• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • رؤى متناثرة حول الدراسات الأصولية المعاصرة... (أفكار ومقترحات)

      الحمد لله حمد الشاكرين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وأصحابه الغر الميامين، ومن سار على منهجهم إلى يوم الدين. أما بعد:
      فقد قرأت ما سطرته أنامل المشايخ الفضلاء حول الدراسات الأصولية المعاصرة، وما لها أو عليها، وما يجب أن تكون عليه في الحدود الممكنة، والنظريات المتاحة؛ وتتميما لما سبق طرحه، فقد أحببت أن أشارك في هذا المجال بجملة من الأفكار والمقترحات، وإن لم يدرك الضالع شأو الضليع في العلم والتعلم، وهي في نظري تخدم شِقَّين في هذه الدراسات؛ المطالب والمآخذ، مع بيان الأسباب الموجبة لهما.
      وأنبِّه القارئ قبل البدء في المقصود إلى ضرورة الإنصاف، وقبول الحق من أي أحد، وعدم الاستعجال في الأحكام والردود، وإن كانت ولا بد، فلتكن موضوعية وبعدل، وعلى الأفكار فحسب.
      وهذه المقترحات خواطر أو ورقة عمل للحوار البناء، لنرتقي بهذا العلم نحو الأفضل، فقد تجد في مضمونها دعاوى عريضة تحتاج إلى أدلة وبرهان، أفرزها عندي طول المعالجة لهذا العلم فترة من الزمن، وهي في طريقها للبحث المؤيد بالحجة والدليل قبولا أو ردا. بحول الله.
      أضعها بين إخواني من المتخصصين لتقويم معوجها، وتسديد خطأها، وهي في نقاط:

      من فضلك شاهد الموضوع عبر هذا الرابط:

      http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=71271

    • #2
      هذا المقال كاملا على ملف مرفق:

      تعليق


      • #3
        الحمد لله على هذه النعمة .
        في هدأة الليل ، ولا ضوء إلا ضوءُ الشاشةِ ، على حد قول أبي العلاء المعري :
        [align=center]أراقبُ ضَوْءَ الصّبْحِ من كلّ مَطلَعٍ * ولا ضَوْء إلاّ ما بدا مِن لُغامهِ[/align]
        تدبرت هذه الورقات المركزة الموفقة ، تدبر المُحب الوامق ، وقد أسعدني ما لمَحتهُ بين عباراتِها مِنْ أَدبِ كاتبها ، وحُسنِ تعبيره عن مقصدهِ ، مع ظهور العناية بهذا الفنِّ ، وتتبع مسائله ومصنفاته ، ولعمري إنه لجديرٌ بالعناية والتحقيق لأهميته. وعلم أصول الفقه ، ليس مهماً للفقيه فحسب ، كما إنه ليس مختصاً بالفقه فحسب، بل يحتاجه طالب العلم أياً كان تخصصه ، فهو قواعد عقلية استنباطية مطردة في غالبها ، نافعة لمن تأملها ودرسها في علومه كلها ، ولذلك سماه بعضهم (الأصول) دون إضافةٍ للفقه.
        وقد انتفعتُ بهذه الورقات التي سطرتهَا أناملُ أخي الحبيب أبي حاتم أحسن الله إليه ، وما أكتبه الآنَ صدى القراءةِ الأولى فحسبُ ، ولا بد من تكرار القراءة للتدبر والتأمل في مطاويها إن شاء الله.
        قلت وفقك الله : (والدراسات التي تناولت موضوع التجديد في الأصول، تختلف باختلاف أصحابها وتوجهاتهم ومقاصدهم، وردُّها بالكليَّة قد لا يكون سديداً ، فقد يصدق الكذوبُ ، ويَجودُ البَخيلُ، غير أَنَّها قد ترشدك وتنبهك على مواطن الخلل أحيانا، فخذ منها ودع، والحكمة ضالة المؤمن ) ص 11
        وسؤالي : هل اطلعت على كتاب (من النص إلى الواقع محاولة لإعادة بناء علم أصول الفقه) للدكتور حسن حنفي الذي أصدرته دار المدار الإسلامي ؟ وما تقويمك له ؟

        تصويبات لبعض الإخطاء الطباعية :
        1- ألبتة = صوابها البتة ، فهمزتها همزة وصل . ص6
        2- التي نشأة وتبلورة = التي نشأت وتبلورت . ص 8
        3- (فالفرق كبيرٌ بين أن يكون النقد موجّه إلى أصل القاعدة وتطبيقها، وبين أن يكون موجّه إلى الصنعة) = أن يكون النقد موجهاً.. ص 9
        4- (هذا إن لم تحال إلى آخر لا ناقة له فيها ولا جمل) ص10
        5- (قيل: أنه من أصعب العلوم.) = (قيل: إنه من أصعب العلوم.) ص14
        عبدالرحمن بن معاضة الشهري
        أستاذ الدراسات القرآنية بجامعة الملك سعود

        تعليق


        • #4
          أشكر للشيخ الفاضل والأخ الحبيب/ عبدالرحمن الشهري.. سلمه الله.

          هذا التعليق اللطيف والأدب الشريف.

          كتاب حسن حنفي رأيته عند الدكتور/ محمد السليماني بعد الحج، لم أقرأ فيه.

          سأقتنيه بحول الله في معرض الرياض القريب.

          أشكر لك هذا المرور.

          ومع خالص الحب والتقديرلمشرفنا الموقر.

          تعليق


          • #5
            نحو منهج جديد لدراسة علم أصول الفقه . د. محمد الدسوقي

            أشكر أبا حاتم على هذه الرؤي المتناثرة الممتعة ، وقد استفدت منها ، ومن تعقيب الأخ عبدالرحمن الشهري .
            وهذا بحث له صلة بالموضوع ، كنت قرأته ، وأحببت نقله هنا للفائدة .

            [align=center]نحو منهج جديد لدراسة علم أصول الفقه . د. محمد الدسوقي[/align]

            تمهيد
            يمثل علم أصول الفقه أصالة الفكر الإسلامي أصدق تمثيل. فهذا العلم هو عماد الاجتهاد وبه قوام منهج الاستنباط. وقد سبق به فقهاء الإسلام فقهاء القانون في العالم كله، إذ لم تعرف المكتبة القانونية أصولاً للقانون إلا في العصر الحديث، في حين عرفت المكتبة الإسلامية تراثاً منهجياً فريداً للبحث الفقهي نما وتكامل على مدى ثلاثة عشر قرناً، وتبلور في إطار علم (أصول الفقه). على أن هذا التراث المنهجي تأثر، قوة وضعفاً، بما تأثرت به الحضارة الإسلامية عبر التاريخ. ولذلك كان في العصور الأولى قوياً يتناول الموضوعات في دقة وتمحيص. وعلى العكس، غلب عليه في العهود المتأخرة الجدل اللفظي، وتشقيق القول في مسائل فرعية، فضلاً عن الإيجاز الذي يشبه الألغاز أو الإعجاز على حد تعبير بعض الكتاب المحدثين، ثم الخوض في قضايا لا صلة لها بعلم الأصول، مما نأى بهذا العلم عن الغرض الأساسي لدراسته.
            وقد آل كل هذا التراث إلى الأمة في عصرها الحاضر وهي تحاول أن تستعيد مكانتها وحضارتها، وتنفض عن كاهلها آثار الاحتلال بشقيه العسكري والفكري. وأقبل العلماء على ذلك التراث، فنشروا قدراً كبيراً منه، واغترفوا من كنوزه ما مهد لهم طريق التأليف الأصولي وفق منهج لا يعرف الفضول أو شوائب الإيجاز المخل، والجدل اللفظي الممل.
            ولكن جهود المحدثين في التأليف الأصولي لم تتجاوز نطاق الصياغة إلى الآراء وتحليلها والأخذ منها والرد عليها، وإن كان هناك سعي للترجيح بين رأي وآخر. ومن ثم اتسمت كل الدراسات الأصولية الحديثة بوحدة المضمون، فقد تكررت فيها التعريفات والتقسيمات والمسائل والشواهد، وأصبح التفاوت بينما مقصوراً على الكم والأسلوب والدقة في تناول الموضوعات دون النوعية والمحتوى فلا تفاوت بينها في هذا.
            ولأن هذه الدراسات الأصولية الحديثة اقتصرت على التكرار والاجترار ولم تعد صالحة لتقديم المنهج الذي يكفل للاجتهاد حيوية وقوة وقدرة على مواجهة المشكلات بأسلوب علمي وعملي، نادى بعض المفكرين والعلماء المحدثين بتجديد علم الأصول وتطوير مباحثه حتى يؤدي هذا العلم مهمته كما ينبغي أن تكون.
            والذي لا مراء فيه أن علم الأصول كما يدرَّس اليوم بالمنهج التقليدي في عرض القضايا لا يحقق الغرض من دراسته، فقد أضحت هذه الدراسة وسيلة للإلمام بالآراء وحفظ التعريفات والأدلة دون الخروج منها بتصوير منهجي ينير طريق الاجتهاد المعاصر أو يعين على سلوكه.
            ولهذا رأيت أن موضوع تجديد علم الأصول من الموضوعات الجديرة بالبحث، لأنه يتناول قضية منهجية تتعلق بأسلوب الاستنباط الفقهي، والأمة في حاضرها تعاني اضطراباً في هذا الشأن، يشوه الدعوة إلى تطبيق الشريعة، ويثير حولها الشبهات.
            وتقتضي دراسة موضوع التجديد لعلم الأصول التمهيد لها بالحديث -في إجمال- عن نشأة هذا العلم وتطوره، ثم يأتي الكلام على ضرورة التطوير والتجديد وموقف بعض العلماء المحدثين منه، وأخيراً أهم الملامح العامة لهذا التجديد والتطوير.
            وعليه تتكون الدراسة التي بين أيدينا من ثلاثة مباحث وخاتمة.
            يعرض المبحث الأول لنشأة علم الأصول وطرف من تاريخه حتى العصر الحاضر في إجمال وإيجاز. أما المبحث الثاني فيتناول مفهوم التجديد، ومدى الحاجة إليه، وموقف العلماء منه. ويخصص المبحث الثالث لمجال التجديد في علم الأصول وفق ضوابط علمية تجعل من هذا التجديد وسيلة لنهضة فقهية رشيدة.
            أما الخاتمة فقد اشتملت على أهم النتائج التي توصل إليها البحث وبعض التوصيات.

            نشأة علم الأصول وتطوره:
            إذا كان العلماء قد اختلفوا في تعريف علم الأصول، فإن كل التعاريف التي قال بها هؤلاء العلماء قديماً وحديثاً تدور ـ على ما بينها من تفاوت ـ في فلك أن هذا العلم هو: قواعد يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية5.
            وتشمل هذه القواعد الأدلة الشرعية، وطرق الاستنباط منها، وبيان مراتب حجيتها، وتشمل الأحكام الشرعية ومن يخاطب بها، ومن هو أهل للاجتهاد، ومن ليس أهلاً له، فعلم الأصول -وفقاً لهذا- يرسم للفقيه المنهاج الذي يتبعه في استخراج الأحكام من أدلتها. ولهذا كان ميزاناً يضبط المجتهد في آرائه، ويتبين به الاستنباط الصحيح من الاستنباط الباطل.
            وما دام علم الأصول هو منهاج الفقيه المجتهد، فإن نشأته تكون ملازمة لنشأة الفقه، لأنه حيث يكون فقه، يكون حتماً منهاج للاستنباط. وقد استمد الفقه الإسلامي مع بداية الدعوة استمداداً مباشراً من الوحي الإلهي بنوعيه: القرآن الكريم والسنة النبوية.
            ويتضمن الوحي -إلى جانب بيان الحلال والحرام من الأقوال والأفعال- المبادئ والقواعد الكلية التي تومئ إلى مقاصد الأحكام بوجه عام، ويشمل تلك الأصول التي تحض العقل على النظر الصحيح، وتضع شروطه وضوابطه تثبيتاً وتمحيصاً وتدقيقاً واستخداماً، لكل ما وهبه الإنسان من ملكات للمعرفة والعلم، حيث يقول تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ (الإسراء: 36).
            وقد مثلت هذه القواعد والمبادئ والأصول، الأساس الراسخ الذي قام عليه صرح علم الأصول، الذي وضعت لبناته الأولى في عصر الصحابة، ثم تتابعت على بنائه وتطويره أجيال العلماء حتى تكامل هيكله وسمق بأصالته، وتفرد بخصائصه التي وجهت الحياة العلمية والفكرية ليس فقط في الإطار الإسلامي، وإنما في الحياة الثقافية الأوربية.

