إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الصلاة التي هي قرة عين

    الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ، أما بعد :
    فإن الصلاة صلة بين العبد وربه ، وهي عمود الإسلام ، وثاني أركانه العظام ، وهي آخر ما يفقد من هذا الدين ، وأول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة ؛ فإن صلحت فقد أفلح وأنجح ، وإن فسدت فقد خاب وخسر ؛ وقد افتتح الله صفات المؤمنين الواردة في سورة ( المؤمنون ) بقوله I: ] الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ[ [ المؤمنون : 2 ] ، واختتمها بقوله U : ] وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ [ [ المؤمنون : 9 ] ، ثم عقب على هذه الصفات بقوله سبحانه : ] أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ . الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [ [ المؤمنون : 10 ، 11 ] .
    ولأهميتها كانت آخر وصايا رسول الله e فعَنْ أَنَسٍ t قَالَ : كَانَتْ عَامَّةُ وَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ e حِينَ حَضَرَهُ الْمَوْتُ : " الصَّلَاةَ ، وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ " حَتَّى جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ e يُغَرْغِرُ بِهَا صَدْرُهُ ، وَمَا يَكَادُ يُفِيضُ بِهَا لِسَانُهُ ( [1] ) .
    وسيأتي الحديث عن أهمية الصلاة بشيء من التفصيل .
    وها هنا أسئلة مهمة تتعلق بشأن الصلاة،وهي:كيفتكونالصلاةقرةعينللمسلم؟ كيف يشعر المسلم باللذة والفرح والسرور وهو في الصلاة ؟ كيف يشعر بأن الصلاة ليست عليه ثقيلة ؟ بل كيف يوقن أن الصلاة هي مفزعه إذا ألَمَّ به شيء ؟
    فليس من كانت الصلاة - كما قال ابن القيم - ربيعًا لقلبه ، وحياة له وراحة ، وقرة لعينه ، وجلاء لحزنه ، وذهابًا لهمه وغمه ، ومفزعًا له إليه في نوائبه ونوازله ؛ كمن هي سحت لجوارحه , وتكليف له ، وثقل عليه ؛ فهي كبيرة على هذا ، وقرة عين وراحة لذلك .
    قال تعالى : ] وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ . الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [ [ البقرة : 45 ، 46 ] ، فإنما كبرت على غير هؤلاء لخلو قلوبهم من محبة الله تعالى ، وتكبيره وتعظيمه ، والخشوع له ، وقلة رغبتهم فيه ، فإن حضور العبد في الصلاة ، وخشوعه فيها ، وتكميله لها ، واستفراغه وسعه في إقامتها وإتمامها ، على قدر رغبته في الله تعالى ؛ قال الإمام أحمد في رواية مهنا بن يحيى : إنما حظهم من الإسلام على قدر حظهم من الصلاة ، ورغبتهم في الإسلام على قدر رغبتهم في الصلاة ؛ فاعرف نفسك يا عبد الله ، واحذر أن تلقى الله U ولا قدر للإسلام عندك ؛ فإن قدر الإسلام في قلبك كقدر الصلاة في قلبك ؛ وليس حظ القلب العامر بمحبة الله وخشيته والرغبة فيه وإجلاله وتعظيمه من الصلاة ، كحظ القلب الخالي الخراب من ذلك ؛ فإذا وقف الاثنان بين يدي الله في الصلاة ، وقف هذا بقلب مخبت خاشع له ، قريب منه ، سليم من معارضات السوء ، قد امتلأت أرجاؤه بالهيبة ، وسطع فيه نور الإيمان ، وكشف عنه حجاب النفس ودخان الشهوات ؛ فيرتع في رياض معاني القرآن , وخالط قلبه بشاشة الإيمان بحقائق الأسماء والصفات وعلوها وجمالها وكمالها الأعظم ، وتفرد الرب سبحانه بنعوت جلاله وصفات كماله ، فاجتمع همه على الله ، وقرت عينه به ، وأحس بقربه من الله قربًا لا نظير له ، ففرَّغ قلبه له ، وأقبل عليه بكليته ؛ وهذا الإقبال منه بين إقبالين من ربه ، فإنه سبحانه أقبل عليه أولا , فانجذب قلبه إليه بإقباله ؛ فلما أقبل على ربه حظي منه بإقبال آخر أتم من الأول ( [2] ) .
    لقد تكلم الفقهاء عن أهمية الصلاة ، وشروطها ، وأركانها ، وسننها ، وآدابها ، في أبواب كثيرة .. جمعت كل ما يتعلق بالصلاة من حيث صحتها وصحة أدائها .
    وتكلم العلماء - أيضًا - عن أسرارها ، وخشوعها ، وهو الأدب العام في الصلاة الذي هو روحها ، ومحل القبول منها ، إذ ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها .
    وحذَّر النبي e من عدم إتمام ركوعها وسجودها ، ومن عدم الاطمئنان فيها .
    وبيَّن النبي e أن للصلاة شيطان خاص اسمه ( خنزب ) ، هو الذي يقوم بمحاولة إفساد الصلاة على من يصلي ، ويحاول أن يلبس عليه قراءته ؛ ففي صحيح مسلم عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِى الْعَاصِ t أنه أَتَى النَّبِيَّ e فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَلاَتِي وَقِرَاءَتِي يَلْبِسُهَا عَلَىَّ ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ e : " ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ خِنْزِبٌ ، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْهُ ، وَاتْفِلْ عَلَى يَسَارِكَ ثَلاَثًا " ؛ قَالَ فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَهُ اللَّهُ عَنِّى ( [3] ) .
    ولذلك يعاني المصلي من خواطر نفسه ووساوس الشيطان في الصلاة ، معاناة تتفاوت بحسب جهاده ، وحضور قلبه ، وتدبره لما هو فيه من الصلاة تكبيرًا وتلاوة وتسبيحًا وذكرًا ودعاء .
    فعلى المصلي أن يحرص على حضور قلبه وخشوعه في الصلاة ، وأن يجاهد خواطر نفسه ووساوس الشيطان ، ليخرج بأجر صلاته وأجر جهاده فيها ؛ وإلا يفعل فربما ردت عليه صلاته ، وهي تقول له : ضيعك الله كما ضيعتني .
    واعلم - علمني الله وإياك الخير - أنك لست وحدك فيما تعاني من وساوس الشيطان وحديث النفس في الصلاة ؛ ولكن العاقل هو من يجتهد في مجاهدة نفسه والشيطان ليكون من الفائزين ؛ ومما يعينك - بعد استعانتك بالله تعالى - ما يلي :
    1 - فرِّغ القلب من الشواغل قبل الدخول في الصلاة .. واستعن على ذلك بذكر الله تعالى والاستغفار والدعاء .
    2 - أكثر من هذا الدعاء دبر الصلاة : " اللهُمَّ أَعنِي عَلى ذِكرِكَ ، وشُكرِكَ ، وحُسنِ عِبادَتِك " ؛ ومن هذا الدعاء " اللهُمَّ يَا مُقلبَ القُلوبِ ، ثَبتْ قَلبِي عَلى دِينِك " .
    3 - اجتهد في يومك في التلاوة والذكر والاستغفار والدعاء ، فإن ذلك يثبت القلب على الطاعة .
    4 – عليك بقيام الليل .. مع الدعاء في السجود .
    5 – عليك بكثرة الاستغفار .
    6 - ذكرالإمام أبو حامد الغزالي أن قراءة الإخلاص والمعوذتين قبل الدخول في الصلاة يفيد في ذلك ، ووجهه أن النبي قال في المعوذتين : " مَا سَأَلَ سَائِلٌ بِمِثْلِهِمَا ، وَلَا اسْتَعَاذَ مُسْتَعِيذٌ "([4]).
    7 - ثم تدبر ما تقول في الصلاة من تكبير ، واستفتاح ، وقرآن ، وتسبيح ، وتحميد ، وذكر ، ودعاء ، وما فيها من تعظيم العلي العظيم الرحمن الرحيم .
    ثم هذه رسالة سميتها ( الصلاة التي هي قرة عين ) ، سيجد فيها القارئ ما يبين له كيف تكون الصلاة فرحه وسروره وقرة عينه ؛ والله الكريم أسأل أن ينفع ... آمين ، وصلى الله وسلم وبارك على النبي محمد وعلى آله وصحبه .

