إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الإلمام بفقه الصيام

    الإلمام بفقه الصيام ( 1 )

    الحمد لله وكفى ، والصلاة والسلام على النبي المصطفى ، وعلى آله وصحبه أولي التقى : أما بعد :

    فقد اقترب شهر رمضان ، شهر الخيرات والنفحات ، ولابد للمسلم أن يتهيأ له نفسيًّا وأسريًّا ومجتمعيًّا ، ليخرج المسلم منه وقد غفر له ما تقدم من ذنبه ، فيستقبل ما بقي من العمر بصالح العمل ، كما كان في رمضان .

    من أجل ذلك ستكون هذه الإضاءات أو الومضات نلم فيها إن شاء الله بفقه الصيام .

    وأعني بالفقه المعنى العام :

    فقه الأحكام .

    فقه المعاني .

    فقه السلوك .... والله المستعان .
    د . محمد عطية

  • #2
    إن للعاقل من توالى الأيام وتكرار الأعوام عظة وعبرة ، فهو على يقين من أن عمره ينقص في كل يوم يمضي ، وبذلك يقترب من أجله ، ويدنو من حسابه ، وإنها لجنة نعيم ، أو عذاب أليم ؛ ولله در القائل :

    وما أدري وإن أملت عمرًا ... لعلي حين أصبح لست أمسي
    أما ترى أن كل صباح يوم ... وعـمرك فيه أقصر منه أمسِ
    فعلى العاقل أن ينتهز الفرص لنجاته ، ويستزيد من الخير في أيامه ، ليكون ذلك ذخرًا له يوم يلقى الله تعالى ، فيفوز بجنات النعيم ، وينجو من العذاب العظيم .

    وقد جعل الله تعالى في أيام عباده مواسم يرتجى الخير فيها ؛ وما من هذه المواسم الفاضلة موسم إلا ولله تعالى فيه وظيفة من وظائف طاعاته ، يُتقرب بها إليه ، ولله فيها لطيفة من لطائف نفحاته يصيب بها من يشاء بفضله ورحمته ، فالسعيد من اغتنم مواسم الشهور والأيام والليالي والساعات ، وتقـرب فيها إلى مولاه بما فيها من وظائف الطاعات ، فعسى أن تصيبه نفحة من تلك النفحات ، فيسعد بها سعادة يأمن بعدها من النار ، وما فيها من اللفحات .

    روى الطبراني في ( الكبير والأوسط ) ، والبيهقي في ( شعب الإيمان ) ، وأبو نعيم في ( الحلية ) ، وابن عبد البر في ( التمهيد ) عن أنس قال : قال رسول الله : " افعلوا الخير دهركم ، وتعرضوا لنفحات رحمة الله ، فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده ، وسلوا الله أن يستر عوراتكم ، وأن يؤمن روعاتكم ".

    فعلى العاقل أن لا يضيع في هذه المواسم وقته ، بل يغتنم ليلها ونهارها في طاعة الله تعالى ، عسى أن ينال من فضل الله تعالى ما لا يشقى معه أبدًا .

    وها نحن – أيها المسلمون – على مقربة من شهر رمضان : شهر الخيرات ، شهر القربات ، شهر زيادة العبادات من صيام وقيام وذكر وتلاوة وصدقات ودعوات ، شهر المغفرة والرحمة والعتق من النيران ... شهر الانتصارات : على النفس ، وعلى الشيطان ، وعلى أعداء الله من مشركين ومنافقين وكفار ؛ فكيف يكون استقبالنا له ؟ إنه سؤال يحتاج إلى إجابة ، ومع الإجابة برنامج عمل ، فما أكثر الأقوال وأقل الأعمال ! وهل يفيد قول بلا عمل ؟! وللحديث صلة .
    د . محمد عطية

    تعليق


    • #3
      ما أسرع ما تنقضي الليالي والأيام ، تتبعها الأسابيع والشهور والأعوام ؛ هكذا قدَّر الله تعالى أمر الدنيا ، فجعلها سريعةَ الزوال ، لا تدوم على حال ، ولا يدوم فيها امرؤ وإن احتال ؛ وهذه سُنة الله في خلقه ، أدوارٌ وأطوارٌ تجري بأجل مسمى و لِكُلّ أَجَلٍ كِتَابٌ [ الرعد : 38 ] .