            بدايات الفكر الأصولي:
            لقد واجه الصحابة -بعد وفاة الرسول ، وبعد أن آمنت بالإسلام شعوب ذات ثقافات مختلفة وأعراف متباينة -قضايا متعددة ومشكلات معقدة ونوازل مستجدة، لم يعرفها عصر البعثة. فكان لا مناص من أن يتجه علماء الصحابة إلى الاجتهاد لاستنباط الأحكام الشرعية لتلك القضايا والنوازل والمشكلات. ولم يدع أحد أن القرآن والسنة نصا على أحكام كل المسائل الجزئية، ما طرأ منها عهد التنـزيل وما يطرأ في المستقبل. فالنصوص -كما يقول الشهرستاني- متناهية والحوادث غير متناهية، وما لا يتناهى لا يضبطه ما يتناهى8، لذلك اتسع مجال الاجتهاد في عصر الصحابة، وأصبح المصدر الثالث للفقه بعد الكتاب والسنة.
            ولقد كان الصحابة يرجعون في اجتهادهم أولاً إلى كتاب الله تعالى، فإن وجدوا فيه نصاً ظاهراً تمسكوا به، وأجروا حكم الحادثة على مقتضاه وإن لم يجدوا فيه فزعوا إلى السنة، فإن روي لهم في ذلك خبر أخذوا به فإن لم يجدوا في الكتاب والسنة نصاً ينزلون على حكمه، اجتهدوا آراءهم، وحكّموا أفهامهم فيما يرونه أشبه بالمعروف من مقاصد الشريعة، وقواعدها العامة.
            فالصحابة في اجتهادهم كانوا إذن على دراية وافية ببعض الضوابط والقواعد التي أخذوا أنفسهم بها في استنباط الأحكام، وقد عرفوا هذه الضوابط والقواعد من الكتاب والسنة، ومن روح التشريع ومبادئه الكلية. ولكنهم ما كانوا يطلقون عليها أسماء اصطلاحية أو عناوين فنية، وإنما كانت تجري منهم مجرى السجية والطبيعة والملكة الفطرية9.
            ويشهد للصحابة بأنهم في اجتهادهم قد تقيدوا ببعض الضوابط والقواعد ما أثر عنهم من روايات ونصوص تبين بجلاء أنهم قاسوا واستحسنوا، وتوخوا المصالح، وراعوا الأعراف، وأخذوا بسد الذرائع، وعرفوا الإجماع، وآمنوا بأن الأحكام قد فرضت لعلل تقتضيها ومقاصد تؤدي إليها. ولا يسمح المجال بسرد مثل تلك المرويات والنصوص، فضلاً عن أنها معروفة ومتداولة في كثير من المصادر القديمة والحديثة.
            وفي عصر التابعين شاعت تلك الضوابط التي تقيد بها الصحابة في اجتهادهم، جرى تداولها على ألسنة العلماء، وعرفتها محافلهم فزادت ونمت، وبدأت مفاهيمها تتحدد وتتبلور، وتأخذ طابع المصطلح العلمي في الفكر الأصولي. وقد نما الفقه في عصر التابعين نمواً عظيماً، توازياً مع اتساع رقعة الدولة الإسلامية ومواكبة لطروء الحوادث وتكاثرها. وقد تعددت لذلك المدارس الفقهية التي انضوت، على الرغم من تعددها، تحت تيارين كبيرين هما تيار أهل الرأي وتيار أهل الأثر أو أهل الحديث. وقد أسهم النـزاع بين الفريقين حول بعض القضايا الأصولية كالإجماع والعرف والقياس ومذهب الصحابي في بلورة هذه القضايا على أسس علمية، وإن ظلت غير مدونة.
            وقد حمل ظهور الوضع في السنة وشيوع رواية الحديث في عصر التابعين، الفقهاء على الخوض في تمحيص مسائل كثيرة تتعلق بالسنة سنداً ومتناً. وفي هذا الشأن روي عن محمد بن سيرين (ت: 13ﻫ) أنه قال: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم."
            وفي مصادر التأريخ لنشأة المذاهب الفقهية عزيت إلى الأئمة نصوص وآراء، وسجلت محاورات ومراسلات جرت بينهم، تدل كلها على أنهم كانوا يسيرون وفق مناهج واضحة في استنباط الأحكام التي كانوا يفتون بها الناس، وعلى أن ما كان يأخذ به الصحابة والتابعون من ضوابط وقواعد قد أضحى في هذا العصر مصطلحات لها مفاهيم محددة تبلورت بسبب ما جرى بين الفقهاء من مناظرات ومحاورات كان لأصول الاستنباط ومناهجه حظ عظيم منها.

            تدوين علم الأصول:
            ظلت تلك المبادئ المنهجية الأصولية، سواء ما عرف منها في عصر الصحابة والتابعين أو في عصر نشأة المذاهب، متناثرة غير مجموعة ولا مدونة حتى كتب محمد بن إدريس الشافعي (توفي204ﻫ) كتابه جواباً على طلب عبد الرحمن بن مهدي المحدث المشهور (توفي 198ﻫ): أن يضع له كتاباً يحوي معاني القرآن، ويجمع مقبول الأخبار، ويبين حجية الإجماع، والناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة. وقد أرسل الشافعي كتابه هذا إلى ابن مهدي مع الحارث بن سريج، فسمي لذلك بالرسالة، إذ أن المؤلف لم يسمه بهذا الاسم، بل كان يشير إليه بقوله: كتابي أو كتابنا، أو في الكتاب كذا وكذا. وقد أملى الشافعي "الرسالة" مرة أخرى على تلاميذه بمصر، لتكون مقدمة لما أملاه في الفقه في كتاب الأم12.
            فرسالة الشافعي أول مصنف في أصول الفقه، ومن ثم عده جمهور العلماء واضع علم الأصول. وهناك بعض الروايات التي تذهب إلى أن الإمام أبا حنيفة بيّن طرق الاستدلال في كتاب له يسمى كتاب الرأي، وأن صاحبيه أبا يوسف ومحمداً كتابا في هذا العلم بعد شيخهما، ويقرر علماء الشيعة الإمامية أن أول من دون علم الأصول، وضبطه هو الإمام محمد الباقر (توفي 114ﻫ)13.
            ولا يستبعد أن يكون الشافعي قد سُبق في التأليف الأصولي، ولكن لم يصل إلينا قبل رسالة هذا الإمام كتاب في علم الأصول، وإنما هي روايات ونقول تعزى إلى بعض الأئمة حول بعض المسائل الأصولية. ولذا يظل الشافعي أول من كتب في الأصول كتابة علمية، رتبت أبواب هذا العلم وجمعت فصوله، ولم تقتصر على مبحث دون مبحث، وهو من ثم لم يسبق أو -على التحقيق- لم يعلم أن أحداً سبقه.
            وكثرت بعد الشافعي الكتابة في الأصول، وكان لكتابه الرسالة تأثير واضح فيما ألف في القرنين الثالث والرابع، حيث انقسم العلماء بالنسبة إليه فريقين: فريقاً تقبل الرسالة وحولها إلى قاعدة حجاج عن مذهبه، وهؤلاء هم جمهور أهل الحديث، وفريقاً رفض معظم ما جاء فيها وانبرى لنقضه، وهؤلاء هم أهل الرأي, ومن في سلكهم من المخالفين لما وطأه الشافعي14.
            ويمكن القول بوجه عام إن ما كتب بعد الرسالة، كان إما نقضاً لها ومحاولة لاستخلاص أصول فقهية مذهبية مستقلة كما فعل الأحناف، وإما شرحاً لها ودفاعاً عنها كما فعل الشافعية وغيرهم.

