• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • النُّكت في أضرار السيول

      النُّكت في أضرار السيول
      ضمَّني مجلس مع أحد الإخوة العاملين في شؤون البيئة ، وتذاكرنا قول مجاهد (ت: 104هـ ) تعالى : " ثلاثة من الغارمين : "رجلٌ ذهب السيلٌ بماله ... " وقول أهل البادية : " إذا طلع سهيل لا تأمن السيل " ! ، وبعض المسائل العلمية المتعلِّقة بأضرار السيول من الناحية الفقهية والعلمية ، وهي بحاجة إلى لمِّ شتاتها من جميع الجوانب الحياتية والخدمية المهمة ، وتأصيل أحكامها وأدلتها ومآلاتها الشرعية ، كل بحسبه .


      ودفع أضرار السيول من العام المخصص ، فالغيث رحمة ، لكن دفع أذاه واجب للنصوص العامة لاستجلابه وطلبه ، كما هو مقرَّر عند الأصوليين، ولهذا شُرع دعاء الاستصحاء أو ما يُعرف بإيقاف المطر .
      وقد جمعتُ لُباب تلك المذاكرة في مسوَّدات في هاتفي النقَّال ، وحرَّرتُ ما تيسر لي تحريره في هذه الورقات ، وسميتها النُّكت في أضرار السيول ، عسى أن ينتفع بها كل حائرٍ وسؤول . وهذا أوان الشروع في المقصود :

      1- كيف يكون المطر مباركًا وبعض آثاره بالضدِّ من ذلك ؟ :
      هذا يُجاب عنه بقول الله سبحانه : " وينزِّل عليكم من السماء ماءًا ليطهِّركم به " ( الأنفال : 11) . فهو مبارك حقا ، وأضراره أو آثاره فيها تطهير للعباد والبلاد من الخبث ، رحمة وفضلًا من الله وتحقيقاً لعدله في ملكه . وقد تقرَّر عند الأُصوليين أن المانع قد يؤثِّر في السبب كما يؤثِّر في الحكم . فالمعصية قد تمنع بركة الغيث ، فيكون مطراً وسخطًا على بعض الناس .


      2- التحذير من السيول :
      يندب التحذير من آثار السيول أو أضرارها في وسائل الإعلام قبل وقوعها إذا أشارت الأرصاد الجوية العلمية لتوقع ذلك . وهذا من دفع القدر بالقدر ، ودفع الأسباب بمثلها ، وهو متعين شرعا وعقلا ً . وقد يكون في التحذير إحياءٌ لعشرات الأنفس التي تغفل عن أخطار السيول ويتحقق هلاكها بالإندفاع إليه . وفي المرفوع : " اللهم حوالينا ولا علينا " متفق عليه .
      خشية إهلاكه للأنفس المعصومة .


      3- الإقامة في مجاري السيول :
      تكره الاقامة في الطريق عامة سواء كان مجرى للسيل أو غيره . وقد كان الرسول ينام في الأودية لكنه ينهى عن الإقامة فيها خشية الضرر منها . وفي المرفوع : " إذا عرَّستم فاجتنبوا الطريق " أخرجه مسلم .


      4- تغيِّير الطقس :
      الأصل في التدخل البشري لتغيير الطقس بالوسائل العصرية عدم الجواز ، لكن قد يستثنى من ذلك ما تتحقَّق مصلحة البلاد به . وفي الرابط الآتي تفصيل المسألة :

      http://vb.tafsir.net/tafsir38088/
      5- إنقاذ الغريق :
      يجب إنقاذ غرقى السيول لمن قدر على ذلك . وفي مصنفات الفقهاء الإشارة إلى جواز قطع الصلاة لإنقاذ غريق أو نفسٍ معصومة . وهذا مما اتفقت الفِطر على وجوبه واقتضائه .

      6- تلف الأموال : من كان مالكاً للنصاب الشرعي للزكاة ، ثم أذهب السيل ماله ، فإن لم يكن الحول قد حال على المال ، أو حالَ ولكن لم يتمكَّن من إخراجها لعذر ، فلا إثم ولا ضمان ، وتسقط الزكاة . وهذا هو الراجح عند الفقهاء .
      وأما إن كان التلف حصل بعد الحول وبعد التمكُّن من إخراجها، وفرَّط وقصَّر في ذلك ، فتكون الزكاة قد استقرت في ذمته ، ويجب عليه دفعها إلى مستحقيها .


      7- تلف المبيع : المبيع الذي تلف بسبب السيول: إن تلف قبل قبض المشتري له انفسخ البيع ، ويكون ضمان التالف على البائع ، ويلزمه ردُّ الثمن للمشتري إن كان قد أخذه منه .
      وأما إن تلف المبيع بعد قبض المشتري للسلعة وحيازتها ، فإنه يكون من ضمان المشتري ولا يلزم البائع شيء ، لأن المبيع قد خرج من ذمته بتسليمه للمشتري .
      وأما إذا مكن البائعُ المشتري من القبض فقد قضى ما عليه، والمشتري هو المفرِّط بترك القبض ، فيكون الضمان عليه ، ولم يخالف في ذلك أحدٌ من الفقهاء .


      8- تلف رأس مال المضاربة في السيل : يكون تلفه على صاحب المال، ولا يضمن المضارِب شيئاً إذا لم يفرِّط ، لأنه في يده بمنزلة الوديعة .


