• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • حكم سحب الجنسية من الخارجين على النظام


      حكم سحب الجنسية من الخارجين على النظام
      سحب الجنسية أو رفعها – وهو حديث المجالس اليوم – من المسائل التي لها نظائر في الفقه الإسلامي لكن تختلف مراتبها وأحكامها عنها بسبب اختلاف أسبابها .


      وقد سألني أحد طلابي عن حكم التغريب والنفي وقطع الطريق وهل يمكن تنزيل أحكامها على حكم سحب الجنسية ؟!


      وقد يستدل بعض الناس بقول الله تعالى :" أو يُنفوا من الأرض "
      (المائدة : 33 ) على جواز سحب جنسية المخالف لنظام الدولة أو الحكم في البلد المنتمي إليه المتهم ، فيبيحون الإبعاد عن تراب الوطن والإخراج من الهوية الوطنية قياساً على المفسدين في الأرض والمحاربين لله ولرسوله ! .


      وهذا الاستدلال ورد من جهة القياس وتأويل النص ليناسب الواقع المعاصر لسحب الجنسية .



      لكن الإستدلال بالقياس هنا غلط ، لأن النفي والتغريب حكم نزل في عِلةٍ معينةٍ وهي قطع الطريق والحرابة . والعلة هنا لا تشترك مع الأصل وليست مساوية له ، كما هو مشهور عند أرباب الفنّ .


      وهذه قاعدة أجمع عليها الأصوليون . وما يخالفها في كل قياس يجب ردُّه ولا يجوز الإلتفات إليه .


      لكن يمكن تكييِّف سحب الجنسية على التشهير والتعزير وهما أقل مرتبة من التغريب .
      والإمام ابن تيمية (ت : 728هـ ) تعالى يقرِّر التوسع في باب التعزير حتى إنه قال بجواز تعزير من عُرف بالوسوسة . لكنه يقيِّد التعزير بأن يكون من جنس المخالفة لتمام الإنصاف


      وحق الجنسية في الشرع مثل حق الحياة وحق السير على الأرض لا يجوز سلبه من أي فرد إلا بجرم عظيم كالردة والإفساد العريض في الأرض . نسأل الله العافية .



      أما مخالفة النظام برأي أو فكرة شاذة فليست بِمسوِّغ لسحب الجنسية بل توجب التعزير والعقوبة بحسب مرتبة المخالفة .وقد تقرر عند الأصولييين أن انعدام السبب انعدام للمسبِّب وإنعدام الشرط انعدام للمشروط ،فلا يجوز تجريم فعلٍ لا دليل عليه إلا بشرطه وسببه .


      والله نهى عن الإعتداء في العقوبة وتنفيذ الحدود في قوله " ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين " ( البقرة : 190 ) .
      وفي القوانين الوضعية أيضاً تنص حقوق الإنسان على تجريم سحب الجنسية من الفرد لأنه حق اكتسبه بمجرد ولادته على تراب وطنه ، سواء كانت الجنسية مكتسبة بالأصالة أو التبعية ، أو كانت بحقِّ التأسيس أو بحق التجنيس .



      والتكييِّف الفقهي للجنسية أو حق المواطنة أنها عقد بين الحاكم والمحكوم يجوز فيه الإقالة والإمضاء بشرط عدم الإضرار بكل منهما للآخر . فإذا وقع الإضرار يجوز التعزير من جهة القضاء بحسب ما تقتضية المصلحة العامة المقيدة بالشرع .