            علم أصول الفقه: مدارس ومناهج.
            وقد حصل مع بداية القرن الخامس ما يمكن عده تطوراً نوعياً لعلم الأصول. فقد تكامل نموه، واتضحت مباحثه، وتبلورت مسائله، ودون الفقهاء أصول مذاهبهم ومناهجهم في الاستنباط. وتراكم التأليف في علم الأصول، وظهرت كتابات كثيرة، منها ما هو مطول، ومنها ما هو موجز. وكما تشعبت طرق العلماء في التأليف، فمن الباحثين من يرى أن عدة هذه الطرق ثنتان، ومنهم من يذهب إلى أنها ثلاث. ولكن الدراسة الفاحصة للتراث الأصولي عبر مراحله التاريخية المختلفة، تقرر أن عدة هذه الطرق أو المناهج أربعة هي:
            1. طريقة المتكلمين.
            2. طريقة الأحناف.
            3. طريقة الجمع بين المتكلمين والأحناف.
            4. طريقة الشاطبي.
            طريقة المتكلمين، وتسمى أيضاً طريقة الشافعية لكثرة مؤلفاتهم فيها، وكذلك لأن الإمام الشافعي يعد أول من كتب وفقاً لها.
            وقد غلبت عليها سمة المتكلمين لأمرين:
            الأول: أن المؤلفات المكتوبة على هذه الطريقة اعتاد أصحابها أن يقدموا لها ببعض المباحث الكلامية كمسائل الحسن والقبح، وحكم الأشياء قبل ورود الشرع.
            الثاني: أن علماء هذه المدرسة كانوا يسلكون في تقرير الأصول مسلكاً استدلالياً قائماً على تقرير القواعد والاستدلال على صحتها والرد على المخالفين، من غير أن يولوا الفروع التي تندرج تحت هذه القواعد كبير اهتمام، أو يراعوا تطبيق الفروع عليها16.
            وقد ألفت على هذه الطريقة كتب كثيرة للشافعية والمالكية والحنابلة والظاهرية وبعض الشيعة الإمامية.
            وتختلف طريقة الأحناف عن طريقة المتكلمين في أن تلك الطريقة تقرر القواعد الأصولية على مقتضى ما نقل من فروع عن أئمة المذهب الحنفي. فهؤلاء الأئمة لم يتركوا قواعد مدونة مجموعة كالتي تركها الشافعي لتلاميذه، وإنما تركوا بعض القواعد المنثورة في ثنايا الفروع الفقهية التي استنبطوها والفتاوى التي أفتوا بها. وعمد فقهاء المذهب إلى تلك الفروع يؤلفونها في مجاميع يوحد بينها التشابه، ثم يستنبطون منها القواعد والضوابط، لتكون سلاحاً لهم حين الجدل والمناظرة، وعوناً لهم على استنباط أحكام الحوادث الجديدة التي لم يعرض لها أئمتهم في اجتهاداتهم السابقة.
            وهذه الطريقة -التي تسمى أيضاً طريقة الفقهاء- وإن بدت في ظاهر الأمر دفاعاً عن مذهب معين، إلا أنه كان لها أثرها الواضح في التفكير الفقهي إذ هي دراسة مطبقة في الفروع، فهي أقرب إلى الفقه لأنها تربط الفروع بأصولها، وتيسر طريق الاستنباط لمن أراد السير على منهج أئمة المذهب الحنفي. ولهذا جنح بعض العلماء من غير الأحناف إلى الكتابة، وفق تلك الطريقة، بعد أن استقامت واتضحت خصائصها.
            وقد كان لطريقة المتكلمين أثرها كذلك في التفكير الفقهي، لأنها قررت القواعد دون التقيد بمذهب معين، فالأصول فيها حاكمة على الفروع، ومن ثم لم يتعصب علماء هذه الطريقة لمذاهبهم بل إن منهم من خالف إمامه فيما ذهب إليه.
            إلا أنه يؤخذ على طريقة الأحناف أن بعض قواعدهم الأصولية جاءت ملتوية، فكان ذلك الالتواء نتيجة طبيعية لتحكيمهم الفروع تحكيماً تاماً. وقد كانوا إذا ما قعدوا قاعدة، ثم وجدوا –مثلاً- فرعاً فقهياً يشذ عنها، يلجأون إلى إعادة تقريرها في شكل جديد يتفق مع ذلك الفرع إما بوضع قيد أو بزيادة شرط وما إلى ذلك.
            ويؤخذ على طريقة المتكلمين أنهم كثيراً ما يستطردون في أمور نظرية لا مدخل لها في الاستنباط فيتكلمون في أصل اللغات، وتكليف المعدوم وهل هو جائز أم لا، وهل كان الرسول متعبداً بشرعٍ قبل البعثة أم لا، إلى غير ذلك من مسائل علم الكلام.
            على أن كثيراً مما ألف على طريقة المتكلمين لا يخلو من فروع فقهية. إلا أن الفرق بين المؤلفات الأصولية التي بنيت على طريقة المتكلمين وتخللتها الفروع الفقهية، وتلك التي بنيت على طريقة الفقهاء وتخللتها هذه الفروع هو أن الفروع في الأولى لا ترد بوصفها وسيلة لتقرير القاعدة، وإنما لبيان أثرها. أما في الثانية فترد الفروع لإثبات القاعدة أو الاستدلال على صحتها.
            وقد استقر الأمر في التأليف الأصولي على الطريقتين مدة من الزمن، ثم طرأت فكرة التقريب بينهما، وتجنب ما كان يوجه إليهما من نقد، فظهرت طريقة ثالثة هي عبارة عن جمع بينهما وتركيب تأليفي بين منهجيهما. وقد قصد بذلك تحصيل فوائد الطريقتين معاً: خدمة الفقه بتطبيق القواعد الأصولية على مسائله وربطه بها، وتحقيق هذه القواعد وإقامة الأدلة عليها21. وتزخر المكتبة الأصولية بعديد المؤلفات التي بنيت على مقتضى طريقتي المتكلمين والأحناف، كما تزخر بمؤلفات تجمع بين النهجين.
            وفي القرن الثامن الهجري جدَّت في التأليف الأصولي طريقة تختلف في منهجها عن الطرق الثلاث السالفة الذكر. ويقوم منهج هذه الطريقة على العناية بأسرار التشريع ومقاصده وتأكيد مراعاته للمصالح، وذلك في أسلوب تحليلي استقرائي مغاير لما عرف من قبل في دراسات علماء الأصول. وكان الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي الأندلسي (توفي780ﻫ) علم هذه الطريقة في كتابه الموافقات، وكذلك في بعض ما جاء في كتابه الاعتصام حتى إنه ليمكن للمرء أن يتحدث عن طريقة الشاطبي في البحث الأصولي.
            يعد كتاب الموافقات بإجماع الدارسين لفكر الشاطبي أو لتاريخ علم الأصول متفرداً في سياق الكتابة عن أصول الشريعة22 وحكمها. فقد أضاف إلى علم أصول الفقه ومؤلفاته بياناً إبداعياً في مقاصد الشريعة، وهو جانب كان حظه من العناية في المؤلفات الأصولية قليلاً وضئيلاً ولا يتناسب مع عظيم أهميته في عملية استنباط الأحكام23.
            لقد اهتم الشيخ عبد الله دراز (توفي1351ﻫ) بالموافقات اهتماماً خاصاً، وعلق على بعض ما ورد فيه مما يحتاج إلى تحرير وتفسير، أو نقد وتوجيه. وقد أشار في المقدمة التي كتبها لهذا الكتاب إلى أن علماء الأصول لم يكتبوا إلا في الركن الأول من ركني هذا العلم، أي علوم اللسان العربي، وأهملوا الركن الثاني ألا وهو علم أسرار التشريع ومقاصده. ويضيف الشيخ دراز قائلاً: "وقد وقف الفن منذ القرن الخامس عند حدود ما تكون منه في مباحث الشطر الأول، وما تجدد من الكتب بعد ذلك دائر بين تلخيص وشرح، ووضع له في قوالب مختلة. وهكذا بقي علم الأصول فاقداً قسماً عظيماً، وهو شطر هذا العلم الباحث عن أحد ركنيه حتى هيأ الله أبا إسحاق الشاطبي في القرن الثامن الهجري لتدارك هذا النقص وإنشاء هذه العمارة الكبرى في هذا الفراغ المترامي الأطراف في نواحي هذا العلم الجليل.24
            وكتاب الموافقات، الذي لم يؤلف مثله حسب عبارة صاحب المنار يتكون من أربعة أجزاء. وقد التقى الشاطبي مع علماء الأصول في الأجزاء الأول والثالث والرابع منه في القضايا التي عرض لها، ولكنه تفرد في الجزء الثاني بحديث لم يسبق إليه، تناول فيه مقاصد التشريع. فهذه المقاصد ترد عادة في كتب الأصوليين في فصل قصير لا يتجاوز بضع صفحات يذكرون فيها ما يقال عن الاستدلال المرسل25 لأجل الأخذ بالمصلحة، وهي عند الشاطبي تستقل بربع الكتاب.
            ومع هذا يرد الحديث عن المقاصد في الأجزاء الثلاثة الأخرى للكتاب، وكأنما المقاصد تمثل لحمة الكتاب وسداه للربط بين مختلف قضاياه. فالكتاب بكل أجزائه إذن إنما هو تعبير عن المقاصد الشرعية بأسلوب مباشر حيناً وغير مباشر حيناً آخر. وهو بذلك أول كتاب تدور كل مباحثه حول مقاصد الشريعة، ومنهج استنباط الأحكام وفقاً لهذه المقاصد.
            وتجدر الإشارة -بعد إجمال القول في المناهج والطرق الأصولية- إلى أن القرنين الخامس والسادس عرفا أهم ما ألف في علم الأصول. ففي هذا العهد تكاملت ونضجت المدارس الأصولية وتبلورت مناهجها وأصبح ما كتب فيها من المؤلفات الأصولية مرجعاً لما ألف في القرون التالية.
            وبالتالي فإن ما كُتِب في علم الأصول بعد القرن السادس كان -بوجه عام- جمعاً بين بعض ما كتب في هذه الحقبة، أو نظماً أو تلخيصاً أو شرحاً. وقد غلبت على هذه النوع من التأليف الصناعةُ الفنية، والميل إلى التشقيق والجدليات الخلافية، مما طغى على مقاصد العمل ورسالته. وقد أدى ذلك إلى جمود علم الأصول، فلم تتطور مباحثه على الرغم من كثرة المؤلفات فيه كثيرة هائلة.
            على أن غالب المؤلفات الأصولية -إن لم تكن كلها- كان يسودها، على الرغم من تعدد الطرق والمناهج، النـزعة المذهبية26، فهي تسعى للانتصار لمذاهب أصحابها وإبطال مذاهب المخالفين، وإن كانت في مجموعها تمثل المنهج العام للبحث الفقهي.

            العلماء المحدثون والتأليف الأصولي:
            أومأت في مستهل هذه الدراسة إلى أن المحدثين لم يختلفوا فيما كتبوا في الأصول من حيث النوع، وإنما جاء تفاوتهم في الصياغة من حيث الإيجاز والاطناب أو الدقة وعدمها.
            ويلاحظ المستقرئ للمؤلفات الحديثة أن كثيراً منها أفرد موضوعات علم الأصول بالبحث والدراسة حيث نجد عدة دراسات مستقلة تتناول موضوعات محددة من علم الأصول، مثل الاجتهاد أو القياس أو المصلحة المرسلة.
            والمؤلفات الحديثة كانت في أصلها مذكرات أعدت للطلاب والدارسين لهذا العلم حتى يتسنى لهم أن يحيطوا أو يلموا بمسائله، نظراً لأن الكتب القديمة لا تيسر لهم ذلك. فالغاية إذن كانت تسهيل علم الأصول وتذليل الصعوبات التي كان هؤلاء الطلاب والدارسون يلقونها في مطالعة الكتب القديمة.
            على أن المؤلفات الأصولية الحديثة اعتمدت على المصادر القديمة وبخاصة ما ألف منها في عصور المتون والشروح والحواشيي. وقد غلب على هذه المؤلفات منطق جدلي وإسراف في تتبع الآراء الخلافية مما نأى بها عن جوهر الدراسات الأصولية وأغراضها، وأدخل في هذه الدراسات ما ليس منها. وقد ألقت هذه المؤلفات بظلالها على ما كتب المحدثون، وإن حاول هؤلاء أن يخلصوا علم الأصول مما شابه في تلك العصور ـ عصور الضعف والجمود.
            وإذا كانت الدراسات الحديثة لا تتفاوت فيما بينها من حيث المضمون، حيث إنها تتعرض للقضايا ذاتها، فإن ظاهرة خطيرة جدت في العقود الثلاثة الأخيرة أو قريباً منها. وتتمثل هذه الظاهرة في اعتماد هذه الدراسات لا على المؤلفات الأصولية القديمة ولكن على ما ألفه المحدثون، مما أضفى على ما كتب في هذه العقود لوناً من التدليس، حيث تعزى النصوص والآراء إلى مصادر قديمة، وهي في الواقع منقولة عن مؤلفات حديثة. هذا فضلاً عن هبوط المستوى العلمي لهذا النوع من الكتابات، لأن الذين كتبوا حاولوا أن يواروا تعويلهم على ما ألفه الجيل السابق عليهم، بتقديم أو تأخير في القضايا وتغيير أو تحوير في العبارات، فكان ما كتبوه دون ما ألفه علماء ذلك الجيل من أمثال المحلاوي والخضري وأحمد إبراهيم وأبي زهرة وغيرهم.
            والخلاصة أن جهد المحدثين في التأليف الأصولي لا يعدو أن يكون صياغة حديثة لأفكار قديمة دون تجديد أو تطوير ذي بال، مما حدا ببعض المفكرين إلى الدعوى إلى تجديد علم الأصول حتى يتسنى للاجتهاد اليوم أن يواجه مشكلات الحياة بمنهج علمي يكفل لهذا الاجتهاد الفاعلية والواقعية والتطوير والتغيير.

