إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • آداب الكلام والمحادثة

    بسم الله الرحمن الرحيم
    رب يسر وأعن وتقبل
    الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ، وبعد :
    فمن آيات الله ونعمه على بني آدم : اختلاف الألسن ، قال تعالى : وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعَالِمِينَ [ الروم : 22 ] ؛ والمعنى اختلاف اللغات ، إذ اللغة هي الكلام الذي يخرج به اللسان .
    كما امتن على عباده بنعمة البيان ، فقال : خَلَقَ الْإِنْسَانَ . عَلَّمَهُ الْبَيَانَ [ الرحمن : 3 ، 4 ] .
    إن نعمة اللسان والنطق والبيان نعمة عظيمة ، لا يقدرها حق قدرها إلا من فقدها ، أو عاش بين الناس أبكمًا .
    واللسان لا يفتر عن الكلام إلا إذا ألجمه صاحبه ؛ وكان ابن مسعود إذا ارْتَقَى الصَّفَا أَخَذَ بِلِسَانِهِ ، فَقَالَ : يَا لِسَانُ ، قُلْ خَيْرًا تَغْنَمْ ، وَاسْكُتْ عَنْ شَرٍّ تَسْلَمْ ، مِنْ قَبْلِ أَنْ تَنْدَمَ ، ثُمَّ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ : " أَكْثَرُ خَطَايَا ابنِ آدَمَ فِي لِسَانِهِ " ( [1] ) .
    وكان يقول : وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ غَيْرُهُ ، مَا عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ شَيْءٌ أَحْوَجُ إِلَى طُولِ سِجْنٍ مِنْ لِسَانٍ ( [2] ) .
    تَحَفَّط من لسانك ليس شيء ... أحق بطول سجن من لسانِ
    وأكثر الناس لا ينقطع لهم كلام ، ولا تهدأ لألسنتهم حركة ؛ فإذا ذهبت تحصي ما قالوا ، وجدت جُله اللغو الضائع ، أو الهذر الضار ، وما لهذا ركب الله الألسنة في الأفواه ، ولا بهذا تقدر الموهبة المستفادة ؛ لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [ النساء : 114 ] ( [3] ) .
    وقد عُني الإسلام بموضوع الكلام وأسلوبه ، وقسمه إلى طيب وخبيث ، وضرب لكل قسم مثالا ليدل على قيمة كل منهما ، فقال : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ . تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ . وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ [ إبراهيم : 24 – 26 ] .
    والإسلام يعتبر الكلمة أمانة ، وأن الإنسان مسئول عنها ؛ فقد قال الله تعالى : مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ ق : 18 ] .
    لأجل ذلك جعل الإسلام للحديث آدابًا ، وأوجب على المسلم الالتزام بها ، وحذَّر من التهاون فيها .
    وفي هذه الرسالة ( آداب الكلام والمحادثة ) أحاول أن أجلِّي هذه الآداب بإيجاز من خلال المحاور الآتية :
    نعمة الكلام والبيان .
    أصناف الناس مع نعمة البيان .
    المرء بأصغريه .
    البلاء موكل بالمنطق .
    الأعضاء تكفر اللسان .
    ما النجاة .
    أقسام الكلام .
    آداب الكلام والمحادثة .
    خاتمة .
    والله الكريم أسأل التوفيق والسداد والقبول ، إنه سبحانه ولي ذلك والقادر عليه ، لا ربَّ غيره ، ولا أرجو إلا خيره ، عليه توكلت ، وإليه أنيب ، وصلى الله وسلم وبارك على النبي محمد وعلى آله .

    [1] - رواه ابن أبي شيبة ( 26499 ) ، والطبراني في الكبير : 9 / 149 ( 8744 - 8747 ) ، وأبو نعيم في ( حلية الأولياء ) : 1 / 134 .

    [2] - رواه الطبراني في الكبير : 10 / 197 ( 10446 ) ، والبيهقي في شعب الإيمان ( 4933 ) ، وقال المنذري في ( الترغيب والترهيب ) : رواه الطبراني ورواته رواة الصحيح ، وأبو الشيخ في ( الثواب ) والبيهقي بإسناد حسن .ا.هـ . وصححه الألباني في ( صحيح الترغيب ) رقم ( 2872 ) .

    [3] - انظر ( خلق المسلم ) لمحمد الغزالي ، ص 70 – دار نهضة مصر .
    د . محمد عطية

