إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • #16
    الاخلاق في ظل امبراطورية روما قبل المسيح ب 70 تقريبا
    :"
    كان ازدياد الثراء وفساد الأخلاق من أكبر العوامل في الانحلال الخلقي وانفصام رابطة الزواج. وظلت الدعارة منتشرة في البلاد رغم ازدياد التنافس من النساء ومن الرجال. وازداد عدد المواخير والحانات التي تأوي هؤلاء العاهرات زيادة جعلت بعض الساسة يلجئون في الحصول على أصوات الناخبين إلى اتحاد أصحاب المواخير(35). واصبح الزنى من الأمور العادية، وألفه الناس حتى لم يعد يستلفت أنظار إنسان ما غلا إذا استخدم للأغراض السياسية. ولم يكن ثمة امرأة موسرة إلا طلقت مرة على الأقل. ولم يكن اللوم في ذلك واقعاً على النساء، فقد كان أكبر أسباب انتشار الطلاق أن الزواج عند الطبقات العليا أصبح خاضعاً لمال وللسياسة. ذلك أن الرجال كانوا يختارون أزواجهم أو كانت الأزواج يخترن للشبان ليحصلوا منهن على أكبر البائنات أو على صلات يفيدون منها جاهاً ومالاً. وقد تزوج صلا وبمبي خمس مرات. وأراد صلا أن يضم بمبي إلى جانبه فأقنعه بالتخلص من زوجته الأولى والاقتران بإميليا ربيبة صلا، وكانت وقتئذ متزوجة وحاملاً.ووافقت إميليا على هذا الزواج مكرهة ولكنها ماتت في أثناء الوضع عقب انتقالها إلى بيت بمبي. وزوج قيصر ابنته يوليا Julia إلى بمبي ليضمن بذلك انضمامه إليه في الحلف الثلاثي. وأغضبت كاتو هذه الحال فوصفها بقوله "عن الإمبراطورية أصبحت توكيلاً لإدارة شؤون الزواج"(25). ولم تكن هذه الزيجات إلا زيجات سياسية، إذا تم النفع المرجو منها تطلع الزوج إلى زوجة أخرى يرقى على كتفيها إلى منصب أعلى أو مال أوفر. ولم يكن ثمة حاجة إلى سبب يبديه، وحسبه أن يرسل غليها خطاباً يبلغها فيه أنها أصبحت حرة في شؤونها كما أصبح هو حراً في شؤونه. وامتنع بعض الرجال عن الزواج امتناعاً تاماً، وكانت حجتهم في هذا أن المرأة الجديدة قد ذهب حياؤها وأسرفت في حريتها، واكتفى كثيرون منهم باتخاذ السراري والإماء. وكان الرقيب متلس المقدوني Metellus Macedonicus(131) يرجو الرجال أن يتزوجوا وينجبوا البناء لأن هذا واجب تفرضه عليهم الدولة مهما ضاقت نفوسهم بالزوجات(26)، ولكن عدد الأعزاب والزيجات العقيمة أخذ بعد هذا النصح يزداد أسرع قبله، وأصبح الأطفال من الكماليات التي لا يطيقها إلا الفقراء.
    وهل تلام المرأة وهي تعيش في هذه الظروف إذا استخفت بقسم الزواج ووجدت في الصلات الجنسية غير المشروعة الحب والعطف اللذين لم ينلها إياهما الزواج السياسي. لقد كانت هناك بطبيعة الحال كثرة من النساء الصالحات حتى بين الأغنياء أنفسهم، ولكن الحرية الجديدة أخذت تحطم ما كان للأب من سيطرة تامة على أسرته Patria Potestas كما أخذت تحطم كيان الأسرة بأكمله. وخلعت النساء الرومانيات العذار، وكان لهن من الحرية مثل ما للرجال سواء بسواء، واتخذن لهن أثواباً من الحرير المهلل الشفاف المستورد من الهند والصين، وأرسلن رسلهن يجوبون أسواق آسيا ليأتوهن بالحلي والعطور، واختفى الزواج الذي يتبعه انتقال الزوجة إلى دار زوجها Marriahe cum manu، وكانت النساء يطلقن أزواجهن كما يطلق الرجال زوجاتهم. وأخذت طائفة متزايدة من النساء تنفس عن نفسها بالأعمال الثقافية، فتعلمن اللغة اليونانية، ودرسن الفلسفة، وكتبن الشعر، وألقين المحاضرات العامة، ولعبن وغنين ورقصن، وأقمن الندوات الأدبية واشتغل بعضهن بالتجارة والشؤون المالية، ومارست فئة منهن صناعة الطب أو المحاماة.
    وكانت كلوديا Clodia زوج كونتس كاسليوس متلس Quintus Caecilius Metellus اشهر النساء اللاتي أكملن ما في أزواجهن من نقص بالقيام بطائفة
    من أعمال الفروسية والشهامة، فقد تمتلكها نزعة قوية للدفاع عن حقوق النساء، وهزت مشاعر الجيل القديم بسيرها بعد زواجها مع أصدقائها الرجال دون أن يكون معها مَحْرَم، وكانت تستقبل تعرف من أصدقائها وتقبلهم أحياناً على ملأ من الناس، بدل أن تغض الطرف وتنزوي في عربتها شأن النساء الراقيات في عرف تلك الأيام. وكانت تولم الولائم لأصدقائها من الرجال، وكان زوجها يعتمد الغياب في أثنائها كما كان يفعل بعدئذ ماركيز ده شاتليه Marquis ds chatelet. ويصف شيشرون- وهو الرجل الذي لا يوثق بوصفه- "حبها، وزناها، وعهرها، وأغانيها، وما كانت تقيمه من حفلات موسيقية وولائم الطعام، ومقاصف الشراب في بايا Baiae براً وبحراً"(37). وكانت في الحق امرأة ماهرة إذا زلت في ظرف وكياسة، يعجز الإنسان عن ألا يزل معها، ولكنها أخطأت في الاستخفاف بأنانية الرجال. لقد كان كل واحد من عشاقها يحب أن يستأثر بها حتى تفتر شهوته، كما كان كل واحد منهم يصبح عدوها الألد حين تتخذ لها صديقاً غيره. ومن أجل ذلك لطخها كتلس Cutullus (إذا كانت هي التي يسميها لزبيا Lesbia) بالنكات البذئية، وذكرها كاليوس Caelius في حديث له عن الذي تُبتاع به أفقر العاهرات، ووصفها كاليوس في المحكمة بأنها تُبتاع بربع آس Quadrantaria (أي ما يعادل 1.5slash100 من الريال الأمريكي). ذلك بأنها كانت قد اتهمته بأنه حاول قتلها بالسم، واستأجر هو شيشرون للدفاع عنه، ولم يتورع الخطيب المدره عن اتهامه بالفسق مع محارمها وبالقتل، وقال في خلال دفاعه إنه رغم هذا "ليس عدواً للنساء وأولى له ألا يكون عدواً لامرأة هي صديقة لكل الرجال". وبرئ كتلس مما اتهم به وجوزيت كلوديا بعض الجزاء لأنها أخت ببليوس كلوديوس أشد الزعماء تطرفا في رومه وألد أعداء شيشرون.
    قصة الحضارة ج9 ص278-280)

