إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • من مشاهد يوم القيامة

    من مشاهد يوم القيامة
    إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما.. أما بعد:
    فالإيمان باليوم الآخر وما يشتمل عليه من أصول الإيمان الذي لا يصح إيمان عبد إلا به، فالساعة حق ومجيئها حتم، ] يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيد[ (الشورى: 18).
    والحديث عن اليوم الآخر حديث عن العدل المطلق ، لأنه اليوم الذي ترد فيه الحقوق إلى أهلها، ويقتص فيه من الظالم للمظلوم، ومن الحاكم للمحكوم، ومن القوي للضعيف. يومٌ ليس فيه رشوة ولا واسطة ولا شفاعة لظالم ولا ملك لأحد إلا لله تعالى: ] يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ. الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ[ (غافر: 16، 17) . يومٌ يتمنى الظالم أن لم يكن ظلم ، ] يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ[ (آل عمران: 30) .
    واليوم الآخر هو ذلك اليوم الذي يجمع الله فيه الأولين والآخرين ، ليوقفوا في مشهد مهيب رعيب في انتظار الفصل بينهم ، ] يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ[ (إبراهيم: 48). يومٌ تدنو فيه الشمس من الرؤوس، ويبلغ العرق فيه عند بعض العباد إلى الآذان، وينسى فيه الخليل خليله، ويفر فيه الحبيب من حبيبه: ] يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ. وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ. وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ. لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ[ (عبس: 34: 37). يومٌ تنكس فيه رؤوس المجرمين ] خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ[ (الشورى: 45) ، ] وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ[ (السجدة: 12). يومٌ تخشع فيه الأصوات فلا يُسمع من هذا الجمع العظيم إلا همسًا ] يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا[ (طـه: 108). يومٌ يتمنى فيه الكافر أن يعود إلى الدنيا ليؤمن ] وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ . بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ[ (الأنعام: 27، 28) .
    إنه يوم الخروج ] يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ[ (المعارج: 43) ، ] خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ[ (القمر: 7) .
    ويوم الحاقة الذي يحق فيه الحق ، وقيل لأنه لا شك فيه .
    ويوم القارعة التي تقرع الخلائق بأهوالها وأفزاعها .
    ويوم الجمع الذي يجمع فيه الأولون والآخرون .
    ويوم الفصل الذي يفصل فيه بين الخلائق .
    ويوم الحساب الذي يحاسب فيه كل أحد بما كسب ] الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ[ (غافر: 17) .
    ويوم التلاق الذي يتلاقى فيه الأولون والآخرون ، ويلتقي فيه أهل السماء بأهل الأرض، ويلتقي فيه الظالم بالمظلوم .
    ويوم الحسرة : يوم يتحسر الجميع مؤمنهم وكافرهم ، طائعهم وعاصيهم ، فالمؤمن الطائع يتحسر أن لم يزدد من طاعته ، والعاص يتحسر على معصيته ، والكافر يتحسر أن لم يكن آمن ، ] وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ. إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ[ (مريم: 39، 40) .
    ويوم التناد يوم ينادي الناس بعضهم بعضًا ؛ فينادي أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم ، وينادي أصحاب الجنة أصحاب النار: ]أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا[ (الأعراف: 44)، وينادي أصحاب النار أصحاب الجنة: ]أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّه[ (الأعراف: 50) ، وتنادي الملائكة أصحاب الجنة : ]أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ[ (الأعراف: 43) إلى غير ذلك من النداءات .
    ويوم التغابن لأنه غبن فيه أهل الجنة أهل النار ، أي أن أهل الجنة أخذوا الجنة وأخذ أهل النارِ النار على طريق المبادلة ؛ فوقع الغبن لأجل مبادلتهم الخير بالشر والنعيم بالعذاب . يقال : غبنت فلانا إذا بايعته أو شاريته فكان النقص عليه والغلبة لك .
    ويوم الوعيد وهو الذي توعد الله تعالى فيه الكافرين بالنار والعاصين بالعذاب .
    ويوم الخلود ، أي : يوم يخلد أهل الجنة في الجنة ، في نعيم مقيم ؛ ويخلد أهل النار في النار ، في عذاب مقيم .
    ] إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ [ (هود: 103).
    ولحكمة أرادها الله تعالى جاء ذكر الساعة في كثير من سور القرآن ، طوالها وأوساطها وقصارها ، كما جاء في السورة التي يقرأها كل المسلمين في كل ركعة من صلاتهم : ] مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [ (الفاتحة: 4) .
    ولعل ذلك للتذكير بها في كل وقت ، مما يجعل المسلم في مراقبة دائمة لله تعالى .
    د . محمد عطية