    وكتبه


    أفقر العباد إلى عفو رب البرية


    محمد بن محمود بن إبراهيم عطية


    [1]- أحمد : 2 / 117 ، واللفظ له ، والنسائي في الكبرى ( 7094 ، 7095 ) ، وابن ماجة ( 2697 ) ؛ ورواه أحمد : 6 / 290 ، 311 ، والنسائي في الكبرى ( 7097 ، 7098 ، 7100 ) ، وابن ماجة ( 1625 ) عن أم سلمة .

    [2]- انظر ( الصلاة وأحكامها ) ص 140 ، 141 .

    [3] - مسلم ( 2203 ) .

    [4] - رواه النسائي ( 5438 ) عن عقبة بن عامر t ، وإسناده حسن .
    د . محمد عطية

  • #2
    معنى الصلاة
    الصلاة في اللغة : الدعاء ، قال الله تعالى : ] خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ [ [ التوبة : 103 ] ، أي : ادع لهم . وقال الأعشى :
    تقول بنتي وقد قربت مرتحلًا ... يا رب جَنِّب أبي الأوصابَ والوجعا
    عليكِ مثل الذي صليتِ فاغتمضي ... نومًا فإن لجنبِ المرءِ مضطجعا
    والصلاة في الشرع : أقوال وأفعال مخصوصة ، تبدأ بالتكبير ، وتنتهي بالتسليم ، بنية .
    د . محمد عطية

