• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • آداب الشرب

      [IMG]file:///C:/DOCUME~1/DWA_MA~1/LOCALS~1/Temp/msohtml1/01/clip_image001.wmz[/IMG]
      بسم الله الرحمن الرحيم
      رب يسر وأعن وتقبل
      الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده نبينا محمد وعلى آله وصحبه ، وبعد :
      فالشرب من أمور الحياة الضرورية ، بل حاجة الإنسان إلى الماء أشد من حاجته إلى الطعام ، فالماء أصل كل شيء حيٍّ ، قال الله تعالى : وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [ الأنبياء : 30 ] .
      وكلما اشتدت حاجة الخلق إلى شيء ما ، يسَّره الله تعالى تيسيرًا عامًا ؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية – : ما اشتدت الحاجة إليه في الدين والدنيا فإن الله يجود به على عباده جودًا عامًّا ميسرًا ؛ فلما كانت حاجتهم إلى النَّفَسِ أكثر من حاجتهم إلى الماء ، وحاجتهم إلى الماء أكثر من حاجتهم إلى الأكل ، كان - سبحانه - قد جاد بالهواء جودًا عامًّا ، في كل مكان وزمان ، لضرورة الحيوان إليه ؛ ثم الماء دونه ، ولكنه يوجد أكثر مما يوجد القوت وأيسر ؛ لأن الحاجة إليه أشد ( [1] ) .
      وما أكثر تلك المشروبات التي أحلَّها الله تعالى ، وجعل فيها حياة الإنسان ونفعه وتمتعه ؛ فلك الحمد ربَّنا على ما تجود به وتنعم تفضلا ومنًّا .
      وما أقل ما حرم الله تعالى من المشروبات ، وفيما أحلَّ غنية ، فلا يلجأ إلى ما حرم الله تعالى إلا كافر أو فاسق .
      وفي هذه الرسالة أتناول ما يتعلق بالشرب من آداب في المحاور الآتية :
      نعمة المشروبات
      شكر النعمة
      المحرمات من المشروبات
      في كم يُشرب العصير ؟
      النهي عن الْخَلِيطَيْنِ
      النهي عن لبن الجلالة
      أواني الشرب
      النهي عن أواني الذهب والفضة
      آداب الشرب
      آداب خاصة بشرب اللبن
      آداب أخرى
      والله الكريم أسأل العون والقبول ، لا رب غيره ، ولا أرجو إلا خيره ، عليه توكلت وإليه أنيب ؛ وصلى الله وسلم وبارك على النبي محمد وعلى آله .
      وكتبه
      أفقر العباد إلى عفو رب البرية
      محمد بن محمود بن إبراهيم عطية


      [1] - انظر ( الجواب الصحيح ) : 5 / 435 ، 436 .
      د . محمد عطية

    • #2
      نعمة المشروبات
      نعمة المشروبات من نعم الله العظيمة ، إذ حاجة الإنسان لها ضرورية لحياته ، خاصة الماء ، قال الله تعالى : وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ ، والناس جميعًا يحتاجون لشرب الماء يوميًّا بكميات لابد منها لتبقى أجسامهم في الوضع الصحي لها ؛ قال تعالى : وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا . لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا [ الفرقان : 48 ، 49 ] .
      ثم يأتي بعد نعمة الماء نعمة اللبن ، وإن كان اللبن فيه من الفوائد ما يربو على فوائد الماء ، إلا أن حاجة الناس إلى الماء أشد ، وقد لا يتمكن الكثير من شرب اللبن ؛ قال : وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ [ النحل : 66 ] ، وقال سبحانه : وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ [ المؤمنون : 21 ] .
      ثم يأتي بعد ذلك أنواع العصائر التي تتخذ من ثمرات النخيل والأعناب ، كما قال الله تعالى : وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا [ النحل : 67 ] ؛ فالسَكَرُ : الخمر ، وهو محرم ؛ ومن الرزق الحسن : العصائر التي تتخذ من الثمرات .
      د . محمد عطية

      تعليق


      • #3
        شكر النعمة
        واجب النِعَمِ الشكرُ ، ولذا قال الله تعالى عند الحديث عن تسخير الأنعام : وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ [ يـس : 73 ] .
        وقال تعالى عند الحديث عن إنزال المطر : أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ . أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ . لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ [ الواقعة : 68 - 70 ] ؛ والمزن : السحاب ؛ وقوله تعالى : أُجَاجًا أي : زعاقًا مرًّا ، لا يصلح لشرب ولا زرع ، فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ أي : فهلا تشكرون نعمة الله عليكم في إنزاله المطر عليكم عذبًا زلالًا ؟! لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ . يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [ النحل : 10 ، 11 ] ؛ وروى مسلم عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : " إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا ، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا " ( [1] ) .


        [1] - مسلم ( 2734 ) .
        د . محمد عطية

        تعليق


        • #4
          المحرمات من المشروبات
          لم يحرم الله تعالى على عباده من المشروبات إلا الخمر والنجاسات ، والخمر : ما خامر العقل ، والنجاسات كالبول والعذرة والدم .
          فكل ما أَثَّرَ من المشروبات في العقل فهو خمر ، وإن سُمِّيَ باسمٍ غير الخمر ؛ قال الله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [ المائدة : 90 ] .
          وفي الصحيحين عَنْ أَبِى مُوسَى قَالَ : بَعَثَنِي النَّبِيُّ أَنَا وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى الْيَمَنِ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ شَرَابًا يُصْنَعُ بِأَرْضِنَا يُقَالُ لَهُ : الْمِزْرُ مِنَ الشَّعِيرِ ، وَشَرَابٌ يُقَالُ لَهُ : الْبِتْعُ مِنَ الْعَسَلِ ؛ فَقَالَ : " كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ " ( [1] ) .
          وفيهما عَنْ عَائِشَةَ - - عَنِ النَّبِيِّ قَالَ : " كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ " ( [2] ) ؛ وأسكر ، أي : من شأنه الإسكار ، وهو تغطية العقل وإذهاب الوعي .
          وفي صحيح مسلم عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَجُلاً قَدِمَ مِنْ جَيْشَانَ - وَجَيْشَانُ مِنَ الْيَمَنِ - فَسَأَلَ النَّبِيَّ عَنْ شَرَابٍ يَشْرَبُونَهُ بِأَرْضِهِمْ مِنَ الذُّرَةِ ، يُقَالُ لَهُ : الْمِزْرُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ : " أَوَمُسْكِرٌ هُوَ ؟ " ، قَالَ نَعَمْ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : " كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ ، إِنَّ عَلَى اللَّهِ U عَهْدًا لِمَنْ يَشْرَبُ الْمُسْكِرَ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ " ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ ؟ قَالَ : " عَرَقُ أَهْلِ النَّارِ ، أَوْ عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ " ( [3] ) .
          وفيه – أيضًا - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : " كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ ، وَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا ، فَمَاتَ وَهُوَ يُدْمِنُهَا لَمْ يَتُبْ ، لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الآخِرَةِ " ( [4] ) .
          وفي الصحيحين عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ : خَطَبَ عُمَرُ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ : إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ ، وَهِيَ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ : الْعِنَبِ ، وَالتَّمْرِ ، وَالْحِنْطَةِ ، وَالشَّعِيرِ ، وَالْعَسَلِ ؛ وَالْخَمْرُ : مَا خَامَرَ الْعَقْلَ ( [5] ) .
          وروى أحمد وأبو داود وابن ماجة عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ t قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ : " إِنَّ الْخَمْرَ مِنَ الْعَصِيرِ ، وَالزَّبِيبِ ، وَالتَّمْرِ ، وَالْحِنْطَةِ ، وَالشَّعِيرِ ، وَالذُّرَةِ ، وَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ " ( [6] ) .
          وروى أبو داود عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - - عَنِ النَّبِيِّ قَالَ : " كُلُّ مُخَمِّرٍ خَمْرٌ ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ ، وَمَنْ شَرِبَ مُسْكِرًا بُخِسَتْ صَلَاتُهُ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا ، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، فَإِنْ عَادَ الرَّابِعَةَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ " ، قِيلَ : وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : " صَدِيدُ أَهْلِ النَّارِ ، وَمَنْ سَقَاهُ صَغِيرًا لَا يَعْرِفُ حَلَالَهُ مِنْ حَرَامِهِ ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ " ( [7] ) .
          وروى أحمد والنسائي وابن ماجة عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - - أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ : " مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ " ( [8] ) ؛ ورواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة عَنْ جَابِرٍ [9] ؛ ومعنى الحديث : ما يحصل السكر بشرب كثيره ، فهو حرام قليله وكثيره ، وإن كان قليله غير مسكر .
          وروى أحمد وأبو داود عَنْ دَيْلَمٍ الْحِمْيَرِيِّ قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّا بِأَرْضٍ بَارِدَةٍ نُعَالِجُ فِيهَا عَمَلًا شَدِيدًا ، وَإِنَّا نَتَّخِذُ شَرَابًا مِنْ هَذَا الْقَمْحِ نَتَقَوَّى بِهِ عَلَى أَعْمَالِنَا وَعَلَى بَرْدِ بِلَادِنَا ، قَالَ : " هَلْ يُسْكِرُ ؟ " قُلْتُ : نَعَمْ ، قَالَ : " فَاجْتَنِبُوهُ " ، قَالَ : قُلْتُ : فَإِنَّ النَّاسَ غَيْرُ تَارِكِيهِ ، قَالَ : " فَإِنْ لَمْ يَتْرُكُوهُ فَقَاتِلُوهُمْ " ( [10] ) .
          قال البيهقي في ( معرفة السنن والآثار ) : قوله في شراب القمح : " فَاجْتَنِبُوهُ " وذلك يتناول القليل والكثير ؛ كقول الله في الخمر : فَاجْتَنِبُوهُ ، وتلك الأخبار كلها تدل على منع النبي من شرب المسكر ، وذلك يتناول القليل والكثير ، وقد سموه خمرًا ، فهو داخل تحت قوله : ] إِنَّمَا الْخَمْرُ [ إلى قوله : ] فَاجْتَنِبُوهُ [ .ا.هـ .
          وروى ابن أبي شيبة والحاكم عن مريم بنت طارق قالت : كنت في نسوة من النساء المهاجرات حججنا ، فدخلنا على عائشة أم المؤمنين - - قالت : فجعل النساء يسألنها عن الظروف ، فقالت : يا معشر النساء إنكن لتذكرون ظروفًا ما كان كثير منها على عهد رسول الله ، فاتقين الله واجتنبن ما يسكركن ، فإن رسول الله قال : " كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ " وَإِنْ أَسْكَرَ مَاءُ حَبِّهَا ، فلتجتنبنه ( [11] ) .
          قال مقيده – عفا الله عنه : فبينت الأحاديث أمورًا :
          1 – تحريم الخمر من أي شيء كان : " كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ " .
          2 – أن الخمر ما خامر العقل ، أي : غيَّره وأذهبه .
          3 – أن كثير الخمر وقليله حرام .
          4 – أن الخمر ما أسكر ، وإن سمي بغير الخمر .
          وروى أحمد وعنه أبو داود وابن ماجة عَنْ مَالِكِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ ، قَالَ : دَخَلَ عَلَيْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَنْمٍ ، فَتَذَاكَرْنَا الطِّلَاءَ ، فَقَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو مَالِكٍ الْأَشْعَرِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ : " لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ ، يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا " ( [12] ) ؛ ورواه أحمد وابن ماجة عن عبادة بن الصامت ، ولفظ ابن ماجة : " يَشْرَبُ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ بِاسْمٍ يُسَمُّونَهَا إِيَّاهُ " ( [13] ) ، ورواه أحمد والنسائي عن رجل من أصحاب النبي ([14] ) .
          قال ابن حجر - : قال أبو عبيد : جاءت في الخمر آثار كثيرة بأسماء مختلفة ، فذكر منها السَكَر ( بفتحتين ) قال : وهو نقيع التمر إذا غلى بغير طبخ ؛ والجعة ( بكسر الجيم وتخفيف العين ) : نبيذ الشعير ، والسكركة : خمر الحبشة من الذرة .. إلى أن قال : وهذه الأشربة المسماة كلها عندي كناية عن الخمر ، وهي داخلة في قوله : " يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا " ؛ ويؤيد ذلك قول عمر : الخمر ما خامر العقل .ا.هـ ( [15] ) .
          قال ابن تيمية – : وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ مُسْتَفِيضَةٌ جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ - بِمَا أُوتِيَهُ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ - كُلَّ مَا غَطَّى الْعَقْلَ وَأَسْكَرَ ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ نَوْعٍ وَنَوْعٍ ، وَلَا تَأْثِيرٍ لِكَوْنِهِ مَأْكُولًا أَوْ مَشْرُوبًا ؛ عَلَى أَنَّ الْخَمْرَ قَدْ يَصْطَبِغُ بِهَا ، وَالْحَشِيشَةُ قَدْ تُذَابُ فِي الْمَاءِ وَتُشْرَبُ ؛ فَكُلُّ خَمْرٍ يُشْرَبُ وَيُؤْكَلُ ، وَالْحَشِيشَةُ تُؤْكَلُ وَتُشْرَبُ ، وَكُلُّ ذَلِكَ حَرَامٌ ؛ وَإِنَّمَا لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُتَقَدِّمُونَ فِي خُصُوصِهَا ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا حَدَثَ أَكْلُهَا مِنْ قَرِيبٍ فِي أَوَاخِرِ الْمِائَةِ السَّادِسَةِ ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ ، كَمَا أَنَّهُ قَدْ أُحْدِثَتْ أَشْرِبَةٌ مُسْكِرَةٌ بَعْدَ النَّبِيِّ ، وَكُلُّهَا دَاخِلَةٌ فِي الْكَلِمِ الْجَوَامِعِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ( [16] ) .