            الدعوة إلى تجديد علم الأصول:
            إذا كانت الدراسات الأصولية الحديثة ليست إلا إعادة عرض لما كتبه الأقدمون، فإنها من ثم لا تضيف جديداً إلى علم الأصول من حيث المضمون. وإذا كانت الدعوة إلى تطبيق الشريعة لا سبيل إليها إلا عن طريق الاجتهاد الذي يقدم الحلول العملية لكل ما يواجه الأمة من مشكلات، فإن هذا الاجتهاد في حاجة -لكي ينهض برسالته- إلى منهج أصولي جديد لا يعرف الاجترار أو التقليد، وإنما يؤسس على دعائم في الفقه الدقيق بمصادر الأحكام والمقاصد العامة للتشريع، فضلاً عن الربط بين قضايا علم الأصول وأصول القانون، وكذلك بين قضايا هذا العلم ومناهج البحث بوجه عام.
            إن مهمة الفقه الإسلامي تتمثل في معالجة واقع27 قائم لا فرض واقع آخر غابر باسم قواعد وأصول ترجع إلى أكثر من عشرة قرون. ولذا كان التجديد في منهج البحث الفقهي ضرورة الواقع الذي يعيشه الناس، حتى يكون تعامل الفقه مع هذا الواقع تعاملاً حياً مؤثراً، يحقق الحل الإسلامي بصورة عملية، لكي لا يظل هذا الحل فكراً نظرياً مثالياً، أو أملاً حلواً يداعب خيال الدعاة والمصلحين.
            ولا يعني هذا التجديد هدماً لجهود السابقين، فما يقول بهذا أحد. وإنما يعني التجديد محاولة تطوير لمنهج الاستنباط على نحو لا يخرج على القطعيات بحال من الأحوال، وإنما يرى في الظنيات أو بعضها رأياً يكفل للاجتهاد قيادة الأمة في مختلف المجالات، ونبذ السلبية أو النـزعة التراثية في معالجة المشكلات في عصر تختلف وقائعه وصراعاته الاجتماعية والفكرية كل الاختلاف عما كان من قبل.
            ومن ناحية أخرى، ليس التجديد تنكراً لفضل علماء الأصول وما بذلوه من جهود مضنية في خدمة الشريعة والعناية بعلومها والمحافظة عليها، وليس في ذلك بخس لحقهم في ذلك، فلولا أن الله قيضهم للقيام بهذا العمل الجليل ولحرمنا هذه الثروة العلمية التي نحن الآن في أشد الحاجة إليها.
            وتتمثل حاجتنا إلى هذه الثروة العلمية الآن في أننا يجب ألا نقف بها عند القدر الذي وصل إليه السلف، وإنما ينبغي أن نحسن استثمارها وتنميتها، ونعيد تقديمها في صورة جديدة حتى تظل مصدراً غنياً بالمفاهيم والمبادئ التي تكفل للاجتهاد القدرة على التعبير العملي عن مهمة الدين في الحياة.
            وفي الحقيقة ليست الدعوة إلى تجديد علم الأصول وليدة العصر الحديث، وإنما لها جذور تمتد إلى الماضي. فلأبي حامد الغزالي (توفي505ﻫ) في المستصفى وشفاء الغليل إشارات تدل على أن طرفا من قضايا هذه العلم يحتاج إلى تحرير القول فيه. وجاء الشاطبي في الموافقات فنبه إلى أن في علم الأصول مسائل ليست منه، وأن الركن الثاني من أركان هذا العلم -وهو ركن المقاصد- لم يلق من علمائه الاهتمام الجدير به. ثم حاول الشوكاني (توفي1250ﻫ) في إرشاد الفحول أن يتناول بالبحث علم الأصول على نحو جديد يوضح من الآراء الراجح من المرجوح، والسقيم من الصحيح، وما يصلح من هذا العلم للرد إليه، وما لا يصلح منه للتعويل عليه. وقد علل هذا بقوله: "ليكون العالم على بصيرة في علمه يتضح له بها الصواب، ولا يبقى بينه وبين درك الحق الحقيقي بالقبول الحجاب،"28 مضيفاً أنه لم يذكر في كتابه من المبادئ التي يذكرها المصنفون في هذا "إلا ما كان لذكره مزيد فائدة يتعلق به تعلقاً تاماً، وينتفع به فيه انتفاعاً زائداً."29
            وقد تحصّل من عديد الدراسات والبحوث في تاريخ الأصول وتطور التأليف فيه، وكذلك بعض الكتابات في علم المقاصد، ما يؤكد أن علم الأصول كما انتهى إلينا في حاجة إلى أن يعاد النظر فيه.
            وتبنت مجلة المسلم المعاصر في العدد الأول منها الدعوة إلى اجتهاد معاصر جريء يعتمد على أصول الإسلام ولا يغفل حاجات العصر، ولم تقتصر هذه الدعوة على الاجتهاد في فروع الفقه ومسائله الجزئية، بل شملت الاجتهاد في أصوله ومناهجه30.
            ولقد اختلفت الآراء والاستجابات في هذا الشأن. فبعض الكتاب يرى أن أصول الفقه قطعية لا ظنية لأنها راجعة إلى كليات الشريعة، وما كان كذلك فهو قطعي. ومن ثم أصبح هذا العلم علماً مستقراً له حدوده التي صيغت من القواعد الأساسية التي انبنى عليها. ومن ناحية أخرى، تولد هذا العلم من الحاجة الماسة إلى قواعد ثابتة تحكم المعاملات الفقهية التي بدأت تزداد عدداً وتتجدد نوعاً بانتشار رقعة الدولة الإسلامية واحتوائها لشعوب وأقاليم متعددة متفاوتة في حضارتها وبيئاتها، فاستنبطت أحكام مناسبة لها. وعليه يخلص أصحاب هذا الرأي إلى أنه لا مجال للاجتهاد والتجديد في علم الأصول من حيث قضاياه ومبادئه. وقصارى ما يمكن أن يجتهد فيه هو إما إعادة تبويبه وصياغته، أو معاودة البحث في أدوات القياس ونحو ذلك مما يساعد على تنظيم العلم. فهو إذن اجتهاد مقصور على الشكل دون المضمون."31
            وقد عارض هذا الرأي كتاب آخرون. فكون قضايا علم الأصول كلها قطعية قول غير صحيح على إطلاقه، وذلك يتضح من اختلاف أنظار القدماء من الأصوليين في مسائل كثيرة مثل المصالح المرسلة، والاستحسان، والاستصحاب، والعرف. وحتى القياس والإجماع، وإن أخذ بهما الجمهور، إلا أنّ هناك من ينازع في حجيتهما، فضلاً عن أن القواعد التي وضعها علماء الأصول لضبط الفهم والاستنباط من النص لم تسلم من الخلاف، كما في مسائل العام والخاص، والمطلق والمقيد، والناسخ والمنسوخ، والمنطوق والمفهوم إلخ.. فضلاً عمّا تختص به السنة من خلاف حول ثبوت خبر الآحاد منها، وشروط الاحتجاج به، سواء أكانت شروطاً في السند أو في المتن32.
            ويرى الشيخ محمد بن الطاهر بن عاشور (توفي 1393ﻫ) أن من تمكن من علم الأصول "رأى رأي اليقين أن معظم مسائله مختلف فيها بين النظار، مستمر بينهم الخلاف في الفروع تبعاً للاختلاف في تلك الأصول، وإن شئت فقل قد استمر بينهم الخلاف في الفروع لأن قواعد الأصول انتزعوها من صفات تلك الفروع."33
            وبعد أن يورد بعض الآراء لعلماء الأصول الأقدمين في هذا الشأن، يعقب الشيخ بن عاشور مبيناً أن سبب اختلاف الأصوليين في تقييد الأدلة بالقواطع يرجع إلى أنهم حاولوا أن يجعلوا أصول الفقه قطعية كأصول الدين السمعية، ولكن هؤلاء العلماء قد اختلفوا في معظم تلك الأصول مما يقضي بندرة ما هو قطعي منها34.
            وما دامت مسائل كثيرة من علم الأصول مختلفاً فيها وليست قطعية، فإن الاجتهاد المعاصر يمكنه أن يرى فيها رأياً جديداً مادام لا يخرج عن المقاصد العامة للشريعة، وما دام يتغيا من ذلك أن يكون للأمة في حاضرها اجتهاد فعال يعتمد على أصول الإسلام ولا يغفل عن حاجات العصر.
            فقضايا علم الأصول -إذن- ليست كلها قطعية، وما هو قطعي منها كالكليات المنصوصة في الكتاب والسنة مثل (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام)، (ولا تزر وازرة وزرة أخرى)، (وما جعل عليكم في الدين من حرج)، (وإنما الأعمال بالنيات) لا نزاع فيه ولا اختلاف حوله.
            وإذا كان الشاطبي في المقدمة الأولى من المقدمات التي مهد بها لكتاب الموافقات قد قال: "إن أصول الفقه في الدين قطعية لا ظنية والدليل على ذلك أنها راجعة إلى كليات الشريعة وما كان كذلك فهو قطعي"، فإنه قد قرر في خاتمة هذه المقدمة أن ما كان ظنياً يطرح من علم الأصول، "وأن ما يذكر مما ليس بقطعي فمبني على القطعي تفريعاً عليه، فيكون ذكره تبعاً."35
            وعلق الشيخ عبد الله دراز على رأي الشاطبي هذا بأنه "رجوع عن قسم عظيم مما شملته الدعوى، ولكنه مقبول ومعقول، فإن من مسائل الأصول ما هو قطعي مجمع عليه، ومنها ما هو محل للنظر وتشعب الأدلة إثباتاً ورداً"، ثم أضاف: "على أنه بهذه الخاتمة التي طرح بها كثيراً من القواعد المذكورة في الأصول جزافاً دون تحديد لنوع ما يطرح، صار لا يعرف مقدار ما بقي قطعياً وما سلم فيه أنه ظني."36
            والحاصل مما تقدم أن قضايا علم الأصول ومسائله ليست كلها قطعية، ومن ثم يكون الاجتهاد فيما ليس بقطعي من هذه المسائل والقضايا أمراً مطلوباً تفرضه سنة الحياة، وتقضي به صلاحية التشريع للتطبيق الدائم، وأن لكل ما يجدّ من نوازل حكماً في الشرع في كل زمان ومكان.
            ولكن هل القضايا الظنية في علم الأصول في حاجة إلى نظر جديد واجتهاد فيها؟ وهل هذا العلم كما وصل إلينا لا يمد المجتهد بالمنهج الذي يعينه على الاستنباط واستخراج الأحكام كما ينبغي أن يكون في العصر الحاضر؟
            إن بعض المعاصرين نقدوا علماء الأصول فيما كتبوا، ويكاد هذا النقد يدور في نطاق ما يأتي:
            أولاً: عدم الحديث بتفصيل عن مقاصد الشريعة، والاكتفاء بالإشارة إلى هذا الموضوع في باب القياس عند تقسيم العلة بحسب مقاصد الشارع، بحسب الإفضاء إليها. وهذه المقاصد تعد الركن الثاني لاستنباط الأحكام الشرعية والركن الأول هو الحذق والتمهّر في اللغة العربية37.
            ثانياً: الحديث عن مسائل كثيرة تعد من نوافل القول في علم الأصول أو لا مدخل لها في الغرض الذي من أجله وضع هذا العلم، كمسائل اللغات، أهي اصطلاح أو توقيف، وحكم الأشياء قبل الشرع، والإباحة أهي تكليف أم لا، ومسألة إن كان النبي متعبداً بشرع قبل بعثته أو لا، وعربية جميع القرآن، والجدال حول القراءات الشاذة، والنـزاع في مسألة شكر المنعم، والعناية الزائدة بالحدود والتعاريف والانشغال بمناقشتها، وذلك مما جعل علم الأصول -وبخاصة في العصور المتأخرة- ميداناً للجدل والمناظرة فيما هو شكلي أو لفظي وجعل العلماء يبتعدون بهذا العلم عن غايته والأغراض المقصودة منه، حيث مالوا بمباحثه إلى الفكر النظري دون الفكر التطبيقي38.
            ثالثاً: عدم تحرير القول في النـزاع الطويل في خبر الواحد، حتى يعول عليه في أخذ الأحكام دون خلاف في كثير من الشروط التي وضعها بعض الأئمة لظروف خاصة أملتها عليهم، وهي شروط كانت ما تزال موضع جدل ومصدر خصام بين المسلمين، وشغلاً شاغلاً للدارسين39.
            وكذلك عدم تحرير القول في الإجماع ووضع الضوابط التي تجعل له دوراً فاعلاً في الاجتهاد ولا سيما في العصر الحاضر الذي تنوعت فيه المشكلات، بحيث تحتاج دراستها إلى عدد من التخصصات. فما جاء عنه في كتب الأصول ليس إلا فكراً نظرياً بحتاً لا يعرف التطبيق بحال من الأحوال في حياتنا المعاصرة40.
            وللدكتور حسن الترابي41 رسالة صغيرة عنوانها تجديد أصول الفقه الإسلامي حاول فيها أن يصور حاجة المسلمين في العصر الحديث إلى إعادة النظر في مسألة منهج الاجتهاد الأصولي وأدواته وضوابطه، وقد جاء في مقدمة هذه الرسالة أن "العالم الإسلامي في حاجة إلى نهضة شاملة في كل المجالات تثور على الأوضاع التقليدية وتخلص العقلية الإسلامية والواقع الإسلامي من الجمود. ولا يمكن أن تقوم هذه النهضة على غير منهج، وهذا المنهج منهج أصولي لا يشتغل بالجزئيات دون النظر في مقاصد الدين الكلية ويرتبط بواقع الحياة حتى لا تصبح قضاياه مقولات نظرية عقيمة لا تثمر فقهاً حياً يجابه التحديات العلمية".
            ويرى الدكتور الترابي أن علم الأصول لم يعد، بصورته الموروثة، مناسباً للوفاء بحاجاتنا المعاصرة حق الوفاء، لأنه مطبوع بأثر الظروف التاريخية التي نشأ فيها، وبطبيعة القضايا التي كان يتوجه إليها البحث الفقهي. ويخلص الترابي إلى أن هذا العلم قد آل به الحال -بعد نهضة حميدة- إلى الجمود العقيم، بحيث أصبح معلوماتٍ لا تهدي إلى فقه ولا تولد فكراً، وإنما غدا الأمر نظراً مجرداً موغلاً في التشعيب والتعقيد بغير طائل.
            وجملة القول إن التحديد في علم الأصول ضرورة دينية، وأن الدعوة إلى هذا التجديد تستند إلى مبدأ صلاحية الشريعة الإسلامية للتطبيق في كل عصر. ومن ثم لا تعني هذه الدعوة خروجاً عن كل ما كتبه السلف في هذا العلم، فمنه ما لا يقبل التطور، فيؤخذ به ويعول عليه، ومنه ما جاء عن نظر واجتهاد، ولا أحد يستطيع أن يدعي وجوب متابعة أي مجتهد فيما أداه إليه اجتهاده فقط، فإن ذلك أقصى ما يقال فيه: إنه رأي والرأي مشترك42.
            ولا تقتصر الدعوة إلى التجديد على إعادة النظر فيما هو محل نزاع بين العلماء من الأدلة أو المبادئ اللغوية، وإنما تشمل، فضلاً عن ذلك، النظر في تحديد ما يعد في علم الأصول وما لا يعد منه، وفقاً للغاية من هذا العلم، وسعياً لتوجيه وجهة واقعية، فلا تطغى عليه المناقشات الجدلية العقيمة، أو الاهتمام بحركة الحياة المعاصرة حتى يتسع مجال الأصول لبناء نهضة شاملة تقود الأمة إلى أن تتبوأ منزلة الريادة والشهادة التي أنزلها الله إياها، فتكون بحق خير أمة أخرجت للناس.

            مجالات التجديد في علم الأصول :
            إذا كان ما هو ظني أو محل نزاع بين العلماء يجوز الاجتهاد فيه، فالمسائل الأصولية الظنية أولى بالاجتهاد، لأنها تتعلق بمنهج البحث في الفقه، والمناهج العلمية لا تعرف الجمود والتحجر، وإنما سمتها التطور والتجدد، وتساوقاً مع تطور المعارف ونمو الثقافات، وتجدد ضرورات الحياة وأوضاعها.
            وإذا كان علم الأصول، كما وصل إلينا لم يعد مناسباً للوفاء وفاءً تاماً بما تحتاجه الأمة في حاضرها كي تبني نهضة شاملة، فإن الاجتهاد في هذا العلم لتجديده وتطويره وفقاً لأسس وقواعد لا تخرج على القطعيات أصبح ضرورة إسلامية بلا مراء.

