إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • زاد الطبيب المسلم



    هذه رسالة كتبتها منذ ما يقرب من ثمان سنين ، وطبعتها إدارة الدعوة بوزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة قطر .

    بين يدي الرسالة

    الطب مهنة إنسانية عرفها الإنسان منذ القديم ، وهي من المهن الضرورية في حياة الناس ، فهي ملازمة للحياة ؛ وقد عرفها الناس منذ عرفت بأنها مهنة إنسانية ، لها أخلاقيات تتفق وحالات المرضى ، بل وتواتر عبر التاريخ أن الأطباء كانوا لا يعلمون أحدًا حتى يأخذون عليه عهدًا بأن يقوم بأخلاقيات المهنة ؛ واستمر ذلك حتى بعد أن أنشئت كليات تُعنى بتدريس الطب .

    وإذا كان الطبيب غير المسلم لا يكلف نفسه إلا أن يتعلم علوم الطب وقوانينه ؛ فإن المسلم الطبيب ، والمسلمة الطبيبة لابد وأن يتزودا مع ذلك بالأحكام الشرعية التي تتعلق بمهنة الطب ؛ ذلك لأنهما مسلمان قبل أن يكونا طبيبين ؛ فهما يتعبدان الله تعالى بممارسة مهنتهما ، ويرجوان من الله الأجر والفضل ؛ لأن حياة المسلم كلها عبادة لله تعالى ؛ قال الله  :  قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ  [ الأنعام : 163 ] ؛ وهناك أحكام تتعلق بالطب والمرض ، والطبيب والمريض ؛ يلزم من تعاطى هذه المهنة من المسلمين أن يكونوا على إلمام بها وتطبيق لها ، وإلا فهم محاسبون أمام الله تعالى ؛  يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ . إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ  [ الشعراء : 88 ، 89 ] .

    وفي الإسلام أخلاقيات وآداب عامة ألزم الإسلام أهله بها ؛ وأولى الناس بها من لهم علاقة بأسباب حياة الناس ، ومنهم الأطباء .

    ولأن الأطباء يشكلون شريحة مهمة من شرائح المجتمع ، أردت إخراج هذه الرسالة ، تذكيرا لهم وإعذارًا إلى الله تعالى .

    وقد جعلتها في جزئين :

    الأول : زاد الطبيب المسلم .

    الثاني : الطب أخلاقيات ومعاملات .