  • #2
    نعمة البيان
    لو تفكَّر الإنسان في نعمة الكلام ، وتأمل في هذا اللسان الذي هو آلة النطق والبيان ، وترجمان القلب ، ووسيلة التعبير عما فيه ؛ وكيف جعله الله تعالى عضوًا لحميًا ، لتسهل حركته ، فلا يكلُّ من كثرة الكلام ؛ وكيف امتن الله تعالى على عباده بنعمة البيان ، فقال سيحانه : خَلَقَ الْإِنْسَانَ . عَلَّمَهُ الْبَيَانَ [ [ الرحمن : 3 ، 4 ] ؛ فالاعتبار بنعمة الإِبانة عن المراد والامتنان بها ، بعد الامتنان بنعمة الإِيجاد ؛ أي : علَّمَ جنس الإِنسان أن يُبين عما في نفسه ، ليفيده غيره ويستفيد هو ؛ وفيه الإِشارة إلى أن نعمة البيان أجل النعم على الإنسان ( [1] ) .
    قال سيد قطب – : إننا نرى الإنسان ينطق ويعبر ويبين ، ويتفاهم ، ويتجاوب مع الآخرين ؛ فننسى بطول الألفة عظمة هذه الهبة ، وضخامة هذه الخارقة ، فيردنا القرآن إليها ، ويوقظنا لتدبرها ، في مواضع شتى .
    فما الإنسان ؟ ما أصله ؟ كيف يبدأ ؟ وكيف يُعلم البيان ؟
    إنه هذه الخلية الواحدة التي تبدأ حياتها في الرحم ؛ خلية ساذجة صغيرة ، ضيئلة ، مهينة ، تُرى بالمجهر ، ولا تكاد تَبين ، وهي لا تُبين ؛ ولكن هذه الخلية ما تلبث أن تكون الجنين . الجنين المكون من ملايين الخلايا المنوعة : عظمية ، وغضروفية ، وعضلية ، وعصبية ، وجلدية ؛ ومنها كذلك تتكون الجوارح والحواس ، ووظائفها المدهشة : السمع .. البصر .. الذوق .. الشم .. اللمس .. ثم الخارقة الكبرى ، والسر الأعظم : الإدراك والبيان ، والشعور والإلهام ؛ كله من تلك الخلية الواحدة الساذجة الصغيرة الضئيلة المهينة ، التي لا تكاد تَبين ، والتي لا تُبين ! كيف ؟ ومن أين ؟ من الرحمن ، وبصنع الرحمن .
    فلننظر كيف يكون البيان ؟
    ] وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ [ [ النحل : 78 ] ، إن تكوين جهاز النطق وحده عجيبة لا ينقضي منها العجب : اللسان ، والشفتان ، والفك ، والأسنان ، والحنجرة ، والقصبة الهوائية ، والشعب ، والرئتان ؛ إنها كلها تشترك في عملية التصويت الآلية ، وهي حلقة في سلسلة البيان ؛ وهي على ضخامتها لا تمثل إلا الجانب الميكانيكي الآلي في هذه العملية المعقدة ، المتعلقة بعد ذلك بالسمع والمخ والأعصاب ، ثم بالعقل الذي لا نعرف عنه إلا اسمه ، ولا ندري شيئًا عن ماهيته وحقيقته ؛ بل لا نكاد ندري شيئًا عن عمله وطريقته !
    كيف ينطق الناطق باللفظ الواحد ؟ إنها عملية معقدة ، كثيرة المراحل والخطوات والأجهزة ؛ مجهولة في بعض المراحل خافية حتى الآن .
    إنها تبدأ شعورًا بالحاجة إلى النطق بهذا اللفظ ، لأداء غرض معين ؛ هذا الشعور ينتقل - لا ندري كيف - من الإدراك أو العقل أو الروح إلى أداة العمل الحسية : المخ ؛ ويقال : إن المخ يصدر أمـره عن طريق الأعصاب بالنطق بهذا اللفظ المطلوب ؛ واللفظ ذاته مما علمه الله للإنسان وعرَّفه معناه . وهنا تطرد الرئة قدرًا من الهواء المختزن فيها ، ليمر من الشعب إلى القصبة الهوائية ، إلى الحنجرة وحبالها الصوتية العجيبة ، التي لا تقاس إليها أوتار أية آلة صوتيه صنعها الإنسان ، ولا جميع الآلات الصوتية المختلفة الأنغام ! فيصوت الهواء في الحنجرة صوتًا تشكله حسبما يريد العقل : عاليًا أو خافتًا ، سريعًا أو بطيئًا ، خشنًا أو ناعمًا ، ضخمًا أو رفيعًا .. إلى آخر أشكال الصوت وصفاته ؛ ومع الحنجرة اللسان والشفتان والفك والأسنان ، يمر بها هذا الصوت ، فيتشكل بضغوط خاصة في مخارج الحروف المختلفة ؛ وفي اللسان خاصة يمر كل حرف بمنطقة منه ذات إيقاع معين ، يتم فيه الضغط المعين ، ليصوِّت الحرف بجرس معين .
    وذلك كله لفظ واحد ، ووراءه العبارة ، والموضوع ، والفكرة ، والمشاعر السابقة واللاحقة ؛ وكل منها عالم عجيب غريب ، ينشأ في هذا الكيان الإنساني العجيب الغريب ، بصنعة الرحمن ، وفضل الرحمن ( [2] ) .
    فالبيان من نعم الله الكبرى ، التي توجب الشكر العظيم على العبد الفقير لربه المتعال الكبير .

    [1] - انظر ( التحرير والتنوير ) لابن عاشور عند الآية ( 3 ، 4 ) من سورة الرحمن .

    [2] - انظر ( في ظلال القرآن ) لسيد قطب عند الآية ( 3 ، 4 ) من سورة الرحمن .
    د . محمد عطية

    تعليق


    • #3
      جزاكم الله خيرا

      تعليق


      • #4
        وجزاك مثله ... إنه جواد كريم
        د . محمد عطية

        تعليق


        • #5
          القلم أحد اللسانين
          لما كان القلم يُبِينُ عما في القلب ، كان أحدَ اللسانين ، وقد كان يقال : اللسان ترجمان الفؤاد ؛ وقديمًا قال الشاعر :
          إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا
          لذلك يجب على الكاتب ما يجب على المتكلم : فليقل خيرًا أو ليسكت ؛ وقد قيل : إن للفكر عورات ، كما أن للجسم عورات ، وكما يجب ستر عورات الجسم ، فيجب ستر عورات الفكر .
          فالكلمة أمانة ، خرجت من اللسان ، أو كتبت بالبنان ، فليتخير العاقل كلمته ، وليحفظ أمانته .
          د . محمد عطية

          تعليق


          • #6
            جزاكم الله خير الجزاء وأوفاه.
            ننتظر التتمة.
            -اللهم اجْعَلِ القُـــــرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَاجْعَلْ مَا بَقِي مِن عُمرِي خدمةً لَهُ وعيْشاً لهمُومِهِ-