  • #2
    مـثِّل لنفسكَ أيـها المغـرورُ ... يـوم القيامـة والسماءُ تمـورُ
    إذ كُوِّرَتْ شمس النهار وأدنيتْ ... حتى على رأس العـبادِ تسـيرُ
    وإذا النجومُ تساقطتْ وتناثرتْ ... وتبدلتْ بعـد الضياءِ كـدورُ
    وإذا البحارُ تفجرتْ من خوفِها ... ورأيتَها مِـثْلَ الجحيمِ تفـورُ
    وإذا الجبالُ تقلعتْ بأصـولها ... فرأيتَها مِـثْلَ السحابِ تسـيرُ
    وإذا العشارُ تعطلتْ وتخربتْ ... خلـتِ الديارُ فما بها معمـورُ
    وإذا الوحوشُ لدى القيامةِ أحشرتْ ... وتقولُ للأملاكِ أين نسيرُ
    وإذا تقاةُ المسلمين تزوجـتْ ... من حـورِ عـينِ زانهن شعورُ
    وإذا المؤودةُ سُئِّلت عن شـأنها ... بأي ذنـبٍ قـتْلَها ميسـورُ
    وإذا الجليلُ طوى السما بيمينهِ ... طـيَّ السجلِّ كتابَه المنشـورُ
    وإذا الصحائفُ نُشِّرت وتطايرت ... وتهتكـتْ للمؤمنين سـتورُ
    وإذا السماءُ تكشطتْ عن أهلِها ... ورأيتَ أفـلاكَ السماءِ تـدورُ
    وإذا الجحيمُ تسـعرتْ نيرانُها ... فلها على أهـلِ الذنوبِ زفـيرُ
    وإذا الجنانُ تزخرفتْ وتطيبتْ ... لفتىً على طـولِ البلاءِ صـبورُ
    وإذا الجنينُ بأمـهِ متعلـقٌ ... يخشى القصاصَ وقلبه مذعـورُ
    هذا بلا ذنبٍ يخافُ جنايةً ... كيفَ المصرُّ على الذنوبِ دهورُ
    اللهم سلمِّنا ، وسلِّم منا ... آمييييين
    د . محمد عطية

    تعليق


    • #3
      استئثار الله تعالى بعلم الساعة

      يوم القيامة مما استأثر الله تعالى بعلمه ، فلم يَطَّلَعَ على علمه ملكٌ مقرَّب ، ولا نبي مرسل ، ولا يعلم وقته إلا الله Y ، قال الله تعالى : ] يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلا بَغْتَةً يَسْأَلونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ[ (الأعراف: 187) ، وقال I : ] يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا [ (الأحزاب: 63) ، وقال : ] يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا. فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا. إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا . إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا . كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا[ (النازعات : 42 - 46) ، وقال U : ] إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [ (لقمان: 34) .
      وفي رواية أبي هريرة t لحديث جبريل u : " قال : يا رسول الله متى الساعة ؟ قال : ما المسئول عنها بأعلم من السائل ! ولكن سأحدثك عن أشراطها : إذا ولدت الأمة ربها ، فذاك من أشراطها ، وإذا كانت العراة الحفاة رءوس الناس ، فذاك من أشراطها ، وإذا تطاول رعاء البهم في البنيان ، فذاك من أشراطها ، في خمس لا يعلمهن إلا الله ؛ ثم تلا e : ] إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [ . قال: ثم أدبر الرجل فقال رسول اللهe:" ردوا علي الرجل". فأخذوا ليردوه فلم يروا شيئا فقال رسول الله e : " هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم " رواه أحمد والشيخان ([1]). فدلَّ ذلك على أن الله تعالى استأثر بعلمها وحده ، فلا ملك مقرب ولا نبي مرسل عنده علم بتوقيتها . ولذلك كان النبي e إذا سئل عن الساعة إما أن يجيب ببعض أشراطها ، أو يصرف السائل إلى ما هو أهم له في دينه وهو الاستعداد لها. ومن الأول ، ما روى أحمد والبخاري عن أبي هريرة t قال : بينما النبي e في مجلس يحدث القوم ، جاءه أعرابي فقال : متى الساعة ؟ فمضى رسول الله e يحدث فقال بعض القوم : سمع ما قال فكره ما قال ، وقال بعضهم : بل لم يسمع ؛ حتى إذا قضى حديثه قال : " أين أراه السائل عن الساعة ؟ " ، قال : ها أنا يا رسول الله . قال : " فإذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة ". قال : كيف إضاعتها ؟ قال : " إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة" ( [2] ). ومن الثاني : ما روى أحمد والشيخان عن أنس t أن رجلا سأل النبي e عن الساعة فقال: متى الساعة ؟ قال : " وماذا أعددت لها " ، قال : لا شيء ، إلا أني أحب الله ورسوله e . فقال : " أنت مع من أحببت " ، قال أنس : فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي e : " أنت مع من أحببت " ؛ قال أنس t : فأنا أحب النبي e وأبا بكر وعمر ، وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم ، وإن لم أعمل بمثل أعمالهم ( [3] ).
      وعلى ذلك ، فكل ما يطلع على الناس بين الحين والآخر على ألسنة بعض من لا علم عندهم من تحديد لميعاد يوم القيامة ، ما هو إلا تخرصات وأكاذيب لا دليل عليها . والله تعالى يقول : ] قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين[ (البقرة: 111، والنمل: 64).
      ولما كان الإيمان بالساعة وأشراطها من الإيمان بالغيب ، كان الكلام عنه موقوفًا على ما صح به الدليل من كتاب الله وسنة رسوله e ، فهو مما يثبت بالوحي لا بالعقل ، وإن كانت الأدلة العقلية تساند الأدلة النقلية ولا تعارضها ، بل يتضافران على أنه لابد من الإيمان باليوم الآخر ، وقد وقع مما أخبر به النبي e من علامات الساعة ، مما آمن به المؤمنون وكفر به الكافرون ، ليكون الواقع الذي شوهد دليلا على الغائب الذي لم يقع ، فكله حق وصدق ، وتلك من قضايا الإيمان ؛ والذين ينكرون ذلك ليس عندهم أثارة من علم .