            ويشمل مثل هذا التجديد في علم الأصول عدة قضايا يمكن حصرها فيما يلي :
            أولاً: إلغاء ما ليس من علم الأصول.
            ثانياً: تدريس المقاصد الشرعية بصورة وافية.
            ثالثاً: تطوير مفاهيم بعض الأدلة.
            رابعاً: ربط القواعد بالفروع التطبيقية ما أمكن.

            إن الفقه كما هو معروف يتعامل مع الواقع البشري، من خلال استنباط الأحكام التي تضبط السلوك العملي للإنسان بشقيه: العبادات والمعاملات. ومن ثم ليس من مهمة الفقه بهذا المعنى أن يبحث في أحكام العقيدة أو الأحكام الخلقية، وإن كانت هذه الدوائر الثلاث للأحكام تشكل وحدة عضوية متكاملة تطبع شخصية الإنسان بطابع متميز في الاعتقاد والعمل والسلوك.
            وما دام الفقه يتعامل مع الواقع البشري، فإن منهج البحث في الفقه أو علم الأصول ينبغي أن يكون في خدمة هذا الواقع بمكوناته وخصوصياته وتفاعلاته وحاجاته. وهكذا فهدف هذا العلم هو العمل، ولذا لا يعد منه ما لا علاقة له بالعمل أو الواقع. ولعل الشاطبي هو أول من نبه إلى ضرورة تحديد ما يكون من علم الأصول، وما لا يكون منه، وفقاً لموضوعه، فقد قال في المقدمة الرابعة من مقدمات الموافقات: "كل مسألة مرسومة في أصول الفقه لا ينبني عليها فروع فقهية أو آداب شرعية، أو لا تكون عوناً في ذلك، فوضعها في أصول الفقه عارية، والذي يوضح ذلك أن هذا العلم لم يختص بإضافته إلى الفقه إلا لكونه مفيداً له، ومحققاً للاجتهاد فيه، فإذا لم يفد ذلك فليس بأصل له، ولا يلزم على هذا أن يكون كل ما انبنى عليه فرع فقهي من جملة أصول الفقه، وإلا أدى ذلك إلى أن يكون سائر العلوم من أصول الفقه، كعلم النحو واللغة والاشتقاق والتصريف والمعاني والبيان والعدد والمساحة والحديث، وغير ذلك من العلوم التي يتوقف عليها تحقيق الفقه وينبني عليها من مسائله، وليس كذلك، فليس كل ما يفتقر إليه الفقه يعد من أصوله، وإنما اللازم أن كل أصل يضاف إلى الفقه لا ينبني عليه فليس بأصل له."43
            إن الشاطبي في هذا النص فصل بين ما يعد من أساسيات علم الأصول، وما يعد خادماً لها، فهذه لا تدخل في الأصول، وإلا لأصبحت كل العلوم من جملة أصول الفقه.
            وقد أورد أبو إسحاق بعد ذلك طائفة مما أدخله المتأخرون على أصول الفقه من مسائل كثيرة، وقد سبقت الإشارة إلى شيء من ذلك في هذا البحث، مضيفاً إليها ما افترضه علماء الأصول من مسائل لا ثمرة لها في الفقه، كمسائل التحسين والتقبيح العقليين44، فهي عنده عارية أيضاً، أي ليس من صميم علم الأصول.
            وإذا كان الكتاب المعاصرون فيما كتبوا في علم الأصول قد تخلوا عن بعض ما ليس من هذا العلم، فإن كثيراً من تلك المسائل العارية ما زالت تتردد في مؤلفات هؤلاء الكتاب، كالحديث عن حروف المعاني45، وهل كان الرسول متعبداً بشريعة سابقة، وهل كان عليه الصلاة والسلام وأمته بعد البعثة متعبدين بشرع نبي سابق، وهل الحسن والقبح من الصفات الذاتية للأفعال، بحيث يستقل العقل بإدراكها أولاً، فضلاً عن دراسة النص الشرعي دراسة تاريخية، وليس دراسة أصولية، أي دراسة تكشف عن خصائص هذا النص من حيث منهجه في تقرير الأحكام، والمبادئ العامة التي تحكم الاستنباط منه، فما يكتب عن هذا النص في كتب الأصول الحديثة أقرب إلى الدراسات القرآنية وعلوم الحديث منه إلى الدراسات الأصولية بمعناها الدقيق.
            على أن إلغاء ما ليس من علم الأصول -وإن كان مفيدا له- ليس من باب التخفيف في دراسة العلم أو عدم الاكتراث بأهميته، وإنما من باب مراعاة أن لكل علم قضاياه الأساسية التي يجب أن تكون قبلة الباحثين، دراسة لها وإحاطة بها، فلا تشغلهم المسائل الثانوية أو الخادمة للعلم عن تلك القضايا التي هي صلب العلم، فالاهتمام بهذا المسائل الثانوية يبدو أنه يطغى على دراسة القضايا الأساسية، فلا تلقى حظها من البحث العلمي الوافي. وبذلك لا تكون الدراسة أصولية لأن تياراً جانبياً حول وجهتها إلى جداول فرعية، فنأت عن لجة البحر، ومن ثم لم تهتد إلى الغوص فيه لاقتناص لآلئه، واكتشاف أسراره وسبر أغواره.
            وأما المقاصد فإن الحديث عنها في كتب الأصول غالباً ما يأتي ضمن الحديث عن الشروط التكميلية التي ينبغي أن تتوافر في المجتهد، على الرغم من أن فقه المقاصد وربط الاستنباط بها هو السبيل لاجتهاد صحيح، ومن هنا ذهب الشاطبي إلى أن درجة الاجتهاد لا تحصل إلا لمن اتصف بوصفين:46
            أحدهما : فهم مقاصد الشريعة.
            والثاني: التمكن من الاستنباط بناء على فهمه فيها، أي على فهمه للمقاصد في مراتبها الثلاث : الضروريات والحاجيات والتحسينات.
            وفي شرحه لهذين الوصفين بيّن الشاطبي أن الشرط الثاني يعد كالخادم للشرط الأول، لأنه يتعلق بجملة من المعارف المحتاج إليها في فهم هذه المقاصد.
            ويرى بعض الكتاب المحدثين47 أن هذه المعارف تشمل إجادة العربية والإحاطة بالنصوص التشريعية إحاطة تلم بها إلماماً تاماً، والخبرة الدقيقة بمشكلات الحياة العامة التي تتطلب حلاً شرعياً، ثم دراسة علم الأصول بوصفه المنهج العلمي للاجتهاد. وهذا الرأي يخرج المقاصد من علم الأصول ويجعل هذا العلم وسيلة من وسائل فهم المقاصد التي تدور التكاليف الشرعية كلها في فلكها، أو أن هذه التكاليف تتجه في جملتها إلى تحقيق المقاصد وجعلها واقعاً ملموساً في حياة الناس.
            وهذا الرأي فضلاً عن كونه تعبيراً عما سار عليه علماء الأصول في الماضي، كان سبباً في عدم الاعتناء بالمقاصد في دراسة علم الأصول، والتعرض لها بصورة عابرة في باب العلة، أو عند الحديث عن المصلحة أو العرف والاستحسان.
            وتجديد علم الأصول يقتضي منا ألا ننظر إلى المقاصد تلك النظرة التي تفصلها عن هذا العلم، وإن اتخذ وسيلة إليها فكل الأدلة النصية والعقلية تتوخى المقاصد وتهدف إليها، وما تغير الأحكام بتغير الأعراف والزمان والمكان إلا مظهر من مظاهر دوران هذه الأدلة في نطاق المقاصد الشرعية.
            إن من المسلم به أن الله لا يشرع لمجرد الرغبة في التشريع، ولا يشرع عبثاً، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وإنما يشرع لمقاصد وغايات تحقق الخير للناس في المعاش والمعاد. وقد نفقه الغاية أو الحكمة من تشريع ما، وقد يغيب عنا ذلك، ومع هذا لا يرتاب مسلم في أن كل ما شرعه الله إنما شرعه لخير يعود على عباده، فهو سبحانه غني عن هؤلاء العباد، وهم الفقراء إليه في كل شيء، وبخاصة إلى منهجه الذي ارتضاه لهم، وأمرهم بالاعتصام به، حتى لا يضلوا سواء السبيل، فيكون الخسران المبين في الدنيا والآخرة.
            فالتشريع الإلهي إذن منوط بمقاصد وحكم تهدف كلها إلى حفظ العالم بتحقيق المصالح وإبطال المفاسد، ومن ثم كان الربط بين الاجتهاد وفقه مقاصد هذا التشريع ضرورة دينية ومنهجية. فلا غرو عندها أن تواترت كل الدعوات إلى تجديد علم الأصول على وجوب الاهتمام بالمقاصد وتنمية دراستها والعمل على وضع قواعد أو ضوابط لها. وقد أشار بعضهم إلى أن كثيراً من المزالق في الاجتهادات الفقهية الحديثة مردها إلى أن علم الأصول في صورته الموروثة قد خلا من البيان الوافي للقواعد التي توضح علاقة الحكم بمقصده، وأن المنهجية العامة التي يؤسس عليها النظر الاجتهادي في تبين حصول المقاصد من الأحكام لا تقوم على تحليل الواقع المراد علاجه تحليلاً علمياً ولا تشمل مناظرة الحكم المستخلص من فهم نصوص الوحي بعناصر ذلك الواقع في عوارضه الشخصية الناشئة عن خصوصيات ظروفه48.
            فمعرفة المقاصد منهجياً لا تكفي لكي يكون الاجتهاد المبني عليها محققاً للغاية منها، وإنما يحتاج الأمر -مع هذا- إلى فقه بالواقع وملابساته. ويشمل هذا الفقه كل ما ينطوي عليه هذا الواقع من مشكلات اجتماعية واقتصادية وفكرية ونفسية. فالمجتهد يجب عليه -كما يرى الشاطبي- النظر فيما يصلح بالمكلف في نفسه بحسب وقت دون وقت، وحال دون حال، وشخص دون شخص، ويعلل هذا بقوله: "إذ النفوس ليست في قبول الأعمال الخاصة على وزان49 واحد، كما أنها في العلوم والصنائع كذلك، فرب عمل صالح يدخل بسببه على رجل ضرر أو فترة (ضعف) ولا يكون كذلك بالنسبة إلى آخر، ورب عمل يكون حظ النفس والشيطان فيه بالنسبة إلى العامل أقوى منه في عمل آخر، ويكون بريئاً من ذلك في بعض الأعمال دون بعض. فصاحب هذا التحقيق الخاص هو الذي رزق نوراً يعرف به النفوس ومراميها، وتفاوت إدراكها، وقوة تحملها للتكاليف، وصبرها على حمل أعبائها أو ضعفها، ويعرف التفاتها إلى الحظوظ العاجلة أو عدم التفاتها، فهو يحمل على كل نفس من أحكام النصوص ما يليق بها، بناءً على أن ذلك هو المقصود الشرعي في تلقي التكاليف."50
            ويزيد الشاطبي الأمر توضيحاً فيقول: "وهذا النظر فيما يصلح بكل مكلف هو نظر في مآلات الأفعال، وهو نظر معتبر مقصود شرعاً، وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل. فقد يكون مشروعاً لمصلحة فيه تستجلب أو لمفسدة تدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه. وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه، أو لمصلحة تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك، فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية فربما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها فيكون هذا مانعاً من إطلاق القول بالمشروعية، وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم المشروعية ربما أدى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي أو تزيد على تلك المفسدة فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية."51
            وهذا النظر في مآلات الأفعال هو -حسب تعبير الشاطبي- مجال للمجتهد صعب المورد إلا أنه عذب المذاق محمود الغِبِّ جار على مقاصد الشريعة."52
            ويرى الشيخ ابن عاشور أن تصرف المجتهدين بفقههم في الشريعة يقع على خمسة أنحاء:
            النحو الأول: فهم أقوالها واستفادة مدلولات تلك الأقوال بحسب الاستعمال اللغوي، وبحسب النقل الشرعي بالقواعد اللفظية التي بها عمل الاستدلال الفقهي.
            النحو الثاني: البحث عما يعارض الأدلة التي لاحت للمجتهد والتي استكمل أعمال نظره، في استفادة مدلولاتها ليستيقن أن تلك الأدلة سالمة مما يبطل دلالتها، ويقضي عليها بالنسخ أو الترجيح أو التخصيص والتقييد.
            النحو الثالث: قياس ما لم يرد حكمه في أقوال الشارع على حكم ما ورد حكمه فيه بعد أن يعرف علل التشريعات الثابتة بطريق من طرق مسالك العلة.
            النحو الرابع: إعطاء حكم لفعل أو حادث حدث للناس لا يعرف حكمه، فيما لاح للمجتهدين من أدلة الشريعة دلالة نظير يقاس عليه.
            النحو الخامس: تلقي بعض أحكام الشريعة الثابتة عنده تلقي من لم يعرف علل أحكامها، ولا حكمة الشريعة في تشريعها، فهو يتهم نفسه بالقصور عن إدراك حكمة الشارع منها، ويستضعف علمه في جنب سعة الشريعة فيسمى هذا النوع بالتعبدي.
            ثم يعلق على ذلك بأن الفقيه بحاجة إلى معرفة مقاصد الشريعة في هذه الأنحاء كلها. وحينما وضح علاقة هذه الأنحاء الخمسة بمعرفة مقاصد الشريعة، فصل النحو الرابع قائلاً: "أما في النحو الرابع فاحتياجه فيه ظاهر، وهو الكفيل بدوام أحكام الشريعة الإسلامية للعصور والأجيال التي أتت بعد عصر الشارع والتي تأتي إلى انقضاء الدنيا."53