      ولما كان أولو الألباب هم الذين يدركون تلك الحقائق ؛ كان حريًّا بهم أن يأخذوا من تعاقب الأزمان أعظم معتبر ، وأن يستلهموا من ذهاب الليالي والأيام أكبرَ مزدجر ، يقول الله  : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ [ آل عمران : 190 ] .

      وهكذا يأتي على الناس شهر رمضان في كل عام ، ثم يذهب ليعود مرة أخرى على من كتبت له حياة ، فيأخذ منه المسلم ما يكون له زادًا إلى أخراه ؛ من تهذيبٍ لنفسه ، وتقويةٍ لإرادته ، وتطهيرٍ لقلبه ، ومغفرةٍ لذنبه ، ووعيٍ وإدراك لقضايا أمته .

      إنها مدرسة الصيام التي يتعلم فيها المسلم من رمضان ، فيترجم هذا التعليم في واقعه ، فيكون بذلك المسلم الرباني الذي يرجو بعمله وجه الله تعالى ، ويحتسب الأجر عند ربه  . وللحديث صلة .



      د . محمد عطية

      تعليق


      • #4
        اعلموا – رحمكم الله – أن بلوغ رمضان نعمة عظيمة ، فاستقبلوه بحمد الله تعالى ، وعزم على القيام بحقه ، فكم ممن أمَّل أن يصوم هذا الشهر فخانه أمله ، فصار قبله إلى ظلمة القبر، وما أحسن قول من قال :
        إذا رمضان أتـى مقبلا ... فأقبِل بالخير تستقبلُ
        لعـــلك تخطئه قابلا ... وتــأتي بعــذر فلا يقبلُ
        د . محمد عطية

        تعليق


        • #5
          إذا تبين للمسلم أن بلوغ رمضان نعمة عظيمة ، فعليه أن يعلم أن النعم واجبها الشكر ؛ وأن عبادة الشكر تعم القلب واللسان والجوارح ؛ ومن هنا قال الله تعالى : اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ( سـبأ : 13 ) ، وقال الشاعر :
          أفادتكم النعماء مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجبا
          فاليد للطاعة ، وهي كناية عن عمل الجوارح ، واللسان للثناء الجميل ، والضمير ، أي : القلب ، للحب والتعظيم ، والإقرار بالنعم .
          قـال ابن تيمية - : مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الشُّكْرَ يَكُونُ بِالِاعْتِقَادِ وَالْقَوْلِ وَالْعَمَلِ ؛ قَـالَ اللَّهُ تَعَالَى : اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا ، وَقَامَ النَّبِيُّ حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ فَقِيلَ لَهُ : أَتَفْعَلُ هَذَا وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَك مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِك وَمَا تَأَخَّرَ ؟ قَالَ : " أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا " ( [1] ) ... وَبَابُ سُجُودِ الشُّكْرِ فِي الْفِقْهِ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ يُذْكَرَ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ عَنْ سَجْدَةِ سُورَةِ ( ص ) : " سَجَدَهَا داود تَوْبَةً ، وَنَحْنُ نَسْجُدُهَا شُكْرًا " . ( [2] ) .ا.هـ .
          فهيء نفسك أيها المسلم لشكر نعم ربك عليك ؛ فلابد في شكر النعم من أمور حتى يكون العبد شاكرًا أو شكورًا :
          أحدها : معرفة الرب وتوحيده ، والعلم بأنه مسدي هذه النعم ومسخرها لخلقه ؛ وأنه وحده المستحق للعبادة ، فيجتهد العبد في ذلك بامتثال أوامره واجتناب نواهيه ، لأن الشكر هو استفراغ الوسع في طاعة الله .
          ثانيا : اللهج بحمد الله وشكره بالقلب واللسان والجوارح .
          ثالثا : أن تصرف النعمة في طاعة المنعم ؛ فالشكر تشاركت فيه طوائف الناس من مسلمين وغيرهم ، ومن سعة رحمة الباري سبحانه أن عدَّه شكرًا ، ووعد عليه الزيادة وأوجب فيه المثوبة ؛ لكن إذا علمت حقيقة الشكر ، وأن جزء حقيقته : الاستعانة بنعم المنعِم على طاعته ومرضاته ، علمت اختصاص أهل الإسلام بهذه الدرجة ، وأن حقيقة الشكر على المحاب ليست لغيرهم ؛ نعم لغيرهم منها بعض أركانه وأجزائه ، كالاعتراف بالنعمة ، والثناء على المنعم بها ؛ فإن جميع الخلق في نعم الله ، وكل من أقر بالله ربًّا وتفرده بالخلق والإحسان فإنه يضيف نعمته إليه ، لكن الشأن في تمام حقيقة الشكر ، وهو الاستعانة بها على مرضاته ؛ وقد كتبت عائشة - - إلى معاوية - : إن أقل ما يجب للمنعم على من أنعم عليه : أن لا يجعل ما أنعم عليه سبيلا إلى معصيته ( [3] ) .ا.هـ