          [1] - البخاري ( 4343 ، 5266 ) ، ومسلم ( 3032 ) .

          [2] - البخاري ( 5263 ، 5264 ) ، ومسلم ( 2001 ) .

          [3] - مسلم ( 2002 ) .

          [4] - مسلم ( 2003 ) ، وروى البخاري ( 5253 ) الجزء الثاني منه ، بلفظ : " من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها ، حرمها في الآخرة " .

          [5] - البخاري ( 4343 ، 5266 ) ، ومسلم ( 3032 ) .

          [6] - أحمد : 4 / 273 ، وأبو داود ( 3677 ) ، وابن ماجة ( 3379 ) ، وابن حبان ( 5398 ) .

          [7] - أبو داود ( 3680 ) .

          [8] - أحمد : 2 / 91 ، 167 ، 179 ، والنسائي ( 5607 ) ، وابن ماجة ( 3394 ) .

          [9] - أحمد : 3 / 342 ، وأبو داود ( 3681 ) ، والترمذي ( 1865 ) ،، وابن ماجة ( 3393 ) .

          [10] - أحمد : 4 / 232 ، وأبو داود ( 3683 ) ، وصححه الألباني .

          [11] - ابن أبي شيبة ( 33753 ) ، والحاكم ( 7238 ) واللفظ له ، وصححه الحاكم ، ووافقه الذهبي ، وماء حبها : أي جرتها .

          [12] - أحمد : 5 / 342 ، وأبو داود ( 3688 ) ، وصححه الألباني .

          [13] - أحمد : 5 / 318 ، وابن ماجة ( 3385 ) ، وصححه الألباني في الصحيح ( 90 ) .

          [14] - أحمد : 4 / 237 ، والنسائي ( 5658 ) .

          [15] - انظر ( فتح الباري ) : 10 / 52 ، وانظر كلام أبي عبيد في ( غريب الحديث ) : 2 / 176 ، دار الكتاب العربي – بيروت .

          [16] - مجموع الفتاوى : 28 / 341 ، 342 .
          د . محمد عطية

          تعليق


          • #5
            في كم يُشرب العصير ؟
            من المعلوم أن العصير إذا ترك ثلاثة أيام في جوٍّ فيه حرارة فإنه يتحول إلى خمرٍ ، نتيجة للتفاعلات الكيمائية التي تكون بين عناصره ، فتُغيِّر التركيبة الكيمائية للعصير مكونةً منه الخمر ، ولكن إذا حفظ العصير في جوٍّ بارد ، فإنه لا يتغير بسرعة كتغيره في الجوِّ العادي ، وإنما تطول مدة حفظه بحسب درجة البرودة المحفوظ عندها ؛ والأصل أن العصير إذا تغير لا يشرب ؛ لأنه يتحول عند ذلك إلى خمر .
            روى أبو داود والنسائي وابن ماجة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يَصُومُ ، فَتَحَيَّنْتُ فِطْرَهُ بِنَبِيذٍ صَنَعْتُهُ فِي دُبَّاءٍ ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِهِ ، فَإِذَا هُـوَ يَنِشُّ ، فَقَالَ : " اضْرِبْ بِهَذَا الْحَائِطِ ، فَإِنَّ هَذَا شَرَابُ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ " ( [1] ) . وينش يعني : يغلي من دون طبخ ؛ وفي الحديث دليل على أن الحد بين العصير والخمر هذا الغليان الذي يحدث فيه نتيجة التفاعلات الداخلية ، مما يحوله إلى خمر .
            وفي صحيح مسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - - قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُنْقَعُ لَهُ الزَّبِيبُ ، فَيَشْرَبُهُ الْيَوْمَ وَالْغَدَ وَبَعْدَ الْغَدِ إِلَى مَسَاءِ الثَّالِثَةِ ، ثُمَّ يَأْمُرُ بِهِ فَيُسْقَى أَوْ يُهَرَاقُ ؛ وفي رواية لمسلم : يُنْتَبَذُ لَهُ أَوَّلَ اللَّيْلِ ، فَيَشْرَبُهُ إِذَا أَصْبَحَ يَوْمَهُ ذَلِكَ ، وَاللَّيْلَةَ الَّتِي تَجِيءُ ، وَالْغَدَ ، وَاللَّيْلَةَ الأُخْرَى ، وَالْغَدَ إِلَى الْعَصْرِ ، فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ سَقَاهُ الْخَادِمَ ، أَوْ أَمَرَ بِهِ فَصُبَّ ( [2] ) ؛ وفي رواية أبي داود : ثُمَّ يَأْمُرُ بِهِ فَيُسْقَى الْخَدَمُ ، أَوْ يُهَرَاقُ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : مَعْنَى ( يُسْقَى الْخَدَمُ ) : يُبَادَرُ بِه الْفَسَادَ ( [3] ) ، يعني يسقونه قبل أن يفسد .
            و( يُهَرَاقُ ) : يصب ؛ وفي الحديث بيان للمدة التي يُشرب فيها العصير في الجوِّ العادي ، أما إذا حفظ في الثلاجة فيمكن أن يشرب طالما أنه لم يتغير ؛ وإن تغير في الجوِّ العادي قبل الثلاثة أيام فلا يشرب ، لأن الحد الفاصل بين العصير والخمر هو التغير كما تقدم .


            [1] - أبو داود ( 3716 ) ، والنسائي ( 5610 ) ، وابن ماجه ( 3409 ) .

            [2] - مسلم ( 2004 ) .

            [3] - أبو داود ( 3713 ) .
            د . محمد عطية

            تعليق


            • #6
              النهي عن الْخَلِيطَيْنِ
              الخليطان عبارة عن نقيع الزبيب ونقيع التمر ، يخلطان ، فيطبخ بعد ذلك أدنى طبخة ، ويترك إلى أن يغلي ويشتد ( [1] ) ؛ وعلة النهي – والله أعلم – أن الخلط يُسرع من غليان العصير وتحوله إلى خمر .
              في صحيح مسلم عَنْ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُنْبَذَ الزَّبِيبُ وَالتَّمْرُ جَمِيعًا ، وَنَهَى أَنْ يُنْبَذَ الْبُسْرُ وَالرُّطَبُ جَمِيعًا ( [2] ) . وفي الصحيحين عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ : نَهَى النَّبِيُّ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ التَّمْرِ وَالزَّهْوِ ، وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ ، وَلْيُنْبَذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَةٍ ( [3] ) . والزهو : الملون من البسر .
              قال ابن عبد البر - : روي عن النبي أنه نهى أن ينبذ التمر والزبيب ، والزهو والرطب ، من طرق ثابتة ، من حديث ابن عباس ، ومن حديث أبي قتادة ، ومن حديث جابر ، ومن حديث أبي سعيد ، ومن حديث أبي هريرة ، ومن حديث أنس ... ثم ذكر الأحاديث .. ثم روى عن عبد الرحمن بن أبي ليلي قال : كان الرجل يمر على أصحاب النبي وهم متوافرون ، فيلعنونه ، ويقولون : هذا يشرب الخليطين ، الزبيب والتمر ( [4] ) .