    تعليق


    • #3
      أهمية الصلاة

      الصلاة خير موضوع ، وهي الركن الثاني من أركان الإسلام ، بعد شهادة التوحيد ، وهي عمود الإسلام ، ولا تقوم الخيمة إلا بعمودها ؛ ولأهميتها وبيان خطرها فرضت في ليلة المعراج ، فوق السماوات السبع ، واستدعي لها رسول الله e ، وقد جاء في بيان أهميتها وفضلها وخطرها أحاديث كثيرة ؛ منها :
      قَوْله e : " وَالصَّلَاة نُور " ( [1] ) ، فَمَعْنَاهُ : أَنَّهَا تَمْنَع مِنْ الْمَعَاصِي ، وَتَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاء وَالْمُنْكَر ، وَتَهْدِي إِلَى الصَّوَاب ، كَمَا أَنَّ النُّور يُسْتَضَاء بِهِ ؛ فالصَّلاةُ نورٌ مطلق ، فهي للمؤمنين في الدُّنيا نورٌ في قلوبهم وبصائرهم ، تُشرِق بها قلوبُهم ، وتستنير بصائرُهم ولهذا كانت قرَّة عين المتقين ، كما كان النَّبيُّ e يقول : " وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ "([2])؛ وهي في الآخرة نورٌ للمؤمنين في ظلمات القيامة ، وعلى الصراط ، فإنَّ الأنوارَ تُقسم لهم على حسب أعمالهم ؛ وروى أحمد وابن حبان عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو – - عَنْ النَّبِيِّ e أَنَّهُ ذَكَرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا فَقَالَ : " مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا وَبُرْهَانًا وَنَجَاةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نُورٌ وَلَا بُرْهَانٌ وَلَا نَجَاةٌ ، وَكَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ قَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ " ( [3] ) . كَمَا يَكُون فِي الدُّنْيَا - أَيْضًا - عَلَى وَجْهه الْبَهَاء بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يُصَلِّ ، وَاَللَّه أَعْلَم .
      قال ابن القيم - : وإنما خص هؤلاء الأربعة بالذكر لأنهم من رؤوس الكفرة ؛ وفيه نكتة بديعة ، وهو أن تارك المحافظة على الصلاة إما أن يشغله ماله ، أو ملكه ، أو رياسته ، أو تجارته ؛ فمن شغله عنها ماله فهو مع قارون ، ومن شغله عنها ملكه فهو مع فرعون ، ومن شغله عنها رياسة ووزارة فهو مع هامان ، ومن شغله عنها تجارته فهو مع أبي بن خلف ( [4] ) .
      ومنها ما رواه ابن ماجة عن أَبِي الدَّرْدَاءِ t قَالَ : أَوْصَانِي خَلِيلِي e : " أَنْ لَا تُشْرِكَ بِاَللَّهِ شَيْئًا وَإِنْ قُطِّعْت وَحُرِّقْت ، وَأَنْ لَا تَتْرُكَ صَلَاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ ؛ وَلَا تَشْرَبَ الْخَمْرَ فَإِنَّهَا مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ " ؛ وله شاهد عند أحمد عن معاذ بن جبل قال : قال رسول الله e : " وَلَا تَتْرُكَنَّ صَلَاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا ، فَإِنَّ مَنْ تَرَكَ صَلَاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ " ( [5] ) .
      ومنها ما رواه معاذ بن جبل t عن النبي e أنه قال : " رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ" ( [6] ) ، فالصلاة من الإسلام بمنزلة العمود الذي تقوم عليه الخيمة ، وفي هذا بيان أهميتها ، فالخيمة تسقط بسقوط عمودها ، ولا تقوم إلا به ، وإن كان لها ألف وتد .
      وفي ( موطأ مالك ) عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ t كَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ : إِنَّ أَهَمَّ أَمْرِكُمْ عِنْدِي الصَّلَاةُ ، فَمَنْ حَفِظَهَا وَحَافَظَ عَلَيْهَا حَفِظَ دِينَهُ ؛وَمَنْ ضَيَّعَهَا فَهُوَ لِمَا سِوَاهَا أَضْيَعُ ( [7] ) . وهذا يدل على أهميةالصلاة ،وفهم هؤلاء الكرام لهذه الأهمية .
      وعن أَبِي هُرَيْرَةَ t قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ t:" إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ ، فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ , وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ" ([8])، وفي حديث أنس t : " فَإِنْ صَلَحَتْ صَلَحَ لَهُ سَائِرُ عَمَلِهِ ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَسَدَ سَائِرُ عَمَلِهِ " ( [9] ) ؛ وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t قَالَ : قَالَ رَسُوْلُ اللهِ e :" الصَّلاَةُ ثَلاَثَةُ أَثْلاَثٍ ، الطُّهُورُ ثُلثٌ ، وَالرُّكُوعُ ثُلُثٌ ، وَالسُّجُودُ ثُلُثٌ ؛ فَمَنْ أَدَّاهَا بِحَقِّهَا قُبِلَتْ مِنْهُ ، وَقُبِلَ مِنْهُ سَائِرُ عَمَلِهِ ، وَمَنْ رُدَّتْ عَلَيْهِ صَلاَتُهُ ، رُدَّ عَلَيْهِ سَائِرُ عَمَلِهِ " ( [10] ) .
      وواضح من الحديث أهمية الصلاة ، إذ هي أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة ، وهي معيار الحساب للأعمال الأخرى .
      ويدلك على عظيم فضلها وقدرها ما رواه الشيخان عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ t أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ e قَالَ : " أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ ، يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ ، هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ ؟ " ؛ قَالُوا : لاَ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ ؛ قَالَ : " فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا " ( [11] ) .
      ويدل على عظيم خطر الصلاة ما رواه مسلم عن جَابِرٍ t قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ e يَقُولُ : " بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلاَةِ " ( [12] ) ؛ وروى أحمد وأهل السنن إلا أبا داود عَنْ بُرَيْدَةَ t قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ e يَقُولُ : " الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ الصَّلَاةُ ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ " ( [13] ) .
      قال النووي - : وأما تارك الصلاة ؛ فإن كان منكرًا لوجوبها فهو كافر بإجماع المسلمين ، خارج من ملة الإسلام ، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام ، ولم يخالط المسلمين مدة يبلغه فيها وجوب الصلاة عليه ؛ وان كان تركه تكاسلًا مع اعتقاده وجوبها - كما هو حال كثير من الناس - فقد اختلف العلماء فيه ؛ فذهب مالك والشافعي - رحمهما الله - والجماهير من السلف والخلف إلى أنه لا يكفر ، بل يفسق ، ويستتاب ، فإن تاب وإلا قتلناه حدًّا ، كالزاني المحصن ، ولكنه يقتل بالسيف ؛ وتأولوا قوله e : " بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ : تَرْكُ الصَّلاَةِ " على معنى أنه يستحق بترك الصلاة عقوبة الكافر ، وهى القتل ؛ أو أنه محمول على المستحِلِّ ، أو على أنه قد يؤول به إلى الكفر ، أو أن فعله فعل الكفار ؛ والله أعلم .
      وذهب جماعة من السلف إلى أنه يكفر ، وهو مروى عن على بن أبى طالب t ، وهو إحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل - ، وبه قال عبد الله بن المبارك،وإسحاقبن راهويه ، وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي .
      وذهب أبو حنيفة وجماعة من أهل الكوفة والمزني صاحب الشافعي - - إلى أنه لا يكفر ، ولا يقتل ، بل يعزر ويحبس حتى يصلي( [14] ) .
      فهذه الأحاديث – وغيرها – تدل على أهمية الصلاة ، وعظيم أمرها ، وعلو منزلتها في الإسلام ؛ مما يدعو العاقل أن ينظر في صلاته وشأنها ، وشأنه معها ، ويحاول أن يرقى إلى أن تكون الصلاة قرة عين له ، ليدخل بذلك جنة الدنيا الموصولة - إنشاءالله - بجنة الآخرة .

      [1] - جزء من حديث رواه مسلم ( 223 ) عن أبي مالك الأشعري t .

      [2] - أحمد : 3 / 128 ، 199 ، 285 ، والنسائي ( 3939 ، 3940 ) ، وأبو يعلى ( 3482 ، 3530 ) ، عن أنس ، وإسناده حسن ؛ وصححه الحاكم على شرط مسلم : 2 / 160 ، ووافقه الذهبي .

      [3] - أحمد : 2 / 169 ، والدارمي ( 2721 ) ، وابن حبان ( 1467 ) .

      [4]- انظر ( الصلاة ) لابن القيم ص62 .

      [5] - رواه ابن ماجة ( 4034 ) ، وشاهده جزء من حديث رواه أحمد : 5 / 238 ؛ قال الألباني في صحيح الترغيب : حسن لغيره .

      [6] - أحمد : 5 / 231 ، والترمذي ( 2616 ) وصححه ، والنسائي في الكبرى ( 11394 ) ، وابن ماجة ( 3973 ) ؛ ورواه الطبراني في الكبير : 20 / 130 ، 131 ( 266 ) ، والحاكم : 2 / 412 ، 413 وصححه على شرطيهما ، ووافقه الذهبي .

      [7] - الموطأ : 1 / 6 ( 6 ) .

      [8]- الترمذي ( 413 ) ، والنسائي ( 465 ) وهذا لفظهما ، ورواه أبو داود ( 864 ) ، وابن ماجة ( 1425 ) .

      [9] - رواه الطبراني في الأوسط ( 1859 ) .

      [10]- رواه البزار في ( مسنده ) : 1 / 177 ( 349 ) ، وحسنه المنذري في ( الترغيب والترهيب ) ، والهيثمي في ( مجمع الزوائد ) ، وقال الألباني في ( الصحيحة رقم 2537 ) : حسن صحيح .