      9- ثمار الزروع : للمشتري الذي سلَّم ثمنها أن يرجع على البائع بكل الثمن الذي دفعه له ، وفي المرفوع : " لَوْ بِعتَ مِنْ أخِيكَ ثَمَرا ، فَأَصَابَته جَائِحَة، فَلَا يَحِل لَكَ أَنْ تَأخُذَ مِنهُ شيئا " . أخرجه مسلم .


      10- دفع الزكاة لأهل الضرر من السيول : يصح إعطاء المتضرِّرين في السيول من الزكاة ، إذا صاروا بالتضرر من الفقراء أو الغارمين ، وهذا ما يعرف اليوم بالتعويض وحصر المستحقين له . فهو زكاة تُعطى لهم من بيت المال .


      11- تعجيل الزكاة : يجوز تعجيل زكاة العام القادم وتقديرها بالاجتهاد ، من أجل حاجة الناس ومصلحتهم الراجحة .

      12- أقساط الإجارة لكل ما ينتفع به ، التي أتلفها السيل تسقط عن المستأجر، لأن الإجارة تنفسخ بتلف العين المستأجرة ، وعلى المستأجر أُجرة ما سبق من المدة ، ويعاد له ما زاد عن ذلك إن كان دفع الأُجرة .
      ويُضاف إلى ما سبق : ما يتلف تحت يد الأجير الخاص : كالموظفين في المؤسسات والشركات ، فلا ضمان عليهم فيه ؛ لأن الأجير الخاص أمين ، فلا ضمان عليه فيما تلف في يده بلا تعدٍ ولا تفريط .
      ومثلها ما يتلف عند الأجير المشترك : كالمركبات في وِرش الإصلاح، والأقمشة في محلات الخياطة ، والملابس في المغاسل . فلا ضمان فيها .


      13- الأمانات والودائع التي تلفت في السيل : لا يضمنها المودِع إذا كان قد وضعها في حرز مثلها عادة . ولم يخالف في ذلك أحد من الفقهاء .


      14- من استعار شيئاً ثم تلف في السيل : ففي تضمينه خلاف بين الفقهاء ، والأرجح أنه لا ضمان عليه ، لأن العارية أمــانة فلا تُضمن إلا بالتعدِّي أو التفريط .


      15 - المال المغصوب الذي تلف في السيل : لا خلاف بين الفقهاء في ضمانه ؛ لأن الغاصب متعدٍّ . وعلى اليد ما أخذت حتى تؤدِّيه .


      16- لقطة السيول : كل ما فُقد في السيول سواء كان من الممتلكات التي فُقدت من أصحابها ، أو ما تم تركه عمداً لعدم القدرة على حمله ، ومثله السيارات والمعدَّات الثقيلة التي جرفهتا السيول أو البهائم الشاردة ، فله حُكم اللقطه المقرَّره شرعًا في مصنفات الأحكام .


      17- إيواء المشرَّدين بسبب السيول :
      يجب إيواء المشرَّدين ومن تقطعت بهم السبل من آثار السيول ، باسكانهم والعطف عليهم ومداواة جريحهم وتخفيف مصابهم ، وقد تقرَّر عند الأصوليين أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب . وهذا من إغاثة الملهوف وتفريج كرب المنكوبين ، وقد تقرَّر وجوبه عقلاً في كل الشرائع .


      18- تصريف السيول :
      التهاون في تصريف السيول محرم شرعاً لضرره المتعدِّي على الناس وممتلكاتهم . وهو من الفساد الذي يُهلك الحرث والنسل . ويكون التصريف بإقامة الأنابيب والمجاري الصناعية التي تقي من أضرار السيول وتحفظ مصالحهم . وهو حقُّ شرعي للرعية ، يلزم الراعي تأمينه لهم .


      19- الاستظلال عن المطر بملك الغير :
      يجوز اتقاء المطر بملك الغير دون استئذانه إذا خاف الضرر على نفسه ، ويُعدُّ هذا من طلب النجاة المأمور به شرعًا . ويُقاس هذا على من اضطر إلى طعام فامتنع صاحبه عن بذله ، فله الأخذ منه لإنقاذ نفسه من الهلكة .


      20 - جرف السيولِ للآبار والمقابر :
      من آثار السيول جرف الآبار وفتح القبور وشقِّها ، وهذا ضرر يجب إصلاحه ، ويتعيَّن ذلك على من يقوم بفرض الكفاية لتبرأ الذمة على البقية . وإهماله حرام لتفويت حقِّ الأحياء والأموات كلُّ بحسبه . ومن اللطائف هنا أن عدم إصلاح ما جرفته السيول سبب لفساد النبات والماء في باطن الأرض ، لمظنة اختلاط الماء العذب بمياه الصرف الصحي ، وتحقُّق لحصول الأذى . وهذا من تبديل النِّعم الممنوع شرعاً . وقد قال الله تعالى : " ومن يُبدِّل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب " ( البقرة : 112). وقديماً كان الطبيب إذا حلَّ ببلد ليعالج مرضاه ، نظر إلى هواء المدينة وتربتها ومائها وتدبير أهلها ، ثم يلتفت إلى المرضى بحسب ذلك . والله أعلى وأعلم .


      هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

      أ/ أحمد بن مسفر بن معجب العتيبي
      عضو هيئة التدريس بقوات الأمن الخاصة

      ( منقول )
    20,038
    الاعــضـــاء
    238,102
    الـمــواضـيــع
    42,815
    الــمــشـــاركـــات
    يعمل...
    X