              [1] - انظر ( النهاية في غريب الحديث والأثر ) مادة ( خ ل ط ) .

              [2] - مسلم ( 1986 ) .

              [3] - البخاري ( 5280 ) ، ومسلم ( 1988 ) .

              [4] - انظر ( الاستذكار ) : 8 / 18 – 20 ؛ وأثر ابن أبي ليلى رواه ابن أبي شيبة ( 24033 ) .
              د . محمد عطية

              تعليق


              • #7
                النهي عن لبن الجلالة
                الجلَّالة : هي الإبل التي يكون أكثر علفها العذرة ، وأرواح العذرة توجد في عرقها وجزرها . قال الشافعي - : وفى معنى الإبل : البقر والغنم وغيرهما مما يؤكل ( [1] ) .
                والمراد ما ظهر في لحمها ولبنها نتن ؛ فإذا حبست أيامًا على علف طيب حتى يتغير ما بها من النتن ، جاز ذبحها وأكلها وشرب لبنها .
                روى الترمذي وابن ماجة عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنْ أَكْلِ الْجَلاَّلَةِ وَأَلْبَانِهَا ، ورواه أبو داود بلفظ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنِ الجَلَّالَةِ فِي الْإِبِلِ : أَنْ يُرْكَبَ عَلَيْهَا ، أَوْ يُشْرَبَ مِنْ أَلْبَانِهَا " ( [2] ) .
                وروى أبو داود عَـنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ نَهَى عَنْ لَبَنِ الْجَلَّالَةِ " ( [3] ) ؛ ورواه أحمد والنسائي بلفظ : نَهَى عَنْ الشُّرْبِ مِنْ فِي السِّقَاءِ ، وَعَنْ الْمُجَثَّمَةِ ، وَعَنْ لَبَنِ الْجَلَّالَةِ ( [4] ) ؛ والمجثمة هي المصبورة التي تربط فترمي حتى تقتل .


                [1] - انظر ( السنن الكبرى ) للبيهقي : 9 / 332 – دار الباز – مكة المكرمة .

                [2] - أبو داود ( 3787 ) ، والترمذي ( 1824 ) ، وحسنه ، وابن ماجة ( 3189 ) وصححه الألباني .

                [3] - أبو داود ( 3786 ) .

                [4] - أحمد : 1 / 321 ، والنسائي ( 4448 ) .
                د . محمد عطية

                تعليق


                • #8
                  أواني الشرب
                  من المعلوم أنه يباح الشرب في جميع الأواني إلا ما جاء النهي عن الشرب فيها ، وهي منحصرة في أواني الذهب والفضة ؛ وأما ما جاء في النهي عن بعض الأوعية كالمزفت ( الإناء المطلي بالزفت ) ، والدباء ( القرع : كانوا ينتبذون فيه ) ، والحنتم ( جرار مدهونة خضر ، تسرع الشدة فيها لأجل دهنها ) ، والنقير ( أصل النخلة ، ينقر وسطه ثم ينتبذ فيه ) ، فقد جاء نسخ ذلك في أحاديث منها ما رواه مسلم عَنِ بُرَيْدَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : " كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ الأَشْرِبَةِ ( إلا ) فِي ظُرُوفِ الأَدَمِ ، فَاشْرَبُوا فِي كُلِّ وِعَاءٍ ، غَيْرَ أَنْ لاَ تَشْرَبُوا مُسْكِرًا " ، وفي رواية : " نَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ إِلاَّ فِي سِقَاءٍ ، فَاشْرَبُوا فِي الأَسْقِيَةِ كُلِّهَا ، وَلاَ تَشْرَبُوا مُسْكِرًا " ، وفي أخرى : " نَهَيْتُكُمْ عَنِ الظُّرُوفِ ، وَإِنَّ الظُّرُوفَ - أَوْ ظَرْفًا - لاَ يُحِلُّ شَيْئًا وَلاَ يُحَرِّمُهُ ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ " ( [1] ) .
                  قال النووي - : كان الانتباذ في هذه الأوعية منهيًّا عنه في أول الإسلام ، خوفًا من أن يصير مسكرًا فيها ولا نعلم به لكثافتها ، فتتلف ماليته ، وربما شربه الإنسان ظانًّا أنه لم يصر مسكرًا ، فيصير شاربًا للمسكر ، وكان العهد قريبًا بإباحة المسكر ، فلما طال الزمان ، واشتهر تحريم المسكر ، وتقرر ذلك في نفوسهم ، نسخ ذلك ، وأبيح لهم الانتباذ في كل وعاء ، بشرط أن لا تشربوا مسكرًا ؛ وهذا صريح قوله في حديث بريدة : " فَاشْرَبُوا فِي كُلِّ وِعَاءٍ ، غَيْرَ أَنْ لاَ تَشْرَبُوا مُسْكِرًا " ( [2] ) .


                  [1] - مسلم ( 977 ) .

                  [2] - انظر ( شرح النووي على مسلم ) : 13 / 159 .
                  د . محمد عطية

                  تعليق


                  • #9
                    النهي عن أواني الذهب والفضة
                    في الصحيحين عن عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى أَنَّهُمْ كَانُوا عِنْدَ حُذَيْفَةَ ، فَاسْتَسْقَى ، فَسَقَاهُ مَجُوسِيٌّ ، فَلَمَّا وَضَعَ الْقَدَحَ فِي يَدِهِ رَمَاهُ بِهِ ، وَقَالَ : لَوْلَا أَنِّي نَهَيْتُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ وَلَا مَرَّتَيْنِ ؛ كَأَنَّهُ يَقُولُ : لَمْ أَفْعَلْ هَذَا ، وَلَكِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ : " لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ وَلَا الدِّيبَاجَ ، وَلَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا ؛ فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَنَا فِي الْآخِرَةِ " ، وعند مسلم : اسْتَسْقَى حُذَيْفَةُ ، فَسَقَاهُ مَجُوسِيٌّ فِي إِنَاءٍ مِنْ فِضَّةٍ ( [1] ) .
                    وفي الصحيحين - أيضًا - عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ : أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ بِسَبْعٍ ، وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ ، أَمَرَنَا بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ ، وَاتِّبَاعِ الْجِنَازَةِ ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ ، وَإِجَابَةِ الدَّاعِي ، وَإِفْشَاءِ السَّلَامِ ، وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ ، وَإِبْرَارِ الْمُقْسِمِ ؛ وَنَهَانَا عَنْ خَوَاتِيمِ الذَّهَبِ ، وَعَنْ الشُّرْبِ فِي الْفِضَّةِ - أَوْ قَالَ : آنِيَةِ الْفِضَّةِ - وَعَنْ الْمَيَاثِرِ ، وَالْقَسِّيِّ ، وَعَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ وَالْإِسْتَبْرَقِ . وفي رواية لمسلم : وَعَنِ الشُّرْبِ فِي الْفِضَّةِ ؛ فَإِنَّهُ مَنْ شَرِبَ فِيهَا فِي الدُّنْيَا ، لَمْ يَشْرَبْ فِيهَا فِي الآخِرَةِ ( [2] ) .
                    وروى النسائي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ : " مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا ، لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الآخِرَةِ ، وَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا ، لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الآخِرَةِ ، وَمَنْ شَرِبَ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِي الدُّنْيَا ، لَمْ يَشْرَبْ بِهَا فِي الآخِرَةِ " ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ : " لِبَاسُ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَشَرَابُ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَآنِيَةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ " ( [3] ) .
                    وفي الصحيحين عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : " الَّذِي يَشْرَبُ فِي إِنَاءِ الْفِضَّةِ ، إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ " ؛ وفي رواية عند مسلم : " مَنْ شَرِبَ فِي إِنَاءٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ ، فَإِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِى بَطْنِهِ نَارًا مِنْ جَهَنَّمَ " ( [4] ) .
                    ومعناه : تصوت النار في بطنه ، والجرجرة : التصويت ، وسمى المشروب نارًا ؛ لأنه يؤول إليها ، كما قال تعالى : ] إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا [ [ النساء : 10 ] ( [5] ) .
                    في هذه الأحاديث تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة على كل مكلف ، رجلا كان أو امرأة ؛ والوعيد بالعذاب لمن خالف ذلك ، وأنه لا يشرب فيها في الجنة ، وإن دخلها .
                    قال ابن عبد البر - : وأجمع العلماء على أنه لا يجوز لمسلم أن يشرب ولا يأكل في آنية الفضة ، وآنية الذهب عندهم كذلك أو أشد ؛ لأنه قد جاء فيها مثل ما جاء في آنية الفضة ( [6] ) .
                    وقال في ( التمهيد ) : واختلف العلماء في المعنى المقصود بهذا الحديث ، فقالت طائفة : إنما عنى رسول الله بقوله : " الَّذِي يَشْرَبُ فِي إِنَاءِ الْفِضَّةِ ، إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ " المشركين الذين كانوا يشربون فيها ، فأخبر عنهم ، وحذرنا أن نفعل مثل ذلك من فعلهم ، وأن نتشبه بهم ؛ وقال آخرون : كل من علم بتحريم رسول الله الشراب في آنية الفضة ، ثم يشرب فيها ، استوجب النار ، إلا أن يعفو الله عنه بما ذكر من مغفرته لمن يشاء ممن لا يشرك به شيئًا ؛ وأجمع العلماء على أنه لا يجوز الشرب بها .ا.هـ ( [7] ) .


                    [1] - البخاري ( 5110 ) ، ومسلم ( 2067 ) .