    تعليق


    • #17
      "ووصل سوء الحكم وقتئذ إلى غايته كما تأصلت الديمقراطية فيه بدرجة قلما نجد لها نظيراً في تاريخ الدول. وحدث في عام 98 ق.م أن أعاد القائد الروماني ديديوس Didius ما فعله من قبله سلبسيوس جلبا Swpicius Galba فقد خدع قبيلة كاملة من الأسبان المشاغبين حتى استدرجهم إلى معسكر روماني في أسبانيا مدعياً أنه يريد أن يسجل أسماءهم ليوزع الأرض الزراعية عليهم، فلما دخلوا المعسكر هم وأزواجهم وأبناؤهم أمر بهم فذبحوا عن أخرهم، ولما عاد إلى رومه احتفل بعودته احتفال الظافرين(30). ولم يطق هذه الفظائع وأمثالها من ضروب الوحشية التي كان يقترفها رجال الإمبراطورية ضابط سبيني في الجيش الروماني يدعى كونتس سرتوريوس Quintus Sertorius فذهب الأسبان، ونظم صفوفها ودربهم على القتال وقادهم من نصر إلى نصر على الجيوش الرومانية التي سيرت لإخضاعهم، وظل ثماني سنين (80-72) يحكم مملكة ثائرة خارجة على حكم الرومان، كسب في خلافها قلوب الأسبان بحكمه العادل وبإنشاء المدارس لتعليم أبنائهم. وعرض متلس القائد الروماني مائة تالنت أي ما يقارب من 360.000 ريال أمريكي، وعشرين ألف فدان من الأرض مكافأة لأي روماني يقتل سرتويوس العرض السخي أثره فدعاه بربنا Perpenna، وهو لاجئ روماني في معسكره، إلى وليمة، واغتاله، وتولى قيادة الجيش الذي دربه سرتوريوس. وأرسل بمبي لقتال بربنا ولم يلق صعوبة ما في التغلب عليه. وأسر بربنا وأعدم وعاد الرومان إلى استغلال أسبانيا من جديد. وكان العمل الثاني من أعمال الثورة من فعل الأرقاء لا من فعل الأحرار. ذلك أن لنتولس بتياتس lentulus Batiates قد أنشأ في كبوا مدرسة للمصارعين، رجالها من الأرقاء أو المجرمين المحكوم عليهم، ودربهم على صراع الحيوانات أو صراع بعضهم بعضاً، في حلبة الصراع العامة أو في البيوت الخاصة. ولم يكن ينتهي الصراع حتى يقتل المصارع. وحاول مائتان من هؤلاء المصارعين أن يفروا، ونجح منهم ثمانية وسبعون، وتسلحوا واحتلوا أحد سفوح بركان فيزوف، وأخذوا يغيرون على المدن المجاورة طلباً للطعام(37). واختاروا لهم قائداً من أهل تراقية يدعى اسبارتكوس Spartacns ويقول فيه أفلوطرخس إنه "لم يكن رجلاً شهماً وشجاعاً وحسب، بل كان إلى ذلك يفوق الوضع الذي كان فيه ذكاء في العقل ودماثة الأخلاق"(31). وأصدر هذا القائد نداء إلى الأرقاء في إيطاليا يدعوهم إلى الثورة، وسرعان ما التف حوله سبعون ألفاً، ليس منهم إلا من هو متعطش للحرية وللانتقام. وعملهم أن يصنعوا أسلحتهم، وأن يقاتلوا في نظام أمكنهم به أن يتغلبوا على كل قوة سيرت عليهم إخضاعهم. وقذفت انتصاراته الرعب في قلوب أثرياء الرومان، وملأت قلوب الأرقاء أملاً، فهرعوا إليه يريدون الانضواء تحت لوائه، وبلغوا من الكثرة حداً اضطر معه أن يرفض قبول متطوعين جدد بعد أن بلغ عدد رجاله مائة وعشرين ألفاً لأنه لم يكن يسهل عليه أن يعنى بأمرهم. وصار بجيوشه صوب جبال الألب، وغرضه من هذا "أن يعود كل رجل إلى بيته بعد أن يجتاز هذه الجبال"(32). ولكن أتباعه لم يكونوا متشعبين مثله بهذه العواطف الرقيقة السليمة، فتمردوا على قائدهم، وأخذوا ينهبون مدن إيطاليا الشمالية، ويعيثون فيها فساداً. وأرسل مجلس الشيوخ قوات كبيرة بقيادة القنصلين لتأديب العصاة. والتقى أحد الجيشين بقوة منهم كانت قد انشقت على اسبارتكوس وأفنتها عن آخرها. وهوجم الجيش الثاني قوة العصاة الرئيسية فهزمته وبددت شمله. ثم سار اسبارتكوس بعدئذ صوب جبال الألب والتقى في أثناء سيره بجيش ثالث يقوده كاسيوس فهزمه شر هزيمة، ولكنه وجد جيوشاً رومانية أخرى تفق في وجهه وتسد عليه المسالك فولى وجهه شطر الجنوب وزحف على رومه. وكان نصف الأرقاء في إيطاليا متأهبين للثورة، ولم يكن في وسع أحد في العاصمة نفسها أن يتنبأ متى تنشب هذه الثورة في بيته، وكانت تلك الطائفة الموسرة المترفة التي تتمتع بكل ما في وسع الرق أن يمتعها به، كانت تلك الطائفة كلها ترتعد فرائصها فرقاً حين تفكر في أنها ستخسر كل شيء- السيادة والملك والحياة نفسها. ونادى الشيوخ وذوو الثراء يطالبون بقائد قدير، ولكن أحداً لم يتقدم للاضطلاع بهذه القيادة، فقد كان القواد كلهم يخافون هذا العدو الجديد العجيب، ثم تقدم كراسس crassus آخر الأمر وتولى القيادة، وكان تحت إمرته أربعون ألفاً من الجنود، وتطوع كثير من الأشراف في جيشه لأنهم لم ينسوا كلهم تقاليد الطبقة التي ينتمون إليها ولم يكن يخفي على اسبارتكوس أنه يقاتل إمبراطورية بأكملها، وأن رجاله لا يستطيعون أن يصرفوا شؤون العاصمة بله الإمبراطورية نفسها إذا استولوا عليها. فلم يعرج في زحفه على رومه وواصل السير حتى بلغ ثورياي Thurii مخترقاً إيطاليا كلها من شمالها إلى جنوبها، لعله يستطيع نقل رجاله إلى صقلية أو إلى إفريقيا. وظل سنة ثالثة يصد الهجمات التي يشنها عليه الرومان، ولكن جنوده نفذ صبرهم وسئموا القتال، فخرجوا عليه وعصوا أوامره، وأخذوا يعيثون فساداً في المدن المجاورة. والتقى كراسس بجماعة من أولئك النهابين وفتك بهم، وكانوا أثنى عشر ألفاً وثلاثمائة ظلوا يقاتلون إلى آخر رجل فيهم. وفي هذه الأثناء كان جنود بمبي قد عادوا من أسبانيا فأرسلوا لتقوية جيوش كراسس، وأيقن اسبارتكوس أن لا أمل له في الانتصار على هذه الجيوش الحرارة، فانقض على جيش كراسس وألقى بنفسه في وسطه مرحباً بالموت في وسط المعمعة، وقتل بيديه ضابطين من ضباط المئين، ولما أصابته طعنة ألقته على الأرض وأعجزته عن النهوض ظل يقاتل وهو راكع على ركبته إلى أن مات وتمزق جسمه لم يكن من المستطاع أن يتعرف عليه. وهلك معه معظم أتباعه. وفر بعضهم إلى الغابات، وظل الرومان يطاردونهم فيها، وصلب ستة آلاف من الأسرى في الطريق الأبياوي الممتد من كبوا إلى رومه (71). وتركت أجسامهم المتعفنة على هذه الحال عدة شهور تطميناً لجميع السادة وإرهاباً لجميع العبيد.
      قصة الحضارة ج9 ص283 ومابعدها