      1 – أحمد: 2 / 426، والبخاري (50، 4777)، ومسلم (9، 10). ورواه النسائي (499)، وابن ماجة (64، 4044)، وغيرهم.

      [2] - أحمد : 2 / 361، والبخاري (59، 6496) . ورواه ابن حبان (104) .

      [3] - أحمد في مواضع منها: 3 / 165، 208، والبخاري في مواضع منها (3688)، ومسلم (2639). ورواه أبو داود (5127)، والترمذي (2385)، وغيرهم.
      د . محمد عطية

      تعليق


      • #4
        الرد على من ينكر الساعة
        الذين لا يؤمنون بالغيبيات ، ولا يؤمنون إلا بالمحسوسات تبعًا لأوهام وشبهات لشياطين الإنس والجن ، وبالتالي فهم يكذبون بأشراط الساعة،ويكذبونبيومالحساب،نسألههم: أرأيت الروح منك أو من غيرك ؟ فإن قال : آثارها موجودة ، قيل : وتلك التي أخبر بها الوحي ووقعت - كالتطاول في البنيان ، وظهور الكاسيات العاريات ، وفشو الربا ، وانتشار الزنا ، وغير ذلك مما أخبر به المعصوم r فأصبح عينًا بعد خبر - أليست موجودة مشاهدة بعد أن كانت غيبًا ؟! ويقال لأحدهم : أين عقلك وفهمك إذا غلبك النوم ؟
        إن الغيبيات التي أخبر بها الشرع المطهر هي قضايا الإيمان ، والذين يريدون أن يشككوا في ذلك إنما يرومون تشكيك المؤمنين في إيمانهم ، وهيهات هيهات ، فالإيمان الصادق لا يتأثر بمثل هذه الشبهات .
        ولهذا فإن هؤلاء حين تخرج الشمس من مغربها ، ويراها الناس يؤمنون أجمعون ، ولكن ولات حين مناص : ] يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ [ ( الأنعام : 158 ) .
        د . محمد عطية

        تعليق


        • #5
          شبهة والرد عليها
          يثير المنكرون باليوم الآخر شبهة مؤداها أن الإيمان بالآخرة يدعو الناس إلى السلبية في الحياة الدنيا ، وإلى إهمال هذه الحياة وتركها بلا جهد لتحسينها وإصلاحها ، وإلى تركها للطغاة والمفسدين تطلعًا إلى نعيم الآخرة ..
          والذين يفترون هذا الافتراء يضيفون على الافتراء الجهالة ! فهم يخلطون بين عقيدة الآخرة كما هي في التصورات الكنسية وعقيدة الآخرة في دين الله القويم ؛ فالدنيا في - التصور الإسلامي - هي مزرعة الآخرة ، والجهاد في الحياة الدنيا لإصلاح هذه الحياة ودفع الشر عنها ، ومدافعة الطواغيت لرد الاعتداء عن سلطان الله فيها ، وتحقيق العدل والخير للناس جميعًا ؛ كل أولئك هو زاد الآخرة ، وهو الذي يفتح للمجاهدين أبواب الجنة ، ويعوضهم عما فقدوا في صراع الباطل ، وما أصابهم من الأذى .
          فكيف يتفق لعقيدة هذه تصوراتها أن يدع أهلها الحياة الدنيا تركد وتأسن أو تفسد وتختل ، أو يشيع فيها الظلم والطغيان ، أو تتخلف في الصلاح والعمران ، وهم يرجون الآخرة ، وينتظرون فيها الجزاء من الله تعالى ؟! ([1]) .
          وإنما سبيلهم إلى هذا الجزاء عمارة الأرض وفق منهج الله تعالى .