                    [2] - البخاري ( 5312 ) ، ومسلم ( 2066 ) .

                    [3] - النسائي في الكبرى ( 6869 ) وقال ابن حجر في ( فتح الباري ) : 10 / 97 : إسناده قوي ا.هـ . وصححه الألباني في صحيح الترغيب .

                    [4] - البخاري ( 5311 ) ، ومسلم ( 2065 ) .

                    [5] - انظر ( شرح النووي على مسلم ) : 14 / 28 .

                    [6] - انظر ( الاستذكار ) : 8 / 350 .

                    [7] - انظر (التمهيد ) لابن عبد البر : 16 / 104.
                    د . محمد عطية

                    تعليق


                    • #10
                      آداب الشرب
                      للشرب آداب غير ما قدمناه ، نجملها في الآتي :
                      استعذاب الماء - الشرب باليمين – الشرب قاعدًا – التسمية – التنفس ثلاثًا – حمد الله تعالى بعد الشرب – مناولة من على اليمين – ساقي القوم آخرهم شربًا – آداب خاصة بشرب اللبن – آداب أخرى .
                      1 – استعذاب الماء
                      استعذاب الماء ، أي : طلب الماء العذب ، روى أحمد وأبو داود عَنْ عَائِشَةَ - - أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يُسْتَعْذَبُ لَهُ الْمَاءُ مِنْ بُيُوتِ السُّقْيَا ( [1] ) . قال أبو داود : قَالَ قُتَيْبَةُ ( ابن سعيد ) : عَيْنٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ يَوْمَانِ .
                      والذي يظهر أن هذه العين كانت من أعذب العيون ماء ، وقد ذكر أن عيون المدينة كانت مالحة ؛ وفيه أن من السنة أن يُطلب الماء العذب ، وإن بعدت مسافته ، عند القدرة على ذلك .


                      [1] - أحمد : 6 / 100 ، 108 ، وأبو داود ( 3735 ) ، ورواه ابن حبان ( 5332 ) ، والحاكم ( 7204 ) ، وصححه على شرط مسلم .
                      د . محمد عطية

                      تعليق


                      • #11
                        2 - الشرب باليمين
                        هذا من الأدب الذي لابد من التزامه ، فإن الشيطان هو الذي يأكل بشماله ويشرب بشماله ؛ فقد روى مسلم عَنْ ابْنِ عُمَرَ – – أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ : " إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ ، وَإِذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ ، وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ " ( [1] ) .
                        وعند ابن ماجه عَن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ : " لِيَأْكُلْ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ ، وَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ ، وَلْيَأْخُذْ بِيَمِينِهِ ، وَلْيُعْطِ بِيَمِينِهِ ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ ، وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ ، وَيُعْطِي بِشِمَالِهِ ، وَيَأْخُذُ بِشِمَالِهِ " ( [2] ) .
                        قال ابن عبد البر – – في حديث ابن عمر : في هذا الحديث أمر رسول الله بالأكل باليمين ، وفي حديث جابر النهي عن الأكل بالشمال والشرب بها ؛ ومعلوم أن الأمر بالشيء نهي عن ضده ، وهذا تأكيد منه في النهي عن الأكل بالشمال ، والشرب بها ؛ فمن أكل بشماله ، أو شرب بشماله ، وهو عالم بالنهي ، ولا عذر له ، ولا علة تمنعه ، فقد عصى الله ورسوله ، ومن عصى الله ورسوله فقد غوى ( [3] ) .


                        [1] - مسلم ( 2020 ) ، ورواه أبو داود ( 3776 ) ، والترمذي ( 1799 ) ، والنسائي في الكبرى ( 6745 – 6748 ) .

                        [2] - ابن ماجة ( 3266 ) ، وصححه الألباني .

                        [3] - الاستذكار : 8 / 341 ، 342 ؛ وراجع رسالتنا ( آداب الأكل ) عند أدب ( الأكل باليمين ) .
                        د . محمد عطية

                        تعليق


                        • #12
                          3 – الشُّرْبِ قاعدًا
                          الأصل في الأكل والشرب أن يكون من جلوس ، وهو الأفضل ، وهو الأدب العام في الشرب ، ولكن ورد من فعله أنه شرب قائمًا ، وذلك لبيان الجواز .
                          ودليل الجواز ما رواه البخاري عَنْ النَّزَّالِ بنِ سَبْرَةَ قَالَ : أَتَى عَلِيٌّ عَلَى بَابِ الرَّحَبَةِ ، فَشَرِبَ قَائِمًا ؛ فَقَالَ : إِنَّ نَاسًا يَكْرَهُ أَحَدُهُمْ أَنْ يَشْرَبَ وَهُوَ قَائِمٌ ، وَإِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ فَعَلَ كَمَا رَأَيْتُمُونِي فَعَلْتُ ( [1] ) .
                          وروى الترمذي عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ عَنْ جَدَّتِهِ كَبْشَةَ – – قَالَتْ : دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ فَشَرِبَ مِنْ فِي قِرْبَةٍ مُعَلَّقَةٍ قَائِمًا ( [2] ) ، ورواه ابن ماجة بلفظ : أن رسول الله دخل عليها وعندها قربة معلقة ؛ فشرب منها وهو قائم ( [3] ) .
                          وفي الصحيحين عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ – – قَالَ : سَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ مِنْ زَمْزَمَ ، فَشَرِبَ وَهُوَ قَائِمٌ ( [4] ) ؛ قيل : إنما شرب النبي قائمًا لضيق المحل عن التمكن من الجلوس للشرب ؛ ففيه جواز الشرب قائمًا لعذر .
                          قال مقيده – عفا الله عنه : لكن حديث عَلِيٍّ المتقدم يفيد جواز الشرب قائمًا لغير عذر ؛ وروى أحمد عن عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ يُصَلِّي حَافِيًا وَنَاعِلًا ، وَيَصُومُ فِي السَّفَرِ وَيُفْطِرُ ، وَيَشْرَبُ قَائِمًا وَقَاعِدًا ، وَيَنْصَرِفُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ ؛ ورواه الترمذي مختصرًا بلفظ : رأيتُ رسول الله يَشْرَبُ قَائِمًا وقَاعِدًا ( [5] ) ، ورواه أحمد والنسائي عن عائشة ( [6] ) .
                          وعن ابن عمر – – قَالَ : كُنَّا نَأكُلُ عَلَى عهدِ رسول الله وَنَحْنُ نمشِي ، وَنَشْرَبُ ونَحْنُ قِيامٌ . رواه أحمد الترمذي وابن ماجة ( [7] ) .
                          فهذه الأحاديث تدل على جواز الشرب قائمًا ، وإن كان الأفضل الشرب قاعدًا ؛ وثبت ذلك من فعل الصحابة ، ففي الموطأ قال الإمام مالك أخبرنا ابن شهاب ( الزهري ) أن عائشة زوج النبي وسعد بن أبي وقاص كانا لا يريان بشرب الإنسان وهو قائم بأسًا ( [8] ) ؛ وفيه عن أبي جعفر القارئ أنه قال : رأيت عبد الله بن عمر يشرب قائمًا ( [9] ) ؛ وفيه – أيضًا – عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه أنه كان يشرب قائمًا ( [10] ) ؛ وفيه عن مالك أنه بلغه : أن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان كانوا يشربون قيامًا ( [11] ) .
                          وقد جاءت أحاديث تدل على النهي عن الشرب من قيام ، منها : ما رواه مسلم عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ زَجَرَ عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا ؛ وفي رواية : نَهَى أَنْ يَشْرَبَ الرَّجُلُ قَائِمًا ؛ قَالَ قَتَادَةُ : فَقُلْنَا ( أي : لأنس ) : فَالأَكْلُ ؟ فَقَالَ : ذَاكَ أَشَرُّ أَوْ أَخْبَثُ ( [12] ) .
                          قيل : وإنما جعل الأكل أشر لطول زمنه بالنسبة لزمن الشرب ( [13] ) .
                          وفي صحيح مسلم عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ زَجَرَ عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا ؛ وفي رواية : نَهَى عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا ( [14] ) .
                          وفيه أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : " لاَ يَشْرَبَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ قَائِمًا ، فَمَنْ نَسِيَ فَلْيَسْتَقِيْء " ( [15] ) .
                          قال البغوي – : وهذا النهي نهي أدب وإرفاق ، ليكون تناوله على سكون وطمأنينة ، فيكون أبعد من أن يكون منه فساد ( [16] ) .
                          وقال النووي – – ما ملخصه : ليس في الأحاديث إشكال ، ولا فيها ضعيف ، بل الصواب أن النهي فيها محمول على التنزيه ، وشربه قائمًا لبيان الجواز ، وأما من زعم نسخًا أو غيره فقد غلط ، فإن النسخ لا يصار إليه مع إمكان الجمع لو ثبت التاريخ ، وفعله لبيان الجواز لا يكون في حقه مكروهًا أصلا ، فإنه كان يفعل الشيء للبيان مرة أو مرات ، ويواظب على الأفضل ؛ والأمر بالاستقاءة محمول على الاستحباب ، فيستحب لمن شرب قائمًا أن يستقيء ، لهذا الحديث الصحيح الصريح ، فإن الأمر إذا تعذر حمله على الوجوب حمل على الاستحباب ( [17] ) .
                          ونقل ابن حجر في ( الفتح ) عن المازري – – قال : والذي يظهر لي أن أحاديث شربه قائمًا تدل على الجواز ، وأحاديث النهي تحمل على الاستحباب والحث على ما هو أولى وأكمل ؛ أو لأن في الشرب قائمًا ضررًا فأنكره من أجله ، وفعله هو لأمنه ، قال : وعلى هذا الثاني يحمل قوله : " فَمَنْ نَسِيَ فَلْيَسْتَقِيْء " على أن ذلك يحرك خلطًا يكون القيء دواءه ؛ ويؤيده قول النخعي : إنما نهى عن ذلك لداء البطن ( [18] ) .
                          وقيل : إن النهي عن ذلك إنما هو من جهة الطب مخافة وقوع ضرر به ، فإن الشرب قاعدًا أمكن وأبعد من الشرق وحصول الوجع في الكبد أو الحلق ، وكل ذلك قد لا يأمن منه من شرب قائمًا ( [19] ) .
                          قال ابن القيم – : وأما إذا فعله نادرًا ، أو لحاجة لم يضره ( [20] ) .
                          وصفوة القول أن الأدب في الشرب أن يكون من قعود ، مع جواز الشرب قائمًا لحاجة ، أو لغيرها أحيانًا .. والعلم عند الله تعالى .