      تعليق


      • #18
        معلومة عن شيشرون
        يقول أفلوطرخس إن ماركس تليوس إنما سمي شيشرون لأن أحد أجداده كانت له على أنفه ثؤلولة تشبه الحمصة الجبلية (cicer). ولكن أرجح من هذا التعليل أن آباءه قد اكتسبوا هذا اللقب لما كانوا ينتجونه من حمص ذائع الصيت. ويصف شيشرون في كتاب "القوانين" وصفاً رقيقاً يخلب اللب بيته الصغير المتواضع الذي شهد مولده بالقرب من أربينوم Arpinum في منتصف المسافة بين رومه ونابلي على التلال المتصلة بجبال أبنين Appenine. وكان لمولده من الثروة ما يكفيه لأن يعلم ولده خير تعليم يستطيع أن يناله في ذلك الوقت، فاستأجر الشاعر اليوناني أركباس Archias ليعلم ماركس الأدب واللغة اليونانية، ثم أرسله ليدرس القانون مع كونتس موسيوس أسكيفولا Quinuts Mucius Scaevola أعظم رجال القانون في عصره.
        وكان شيشرون يستمع في شوق وانتباه إلى المحاكمات والمناقشات التي تدور في السوق العامة، وسرعان ما أتقن الفنون والأساليب المتبعة في الخطب القانونية. وقد قال في إحدى المناسبات: "من أراد النجاح في القانون فعليه أن يتخلى عن جميع مسراته، ويتجنب كل ضروب اللهو. ويودع التسلية والألعاب والطرب، وأكاد أقول إن عليه أن يقطع صلاته بأصدقائه(26)".
        وسرعان ما كان هو نفسه يشتغل بالقانون ويلقى خطباً رنانة حوت من البلاغة والشجاعة ما أكسبه شكر الطبقات الوسطى والدنيا. وقد قاضى أحد صنائع صلا وشهر بما كان يرتكبه من الاضطهاد حين كان حكم الإرهاب
        الذي أقامه صلا على أشده (80 ق.م)(27). ثم سافر بعد قليل من ذلك الوقت إلى بلاد اليونان، ولعله سافر إليها فراراً من غضب ذلك الطاغية، وظل في تلك البلاد يدرس الفلسفة وفن الخطابة. وبعد أن قضى ثلاث سنين في أثينا هنيئاً سعيداً انتقل إلى رودس حيث استمع إلى محاضرات أبولونيوس Appollonius بن مولون Molon في البلاغة، والى محاضرات بوسيدونيوس Poseidonius في الفلسفة، وتعلم من أولهما تراكيب الجمل المتعاقبة وعفة اللفظ وهما الصفتان اللتان كان يمتاز بهما أسلوبه؛ وتعلم من ثانيهما تلك الرواقية المعتدلة التي نادى بها بعدئذ فيما كتبه من مقالات عن الدين وفن الحكم والصداقة والشيخوخة.
        ثم عاد إلى رومه في سن الثلاثين وتزوج ترنشيا Terentia واستطاع ببائنتها السخية أن تشتغل بالسياسية، وعلا شأنه ونبه ذكره بعدله وحسن إدارته حين كان كوسترا في صقلية عام 75 ق.م ولك عاد إلى الاشتغال بالمحاماة في عام 70 ق.م وأهاج عليه طبقة الأشراف
        قصة الحضارة ج9 ص292

        تعليق


        • #19
          شيشرون -رجل القانون في الدولة الرومانية- قبل ميلاد المسيح ب70 تقريبا
          :"وهو يرى أن الملكية المطلقة خير أنواع الحكومات إذا كان الملك صالحاً، وأكثرها شراً وفساداً إذا كان الملك فاسداً- وتلك حقيقة سرعان ما تأيدت في رومه نفسها. وعنده أن الحكومات الأرستقراطية تصلح إذا كان الحاكمون فيها هم أحسن الناس حقاً. ولكن شيشرون، وهو من أفراد الطبقة الوسطى، لا يسلم تسليماً مطلقاً بأن الأسر القديمة المحافظة على أرستقراطيتها خير الأسر. والحكم الديمقراطي في رأيه يصلح إذا كان الشعب فاضلاً، وهذا في ظنه لا يكون أبداً. هذا إلى أن هذا الحكم يفسده الافتراض الكاذب بأن الناس متساوون. ولذلك كان خير الحكومات هي التي تقوم على دستور يجمع بين هذه الأنواع كلها كحكومة رومه قبل عهد ابني جراكس، فقد جمعت بين سلطة الجمعيات الديمقراطية، وسلطة مجلس الشيوخ الأرستقراطية، وسلطة القنصلين التي لا تكاد تقل عن سلطة الملوك في السنة التي يتوليان فيها منصبهما, والملكية إذا لم تكن لها ضوابط وموازين تصبح حكومة استبدادية، كما أن هذه الظروف نفسها تجعل الأرستقراطية ألجركية، وتجعل الديمقراطية حكم الغوغاء وتستحيل إلى فوضى وطغيان. وقد كتب بعد خمس سنين من تولى قيصر منصب القنصلية، وكأنه فيما كتب كان يصّوب السهم إلى صدر قيصر: يقول أفلاطون إن الحكام المستبدين ينبتون من مغالاة الناس في التحلل من القيود تحللاً يسميه حرية، كما ينبت النبات من الجذور... وإن هذه الحرية تهوى بالأمة آخر الأمر إلى درك الاستعباد.. إن كل شيء يزيد على حده ينقلب إلى ضده.. وذلك لأن العامة التي ليس لها حاكم يسيطر عليها تختار من بينها في العادة زعيماً يقودها.. وهو إنسان جرئ لا ضمير له.. يسعى لنيل رضاء الناس بما يعطيهم من أموال غيرهم. ولما كان هذا الرجل يخشى أشد الخشية أن يظل فرداً كغيره من الأفراد فإنهم يخلعون عليه حماية المنصب العام، ويجددون له هذه الحماية على الدوام، فيحيط نفسه بحرس مسلح، وينتهي به الأمر إلى أن يصبح طاغية يستبد بالشعب الذي حباه القوة والسلطان
          قصة الحضارة ج9 ص337 ومابعدها

          تعليق


          • #20
            القيصر! الإله الذي ولد في حي المواخير!!
            تحت عنوان الرقيع قال ديورانت:"
            يقول يوليوس قيصر إنه ينتمي إلى يولوس أسكانيوس Iulus Ascanius ابن إينياس Aeneas ابن فينوس Venus الزهرة) ابنة جوبتر: أي أنه بدأ حياته إلهاً واختتمها إلهاً. وكال آل يوليوس من أقدم الأسر في إيطاليا وأعلاها شرفاً، وإن كان الدهر قد عدا عليها فذهب بمالها وأفقرها... وكانت أمه أورليا سيدة وقورة حكيمة مقتصدة في تدبير شؤون بيتها الصغير، وكان هذا البيت في حي سابورة- وهو حي من الطراز القديم، ومن الأحياء التي تكثر فيها الحوانيت والحانات والمواخير. في هذا البيت ولد قيصر في عام 100ق.م، وكان مولده نتيجة لجراحة هي التي كانت سبباً في تسميته باسمه الأول .
            قصة الحضارة ج9 ص341

            تعليق


            • #21
              يتبع قيصر الرقيع
              ولما عاد إلى رومه وزع جهوده بين السياسة والحب. وكان وسيم الوجه وإن كان سقوط شعر رأسه في هذه السن المبكرة أخذ يشغل باله. ولما توفيت كرنليا في عام 68 تزوج بمبا ابنة حفيدة صلا. وإذ كان هذا الزواج زواجاً سياسياً محضاً فإنه لم يتورع عن العلاقات الجنسية غير المشروعة حسب عادة ذلك الوقت؛ ولكن هذه العلاقات بلغت من الكثرة ومن التنوع الشاذ حداً جعل كوريا Curia (والد قائده الأخير) يصفه بقوله إنه "زوج كل امرأة وزوجة كل رجل ommium mulierum vir et ommium virorum mulier" (4). وظل يتبع هذه العادات نفسها في حروبه فيبعث مع كيلوبطرة في مصر، ومع الملكة إيونو Eunoe في نوميديا، ومع كثيرات من النساء في غالة، حتى كان جنوده يلقبونه في مزاحهم بلقب "الزاني الأصلع". ولما تم له النصر في بلاد الغاليين أخذ جنوده ينشدون بيتين من الشعر المقفى يحذرون فيهما جميع الأزواج بقولهم إن عليهم أن يغلقوا الأبواب على زوجاتهم ما دام قيصر في المدينة. وكان الأشراف يحقدون عليه لسببين أولهما أنه قضى على امتيازاتهم، وثانيهما أنه أفسد زوجاتهم؛ وطلق بمبي زوجته لاتصالها بقيصر، ولم تكن كراهية كاتو الشديدة له منبعثة عن أسباب فلسفية خالصة
              قصة الحضارة ج9 ص343

