إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الصيام والصبر

    إن الصبر على عدم حصول النفس على مشتهاها على الفور اختيارًا جانب مهم من جوانب نضج الشخصية الإنسانية ؛ ويأتي الصيام في رمضان بمثابة دورة تدريبية سنوية على هذا النوع من الصبر الاختياري ، وبمثابة دفعة جديدة نحو المزيد من نضج الشخصية لدى المؤمن .
    فالصبر جامع لمكارم الأخلاق ، وهو سببٌ إلى كل خير ، وقد وعد الله الصابرين بأنه معهم ، وجمع للصابرين بين أمور لم يجمعها لغيرهم ، فقال : أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [ البقرة : 157 ] ؛ وما من قربة إلا أجرها بتقدير وحساب إلا الصبر : إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [ الزمر : 10 ] .
    والصَّبْر - كما قَالَ الرَّاغِب : الْإِمْسَاك فِي ضِيق ، وَهُوَ حَبْس النَّفْس عَلَى مَا يَقْتَضِيه الْعَقْلُ أَوْ الشَّرْع ( [1] ) ؛ وَتَخْتَلِف مَعَانِي الصبر بحسب مِتَعَلَّقَاتِهِ ؛ قال ابن قدامة في ( مختصر منهاج القاصدين ) : إن كان صبرًا عن شهوة البطن والفرج ، سمي : عفة ، وإن كان الصبر في قتال ، سمي : شجاعة ؛ وإن كان في كظم غيظ ، سمي : حلمًا ، وإن كان في نائبة مضجرة ، سمي : سعة صدر ؛ وإن كان في إخفاء أمر ، سمي : كتمان سر ، وإن كان في فضول عيش ، سمي : زهدًا ؛ وإن كان صبرًا على قدر يسير من الحظوظ ، سمي : قناعة .ا.هـ .
    وفي الصوم بعض معاني الصبر ؛ ولأجل كون الصوم من الصبر قال الله تعالى : " الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ " ، وقد سمَّى النبي شهر رمضان ( شهر الـصبر ) ، فروى أحمد والنسائي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ : " صَوْمُ شَهْرِ الصَّبْرِ ، وَصَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ : صَوْمُ الدَّهْرِ " ( [2] ) ؛ قَالَ الطَّبَرِيُّ - : أَصْلُ الصَّبْر مَنْع النَّفْس مَحَابَّهَا وَكَفّهَا عَنْ هَوَاهَا ، وَلِذَلِكَ قِيلَ لِمَنْ لَمْ يَجْزَع : صَابِرٌ ، لِكَفِّهِ نَفْسه عَنِ الْجَزَعِ ؛ وَقِيلَ لِرَمَضَان : شَهْر الصَّبْر ، لصبر صائميه عن المطاعم والمشارب نهارًا ( [3] ) ؛ وبنحوه قَالَ الْخَطَّابِيُّ - : شَهْرُ الصَّبْرِ هُوَ شَهْرُ رَمَضَانَ ، وَأَصْلُ الصَّبْرِ الْحَبْس ، فَسُمِّيَ الصِّيَام صَبْرًا لِمَا فِيهِ مِنْ حَبْس النَّفْس عَنْ الطَّعَام وَمَنْعهَا عَنْ وَطْء النِّسَاء وَغِشْيَانهنَّ فِي نَهَارِ الصِّيامِ .ا.هـ . وقال ابن عبد البر - - في ( الاستذكار ) : والصوم في لسان العرب : الصبر ؛ قال ابن الأنباري : إنما سمي الصوم صبرًا لأنه حبس النفس عن المطاعم والمشارب والمناكح والشهوات ( [4] ) . وقال البيهقي - - في ( شعب الإيمان ) : وإنما سمي الصيام صبرًا لأن الصبر في كلام العرب الحبس ، والصائم يحبس نفسه عن أشياء ، جعل الله تعالى قوام بدنه بها ، وسمي الصبر ضياء ؛ لأن الشهوات إذا انقمعت به انجلى من القلب الظلام الغاشي إياه باستيلاء الشهوات على النفس ، فأبصر مواقع النفع له من عبادة الله تعالى ، فآثرها وابتدر إليها ، ومواقع الضرر الذي يلحقه من معاصي الله فاعتزلها وكف عنها ، وقد سماه في خبر آخر : نصف صبر .ا.هـ .
    فهكذا اتحدت علاقة الصوم بالصبر ، إذ الصوم يقمع الشهوات ، فيجلي القلب فيبصر طريق نجاته ؛ فمن تصبر في رمضان على ذلك قويَ عنده خلق الصبر ، وصار بعد ذلك الصبر له سجية ؛ فيطيب عيشه ، وتحسن عاقبته .