          [1] - بتصرف من ( اليوم الآخر في ظلال القرآن ) ص 5، 6.
          د . محمد عطية

          تعليق


          • #6
            تعريف اليوم الآخر
            اليوم الآخر هو يوم القيامة ، سمي بذلك لأنه آخر أيام الدنيا ؛ وأول ذلك دخول الإنسان قبره ، لما روى أحمد وابن ماجة والترمذي وحسنه عن عثمان t أنه كان إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته ، فقيل له : تذكر الجنة والنار فلا تبكي ، وتبكي من هذا ؟ فقال : إن رسول الله e قال : " القبر أول منازل الآخرة ، فإن ينج منه ، فما بعده أيسر منه ، وإن لم ينج منه ، فما بعده أشد منه " ( [1] ).
            وقيل: أول ذلك من النشر ، أي : الخروج من القبور .
            والجمع بينهما بأن دخول القبر أولية خاصة ، بالنسبة للمقبور ؛ والنشر أولية عامة ، للأولين والآخرين .. والعلم عند الله تعالى .
            واتفق على أن آخره : استقرار أهل الجنة في الجنة ، واستقرار أهل النار - الذين هم أهلها – فيها .

            1 – أحمد : 1 / 63، والترمذي (2308) ، وابن ماجة (4267) ، ورواه الحاكم : 4 / 330، 331 ، وصححه ووافقه الذهبي .
            د . محمد عطية

            تعليق


            • #7
              معنى الإيمان باليوم الآخر
              التصديق الجازم بيوم القيامة وما يتعلق به من مقدمات ومشتملات ، أما المقدمات : فعلامات الساعة ؛ وأما المشتملات : فالموت وما بعده من قبر وحياة البرزخ ، والنفخ في الصور ، والبعث والنشور ، والعرض ، والحساب ، والميزان ، والشفاعة ، والحوض ، والصراط ، والجنة والنار . نسأل الله الكريم الجنة ونعوذ به من النار .
              قال الله تعالى : ] وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [ ( البقرة : 4 ) ، وقال سبحانه : ] وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ [ ( البقرة : 177 ) ، وقال تعالى : ] فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [ (آل عمران: 25) .
              وقد أجمعت الأمة على أن الإيمان باليوم الآخر ركن من أركان الإيمان ، من أنكره فهو كافر .
              د . محمد عطية

              تعليق


              • #8
                آثار الإيمان باليوم الآخر
                الإيمان باليوم الآخر من المهمات في حياة المسلم ، إذ الإيمان بالله العظيم يحقق له المعرفة بالله تعالى ، الذي أوجد هذا الكون بما فيه من مخلوقات مرئية وغير مرئية ، وما يجب على الإنسان أن يفعله من أداء لحق الخالق العظيم .
                والإيمان باليوم الآخر يحقق المعرفة بالمصير الذي ينتهي إليه هذا الوجود ، وعلى ضوء هذا يحدد الإنسان هدفه وغايته ، ويتخذ الوسائل للوصول إلى الغاية المنشودة ، ومتى فقد الإنسان هذه المعرفة فسوف يعيش بلا هدف ولا غاية ، وحينئذ يفقد سموه الروحي وفضائله العليا ، فيعيش كما تعيش البهائم .
                ومن أعظم آثار الإيمان باليوم الآخر السعادة في الدنيا ، الموصولة بسعادة الآخرة ؛ إذ السعادة في الدنيا مرتبطة بطيب النفس ، والرضا بالمقدور ، طلبًا لما وراء ذلك من النعيم المقيم ، الذي لا يحول ولا يزول ، ولا يكون ذلك إلى بالإيمان باليوم الآخر ، الذي يكون فيه هذا الجزاء ؛ والسعادة في الآخرة مربوطة بالنجاة يوم القيامة من عذاب الله تعالى ، قال الله تعالى: ] وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [ (هود: 108) .
                وأما المكذبون باليوم الآخر فمتوعدون بالويل ، وهو الهلاك والعذاب ، قال الله تعالى : ] وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ . الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ . وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ [ (المطففين 10 : 12) .... اللهم سلِّمنا ، وسلِّم منا ... آمييييين .
                د . محمد عطية

