إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الصيام وتهذيب النفس

    ذهب المحققون من العلماء إلى أن لكل إنسان نفْسٌ واحدة ؛ وهذه النفس لها حالات ثلاثة ، وكل حالة توصف بأوصاف مختلفة ؛ فإذا سكنت لأمر ربها وأذعنت واستسلمت ، وجاهدت شهواتها ؛ كانت النفس المطمئنة ، قال الله تعالى : يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ. ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً [ الفجر: 27، 28 ] ؛ وإذا لم يتم سكونها ولكنها كانت مدافعة لشهواتها ورغباتها ، ومعترضة على ما لا يجوز من تلك الشهوات والرغبات ، صارت النفس اللوامة ؛ لأنها تلوم صاحبها عند تقصيره في عبادة ربه وخالقه ، قال الله تعالى : وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ [ القيامة : 2 ] ؛ وإن تركت الاعتراض على الشهوات والرغبات ، وأطاعت لدواعي الشهوات ووساوس الشيطان ، فهي النفس الأمارة بالسوء ، قال الله تعالى : وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي [ يوسف : 53 ] .
    وقد امتحن الله الإنسان بهاتين النفسين : الأمارة واللوامة ، كما أكرمه بالمطمئنة ؛ فهي نفس واحدة ، تكون أمارة ، ثم لوامة ، ثم مطمئنة ، وهي غاية كمالها وصلاحها ؛ فهذه النفس التي أقسم الله تعالى بها فقال : وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا . فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا . قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [ الشمس : 7 : 10 ] ، أي أن الله بيَّن لها طريقي الخير والشر ، ثم قضى الله بالفلاح لمن يزكي نفسه بطاعة الله ، ويطهرها من الرذائل والذنوب ؛ وبالخيبة والخسار على من يخمدها ويضع منها ، بخذلانه إياها عن الهدى حتى ركب المعاصي ، وترك طاعة الله .
    وصفوة القول أن النفس قابلة للتزكية وعكسها ، فبالإيمان والعمل الصالح تزكو النفس وتعلو وتطمئن ، وبعكس ذلك تخبث وتدس ، ويكون ذلك سببًا في خيبتها وفسادها ؛ عافانا الله .... وللحديث صلة .
    د . محمد عطية

  • #2
    في رمضان فرصة عظيمة لتهذيب النفس وتزكيتها ؛ فالإنسان - كما يقول الغزالي في الإحياء - رتبته فوق رتبة البهائم ، لقدرته بنور العقل على كسر شهوته ؛ ودون رتبة الملائكة ، لاستيلاء الشهوات عليه وكونه مبتلى بمجاهدتها ، فكلما انهمك في الشهوات انحط إلى أسفل سافلين ، والتحق بغمار البهائم ؛ وكلما قمع الشهوات ارتفع إلى أعلى عليين والتحق بأفق الملائكة .
    والملائكة مقربون من الله ، والذي يقتدي بهم ويتشبه بأخلاقهم يقرب من الله كقربهم ، فإن الشبيه من القريب قريب ، وليس القرب ثَمَّ بالمكان بل بالصفات ؛ وإذا كان هذا سرُّ الصوم عند أرباب الألباب وأصحاب القلوب ، فأي جدوى لتأخير أكلة وجمع أكلتين عند العشاء مع الانهماك في الشهوات الأخر طول النهار ؟ ولو كان لمثله جدوى ، فأي معنى لقوله : " رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ " ( [1] ) .ا.هـ .
    والمعنى ليس المراد من الصيام أن يؤخر الإنسان وجبة غدائه إلى وجبة عشائه فيجمع بينهما في وجبة واحدة ، ولكن المراد أن يتغلب الإنسان بصيامه على شهواته ، فيلتحق بأفق الملائكة .
    والحق أن سبيل الإصلاح والتغيير يبدأ بالنفس ، لقوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ [ الرعد : 11 ] ؛ وأصل ذلك الرقي بها إلى أن تكون نفسًا مطمئنة ، ساكنة لأمر ربها مستسلمة مذعنة ، مجتهدة في تحصيل محبته ، بامتثال أوامره ، والابتعاد عن نواهيه ، راجية خائفة ؛ راجية لما أعده لعباده أصحاب النفوس المطمئنة ؛ خائفة ألا يقبل منها ربها أعمالها ، خائفة من فوات فوزها ، خائفة مما أعده الله للذين يخالفون أمره .
    والصيام يعين المسلم على هذا ، ويساعده على تجاوز الضعف البشري أمام هوى النفس ورغباتها ؛ فيعطي الصائم ثقة في نفسه أنه - بعون الله تعالى - قادر على ضبط زمام الهوى ، وكبح جماح النفس ، ليس في الامتناع عن المحرمات من أكل الحرام ، أو الزنا ، أو شرب المسكر والدخان والمخدرات ، أو قول الزور والظلم والفحش فقط ؛ بل الامتناع عن الحلال بقول المؤذن عند الفجر : ( الله أكبر ) وإلى أن يقول عند المغرب ( الله أكبر ) ، ليستقر في أعماق كل مسلم ومسلمة أنه ما زال إنسانًا يحمل فطرة نقية ، ونفسًا تستطيع - بعون الله تعالى - أن تتغير وتزكو بطاعة ربها ؛ إنها تمسك عن بعض الحلال لأمر ربها ؛ فيجب أن تكون أبعد عن الحرام والشبهات لأمر ربها أيضًا ؛ وفي ذلك - بلا ريب - صلاحها وزكاتها .
    وليس من نافلة القول - هاهنا - أن نقول أيضًا : إن للدعاء أثر عظيم في تزكية النفوس ؛ وإن لرمضان خصوصية بالدعاء ؛ وقد كان من دعاء النبي : " اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا ، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا ، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا " ( [2] ) .

    [1] - جزء من حديث رواه أحمد : 2 / 373 ، والنسائي في الكبرى ( 3249 ) ، وابن ماجة ( 1690 ) ، والحاكم ( 1571 ) وصححه على شرط البخاري ؛ من حديث أبي هريرة ؛ وانظر إحياء علوم الدين : 1 / 279 ( دار الفكر ) .

    [2] - جزء من حديث رواه أحمد : 4 / 371 ، ومسلم ( 2722 ) وغيرهما عن زيد بن أرقم .
    د . محمد عطية

    تعليق

    19,840
    الاعــضـــاء
    231,470
    الـمــواضـيــع
    42,361
    الــمــشـــاركـــات
    يعمل...
    X