              تعليق


              • #22
                ماذا يفترق التاريخ الاوروبي بعد الاسلام عن مابعده في الصراع الاوروبي الاوروبي
                انظر
                تسلم قيصر في عام 58 ق.م مهام منصبه، منصب حاكم بلاد غالة الجنوبية والنربونية، أي شمالي إيطاليا وجنوبي فرنسا. وكان أريوفستس قد سار في عام 71 ق.م على رأس خمسة ألفاً من الجرمان إلى بلاد الغالة حين استعانته إحدى قبائلها على قبيلة أخرى. وقدم لها قائد الألماني المعونة التي طلبتها ولكنه لم يغادر البلاد، بل بقي فيها ليبسط حكمه على جميع القبائل الضاربة في شمالي غالة الشرقي. واستنجدت قبيلة الإيدوي Aedui إحدى هذه القبائل برومه لتعينها على الألمان (61). وخولّ مجلس الشيوخ الحاكم الروماني على بلاد غالة النربونية حق إجابة هذا الطلب، ولكنه في الوقت نفسه تقريباً ضم أريوفستس إلى طائفة الحكام الموالين لرومه. وكان مائة وعشرون ألفاً من الألمان قد عبروا في هذه الأثناء نهر الرين، واستقروا في فلاندرز فشدوا بذلك أزر أريوفستس، وأخذ يعامل أهل البلاد معاملة الشعوب المغلوبة، وشرع يمني نفسه بالاستيلاء على بلاد غالة بأجمعها(14).
                وبدأت في الوقت عينه قبائل الهلفتي Helvetti الضاربة حول جنيفا تهاجر نحو الغرب، وكانت عدتها نحو 368.000، وأنذر قيصر بان هذه القبائل تعتزم اختراق بلاد غالة النربونية في طريقها إلى جنوبي فرنسا الغربي. ويصف ممسن Mommsen حركات هذه القبائل بقوله: "لقد كانت القبائل الألمانية الضاربة تتحرك في جميع الأصقاع الممتدة من نهر الرين إلى المحيط الأطلنطي، وكانت هذه اللحظة شبيهة باللحظة التي انقضت فيها قبائل الألماني والفرنجة على إمبراطورية القياصرة المتداعية.. بعد خمسمائة عام من ذلك الوقت"(15) وأخذ قيصر يحتال لإنقاذ رومه بينا كانت رومه نفسها تدبر المؤامرات للقضاء عليه...واعتقد قيصر أن تحرير غالة من أعدائها لا يفترق في شيء عن فتحها، فشرع من فوره يعيد تنظيمها على أساس خضوعها لسلطان رومه، وحجته في ذلك أن هذا التنظيم هو الوسيلة الوحيدة لحمايتها من الألمان. ولم تقنع هذه الحجة بعض الغاليين فثاروا، واستعانوا عليه البلجي Belgae وهو قبيلة ألمانية كلتية قوية تسكن شمال غالة بين نهري السين والرين. والتقى بهم قيصر على شاطئ نهر الآين Aisne وهزمهم، ثم سار بسرعة خاطفة لم تمكن أعداءه من لم شعثهم، والتقى بالسويسيون Suissiones، والأمبياني Ambiani، والنرفياي Nervii، والأدوتيشي Aduatici. وهزم كلاً منهم على انفراد، ونهب بلادهم، وباع أسرارهم لتجار الرقيق الإيطاليين. وأعلن في ذلك الوقت فتح بلاد الغالة، وكان في إعلانه هذا متعجلاً بعض الشيء، وجاراه مجلس الشيوخ فأعلن أن غالة ولاية رومانية، ورفع العامة في رومه- ولم يكونوا يقلون في نزعتهم الاستعمارية عن أي قائد من القواد- عقيرتهم يمجدون بطلهم البعيد. وعاد قيصر فعبر الألب إلى بلاد غالة الجنوبية، وأخذ يعمل على تنظيم شؤونها... والتقى قيصر بالغزاة عند أكسانتن Xanten (55)، وصدهم إلى نهر الرين، وقتل منهم كل من لم يمت في النهر غرقاً رجالاً كانوا أو نساءً أو أطفالاً. ثم أقام مهندسوه في عشرة أيام جسراً على النهر العظيم، وكان عرضه وقتئذ 1400 قدم، وعبرت عليه فيالق قيصر، وحاربت أعداءها في الأراضي الألمانية زمناً يكفي لجعل نهر الرين حداً آمناً للدولة الرومانية،ثم عاد بعد أسبوعين إلى بلاد غالة.
                قصة الحضارة ج9 ص357 ومابعدها

                تعليق


                • #23
                  يتبع النص السابق
                  وقرر حصار إليزيا مصير بلاد غالة، كما قرر خصائص الحضارة الفرنسية. ذلك أنه أضاف إلى الإمبراطورية الرومانية بلاداً تبلغ مساحتها ضعفي مساحة إيطاليا وفتح خزائن خمسة ملايين من الناس وأسواقهم إلى التجارة الرومانية. يضاف إلى هذا أن ذلك الحصار أنجى إيطاليا وعالم البحر الأبيض المتوسط مدة أربعة قرون من غارات البرابرة، وانتشل قيصر مرة أخرى من حافة هاوية الخراب إلى ذروة المجد والثروة والسلطان. وظلت بلاد غالة عالماً آخر تثور ثورات متفرقة عقيمة، أخمدها قيصر بقسوة لم تألفها منه، ثم خضعت لرومه وأسلمت لها أمورها. وما كاد يتم له النصر حتى عاد قيصر كما كان الفاتح الشهم الكريم، فعامل القبائل المغلوبة معاملة لينة كان من آثارها أن هذه القبائل لم تتحرك قط لتخلع عن كاهلها نير رومه حين شبت فيها نار الحرب الأهلية، ولم يكن في مقدورها ولا في مقدور قيصر أن يؤدبا هذه القبائل. وظلت بلاد غالة بعدئذ ثلاثمائة عام ولاية رومانية يعمها الرخاء في ظلال السلم الرومانية، وتعلمت من خلالها اللغة اللاتينية، وأدخلت عليها كثيراً من التغيير حتى أصبحت الأداة التي نقلت بها ثقافة العهود الغابرة إلى شمالي أوربا. ولا جدال في أن قيصر ومعاصريه لم يكونوا يدركون ما سوف تتمخض عنه انتصاراته الدموية من نتائج بعيدة المدى، فقد كان أقصى ما يظنه أنه أنقذ إيطاليا، وضم لها ولاية جديدة. وأنشأ لها جيشاً قوياً، لكنه لم يدر بخلده أنه منشئ الحضارة الفرنسية.
                  ودهشت رومه إذ وجدت أن قيصر إداري قادر لا يعتريه ملل، وقائد محتك واسع الحيلة، بعد أن لم تكن تعرف عنه أكثر من أنه رجل متلاف رقيع، وسياسي، ومصلح. ثم أدركت في الوقت عينه أنه مؤرخ عظيم. ذلك أنه وهو في ميادين القتال تقض مضجعة الهجمات المتوالية عليه من رومه، كان يسجل فتوحه في غالة، ويدافع عن هذه الفتوح في شروحه Commentaries، وقد سما بها إيجازها العسكري- إذا جاز أن نصفها بهذا الوصف- وبساطتها الفنية من منزلة النشرات الحزبية إلى أسمى مكان في الأدب اللاتيني. وحتى شيشرون نفسه، بعد أن تقلب مرة أخرى في مبادئه السياسية، أخذ يتغنى قيصر ويستعجل في ذلك الوقت ما حكم به عليه التاريخ فيما بعد إذ قال:
                  ليست معاقل الألب المنيعة، ولا مياه الرين الفياضة الصاخبة، هي الدرع الحقيقي الذي صد عنا غارات والقبائل الألمانية الهمجية، بل الذي صدها في اعتقادي هو قيادة قيصر وقوة ساعديه. ولو أن الجبال دكت وسويت بالسهول، والأنهار جفت، لاستطعنا أن نحتفظ ببلادنا حصينة منيعة بفضل ما نال قيصر من نصر مؤزر وما قام به من أعمال مجيدة. ألا ما اعظم فضله عليناويجب أن نضيف إلى هذا ما أثنى به عليه ألماني عظيم إذ قال:
                  إذا كان ثمة جسر يربط ماضي هلاس ورومه المجيد بتاريخ أوربا الحديث، الذي هو أعظم منه مجداً وأسمى قدراً، وإذا كان غرب أوربا رومانياً، وإذا كانت أوربا الألمانية قد صبغت بالصبغة اليونانية والرومانية القديمة.. فما ذلك كله إلا من عمل قيصر. وإذا ما أوجده سلفه العظيم في بلاد الشرق قد كادت تمحو معالمه كلها زعازع العصور الوسطى، فإن الصرح الذي شاده قيصر ظل قائماً آلاف السنين التي تبدلت فيها الأديان وتغيرت الدولة
                  قصة الحضارة ج9 ص362-364)