                تعليق


                • #9
                  علامات الساعة
                  الحديث عن مشاهد يوم القيامة لا بد له من تمهيد نذكر فيه بعض ما يتعلق بعلامات الساعة ، قال الله تعالى: ] فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا[ ( محمد : 18 ) ، والأشراط : العلامات ؛ وقد بيَّن القرآن الكريم بعض هذه العلامات : كخروج الدابة ، ونزول عيسى ابن مريم e ، وخروج يأجوج ومأجوج .
                  وأخبر النبي e أمته بما يكون إلى قيام الساعة ، فروى أحمد والشيخان عن حذيفة t قال: لقد خطبنا النبي e خطبة ما ترك فيها شيئًا إلى قيام الساعة إلا ذكره ، علمه من علمه وجهله من جهله ، إن كنت لأرى الشيء قد نسيته فأعرفه كما يعرف الرجل إذا غاب عنه فرآه فعرفه ( [1] ) ؛ ولهذا جاءت أحاديث كثيرة تتحدث عن أشراط الساعة .
                  وقد قسم العلماء أشراط الساعة إلى : أشراط صغرى ، وأشراط كبرى .
                  وقسموا الأشراط الصغرى إلى ثلاثة أقسام : قسم ظهر وانقضى ، وقسم ظهر ولا زال يتتابع ويكثر ، وقسم لم يظهر بعد . أما العلامات الكبرى فلم يظهر بعد منها شيء .
                  وهذا التقسيم لأهل العلم لا يعني أنه لابد للعلامات الصغرى أن تنقضي قبل أن تظهر علامةٌ كبرى ، فقد تظهر بعض العلامات الكبرى ، ثم تتابع بعد ذلك من الصغرى والكبرى ما شاء الله أن يكون ؛ وكذلك ترتيب كثير من الأشراط هو اجتهاد ممن رتبها من أهل العلم ، لأنه لم يأتِ في ترتيب كثير منها شيء عن المعصوم e .
                  ولسنا هنا بصدد التفصيل في ذكر علامات الساعة ، فقد صنف فيها كثير من أهل العلم ، ولكنا نذكر ما هو متصل بمشاهد يوم القيامة ؛ وأول ما نتحدث عنه :

                  [1] - أحمد: 5 / 385، والبخاري (6604)، ومسلم (2891).
                  د . محمد عطية

                  تعليق


                  • #10
                    الريح التي تقبض أرواح المؤمنين
                    قضى الله تعالى أن تقوم الساعة على شرار الناس، روى أحمد ومسلم عن ابن مسعود t عن النبي e قال : " لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس" ( [1] ) .
                    وروى أحمد والطبراني والحاكم وصححه ، ووافقه الذهبي ، عن عِلْباء السلمي t أن رسول الله e قال : " لا تقوم الساعة إلا على حثالة الناس " ( [2] ) .
                    ولهذا وبعد توالي فتن آخر الزمان وأشراط الساعة ، ومن ذلك موت نبي الله عيسى e وطلوع الشمس من مغربها ، وخروج الدابة ، والخسوف ، والدخان ، يرسل الله تعالى ريحًا باردة طيبة ألين من الحرير ، لا تدع أحدًا في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته ؛ فقد روى مسلم عن عائشة - – قالت : سمعت رسول الله e يقول : " لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى " ؛ فقلت: يا رسول الله ! إن كنت لأظن حين أنزل الله : ] هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [ ( التوبة :33 ، والصف : 9 ) ، أن ذلك تامًا ! قال : " إنه سيكون من ذلك ما شاء الله ، ثم يبعث الله ريحًا طيبة ، فتوفي كل من في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان ، فيبقى من لا خير فيه ، فيرجعون إلى دين آبائهم" ( [3] ) .
                    وفي حديث النواس بن سمعان t الذي رواه أحمد ومسلم : ".. فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحًا طيبة ، فتأخذهم تحت آباطهم ، فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم ، ويبقى شرار الناس ، يتهارجون فيها تهارج الحمر ، فعليهم تقوم الساعة " ( [4] ) .
                    وروى أحمد ومسلم عن عبد الله بن عمرو - – قال : قال رسول الله e : ".. ثم يرسل الله ريحًا باردة ، من قبل الشام ، فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته ، حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلته عليه حتى تقبضه " قال : سمعتها من رسول الله e قال : " فيبقى شرار الناس ، في خفة الطير وأحلام السباع ، لا يعرفون معروفًا ، ولا ينكرون منكرًا ، فيتمثل لهم الشيطان فيقول : ألا تستجيبون ؟ فيقولون : فما تأمرنا ؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان ، وهم في ذلك دارٌّ رزقهم ، حسن عيشهم ، ثم ينفخ في الصور..." الحديث ( [5] ) .
                    وعند مسلم عن أبي هريرة t أن رسول الله e قال : " إن الله يبعث ريحًا من اليمن ألين من الحرير ، فلا تدع أحدًا في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته " ( [6] ) ؛ ورواه أبو يعلى ومن طريقه ابن حبان بلفظ : " لا تقوم الساعة حتى تبعث ريح حمراء من قبل اليمن ، فيكفت الله بها كل نفس تؤمن بالله واليوم الآخر ، وما ينكرها الناس من قلة من يموت فيها : مات شيخ في بني فلان ، وماتت عجوز في بني فلان ؛ ويُسرى على كتاب الله فيرفع إلى السماء ، فلا يبقى في الأرض منه آية ، وتقيء الأرض أفلاذ كبدها من الذهب والفضة ، ولا ينتفع بها بعد ذلك اليوم ، يمر بها الرجل فيضربها برجله ويقول : في هذه كان يقتتل من كان قبلنا ، وأصبحت اليوم لا ينتفع بها " ( [7] ) .
                    وقد يبدو من ظاهر هذه الأحاديث تعارض ، ففي حديث أبي هريرة : " ريحًا من اليمن " ، وفى حديث ابن عمرو : " من قبل الشام " ؛ قال النووي - : ويجاب عن هذا بوجهين ؛ أحدهما : يحتمل أنهما ريحان شامية ويمانية ، ويحتمل أن مبدأها من أحد الإقليمين ، ثم تصل الآخر وتنتشر عنده ، والله أعلم .ا.هـ ( [8] ) .
                    وبعد قبض المؤمنين ، يبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع ( [9] ) ، لا يعرفون معروفًا ، ولا ينكرون منكرًا ، يتهارجون تهارج الحمر ، يأمرهم الشيطان فيعبدون الأصنام ، ولا يبقى على الأرض من يقول : الله ، الله ؛ وعلى هؤلاء الشرار تقوم الساعة .