          [1] - متفق عليه ، وتقدم تخريجه .

          [2] - انظر مجموع الفتاوى : 11 / 135 ، 136 باختصار .

          [3] - انظر ( مدارج السالكين ) : 2 / 253 .
          د . محمد عطية

          تعليق


          • #6
            بعد حمد الله وشكره على نعمه ، ومنها بلوغ رمضان – إن شاء الله تعالى – يستقبل المسلم رمضان بأمرين لابد منهما : توبة نصوح ، يمحو بها آثار ما قدَّم من الذنوب ؛ وعلم يصحح به عبادته .
            أما الأول : فإياك أخي المسلم ، وإياكِ أختي المسلمة أن يدخل عليكما رمضان وأحدكما مصر على معصية ؛ فإن الإصرار ولو على الصغائر يمنع المغفرة ؛ قال الله تعالى : وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [ آل عمران : 135 ] ؛ ومن معاني التوبة : حلُّ عقدة الإصرار .
            ثم اعلموا أن صدق التوبة لابد فيه من عمل صالح بعدها ؛ قال الله تعالى : وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا [الفرقان: 71] ؛ وهذا هو الذي به تغفر الذنوب ؛ قال الله تعالى : ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [النحل: 119] .
            فاستقبلوا رمضان بتوبة من الذنوب جميعها صغيرها وكبيرها ؛ ولا تحقروا من الذنوب شيئا ، فإن احتقار الذنب ذنب غير الذنب ، وعدم التوب منه ذنب ثالث ؛ فإذا تكرر منه فعل ذلك الذنب ، تراكمت عليه آثاره ؛ ولذلك ؛ قال النبي : " إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ " .
            فعلى العاقل أن يستقبل شهر رمضان بتوبة نصوح ، فإذا كان لا يصلي – مثلا – فليعقد العزم على المحافظة على الصلاة ؛ وإن كان يتعامل بالربا ، فليعقد العزم على تركه والتخلص من تباعته .. وإن كان يدخن ، فليقلع عن التدخين توبة لله تعالى ... وهكذا ، وليندم على ما سبق ، وليعزم على ألا يعود للذنب مرة أخرى ... وليتب من المظالم ، فيرد الحقوق إلى أهلها ، ويعزم على ألا يعود لظلم بعد ذلك ؛ وليعقد العزم على صيام وقيام يكونان سببًا لمغفرة ذنوبه .... وللحديث صلة .
            د . محمد عطية

            تعليق


            • #7
              تقدم أن المسلم يستقبل رمضان بأمرين مهمين : التوبة ، والعلم ؛ وتحدثنا عن الأمر الأول ، وهو التوبة ، وهو واجب يومي يتكرر في كل يوم مرارًا ، فكم من خطأ يقع فيه الإنسان ، وكم من تقصير في حق الله تعالى يلحقه ؛ من هنا نفهم قول النبي : " أَيُّهَا النَّاسُ ، تُوبُوا إِلَى اللهِ ، وَاسْتَغْفِرُوهُ ، فَإِنِّي أَتُوبُ إِلَى اللهِ وَأَسْتَغْفِرُهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ " .

              والأمر الثاني : العلم الذي تصحح به عبادتك ؛ ومرادنا به ها هنا : ما يتعلق بالصيام ؛ فبدخول رمضان يصبح على كل بالغ من ذكر أو أنثى من المسلمين فرضًا عينيًّا أن يتعلم أحكام الصيام ؛ وهذا الذي يسميه العلماء ( علم الحال ) ، وهو العلم الذي يجب بحال الإنسان ؛ فالفقير – مثلا – لا يجب عليه أن يتعلم أحكام الزكاة ؛ ويجب ذلك على الغني ، وعلم الحال يأثم من لم يجتهد في تعلمه مع قدرته على ذلك .

              ولا يقولن أحد : إني أصوم منذ كذا وكذا ، فربما وقع في صيامه ما يفسده لجهله ، فلنتق الله تعالى ، ولنحرص على تعلم ما يصح به صومنا ، فإن هذا من المعلوم من الدين بالضرورة ، الذي لا يعذر أحد بجهله فيه ، مع قدرته عليه .... وللحديث صلة .



              د . محمد عطية

              تعليق


              • #8
                استعداد مرفوض

                يحلو للبعض أن يتهيأ لرمضان بملء مخازن الطعام بأشكال وألوان ؛ والسؤال : هل رمضان شهر صيام أم شهر طعام ؟!

                ويحلو للبعض أن يعد لليل رمضان سهرات في لعب ولهو ، وبعض ذلك فيما حرم الله تعالى من مشاهدات ؛ فمتى يُغفر ذنب هذا إن لم يتعرض لمغفرة ربه بالتوبة النصوح ، وصيام رمضان وقيامه إيمانًا واحتسابًا ؟!

                وقد يسأل سائل : أيمتنع في رمضان مباشرة المباح من المطعومات والمشروبات وألوان من الرياضات ؟ والإجابة : لا يمتنع ذلك ، شريطة أن لا يضيِّع فيها نفسه ، فينشغل بها عن التزود لمغفرة ذنبه .

                فقد رأينا أناسًا لم يتغير في رمضان عندهم إلا مواعيد الطعام ، حتى إنهم لم ينسوا أن يجعلوا لأنفسهم وجبة بين الفطور والسحور يسمونها العشاء ! فياللعجب ! إنه قدَّم إفطاره إلى ما قبل الفجر ، وأخر غداءه إلى بعد غروب الشمس ، ثم لم ينس أن يتعشى قبل أن ينام ! وليس في ذهن هؤلاء التزود من رمضان بزاد التقوى .

                فإياك ثم إياك أن تكون من هؤلاء ؛ قال ربنا : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [ البقرة: 183 ] .

                ورأينا أناسا لا هم لهم بعد الإفطار من الصيام ، إلا التهيؤ للعبة ، أو مشاهدة معصية - عياذًا بالله تعالى ؛ فحذار حذار أن تكون من هؤلاء.

                عجيب أمر بعض الناس : السنة كلها لعب ولهو وأكل وشرب ، ثم في رمضان لا يتغير من أحوالهم شيء !!

                أيها الناس : لا تجعلوا يوم صومكم كيوم فطركم . من رُحم في رمضان فهو المرحوم ، ومن حُرم خيره فهو المحروم ، ومن لم يتزود لمعاده فيه فهو ملوم ؛ ولله در القائل :

                أتى رمضـان مـزرعة العباد .... لتطهير القلوب من الفساد

                فأدِّ حقوقـه قـولا وفــــــعلا .... وزادك فاتخـذه للمـعــــــــاد

                فمن زرع الحبوب وما سقاها .... تأوه نادمًـا يوم الحصـــــــاد
                د . محمد عطية