    [1] - انظر مفردات الراغب ( مادة ص ب ر ) باختصار وتصرف .

    [2] - أحمد : 2 / 253 ، والنسائي ( 2408 ) .

    [3] - انظر تفسير ابن جرير الطبري عند الآية ( 45 ) من سورة البقرة .

    [4] - انظر ( الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار ) : 3 : 375 .
    د . محمد عطية

  • #2
    إنَّ الإنسان يحتاج في أموره كلها إلى الصبر ؛ فإذا كان الصبر ثلاثة أقسام : إما صبر عن المعصية فلا يرتكبها ، وإما صبر على الطاعة حتى يؤديها ، وإما صبر على البلية فلا يشكو ربه فيها ، وإن كان العبد لا بد له من واحد من هذه الثلاثة ، فالصبر لازم له أبدًا ، لا خروج له عنه البتة ( [1] ) .
    وفي الصيام يجد المتأمل هذه الأقسام الثلاثة ؛ فهو يمسك عن الطعام والشراب والشهوة لله تعالى ؛ وفي هذا صبر على الطاعة وعن المعصية في آن واحد ؛ كما أن ذلك يدفعه أن يمسك أيضًا عن المحرمات ، وهي آكد ، فيعينه الصيام على ذلك ؛ والمؤمن يصبر على ذلك كله ولا يشكو ، فإنه على يقين بأن في هذا الصبر الفوز العظيم ، والنجاة التي يرجوها ؛ وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ : بِالصَّبْرِ عَلَى مَوَاقِعِ الْكُرْهِ تُدْرَكُ الْحُظُوظُ .
    ومن هنا نفهم قول عُمَرَ : وَجَدْنَا خَيْرَ عَيْشنَا بِالصَّبْرِ ( [2] ) .
    إن الله تعالى جعل الفوز للمؤمنين بصبرهم ، قال جلل جلاله : إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ [ [ المؤمنون : 111 ] ، وقال : أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا [ الفرقان : 75 ] ؛ وقال تعالى : وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا [ الإنسان : 12 ] .
    وقد قال العلماء في قوله : " وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ " ( [3] ) : إِنَّ الرَّيَّانَ مِنْ الرَّيِّ ، فَخُصَّ ذَلِكَ بِدُعَاءِ الصَّائِمِ لِمَا كَانَ فِي الصَّوْمِ مِنَ الصَّبْرِ عَلَى أَلَمِ الْعَطَشِ وَالظَّمَإِ فِي الْهَوَاجِرِ ، إعْلَامًا لِمَنْ تَكَلَّفَ ذَلِكَ بِمَا يَخُصُّ هَذَا مِنَ الدُّعَاءِ مِنْ هَذَا الْبَابِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى الثَّوَابِ الْجَزِيلِ ؛ والعلم عند الله .
    إنه الصبر الذي قال فيه النبي : " وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً هُوَ خَيْرٌ وَأَوْسَعُ مِنْ الصَّبْرِ " ، ذلك لِكَوْنِ الْجَزَاءِ عَلَيْهِ غَيْرَ مُقَدَّرٍ وَلَا مَحْدُودٍ ؛ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ .


    [1] - انظر ( طريق الهجرتين ) : 1 / 400 .

    [2] - ذكره البخاري تعليقًا في كتاب الرقاق باب ( بَاب الصَّبْرِ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ ) ؛ ووصله ابن المبارك في الزهد ( 997 ) وإسناده صحيح .

    [3] - جزء من حديث رواه البخاري ( 1897 ، 3666 ) ، ومسلم ( 1207 ) وغيرهما عن أبي هريرة .
    د . محمد عطية

    تعليق

    19,944
    الاعــضـــاء
    231,772
    الـمــواضـيــع
    42,484
    الــمــشـــاركـــات
    يعمل...
    X