            ولأهمية المقاصد بوصفها عماد الفقه واستنباط الأحكام، تحمس الشيخ ابن عاشور إلى استبدال علم مقاصد الشريعة بعلم أصول الفقه. فبعد أن بين أن في علم أصول الفقه اختلافاً كبيراً بين علمائه، أطلق الدعوة الآتية قائلاً: "فنحن إذا أردنا أن ندون أصولاً قطعية للتفقه في الدين حق علينا أن نعمد إلى مسائل أصول الفقه المتعارفة، وأن نعيد ذوبها في بوتقة التدوين، ونعيرها بمعيار النظر والنقد، فننفي عنها الأجزاء الغريبة التي غلثت بها، ونضع فيها أشرف معادن مدارك الفقه والنظر، ثم نعيد صوغ ذلك العلم ونسميه علم مقاصد الشريعة، ونترك علم أصول الفقه على حالة تستمد منه طرق تركيب الأدلة الفقهية، ونعمد إلى ما هو من مسائل أصول الفقه غير منـزو تحت سرادق مقصدنا هذا، من تدوين مقاصد الشريعة، فنجعل منه مبادئ لهذا العلم الجليل، علم مقاصد الشريعة."
            وقد عد بعض الباحثين ما ذهب إليه الشيخ ابن عاشور خطوة سديدة نحو إنشاء علم في أصول الأصول في الفقه.
            ويؤكد الشيخ محمد أبو زهرة (توفي 1394ﻫ) على أهمية المقاصد ووجوب الوقوف عليها فيما كتبه عن تعليل النصوص، فيقول: "إن الفقه الإسلامي ما كان ليتسع أفقه، وليعالج مشكلات الناس، ويخرج بتلك القواعد الفقهية لولا تعليل النصوص، والربط بين الفروع المختلفة بروابط جامعة من علل مستنبطة من النصوص عامة، أو بعلة خاصة من نص خاص، فإن التعليل هو الذي فتح عين الفقه، بل إن التعليل هو الفقه، أو هو لباب الفقه، وإن التعليل كما قلنا ليس الغرض منه إلا أن تعرف مقاصد الشارع الحكيم من النصوص." 56
            وما دامت لمقاصد الأحكام هذه المنـزلة في بنية التشريع الإسلامي، وتلك الأهمية بالنسبة للمجتهد، وما دام علم الأصول قد خلا من الحديث بصورة وافية عنها، فإن المنهج الأصولي لا تتوافر فيه كل الخصائص العلمية للاستنباط الفقهي إلا إذا أخذت دراسة المقاصد حظها فيه، ومن ثم فالدراسة الشاملة للمقاصد من ألزم الضرورات لتجديد علم الأصول وتطويره ليصبح أكثر وفاء بمقتضيات الاجتهاد في العصر الحديث، وأكثر استجابة لما يطرحه هذا العصر من قضايا ومشكلات، ولا يسمح المجال بتفصيل القول في طرق إثبات المقاصد وبيان مراتبها، والضوابط التي تمنع من إساءة فهمها أو إدخال ما ليس منها فيها. وتكفي هنا الإشارة إلى أن استقراء نصوص الشريعة وتكاليفها من أهم الطرق للوقوف على هذه المقاصد57 كما أن الاجتهاد الجماعي هو أمثل الطرق لوضع الضوابط التي تحدد مراتب المقاصد، وتحول دون إساءة فهمها.
            ونأتي الآن إلى تطوير مفاهيم بعض الأدلة فالمراد به التوسع في هذه المفاهيم، أو تضييق دائرة الاختلاف حولها، أو ضبطها وجعلها أقرب إلى الواقع العملي بدلاً من أن تظل فكراً افتراضياً يتعذر تطبيقه إن لم يكن مستحيلاً.
            وهذا التطوير تفرضه المشكلات والتحديات التي تواجه الأمة في حاضرها، وهي مشكلات وتحديات تتصل أساساً بجوانب الحياة العامة أو الواجبات الكفائية، كقضايا الحكم والاقتصاد والعلاقات بين الشعوب والدول. أما العبادات فقد توافر فيها فقه كثير، ويحفظها المسلمون ولو ضيعوها لا يضيعونها اعتقاداً ولا يغفلوا عنها غفلة كاملة58. ولكن تلك القضايا العامة معطلة ومغفول عنها، ولا يكاد المنهج الأصولي يسعفنا فيها، ومن ثم تواجهنا فيها تحديات وأسئلة محرجة. ولذلك فإن من الواجب العمل على تطوير الأدلة الأصولية الخاصة بالقضايا العامة حتى تتسع دائرة الاجتهاد فيها، تطويراً محكوماً بمنهج يحفظ على التفكير الإسلامي وحدة الأسس ويضمن قلة الاختلاف.
            وأهم الأدلة التي يجب أن يكون للاجتهاد الحديث رأي جديد فيها -تطويراً لعلم الأصول، ونأياً به عن التجريديات التي لا سبيل لها إلى التطبيق- الإجماع والقياس حتى يسهم عملياً في مواجهة المشكلات التي تواجه الأمة في الداخل والخارج.
            إن الإجماع -بلا مراء- ذو أصل أصيل في الدين، وآيات القرآن وأحاديث النبي صريحة في مشروعية العمل بما وقع عليه الإجماع بين المؤمنين.59 ولكن ما مجال الإجماع، وهل لا بد فيه من اتفاق فقهاء أهل العصر كافة حتى يكون إجماعاً صحيحاً؟
            إن هناك خلطاً بين ما هو معلوم من الدين بالضرورة60، ويورد مورد الإجماع، والقضايا الظنية التي تختلف حولها الأنظار ويذكر أن فيها إجماعاً. فالمعلوم من الدين بالضرورة لا ينسحب عليه المفهوم الأصولي للإجماع، لأنه ليس مجالاً للبحث والنظر، وإن صدق عليه أنه مجمع عليه من الأمة لأن كل جيل تلقاه عمن سبقه دون نكير من أحد. وهذا هو الذي لا يجوز لأحد مخالفته61 ويكفر منكره.
            فالمتواتر المعلوم من الدين بالضرورة ليس من مجال الإجماع، وعليه فمجال الإجماع هو كل ما ليس فيه نص صريح من كتاب أو سنة، وقد بنى الحكم فيه على أساس الاجتهاد والتشاور والاتفاق بين علماء الأمة.
            أما ما ثبت من آراء بعض العلماء وسكوت غيرهم من انتشار تلك الآراء فيهم مما يطلق عليه في كتب الأصول "الإجماع السكوتي"، فإنه -فيما رأى- لا يصح أن يسمى إجماعاً، والسكوت ليس دائماً آية على الموافقة. وجوهر الإجماع، يقوم على المحاورة والنقاش العلمي الذي تتبلور من خلاله الحقائق التي تقود المجتمعين إلى رأي فيما يبحثون فيه.
            وإذا كان مجال الإجماع القضايا الظنية الاجتهادية -والإجماع السكوتي لا يسمى إجماعاً- فإن ما ذهب إليه علماء الأصول في تعريفهم للإجماع وإصرارهم على أن يكون اتفاقاً لا يخالف فيه أحد من المجتهدين في عصر من العصور مهما اختلفت الديار وتناءت الأوطان، لون من الافتراض الذي لا تشهد له نصوص الكتاب والسنة، ولم يدر في خلد جيل الصحابة رضوان الله عليهم. فقد كانوا يتشاورون ويقضون بما يجمعون عليه، وما كان إجماعهم إجماعاً لكل علماء الصحابة، وإنما كان إجماعاً لمن حضر منهم. فما كان أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي يتوقف الواحد منهم عن تنفيذ قراراته بعد استشارة من حضر من علماء الصحابة حتى أن يستشير غيرهم ممن هم منبثون في مختلف أصقاع المسلمين62.
            فإجماع من حضر من الصحابة كان يعد إجماعاً صحيحاً يؤخذ به، ولم يكن هناك شرط بحضور كل علماء الصحابة حتى يصح الأخذ بهذا الإجماع. فتقييد صحة الإجماع باتفاق جميع المجتهدين في عصر من العصور -كما قرر علماء الأصول- لا ينهض له دليل ولا تؤيده آثار، ولهذا لم يتحقق هذا الإجماع المفترض في تاريخ الأمة. ولذلك يرى بعض العلماء المحدثين أن للسلف بالنسبة للإجماع عصرين متمايزين: عصر الشيخين أبي بكر وعمر بالمدينة، حيث كان المسلمون أمرهم جميع، وفقهاؤهم معروفون وإمامهم شوري لا يستبد دونهم بالفتوى، ويمكن استطلاع آرائهم جميعاً فيسهل بذلك أن نتصور إجماعهم. ولكن يبقى السؤال: هل أجمعوا فعلاً إجماعاً مطبقاً على الفتوى فيما عرض لهم من المسائل الاجتهادية؟
            ويمكن الجواب بأن هناك مسائل كثيرة لا يعلم فيها خلاف بين الصحابة في هذا العصر، وهذا أقصى ما يمكن الحكم به. أما دعوى العلم بأنهم جميعاً أفتوا بآراء متفقة والتحقق من عدم المخالفة فهي دعوى تحتاج إلى برهان يؤيدها.
            أما ما بعد ذلك العصر، عصر اتساع الدولة الإسلامية وانتقال الفقهاء إلى البلاد المفتوحة ونبوغ فقهاء آخرين من تابعيهم لا يكاد يحصرهم العد، مع الاختلاف في المنازع السياسية، والتوجهات الفكرية فلا نظن أن وقوع الإجماع إذ ذاك مما يسهل التسليم به63.
            ومن الكتاب المحدثين من يذهب إلى أن الإجماع كما تحدث عنه علماء الأصول يمكن الاستغناء عنه، وعدم عده أصلاً من الأصول فضلاً عن أنه أدى إلى تفرق كلمة الأمة، وذلك لأن هؤلاء العلماء قد اتفقوا جميعاً على أنه لا بد من استناد الإجماع إلى نص من القرآن أو السنة، وإذا كان هذا شأنه فإنه لا معنى لعده أصلاً من أصول الاجتهاد معهما، ومن ثم يستغنى عنه بهما.
            ويرى صاحب هذا الرأي أن عدم اعتبار الإجماع أصلاً من الأصول يحل لنا مشكلة كبيرة، وهي أن تصل الأمة إلى فقه يتعاون فيه كل المجتهدين ولا تنفرد به فرقة دون غيرها، فإبقاء الاحتجاج بالإجماع يجعلنا أمام إجماعات متعددة، إجماع لأهل السنة، وإجماع للشيعة، وإجماع لغيرهم. ومن الصعب أن نرجح إجماعاً على إجماع، فكل فرقة تتعصب لإجماعها، فكان الاستغناء عن الاحتجاج بالإجماع وسيلة لجمع الكلمة، واتفاق الأمة64.
            وقد يكون هذا الرأي مقبولاً من حيث نقده لعلماء الأصول في أن الإجماع لا بد من أن يكون له مستند من نص، لأن النص سيكون مصدر الحكم وليس الإجماع، فلا معنى لاعتباره أصلاً من الأصول. ولكنه ليس مقبولاً من حيث دعوته إلى الاستغناء عن الإجماع وعدم الاحتجاج به، ومن حيث القول بأنه يؤدي إلى تفرق الأمة. فالإجماع مصدر تشريعي خصب يكفل تجدد الفقه ونموه، وبخاصة في العصر الحاضر. فهذا العصر تقتضي دراسة مشكلاته دراسة علمية وافية بتخصصات مختلفة، ومعارف متعددة. وبالتالي لا يمكن أن يكون الأخذ بالإجماع والاعتماد عليه سبباً للتفرق والتعصب، وإنما يصبح الأخذ به على أسس جديدة، وفقاً لمفاهيم جديدة سبيلاً لاجتهاد جماعي يقرب بين المذاهب ويحد من التنافر والاختلاف بينها.
            وحتى يمكن أن يكون الإجماع كذلك ينبغي أن يتطور مفهومه ليصبح تعبيراً صحيحاً عن الإجماع الذي تؤيده النصوص والآثار الصحيحة، فلا يكون فرضاً نظرياً ننفق الوقت في دراسته، دون جدوى عملية من هذه الدراسة.
            وتطوير مفهوم الإجماع ينبغي أن يشمل تغيير تعريفه، فلا يظل مقصوراً على اتفاق جميع المجتهدين في كل الأقطار الإسلامية وإصرار كل واحد منهم على رأيه حتى وفاته، وإنما يشمل إلى جانب هذا -إن تحقق- اتفاق الجمهور أو الأغلبية65، فهذا الاتفاق من أهل الذكر يكون كافياً في حصول الإجماع. فالقضايا الظنية بطبيعتها تحتمل الخلاف، وليس من اليسير أن يتفق عدد كبير من المجتهدين على رأي واحد فيها، وهذا ما ذهب إليه بعض القدماء66 من العلماء كأحمد بن حنبل (توفي164ﻫ)، وابن جرير الطبري (توفي310ﻫ) وأبي بكر الرازي (توفي 370ﻫ). وقد ذهب إليه كثير من المعاصرين كالشيخ الخضري، والشيخ عبد الوهاب خلاف (توفي 1375ﻫ) والشيخ محمود شلتوت (توفي 1383ﻫ) وغيرهم من الفقهاء الذين نقدوا ما جاء عن القدماء من جدل ومناقشات حول قضايا نظرية بحتة لا سبيل إلى أن تقع أو يتحقق بها اجتهاد وتشريع.
            وتطوير دراسة الإجماع لا يكون بتغيير مفهومه فحسب، وإنما يصبح هذا التطوير منطلقاً لتصور جديد يلغي ما يسمى بالإجماع السكوتي ويجيز نسخ الإجماع بالإجماع، ولا يهتم كثيراً بالجدل الأصولي حول حجية الإجماع، فالأدلة والآراء في هذا كلها احتمالية. ويتطلب هذا التطوير لمفهوم الإجماع التركيز بصفة خاصة على الاجتهاد الجماعي وإبراز مدى حاجة الأمة إليه فيعصرها الحاضر، ودراسة سبل تحقيقه عن طريق مجمع فقهي عام يمثل بعضويته المجامع الفقهية المحلية المتعددة في العالم الإسلامي.
            وهذا المجمع الفقهي العام ينظر فيما يهم المسلمين جميعاً أو في القضايا ذات الصبغة المشتركة بين الشعوب الإسلامية، وتبقى للمجامع المحلية رسالتها في دراسة المسائل والمشكلات التي يكون للعرف وظروف البيئة أثر في الحكم عليها، وبيان حكم الدين فيها.
            وإذا كان علماء الأصول قد وضعوا للإجماع من الشروط ما جعل حديثهم عنه حديثاً مثالياً، فإن ما جاء عن هؤلاء العلماء بالنسبة للقياس قد حصره في دائرة ضيقة، وهي دائرة تعدية حكم الأصل إلى الفرع بجامع العلة المنضبطة. وهذا النمط من القياس يقتصر على قياس حادثة محدودة على سابقة محدودة معينة ثبت فيها حكم بنص شرعي فيضيفون الحكم إلى الحادثة المستجدة.