                    [1] - أحمد: 1 / 394، 435، ومسلم (2949).

                    [2] - أحمد: 3 / 499، والطبراني في الكبير: 18 / 84 (156)، والحاكم (8517) وصححه.

                    [3] - مسلم ( 2907 ) .

                    [4] - أحمد : 4 / 181 ، ومسلم ( 2937 ) .

                    [5] - مسلم ( 2940 ) .

                    [6] - مسلم ( 117 ) .

                    [7] - أبو يعلى ( 6203 ) ، وابن حبان ( 6853 ) .

                    [8] - انظر المنهاج شرح مسلم للنووي: 2 / 133.

                    [9] - قال النووي في شرح مسلم: 18 / 76: قال العلماء : معناه يكونون فى سرعتهم الى الشرور وقضاء الشهوات والفساد كطيران الطير ، وفى العدوان وظلم بعضهم بعضًا في أخلاق السباع العادية .
                    د . محمد عطية

                    تعليق


                    • #11
                      النار التي تحشر الناس إلى محشرهم في آخر الزمان
                      الحشر لغة هو الجمع والضم ، واصطلاحًا : هو جمع الناس وضمهم إلى محشرهم ، أي : مكان جمعهم .
                      وأقسام الحشر أربعة : اثنان في الدنيا ، واثنان في الآخرة ؛ أما اللذان في الدنيا فأولهما ما ذكره الله تعالى في سورة الحشر : قال تعالى : ] هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ [ ( الحشر : 2 ) ، وهذا كان في يهود بني النضير ؛ وأما الحشر الثاني : فهو موضوع حديثنا هنا ، وهو حشر الناس في آخر الزمان إلى أرض المحشر ببيت المقدس .
                      وأما الحشران يوم القيامة :
                      فالأول : الحشر إلى موقف القيامة ، كقوله تعالى : ] وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا [ ( الكهف : 47 ) ، وكقول النبي e : " يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا " ( [1] ) ، وهذا يكون بعد البعث .
                      والثاني : حشر الناس إلى دار المستقر : فحشر المتقين جمعهم وضمهم إلى الجنة ، قال تعالى : ] يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا [ (مريم: 85) .
                      وحشر الكافرين جمعهم وضمهم إلى النار ، قال تعالى : ] احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ. مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ [ ( الصافات : 22 ، 23 ) ؛ فهذا الحشر هو بعد حشرهم إلى الموقف ، وهو آخر ما يكون من أمر الناس قبل ذبح الموت .

                      [1] - البخاري (6527)، ومسلم (2859) عن عائشة .
                      د . محمد عطية