                تعليق


                • #9
                  احذروا قطاع الطريق
                  احذروا قطاع طريق الآخرة ، فإنهم يقطعون على العبد كل طريق فيه نجاته ، وقطاع طريق الآخرة تكثر حيلهم وأساليبهم في رمضان .
                  قديما قال الشاعر :
                  إني بليت بأربعٍ ما سلطوا ... إلا لأجل شقوتي وعنائي
                  إبليس والدنيا ونفسي والهوى ... كيف السبيل وكلهم أعدائي
                  اعلموا - رحمكم الله - أن شياطين الإنس والجن يعدون من رمضان الماضي لقطع الطريق على أتباعهم ، من أن يغفر الله لهم في رمضان ... فاحذروا قطاع الطريق ووسائلهم :
                  تمثيليات وفوازير وبرامج إلهاء ودورات رياضية ليلا ؛ فيفسدون الليل على من تشغله نفسه بشهواتها ، ويميل بهواه نحو متابعة هذه المفسدات .
                  وكذلك لهم بالنهار برامج ومشاهدات لإفساد صيام من يمسك عن المباحات ، من طعام وشراب وزوجة ... ثم يعمل جوارحه في متابعة هذه المفسدات ...... احذروا قطاع الطريق .
                  هيئ نفسك -عبد الله - وهيئي نفسك - أمة الله - على أن تجعلا رمضان هذا أفضل رمضان مر بكم ؛ واعلموا أن رسول الله قال : " رَغِمَ أَنْفُ امْرِئٍ أَدْرَكَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَه " ، إذا لم يغفر للعبد في رمضان ... فمتى ؟ وللحديث بقية .
                  د . محمد عطية

                  تعليق


                  • #10
                    الإلمام بفقه الصيام ( 10 )
                    الحكمة من الصيام
                    كثير من النفوس تبحث عن العلة في كل عمل ، لا لشيء إلا لمحاولة الوقوف على السبب فقط ؛ والبعض يسأل : لماذا أفعل كذا ؟ بغية الوصول إلى سبب قد يحفزه إلى العمل ؛ والبعض يورد السؤال لا ليقف على العلة ، ولا لتحفيز نفسه ، وإنما لإيراد شبهة يصد بها عن سبيل الله تعالى .
                    والصنف الأول يحتاج إلى فهم حقيقة التكاليف ، والصنف الأخير يحتاج إلى فهمٍ لحقيقة خلقه : لماذا خلقه الله ؟ إن كان يؤمن بالله !
                    ونقول للجميع : للصيام حكم عظيمة ، وأسرار كريمة ، ومقاصد شريفة ، وغايات حقيق أن يُسعى إليها ؛ منها ما ظهر وانكشف ، ومنها ما خفي واستتر ، ولكن لا بد أولا أن يُفهم : أن العلة الأولى في التكاليف الشرعية هي الامتثال والإذعان لأمر الله تعالى ، فالمؤمن مصدق بما جاء عن الله تعالى ، يعلم أن ما أمر الله به أو أمر به رسوله فلابد من قبوله ، والانقياد له ، والقيام به على ما أمر الله تعالى ، ولا خيار له في ذلك ؛ لأن ذلك مقتضى عقد الإيمان ؛ قال الله تعالى : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (الأحزاب: 36) .
                    فهذه أول الحكم والأسباب : إذعان العبد لأمر ربه وإلهه ، فلا يعلق المؤمن العمل على علة فيه ، فإذا ظهر أن العلة قد انتفت قال : لا حاجة لي بالعمل ؛ كما سمعنا من بعض السفهاء يقول : إذا كانت علة الصيام الشعور بالفقراء ، فأنا أشعر بهم ، وأعطف عليهم فلا حاجة لي بالصيام ... ونحو ذلك مما يقوله من لا إيمان له على الحقيقة ، وليست الحكمة من الصيام هي الشعور بالمساكين والمعوزين فقط ، وإن كان ذلك قد يكون من الحكم الكثيرة للصيام ... وللحديث صلة .
                    د . محمد عطية