      [11] - البخاري ( 505 ) ، ومسلم ( 667 ) ، والدرن : الوسخ .

      [12] - مسلم ( 82 ) .

      [13] - أحمد : 5 / 346 ، والترمذي ( 2621 ) وصححه ، والنسائي ( 463 ) ، وابن ماجة ( 1079 ) .

      [14] - انظر ( شرح النووي على مسلم ) : 2 / 71 ؛ باختصار وتصرف ، وقد ناقش ابن القيم في كتابه ( الصلاة ) هذه الآراء مناقشة علمية رائعة ، فليرجع إليه من شاء .
      د . محمد عطية

      تعليق


      • #4
        مراتب الناس في الصلاة
        قال ابن القيم – : الناس في الصلاة على مراتب خمسة :
        أحدها : مرتبة الظالم لنفسه المفرط ، وهو الذي انتقص من وضوئها ، ومواقيتها ، وحدودها ، وأركانها .
        الثاني : من يحافظ على مواقيتها وحدودها وأركانها الظاهرة ووضوئها ، لكن قد ضيع مجاهدة نفسه في الوسوسة ، فذهب مع الوساوس والأفكار .
        الثالث : من حافظ على حدودها وأركانها ، وجاهد نفسه في دفع الوساوس والأفكار ، فهو مشغول بمجاهدة عدوه ، لئلا يسرق صلاته ، فهو في صلاة وجهاد .
        الرابع : من إذا قام إلى الصلاة أكمل حقوقها وأركانها وحدودها ، واستغرق قلبه مراعاة حدودها وحقوقها ، لئلا يضيع شيئًا منها ، بل همه كله مصروف إلى إقامتها كما ينبغي ، وإكمالها وإتمامها ، قد استغرق قلبه شأن الصلاة وعبودية ربه فيها .
        الخامس : من إذا قام إلى الصلاة قام إليها كذلك ، ولكن مع هذا قد أخذ قلبه ووضعه بين يدي ربه U ، ناظرًا بقبله إليه ، مراقبًا له ، ممتلئًا من محبته وعظمته ، كأنه يراه ويشاهده ، وقد اضمحلت تلك الوساوس والخطرات ، وارتفعت حجبها بينه وبين ربه ؛ فهذا بينه وبين غيره في الصلاة أفضل وأعظم مما بين السماء والأرض ، وهذا في صلاته مشغول بربه U ، قرير العين به .
        فالقسم الأول معاقب ، والثاني محاسب ، والثالث مكفر عنه ، والرابع مثاب ، والخامس مقرَّب من ربه ؛ لأن له نصيبًا ممن جعلت قرة عينه في الصلاة ، فمن قرَّت عينه بصلاته في الدنيا قرَّت عينه بقربه من ربه U في الآخرة ، وقرَّت عينه - أيضًا - به في الدنيا ؛ ومن قرَّت عينه بالله قرَّت به كل عين ، ومن لم تقرَّ عينه بالله تعالى تقطعت نفسه على الدنيا حسرات ؛ وقد روي أن العبد إذا قام يصلي قال الله U : ( ارفعوا الحجب فإذا التفت قال : أرخوها ) ؛ وقد فسر هذا الالتفات بالتفات القلب عن الله U إلى غيره ، فإذا التفت إلى غيره أرخى الحجاب بينه وبين العبد ، فدخل الشيطان ، وعرض عليه أمور الدنيا ، وأراه إياها في صورة المرآة ؛ وإذا أقبل بقلبه على الله ولم يلتفت ، لم يقدر الشيطان على أن يتوسط بين الله تعالى وبين ذلك القلب ، وإنما يدخل الشيطان إذا وقع الحجاب ، فإن فرَّ إلى الله تعالى ، وأحضر قلبه ، فرَّ الشيطان ؛ فإن التفت حضر الشيطان ؛ فهو هكذا شأنه وشأن عدوه في الصلاة ( [1] ) .

        [1] - انظر ( الوابل الصيب ) ص 38 – دار الكتاب العربي .
        د . محمد عطية

        تعليق


        • #5
          آداب الصلاة
          المصلون من المسلمين كثيرون ، ولكن الخاشعين قليل ؛ ومن دواعي الخشوع في الصلاة أن يقيمها بحسن وضوئها ، وإتمام ركوعها وسجودها ، وسائر أركانها ، مع حضور القلب فيها خاضعًا منيبًا متدبرًا معاني التكبير ، ومعاني الآيات ، ومعاني التسبيح ، ومعاني الأدعية في صلاته ، من الاستفتاح وحتى السلام .
          فهذه آداب ظاهرة وباطنة ، دلَّت عليها أحاديث النبي e ، ولابد للمسلم أن يسعى في أن يستكملها في صلاته ، ليكون من المصلين حقًّا ، يستشعر لذة العبادة ، ويشعر بالراحة في صلاته ، وتكون الصلاة له قرة عين .
          في الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ e دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى ، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ e فَرَدَّ ، وَقَالَ : " ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ " فَرَجَعَ يُصَلِّي كَمَا صَلَّى ، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ e فَقَالَ : " ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ " ثَلَاثًا .. فَقَالَ : وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ ، فَعَلِّمْنِي ؛ فَقَالَ : " إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا ، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا ، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا ؛ وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا " هذا لفظ البخاري ( [1] ) .
          في هذا الحديث الشريف جملة من الآداب التي لابد أن يراعيها المصلي في صلاته ، حتى تكون صلاته صحيحة في ذاتها أولًا ، ثم تكون محلا للقبول ثانيًا .