                      تعليق


                      • #12
                        وحديثنا هنا عن حشر الناس إلى أرض المحشر عند بيت المقدس في آخر الزمان ، فعن سمرة بن جندب t أن رسول الله e كان يقول لنا : " إنكم تحشرون إلى بيت المقدس ، ثم تجتمعون يوم القيامة " رواه الطبراني ( [1] ) .
                        وروى ابن ماجة وأبو يعلى والطبراني عن ميمونة بنت سعد - - مولاة النبي e قالت : يا رسول الله ، أفتنا في بيت المقدس ؟ قال : " هو أرض المحشر ، وأرض المنشر ، ائتوه فصلوا فيه ، فإن صلاة فيه كألف صلاة " قلنا : يا رسول الله ! فمن لم يستطع أن يتحمل إليه ؟ قال :" من لم يستطع أن يأتيه فليهد إليه زيتًا يسرج فيه ، فإن من أهدى إليه زيتًا كان كمن قد أتاه " وإسناده صحيح ( [2] ) .
                        فإذا أذن الله تعالى لجمع الناس إلى محشرهم ، أخرج النار التي تطردهم طردًا إلى أرض المحشر ، وتخرج هذه النار من قعر عدن ، كما في حديث حذيفة ابن أسيد t عند أحمد ومسلم : ".. وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم" ؛ وفي رواية : " ونار تخرج من قعرة عدن ترحل الناس" ( [3] ) .
                        وروى أحمد والترمذي وصححه وابن حبان عن عبد الله بن عمر - – قال : قال رسول الله e : " ستخرج نار من حضرموت - أو من نحو حضرموت - قبل يوم القيامة ، تحشر الناس" ، قالوا : يا رسول الله ، فما تأمرنا ؟ قال : " عليكم بالشام " ( [4] ) .
                        وروى أحمد وابن حبان والحاكم وصححه ووافقه الذهبي عن أبي ذر قال : أقبلنا مع رسول الله e فرأينا ذا الحليفة ، فتعجل رجال إلى المدينة ، وبات رسول الله e وبتنا معه ، فلما أصبح سأل عنهم ، فقيل : تعجلوا إلى المدينة ، فقال : " تعجلوا إلى المدينة والنساء، أما إنهم سيدعونها أحسن ما كانت " ، ثم قال : " ليت شعري متى تخرج نارمن اليمن من جبل الوراق ، تضيء بها أعناق الإبل بروكا ( [5] ) ببصرى كضوء النهار" ( [6] ) .
                        وروى أحمد والبخاري عن أنس t قال : بلغ عبد الله بن سلام مقدم رسول الله e المدينة ، فأتاه فقال : إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي : ما أول أشراط الساعة ؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة ؟ ومن أي شيء ينزع الولد إلى أبيه ؟ ومن أي شيء ينزع إلى أخواله ؟ فقال رسول الله e : " أخبرني بهن آنفا جبريل " فقال عبد الله : ذاك عدو اليهود من الملائكة ! فقال رسول الله e : " أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب..." الحديث ( [7] ) ، ورواه ابن أبي شيبة عن أنس أن عبد الله بن سلام سأل النبي e : ما أول أشراط الساعة ؟ فقال : " أخبرني جبريل آنفًا أن نارًا تحشرهم من قبل المشرق " وإسناده حسن ، ورواه الطيالسي عن أنس عن النبي e قال : " أول شيء يحشر الناس نار تحشرهم من المشرق إلى المغرب " ( [8] ) .
                        وقد يبدو بين ظاهر هذه الأحاديث تعارض ، في كون هذه النار أول العلامات أو آخرها : ففي حديث حذيفة بن أسيد t : " وآخر ذلك نار " ، وفي حديث أنس t : " أما أول أشراط الساعة فنار " ، وقد أجاب عن ذلك ابن حجر – - في ( الفتح ) فقال : ويجمع بينها بأن آخريتها باعتبار ما ذكر معها من الآيات ، وأوليتها باعتبار أنها أول الآيات التي لا شيء بعدها من أمور الدنيا أصلا ، بل يقع بانتهائها النفخ في الصور ، بخلاف ما ذكر معها ، فإنه يبقى بعد كل آية منها أشياء من أمور الدنيا . ا.هـ ([9]) .
                        وكذلك في مكان خروجها ففي حديث حذيفة t أنها : " تخرج من قعرة عدن " ، وفي حديث ابن عمر - : " من حضرموت ، أو من نحو حضرموت " ، وفي حديث أنس t : " تحشر الناس من المشرق إلى المغرب " ؛ قال ابن حجر – : ‎وأما كونها تخرج من قعر عدن ، فلا ينافي حشرها الناس من المشرق إلى المغرب ، وذلك أن ابتداء خروجها من قعر عدن ، فإذا خرجت انتشرت في الأرض كلها ، والمراد بقوله : " تحشر الناس من المشرق إلى المغرب " إرادة تعميم الحشر ، لا خصوص المشرق والمغرب ، أو أنها بعد الانتشار أول ما تحشر تحشرُ أهل المشرق ، ويؤيد ذلك أن ابتداء الفتن دائما من المشرق ، وأما جعل الغاية إلى المغرب فلأن الشام بالنسبة إلى المشرق مغرب .ا.هـ. بتصرف( [10] ) .

                        [1] - الطبراني في الكبير: 7 / 264 (7076)، وإسناده حسن.

                        [2] - أحمد: 6 / 463، ابن ماجة (1407)، وأبو يعلى (7088).

                        [3] - أحمد: 4 / 6، 7، ومسلم (2901)، وأبو داود (4311)، والترمذي (2183).

                        [4] - أحمد: 2 / 8، والترمذي (2217) وصححه، وابن حبان كما في موارد الظمآن (2312).

                        [5] - أي الإبل في حال بروكها.

                        [6] - أحمد: 5 / 144، ابن حبان (6841)، والحاكم: (8366).

                        [7] - أحمد: 3 / 189، والبخاري (3329، 3938، 4480). ولفظ البخاري: بلغ عبد الله بن سلام مقدم رسول الله المدينة فأتاه فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي، قال: ما أول أشراط الساعة ؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة، ومن أي شيء ينزع الولد إلى أخواله، فقال :" خبرني بهن آنفا جبريل، قال عبد الله: ذاك عدو البهود من الملائكة، فقال : أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب؛ وأما أول طعام أهل الجنة فزيادة كبد حوت؛ وأما الشبه في الولد: فإن الرجل إذا غشِيَ المرأة فسبقها ماؤه كان الشبه له، وإن سبق ماؤها كان الشبه لها" قال: أشهد أنك رسول الله.

