر الهمم على رواية هذه الخطبة بل يكفي أن يحدث بها راو واحد إلا أن ثبوت هذه الروايات الصحيحة عن هؤلاء الصحابة التي تثبت خلاف حديث فاطمة يقدح في صحة هذه الدعوى من أصلها ويثبت ضدها.
            9ـ وإذا كان الصحابة لم يقبلوا حديثها الأول المشهور عنها الخاص بها وهي شابة خشية النسيان والغلط والوهم، فكيف بحديثها الغريب الذي لم يسمع منها إلا بعد أن جاوزت سبعين سنة، ولم يروه عنها إلا رجل واحد من أهل الكوفة في قضية طال حولها الجدل بين أهل المدينة أنفسهم في شأن ابن صياد ووجود الدجال، ثم لا يجدون عند فاطمة التي عاشت بين ظهرانيهم سبعين سنة ما يشفي غليلهم ويحسم الخلاف بينهم؟!
            وإذا لم يكن لها إلا حديثان وكان المشهور منهما المتواتر عنها مشكوكاً في صحته حتى رده عمر وعائشة خشية غلطها، فالغريب أحق بالشك والرد من باب أولى.
            فيحتمل على فرض صحة الحديث أن فاطمة خلطت بين خطبة النبي e المشهورة عن الدجال وبين ما كان يقصه تميم الداري على الناس، فقد روى حادثة الخطبة في شأن الدجال :
            أـ ابن عمر: فقد روى البخاري[275] ومسلم[276] من حديث ابن عمر قال: (قام رسول الله e في الناس فأثنى على الله بما هو أهله ثم ذكر الدجال فقال: ((إني لأنذركموه، ما من نبي إلا وقد أنذر قومه، لقد أنذره نوح قومه…)).
            ب ـ وأبو سعيد الخدري: فقد روى البخاري[277] ومسلم[278] كلاهما من حديث أبي سعيد الخدري قال: (حدثنا رسول الله e حديثاً طويلاً عن الدجال فكان فيما حدثنا قال: ((يأتي الدجال وهو محرم عليه أن يدخل نقاب المدينة…)).
            ج ـ وسفينة مولى رسول الله : قال: ((خطبنا رسول الله e فقال: ألا إنه لم يكن نبي قبلي إلا قد حذر الدجال أمته…)).[279]
            د ـ سمرة بن جندب : قال إن الشمس كسفت على عهد النبي e فصلى بالناس صلاة الكسوف ثم قام بالناس خطيباً فذكر خطبة طويلة وفيها حذر من الدجال ووصفه وذكر فتنته. كما عند أحمد[280]وابن خزيمة.[281]
            هـ ـ وأبو أمامة الباهلي: قال: ((خطبنا رسول الله e فكان أكثر خطبته حديثاً حدثناه عن الدجال وحذرناه…)). عند ابن ماجه.[282]
            و ـ جنادة بن أبي أمية : قال ذهبت أنا ورجل من الأنصار إلى رجل من أصحاب النبي e فقلنا حدثنا ما سمعت من رسول الله e يذكر الدجال قال: ((خطبنا رسول الله e فقال أنذركم الدجال – ثلاثاً – فإنه لم يكن نبي قبلي إلا وقد أنذر أمته وإنه فيكم أيتها الأمة…)) وإسناده مسلسل بالأئمة. كما عند أحمد[283] قال الهيثمي: (رجاله رجال الصحيح).[284]
            ورواه الطحاوي[285] وفي أوله: (قلنا له حدثنا في الدجال حديثاً سمعته من رسول الله e فإنه قد اختلف علينا فيه…).
            زـ وروى عبد الرزاق[286] عن معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر في خطبة النبي e في شأن الدجال ثم قال الزهري: (وأخبرني عمر بن ثابت الأنصاري أنه أخبره بعض أصحاب النبي e أن رسول الله e قال يومئذ للناس وهو يحذرهم الدجال…).
            وهذا نص على شهرة تلك الخطبة عند الصحابة وأنها خطبة واحدة معلومة.