                  تعليق


                  • #24
                    بمبي الدكتاتور
                    الديمقراطية بصورتها القديمة وهي تحتضر!
                    "كانت الدمقراطية تحتضر في عاصمة البلاد، فكانت الأحكام القضائية، ومناصب الدولة، وعروش الملوك الخاضعين لسلطانها، تباع إلى من يعرض فيها أغلى الأثمان. من ذلك أن القسم الأول من المقترعين في الجمعية قد استولى في عام 53 على عشرة ملايين سسترس ثمناً لأصوات أفراده(20). ولما لم ينفع المال لم يتورع ذوو الشأن عن الالتجاء إلى الاغتيال(21) أو كشف الستار عن ماضي الناس، والتهديد بالكشف عن فضائحهم، فلم يروا أمامهم سبيلاً غيرالإذعان. وفشا الإجرام في المدينة كما انتشرت السرقات في الأقاليم، ولم يكن في هذه ولا في تلك قوة من الشرطة تطمئن الناس على أنفسهم أو أموالهم، فكان الأغنياء يستأجرون عصابات من المجالدين يدفعون عنهم الأذى أو يؤيدونهم في الجمعية. واستهوت رائحة المال أو هبات الحبوب أحط الطبقات في إيطاليا فهرعت إلى رومه، وجعلت اجتماعات الجمعية مهزلة من المهازل، فكان كل من يقبل الاقتراع كما يطلب إليه يؤذن له بدخولها سواء كان من مواطني رومه أو من غير مواطنيها. وكان يحدث في بعض الأحيان ألا يكون من بين من أعطوا أصواتهم إلا أقلية هي التي لها حق الاقتراع. وكثيراً ما كان الخطباء يحصلون على حق الخطابة في الجمعية بالهجوم على المنصة والاستيلاء عليها قوة واقتداراً. وأضحت العصابة التي ترفعها قوتها على سائر العصابات المنافسة لها هي التي تشرع للدولة، كما كان الذين يقترعون على غير هواها يضربون حتى يكاد يقضي عليهم، ثم تشعل النار بعد الضرب في بيوتهم. وقد كتب شيشرون بعد جلسة من هذه الجلسات يقول:
                    "لقد امتلأ التييبر بجثث المواطنين كما سدت بها البالوعات العامة، واضطر الأرقاء إلى امتصاص الدم بالإسفنج من السوق العامة"(22).
                    وكان كلوديوس وميلو أعظم الخبراء الممتازين في هذه المهزلة البرلمانية، فقد كانا ينظمان عصابات من أحط الطبقات ليصلوا بها إلى أغراضهم السياسية، وقلما كان يوم واحد يمر دون أن توضع قوة هذه العصابات موضع الاختبار. من ذلك أن كلوديوس هاجم شيشرون في أحد شوارع المدينة في يوم من الأيام، وحرق أجراؤه بيت مليو في يوم ثان، ثم قبضت عصابات ميلو على كلوديوس نفسه في يوم آخر وقتله (52). غير أن صعاليك المدينة الذين لم يكونوا يجهلون ما يدبره من المؤامرات رفعوه إلى مقام الشهداء، واحتفلوا بجنازته احتفالاً عظيماً، وجاءوا بجثته إلى مجلس الشيوخ، وحرقوا البناء فوقها كأنه كومة الحطب التي تحرق عليها جثث الموتى. وجاء بمبي بجنوده ففرقوا الغوغاء، ثم طلب إلى المجلس جزاء له على عمله هذا أن يعينه "قنصلاً بغير زميل"، وهي عبارة نصح بها كاتو وقال إنها أخف على السمع من لفظ دكتاتور. ثم عرض بمبي على الجمعية، بعد أن أرهبها بجنده، عدة اقتراحات يبغي بها القضاء على الرشوة والفساد السياسيين المنتشرين في البلاد، كما عرض عليها اقتراحاً بإلغاء حق المرشح لمنصب القنصل أن يفعل هذا وهو غائب عن رومه، (وكانت الجمعية قد منحت قيصر هذا الحق بناء على مشروع قانون عرضه عليها بمبي نفسه في عام 55). وأخذ يشرف بنفسه على قوة الدولة العسكرية، وعلى أعمال المحاكم؛ ولم يؤخذ عليه في هذا الإشراف شيء من الهوى أو المحاباة. وحوكم مليو على جريمة قتل كلوديوس وأدين على الرغم من دفاع شيشرون عنه ثم هرب إلى مرسيليا. وغادر شيشرون رومه ليحكم قليقية (51)، وحكمها بكفاية ونزاهة أدهشتا أصدقاءه وأغضبتهم عليه. ثم استسلمت عناصر الثروة والنظام كلها في عاصمة البلاد إلى دكتاتورية بمبي، أما الطبقات الفقيرة فظلت صابرة تتلهف على عودة قيصر.
                    قصة الحضارة ج9 ص 366 -368)