          [1] - البخاري ( 724 ، 760 ، 5897 ، 6290 ) ، ومسلم ( 397 ) .
          د . محمد عطية

          تعليق


          • #6
            قال ابن القيم – : فيه دليل على تعين التكبير للدخول في الصلاة ، وأن غيره لا يقوم مقامه ؛ وهو التكبير المعهود فيقوله : " وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ " ؛ كما يتعين الوضوء ، واستقبال القبلة ، وعلى وجوب القراءة ، والتقييد بـ " مَا تَيَسَّرَ " لا ينفي تعيُّن الفاتحة بدليل آخر ؛ فإنَّ الذي قال هذا هو الذي قال : " مَنْ صَلَّى صَلاَةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَهْيَ خِدَاجٌ " ؛ وهو الذي قال : " لاَ صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ " , ولا تضرب سنته بعضها ببعض .
            وفيه دليل على وجوب الطمأنينة ، وأن من تركها لم يفعل ما أُمر به ، فيبقى مطالبًا بالأمر , ولا يكفي مجرد الطمأنينة في ركن الرفع حتى تعتدل قائمًا ؛ فقوله : " فَإِذَا رَفَعْتَ فَأَقِمْ صُلْبَكَ حَتَّى تَرْجِعَ الْعِظَامُ إِلَى مَفَاصِلِهَا " , صريح في وجوب الرفع ، والاعتدال منه ، والطمأنينة فيه .
            ولا ينفي هذا وجوب التسبيح في الركوع والسجود ، والتسميع والتحميد في الرفع بدليل آخر ؛ فإن الذي قال هذا وأمر به هو الذي أمر بالتسبيح في الركوع ، فقال لما نزلت :] فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِْ [ قال : " اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ " .
            وأمر بالتحميد في الرفع فقال : " وَإِذَا قَالَ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، فَقُولُوا : رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ " ؛ فهو الذي أمرنابالركوع ، وبالطمأنينة فيه ، وبالتسبيح والتحميد ؛ وقال في الرفع من السجود : " ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا " ، وفي لفظ : " حَتَّى تَعْتَدِلَ جَالِسًا " ؛ فلم يكتف بمجرد الرفع حتى تحصل الطمأنينة والاعتدال ؛ ففيه أمر بالرفع ، والطمأنينة فيه ، والاعتدال .
            وروى أحمد وأهل السنن عَنْ أَبِى مَسْعُودٍ الْبَدْرِىِّ t قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e : " لاَ تُجْزِئُ صَلاَةُ الرَّجُلِ حَتَّى يُقِيمَ ظَهْرَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ " ؛ وهذا نص صريح في أن الرفع من الركوع ، وأن السجود ، والاعتدال فيه ، والطمأنينة فيه ، ركن لا تصح الصلاة إلا به .
            ونهى النبي e عن مشابهة الحيوانات في شيء من أمر الصلاة ؛ فروى أحمد وأهل السنن إلا الترمذي عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ t قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ e " يَنْهَى عَنْ ثَلَاثٍ : عَنْ نَقْرَةِ الْغُرَابِ ، وَعَنْ افْتِرَاشِ السَّبُعِ ، وَأَنْ يُوطِنَ الرَّجُلُ الْمَقَامَ كَمَا يُوطِنُ الْبَعِيرُ " ؛ فتضمن الحديث النهي في الصلاة عن التشبه بالحيوانات : بالغراب في النقرة ، وبالسبع بافتراشه ذراعية في السجود ، وبالبعير في لزومه مكانًا معينًا من المسجد يتوطنه كما يتوطن البعير .
            وفي مسند أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t قَالَ : أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ e بِثَلَاثٍ ، وَنَهَانِي عَنْ ثَلَاثٍ : أَمَرَنِي بِرَكْعَتَيْ الضُّحَى كُلَّ يَوْمٍ ، وَالْوِتْرِ قَبْلَ النَّوْمِ ، وَصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ؛ وَنَهَانِي عَنْ نَقْرَةٍ كَنَقْرَةِ الدِّيكِ ، وَإِقْعَاءٍ كَإِقْعَاءِ الْكَلْبِ ، وَالْتِفَاتٍ كَالْتِفَاتِ الثَّعْلَبِ .
            والإقْعاء : أن يُلْصِقَ الرجُل ألْيَتَيه بالأرض ، ويَنْصِب ساقَيه وفَخِذَيه ، ويَضَع يديه على الأرض كما يُقْعِي الكلْب .
            وروى مسلم عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ t قَالَ : خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ e فَقَالَ : " مَا لِي أَرَاكُمْ رَافِعِي أَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ ! اسْكُنُوا فِي الصَّلاَةِ " .
            وشُمْس : جمع شموس ؛ وهي التي لا تستقر ، بل تضرب وتتحرك بأذنابها وأرجلها .
            فهذه سبع حيوانات نهى e عن التشبه بها .
            د . محمد عطية

            تعليق


            • #7
              وقد وصف e صلاة النقَّار بأنها صلاة المنافق , ففي صحيح مسلم عَنِ أَنَسٍ t قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ e يَقُولُ : " تِلْكَ صَلاَةُ الْمُنَافِقِ ؛ يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ ، حَتَّى إِذَا كَانَتْ بَيْنَ قَرْنَىِ الشَّيْطَانِ ، قَامَ فَنَقَرَهَا أَرْبَعًا ، لاَ يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً " ( [1] ) .
              وقد قال تعالى : ] إنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً [ [ النساء : 142 ] .
              فهذه ست صفات في الصلاة من علامات النفاق : الكسل عند القيام إليها , ومراءاة الناس في فعلها , وتأخيرها , ونقرها , وقلة ذكر الله فيها , والتخلف عن جماعتها .

              [1] - رواه مسلم ( 622 ) .
              د . محمد عطية

              تعليق


              • #8
                وعَنْ أَبِي صَالِحٍ الأَشْعَرِيِّ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ الأَشْعَرِيِّ ، قَالَ : صَلَّى رَسُولُ اللهِ e بِأَصْحَابِهِ ، ثُمَّ جَلَسَ فِي طَائِفَةٍ مِنْهُمْ ، فَدَخَلَ رَجُلٌ ، فَقَامَ يُصَلِّي ، فَجَعَلَ يَرْكَعُ ، وَيَنْقُرُ فِي سُجُودِهِ ، فَقَالَ النَّبِيّ e : " أَتَرَوْنَ هَذَا ؟! مَنْ مَاتَ عَلَى هَذَا ، مَاتَ عَلَى غَيْرِ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ ، يَنْقُرُ صَلاَتَهُ كَمَا يَنْقُرُ الْغُرَابُ الدَّمَ ، إِنَّمَا مَثَلُ الَّذِي يَرْكَعُ وَيَنْقُرُ فِي سُجُودِهِ ، كَالْجَائِعِ ، لاَ يَأْكُلُ إِلاَّ التَّمْرَةَ وَالتَّمْرَتَيْنِ ، فَمَاذَا تُغْنِيَانِ عَنْهُ ؛ فَأَسْبِغُوا الْوُضُوءَ ، وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ ، أَتِمُّوا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ " ؛قَالَ أَبُو صَالِحٍ : فَقُلْتُ لأَبِي عَبْدِ اللهِ الأَشْعَرِيِّ : مَنْ حَدَّثَكَ بِهَذَا الْحَدِيثِ ؟ فَقَالَ : أُمَرَاءُ الأَجْنَادِ : عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ، وَخَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ ، ويَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ ، وَشُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ ، كُلُّ هَؤُلاَءِ سَمِعُوهُ مِنَ النَّبِيِّ e . فأخبر أن نقَّار الصلاة لو مات ، مات على غير الإسلام .
                وروى البخاري عَنْ زَيْد بْنِ وَهْبٍ قَالَ : رَأَى حُذَيْفَةُ رَجُلًا لَا يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ ؛ قَالَ : مَا صَلَّيْتَ ، وَلَوْ مُتَّ مُتَّ عَلَى غَيْرِ الْفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا e .
                وقد جعل رسول الله e لص الصلاة وسارقها شرًّا من لص الأموال وسارقها ؛ ففي المسند من حديث أَبِي قَتَادَةَ t قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e : " أَسْوَأُ النَّاسِ سَرِقَةً الَّذِي يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ " قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَكَيْفَ يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ ؟ قَالَ : " لَا يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا " - أَوْ قَالَ : " لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ " ؛ ولا ريب أن لص الدين شرٌّ من لص الدنيا .
                د . محمد عطية