            والمقصود أن هذه الخطبة تكاد تكون متواترة عن النبي e ومع ذلك لم يذكر أحد من الصحابة الذين رووا هذه الخطبة شيئاً مما ذكرته فاطمة بنت قيس وألفاظ أحاديثهم تتفق على التحذير من الدجال ووصفه وفتنته وأنه ما من نبي إلا وحذر منه أمته، ثم يزيد بعضهم في حديثه على بعض، إلا أنه لا تعارض بين ألفاظ أحاديثهم الصحيحة عنهم. ومما يؤكد أن فاطمة سمعت هذه الخطبة التي سمعها هؤلاء الصحابة ما جاء في رواية الطبراني[287] وابـن حبـان في صحيـحه[288] من طريق عيسى بن يونس عن عمران بن سليمان عن الشعبي عن فاطمة قالت: (صعد رسول الله e المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ((أنذركم الدجال فإنه لم يكن نبي قبلي إلا وقد أنذره أمته وهو كائن فيكم أيتها الأمة إنه لا نبي بعدي ولا أمة بعدكم…)).
            وهذا مطابق تمام المطابقة لما ثبت عن رسول الله e في خطبته عن الدجال التي رواها كثير من الصحابة مما يدل على أن فاطمة قد سمعت هذه الخطبة بعينها ومع ذلك لم يذكر أحد ما ذكرته فاطمة عن تميم وقصته؟!
            كما روى النسائي[289] من طريق جرير بن عبد الحميد عن مغيرة بن مقسم عن الشعبي عن فاطمة مرفوعاً: (إنه لم يكن نبي قبلي إلا حذر أمته الدجال وإنه فيكم أيتها الأمة وإنه يطأ الأرض كلها غير طيبة وهذه طيبة) هكذا مختصراً ولم يذكر قصة تميم الداري.
            وهذا هو الحديث الذي صححه البخاري لها، قال الترمذي (سألت محمدا عن هذا الحديث يعني حديث الجساسة ؟ فقال يرويه الزهري عن أبي سلمة عن فاطمة ابنة قيس. قال محمد وحديث الشعبي عن فاطمة بنت قيس في الدجال هو حديث صحيح).[290]
            فقد صحح حديثها في شأن الدجال وتوقف في حديث الزهري عن أبي سلمة حديث الجساسة، والعبارة مختصرة وموهمة!
            وعلى كل فهذا يكشف أن في حديث فاطمة خللاً وأن في ضبطها ضعفاً،إن ثبت الحديث هذا عنها، ويؤكد صحة رأي عمر الفاروق وعائشة الصديقة فيها وأنهما ما أنكرا عليها حديثها إلا لما علما من ضعف حفظها، ولا أدل على ذلك من كونها لم تحفظ عن النبي e إلا حديثين اثنين فقط مع أنها من أوائل المهاجرات وعمرت طويلاً وحدثت الناس بما عندها، وفتنت الناس فيهما في حديث الطلاق وفي حديث الدجال؟!
            فلعلها أخطأت وخلطت بين ما سمعته من النبي e في هذه الخطبة عن الدجال وتحذيره منه وإخباره أنه لا يدخل المدينة وأن عليها ملائكة يحمونها منه وما سمعته بعد ذلك من تميم الداري الذي كان نصرانياً من أهل الشام ثم أسلم في آخر حياة النبي e واستأذن عمر في أن يعظ الناس ويقص عليهم فأذن له واستمر كذلك حتى خرج من المدينة بعد قتل عثمان وسكن الشام حتى توفي فيها سنة 40هـ[291] ، ومما يعضد ذلك أن نعيم بن حماد قد روى في كتاب الفتن من طريق يزيد بن حمير ويزيد بن شريح وجبير بن نفير وشريح بن عبيد والمقدام بن معد كرب وعمرو بن الأسود وكثير بن مرة قالوا جميعا: (الدجال ليس هو إنسان وإنما هو شيطان في بعض جزائر البحر موثوق بسبعين حلقة …).[292]
            قال ابن حجر: (لعل هؤلاء مع كونهم ثقات تلقوا ذلك من بعض كتب أهل الكتاب).[293]
            وهؤلاء من علماء الشام وروايتهم هذه تشبه ما جاء في حديث فاطمة فيما سمعته من تميم الداري فإما أنهم أخذوا هذا من جهة تميم الذي سكن الشام وتوفي بها أو يكون مما هو شائع بين أهل الشام عن أهل الكتاب ويكون تميم قد حدث به في مواعظه وقصصه في المدينة وسمعته فاطمة منه فاختلط عليها بما كانت قد سمعته في خطبة النبي e المشهورة عن الدجال.