                          [1] - البخاري ( 5292 ) .

                          [2] - الترمذي ( 1892 ) ، وقال : حسن صحيح غريب ، وصححه الألباني .

                          [3] - ابن ماجة ( 3423 ) ، وصححه الألباني .

                          [4] - البخاري ( 1556 ) ، ومسلم ( 2027 ) .

                          [5] - أحمد : 2 / 174 ، والترمذي ( 1883 ) ، وقال : حسن صحيح ، وابن ماجة ( 3301 ) ، وصححه الألباني .

                          [6] - أحمد : 6 / ، والنسائي ( 1361 ) ، وصححه الألباني .

                          [7] - أحمد : 2 / 108 ، والترمذي ( 1880 ) ، وقال : صحيح غريب ، وابن ماجة ( 3301 ) ، وصححه الألباني .

                          [8] - الموطأ : 2 / 926 ( 1652 ) .

                          [9] - الموطأ : 2 / 926 ( 1653 ) .

                          [10] - الموطأ : 2 / 926 ( 1654 ) .

                          [11] - الموطأ : 2 / 926 ( 1651 ) .

                          [12] - مسلم ( 2024 ) .

                          [13] - انظر ( فتح الباري ) : 10 / 82 .

                          [14] - مسلم ( 2025 ) .

                          [15] - مسلم ( 2026 ) .

                          [16] - انظر ( شرح السنة ) : 11 / 381 .

                          [17] - انظر ( شرح النووي على مسلم ) : 13 / 195 ، باختصار .

                          [18] - انظر ( فتح الباري ) : 10 / 83 .

                          [19] - انظر ( فتح الباري ) : 10/ 83 ، و( زاد المعاد ) : 4 / 209 .

                          [20] - انظر ( زاد المعاد ) : 4 / 209 .
                          د . محمد عطية

                          تعليق


                          • #13
                            4 – التسمية
                            هذا من الأدب العام في الشراب والطعام ، وهو من أسباب البركة فيهما ، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يَشْرَبُ فِي ثَلاثَةِ أَنْفَاسٍ ، إِذَا أَدْنَى الإِنَاءَ إِلَى فِيهِ سَمَّى اللَّهَ ، فَإِذَا أَخَّرَهُ حَمِدَ اللَّهَ ، يَفْعَلُ بِهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ ( [1] ) .
                            قال ابن القيم – : وللتسمية في أول الطعام والشراب، وحمد الله في آخره ، تأثير عجيب في نفعه ، واستمرائه ، ودفع مضرته ( [2] ) .
                            والحديث يدل على أنه تستحب التسمية عند الشرب ، وبعد النفس ، ويستحب الحمد بعد تأخير الإناء ، أي أن التسمية تكون ثلاث مرات ، وكذلك الحمد ثلاث مرات .


                            [1] - رواه الطبراني في الأوسط ( 840 ) ، وحسن إسناده الحافظ ابن حجر في الفتح : 16 / 112 ، وقال : وَأَصْله فِي اِبْن مَاجَهْ ، وَلَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود عِنْد الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ ؛ وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس : " وَسَمُّوا إِذَا أَنْتُمْ شَرِبْتُمْ ، وَاحْمَدُوا إِذَا أَنْتُمْ رَفَعْتُمْ " ، وَهَذَا يَحْتَمِل أَنْ يَكُون شَاهِدًا لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة الْمَذْكُور ، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِهِ فِي الِابْتِدَاء وَالِانْتِهَاء فَقَطْ ، وَاَللَّه أَعْلَم .

                            [2] - انظر ( زاد المعاد ) : 4 / 210 .
                            د . محمد عطية

                            تعليق


                            • #14
                              5 – التنفس ثلاثا عند الشرب
                              هذا أدب فيه من الفوائد الكثير ، ففي صحيح مسلم عَنْ أَنَسٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللهِ يَتَنَفَّسُ فِي الشَّرَابِ ثَلاَثًا ، وَيَقُولُ : " إِنَّهُ أَرْوَى ، وَأَبْرَأُ ، وَأَمْرَأُ " ؛ قَالَ أَنَسٌ : فَأَنَا أَتَنَفَّسُ فِي الشَّرَابِ ثَلاَثًا ( [1] ) ؛ وأروى : من الري ، أي : أكثر ريًّا ؛ وأبرأ ، أي : أبرأ من ألم العطش ، وقيل : أبرأ ، أي : أسلم من مرض أو أذى يحصل بسبب الشرب في نفسٍ واحد ؛ ومعنى أمرأ ، أي : أجمل انسياغًا .
                              قال ابن القيم - : الشراب في لسان الشارع وحملة الشرع هو الماء ، ومعنى تنفسه في الشراب : إبانته القدح عن فيه ، وتنفسه خارجه ، ثم يعود إلى الشراب ، كما جاء مصرحًا به في الحديث الآخر : " إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في القدح ، ولكن ليبن الإناء عن فيه " ( [2] ) ؛ وفي هذا الشرب حكم جمة ، وفوائد مهمة ، وقد نبه على مجامعها بقوله : " إِنَّهُ أَرْوَى ، وَأَبْرَأُ ، وَأَمْرَأُ " ، فأروى : أشدُّ ريًّا وأبلغه وأنفعه ، وأبرأ : أفعل من البرء ، وهو الشفاء ، أي : يبرئ من شدة العطش ودائه ، لتردده على المعدة الملتهبة دفعات ، فتسكن الدفعة الثانية ما عجزت الأولى عن تسكينه ، والثالثة ما عجزت الثانية عنه ؛ وأيضًا فإنه أسلم لحرارة المعدة ، وأبقى عليها من أن يهجم عليها البارد وهلة واحدة ، ونهلة واحدة ؛ وأيضًا فإنه لا يروي لمصادفته لحرارة العطش لحظة ثم يقلع عنها ولما تكسر سورتها وحدتها ، وإن انكسرت لم تبطل بالكلية ، بخلاف كسرها على التمهل والتدريج ؛ وأيضًا فإنه أسلم عاقبة ، وآمن غائلة ، من تناول جميع ما يروي دفعة واحدة ، فإنه يخاف منه أن يطفئ الحرارة الغريزية بشدة برده ، وكثرة كميته ، أو يضعفها ، فيؤدي ذلك إلى فساد مزاج المعدة والكبد ، وإلى أمراض رديئة ، خصوصًا في سكان البلاد الحارة كالحجاز واليمن ونحوهما ، أو في الأزمنة الحارة ، كشدة الصيف ؛ فإن الشرب وهلة واحدة مخوف عليهم جدًّا ، فإن الحار الغريزي ضعيف في بواطن أهلها ، وفي تلك الأزمنة الحارة .
                              وقوله : " وَأَمْرَأُ " هو أفعل من مريء الطعام والشراب في بدنه إذا دخله وخالطه بسهولة ولذة ونفع ، ومنه : فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا [ النساء : 4 ] ، هنيئا في عاقبته ، مريئا في مذاقه ؛ وقيل : معناه أنه أسرع انحدارًا عن المريء لسهولته وخفته عليه ، بخلاف الكثير فإنه لا يسهل على المريء انحداره .
                              ومن آفات الشرب نهلة واحدة أنه يخاف منه الشرق ، بأن ينسد مجرى الشراب لكثرة الوارد عليه ، فيغص به ، فإذا تنفس رويدًا ثم شرب أمن من ذلك .
                              ومن فوائده : أن الشارب إذا شرب أول مرة تصاعد البخار الدخاني الحار الذي كان على القلب والكبد ، لورود الماء البارد عليه ، فأخرجته الطبيعة عنها ، فإذا شرب مرة واحدة ، اتفق نزول الماء البارد وصعود البخار فيتدافعان ويتعالجان ، ومن ذلك يحدث الشرق والغصة ، ولا يتهنأ الشارب بالماء ، ولا يمرئه ، ولا يتم ريه ، وقد روى عبد الله بن المبارك والبيهقي وغيرهما عن النبي : " إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَمُصَّ مَصًّا ، وَلاَ يَعُبَّ عَبًّا ، فَإِنَّ الْكُبَادَ مِنَ الْعَبِّ " ( [3] ) ؛ والكباد ( بضم الكاف وتخفيف الباء ) هو وجع الكبد ، وقد علم بالتجربة أن ورود الماء جملة واحدة على الكبد يؤلمها ويضعف حرارتها ؛ وسبب ذلك المضادة التي بين حرارتها وبين ما ورد عليها من كيفية المبرود وكميته ، ولو ورد بالتدريج شيئًا فشيئًا لم يضاد حرارتها ، ولم يضعفها ، وهذا مثاله صب الماء البارد على القدر وهي تفور ، لا يضرها صبه قليلًا قليلا ، وقد روى الترمذي في جامعه عنه : " لَا تَشْرَبُوا وَاحِدًا كَشُرْبِ الْبَعِيرِ ، وَلَكِنْ اشْرَبُوا مَثْنَى وَثُلَاثَ ، وَسَمُّوا إِذَا أَنْتُمْ شَرِبْتُمْ ، وَاحْمَدُوا إِذَا أَنْتُمْ رَفَعْتُمْ " ( [4] ) .
                              وروى الترمذي والحاكم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ نَهَى عَنْ النَّفْخِ فِي الشُّرْبِ ، فَقَالَ رَجُلٌ : الْقَذَاةُ أَرَاهَا فِي الْإِنَاءِ ! قَالَ : " أَهْرِقْهَا " ، قَالَ : فَإِنِّي لَا أُرْوَى مِنْ نَفَسٍ وَاحِدٍ ، قَالَ : " فَأَبِنْ الْقَدَحَ إِذَنْ عَنْ فِيكَ " ( [5] ) .
                              قال ابن تيمية – – تعليقًا على حديث أبي سعيد : فَلَمْ يَنْهَ النَّبِيُّ عَنْ الشُّرْبِ بِنَفَسِ وَاحِدٍ ؛ وَلَكِنْ لَمَّا قَالَ لَهُ الرَّجُلُ : إنِّي لَا أُرْوَى مِنْ نَفَسٍ وَاحِدٍ ، قَـالَ : " أَبِنْ الْقَدَحَ عَنْ فِيك " أَيْ : لِتَتَنَفَّسْ إذَا احْتَجْت إلَى النَّفَسِ خَارِجَ الْإِنَاءِ ؛ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَوْ رُوِيَ فِي نَفَسٍ وَاحِدٍ وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى النَّفَسِ جَازَ ؛ وَمَا عَلِمْت أَحَدًا مِنْ الْأَئِمَّةِ أَوْجَبَ التَّنَفُّسَ وَحَرَّمَ الشُّرْبَ بِنَفَسِ وَاحِدٍ ؛ وَفِعْلُهُ يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ، كَمَا كَانَ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنَ فِي تَنَعُّلِهِ ، وَتَرَجُّلِهِ ، وَطَهُورِهِ ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ ؛ وَلَوْ بَدَأَ فِي الطِّهَارَةِ بِمَيَاسِرِهِ قَبْلَ مَيَامِنِهِ كَانَ تَارِكًا لِلِاخْتِيَارِ ، وَكَانَ وُضُوءُهُ صَحِيحًا مِنْ غَيْرِ نِزَاعٍ أَعْلَمُهُ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ ( [6] ) .
                              قلت : في مصنف ابن أبي شيبة عن ميمون بن مهران قال : رآني عمر بن عبد العزيز وأنا أشرب ، فجعلت أقطع شرابي وأتنفس ، فقال : إنما هي أن تتنفس في الإناء ، فإذا لم تتنفس في الإناء فاشربه إن شئت بنفس واحد ( [7] ) . قال الحافظ في ( الفتح ) : و هو تفصيل حسن ، وقد ورد الأمر بالشرب بنفس واحد من حديث أبي قتادة مرفوعًا ؛ أخرجه الحاكم ، و هو محمول على التفصيل المذكور ( [8] ) .
                              قلت : الحديث المشار إليه ، رواه الحاكم من حديث أبي قتادة مرفوعًا : " إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَشْرَبْ بِنَفَسٍ وَاحِدٍ " ( [9] ) .
                              وجواز الشرب بنفسٍ واحد ، لا ينافي أن السنة أن يشرب بثلاثة أنفاس ، فكلاهما جائز ، لكن الثاني أفضل لحديث أنسٍ المتقدم : كَانَ رَسُولُ اللهِ يَتَنَفَّسُ فِي الشَّرَابِ ثَلاَثًا ، وَيَقُولُ : " إِنَّهُ أَرْوَى ، وَأَبْرَأُ ، وَأَمْرَأُ " ؛ والعلم عند الله تعالى .