            تعليق


            • #7
              أصناف الناس مع نعمة البيان
              يتفاوت الناس في نعمة الكلام والبيان ، فمنهم المقل ، ومنهم الثرثار ، ومنهم الوسط بينهما ؛ فهم بين مفْرِطٍ ومفرِّط ، ومعتدل .
              فالأول : هو المفْرِط ، وهو المكثر في الكلام ؛ وصاحبه هو الذي يطلق لسانه أو قلمه في ما لا فائدة فيه ، وما لا يعنيه ؛ وهذا في الغالب يعرض نفسه لكثير من آفات اللسان ؛ كالرياء ، والغيبة ، والنميمة ، والكذب ، والبهتان ، وقول الباطل ، والسب والشتم ، والمدح المذموم ... وغيرها من آفات اللسان والقلم ؛ وقد ذكر الغزالي في ( إحياء علوم الدين ) للسان عشرين آفة ( [1] ) .
              والثاني : هو المفرِّطُ ، وهو الذي يغلب عليه الصمت وقلة الكلام ، حتى يوقعه ذلك - أحيانًا - في السكوت عن قول الحق ، أو السكوت على باطل ، أو ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باللسان ، وقد يصل به التقصير في أداء نعمة الكلام إلى أن يفوِّت على نفسه كثيرًا من العبادات اللسانية ؛ كالذكر ، والدعاء ، وتلاوة القرآن .
              وكلا طرفي الأمور ذميم .
              والثالث : الوسط العدل : وهو الذي يقوم بأداء شكر نعمة اللسان والبيان ؛ فيتكلم ويكتب حين يكون ذلك طاعة لله ، وأمرًا بالمعروف ، ونهيًا عن المنكر ؛ ويُسخِّر هذه النعمة في اللهج بذكر الله تعالى ، وشكره وعبادته ، وإحقاق الحق ، وإبطال الباطل .
              ويسكت حين يكون السكوت محبوبًا لله ؛ وذلك حينما يكون الكلام معصيًة لله تعالى ؛ كالظلم ، والرياء ، والغيبة ، والنميمة ، وقول الباطل .. وغير ذلك من آفات اللسان .
              ويسكت - أيضًا - عندما يكون الكلام لا فائدة منه ، فهو لغو ، واللغو فضول الكلام وما لا طائل تحته ؛ وذلك من صفات المؤمنين المفلحين ، قال الله تعالى : قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ . الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ [ المؤمنون : 1 - 3 ] .
              قال ابن القيم - - : وفي اللسان آفتان عظيمتان ، إن خلص العبد من إحداهما لم يخلص من الأخرى : آفة الكلام ، وآفة السكوت ؛ وقد يكون كل منهما أعظم إثمًا من الأخرى في وقتها ؛ فالساكت عن الحق شيطان أخرس ، عاص لله ، مراء مداهن ، إذا لم يخف على نفسه .
              والمتكلم بالباطل شيطان ناطق ، عاص لله ؛ وأكثر الخلق منحرف في كلامه وسكوته ، فهم بين هذين النوعين .
              وأهل الوسط - وهم أهل الصراط المستقيم - كَفُّوا ألسنتهم عن الباطل ، وأطلقوها فيما يعود عليهم نفعه في الآخرة ؛ فلا ترى أحدهم يتكلم بكلمة تذهب عليه ضائعة بلا منفعة ، فضلاً أن تضره في آخرته ، وإن العبد ليأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال ، فيجد لسانه قد هدمها عليه كلها ، ويأتي بسيئات أمثال الجبال فيجد لسانه قد هدمها من كثرة ذكر الله وما اتصل به ( [2] ) .
              عن يعلى بن عبيد قال : دخلنا على محمد بن سوقة فقال : ألا أحدثكم بحديث لعله ينفعكم ، فإنه قد نفعني ؟ ثم قال : قال لنا عطاء بن رباح : يا ابن أخي ، إن من كان قبلكم كانوا يكرهون فضول الكلام ، وكانوا يعدُّون فضوله ما عدا كتاب الله أن تقرأه ، وتأمر بمعروف ، أو تنهى عن منكر ، أو تنطق بحاجتك في معيشتك التي لا بد لك منها ؛ أتنكرون : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ . كِرَامًا كَاتِبِينَ [ الانفطار : 10 ، 11 ] ، عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ . مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ ق : 17 ، 18 ] ؟ أما يستحي أحدكم أن لو نشرت عليه صحيفته التي أملاها صدرَ نهاره ، أكثر ما فيها ليس من أمر دينه ، ولا دنياه ( [3] ) .
              وعن ميمون بن مهران قال : جاء رجل إلى سلمان فقال : أوصني ؛ قال : لا تَكلَّمْ ؛ قال : لا يستطيع من عاش في الناس أن لا يتكلم ؛ قال : فإن تكلمت ، فتكلم بحق أو اسكتْ ؛ قال : زدني ، قال : لا تغضب ؛ قال : إنه ليغشاني ما لا أملكه ؛ قال : فإن غضبت ، فأمسك عليك لسانك ويدك ؛ قال زدني ، قال : لا تلابس الناس ؛ قال : لا يستطيع من عاش في الناس أن لا يلابسهم ؛ قال : فإن لابستهم ، فاصدق الحديث ، وأد الأمانة ( [4] ) .
              [1] - انظر ( إحياء علوم الدين ) : 3 / 108 ، ثم فصل الحديث فيها بعد ذلك .

              [2] - انظر ( الجواب الكافي ) ص 112 – الكتب العلمية .

              [3] - رواه ابن أبي شيبة ( 35469 ) ، وأبو نعيم في ( حلية الأولياء ) : 3 / 314 ، 315 ، ورواه أيضًا بنحوه : 5 / 2 ، ورواه البيهقي في شعب الإيمان ( 5080 ) .

              [4] - رواه ابن أبي الدنيا في ( الصمت ) رقم 610 .
              د . محمد عطية

              تعليق


              • #8
                بارك الله جهودكم.
                اللهم وفقنا لقول التي هي أحسن.
                -اللهم اجْعَلِ القُـــــرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَاجْعَلْ مَا بَقِي مِن عُمرِي خدمةً لَهُ وعيْشاً لهمُومِهِ-

                تعليق


                • #9
                  آميين ، ولك مثلها .. إن الله جواد كريم
                  د . محمد عطية

                  تعليق


                  • #10
                    ثغر اللسان
                    في آخر حديث معاذ الطويل أن النبي قال له : " أَلَا أُخْبِرُكَ بِمِلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ ؟ " قُلْتُ : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ ، وَقَالَ : " كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا " فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ ؟ فَقَالَ : " ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ ! وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ - أَوْ قَالَ : عَلَى مَنَاخِرِهِمْ - إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ " ( [1] ) ؛ والمعنى : إلا ما تحصد ألسنتهم من الكلام ؛ قال ابن رجب - : والمراد بحصائد الألسنة : جزاء الكلام المحرم وعقوباته ، فإن الإنسان يزرع بقوله وعمله الحسنات والسيئات ، ثم يحصد يوم القيامة ما زرع ، فمن زرع خيرًا من قول أو عمل حصد الكرامة ، ومن زرع شرًّا من قول أو عمل حصد غدًا الندامة .ا.هـ .
                    ويصور ابن القيم - - وصية الشيطان لذريته في القيام على ثغر اللسان ، فيقول - أي الشيطان : قوموا على ثغر اللسان ؛ فإنه الثغر الأعظم ؛ فأجروا عليه من الكلام ما يضره ولا ينفعه ، وامنعوه أن يجري عليه شيء مما ينفعه : من ذكر الله تعالى واستغفاره ، وتلاوة كتابه ، ونصيحة عباده ، والتكلم بالعلم النافع ، ويكون لكم في هذا الثغر أمران عظيمان ، لا تبالون بأيهما ظفرتم ؛ أحدهما : التكلم بالباطل ؛ فإن المتكلم بالباطل أخ من إخوانكم ، ومن أكبر جندكم وأعوانكم .
                    والثاني : السكوت عن الحق ؛ فإن الساكت عن الحق أخ لكم أخرس ، كما أن الأول أخ ناطق ، وربما كان الأخ الثاني أنفع أخويكم لكم ؛ أما سمعتم قول الناصح : المتكلم بالباطل شيطان ناطق ، والساكت عن الحق شيطان أخرس ؟!
                    فالرباط الرباط على هذا الثغر أن يتكلم بحق أو يمسك عن باطل ، وزينوا له التكلم بالباطل بكل طريق ، وخوفوه من التكلم بالحق بكل طريق .
                    واعلموا يا بَنِيَّ أن ثغر اللسان هو الذي أُهلِكُ منه بني آدم ، وأكُبَُّّهم منه على مناخرهم في النار ، فكم لي من قتيل وأسير وجريح أخذته من هذا الثغر ( [2] ) .