                    تعليق


                    • #25
                      :"الحرب الأهليةدامت الفتن والثورات في الدولة الرومانية مائة عام، حطمت في خلالها كيان الطبقة الأرستقراطية الأنانية القليلة العدد التي كانت تتولى شؤون الحكم في البلاد، ولكنها لم تحل حكومة أخرى محلها. فأما الجمعية فقد أفسدها التعطل والرشوة والخبز ومجالدة الوحوش، فأحالتها إلى جماعة من الغوغاء الجهلة تسيطر عليهم أهواؤهم وشهواتهم، فكانت بذلك عاجزة أشد العجز عن حكم نفسها بله حكم إمبراطورية واسعة الرقعة. وانحطت الديمقراطية حتى أضحت وكأنها هي المعنية بقول أفلاطون: "صارت الحرية إباحية، وأخذت الفوضى تتوسل أن يوضع حد للحرية"(24). ولم يختلف قيصر مع بمبي في أن الجمهورية قد ماتت، وأنها أصبحت على حد قوله: اسماً على غير مسمى لا جسم لها ولا صورة"(25). ولم يكن ثمة مفر من الدكتاتورية، ولكنه كان يريد أن يضع أزمة الأمور في أيدي قيادة تعمل لتقدمها ورقيها، قيادة غير جامدة لا تبقي البلاد على حالها التي تردت فيها، بل تبذل جهودها لتخفيف ما يتغلغل فيها من مفاسد ومظالم وفاقة أفسدت الديمقراطية وهوت بها إلى الحضيض. وكان قيصر وقتئذ في الرابعة والخمسين من عمره، وما من شك في أنه قد أوهنته حروبه الطويلة في غالة، وأنه لم يكن يحب أن يتورط في محاربة مواطنيه وأصدقائه السابقين، ولكنه كان على علم بالمؤامرات التي تحاك له، والفخاخ التي تنصب لاقتناصه، وكان يؤلمه أشد الألم أن تكون هذه المؤامرات والفخاخ هي الجزاء الذي يجزي به من أنجى إيطاليا من الدمار والخراب. وكانت مدة حكمه في غالة تنتهي في اليوم الأول من شهر مارس سنة 49 ق.م، ولم يكن في وسعه أن يتقدم للقنصلية إلا في خرف ذلك العام، وفي الفترة الواقعة بين الزمنيين يفقد الحصانة التي يسبغها عليه منصبه، ولا يستطيع دخول رومه دون أن يعرض نفسه للاتهام بأنه خارج على القانون، وهو السلاح المألوف الذي كانت تلجأ إليه الأحزاب المختلفة في رومه في نزاعها على السلطة. وكان ماركس مارسلس Marcus Maecellus قد عرض قبل ذلك الوقت على مجلس الشيوخ أن يعزل قيصر من الولاية قبل انتهاء مدتها، ومعنى هذا الغزل هو البقاء خارج البلاد أو المحاكمة، وكان التربيونان قد أنجياه من هذه المكيدة باستخدام ما لهما من حق الاعتراض، ولكن مجلس الشيوخ كان بلا ريب راضياً عن هذا الاقتراح، وقال كاتو بصريح العبارة إنه يرجو أن توجه التهمة إلى قيصر، وأن يحاكم وينفى من إيطاليا.
                      أما قيصر نفسه فلم يدخر جهداً في العمل على إزالة أسباب النزاع بينه وبين خصومه. فلما أن طلب مجلس الشيوخ بإيعاز بمبي أن يتخلى له كلا القائدين عن فيلق يرسله لقتال بارثيا، أجابه قيصر من فوره إلى طلبه، وإن لم تكن القوة الني لديه كبيرة. ولما طلب بمبي إلى قيصر أن يعيد إليه الفيلق الذي أرسله له قبل عام من ذلك الوقت، بادر أيضاً بإرساله إليه، وإن كان أصدقاؤه قد أبلغوه أن الفيلقين لم يرسلا إلى بارثيا بل بقيا في كابوا. وطلب قيصر على لسان مؤيديه في مجلس الشيوخ أن يعاد العمل بقرار الجمعية السابق الذي كان يجيز له أن يرشح نفسه لمنصب القنصلية وهو غائب عن رومه، ولكن المجلس رفض الاقتراح وطلب إلى قيصر أن يسرح جنوده. وأحس هو أن ليس له سند يحميه إلا فيالقه، ولعله لم يكن يعمل لكسب ولائهم له إلا ليقفوا إلى جانبه في مثل هذه الأزمة. غير أنه في ذلك الوقت عرض على مجلس الشيوخ أن يعتزل هو وبمبي منصبيهما- وبدا هذا العرض معقولاً لا غبار عليه في نظر الشعب، حتى أنه كلل جبين رسوله بالأزهار. ووافق المجلس على هذه الخطبة بأغلبية 370 ضد 22، ولكن بمبي أبى أن يخضع لهذا القرار، حتى إذا أشرف عام 50 على الانتهاء ... وفي اليوم العاشر من شهر يناير نت عام 49 ق.م. عبر بأحد فيالقه الروبيكون وهو مجرى صغير بالقرب من أريمينوم Ariminum كان هو الجنوبي لغالة الجنوبية. ويقال إنه قد نطق في ذلك الوقت بقوله المأثور: "لقد قضي الأمر" Iacta est alea(27)، وخيل إلى الناس أن هذا العمل هو الحمق بعينه لأن الفيالق الخمسة الباقية من جيشه كانت لا تزال بعيدة عنه في بلاد غالة لا تستطيع اللحاق بعه إلا بعد عدة أسابيع،... ولم يكن يلقي صعوبة في جمع الجنود لأن إيطاليا لم تكن قد نسيت بعد ما قاسته في الحرب الاجتماعية (88)، كانت ترى في قيصر البطل المدافع عن حقوق الإيطاليين. فكانت مدائنها تفتح أبوابها لاستقباله واحدة بعد أخرى، وكثيراً ما خرج سكان بعض هذه المدائن على بكرة أبيهم ليحيوه ويرحبوا به(28)، وقد كتب شيشرون في ذلك يقول: "إن المدن تحييه كأنه إله معبود"(29). وقاومت كورفنيوم مقاومة قصيرة الأجل، ثم استسلمت له ولم يسمح لجنوده أن ينهبوها، وأطلق سراح منه قبض عليهم من الضباط، وبعث إلى معسكر بمبي بكل ما تركه لبيينس Labienus من المال والعتاد. ولم يشأ أن يصادر ضياع من وقع في يده من الأعداء وإن كان في ذلك الوقت معدماً فقيراً لا يكاد يملك شيئاً من المال- وكانت هذه خطة حميدة يمتاز بها قيصر، كان من أثرها أن وقفت كثرة الطبقة الوسطى من الأهلين على الحياد. وأعلن في ذلك الوقت أنه سيعد كل المحايدين أصدقاء له وأنصاراً. وكان في كل خطوة يخطوها إلى الأمام يعرض عروضاً للصلح على أعدائه. من ذلك أنه أرسل إلى لنتولس Lentulus رسالة يرجوه فيها أن يستخدم ما يخلعه عليه منصب القنصل من نفوذ ليعيد السلم إلى البلاد، وعرض رسالة كتبها إلى شيشرون استعداده لاعتزال الحياة العامة وترك المجال إلى بمبي على شرط أن يسمح له بأن يعيش آمناً على حياته(30). وبذل شيشرون جهده في التوفيق بين القائدين، ولكن منطقه لم يجده نفعاً أمام تعسف الثورة ودعاواها المتعارضة ولما تقدم قيصر نحو العاصمة انسحب بمبي هو وجنوده منها وإن كانت جيوشه وقتئذ لا تزال أكثر من جيوش قيصر عدداً. وانسحب من ورائه في غير نظام عدد كبير من الأشراف تاركين وراءهم زوجاتهم وأبناءهم تحت رحمة قيصر. ورفض بمبي عروض الصلح جميعها، وأعلن أنه سيعدّ كل من لم يغادر رومه وينضم إلى معسكره عدواً له. ولكن الكثرة العظمى من أعضاء مجلس الشيوخ بقيت في رومه، وتذبذب شيشرون بين الفريقين، وكان يحتقر تردد بمبي وخور عزيمته، فقسم وقته بين ضياعه في الريف وسار بمبي إلى برنديزيوم وعبر بجنوده البحر الأدرياوي. وكان يعرف أن جيشه يعوزه النظام، وأنه في حاجة إلى كثير من التدريب قبل أن يستطيع الصمود في وجه فيالق قيصر، وكان يرجو أن يستطيع الأسطول الروماني الذي يسيطر هو عليه أن يجوع إيطاليا في هذه الأثناء ويدفعها إلى إبادة عدوه.
                      ودخل قيصر رومه في اليوم السادس عشر من مارس دون أن يلقى في دخولها أية مقاومة، ودخلها وهو مجرد من السلاح لأنه ترك جنوده في البلدان المجاورة لها؛ وأعلن حين دخولها العفو العام عن جميع أهلها، وأعاد إليها الإدارة البلدية والنظام الاجتماعي"
                      قصة الحضارة ج9 369-374)