                              [1] - مسلم ( 2028 ) ، ورواه البخاري ( 5308 ) مختصرًا .

                              [2] - رواه ابن ماجة ( 3427 ) عَن أَبِي هُرَيْرَةَ t قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e : " إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الْإِنَاءِ ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيُنَحِّ الْإِنَاءَ ، ثُمَّ لِيَعُدْ إِنْ كَانَ يُرِيدُ " ، وإسناده صحيح .

                              [3] - البيهقي في ( السنن الكبرى ) : 7 / 284 ( 14436 ) مرسلا .

                              [4] - انظر ( زاد المعاد ) : 4 / 210 ؛ وحديث الترمذي رواه ( 1885 ) عن ابن عباس ، وفي سنده : يزيد بن سنان ، أبو فروة الرهاوي ، وهو ضعيف ، وشيخه فيه مجهول ، فالحديث ضعيف .

                              [5] - الترمذي ( 1887 ) وصححه ، والحاكم ( 7208 ) ، وصححه ووافقه الذهبي .

                              [6] - انظر ( مجموع الفتاوى ) : 32 / 209 .

                              [7] - ابن أبي شيبة ( 24165 ) ، ونقل جواز الشرب بنفس واحد عن ابن المسيب ( 24164 ) ، وعطاء ( 24163 ) .

                              [8] - انظر ( فتح الباري ) : 10 / 95 ، 96 .

                              [9] - الحاكم ( 7207 ) وصححه على شرطهما .
                              د . محمد عطية

                              تعليق


                              • #15
                                النهي عن التنفس في الإناء
                                هذا من الأدب الذي فيه رعاية من يشرب معه ، كما أن فيه رعاية نفسه أيضًا ، فربما تقذره هو - كما يتقذره الآخرون - إذا رأى فيه شيئًا خرج من تنفسه أو نفخه في الإناء .
                                في الصحيحين عَنْ أَبِى قَتَادَةَ أَنَّ النَّبِيَّ نَهَى أَنْ يَتَنَفَّسَ فِي الإِنَاءِ ( [1] ) ؛ وروى أحمد وأبو داود والترمذي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ – - أَنَّ النَّبِيَّ نَهَى أَنْ يُتَنَفَّسَ فِي الْإِنَاءِ ، أَوْ يُنْفَخَ فِيهِ ( [2] ) . قال ابن القيم - : وأما النفخ في الشراب فإنه يكسبه من فم النافخ رائحة كريهة يعاف لأجلها ، ولا سيما إن كان متغير الفم ؛ وبالجملة : فأنفاس النافخ تخالطه ، ولهذا جمع رسول الله بين النهي عن التنفس في الإناء ، والنفخ فيه في الحديث الذي رواه الترمذي وصححه عن ابن عباس - - قال : نَهَى رَسُولُ اللهِ أَنْ يُتَنَفَّسَ فِي الْإِنَاءِ ، أَوْ يُنْفَخَ فِيهِ ( [3] ) .
                                وروى أبو يعلى والحاكم وصححه عَن أبي هُرَيرة قال : قال رَسُول اللهِ : " لا يتنفس أحدكم في الإناء إذا كان يشرب فيه ، ولكن إذا أراد أن يتنفس فليؤخر ، ثم ليتنفس " ( [4] ) ؛ ومعنى ( الْقَذَاةُ أَرَاهَا فِي الْإِنَاءِ ) أي : القشة ، أو شيء تستقذره النفس ، فيريد أن يبعده بنفخة ؛ قال : " أَهْرِقْهَا " أي : لا تبعده بالنفخ ، ولكن أهرقها ، أي : اسكب من الماء ما ينزل معه هذه القذاة .
                                ثم بيَّن النبي لمن أراد أن يتنفس كيف يفعل ، فقال : " ولكن إذا أراد أن يتنفس فليؤخر ، ثم ليتنفس " أي : يؤخر الإناء عن فمه ، ثم يتنفس .


                                [1] - البخاري ( 5307 ) ، ومسلم ( 267 ) .

                                [2] - أحمد : 1 / 220 ، وأبو داود ( 3728 ) ، والترمذي ( 1888 ) وصححه ، وابن ماجة ( 3428 ) .

                                [3] - انظر ( زاد المعاد ) : 4 / 215 .

                                [4] - أبو يعلى ( 6677 ) ، والحاكم ( 7207 ) ، وصححه ، ووافقه الذهبي .
                                د . محمد عطية

                                تعليق


                                • #16
                                  6 - حمد الله تعالى بعد الشرب
                                  تقدم ما رواه مسلم عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : " إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا ، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا " ، وتقدم - أيضًا - حديث أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يَشْرَبُ فِي ثَلاثَةِ أَنْفَاسٍ ، إِذَا أَدْنَى الإِنَاءَ إِلَى فِيهِ سَمَّى اللَّهَ ، فَإِذَا أَخَّرَهُ حَمِدَ اللَّهَ ، يَفْعَلُ بِهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ .
                                  وفي حمد الله تعالى بعد الشرب شكر لنعمة الله تعالى .
                                  د . محمد عطية

                                  تعليق


                                  • #17
                                    7 - مناولة من على اليمين
                                    هذا أدب راقٍ يعلمنا إياه النبي ، رعاية للجميع ، وحتى لا يدخل في نفس أحد ممن يشارك في الشرب شيء ، فمن شرب في مجتمع من الناس فليعط من عن يمينه ، وإن كان الذي عن شماله أفضل ؛ فقد روى مالك ومن طريقه الشيخان عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أُتِيَ بِلَبَنٍ قَدْ شِيبَ بِمَاءٍ ، وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ ، وَعَنْ شِمَالِهِ أَبُو بَكْرٍ ، فَشَرِبَ ثُمَّ أَعْطَى الْأَعْرَابِيَّ ، وَقَالَ : " الْأَيْمَنَ فَالْأَيْمَنَ " ، وَفِي رِوَايَةٍ : قَالَ أَنَسٌ : فَهِيَ سُنَّةٌ ، فَهِيَ سُنَّةٌ ، فَهِيَ سُنَّةٌ ( [1] ) ؛ و شيب ، أي : خُلِطَ .
                                    وروى مالك ومن طريقه الشيخان عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أُتِيَ بِشَرَابٍ ، فَشَرِبَ مِنْهُ ؛ وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ ، وَعَنْ يَسَارِهِ الْأَشْيَاخُ ، فَقَالَ لِلْغُلَامِ : " أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلَاءِ " فَقَالَ الْغُلَامُ : وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا ؛ قَالَ : فَتَلَّهُ رَسُولُ اللَّهِ e فِي يَدِهِ ( [2] ) ؛ وتَلَّهُ ، أي : ألقاه ووضعه في يده ؛ وهذا الغلامُ هُوَ ابْنُ عباس .
                                    قال النووي – : فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث بَيَان هَذِهِ السُّنَّة الْوَاضِحَة ، وَهُوَ مُوَافِق لِمَا تَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ دَلَائِل الشَّرْع مِنْ اِسْتِحْبَاب التَّيَامُن فِي كُلّ مَا كَانَ مِنْ أَنْوَاع الْإِكْرَام ؛ وَفِيهِ أَنَّ الْأَيْمَن فِي الشَّرَاب وَنَحْوه يُقَدَّم ، وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا أَوْ مَفْضُولًا ؛ لِأَنَّ رَسُول اللَّه قَدَّمَ الْأَعْرَابِيّ وَالْغُلَام عَلَى أَبِي بَكْر ( [3] ) .
                                    فائدة : فِي الحديث جَوَازُ شَوْبِ اللَّبَنِ ، أَيْ : خَلْطِهِ بِالْمَاءِ ، إذَا كَانَ الْقَصْدُ اسْتِعْمَالَهُ لِنَفْسِهِ ، أَوْ لِأَهْلِ بَيْتِهِ ، أَوْ لِأَضْيَافِهِ ؛ وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ شَوْبُهُ بِالْمَاءِ فِيمَا إذَا أَرَادَ بَيْعَهُ ؛ لِأَنَّهُ غِشٌّ ؛ قَالَ الْعُلَمَاءُ : وَالْحِكْمَةُ فِي شَوْبِهِ أَنْ يَبْرُدَ ، أَوْ يَكْثُرَ ، أَوْ لِلْمَجْمُوعِ .ا.هـ ( [4] ) .