            ومما يثبت معرفة أهل الكتاب بالدجال ما رواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر أن عمر سأل رجلاً من اليهود عن شيء فحدثه، فصدقه عمر، فقال له عمر: قد بلوت صدقك فأخبرني عن الدجال، قال: وإله يهود ليقتلنه ابن مريم بفناء لدّ. [294]
            ولعله لهذا السبب لم يخرج البخاري حديث فاطمة هذا في صحيحه قال ابن حجر: (سلك البخاري مسلك الترجيح فاقتصر على حديث جابر عن عمر في ابن صياد ولم يخرج حديث فاطمة بنت قيس في قصة تميم وقد توهم بعضهم انه غريب فرد وليس كذلك فقد رواه مع فاطمة بنت قيس أبو هريرة وعائشة وجابر).[295]
            فاستظهر ابن حجر أن البخاري ترك تخريج حديث فاطمة ترجيحاً منه لحديث جابر أن ابن صياد هو الدجال على حديثها الذي فيه ما يناقض ذلك، وهذا الصنيع دليل على دقة نظره وثقوب بصره إذ أن التعارض بين الحديثين ظاهر ولا يمكن معه الجمع بينهما إلا على وجه من التكلف الذي لا يسوغ.
            وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى: (ولا يبلغ تصحيح مسلم تصحيح البخاري، بل كتاب البخاري أجل ما صنف في هذا الباب والبخاري من أعرف خلق الله بالحديث وعلله مع فقهه فيه… ولهذا كان جمهور ما أنكر على البخاري مما صححه يكون قوله فيه راجحاً على قول من نازعه بخلاف مسلم بن الحجاج فإنه نوزع في عدة أحاديث مما خرجها وكان الصواب فيها مع من نازعه…).[296]
            وقال أيضاً: (والبخاري أحذق وأخبر بهذا الفن من مسلم ولهذا لا يتفقان على حديث إلا ويكون صحيحاً لا ريب فيه قد اتفق أهل العلم على صحته ثم ينفرد مسلم فيه بألفاظ يعرض عنها البخاري…)[297] وقد ذكر قبل ذلك أحاديث خرجها مسلم وهي غير صحيحه حيث ذكر حديث مسلم[298]: (إن الله خلق التربة يوم السبت، وخلق الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الإثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس وخلق آدم يوم الجمعة) ثم قال: (فإن هذا طعن فيه من هو أعلم من مسلم مثل يحيى بن معين ومثل البخاري وغيرهما وذكر البخاري أن هذا من كلام كعب الأحبار… وهذا هو الصواب لأنه قد ثبت بالتواتر أن الله خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام…)[299] وكذا قال نحو هذا في مجموع الفتاوى[300] عن حذق البخاري وقصور مسلم عن درجته.
            والمقصود أن ما استظهره الحافظ ابن حجر ـ من أن تنكب البخاري عن إخراج حديث فاطمة بنت قيس مع شهرته إنما هو ترجيح منه للأحاديث الأخرى ـ هو استظهار صحيح لأن صحة الإسناد لا تكفي لإخراجه ما دام معارضاً بأحاديث أصح ولا يمكن الجمع بينها.
            المبحث السادس : في ما في ألفاظ الحديث من الاختلاف:
            ثم إنه على فرض ثبوت هذا الحديث وأن فاطمة لم تهم فيه ولم تخلط بين ما سمعته من النبي e وما سمعته بعد ذلك من قصص تميم فإن في اللفظ نفسه اختلافاً شديداً ومن ذلك:
            أولا : الاختلاف في صاحب القصة ومن لقي الجساسة والدجال:
            ففي رواية ابن بريدة عند مسلم: أن تميماً كان مع قومه ثلاثين رجلاً من لخم وجذام في سفينة فلعب بهم الموج شهراً…إلخ.