      فتقويض النظام الأمني أو الإقتصادي أو الإجتماعي يسمح لوليِّ الأمر بإنهاء عقد المواطنة كعقوبة تعزيرية تأديبية بشرط أن لا يتعدَّى ضررها إلى من تحت ولاية المسحوبة منه وطنيته ، لأن المقصود من العقوبة الزجر والتأديب ، وسحب جنسية عائلة الجاني لا يحقق مقصد الشرع من العقوبة ، لأن الضرر يزال ولا يثَبت .
      وسحب الجنسية يترتب عليه رفع الامتيازات وفقدان الوظيفة والرخص التجارية والسكن الحكومي ونحوها من المنافع الضرورية . فهي مثل السجين المفلوت الذي يراقب عن بُعد ، فلم يحبس ويغيَّب عن الناس ، ولم يطلق ليعيش حياً بإرادته . فهي همُّ بالليل وذلُّ بالنهار، لفوات المصالح بسببها .


      ومعضلة سحب الجنسية في بعض الدول أنها لا تُناط بالقضاء بل بالمحاكم الإدارية ، مما يجعل التعسُّف فيها أمراً محتملاً وفيه شائبة .


      وفي العرف الإداري لا يجوز للقضاء النظر في مسائل سحب الجنسية لأنها محجوبة بنصِّ الدستور ، وبدعوى عدم الإختصاص ! .


      وسحب الجنسية وقع قديماً في الفقه الإسلامي وفي حوادث التاريخ مما يعني أن له أصلاً ، لكن طريقة إنفاذه تختلف باختلاف ظروف الحال .

      فالعزل والتشهير بالجاني إذا ثبتت جريمته وبشاعة عمله الديني أو الدنيوي كانت مشهورة . فقد ثبت أن رسول الله أمر بإخراج المخنَّثين من المدينة ونفيهم " ، وثبت أن رسول الله " أمر بهجر الثلاثة الذين خُلِّفوا خمسين يومًا لا يُكلِّمهم أحد " أخرجه البخاري .


      والتعزير والتشهير تعود مرتبته إلى رأي الامام . ومن صوره : نزع العمامة وحلق الرأس والإيقاف في المحافل أو الحبس في البيت ، ونحو ذلك من الإجنهادات المناسبة لحال الجاني وجُرمه . ولهذا قال الإمام القرافي ( ت: 684هـ ) تعالى : " التعزير يختلف باختلاف الأعصار والأمصار " .



      وابن مفلح (ت: 763هـ ) تعالى يُقرِّر أن ستر أئمة الفسق غير مباح ولا يجوز .



      وقد يكون في سحب الجنسية أحياناً من الضرر أعظم من الجناية المحكوم فيها ، ولهذا شرع الله الصلح ودرء العقوبات في بعض ما يتسع له الحال لجمع الكلمة وتوحيد القلوب على الحق .


      وأعظم ما يفرح الأعداء هو عدم ستر المسلم العاصي الذي لم يعرف بالأذى والفساد . فيكون سبباً لزعزعة وحدة الجماعة ليكون وميض نار يوشك أن يكون لها ضِرام .


      والأمر الفيصل في المسألة سواء كان سحب الجنسية تشهيراً أو عزلًا أو تغريباً أن تُنحَّى المسائل الخلافية في العمل والدعوة جانباً، فلا يصلح أن تكون سبباً في تجريد الهوية الوطنية من صاحبها ، فيكتفى في هذه الحال بالحبس أو الغرامة المالية إذا كان المخالف معانداً لرأي أهل الجماعة في البلد المنتمي إليه .


      وقد وقع لابن الجوزي (ت : 597هـ ) تعالى بسبب الخِلاف المذهبي مثل ما تقدَّم ، فقد أُهين في الله بسبب جرأته على الصوفية وخُتم على داره وشُتت عياله ، ونُفي إلى واسط ومكث فيها خمس سنين يخدم نفسه بنفسه . هذا وهو إمام في وقته وبين علماء بلده ! ، ولا يخلو زمان من مثل هذا . ولله في خلقه شؤون .
      هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

      أ/ أحمد بن مسفر بن معجب العتيبي
      عضو هيئة التدريس بمعاهد القوات البرية

      ( منقول )
    20,039
    الاعــضـــاء
    238,100
    الـمــواضـيــع
    42,818
    الــمــشـــاركـــات
    يعمل...
    X