                                    [1] - الموطأ : 2 / 926 ( 1655 ) ، والبخاري ( 5296 ) ، ومسلم ( 2029 ) .

                                    [2] - الموطأ : 2 / 926 ( 1656 ) ، والبخاري ( 5297 ) ، ومسلم ( 2030 ) .

                                    [3] - انظر ( شرح النووي على مسلم ) : 7 / 71 .

                                    [4] - انظر ( شرح النووي على مسلم ) : 13 / 201 .
                                    د . محمد عطية

                                    تعليق


                                    • #18
                                      8 - ساقي القوم آخرهم شربًا
                                      هذا أدب جميل يعلِّمُنا إياه النبي ، فمن تولى سقاية الناس فلا يشرب حتى يشرب جميعهم ، ويكون هو آخرهم شربًا .
                                      روى أحمد وأبو داود والترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ : " سَاقِي الْقَوْمِ آخِرُهُمْ شُرْبًا " ( [1] ) ، ورواه الترمذي وابن ماجة عن أبي قتادة ( [2] ) ، وهو جزء من حديث رواه مسلم عن أبي قتادة ( [3] ) .


                                      [1] - أحمد : 4 / 354 ، 382 ، وأبو داود ( 3725 ) ، وصححه الألباني .

                                      [2] - أحمد : 5 / 302 ، 305 ، والترمذي ( 1894 ) وصححه ، والنسائي في الكبرى ( 6867 ) ، وابن ماجة ( 3434 ) .

                                      [3] - مسلم ( 681 ) .
                                      د . محمد عطية

                                      تعليق


                                      • #19
                                        آداب خاصة بشرب اللبن
                                        يتعلق بشرب اللبن أدبان :
                                        الأول : المضمضة ؛ ففي الصحيحين عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ – - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ شَرِبَ لَبَنًا فَمَضْمَضَ ، وَقَالَ : " إِنَّ لَهُ دَسَمًا " ؛ وعند مسلم : ( ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَتَمَضْمَضَ ) ؛ وقوله : " إِنَّ لَهُ دَسَمًا " ( [1] ) ، هو ما يظهر على اللبن من الدهن ؛ وهذا تعليل للمضمضة ؛ قال ابن حجر – : فيه بيان العلة للمضمضة من اللبن ، فيدل على استحبابها من كل شيء دَسِم ، ويستنبط منه استحباب غسل اليدين للتنظيف ( [2] ) .
                                        الثاني : اللّهُمّ بارِكْ لَنَا فِيهِ ، وَزِدْنَا مِنْهُ : روى أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة أن النبي قال : مَنْ أَطْعَمه الله طعامًا فليقل : " اللهمّ بَارِك فيه ، وأَطْعِمْنَا خَيْرًا مِنْهُ ؛ وَمَنْ سَقَاهُ الله لَبَنًا ، فَلْيَقُلْ : اللّهُمّ بارِكْ لَنَا فِيهِ ، وَزِدْنَا مِنْهُ " وَقالَ رَسُولُ الله : " لَيْسَ شَيْءٌ يُجْزِئُ مَكانَ الطّعَامِ وَالشّرَابِ غَيْرَ اللّبَنِ " ( [3] ) ؛ أي : ليس شيء يكفي في دفع الجوع والعطش معًا مكان الطعام والشراب ، أي : مكان جنس المأكول والمشروب وبدلهما غير اللبن .


                                        [1] - البخاري ( 208 ، 5286 ) ، ومسلم ( 358 ) .

                                        [2] - انظر ( فتح الباري: 1 / 313 .

                                        [3] - أحمد : 1 / 225 ، 284 ، وأبو داود ( 3730 ) ، والترمذي ( 3455 ) ، وابن ماجة ( 3285 ) .
                                        د . محمد عطية

                                        تعليق


                                        • #20
                                          آداب أخرى
                                          ها هنا آداب أخرى تتعلق بالشرب من في السقاء واختناث الأسقية ، أي ثنيها والشرب منها ، والشرب من ثُلْمَةِ الْقَدَحِ ؛ والكرع .
                                          الشُّربِ مِنْ فِي السِّقَاءِ أو اختناثها
                                          هذا من الآداب التي روعي فيها مصلحة الشارب ، لما في النهي عن الشرب من في السقاء أو اختناثها من الفوائد ، وصح أن النبي شرب من فم قربة معلقة ، بيانًا للجواز عند الحاجة ، وقد حمله بعض أهل العلم على ما لو كان السقاء معلقًا ، فلا تدخله هوام الأرض .
                                          ففي صحيح البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَهَى النَّبِيُّ أَنْ يُشْرَبَ مِنْ فِي السِّقَاءِ ( [1] ) .
                                          وفيه عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ نَهَى النَّبِيُّ عَنْ الشُّرْبِ مِنْ فِي السِّقَاءِ ( [2] ) .
                                          وفي الصحيحين عن أَبي سعيدٍ الْخُدْريِّ قال : نَهَى رسول الله عن اخْتِنَاثِ الأَسْقِيَةِ . يعني : أن تُكْسَرَ أفْواهُها ، وَيُشْرَبَ مِنْهَا . وفي رواية لمسلم : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنِ اخْتِنَاثِ الأَسْقِيَةِ ؛ أَنْ يُشْرَبَ مِنْ أَفْوَاهِهَا ( [3] ) ؛ والاختناث أن يثني رؤوسها ويعطفها ، ثم يشرب منها ؛ وقال ابن حجر - : افتعال من الخنث بالخاء المعجمة والنون والمثلثة، وهو الانطواء والتكسر والانثناء. والأسقية جمع السقاء والمراد به المتخذ من الأدم صغيرًا كان أو كبيرًا ، وقيل : القربة قد تكون كبيرة ، وقد تكون صغيرة ، والسقاء لا يكون إلا صغيرًا ( [4] ) .
                                          وروى أحمد والحاكم عن أَيُّوب ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَهَى أَنْ يُشْرَبَ مِنْ فِي السِّقَاءِ ، قَالَ أَيُّوبُ : فَأُنْبِئْتُ أَنَّ رَجُلًا شَرِبَ مِنْ فِي السِّقَاءِ فَخَرَجَتْ حَيَّةٌ ( [5] ) .
                                          وروى الحاكم عن عائشة - - أَنَّ النَّبِيَّ نَهَى أَنْ يُشْرَب مِنْ فِي السِّقَاء ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُنْتِنهُ ( [6] ) .
                                          والأحاديث تدل على النهي عن الشرب من في السقاء من أجل ما يخاف من أذى عساه يكون فيه لا يراه الشارب ، حتى يدخل جوفه ، فاستحب أن يشرب من إناء ظاهر يُبصره ؛ كما في قول أيوب - ؛ وقد يكون فيها من القذى ما لا يراه - أيضًا - فيؤذيه إذا دخل جوفه .
                                          وعلة أخرى في حديث أم المؤمنين عائشة - : ( لِأَنَّ ذَلِكَ يُنْتِنهُ ) ، قال الخطابي – – في ( معالم السنن ) : وقد قيل إن المعنى في النهي عن ذلك أن الشرب إذا دام فيها خنثت وتغيرت رائحتها ( [7] ) .
                                          قال الحافظ ابن حجر – : وهذا يقتضي أن يكون النهي خاصًّا بمن يشرب فيتنفس داخل الإناء ، أو باشر بفمه باطن السقاء ، أما من صب من القربة داخل فمه من غير مماسة فلا ( [8] ) .
                                          وتقدم حديث كَبْشَةَ - – أنها قالت : دخل عَلَيَّ رسولُ الله فَشَرِبَ مِنْ فيِّ قِرْبَةٍ مُعَلَّقَةٍ قَائِمًا .
                                          قال الخطابي – : فيحتمل أن يكون النهي إنما جاء عن ذلك إذا شرب من السقاء الكبير دون الأداوى ونحوها ، ويحتمل أن يكون إنما أباحه للضرورة والحاجة إليه في الوقت ، وإنما المنهي عنه أن يتخذه الإنسان دربة وعادة ( [9] ) .
                                          قال ابن حجر – : قال شيخنا في ( شرح الترمذي ) : لو فُرِّق بين ما يكون لعذر ، كأن تكون القربة معلقة ، ولم يجد المحتاج إلى الشرب إناء متيسرًا ، ولم يتمكن من التناول بكفه ، فلا كراهة حينئذ ، وعلى ذلك تحمل الأحاديث المذكورة ؛ وبين ما يكون لغير عذر ، فتحمل عليه أحاديث النهي .ا.هـ . قلت : ويؤيده أن أحاديث الجواز كلها فيها أن القربة كانت معلقة ، والشرب من القربة المعلقة أخص من الشرب من مطلق القربة ، ولا دلالة في أخبار الجواز على الرخصة مطلقًا ، بل على تلك الصورة وحدها ، وحملها على حال الضرورة جمعًا بين الخبرين أولى من حملها على النسخ ؛ والله أعلم ( [10] ) .
                                          وذكر ابن القيم في ( زاد المعاد ) لهذا النهي آداب عديدة :
                                          منها : أن تردد أنفاس الشارب فيه يكسبه زهومة ورائحة كريهة يعاف لأجلها .
                                          ومنها : أنه ربما غلب الداخل إلى جوفه من الماء فتضرر به .
                                          ومنها : أنه ربما كان فيه حيوان لا يشعر به فيؤذيه .
                                          ومنها : أن الماء ربما كان فيه قذاة أو غيرها لا يراها عند الشرب فتلج جوفه .
                                          ومنها : أن الشرب كذلك يملأ البطن من الهواء ، فيضيق عن أخذ حظه من الماء ، أو يزاحمه ، أو يؤذيه ... ولغير ذلك من الحكم .
                                          فإن قيل : فما تصنعون بما في جامع الترمذي : أن رسول الله دعا بإداوة يوم أحد فقال : " اخْنُثْ فَمَ الإِدَاوَةِ " ثُمَّ شَرِبَ مِنْ فِيهَا ؟ قلنا : نكتفي فيه بقول الترمذي : هذا حديث ليس إسناده بصحيح وعبد الله بن عمر العمري يضعف من قبل حفظه ولا أدري سمع من عيسى أو لا ؟ انتهى . يريد عيسى بن عبد الله الذي رواه عنه ، عن رجل من الأنصار ( [11] ) .
                                          الحديث المشار إليه ، رواه بهذا اللفظ أبو داود عَنْ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ عِيسَى بْنِ عَبْدِ اللهِ - رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ - عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ دَعَا بِإِدَاوَةٍ يَوْمَ أُحُدٍ ، فَقَالَ : " اخْنُثْ فَمَ الإِدَاوَةِ " ثُمَّ شَرِبَ مِنْ فِيهَا ( [12] ) .
                                          وأما حديث الترمذي فرواه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ عِيسَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُنَيْسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : رَأَيْتُ النَّبِيَّ قَامَ إِلَى قِرْبَةٍ مُعَلَّقَةٍ ، فَخَنَثَهَا ، ثُمَّ شَرِبَ مِنْ فِيهَا ... قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِصَحِيحٍ ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ ، وَلَا أَدْرِي سَمِعَ مِنْ عِيسَى أَمْ لَا ؟ ( [13] ) ؛ والظاهر أن ابن القيم - - أراد رواية أبي داود فوهم - - في العزو إلى الترمذي ، بدليل قوله : ( يريد عيسى بن عبد الله الذي رواه عنه ، عن رجل من الأنصار ) ، والذي يبدو أنهما روايتان لحديث واحد .