                تعليق


                • #9
                  ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها

                  ما ذكرنا من الآداب يتعلق بظاهر الصلاة ، وهناك آداب أخرى تتعلق بباطن المصلي ؛ وتأمل – أيها المسلم - ما روى أحمد وأبو داود والنسائي عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ t قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ e يَقُولُ : " إِنَّ الرَّجُلَ لَيَنْصَرِفُ وَمَا كُتِبَ لَهُ إِلاَّ عُشْرُ صَلاَتِهِ ، تُسْعُهَا ، ثُمُنُهَا ، سُبُعُهَا ، سُدُسُهَا ، خُمُسُهَا ، رُبُعُهَا ، ثُلُثُهَا ، نِصْفُهَا " ( [1] ) ؛ وأَعمِل فكرَك في فهم هذه الكلمات ، لتقف على خطورة الأمر ؛ أين مرتبتك من هؤلاء ؟ وهل ترضى لنفسك أن تخرج من صلاتك بعشر الأجر ؟!
                  إن استحضار القلب مع الصلاة من قبل أن يدخل المسلم فيها بالتكبير ، وتدبر كل أمر فيها من قول وفعل ، ومعايشة المعاني العظيمة في أقوالها وأفعالها ،حتى يخرج منها بالتسليم ؛ هو العامل الرئيس في خشوع القلب ، وتفاوت الأجر .
                  قال ابن تيمية - : والعبد وإن أقام صورة الصلاة الظاهرة ، فلا ثواب إلا على قدر ما حضر قلبه فيه منها ؛ كما جاء في السنن لأبي داود وغيره عن النبي e- ثم ذكر حديث عمَّار السابق - ثم قال:وقالابنعباس - : ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها .ا.هـ . وإذا غلب عليها الوسواس ، ففي براءة الذمة منها ، ووجوب الإعادة : قولان معروفان للعلماء ؛ أحدهما : لا تبرأ الذمة ؛ وهو قول أبي عبد الله بن حامد ، وأبي حامد الغزالي وغيرهما ( [2] ) .
                  والقول الثاني : تبرأ الذمة ، ولا تجب الإعادة .. ولكن يفوت من الأجر الشيء العظيم .

                  [1] - أحمد : 4 / 321 ، وأبو داود ( 796 ) ، والنسائي في الكبرى ( 611 ، 612 ) .

                  [2]- مجموع الفتاوى : 32 / 217 ، 218 .
                  د . محمد عطية

                  تعليق


                  • #10
                    تعالوا بنا نعيش تلكم المعاني العظيمة من عجائب الأسماء والصفات ، التي تحصل- كما يقول ابن القيم - لمن تفقه قلبه في معاني القرآن ، وخالط بشاشة الإيمان بها قلبه ، بحيث يرى لكل اسم وصفة موضعًا من صلاته ، ومحلًّا منها :
                    فإنه إذا انتصب قائمًا بين يدي الرب تبارك وتعالى ، شاهد بقلبه قيوميته , وإذا قال : ( الله أكبر ) ، شاهد كبرياءه ، وإذا قال : " سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ ، وَبِحَمْدِكَ ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ ، وَتَعَالَى جَدُّكَ وَلاَ إِلَهَ غَيْرُكَ " ( [1] ) ، شاهد بقلبه ربًّا منزهًا عن كل عيب ، سالِمًا من كل نقص ، محمودًا بكل حمد ؛ فحمده يتضمن وصفه بكل كمال ، وذلك يستلزم براءته من كل نقص .
                    ( وتبارك اسمه ) فلا يذكر على قليل إلا كثرة ، ولا على خير إلا أنماه ، وبارك فيه ، ولا على آفة إلا أذهبها ، ولا على شيطان إلا ردَّه خاسئًا داحرًا ؛ وكمال الاسم من كمال مسماه , فإذا كان شأن اسمه الذي لا يضر معه شيء في الأرض ولا في السماء ، فشأن المسمى أعلى وأجل .
                    ( وتعالى جده ) ، أي : ارتفعت عظمته ، وجلت فوق كل عظمة , وعلا شأنه على كل شأن ، وقهر سلطانه على كل سلطان ، فتعالى جده أن يكون معه شريك في ملكه وربوبيته ، أو في إلهيته ، أو في أفعاله ، أو في صفاته ، كما قال مؤمن الجن : ] وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا [ [ الجن : 3 ] , فكم في هذه الكلمات من تجلٍّ لحقائق الأسماء والصفات على قلب العارف بها ، غير المعطل لحقائقها .
                    وإذا استفتح بـ " اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ ، كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ؛ اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ ، كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ ؛ اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنَ الْخَطَايَا ، بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ " ( [2] ) ؛ تعلق قلبه بالعفو الغفور الرحيم ، وعاش مع هذه الأسماء راجيًا خائفًا : راجيًا أن يغفر الله له ، ويعفو عنه ، ويرحمه ؛ خائفًا أن يأخذه الله بذنبه ؛ فشاهد بقلبه ربًّا غفورًا رحيمًا عفوًا ، مع إقراره بخطئه ، واعترافه بذنبه ، وتضرعه في أن يباعد الله بينه وبينه ، وأن ينقيه من تبعاته ، وأن يغسله من آثاره .
                    وكم في هذه الكلمات من معان يحتاج المصلي أن يتأملها ويعايشها .