            ومثل هذا القياس المحدود "ربما يصلح استكمالاً للأصول التفسيرية في تبيّن بعض الأحكام كأحكام النكاح والآداب والشعائر. ولكن المجالات الواسعة من الدين لا يجدي فيها إلا القياس الفطري الحر من تلك الشرائط المعقدة التي وضعها له مناطقة الإغريق، واقتبسها الفقهاء الذين عاشوا مرحلة ولع الفقه بالتعقيد الفني، وولع الفقهاء بالضبط في الأحكام الذي اقتضاه حرصهم على الاستقرار والأمن، خشية الاضطراب والاختلاف في عهود كثرت فيها الفتن وانعدمت ضوابط التشريع الجماعي الذي ينظمه ولي الأمر."67
            والتوسع في مفهوم القياس منطلقه أن ما ثبت من الأحكام التي وردت بها النصوص المبنية على علل وأسباب شرعت لأجلها، وأن هذه العلل -كما يدل الاستقراء- مرجعها جميعها إلى تحقيق مصالح الناس، فكل ما يحقق مصلحة للناس في معاملاتهم في أي زمان ومكان يكون مشروعاً قياساً على ما نص عليه، والعلة هنا هي المصلحة، وليست كما قرر الأصوليون الأمر الجامع المنضبط بين المقيس والمقيس عليه كالسكر مثلاً بين الخمر وسائر المخدرات.
            فأساس القياس هو التحقق من أن الحكم الذي يراد تشريعه في الواقعة المسكوت عنها فيه جلب نفع للناس، أو دفع ضرر أو رفع حرج عنهم، فمتى تحقق أن الحكم في الواقعة يحقق هذه المصلحة فهو حكم شرعي، وتشريعه هو قياس صحيح على ما شرعه الله، لأن الله ما شرع الأحكام إلا لنفع الناس أو دفع الضرر أو رفع الحرج عنهم. ومن عدل الله وحكمته أن تستوي أحكام الوقائع التي استوت في عللها وأسبابها وأن لا تبيح تصرفاً لأن في إباحته رفع حرج، وتحرم تصرفاً مثله68.
            وقد قرر علماء الأصول أن المناسبة مسلك من المسالك التي يتوصل بها إلى معرفة علة الحكم. ومعنى المناسبة أن تكون الواقعة المسكوت عنها فيها وصف أو خاصية لو شرع الحكم على أساسها يكون في تشريعه جلب نفع أو دفع ضرر أو رفع حرج، ومعنى هذا أن مناط التعليل وأساسه بناء الحكم على المصلحة، وبهذا يمكن أن يكون القياس ميداناً واسعاً للاستنباط والاجتهاد، ومجالاً فسيحاً للعقل الإنساني لتحقيق مصالح الناس، وتنمية الفقه وعدم الجمود على الموروث عن علماء الأصول في القياس.
            وقريب من هذا ما ذهب إليه الدكتور حسن الترابي. فهو يرى أن التوسع في القياس سبيله أن نعد "الطائفة من النصوص ونستنبط من جملتها مقصداً معيناً من مقاصد الدين، أو مصلحة معينة من مصالحه، ثم نتوخى ذلك المقصد حيثما كان في الظروف والحادثات الجديدة". ثم يقول: "وهذا فقه يقربنا جداً من فقه عمر بن الخطاب ، لأنه فقه مصالح عامة واسعة، لا يلتمس تكييف الواقعات الجزئية تفصيلاً فيحكم على الواقعة قياساً على ما يشابهها من واقعة سالفة، بل يركب مغزى اتجاهات سيرة الشريعة الأولى، ويحاول في ضوء ذلك توجيه الحياة الحاضرة."69
            ويذهب الترابي إلى أن هذا القياس الواسع أو "قياس المصالح المرسلة يعد درجة أرقى في البحث عن جوهر مناطات الأحكام، إذ نأخذ جملة من أحكام الدين منسوبة إلى جملة الواقع الذي تتنـزل فيه، ونستنبط من ذلك مصالح عامة ونرتب علاقاتها من حيث الأولوية والترتيب. وبذلك التصور لمصالح الدين نهتدي إلى تنظيم حياتنا بما يوافق الدين، بل يتاح لنا -ملتزمين بتلك المقاصد- أن نوسع صور التدين أضعافاً مضاعفة."70
            ومما له علاقة بالقياس من الأدلة الاستحسان، وقد بنى عليه جمهور المجتهدين اجتهادهم في كثير من الوقائع. ومرجع الاختلاف بين الشافعية والعلماء الذين أخذوا بالاستحسان كالحنفية والمالكية هو في الحقيقة اختلاف غير ذي موضوع، لأن الشافعية نظروا إلى الاستحسان كأنما هو رأي محض لا يستند إلى دليل فأنكروه. أما الآخرون فقد نظروا إليه على أنه رأي ناتج عن المقارنة بين الأدلة وترجيح بعضها على بعض. ولذلك قال الشاطبي: "إن الخلاف يرجع إلى الإطلاقات اللفظية ولا محصل له."71
            إن بعض الوقائع قد يقتضي فيها القياس الظاهر المتبادر حكماًن ولكن يستقر عن نفس المجتهد -بناء على أدلة قامت عنده- أن هذا الحكم لا يتفق والمصلحة في هذه الواقعة، وأن الذي يتفق مع المصلحة فيها حكم آخر يقتضيه قياس خفي غير متبادر، فيحكم في الواقعة بما يتفق والمصلحة بناء على هذا القياس الخفي، ويعدل بذلك عن مقتضى القياس الظاهر، ويسمى حكمه هذا حكماً بالاستحسان."72
            فالاستحسان قد يكون عدولاً عن قياس ظاهر أو استثناء جزئية من تطبيق قاعدة كلية، وهذا مراعاة لما تقتضيه المصلحة. قال الشاطبي: والحاصل أنه (أي الاستحسان) مبني على اعتبار مآلات الأفعال، فاعتبارها لازم في كل حكم على الإطلاق."73 وبذلك لا يكون الاستحسان خارجاً عن مقتضى الأدلة، فهو نظر في لوازمها ومآلاتها، ومن ثم فهو يمنح المجتهد حرية الاستنباط في حدود الإطار العام للشريعة وفق ما يطمئن إليه قلبه وينقدح في عقله من مصالح قد لا تتفق وما يقتضيه القياس، أو ما يؤدي إليه تطبيق القواعد العامة.
            أما الاستصحاب فإنه من وسائل الاجتهاد التي يعول عليها في استنباط الأحكام لكثير من المشكلات، لأنه يشير أولاً إلى أن الشريعة الخاتمة لم تتنـزل لإلغاء كل ما عرفته الحياة البشرية من عادات وألفته من تصرفات، وإنما كان نزولها لإصلاح ما اعوج من العقائد والقيم، ولإحياء ما درس منها ولتكميل ما نقص. ومن ثم لم تكن الشريعة هادمة لكل ما كان في الجاهلية، وكان ما تركته دون حكم له أو نص عليه على الأصل من الحل والإباحة.
            وقد تحدث الأصوليون عن الاستصحاب فشققوا القول في أنواعه، ولكنهم لم يخرجوا بذلك التنويع عن فلك إبقاء الشيء على ما هو عليه حتى يثبت ما يغيره، سواء أكان فعلاً أو شيئاً أو نصاً، فالأصل في الأشياء الحل، وفي الأفعال الإباحة، وفي الذمم البراءة من التكليف، وفي النص العام الإبقاء على عمومه حتى يرد التخصيص، وفي النص المطلق الإبقاء على إطلاقه حتى يرد التقييد. وفي ذلك يقول الدكتور حسن الترابي: "وإذا جمعنا أصل الاستصحاب مع أصل المصالح المرسلة تتهيأ لنا أصول واسعة لفقه الحياة العامة في الإسلام."74
            ويبدو من تلك الإشارات واللمحات عن تطوير مفاهيم بعض الأدلة حتى يتسنى للاجتهاد المعاصر أن يواجه التحديات بأسلوب علمي واقعي، أن هذا التطوير يرتبط ارتباطاً وثيقاً بحكمة التشريع ومقاصده، وهي تحقيق المصالح ودفع المفاسد. فالمصلحة هي محور هذه الأدلة، وليس ترك القياس إلى الاستحسان أو الأخذ بالأعراف، أو تطبيق قاعدة الاستصحاب فيما لم يرد بشأنه نص إلا مراعاة للمصالح وما هو أيسر على الناس وأرفق بهم.
            ولكن الدعوة إلى التوسع في مفاهيم بعض الأدلة قد ينجم عنها اضطراب في الآراء، بسبب عدم الضبط الدقيق لحدود هذا التوسع، وقد يتخذ من ليس أهلاً للاجتهاد من هذه الدعوة ذريعة للقول في الدين دون دراية وفقه، فيكون ضرره وخطره فادحاً، لأنه يُصَيَّر الخلاف في الاستنباط خارج دائرة ما يقبل منه ويعد رحمة بالأمة فضلاً عن بلبلة الأفكار، وفتنة الضعفاء والعامة، وشغل الناس بما لا يجديهم في الدين والدنيا.
            وتكاد كل الضوابط والقيود التي تحول دون أن يكون ذلك التوسع في مفاهيم تلك الأدلة سبيلاً لتباين الآراء تبايناً يمزق وحدة الأمة ويفت في عضدها، ويغري من ليسوا أهلاً للاجتهاد بالجرأة على الفتيا لا تخرج عن دائرة تنظيم الشورى أو الاجتهاد الجماعي، ليقوم بمهمة المراجعة والمتابعة، وصولاً إلى الرأي الحاسم الذي يجمع عليه العلماء أو جمهورهم.
            ولأننا في عصر لا يقيم للأفكار والنظريات المجردة وزناً من حيث صحتها ووجوب الأخذ بها، وإنما يحكم على الأفكار بالصحة من خلال علاقتها بالواقع وتأثيرها فيه فإن الفكر الأصولي في جوهره فكر يتعامل مع الواقع، لأنه منهج الأحكام العملية. ولهذا كانت دراسة هذا الفكر على نحو يجمع بين الجانب النظري والجانب التطبيقي هي الدراسة التي تؤتي أكلها في ترسيخ المفاهيم وتوضيح المبادئ، وتوجيه العقل لخوض معركة الاستنباط والاجتهاد.
            إن القضايا التي يحرر مدلولها في عبارة دقيقة تخاطب العقل لها وزنها العلمي، ولكن لو أضيف إلى هذه العبارة صورة تطبيقية تعبر عنها فإن مدلول القضية يصبح أوقع في النفس وأرضى للعقل، وأنفع في مجال التنظير والتطبيق.
            ولهذا كان من وسائل تجديد علم الأصول الربط بين قواعده والفروع العملية ما أمكن، حتى لا تصبح دراسة تلك القواعد غاية في ذاتها، فيلم من يدرسها دون أن يعرف كيف يستثمرها في استخراج حكم، أو توجيه رأي، أو دفع شبهة.
            ولما كانت هذه الفروع من الواقع المعاصر كانت أكثر وقعاً وفاعلية، في جعل المنهج الفقهي أكثر ملائمة لاجتهاد عملي، مما لو كانت تلك الفروع تراثية. وللأسف فإن المؤلفات الأصولية المعاصرة ما زالت تعول في التمثيل للقضايا الأصولية على ما ورد في كتب السلف من الفقهاء من الفروع التطبيقية، وكأن الواقع الذي تعيشه الأمة الآن لا يعرف نوازل مختلفة لها أبعادها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية الخاصة، وهي أبعاد يحتاج الحكم فيها شرعاً إلى منهج جديد يعتمد الثوابت، ولا يجمد على المغيرات، أو يقوم على القطعيات ولا يهاب الخروج عن الظنيات.
            والحاصل أن علم الأصول ينبغي أن نتجاوز به في عصرنا مرحلة الاجترار والتكرار إلى مرحلة التجديد والابتكار، حتى يكون الاجتهاد -لا سيما في القضايا العامة التي تواجهنا فيها مشكلات جمة- ناضجاً متطوراً، لا يقف عاجزاً أمام ما تتمخض عنه الحياة كل يوم من نوازل بحجة أن السابقين لم يتكلموا فيها، أو أنه لا يوجد لها شبه فيما اشتملت عليه كتب الفقه الموروثة من مسائل.
            وتجديد هذا العلم ليس أمراً هيناً علمياً ونفسياً. أما علمياً فإن الجهود يجب أن تتضافر لوضع منهج جديد يخلص الأصول مما ليس منها، ويعطي المقاصد حقها من الاهتمام والدراسة، ويحرر القول تحريراً دقيقاً في كثير من طرق الاجتهاد ومناهجه، وما يتصل بقضايا تفسير النص وسبل فهمه، ويلغي ذلك الجدل الذي أملاه حب الخلاف أحياناً، والرياضة الذهنية غير المثمرة أحياناً أخرى، والتي شغف به العلماء في عصور الضعف والتراجع الحضاري للأمة.
            وليست العبرة في وضع تصور نظري جديد للأصول، وإنما ينبغي أن يكون هذا التصور سبيلاً لعمل علمي يكون بداية جديدة في التأليف الأصولي.
            أما الجانب النفسي فإن هناك لوناً من الخشية في الإقدام على تجديد كل ما له علاقة بالدين، حتى أن كلمة التجديد نفسها إذا وردت في معرض الحديث عن مسألة فقهية تقابل بالامتعاض خوفاً من أن تكون ذريعة للتحلل من أوامر الدين وشعائره شيئاً فشيئاً.
            وفضلاً عن هذا تجنح النفس الإنسانية إلى أن تتشبث بالإقتداء بالموروث، وقد ترى في الانصراف عنه مروقاً من عقائد ومبادئ يجب الحفاظ عليها والاستمساك بها.
            والتحليل العلمي للوقوف ضد التجديد والتطوير مهما تكن مظاهره يثبت أن تعطيل العقل من وراء مقاومة التجديد، وليس الأمر في جوهره احتراماً لتراث أو اعتصاماً بتقاليد وأعراف.
            والانتصار على هذا الجانب النفسي يحتاج إلى شجاعة وثقة بالنفس، وإيمان بأن الإسلام الذي ارتضاه الله ديناً للناس كافة يحض على إعمال العقل ومحاربة الجمود.
            وقد سجل التاريخ أن كل دعاة الإصلاح والتجديد لم يسلموا من افتراءات الجامدين والمتنطعين، ولكن الظهور كُتب في النهاية لهؤلاء الدعاة، وباء الجمود بالبوار والخسران، وتلك سنة الله في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلاً.