                    [1] - رواه أحمد : 5 / 231 ، والترمذي ( 2616 ) وصححه ؛ والنسائي في الكبرى ( 11394 ) ، وابن ماجة ( 3973 ) ، والحاكم : 2 / 412 ، 413 وصححه على شرطيهما ، ووافقه الذهبي .

                    [2] - انظر ( الجواب الكافي ) ص 69 – الكتب العلمية .
                    د . محمد عطية

                    تعليق


                    • #11
                      المرء بأصغريه
                      من أَمثال العرب : ( المرْء بِأَصْغَرَيْهِ ) ، وأَصْغَراه : قلْبُه ، ولسانه ؛ ومعناه أَن المَرْءَ يعلو الأُمور ويَضْبِطها بِجَنانه ولسانه ؛ أي : المرء معتبر بهما ، إن نطقَ نطق ببيان ، وإن قاتل قاتلَ بجنان .
                      قال الميداني في ( مجمع الأمثال ) : قيل لهما : الأصغران ، لِصغر حجمهما ؛ قال : والجالب للباء القيام ، كأنه قيل : المرء يَقُوم معانيه بهما ، أو يكمل المرء بهما ( [1] ) . وأُنشد لزهير :
                      وَكَائِنٍ تَرَى مِنْ صَامِتٍ لَكَ مُعْجِبٍ ... زِيَادَتُهُ أَوْ نَقْصُهُ فِي التَكَلُّمِ
                      لِسَانُ الْفَتَى نِصْفٌ وَنِِصْفٌ فُؤَادُهُ ... فَلَمْ يَبْقَ إِلاَّ صُورَةُ اللَّحْمِ وَالدَّمِ
                      وكان يقال : المرء مخبوءٌ تحت لسانه .
                      وزِنِ الكلام إذا نطقتَ فإنما ... يُبدي الرجالَ من الستورِ المنطقُ
                      قَالَ الْحَسَنُ - : لِسَانُ الْعَاقِلِ مِنْ وَرَاءِ قَلْبِهِ ، فَإِذَا أَرَادَ الْكَلامَ ؛ تَفَكَّرَ ، فَإِنْ كَانَ لَهُ قَالَ ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ أَمْسَكَ ، وَقَلْبُ الْجَاهِلِ مِنْ وَرَاءِ لِسَانِهِ ، فَإِنْ هَمَّ بِالْكَلامِ ؛ تَكَلَّمَ لَهُ وَعَلَيْهِ ( [2] ) .
                      وفي ( جمهرة خطب العرب ) : لما اسْتُخْلِفَ عمرُ بن عبد العزيز ، قَدِمَ عليه وُفُودُ أهلِ كلِّ بلد ؛ فتقدَّم إليه وَفْدُ أهلِ الحجاز ، فأشْرَأب منهم غلامٌ للكلام ، فقال عمر: يا غلام ، ليتكلمْ مَنْ هو أَسَن منك ! فقال الغلام : يا أمير المؤمنين ، إنَّما المرءُ بأَصغريه : قلبهِ ولسانِهِ ، فإذا مَنَح اللَّهُ العبدَ لسانًا لافظًا ، وقلبًا حافظًا ، فقد استجاد له الحلية ، ولو كان التقدم بالسن لكان في هذه الأمة من هو أحق بمجلسك منك ؛ فقال عمر : صدقت ، تكلّم ؛ فهذا السحْرُ الحلال ! فقال : يا أمير المؤمنين ، نحن وفد التهنئة ، لا وَفْد الْمَرْزِئة ؛ قدمنا إليك من بلدنا ، نحمد الله الذي منَّ بك علينا ، لم يخرجنا إليك رغبة ولا رهبة ، لأنا قد أمنَّا في أيامك ما خِفنا ، وأدركنا ما طلبنا ؛ فقال : عظنا يا غلام ، وأوجز ؛ قال : نعم يا أمير المؤمنين ، إن أناسًا غرهم حلم الله عنهم ، وطول أملهم ، وحسن ثناء الناس عليهم ؛ فلا يغرنك حلم الله عنك ، وطول أملك ، وحسن ثناء الناس عليك ، فتزل قدمك ؛ فنظر عمر في سن الغلام ، فإذا هو قد أتت عليه بضع عشرة سنة ، فأنشأ عمر يقول :
                      تعلمْ فليس المرءُ يُخلقُ عالِمًا ... وليس أخو علمٍ كمن هو جاهلُ
                      وإنَّ كبير القوم لا علمَ عنده ... صغيرٌ إذا ألتفَّتْ عليه المحافلُ ( [3] )


                      [1] - انظر ( مجمع الأمثال ) : 2 / 294 ، 295 ( 3982 ) .

                      [2] - المجالسة وجواهر العلم ( 1502 ، 3049 ، 3114 ) ، ورواه البيهقي في شعب الإيمان ( 4694 ) بلفظ : كان الحسن يقول : لسان العاقل من وراء قلبه ، فإذا عرض له قول نظر ؛ فإن كان له قال ، و إن كان عليه أمسك ؛ ولسان الأحمق أمام قلبه ، فإذا عرض له القول قال عليه أو له .

                      [3] - جمهرة خطب العرب : 2 / 419 ؛ وهو في ( مروج الذهب للمسعودي : 3 / 197 ) ؛ وروى نحوه ابن عبد البر في ( التمهيد : 23 / 204 ) عن العتبي قال : قال سفيان بن عيينة : قدم وفد من العراق على عمر بن عبد العزيز ، فنظر عمر إلى شاب منهم يريد الكلام ، ويهش إليه ، فقال عمر : كبروا ، كبروا ؛ ( يقول : قدموا الكبار ) ؛ قال الفتى : يا أمير المؤمنين ، إن الأمر ليس بالسن ، ولو كان الأمر كذلك لكان في المسلمين من هو أسن منك ؛ قال : صدقت ، فتكلم رحمك الله ؛ قال : إنا وفد شكر ... وذكر الخبر .
                      د . محمد عطية