                                          [1] - البخاري ( 5305 ) .

                                          [2] - البخاري ( 5306 ) .

                                          [3] - البخاري ( 5302 ، 5303 ) ، ومسلم ( 2023 ) .

                                          [4] - انظر ( فتح الباري ) : 10 / 89 .

                                          [5] - أحمد : 2 / 487 ، ورواه الحاكم ( 7213 ) بهذا اللفظ وصححه على شرط البخاري .

                                          [6] - الحاكم ( 7211 ) وصححه ، وقال الذهبي : على شرط مسلم ، وقوَّى إسناده الحافظ في ( فتح الباري ) : 10 / 91 .

                                          [7] - انظر ( معالم السنن ) لأبي سليمان الخطابي : 3 / 114 .

                                          [8] - انظر ( فتح الباري ) : 10 / 91 .

                                          [9] - انظر ( معالم السنن ) لأبي سليمان الخطابي : 3 / 114 .

                                          [10] - انظر ( فتح الباري ) : 10 / 92 .

                                          [11] - انظر ( زاد المعاد ) : 4 / 213 .

                                          [12] - أبو داود ( 2731 ) وقال الألباني : منكر .

                                          [13] - الترمذي ( 1891 ) وقال الألباني : منكر .
                                          د . محمد عطية

                                          تعليق


                                          • #21
                                            النهي عن الشُّرْبِ مِنْ ثُلْمَةِ الْقَدَحِ
                                            هذا – أيضًا – من الآداب التي روعي فيها مصلحة الشارب ، لما في الشرب من ثلمة القدح من المفاسد .
                                            روى أحمد وأبو داود عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنِ الشُّرْبِ مِنْ ثُلْمَةِ الْقَدَحِ ، وَأَنْ يُنْفَخَ فِي الشَّرَابِ ( [1] ) ؛ ورواه الطبراني عن سهل بن سعد بلفظ : نَهَى أَنْ يُنْفَخَ فِي الشَّرَابِ ، وَأَنْ يُشْرَبَ مِنْ ثَلَمَةِ الْقَدَحِ أَوْ أُذُنِهِ ( [2] ) ؛ وفي مصنف ابن أبي شيبة عن ابن عمر وابن عباس قالا : كان يكره أن يشرب من ثلمة القدح ، أو من عند أذن القدح ( [3] ) ؛ وفيه - أيضًا - عن إبراهيم ( النخعي ) قال : كانوا يكرهون أن يُشرب من الثلمة تكون في الإناء ، أو يشرب من قبل أذنه ( [4] ) .
                                            قال الخطابي - : إنما نهى عن الشراب من ثلمة القدح لأنه إذا شرب منها تصبب الماء ، وسال قطره على وجهه وثوبه ؛ لأن الثلمة لا تتماسك عليها شفة الشارب ، كما تتماسك على الموضع الصحيح من الكوز والقدح ؛ وقد قيل : إنه مقعد الشيطان ، فيحتمل أن يكون المعنى في ذلك أن موضع الثلمة لا ينال التنظيف التام إذا غسل الإناء ، فيكون شربه على غير نظافة ، وذلك من فعل الشيطان وتسويله ؛ وكذلك إذا خرج الماء فسال من الثلمة فأصاب وجهه وثوبه ، فإنما هو من إعنات الشيطان وإيذائه إياه ؛ واللّه أعلم ( [5] ) .
                                            قال ابن القيم – : وهذا من الآداب التي تتم بها مصلحة الشارب فإن الشرب من ثلمة القدح فيه عدة مفاسد :
                                            أحدها : أن ما يكون على وجه الماء من قذى أو غيره يجتمع إلى الثلمة ، بخلاف الجانب الصحيح .
                                            الثاني : أنه ربما شوش على الشارب ، ولم يتمكن من حسن الشرب من الثلمة .
                                            الثالث : أن الوسخ والزهومة تجتمع في الثلمة ، ولا يصل إليها الغسل ، كما يصل إلى الجانب الصحيح .
                                            الرابع : أن الثلمة محل العيب في القدح ، وهي أردأ مكان فيه ، فينبغي تجنبه ، وقصد الجانب الصحيح ؛ فإن الرديء من كل شيء لا خير فيه ، ورأى بعض السلف رجلا يشتري حاجة رديئة ، فقال : لا تفعل ، أما علمت أن الله نزع البركة من كل رديء .
                                            الخامس : أنه ربما كان في الثلمة شق أو تحديد يجرح فم الشارب .
                                            ولغير هذه من المفاسد .ا.هـ ( [6] ) .


                                            [1] - أحمد : 3 / 80 ، وأبو داود ( 3722 ) ، ورواه ابن حبان ( 5315 ) .

                                            [2] - الطبراني في الكبير : 6 / 125 ( 5722 ) ، .

                                            [3] - ابن أبي شيبة ( 24160 ) .

                                            [4] - ابن أبي شيبة ( 24161 ) ، ونحوه عن مجاهد ( 24162 ) .

                                            [5] - انظر ( معالم السنن ) لأبي سليمان الخطابي : 3 / 115 ؛ والإعنات من العنت ، وهو المشقة .

                                            [6] - انظر ( زاد المعاد ) : 4 / 215 .
                                            د . محمد عطية

                                            تعليق


                                            • #22
                                              الْكَرْعِ
                                              الكرع : هُوَ الشرب بالفم من النهر أو الحوض وغير ذلك ، بغير إناء ولا كف ؛ وقد جاء ما يفيد جوازه عند الحاجة ؛ ففي صحيح البخاري عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ دَخَلَ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ وَمَعَهُ صَاحِبٌ لَهُ ، فَسَلَّمَ النَّبِيُّ وَصَاحِبُهُ ، فَرَدَّ الرَّجُلُ ؛ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ، وَهِيَ سَاعَةٌ حَارَّةٌ ! وَهُوَ يُحَوِّلُ فِي حَائِطٍ لَهُ - يَعْنِي الْمَاءَ - فَقَالَ النَّبِيُّ : " إِنْ كَانَ عِنْدَكَ مَاءٌ بَاتَ فِي شَنَّةٍ ، وَإِلَّا كَرَعْنَا " ، وَالرَّجُلُ يُحَوِّلُ الْمَاءَ فِي حَائِطٍ ؛ فَقَالَ الرَّجُلُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، عِنْدِي مَاءٌ بَاتَ فِي شَنَّةٍ ، فَانْطَلَقَ إِلَى الْعَرِيشِ ، فَسَكَبَ فِي قَدَحٍ مَاءً ، ثُمَّ حَلَبَ عَلَيْهِ مِنْ دَاجِنٍ لَهُ ، فَشَرِبَ النَّبِيُّ ، ثُمَّ أَعَادَ ، فَشَرِبَ الرَّجُلُ الَّذِي جَاءَ مَعَهُ ( [1] ) . الشنَّة : القِربة .
                                              وفي الحديث جواز الكرع عند الحاجة .


                                              [1] - البخاري ( 5290 ، 5298 ) .
                                              د . محمد عطية

                                              تعليق


                                              • #23
                                                خاتمة
                                                هذا ما يسره الله الكريم في تسطير هذه الآداب ، وأساله سبحانه أن يتقبلها ، وأن ينفع بها ؛ وما كان فيها من صواب فبتوفيق الله وحده ، وله الحمد والمنة ، وما كان من تقصير فمني ومن الشيطان ، وأستغفر الله العظيم منه .
                                                لكن قـدرة مثلي غير خافية ... والنمل يعذر في القدر الذي حملا
                                                والله أسأل التوفيق والسداد ، لا رب غيره ، ولا أرجو إلا خيره ، عليه توكلت وإليه أنيب ، وهو حسبي ونعم الوكيل ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
                                                د . محمد عطية

                                                تعليق

                                                20,084
                                                الاعــضـــاء
                                                238,474
                                                الـمــواضـيــع
                                                42,934
                                                الــمــشـــاركـــات
                                                يعمل...
                                                X