                      تعليق


                      • #26
                        محطة وفرشة للتوغل في عمل الدولة الرومانية في مصر
                        :"قيصر وكيلوبطرة
                        وأخذت مصر بعد وفاة بطليموس السادس (145) تسير مسرعة في طريق الاضمحلال وعجز ملوكها عن الاحتفاظ بنظامها الاجتماعي أو حريتها القومية؛ وأخذ مجلس الشيوخ الروماني يقوي فيها سلطانه ويملي عليها إرادته، بل إنه أقام حامية رومانية في الإسكندرية. وكانت مقاليد الحكم قد آلت بعد وفاة بطليموس الحادي عشر الذي أجلسه بمبي وجابنيوس على العرش إلى أبنه بطليموس الثاني عشر وابنته كيلوبطرة، وذلك لأن والدهما قد أوصى قبل وفاته أن يرثا الملك من بعده، وأن يتزوج الأخ أخته ويشتركا في حكم البلاد معاً.
                        وكانت كليوبطرة من أصل يوناني مقدوني، وأكبر الظن أنها كانت أقرب إلى الشقرة منها إلى السمرة(45). ولم تكن بارعة الجمال ولكن قوامها الرشيق المعتدل. وخفة روحها، وتنوع ثقافتها"، ودماثة خلقها، وحسن صوتها، مضافة إلى مقامها الملكي قد جعلتها فتنة لكل من رآها تسلبه لبه وإن كان قائداً رومانياً. وكانت على علم بتاريخ اليونان وآدابهم وفلسفتهم، تجيد الحديث باللغات اليونانية والمصرية والسورية، ويقال إنها كانت تتقن لغات أخرى غير هذه. وقد جمعت إلى فتنة أسبازيا الذهنية فتنة المرأة المتحللة إلى أقصى حد من القيود الخلقية. ويقال إنها ألفت رسالة في مستحضرات التجميل، وأخرى في المقاييس والموازين والنقود المصرية، وموضوع الرسالة الثانية موضوع مغر جذاب(46). وكانت إلى هذا حاكمة قديرة وإدارية ماهرة، نجحت في نشر التجارة المصرية، وارتقت على يديها الصناعة؛ وكانت تجيد تدبير الشؤون المالية حتى في الوقت الذي كانت تنصب فيه شراك الحب. وقد جمعت إلى هذه الصفات شهوة جسدية قوية، ووحشية
                        عنيفة تصب على أعدائها العذاب والموت صباً، ومطامع سياسية بعيدة، تحلم ببناء إمبراطورية واسعة، ولا تحترم في سبيل الوصول إلى غايتها قانوناً إلا قانون النجاح. ولو أنها لم يجر في عروقها دم البطالمة المتأخرين الداعرين لكان من الجائز أن تحقق غرضها وتصبح ملكة تحكم دولة واسعة الرقعة تضم بلاد البحر الأبيض المتوسط. وكانت تدرك أن مصر لم تعد قادرة على البقاء مستقلة عن الدولة الرومانية، ولم تر ما يمنعها أن تكون هي المسيطرة على الدولة المتحدة.وقد استاء قيصر حين عرف أن بوثينس نفى كيلوبطرة، ونصب نفسه نائباً عن بطليموس الشاب يحكم باسمه، ولذلك أرسل إليها سراً، وجاءته سراً وقد احتالت على الوصول إليه بأن أخفت نفسها في فراش حمله تابعها أبولودورس Apollodorus إلى مسكن قيصر. وذهل القائد الروماني حين رآها، وأسرته بشجاعتها وسرعة بديهتها، وهو الذي لم يدع انتصاراته في ميدان القتال تربى على انتصاراته في ميادين الحب. ووفق بينها وبين بطليموس وأجلسها هي وأخاها على عرش مصر كما كانا من قبل. وعرف قيصر من أخيه أن بوثينس هو والقائد المصري أخلاس Achillas كانا يأتمران به ليقتلاه ويبيدا القوة العسكرية الصغيرة التي جاءت معه إلى مصر، فدبر في الخفاء اغتيال بوثينس، وفر أخلاس، واتصل بالجيش المصري، وحرضه على الثورة. وسرعان ما امتلأت الإسكندرية بالجنود ينادون بالويل والثبور لقيصر، ويحرض ضباط الحامية الرومانية التي وضعها مجلس الشيوخ في تلك المدينة على الانضمام إلى الجيش الثائر ضد هذا الدخيل الخائن الذي سولت له نفسه أن يقرر وراثة عرش البطالمة، وأن يعمل على أن يولد من صلبه من يرث هذا العرش في المستقبل.
                        وعمل قيصر في هذا الظرف الحرج ما كانت تسعفه حيلته، فأحال القصر الملكي والملهى المجاور له إلى قلعتين تحصن فيهما هو ورجاله. ثم أرسل يطلب المدد من آسيا الصغرى وسوريا ورودس. ولما أدرك أن أسطوله الضعيف الذي لم يكن فيه من يحميه لن يلبث أن يقع في يد أعدائه، أمر به فحرق والتهمت النار جزءاً من مكتبة الإسكندرية لا نعرفه على وجه التحديد. ورأى أن لابد له من الاستيلاء على جزيرة فاروس لأنها هي المدخل الذي يمكن أن يصل إليه منه المدد المنتظر، فهاجمها هجوم اليائس، واستولى عليها، ثم جلا عنها، ثم عاد فاستولى عليها. وحدث في إحدى هذه المعارك أن اضطر إلى السباحة في البحر لينجو من الموت بعد أن صوبت إليه عاصفة من السهام، وذلك حين قذف المصريون به وبأربعمائة من رجاله إلى البحر بعيداً عن الحاجز الذي كان يصل الجزيرة بأرض المدينة. وظن بطليموس الثاني عشر أن الثوار قد حالفهم النصر، فخرج من القصر وانضم إليهم واختفى من التاريخ. ولما جاء المدد إلى قيصر هزم به المصريين وحامية مجلس الشيوخ في معركة النيل، وكافأ كليوبطرة على إخلاصها له في هذه الأزمة بأن عين أخاها الأصغر بطليموس الثالث عشر ملكاً معها على مصر، فجعلها بذلك حاكمة البلاد الحقيقية.
                        قصة الحضارة ج9 ص381-383)

                        تعليق


                        • #27
                          النص التالي فيه مااحدثه قيصر من تغيير في جوهر مايسمى بالديمقراطية واللافت انك من هنا يمكن ان تفهم حقيقتها الاصلية دون الاطار المادي الحديث!
                          فانتبه
                          بعد توطيد اموره في مصر راح قيصر من عام 46 قبل الميلاد يصلح شأن الامبراطورية
                          "وأراد أن يقيم نظام الضرائب والإرادة على أساس علمي سليم، فأجري إحصاء عاماً في إيطاليا وأعد العدة لإحصاء عام مثله في سائر أنحاء الإمبراطورية، ثم أراد أن يعوض النقص الكبير الذي أحدثته الحروب في عدد المواطنين الرومان، فتوسع إلى أقصى حد في منح حق المواطنية الرومانية- وكان ممن شملهم هذا الحق الأطباق والمعلمون في رومه. وكان النقص المطرد في المواليد قد أقض من قبل مضجعه، فقرر في عام 59 ق.م أن تكون الأولوية في امتلاك الأراضي التي توزعها الحكومة لآباء الثلاثة الأبناء. والآن قرر منح مكافآت للأسر الكبيرة، وحرم على من ليست لهن أبناء من النساء أن يركبن المحفات أو يتحلين بالجواهر- وكان هذا التشريع أضعف تشريعاته كلها وأقلها نفعاً.
                          وظل قيصر كما كان رجلاً لا أدريا وإن لم يكن عقله بعيداً كل البعد عن الخرافات(53). ولكنه بقي الرئيس الأعلى لدين الدولة ولم يبخل على هذا الدين بما يحتاجه من الأموال، فأعاد بناء الهياكل القديمة وأنشأ هياكل أخرى جديدة. وكانت فينوس أمه الحنون تلقى منه أعظم ضروب التكريم، لكنه مع هذا كان يطلق للناس كامل الحرية في الفكر والعبادة، وألغى ما كان قد صدر من الأوامر بتحريم عبادة إيزيس، ومنع التعرض لليهود في ممارسة شعائر دينهم. ولما رأى أن تقويم الكهنة لم يعد يتفق مطلقاً مع فصول السنة أمر سوسجينس Sosigenes العالم اليوناني الإسكندري السنة من ذلك الحين تشتمل على 365 يوماً، يضاف إليها يوم في آخر شهر فبراير كل أربع سنين. وأخذ شيشرون يشكو من هذا التغيير ويقول إن قيصر لم يقنع بحكم الأرض فتطاول إن تنظيم النجوم والتحكم في شؤونها، ولكن مجلس الشيوخ قبل هذا الإصلاح أحسن قبول، وأطلق اسم يوليوس وهو اسم أسرة قيصر على شهر كونكتيلس Quinctilis (الشهر الخامس) وكان هذا الشهر هو الشهر الخامس حين كان شهر مارس بداية العام.
                          ولك تكن الأعمال التي شرع فيها قيصر أو فكر فيها ووقفت بسبب قتله أقل شأناً من الأعمال التي تمت فعلاً. ومن هذه الأعمال الأولى أنه وضع أساس ملهى عظيم، ومعبد للمريخ يتفق وما عرف عن هذا الإله من شره ونهم، وعين فارو على رأس هيئة تعمل لإنشاء دور كتب عامة. وعمل على إنقاذ رومه من وطأة الملاريا بتجفيف بحيرة فوسينس Fucinus ومنافع بنتين Pontine، واستصلاح الأراضي المجففة وزرعها. وأشار ببناء جسور حول التيبر ليمنع طغيان مياهه على الأراضي المجاورة له، واقترح تحويل مجرى هذا النهر لإصلاح ميناء أستيا Ostia الذي كان غرين النهر يسده من آن إلى آن. وأمر مهندسيه بأن يعدوا مشروعاً يرمي إلى إنشاء طريق يخترق وسط إيطاليا من الشرق إلى الغرب والى حفر قناة في برزح كورنثة Corinth.
                          وكان أشد ما أغضب أهل رومه من أعماله أن منح أحرار الإيطاليين كلهم ما لأهل رومه نفسها من حقوق، وأهن سوي بين الولايات وبين إيطاليا. ذلك أنه منح حق الانتخاب لأهل غالة الجنوبية في عام 49، ثم وضع في عام 44 ميثاقاً يدل ظاهرة على أنه لجميع مدن إيطاليا وانه يسوي بين هذه المدن وبين رومه، ولكن أكبر الظن أنه كان يفكر في إقامة حكومة نيابية من نوع ما تجعل لهذه المدن نصيباً ديمقراطياً في حكومته الملكية(55). ثم انتزع حق تعيين الولاة من مجلس الشيوخ المرتشي الفاسد، ورشح هو لهذه المناصب رجالاً عرفوا بالمقدرة والكفاية، وجعلهم في كل آن عرضة للعزل بأمر منه وحده، وخفض الضرائب في الولايات إلى ثلثي ما كانت
                          عليه، وعهد جبايتها إلى موظفين مسؤولين أمامه. ولم يأبه باللعنات القديمة التي كانت تصب على من يعيد بناء كبوا وقرطاجنة وكورونثة؛ وأتم في هذه الناحية أيضاً ما شرع فيه ولدا جراكس، وأعطى حقوق الرومان أو اللاتين للمستعمرين الذين أرسلهم لإنشاء عشرات المدن الممتدة من جبل طارق إلى البحر السود، أو لتعمير ما كان قائماً منها من قبل. ولا جدال في أنه كان يريد أن يمنح حق المواطنية الرومانية لجميع الذكور الراشدين في الإمبراطورية كلها، وبذلك لا يكون مجلس الشيوخ ممثلاً لطبقة واحدة في رومه بل يكون ممثلاً لعقلية الولايات جميعها وإرادتها. وهذه الفكرة التي سيطرت على عقل قيصر فيما يجب أن يكون عليه نظام الحكم، مضافة إلى تنظيمه الجديد لرومه وإيطاليا، تكمل في رأينا تلك المعجزة المنقطعة النظير- المعجزة التي جعلت من الشاب المتلاف العربيد رجلاً من أقدر رجال السياسة المشؤومة في جميع العصور وأعظمهم شجاعة وعدلاً واستنارة.
                          قصة الحضارة ج9 ص392-394)