                      تعليق


                      • #12
                        إن البلاء موكل بالمنطق
                        البلاء موكل بالمنطق ؛ عبارة لها تحقيق في واقع الناس ، ومنْ يبحث في ذلك يرى عجبًا ؛ وقد وردت كحديث جاء عن عدة من الصحابة ، لكن طرقه كلها معلولة لا تصح ، ولا تتقوى .
                        وفي ( مجمع الأمثال ) : قال المفضل : يقال : إن أول من قال ذلك أبو بكر الصديق فيما ذكره ابن عباس قال : حدثني علي ابن أبي طالب : لما أُمِرَ رسولُ اللَّه أن يَعْرِضَ نفسَه على قبائل العرب ، خرج وأنا معه وأبو بكر ، فَدُفِعْنَا إلى مجلسٍ من مجالس العرب ، فتقدم أبو بكر وكان نَسَّابة ، فسَلَّم ، فردُّوا ؛ فقال : ممن القوم ؟ قالوا : من ربيعة ، فقال : أمِنْ هامتها أم من لَهَازمها ؟ قالوا : من هامتها العظمى ؛ قال : فأيُّ هامتها العظمى أنتم ؟ قالوا : ذُهْلٌ الأكبر ؛ قال : أفمنكم عَوْف الذي يقال له لاَ حُرَّ بِوَادِي عَوْف ؟ قالوا : لا ؛ قال : أفمنكم بِسْطَام ذُو اللَّواء ومنتهى الأحياء ؟ قالوا : لا ؛ قال : أفمنكم جَسَّاس بن مُرَّةَ حامي الذِّمار ومانِعُ الجار ؟ قالوا : لا ؛ قال : أفمنكم الحَوْفَزَان قاتل الملوك وسالبها أنفَسها ؟ قالوا : لا ؛ قال : أفمنكم المزدَلف صاحب العِمَامة الفَرْدة ؟ قالوا : لا ؛ قال : أفأنتم أخوال الملوك من كِنْدَة ؟ قالوا : لا ؛ قال : فلستم ذُهْلا الأكبر ، أنتم ذهل الأصغر .
                        فقام إليه غلام ، قد بَقَلَ وَجْههُ ، يقال له : دغفل ، فقال :
                        إنَّ عَلَى سِائِلِناَ أنْ نَسْأَلَه ... وَالْعِبْءُ لاَ تَعْرِفُهُ أوْ تَحْمِلَهُ
                        يا هذا ، إنك قد سألتنا فلم نكتمك شيئًا ، فمَنِ الرجل أنت ؟ قال : رجل من قريش ، قال : بخٍ بخ أهل الشرف والرياسة ، فمن أي قرش أنت ؟ قال : من تَيْم بن مُرَّة ؛ قال : أمْكَنْتَ واللَّه الرامي من صفاء الثغرة ؛ أفمنكم قُصَيُّ بن كلاب ، الذي جَمَعَ القبائل من فِهْر ، وكان يُدْعَى مُجَمِّعًا ؟ قال : لا ؛ قال : أفمنكم هاشم ، الذي هَشَم الثريدَ لقومه ، ورجالُ مكة مُسْنتُونَ عِجَاف ؟ قال : لا ، قال : أفمنكم شَيْبَةُ الحمدِ ، مُطْعم طير السماء ، الذي كأن في وجهه قمرًا يضيء ليل الظلام الداجي ؟ قال : لا ، قال : أفمن المُفِيضينَ بالناس أنت ؟ قال : لا ، قال : أفمن أهل النَّدْوَة أنت ؟ قال : لا ؛ قال : أفمن أهل الرِّفادة أنت ؟ قال : لا ؛ قال : أفمن أهل الحِجَابة أنت ؟ قال : لا ؛ قال : أفمن أهل السِّقَاية أنت ؟ قال : لا .
                        قال ( أي علي ) : واجتذبَ أبو بكر زِمام ناقته ، فرجع إلى رسول اللّه ؛ فقال دغفل : صادَفَ دَرأ السيل دَرْأً يصدعُهُ ؛ أما واللَّه لو ثبتَّ لأخبرتك أنك من زَمَعَات قريش ، أو ما أنا بدغفل .
                        قال : فتبسَّم رسولُ اللّه ؛ قال علي : قلت لأبي بكر : لقد وقَعْتَ من الأعرابي على باقِعَةٍ ! قال : أجَلْ ، إن لكل طامةٍ طامة ، وإن البلاء مُوَكَّلٌ بالمنطق ( [1] ) .
                        وفي مصنف ابن أبي شيبة عن إبراهيم ( النخعي ) قال : قال عبد الله ( ابن مسعود ) : البلاء موكل بالقول ( [2] ) . وقد أحسن من قال :
                        لا تنطقنْ بمقالةٍ في مجلسٍ ... تخشى عواقبَها وكن ذا مَصْدقِ
                        واحفظْ لسانكَ أن تقولَ فتبتلى ... إِن البلاءَ موكلٌ بالمنطقِى
                        ومن البلاء الحاصل بالقول : قول الشيخ البائس الذي عاده النبي ؛ ففي صحيح البخاري عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ دَخَلَ عَلَى أَعْرَابِيٍّ يَعُودُهُ ، قَالَ : وَكَانَ النَّبِيُّ إِذَا دَخَلَ عَلَى مَرِيضٍ يَعُودُهُ قَالَ : " لَا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ " ؛ فَقَالَ لَهُ : " لَا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ " ، قَالَ : قُلْتَ طَهُورٌ ! كَلَّا ، بَلْ هِيَ حُمَّى تَفُورُ - أَوْ تَثُورُ ، عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ ، تُزِيرُهُ الْقُبُورَ ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ : " فَنَعَمْ إِذًا " ( [3] ) .
                        ولَمَّا نزل الحسين وأصحابه بكربلاء ، سأل عن اسمها ؛ فقيل : كربلاء ؛ فقال : كربٌ ، وبلاء ؛ فجرى ما جرى .
                        وفي ( تذكرة الحفاظ ) عن سليمان بن يسار قال : كنت أقسم نفسي بين ابن عباس وابن عمر ، فكنت أكثر ما اسمع ابن عمر يقول : لا أدري ؛ وابن عباس لا يرد أحدًا ، فسمعت ابن عباس يقول : عجبًا لابن عمر وردِّه الناس ، ألا ينظر في ما يشك ، فإن كانت مضت به سنة قال بها ، وإلا قال برأيه ! قال : فسمعت ابن عباس وسئل عن مسألة فارتج فيها ؛ فقال : البلاء موكل بالقول ( [4] ) .
                        ومن ذلك ما قاله المؤمل الشاعر في امرأة من الحيرة كان علقها ، قال :
                        شفَّ المُؤمِّلَ يومَ الحيرةِ النَّظرُ ... ليتَ المؤمِّلَ لم يُخلقْ لهُ بصرُ
                        فيقال : إنه رأى رجلاً في المنام قد أدخل إصبعيه في عينيه ، فأخرجهما ، وقال : هذا ما تمنيت ، فأصبح أعمى ( [5] ) ؛ ومن ذلك قول مجنون بني عامر ( مجنون ليلى ) :
                        فلو كنتُ أعمى أخبطُ الأرضَ بالعصا ... أصمَّ فنادتْني أجبتُ المنادِيا
                        فعمي وصُمَّ ( [6] ) . وعليه أنشدوا :
                        لا تمزحن بما كرهت فربما ... ضرب المزاح عليك بالتحقيق
                        وقال آخر :
                        لا تَنْطِقَنَّ بِمَا كَرهْتَ فَرُبَّمَا ... نَطَقَ اللِّسَانُ بِحَادِثٍ فَيَكُوَن
                        قال ابن الدورقي : اجتمع الكسائي واليزيدي عند الرشيد ، فحضرت صلاة ، فقدموا الكسائي يصلي ، فارتج عليه قراءة : قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ فقال اليزيدي : قراءة : قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ترتج على قارئ الكوفة ؟! قال : فحضرت صلاة ، فقدموا اليزيدي ، فأرتج عليه في ( الحمد ) فلما سلم قال :
                        احفظْ لسانكَ أن تقولَ فتبتلى ... إِن البلاءَ موكلٌ بالمنطقِ ( [7] )
                        وفي ( محاسن التأويل ) للقاسمي عند قوله تعالى : إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ قال الناصر : ولقد صدَّقت هذه القصة المثل السائر ، وهو قولهم : ( البلاء موكل بالمنطق ) ، فإن يعقوب قال أولاً في حق يوسف : وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْب [ يوسف : 13 ] ، فابتلي من ناحية هذا القول ؛ وقال ها هنا ثانيًا : إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ أي : تغلبوا عليه ؛ فابتلي - أيضًا - بذلك ، وأحيط بهم وغلبوا عليه ( [8] ) .
                        وفي ( الزهد ) لهناد عن إبراهيم ( النخعي ) قال : إني لأرى الشيء مما يعاب ، ما يمنعني من غيبته إلا مخافة أن أبتلى به ؛ ورواه وكيع في ( الزهد ) بلفظ : إني لأرى الشر أكرهه ، فما يمنعني أن أتكلم به إلا مخافة أن أبتلى به ( [9] ) .