                    تعليق


                    • #11
                      الحكمة من الصيام ( 2 )
                      تقدم أن الحكمة الأولى للصيام أنه فرض فرضه الله تعالى على من آمن به ، والفرض لا بد أن يؤدى على الوجه الذي أمر به الله تعالى ، ومن لم يؤد الفرض تهاونًا به فقد أتى كبيرة عظيمة من الذنوب ، وهو على خطر عظيم إلا أن يتوب ؛ أما من لم يؤده إنكارًا له فهو كافر مرتد بإجماع المسلمين .
                      وما يتعلق بالحكم الأخرى للصيام ، فقد تحدث عنها أهل العلم والفقه والطب ، وهاك بعض ما ظهر منها :
                      1 – تقوى الله تعالى : وأول الأهداف السامية والحكم الجليلة من الصيام بعد الامتثال والإذعان هو ما ذكره الله تعالى بقوله : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ .
                      قال ابن رجب - : فإذا اشتد توقان النفس إلى ما تشتهيه مع قدرتها عليه ثم تركته لله تعالى في موضع لا يطلع عليه إلا الله تعالى ، كان ذلك دليلا على صحة الإيمان ، فإن الصائم يعلم أن له ربا يطلع عليه في خلوته ، وقد حرم عليه أن يتناول شهواته المجبول على الميل إليها في الخلوة فأطاع ربه وامتثل أمره واجتنب نهيه خوفا من عقابه ورغبة في ثوابه، فشكر الله تعالى له ذلك، واختص لنفسه عمله هذا من بين سائر أعماله ا.هـ . روى أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : " يَقُولُ اللَّهُ تعالى : الصَّوْمُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي " .
                      واعلم – أيها القارئ الكريم - أنه لا يتم التقرب إلى الله تعالى بترك هذه الشهوات المباحة في غير حالة الصيام ، إلا بعد التقرب إليه بترك ما حرم الله في كل حال من الكذب والظلم والعدوان على الناس في دمائهم وأعراضهم ، وهذا هو معنى التقوى : فعل المأمورات وترك المنهيات ، وهو الغاية من عبادة الصيام ، وفي صحيح البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : " مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ " . فيه دلالة على نقصان الصوم بذلك ، وربما عدم قبوله وردُّه على صاحبه وإن كان صحيحًا في ظاهره ؛ ولهذا المعنى – والله أعلم – ورد في القرآن بعد آيات الصيام ذكر تحريم أكل أموال الناس بالباطل ، قال الله تعالى: وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (البقرة: 188). فإن تحريم هذا عام في كل زمان ومكان ، بخلاف الطعام والشراب، فكان إشارة إلى أن من امتثل أمر الله في اجتناب الطعام والشراب في نهار صومه ، فليمتثل أمره في اجتناب أكل الأموال بالباطل ؛ فإنه محرم بكل حال لا يباح في وقت من الأوقات . وهذا هو سبيل التقوى . وللحديث صلة .
                      د . محمد عطية

                      تعليق


                      • #12
                        الحكمة من الصيام ( 4 )
                        3 – شكر المنعم : ذلك بأن الغني يعرف قدر نعمة الله عليه بإقداره له على ما منعه كثيرًا من الفقراء من فضول الطعام والشراب والنكاح ، فإنه بامتناعه من ذلك في وقت مخصوص ، وحصول المشقة له بذلك ، يتذكر به من مُنع من ذلك على الإطلاق ، فيوجب له ذلك شكر نعمة الله عليه بالغنى ، ويدعوه إلى رحمة أخيه المحتاج ومواساته بما يمكن من ذلك .
                        فهي تجربة لمقاساة الجوع والظمأ والحرمان ، ليتذكر فيها الموسرون ما يقاسيه المعسرون مدى الدهر ، فيشكرون نعمة الله تعالى عليهم ، ويجودون على إخوانهم بفضول أموالهم ؛ قال الله تعال: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون [ التغابن : 16 ] .
                        د . محمد عطية

                        تعليق


                        • #13
                          الحكمة من الصيام ( 4 )
                          3 – شكر المنعم : ذلك بأن الغني يعرف قدر نعمة الله عليه بإقداره له على ما منعه كثيرًا من الفقراء من فضول الطعام والشراب والنكاح ، فإنه بامتناعه من ذلك في وقت مخصوص ، وحصول المشقة له بذلك ، يتذكر به من مُنع من ذلك على الإطلاق ، فيوجب له ذلك شكر نعمة الله عليه بالغنى ، ويدعوه إلى رحمة أخيه المحتاج ومواساته بما يمكن من ذلك .
                          فهي تجربة لمقاساة الجوع والظمأ والحرمان ، ليتذكر فيها الموسرون ما يقاسيه المعسرون مدى الدهر ، فيشكرون نعمة الله تعالى عليهم ، ويجودون على إخوانهم بفضول أموالهم ؛ قال الله تعال: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون [ التغابن : 16 ] .
                          د . محمد عطية