            وفي رواية سيّار العنزي عند مسلم: إن بني عم لتميم الداري ركبوا في البحر…إلخ.
            وفي رواية غيلان عند مسلم: أن تميماً ركب البحر فتاهت به سفينته … إلخ.
            وفي رواية محمد بن أبي أيوب عند الطبراني أن النبي e قال: ((أن تميم الداري أخبرني أن بني عم له ألقتهم سفينة في البحر …إلخ)) وكذا في رواية محمد بن فضيل عن الشيباني ورواية مجالد وأبي الزناد.
            وفي رواية داود بن أبي هند: ((لكن تميم الداري أخبرني أن قوماً من أهل فلسطين ركبوا البحر…إلخ)).
            وهذا اختلاف شديد فتارة: تميم هو صاحب القصة، وتارة: هو وقومه، وتارة: قومه، وتارة: قوم من أهل فلسطين.
            والظاهر من مجموع الروايات أن تميماً إنما يحكي قصة عن جماعة من أهل الشام، ولم يكن هو معهم ويحتمل أنهم من قومه الذين عاصرهم وأدركهم، أو من قومه الذين لم يعاصرهم وإنما بلغه خبرهم وقصتهم.
            هذا ويحتمل أنهم ليسوا من بني عمه على الحقيقة بل على سبيل المجاز والاتساع لأنهم من قبيلته، فيصدق عليهم أنهم من بني عمه، ويحتمل أن المقصود بقومه أي أهل الشام إذ أنه من عرب الشام فيصدق على من كان فيها من العرب أنهم قومه.
            وعلى كل فتميم إنما يحكي قصة قوم من العرب النصارى من أهل فلسطين.
            ثانيا: الاختلاف في وصف ما رأى أهل السفينة:-
            ففي رواية ابن بريدة: ((فلقيتهم دابة أهلب كثير الشعر لا يدرون ما قبله من دبره من كثرة الشعر)) وأنها قالت لهم: ((انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير… فإذا فيه أعظم إنسان)).
            وفي رواية غيلان: ((فلقي إنساناً يجر شعره)).
            وفي رواية ابن أبي أيوب: ((فلقوا شيئاً لا يدرون رجلاً هو أو امرأة.. وأشارت إلى دير في الجزيرة غير بعيد… فإذا برجل موثوق)).
            وفي رواية أبي الزناد كما عند الطبراني ((فإذا هم بامرأة شعثة سوداء لها شعر منكر قالت فادخلوا القصر فدخلوا فإذا شيخ مربوط )).
            وفي رواية ابن بريدة عند ابن حبان: ((فلقيتنا جارية تجر شعرها)).
            ففي بعض هذه الروايات أنهم رأوا دابة، وفي بعضها أنهم رأوا إنساناً، وفي بعضها أنها كانت امرأة أو جارية.
            ثم إنها أشارت عليهم أن يذهبوا إلى دير أو قصر. والراجح أنه دير كما في أكثر الروايات.
            ثم إنهم وجدوا في الدير رجلاً أو شيخاً كبيراً موثق بالحديد، والظاهر أنه كاهن مشعوذ محبوس في دير نصراني لتجديفه وكهانته، إلا أن أسئلته التي وجهها لهم تدل على أن عنده علم من الكتاب ومن ذلك قوله: (أخبروني عن نبي الأميين ما فعل؟ قالوا قد خرج من مكة ونزل يثرب… فقال: أما إنه خير لهم أن يطيعوه، وإني مخبركم عني إني أنا المسيح وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج فأخرج فأسير في الأرض … إلخ) وفي رواية داود بن أبي هند أنه قال: (أنا الدجال).
            فيبدوا أنه كاهن يخيل إليه أنه المسيح فلذا حبسه النصارى في دير ناء في جزيرة بعيدة لتجديفه.
            ثالثا: الاختلاف في ما قاله النبي e بعدما سمع هذه القصة:
            ففي رواية ابن بريدة عند مسلم أن النبي e قال: ((هذه طيبة، هذه طيبة، هذه طيبة)) يعني المدينة ثم قال: ((ألا هل كنت حدثتكم ذلك؟)) فقال الناس نعم فقال: ((فإنه أعجبني حديث تميم أنه وافق الذي كنت حدثتكم عنه وعن المدينة ومكة.. )).