                        [1] - انظر ( مجمع الأمثال ) للميداني : 1 / 17 ، 18 ( 35 ) ؛ وقد روى القصة البيهقي في ( دلائل النبوة ) : 2 / 422 – 424 ، وابن حبان في ( السيرة ) ص 93 ، وابن عساكر في ( تاريخ دمشق ) : 17 / 292 – 294 ، مع تغير في بعض الألفاظ لا يؤثر .

                        [2] - مصنف ابن أبي شيبة ( 25547 ) ، وهو في الزهد لهناد ( 1193 ) ؛ قال الألباني في ( السلسلة الضعيفة : 7 / 395 ) : ورجاله ثقات ، لكنه منقطع بين إبراهيم وابن مسعود ، إلا أنه قد قال إبراهيم : ( إذا حدثتكم عن رجل عن عبد الله ؛ فهو الذي سمعت ؛ وإذا قلت : قال عبد الله ؛ فهو عن غير واحد ) ؛ وعلى هذا فالإسناد صحيح .

                        [3] - البخاري ( 3420 ، 5332 ، 5338 ، 7032 ) .

                        [4] - انظر ( تذكرة الحفاظ ) للذهبي : 1 / 38 ، 39 .

                        [5] - المؤمل بن أميل المحاربي الكوفي ، والقصة في (فوات الوفيات ) : 4 / 176 ؛ والأغاني : 22 / 247 .

                        [6] - أورده الحموي في ( معجم الأدباء ) في ترجمة إسحاق بن مرار ؛ وانظر ( التيسير شرح الجامع الصغير ) : 1 / 885 .

                        [7] - انظر (معرفة القراء الكبار ) للذهبي : 1/ 124 .

                        [8] - انظر ( محاسن التأويل ) للقاسمي عند الآية ( 66 ) من سورة يوسف .

                        [9] - انظر ( الزهد ) هناد رقم ( 1192 ) ، و( الزهد ) لوكيع ( 307 ) .
                        د . محمد عطية

                        تعليق


                        • #13
                          الأعضاء تكفر اللسان
                          روى أحمد والترمذي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَفَعَهُ ، قَالَ : " إِذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ فَإِنَّ الْأَعْضَاءَ كُلَّهَا تُكَفِّرُ اللِّسَانَ ، فَتَقُولُ : اتَّقِ اللَّهَ فِينَا ، فَإِنَّمَا نَحْنُ بِكَ ؛ فَإِنْ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا ، وَإِنْ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا " ( [1] ) .
                          قال ابن القيم – : قوله : " تُكَفِّرُ اللِّسَانَ " قيل: معناه تخضع له , وإنما خضعت للسان لأنه بريد القلب وترجمانه ، والواسطة بينه وبين الأعضاء ؛ وقولها : " فَإِنَّمَا نَحْنُ بِكَ " , أي : نجاتنا بك ، وهلاكنا بك , ولهذا قالت : " فَإِنْ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا ، وَإِنْ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا " ( [2] ) .ا.هـ .
                          فالأعضاء كلها تطلب من اللسان الاستقامة ، طلب من يخضع لغيره ليفيض عليه بالمطلوب بواسطة الخضوع لديه ؛ فنطق اللسان يؤثر في أعضاء الإنسان بالتوفيق والخذلان ؛ فلله درُّه من عضو ، ما أصغره وأعظم نفعه وضرِّه .
                          وسِرُّ ذلك - كما يقول ابن القيم - أن حركة اللسان بالكلام لا تكون متساوية الطرفين ، بل إما راجحة وإما مرجوحة ؛ لأن للسان شأنًا ليس لسائر الجوارح ، وإذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان ؛ وأكثر ما يكب الناس على مناخرهم في النار : حصائد ألسنتهم ؛ وكل ما يتلفظ به اللسان فإما أن يكون مما يرضى الله ورسوله ، أو لا ؛ فإن كان كذلك فهو الراجح ، وإن لم يكن كذلك فهو المرجوح ، وهذا بخلاف سائر الجوارح ، فإن صاحبها ينتفع بتحريكها في المباح المستوى الطرفين ، لما له في ذلك من الراحة والمنفعة ، فأبيح له استعمالها فيما فيه منفعة له ، ولا مضرة عليه فيه في الآخرة ؛ وأما حركة اللسان بما لا ينتفع به فلا يكون إلا مضرة ؛ فتأمله ( [3] ) .ا.هـ .


                          [1] - رواه أحمد : 3 / 95 ، والترمذي ( 2407 ) وحسنه الألباني .

                          [2] - انظر ( الفوائد ) ص 57 – الكتب العلمية .