                          تعليق


                          • #14
                            الحكمة من الصيام ( 5 )

                            4 – إضافة إلى ما سبق ؛ في الصيام درس عملي على تقوية الإرادة ، وتمرين على ضبط النفس والسيطرة عليها ، وتدريب تطبيقي على تحمل الشدائد ، ومعاناة الأمور الصعاب ؛ وفيه حجة على من إذا قيل له : اترك الدخان ، وتب إلى الله تعالى منه ، قال : لا أستطيع ؛ فقد أقيمت عليه الحجة بتركه في نهار رمضان ، وفي هذا دليل على إمكانية تركه بالكلية ، خاصة ومدة الصيام في هذه الأزمنة ( وقت الصيف ) تتجاوز الخمسة عشرة ساعة ؛ فليستعن بالله تعالى في ليله ، وليقطع هذه العادة السيئة .

                            5 – التحلي بفضيلة الصبر ، تلك الفضيلة التي ما وجدت إلا وجدت معها الفضائل ، ولا فقدت أو ضعفت إلا حضرت الرذائل ؛ وأنواع الصبر الثلاثة مجتمعة في الصيام : ففيه الصبر على الطاعة ، والصبر عن المعصية ، والصبر على أقدار الله المؤلمة .

                            6 – في الصيام إراحة للجهاز الهضمي فترة من الزمن ليستجم فيها من توالي الأطعمة عليه وتخمرها فيه، فيستعيد نشاطه وقوته، وقد قيل: المعدة بيت الداء والحمية أصل الدواء؛ والحمية هي الامتناع عن الطعام ؛ وقد تحدث كثير من الأطباء عن فوائد الصيام الصحية ، وأنه علاج لكثير من أمراض الجهاز الهضمي وغيره .

                            فما أعظم حكمة الله تعالى وأبلغها، وما أنفع شرائعه للعباد وأصلحها.



                            د . محمد عطية

                            تعليق


                            • #15
                              فضل الصيام ( 1 )
                              للصيام فضائل عظيمة ، جاءت بها الأحاديث الكثيرة ، نذكر منها :
                              1 – أنه وقاية من النار ، روى أحمد ومسلم واللفظ له عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : " الصِّيَامُ جُنَّةٌ " ، وفي رواية عند أحمد: " الصِّيَامُ جُنَّةٌ وَحِصْنٌ حَصِينٌ مِنَ النَّارِ " ؛ قال ابن عبد البر - : والجنة الوقاية والستر من النار ، وحسبك بهذا فضلا للصيام .ا.هـ .
                              وروى الشيخان عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : " مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، إِلا بَاعَدَ اللَّهُ بِذَلِكَ الْيَوْمِ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا " .
                              2 – فضائل مجموعة فيما روى الجماعة عن أَبي هُرَيْرَةَ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : " قَالَ اللهُ : كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ ، إِلا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ ، فَلا يَرْفُثْ يَوْمَئِذٍ ، وَلا يَسْخَبْ ؛ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ ، فَلْيَقُلْ : إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ ، وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا : إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ " .
                              في هذا الحديث جمع من الفضائل : تضعيف الأجر والثواب ، ونسبة الصيام إلى الله تعالى ، وهي نسبة تشريف ؛ لأنه من أخلص الأعمال ، وخلوف الصائم عند الله تعالى أطيب من ريح المسك ، وما يجده الصائم من فرحة عند قضاء فريضة ربه ، وأخرى عندما يلقاه تعالى ، فيفرح بما أعده سبحانه للصائمين من عظيم الأجر وجزيل الثواب .
                              فما أعظمه من فضل، وما أعظمه من أجر . وللحديث بقية .
                              د . محمد عطية

                              تعليق

                              19,945
                              الاعــضـــاء
                              231,777
                              الـمــواضـيــع
                              42,487
                              الــمــشـــاركـــات
                              يعمل...
                              X