                    [1] - أحمد : 3 / 50 ، 69 ، وأبو داود ( 775 ) ، والترمذي ( 242 ) ، والنسائي ( 899 ، 900 ) ، وابن ماجة ( 804 ) عن أبي سعيد الخدري t ، وصححه الألباني ، وأحمد : 6 / ، وأبو داود ( 776 ) ، والترمذي ( 243 ) ، وابن ماجة ( 806 ) عن عائشة ، وصحح الألباني .

                    [2] - رواه مسلم ( 598 ) عن أبي هريرة t .
                    د . محمد عطية

                    تعليق


                    • #11
                      وإذا قال : ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) ، فقد آوى إلى ركنه الشديد ، واعتصم بحوله وقوته ، من عدوه الذي يريد أن يقطعه عن ربِّه ، ويبعده عن قربه ؛ ليكون أسوأ حالًا ؛ فإنَّهُ أحرصُ ما يكونُ على العبدِ في مثلِ هذا المقامِ الذي هو أشرفُ مقاماته وأنفعها له في دنياه وآخرته ، فهو أحرصُ شيء على صرفهِ عنه واقتطاعِهِ دونه بالبدن والقلب ، فإن عجز عن اقتطاعه وتعطيله عنه بالبدن ، اقتطع قلبَه وعطله عن القيام بين يدي الرَّبّ تعالى ، فأُمِرَ العبدُ بالاستعاذةِ بالله منه ليسْلَمَ له مقامه بين يدي ربِّه ، وليَحيى قلبُه ويستنير بما يتدبره ويتفهمه من كلام سيده ، الذي هو سبب حياته ونعيمه وفلاحه ؛ فالشيطان أحرصُ على اقتطاع قلبِه عن مقصودِ التلاوة .
                      ولمّا علمَ سبحانه جِدَّ العدوِّ وتفرُّغَه للعبد ، وعجْزَ العبدِ عنه ، أمره بأن يستعيذَ به سبحانه ويلتجئَ إليه في صرفه عنه ، فيكفى بالاستعاذة مؤنةَ محاربته ومقاومته ، فكأنه قيل له : لا طاقةَ لكَ بهذا العدو ، فاستعذ بي واستجر بي أكْفِكَهُ ، وأمنعك منه .
                      فإذا استعاذَ بالله منَ الشَّيْطانِ بَعُدَ منهُ ، فأفضى القلب إلى معاني القرآن ، ووقع في رياضه المونِقَةِ ، وشاهد عجائبه التي تُبْهِرُ العقول ، واستخرج من كنوزِهِ وذخائرِهِ ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت .
                      د . محمد عطية

                      تعليق


                      • #12
                        مع فاتحة الكتاب
                        فإذا قال : ] الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[ وقف هنيهة يسيرة ، ينتظر جواب ربِّه له بقوله : " حَمِدَنِي عَبْدِي " ؛ فإذا قال : ] الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [ , انتظر الجواب بقوله : " أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي " , فإذا قال : ] مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [ انتظر جوابه : " مَجَّدَنِي عَبْدِي " .
                        فيا لذة قلبه ، وقرة عينه ، وسرور نفسه ، بقول ربه : " عَبْدِي " ثلاث مرات ؛ فوالله لولا ما على القلوب من دخان الشهوات ، وغيم النفوس،لاستطيرتفرحًاوسرورًابقول ربِّها وفاطرها ومعبودها : " حَمِدَنِي عَبْدِي ، وأَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي ، ومَجَّدَنِي عَبْدِي" ؛ ثم يكون لقلبه مجال من شهود هذه الأسماء الثلاثة ، التي هي أصول الأسماء الحسنى ، وهي : ( الله ، والربُّ ، والرحمن ) .
                        فشاهد قلبه من ذكر اسم ( الله ) - - إلهًا معبودًا موجودًا مخوفًا ، لا يستحق العبادة غيره ، ولا تنبغي إلا له , قد عنت له الوجوه ، وخضعت له الموجودات ، وخشعت له الأصوات ، ] تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [ [ الإسراء : 44 ] , ] وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ [ [ الروم : 26 ] .
                        وكذلك خلق السموات والأرض وما بينهما ، وخلق الجن والإنس والطير والوحش والجنة والنار ؛ وكذلك أرسل الرسل ، وأنزل الكتب ، وشرع الشرائع ، وألزم العباد الأمر والنهي .
                        وشاهد من ذكر اسمه ( ربِّ العالمين ) قيومًا ؛ قام بنفسه ، وقام به كل شيء ، فهو قائم على كل نفس بخيرها وشرها ؛ قد استوى على عرشه ، وتفرد بتدبير ملكه ؛ فالتدبير كله بيديه ، ومصير الأمور كلها إليه , فمراسيم التدبيرات نازلة منعنده ، على أيدي ملائكته بالعطاء والمنع ، والخفض والرفع ، والإحياء والإماتة ، والتوبة والعزل ، والقبض والبسط ، وكشف الكروب ، وإغاثة الملهوفين ، وإجابة المضطرين ؛ ] يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [ [ الرحمن : 29 ] , لا مانع لما أعطى ، ولا معطي لما منع ، ولا معقب لحكمه ، ولا راد لأمره ، ولا مبدل لكلماته ؛ تعرج الملائكة والروح إليه ، وتعرض الأعمال أول النهار وآخره عليه ، فيقدر المقادير ، ويوقت المواقيت ، ثم يسوق المقادير إلى مواقيتها ، قائمًا بتدبير ذلك كله وحفظه ومصالحه .
                        ثم يشهد عند ذكر اسم ( الرحمن ) Y ربًّا محسنًا إلى خلقه بأنواع الإحسان ، متحبِّبًا إليهم بصنوف النعم , وسع كل شيء رحمة وعلمًا , وأوسع كل مخلوق نعمة وفضلًا ، فوسعت رحمته كل شيء ، ووسعت نعمته كل حي ، فبلغت رحمته حيث بلغ علمه , فاستوى على عرشه برحمته ، وخلق خلقه برحمته ، وأنزل كتبه برحمته ، وأرسل رسله برحمته ، وشرع شرائعه برحمته ، وخلق الجنة برحمته ، والنار - أيضًا - برحمته ؛ فإنها سوطه الذي يسوق به عباده المؤمنين إلى جنته ، ويطهِّر بها أدران الموحدين من أهل معصيته , وسجنه الذي يسجن فيه أعداءه من خليقته .
                        فتأمل ما في أمره ونهيه ، ووصاياه ومواعظه من الرحمة البالغة ، والنعمة السابغة ، وما في حشوها من الرحمة والنعمة ، فالرحمة هي السبب المتصل منه بعباده ، كما أن العبودية هي السبب المتصل منهم به ؛ فمنهم إليه العبودية ، ومنه إليهم الرحمة.
                        ومن أخص مشاهد هذا الاسم : شهود المصلي نصيبه من الرحمة ؛ الذي أقامه بها بين يدي ربِّه , وأهَّلَه لعبوديته ومناجاته ، وأعطاه ومنع غيره ،وأقبل بقلبه ، وأعرض بقلب غيره ، وذلك من رحمته به .
                        د . محمد عطية