                          [3] - انظر ( مدارج السالكين ) : 1/ 115 ، 116 - باختصار .
                          د . محمد عطية

                          تعليق


                          • #14
                            ما النجاة ؟
                            اعلم أن خطر اللسان عظيم ، ولا نجاة من خطره إلا بالسكوت عن آفاته ؛ روى أحمد والترمذي عَنْ عُقْبَةَ بن عَامِرٍ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا النَّجَاةُ ؟ قَالَ : " أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ ، وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ " ( [1] ) .
                            وفي صحيح البخاري عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : " مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ ، وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ ، أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ " ( [2] ) .
                            وروى أحمد والبخاري في ( الأدب المفرد ) وابن ماجة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ عَنْ أَكْثَرِ مَا يَلِجُ النَّاسُ بِهِ النَّارَ ، فَقَالَ : " الْأَجْوَفَانِ : الْفَمُ ، وَالْفَرْجُ " ، وَسُئِلَ عَنْ أَكْثَرِ مَا يَلِجُ بِهِ الْجَنَّةَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : " حُسْنُ الْخُلُقِ " ( [3] ) .
                            ولما قال معاذ لرسول الله : وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ ؟ قَالَ : " ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ ! وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ - أَوْ قَالَ : عَلَى مَنَاخِرِهِمْ - إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ " ( [4] ) .
                            وفي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ : " إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا ، يَزِلُّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ الْمَشْرِقِ " ( [5] ) .
                            وفي مسند أحمد عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : " لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ ، وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ ؛ وَلَا يَدْخُلُ رَجُلٌ الْجَنَّةَ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ " ( [6] ) .
                            وفي موطأ مالك عَنْ أَسْلَمَ مولى عمر أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ دَخَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ – - وَهُوَ يَجْبِذُ لِسَانَهُ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : مَهْ ، غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ؛ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : إِنَّ هَذَا أَوْرَدَنِي الْمَوَارِدَََََ ( [7] ) . و( مَهْ ) ، أي : اكفف عما تفعله .
                            ورواه أبو يعلى والبيهقي في ( شعب الإيمان ) ، والضياء في ( المختارة ) من طريق أخرى عن عَنْ أَسْلَمَ أن عمر بن الخطاب اطلع على أبي بكر و هو يمد لسانه قال : ما تصنع يا خليفة رسول الله ؟ قال : إن هذا الذي أوردني الموارد ، إن رسول الله قال : " ليسَ شيءٌ منَ الجسدِ إلا وهُوَ يَشكُو ذَِرَبَ اللسانِ ، عَلَى حِدَّتِهِ " ( [8] ) ؛ وِذَرَب اللسان ( بفتح الذال المعجمة والراء جميعًا ) : هو حِدَّته وشرُّه وفحشه .
                            وروى أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة عَنْ عَلْقَمَةَ اللَّيْثِيُّ عَنْ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ : " إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللهِ مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ ، يَكْتُبُ اللهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ؛ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ ، يَكْتُبُ اللهُ بِهَا عَلَيْهِ سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ " فَكَانَ عَلْقَمَةُ يَقُولُ : كَمْ مِنْ كَلَامٍ قَدْ مَنَعَنِيهِ حَدِيثُ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ ( [9] ) .
                            والأحاديث في بيان خطورة اللسان كثيرة ، والكلمة إذا خرجت لا ترجع ، وهي لك أو عليك ؛ وقد أحسن من قال :
                            يموت الفتى من عثرةٍ بلسانه ... وليس يموتُ المرء من عثرة الرِّجلِ
                            فعثرتُهُ من فِيهِ ترمي برأسه ... وعثرتُهُ بالرِّجل تبرا على مَهَلِ
                            وقال رجل لأبي سعيد الخدري : أوصني ؛ قال : عليك بالصمت إلا في حق ؛ فإنك به تغلب الشيطان ( [10] ) .
                            قال ابن القيم – : وأما اللفظات فحفظها بأن لا يخرج لفظه ضائعة ، بل لا يتكلم إلا فيما يرجو فيه الربح والزيادة في دينه ، فإذا أراد أن يتكلم بالكلمة نظر : هل فيها ربح أو فائدة ، أم لا ؟ فإن لم يكن فيها ربح أمسك عنها ، وإن كان فيها ربح نظر هل تفوته بها كلمة هي أربح منها ، فلا يضيعها بهذه ؛ وإذا أردت أن تستدل على ما في القلوب فاستدل عليه بحركة اللسان ؛ فإنه يطلعك على ما في القلب ، شاء صاحبه أم أبى ؛ قال يحيى بن معاذ : القلوب كالقدور تغلي بما فيها ، وألسنتها مغارفها ، فانتظر الرجل حتى يتكلم فإن لسانه يغترف لك ما في قلبه : حلو وحامض ، وعذب وأجاج .. وغير ذلك ، ويُبِينُ لك طعم قلبه اغتراف لسانه ( [11] ) ؛ أي : كما تطعم بلسانك فتذوق ما في قلبه من لسانه ، كما تذوق ما في القدر بلسانك ؛ وفى حديث أنس المرفوع : " لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ ، وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ " ، وسئل النبي عن أكثر ما يدخل النار ، فقال : " الْفَمُ ، وَالْفَرْجُ " ؛ وقد سأل معاذ النبي عن العمل يدخله الجنة ويباعده من النار فأخبره برأسه وعموده وذروة سنامه ، ثم قال : " أَلَا أُخْبِرُكَ بِمِلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ ؟ " قُلْتُ : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ ، وَقَالَ : " كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا " فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ ؟ فَقَالَ : " ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ ! وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ - أَوْ قَالَ : عَلَى مَنَاخِرِهِمْ - إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ " .
                            ومن العجب أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام والظلم والزنا والسرقة وشرب الخمر ومن النظر المحرم وغير ذلك ، ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه ، حتى يُرى الرجل يشار إليه بالدين والزهد والعبادة ، وهو يتكلم بالكلمة من سخط الله ، لا يلقى لها بالا ، يزل بالكلمة الواحدة بين المشرق والمغرب ، وكم ترى من رجل متورع عن الفواحش والظلم ولسانه يفري في أعراض الأحياء والأموات ، ولا يبالى ما يقول ؛ وإذا أردت أن تعرف ذلك فانظر إلى ما رواه مسلم في صحيحه من حديث جندب بن عبد الله أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ حَدَّثَ " أَنَّ رَجُلاً قَالَ : وَاللَّهِ ، لاَ يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلاَنٍ ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَىَّ أَنْ لاَ أَغْفِرَ لِفُلاَنٍ ؟ فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلاَنٍ ، وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ " ( [12] ) ؛ فهذا العابد الذي قد عبد الله ما شاء أن يعبده أحبطت هذه الكلمة الواحدة عمله كله ؛ وفى حديث أبي هريرة نحو ذلك ، ثم قال أبو هريرة : تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته ( [13] ) ؛ وفى صحيح البخاري من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ : " إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ ، لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا ، يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ ؛ وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ ، لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا ، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ " ( [14] ) . وفي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ : " إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا ، يَزِلُّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ الْمَشْرِقِ " ( [15] ) - ثم ذكر أحاديث مما تقدم وغيرها - ثم قال : وقد كان بعض السلف يحاسب أحدهم نفسه في قوله : يوم حار ، ويوم بارد ؛ ولقد رُؤي بعض الأكابر من أهل العلم في النوم بعد موته ، فسئل عن حاله ، فقال : أنا موقوف على كلمة قلتها ، قلت : ما أحوج الناس إلى غيث ! فقيل لي : وما يدريك ؟ أنا أعلم بمصلحة عبادي ؛ وقال بعض الصحابة لخادمه يومًا : هات لي السفرة نعبث بها ؛ ثم قال : استغفر الله ، ما أتكلم بكلمة إلا وأنا أخطمها وأزمها ، إلا هذه الكلمة خرجت مني بغير خطام ولا زمام ( [16] ) ، أو كما قال .
                            وأيسر حركات الجوارح حركة اللسان ، وهى أضرها على العبد ، واختلف السلف والخلف هل يكتب جميع ما يلفظ به ، أو الخير والشر فقط ؟ على قولين ؛ أظهرهما الأول وقال بعض السلف : كل كلام بن آدم عليه لا له ، إلا ما كان من ذكر الله وما والاه ؛ وكان الصديق t يمسك بلسانه ويقول : هذا أوردني الموارد ؛ والكلام أسيرك ، فإذا خرج من فيك صرت أسيره ؛ والله عند لسان كل قائل ؛ و مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ ق : 18 ] ( [17] ) .
                            فحفظ اللسان من أعظم أسباب النجاة ، فلينتبه العاقل لكلماته قبل أن تخرج من فيه ، والله المستعان .