                          تعليق


                          • #28
                            أما شيشرون الذي طالما لبس لكل حالة لبوسها، وأدار شراعه لكل ريح، فإن قيصر لم يكتف بالعفو عنه بل كرمه ولم يبخل عليه بشيء مما طلبه الخطيب العظيم لنفسه أو لأصدقائه البمبيين، بل نه انصاع لإلحاف شيشرون، فعفا عن ماركس مرسلس وهو الرجل الذي خرج على قيصر ولم يندم على فعله. وقد امتدح شيشرون في خطبة له رنانة عنوانها "إلى مرسلس"(" كرم قيصر الذي لا يصدقه العقل"، وقال عن بمبي إنه لو انتصر لكان أشد منه انتقاماً من أعدائه. ثم أضاف إلى ذلك قوله: "لقد سمعت مع الأسف الشديد عباراتك الفلسفية المشهورة lam satis vivi لقد نلت كفايتي من طول الحياة ومن الشهرة... ورجائي إليك أن تطرح حكمة الحكماء.. ولا تكن حكيماً إذا عرضتك الحكمة للأخطار.. إنك لا تزال بعيداً كل البعد عن إنجاز أعمالك العظيمة، بل إنك لم تضع بعد أسسها" ثم وعد قيصر وعداً صادقاً باسم مجلس الشيوخ كله بأنهم سيسهرون على سلامته ويصدون بأجسامهم كل اعتداء عليه(57). وأثرى شيشرون في ذلك الوقت ثراء جعله يفكر في شراء قصر آخر هذا القصر غير قصر صلا نفسه. وكان يستمتع بالمآدب التي يدعوه إليها أنطونيوس ويلبس وغيرهما من أعوان قيصر، ولم تكن رسائله في أي وقت مضى أكثر بهجة مما كانت في ذلك الوقت(58). غير أن قيصر لم ينخدع بهذا كله، فقد كتب إلى ماريوس يقول: "إذا كان في الناس من هو ظريف فذاك شيشرون ولكنه يبغضني أشد البغض"(59). وكان قيصر صادقاً في قوله، فلما أن عاد البمبيون إلى مناوأة قيصر بعد أ، أمنوا جانبه ارتمى هذا الأديب التلراني في أحضانهم وكتب يثني على كاتو الأصغر ثناء ما كان أجدره بأن ينبه قيصر إلى ما يحيط به من الأخطار. غير أن قيصر لم يفعل أكثر من أن يرد على شيشرون بكتابة ضد كاتو Anti- Cato لا تدل على حصافة عقله. ذلك أنه بعمله هذا أمكن خصمه من أن يختار السلاح الذي ينازله به، وكانت نتيجة هذا أن انتصر الخطيب عليه، وأثنى الرأي العام على أسلوب شيشرون كما أثنى على الحاكم الذي اختار أن يكتب رسالة وهو قادر على أن يوقع أمراً بالإعدام.

                            تعليق


                            • #29
                              وبينا كان قيصر يقرب القربان الذي كان من المألوف تقريبه قبل الجلسة أمام ملهى بمبي حيث يعقد المجلس اجتماعه إذ وضع أحدهم في يده لوحة صغيرة يحذره فيها من لمؤامرة ولكنه لم يعبأ بها. وتقول الرواية المأثورة إن هذه اللوحة وجدت في يده بعد مقتله . وشغل تربونيوس Trebonius- وهو أحذ المتآمرين، وكان من قبل أحد قواد قيصر المقربين- أنطونيوس بالحديث فعطله عن حضور الاجتماع. ولما دخل قيصر الملهى واتخذ فيه مجلسه هجم "دعاة الحرية" من فورهم عليه. ويقول سيوتونيوس: "لقد كتب بعضهم يقولون إنه حين هجم عليه ماركس بروتس قال باللغة اليونانية Kai su teknon- "وأنت أيضاً يا ولدي"(69). ويقول أبيان إن قيصر حين طعنه بروتس امتنع عن كل مقاومة، وغطى وجهه ورأسه بثوبه، واستسلم للضربات، وسقط عند قدمي تمثال بمبي
                              قصة الحضارة ج9 ص400-401)

                              تعليق


                              • #30
                                لقد كان مقتل قيصر مأساة من مآسي التاريخ الكبرى، وليس السبب في عظم هذه المأساة مقصوراً على أنها حالت بينه وبين إتمامه عملاً من أجل الأعمال السياسية والإدارية، وأدت إلى امتداد عهد الفوضى والحروب خمسة عشر عاماً أخرى. ولو كانت نتائجها مقصورة على هذا وذاك لهان الخطب، فقد عاشت الحضارة بعده، وأتم أغسطس ما بدأه قيصر، بل إنه مأساة من نوع آخر وهو أن الحزبين المتعارضين في مجلس الشيوخ كان كلاهما في أغلب الظن على حق: فالمتآمرين محقون في اعتقادهم أن قيصر كان يعتزم أن ينصب نفسه ملكاً، كما أن قيصر نفسه كان محقاً في ظنه أن الفوضى والنظام الإمبراطوري قد جعلا الملكية أمراً محتوماً. وقد انقسم الناس بين الرأيين ولا يزالون منقسمين منذ اللحظة الرهيبة التي مرت بمجلس الشيوخ، وقد استولى عليه الهلع من وقع الحادث، ثم فر أعضاؤه مذعورين مضطربين من قاعة الاجتماع. وأقبل أنطونيوس على مكان الحادث بعد وقوعه، ورأى أن الحكمة هي عين الشجاعة، فاحتمى في بيته. وخانت شيشرون فصاحته حتى في الوقت الذي حياه بروتس وخنجره يقطر دماً في يده قائلاً له مرحباً "بأبي بلده". ولما خرج المتآمرون وجدوا الشعب هائجاً في الميدان العام، وأرادوا أن يضموه إلى جانبهم بألفاظ الحرية والجمهورية، ولكن العامة الذين جن جنونهم من هول الحادث لم يعبئوا بهذه الألفاظ التي طالما استخدمت لستر المطامع والشره. ولجأ القتلة إلى البناء القائم على الكبتول ليعتصموا به خوفاً على حياتهم، وأحاطوا أنفسهم بحراسهم من المصارعين. وانضم إليهم شيشرون في آخر النهار، وأرسلوا رسلهم إلى أنطونيوس يستطلعون طلعه فأجابهم جواباً ودياً.
                                قصة الحضارة ج9 ص303)

                                تعليق

                                19,961
                                الاعــضـــاء
                                231,880
                                الـمــواضـيــع
                                42,539
                                الــمــشـــاركـــات
                                يعمل...
                                X