            خاتمـة
            إن أهم ما انتهت إليه هذه الدارسة حول تجديد علم الأصول من نتائج علمية وما ترشد إليه من توصيات يمكن تلخيصه فيما يأتي :
            أولاً : يمثل علم الأصول أصالة الفكر الإسلامي أصدق تمثيل، وقد سبق به فقهاء الإسلام كل فقهاء القانون في العالم، فلم يضع هؤلاء الفقهاء أصولاً للقانون إلا منذ نحو مائتي عام.

            ثانياً: إن علم أصول الفقه يمثل عبر تاريخه الطويل مناهج المجتهدين، فالاختلاف بين المذاهب مردّه إلى اختلافات أصولية، فضلاً عن الأسباب الأخرى للاختلافات الفقهية، وإن كان كل ما صدر عن علماء الأصول يعبر في مجموعه عن الخصائص العامة لمنهج البحث التشريعي والفقهي الإسلامي.

            ثالثاً: إن الدراسة الأصولية منذ القرن السادس لم تقدم جديداً، باستثناء ما قام به الشاطبي. أما الدراسات الحديثة في الأصول -على جدواها- فلم تقدم سوى مادة متوافرة في الكتب القديمة. فهذه الدراسات صياغة جديدة لآراء غير جديدة، ومن ثم كان التفاوت بينها في الشكل لا في المضمون، وفي التعبير والكم لا في التفكير والكيف.

            رابعاً: إن الاجتهاد في علم الأصول ضرورة دينية وعلمية. فالأمة في حاجة ماسة إلى منهج أصولي جديد، يقوم على تناول الأدلة تناولاً يوضح كيفية دلالتها على الأحكام، مع دراسة المقاصد والقواعد بصورة موسعة وافية، والتخلي عن القضايا الهامشية، وتحرير القول في كثير من المسائل الخلافية، دون إغفال لهموم المجتمعات المسلمة المعاصرة حتى لا تكون المباحث الأصولية في واد والواقع الذي تنظر له في واد آخر.

            وأما التوصيات التي ترشد إليها الدراسة فهي تدور في نطاق ما يأتي:
            أولاً: إن البلبلة الفكرية التي تعاني منها الأمة الإسلامية في العصر الحديث من جراء الغزو الفكري من جهة، وبسبب عدم الفقه الصحيح بالمفاهيم والقيم الإسلامية من جهة أخرى، لا سبيل إلى إنقاذ الأمة منها إلا بمنهج علمي يعبر
            عن مقاصد الإسلام ومهمته في الحياة.
            ثانياً: إن وضع هذا المنهج الذي ينظم التفكير ويقود إلى الإبداع، ويمنع من التفرق والتنازع، ويحصر الاختلاف في الرأي في دائرته المحمودة، ويحمي طاقات الأمة أن تهدر أو تنفق فيما لا جدوى منه، إن كل ذلك مسئولية أهل الذكر من المفكرين والباحثين.
            ثالثاً: إن المقصود بالمنهج هنا ليس هو المنهج الأصولي فحسب، وإنما يراد به معنى أوسع ليشمل كل ممارساتنا وأفعالنا، فنحن في واقعنا أمة بلا منهج في حوارنا وتخطيطنا العلمي والثقافي والسياسي والعمراني... إلخ. ومن ثم كان تخلفنا الحضاري، فلا حضارة بغير منهج.
            رابعاً: إن الاجتهاد الجماعي في كل المجالات، وبخاصة في مجال البحث الفقهي، هو السبيل الأمثل لتطوير ذلك المنهج وتطبيقه، ولهذا ينبغي تنظيم الاجتهاد حتى يسود المنهج العلمي بقيمه الإسلامية حياتنا فنظل بحق خير أمة أخرجت للناس.
            والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

            المصدر
            فهد بن عبدالرحمن الناصر
            بكالوريوس لغة عربية

            تعليق


            • #6
              بارك الله فيك أبا حاتم ، وسددك . وهناك كتاب قرأته قبل مدة قريبة ، جدير بعنايتك إن لم تكن قد اطلعت عليه ، يدور حول موضوع تجديد أصول الفقه . عنوانه :

              [align=center]تجديد علم أصول الفقه
              تأليف
              أبي الطيب مولود السريريِّ [/align]

              وهو كتاب ليس بالكبير ، يقع في 207 صفحات ، طبع عام 1426هـ وصدر عن دار الكتب العلمية في بيروت ، وهذه صورة غلافه ، ولكنه مليء بأفكار جميلة ، وتستحق التأمل والتطبيق ، وليتني أرى له صدى في أقسام أصول الفقه حتى ننتفع بمثل هذه الطروحات العلمية ، ولعلك إن كنت قد اطلعت عليه توافينا برأيك مشكوراً يا ابا حاتم.

              أخي الكريم الأستاذ فهد الناصر . جزاك الله خيراً على هذا البحث المنقول المفيد.
              عبدالرحمن بن معاضة الشهري
              أستاذ الدراسات القرآنية بجامعة الملك سعود

              تعليق


              • #7
                أرفع هذا الموضوع تقديراً لمحرره أبي حاتم حفظه الله ورعاه .
                وأنتهز هذه المناسبة للتعبير عن سعادتي الغامرة بمقابلة أخي أبي حاتم في مكة هذا الأسبوع وهو بصحة جيدة ولله الحمد بعد الحادث الأليم الذي تعرض له في مكة حيث تعرض لحادث سير أدخله المستشفى وبقي طريح الفراش عدة أشهر . وهو الآن يتماثل للشفاء يوماً بعد يوم أسأل الله أن يمتعه بالصحة والعافية .

                في مكة المكرمة صباح الخميس 14 رجب 1429هـ .
                عبدالرحمن بن معاضة الشهري
                أستاذ الدراسات القرآنية بجامعة الملك سعود

                تعليق


                • #8
                  الله يمن عليه بالشفاء والعافية
                  وشكر الله لكم يا أباعبدالله

                  تعليق


                  • #9
                    هلا أفدتنا شيخنا الكريم عبد الرحمان الشهري -ولو باقتضاب-عن كتاب حسن حنفي من النص إلى الواقع مادام أن الشيخ لم يطلع على الكتاب ؟

                    تعليق


                    • #10
                      المشاركة الأصلية بواسطة عبدالرحمن الشهري مشاهدة المشاركة
                      أرفع هذا الموضوع تقديراً لمحرره أبي حاتم حفظه الله ورعاه .
                      وأنتهز هذه المناسبة للتعبير عن سعادتي الغامرة بمقابلة أخي أبي حاتم في مكة هذا الأسبوع وهو بصحة جيدة ولله الحمد بعد الحادث الأليم الذي تعرض له في مكة حيث تعرض لحادث سير أدخله المستشفى وبقي طريح الفراش عدة أشهر . وهو الآن يتماثل للشفاء يوماً بعد يوم أسأل الله أن يمتعه بالصحة والعافية .

                      في مكة المكرمة صباح الخميس 14 رجب 1429هـ .
                      أشكر للشيخ الفاضل/ عبدالرحمن الشهري..

                      على خلقه وتواضعه.. وعلى عباراته اللطيفة ودعواته الشريفة..

                      والشيء من معدنه لا يستغرب..

                      أسأل الله لي ولك العلم النافع..

                      تعليق

                      20,036
                      الاعــضـــاء
                      238,092
                      الـمــواضـيــع
                      42,812
                      الــمــشـــاركـــات
                      يعمل...
                      X