                            [1] - أحمد : 5 / 259 ، والترمذي ( 2406 ) وحسنه .

                            [2] - البخاري ( 6109 ، 6422 ) .

                            [3] - أحمد : 2 / 392 ، 442 ، والبخاري في الأدب المفرد ( 289 ) ، والتِّرمِذي ( 2004 ) وصححه ، وابن ماجة ( 4246 ) ، وابن حبان ( 476 ) ، والحاكم ( 7919 ) وصححه ، ووافقه الذهبي .

                            [4] - رواه أحمد : 5 / 231 ، والترمذي ( 2616 ) وصححه ، وتقدم تخريجه .

                            [5] - البخاري ( 6112 ) ، ومسلم ( 2988 ) .

                            [6] - رواه أحمد : 3 / 198 ، ورواه ابن أبي الدنيا في ( الصمت ) رقم 9 ، وحسنه الألباني في الصحيحة ( 2841 ) .

                            [7] - الموطأ : 2 / 988 ( 1788 ) .

                            [8] - أبو يعلى ( 5 ) ، والبيهقي في الشعب ( 4947 ) ، والضياء في المختارة ( 3 ) ، وصححه الألباني في صحيح الترغيب ( 2873 ) .

                            [9] - أحمد : 3 / 469 ، والترمذي ( 2319 ) وصححه ، والنسائي في الكبرى كما في التحفة : 2 / 103 ( 2028 ) ، وابن ماجة ( 3969 ) ؛ ورواه ابن حبان ( 287 ) ، والحاكم : 1 / 45 ، 46 ، وصححه ووافقه الذهبي .

                            [10] - رواه ابن أبي الدنيا في الصمت ( 91 ) .

                            [11] - رواه أبو نعيم في ( حلية الأولياء ) : 10 / 62 .

                            [12] - مسلم ( 2621 ) .

                            [13] - أخرجه أحمد : 2 / 323 ، 362 ، وأبو داود ( 4901 ) ، وصححه الألباني .

                            [14] - البخاري ( 6113 ) ، تنبيه : قال ابن القيم ها هنا : وفي الصحيحين ، وأورد الحديث بلفظ البخاري ، ثم قال وعند مسلم : "إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين ما فيها ، يهوي بها في النار أبعد مما بين المغرب والمشرق " وهو في الصحيحين .

                            [15] - البخاري ( 6112 ) ، ومسلم ( 2988 ) .

                            [16] - القائل هو شداد بن أوس t ، رواه أحمد : 4 / 123 ، والحاكم ( 1872 ) ، وصححه على شرط مسلم ، بنحو ما ذكره .

                            [17] - انظر الجواب الكافي ، ص : 110 – 112 ، باختصار وتصرف .
                            د . محمد عطية

                            تعليق


                            • #15
                              أقسام الكلام
                              لما كان الكلام يعود على المتكلم بالنفع أو بالضرر ، أو يجمع نفعًا وضررًا ، أو ليس فيه نفع ولا ضرر ، كان أربعة أقسام ؛ قال الغزالي - : الكلام أربعة أقسام ؛ قسم هو ضرر محض ، وقسم هو نفع محض ، وقسم فيه ضرر ومنفعة ، وقسم ليس فيه ضرر ولا منفعة .
                              أما الذي هو ضرر محض فلا بد من السكوت عنه ، وكذلك ما فيه ضرر ومنفعة لا تفي بالضرر .
                              وأما ما لا منفعة فيه ولا ضرر ، فهو فضول ، والاشتغال به تضييع زمان ، وهو عين الخسران ؛ فلا يبقى إلا القسم الرابع ، فقد سقط ثلاثة أرباع الكلام ، وبقي ربع ؛ وهذا الربع فيه خطر ، إذ يمتزج بما فيه إثم من دقائق الرياء والتصنع ، والغيبة ، وتزكية النفس ، وفضول الكلام ، امتزاجًا يَخْفَى دركه ، فيكون الإنسان به مخاطرًا ، ومن عرف دقائق آفات اللسان ، علم قطعًا أن ما ذكره هو فصل الخطاب ، حيث قال : " مَنْ صَمَتَ نَجَا " ( [1] ) .

                              [1] - انظر إحياء علوم الدين : 3 / 111 ، 112 ؛ والحديث رواه أحمد : 2 / 159 ، 177 ، والترمذي ( 2501 ) ، وصححه الألباني في الصحيحة ( 536 ) .
                              د . محمد عطية

                              تعليق

                              19,840
                              الاعــضـــاء
                              231,443
                              الـمــواضـيــع
                              42,351
                              الــمــشـــاركـــات
                              يعمل...
                              X