                        [8] - مصنف ابن أبي شيبة (37316)، والطيالسي (2050).

                        [9] - فتح الباري: 13 / 82.

                        [10] - فتح الباري: 11 / 378، 379.
                        د . محمد عطية

                        تعليق


                        • #13
                          صفة الحشر
                          وأما صفة هذا الحشر فروى الشيخان عن أبي هريرة t قال : قال رسول الله e : " يحشر الناس يوم القيامة على ثلاث طرائق : راغبين راهبين ، واثنان على بعير ، وثلاثة على بعير ، وأربعة على بعير ، وعشرة على بعير ، وتحشر بقيتهم النار ، تقيل معهم حيث قالوا ، وتبيت معهم حيث باتوا ، وتصبح معهم حيث أصبحوا ، وتمسي معهم حيث أمسوا " ( [1] ) .
                          وروى الطبراني والحاكم وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي عن عبد الله بن عمرو t قال : قال رسول الله e : " تبعث نار على أهل المشرق ، فتحشرهم إلى المغرب ، تبيت معهم حيث باتوا ، وتقيل معهم حيث قالوا ، يكون لها ما سقط منهم وتخلف ، وتسوقهم سوق الجمل الكسير " ( [2] ) .
                          وروى أحمد والترمذي والطبراني والحاكم وصححه ووافقه الذهبي عن معاوية بن حيدة t قال : قلت : يا رسول الله أين تأمرني ؟ قال : " ههنا " ، ونحا بيده نحو الشام ، قال : " إنكم محشورون رجالا ، وركبانا ، وتجرون على وجوهكم " ( [3] ) .

                          [1] - البخاري (6522)، ومسلم (2861).

                          [2] - الطبراني في الأوسط (8092)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: 8 / 12: رجاله ثقات. ا.هـ. ورواه الحاكم (8414، 8647).

                          [3] - أحمد: 5 / 3، 5، والترمذي (2424) وصححه، والطبراني في الكبير: 19 / 408 (974)، والحاكم (8686).
                          د . محمد عطية

                          تعليق


                          • #14
                            زمن هذا الحشر
                            من هذه الأحاديث تبيَّن أن الحشر المقصود هنا قبيل يوم القيامة ، وهو إلى أرض المحشر بالشام ، وأن سرعة الحشر بطيئة كالجمل الكسير ، وأن النار تقف عن الحركة عند البيات والقيلولة ، وأن الناس في حشرهم هذا طرائق ثلاث :
                            الأولى : راغبين راهبين ، أي : راغبين في النجاة راهبين من النار .
                            والثانية : يعتقبون على البعير الاثنان والثلاثة والأربعة والعشرة .
                            والثالثة : تحشرهم النار فتحيط بهم من ورائهم وتسوقهم إلى المحشر من كل جانب ؛ ومن يتخلف تأكله .
                            د . محمد عطية

                            تعليق


                            • #15
                              لماذا كانت الشام هي أرض المحشر ؟
                              في تعليل أن الشام هي أرض المحشر يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - - وهو يتحدث عن مناقب الشام : وفيها المسجد الأقصى ، وفيها مبعث أنبياء بني إسرائيل ، وإليها هجرة إبراهيم ، وإليها معراج ومسرى نبينا ، ومنها معراجه ، وبها ملكه وعمود دينه وكتابه ، والطائفة المنصورة من أمته ، وإليها المحشر والمعاد ، كما أن من مكة المبدأ ، فمكة أم القرى من تحتها دحيت الأرض ، والشام إليها يحشر الناس ، كما في قوله تعالى : ] لأَوَّلِ الْحَشْر [ [ الحشر : 2 ] ، نبه على الحشر الثاني ، فمكة مبدأ وإلياء معاد في الخلق ، وكذلك بدأ الأمر ، فإنه أسري بالرسول من مكة إلى إلياء ، ومبعثه ومخرج دينه من مكة ، وكمال دينه وظهوره وتمامه حتى يملكه المهدي بالشام ؛ فمكة هي الأول والشام هي الآخر في الخلق والأمر ، في الكلمات الكونية والدينية ( [1] ) ا.هـ.
                              وبعد ؛ فجملة القول أن هذه النار هي آخر العلامات المؤذنة بانتهاء الدنيا ، وأنها تحشر الناس إلى محشرهم ليصعقوا ، فليس بعدها إلا النفخ في الصور ، ثم البعث ، فهي بهذا الاعتبار أول العلامات لبدء القيامة . والعلم عند الله تعالى .

                              [1] - انظر مناقب الشام ص 78 ، تحقيق الألباني المكتب الإسلامي .
                              د . محمد عطية

                              تعليق

                              19,961
                              الاعــضـــاء
                              231,882
                              الـمــواضـيــع
                              42,540
                              الــمــشـــاركـــات
                              يعمل...
                              X