                        تعليق


                        • #13
                          فإذا قال : ] مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [ , فهنا شهد المجد الذي لا يليق بسوى الملك الحق المبين ، فيشهد ملِكًا قاهرًا ، قد دانت له الخليقة ، وعنت له الوجوه ، وذلت لعظمته الجبابرة ، وخضعلعزته كل عزيز ، فيشهد بقلبه ملِكًا على عرش السماء مهيمنًا ، لعزته تعنو الوجوه وتسجد , وإذا لم تُعَطَّل حقيقة صفة الملك أطلعته على شهود حقائق الأسماء والصفات التي تعطيلها تعطيل لملكه ، وجحد له ؛ فإن الملِك الحق التام الْمُلك لا يكون إلا حيًّا ، قيومًا ، سميعًا ، بصيرًا ، مدبِّرًا ، قادرًا ، متكلمًا ، آمرًا ناهيًا ، مستويًا على سريرمملكته ؛ يرسل رسله إلى أقاصي مملكته بأوامره , فيرضى على من يستحق الرضا , ويثيبه ويكرمه ويدنيه ؛ ويغضب على من يستحق الغضب ، ويعاقبه ويهينه ويقصيه , فيعذب من يشاء ، ويرحم من يشاء ، ويعطى من يشاء ، ويقرب من يشاء ، ويقصى من يشاء , له دار عذاب ، وهي النار , وله دار سعادة عظيمة ، وهي الجنة .
                          فمن أبطل شيئًا من ذلك ، أو جحده وأنكر حقيقته ، فقد قدح في ملكه ، ونفى عنه كماله وتمامه ؛ وكذلك من أنكر عموم قضائه وقدره ، فقد أنكر عموم ملكه وكماله ؛ فيشهد المصلي مجد الربِّ تعالى في قوله : ] مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [ .
                          د . محمد عطية

                          تعليق


                          • #14
                            فإذا قال : ] إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [ ففيها سرُّ الخلق والأمر ، والدنيا والآخرة ، وهي متضمنة لأجلِّ الغايات ، وأفضل الوسائل , فأجل الغايات عبوديته ، وأفضل الوسائل إعانته ؛ فلا معبود يستحق العبادة إلا هو ، ولا معين على عبادته غيره , فعبادته أعلى الغايات ، وإعانته أجلُّ الوسائل ؛ وقد أنزل الله مائة كتاب وأربعة كتب ، جمع معانيها في أربعة ، وهي : التوراة ، والإنجيل ، والقرآن ، والزبور ؛ و جمع معانيها في القرآن ، وجمع معانيه في المفصل ، وجمع معانيه في الفاتحة ، وجمع معانيها في : ] إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [ ؛ وقد اشتملت هذه الكلمة على نوعي التوحيد : وهما توحيد الربوبية ، وتوحيد الإلهية ؛ وتضمنت التعبد باسم ( الربِّ ) ، واسم ( الله ) ، فهو يعبد بألوهيته ، ويستعان بربوبيته ، ويهدي إلى الصراط المستقيم برحمته ، فكان أول السورة ذكر اسمه : ( الله ، والرب ، والرحمن ) تطابقًا لأجل الطالب من عبادته وإعانته وهدايته ؛ وهو المنفرد بإعطاء ذلك كله ، لا يعين على عبادته سواه ، ولا يهدي سواه .
                            د . محمد عطية

                            تعليق


                            • #15
                              ثم يشهد الداعي بقوله : ] اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [ شدة فاقته وضرورته إلى هذه المسألة ، التي ليس هو إلى شيء أشد فاقة وحاجة منه إليها البتة ؛ فإنه محتاج إليه في كل نَفَس وطرفة عين ؛ وهذا المطلوب من هذا الدعاء ، لا يتم إلا بالهداية إلى الطريق الموصل إليه سبحانه والهداية فيه ، وهي هداية التفصيل ، وخلق القدرة على الفعل وإرادته وتكوينه ، وتوفيقه لإيقاعه له على الوجه المرضي المحبوب للرب ؛ وحفظه عليه من مفسداته حال فعله ، وبعد فعله .
                              ولما كان العبد مفتقرًا في كل حال إلى هذه الهداية في جميع ما يأتيه ويذره من أمور قد أتاها على غير الهداية , فهو يحتاج إلى التوبة منها , وأمور هُدي إلى أصلها دون تفصيلها ، أو هُدي إليها من وجه دون وجه , فهو يحتاج إلى إتمام الهداية فيها ليزداد هدى , وأمور هو يحتاج إلى أن يحصل له من الهداية فيها بالمستقبل ، مثل ما حصل له في الماضي , وأمور هو خال عن اعتقاد فيها ، فهو يحتاج إلى الهداية فيها , وأمور لم يفعلها ، فهو يحتاج إلى فعلها على وجه الهداية , وأمور قد هُدي إلى الاعتقاد الحق والعمل الصواب فيها ، فهو محتاج إلى الثبات عليها ... إلى غير ذلك من أنواع الهدايات - فَرَضَ الله سبحانه عليه أن يسأله هذه الهداية ، في أفضل أحواله ، مرات متعددة في اليوم والليلة , ثم بيَّن أن أهل هذه الهداية هم المختصون بنعمته دون المغضوب عليهم ، وهم الذين عرفوا الحقَّ ولم يتبعوه , ودون الضالين ، وهم الذين عبدوا الله بغير علم ؛ فالطائفتان اشتركتا في القول في خلقه وأمره وأسمائه وصفاته بغير علم .
                              فسبيل المنعَمِ عليه مغايِرة لسبيل أهل الباطل كلها ، علمًا وعملًا .
                              د . محمد عطية

                              تعليق

                              19,961
                              الاعــضـــاء
                              231,880
                              الـمــواضـيــع
                              42,542
                              الــمــشـــاركـــات
                              يعمل...
                              X