            قال النبي e ذلك بعد أن سمع ما رواه تميم عن الرجل أنه قال: ((فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة فهما محرمتان علي كلتاهما كلما أردت أن أدخل واحدة استقبلني ملك بيده السيف صلتا يصدني عنها وإن على كل نقب منها ملائكة يحرسونها)) عندها قال النبي e: ((هذه طيبة… إلخ)).
            وفي رواية غيلان بن جرير أن النبي e قال بعد سماع هذه القصة قال: ((هذه طيبة، وذاك الدجال)).
            وفي رواية محمد بن أبي أيوب: ((وكأنه سر رسول الله e من ذلك قوله: مكة وطيبة. فقال رسول الله e: طيبة، طيبة لا يدخلها الدجال…)).
            وفي رواية مجالد: ((فقال رسول الله e: إن هذا مما أفرحني إن طيبة هي المدينة إن الله حرم حرمي على الدجال…)).
            وفي رواية أبي الزناد كما عند الطبراني أن النبي e لم يقل سوى ((هذه طيبة)) وهكذا رواه سيار العنزي عند مسلم.
            وفي رواية داود بن أبي هند أن النبي e قال بعد قصة تميم: ((أبشروا هذه طيبة لا يدخلها الدجال)).
            وكل الروايات متفقة على نحو هذا اللفظ ولم يقل أحد كما قال غيلان في روايته: ((ذاك الدجال)) ولم أجد من تابعه على هذا اللفظ.
            وليس في الروايات إلا أن النبي e فرح لأن ما ذكره تميم الداري ـ وهو رجل نصراني ثم أسلم ـ في هذه القصة يوافق ما كان النبي e يحدث به الصحابة من أن الدجال لا يدخل طيبة وأن على كل طريق منها ملكاً يحميها منه، ولم يقل e بأن هذه القصة التي قصها تميم هي صدق بل قال لهم: ((أخبرني تميم)) ولم يعلق على ما قاله تميم إلا في هذا الموضع عندما ذكر طيبة.
            فزيادة ((ذاك الدجال)) وهمٌ من وهب بن جرير الراوي لهذا الحديث بهذا اللفظ عن أبيه عن غيلان بن جرير فقد ذكره ابن عدي[301] وذكر كلام ابن مهدي وعفان بن مسلم فيه وساق له حديثين أنكرهما، وكذا ذكره العقيلي[302] أو يكون الوهم من أبيه جرير بن حازم فقد قال عنه ابن حبان: (كان يخطىء لأن أكثر ما كان يحدث من حفظه).[303]
            وقال عنه أحمد : (كثير الغلط) [304] وتكلم في حفظه مسلم في التمييز[305] ولم يقبل منه رفع حديث رواه عن يحيى بن سعيد الأنصاري، لأنه إذا حدث عنه لا يكاد يأتي به على التقويم والاستقامة.
            ومما يؤكد ذلك أن الصحابة ـ على فرض صحة هذا الحديث ـ لم يشكل على أحد منهم أن ذلك الرجل الذي في الدير ليس هو الدجال المعروف، وإلا لما ظنوا أن ابن صياد هو الدجال، فيكون قد ظهر لهم أن هذا الذي كان في الدير ما هو إلا دجال وواحد من الدجاجلة الذين يتكهنون ويشعوذون ويدعون ما لا يكون، إلا أنه عنده علم من الكتاب، ولهذا علم أن الدجال لا يدخل طيبة فأخبر القوم بذلك.
            فلو كان لفظ رواية غيلان: (وذلك الدجال) صحيحاً لما اختلف الصحابة في شأن ابن صياد إذ أن هذا اللفظ نص في محل الخلاف فكيف يخفى على الصحابة الذين حضروا هذه الخطبة؟!

            تعليق

            19,958
            الاعــضـــاء
            231,906
            الـمــواضـيــع
            42,561
            الــمــشـــاركـــات
            يعمل...
            X