    د . محمد عطية

  • #2
    بسم الله الرحمن الرحيم
    رب يسر وأعن وتقبل
    مقدمة :
    الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده نبينا محمد وعلى آله وصحبه ، وبعد :
    فقد خلق الله تعالى الإنسان وأسكنه الأرض ، وسخر له ما في الأرض جميعًا منه ؛ وأخبره على ألسنة رسله أنه خلق الموت والحياة اختبارًا وابتلاء لخلقه ؛ قال تعالى : الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [ الملك : 2 ] ؛ ومن أنواع الابتلاء التي بثها الله في خلقه : المرض ، فهو سبحانه خالق المرض وخالق الدواء ، وقد أنزل لكل داء دواءه ، علمه من علمه وجهله من جهله ؛ فمَنْ علم الأداوء وأدويتها وقام بوصف ذلك لمن طلبه من المرضى ، فهو الطبيب الذي يلجأ إليه المرضى لعلاج ما أصابهم من مرض .
    ولا يخفى على أحد مكانة مهنة الطب في المجتمع ؛ فهي تأتي في مقدمة الأعمال الإنسانية عندما تخلص النية لله ، وتوضع مصلحة المسلمين ومداواة مرضاهم والتخفيف من آلامهم في المقام الأول ؛ ولا يخفى - أيضًا - ما آلت إليه هذه المهنة عند كثير ممن امتهنوها .
    ومما يشرح الصدور ويبهج النفوس أننا نرى من الأطباء المسلمين من يَعُون رسالتهم كمسلمين ، ويفهمون رسالتهم كأطباء ، فيقومون بأداء الرسالتين على وجه يتقربون به إلى الله تعالى ، ويكون من عاجل بشراهم في الدنيا ، حسن الصيت وجمال الثناء ، ويأتيهم من الدنيا ما يحسدهم عليه كثير من أترابهم ؛ فهنيئًا لنا بهم ، ولتسعد بل ولتفخر بهم الأمة ، فهم على ثغر عظيم ، ولزامًا علينا أن نشاركهم في آمالهم وآلامهم .
    إن المسلم الطبيب والمسلمة الطبيبة يدركان حاجتهما من العلم الشرعي الذي يتعلق بمهنتهما ، كما يدركان أهمية أن يكونا على اتصال دائم بأبحاث المهنة والجديد فيها ؛ إن الأول مهم لدينهما وآخرتهما ، والثاني مهم كذلك لدينهما وآخرتهما إذا أحسنا النية واحتسبا الأجر ؛ إذ أنه مهم لتفوقهما وتميزهما في الطب مما يعود على الأمة بالخير ، ويعود عليهما بالثواب والأجر .
    فالمسلم والمسلمة باشتغالهما بمهنة الطب أصبح من فروض الأعيان عليهما أن يتعلما ما يجعلهما يقوما بها على أكمل وجوهها على الدوام ، ولا يكون ذلك إلا باتصالهما بجديد الأبحاث الطبية ، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ؛ ومتى كان الطبيب جاهلا أو خائنا يضع الدواء في غير موضعه .
    إن الطبيب المسلم عليه أن يعي تمامًا أنه ليس طبيبًا فقط ، بل هو طبيب مسلم ؛ والأصح هو مسلم طبيب ، فما يتعلق بأحكام الطب الشرعية هو واجب عليه وجوبًا شرعيًّا ، يأثم إن لم يحصله ويعمل به ؛ فيلزمه أن يتعلم كل ما يتعلق بمهنة الطب من الناحية الشرعية ، وأن يسأل العلماء فيما يستجد له ، ليقوم بعمله على الوجه الذي يريده الله منه .
    وحري بالطبيب وطالب الطب أن يسعى جادًّا لتطوير ذاته ، وبنائها بناءً متكاملاً ، لا يتعلّم الطب فقط ؛ بل أخلاقيات الطب وآداب الطبيب ، وما يحتاج إليه من علمٍ شرعي كفردٍ مسْلِم ؛ فليس الطبيب المسلم هو من لبس المعطف الأبيض وعلق السماعة في رقبته ينفصل عن كل ما ليس له علاقة بالطب في نظره ، بل عليه أن يكون بردائه الأبيض الطبيب والمربِّي والداعية والمصْلِح الآمر بالمعروف والنّاهي عن المنكر ، فالطب والدَّعوة قرينان ؛ وأقرب الناس للأخذ بأيدي المريض إلى الله تعالى هو الطبيب ، وكم من عاصٍ هداه الله تعالى على يد طبيبه المعالج ، لأنه مع إتقانه لمهنة الطب ، كان محسنًا في دعوته إلى الله تعالى الذي بيده الشفاء ، لا شافي إلا هو سبحانه .
    فليتذكر كل طبيب أن الله خلقه لعبادته ، وأن ما يقوم به كطبيب هو جزء من عبادته لله تعالى ؛ وأن الحياة ليست معطفًا أبيض وسماعة فحسب ؛ بل هي جهاد واحتساب حتى يأتي الله بأمره ، وأن الأمة تنتظر منه أن يحمل همَّ الدين - في مجاله على الأقل - في عصر اجتمعت فيه أمم الكفر على حرب الإسلام عن قوس واحدة .
    د . محمد عطية

    تعليق


    • #3
      تعريف الطب
      الطب لغةً : علاج الجسم والنفس ؛ وتستعمل كلمة ( طِب ) في اللغة بمعنى ( سِحر ) ؛ يقال : رجُل مَطْبوبٌ ، أَي : مَسْحور ؛ كَنَوْا بالطِّبِّ عن السِّحْر تَفاؤُلاً بالبُرءِ ، كما كَنَوْا عن اللَّديغ فقالوا : سليمٌ ؛ وعن الصحراء المترامية الأطراف - وهي مَهْلكة - فقالوا : مَفازة ، تَفاؤُلاً بالفَوز والسَّلامة ؛ وقيل : الطب ( بالفتح ) : السحر ، ( وبالكسر ) : العلاج ؛ قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : الطِّبُّ مِنْ الْأَضْدَاد ، يُقَال لِعِلَاجِ الدَّاءِ طِبٌّ ، وَلِلسِّحْرِ طِبٌّ ، وَهُوَ مِنْ أَعْظَم الْأَدْوَاء .ا.هـ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : إِنَّمَا قِيلَ لِلسِّحْرِ : طِبٌّ ، لِأَنَّ أَصْلَ الطِّبِّ الْحِذْقُ بِالشَّيْءِ وَالتَّفَطُّنُ لَهُ ، فَلَمَّا كَانَ كُلٌّ مِنْ عِلَاج الْمَرَضِ وَالسِّحْرِ إِنَّمَا يَتَأَتَّى عَنْ فِطْنَةٍ وَحِذْق أُطْلِقَ عَلَى كُلّ مِنْهُمَا هَذَا الِاسْم [1] .
      والطبيب : مَنْ حِرْفَتُه الطب ، وهو الذي يعالج المرضى ؛ وَالطَّبيبُ في الأَصل الحاذقُ بالأُمور العارف بها ؛ فكلُّ حاذقٍ طبيبٌ عند العرب ، وَخُصَّ بِهِ الْمُعَالِج عُرْفًا ، فسمي العالم بقوانين علم الطب ، الذي يُعالج المَرْضى : طبيبًا ؛ فَالطَّبِيب هُوَ الْحَاذِق بِالطِّبِّ ؛ والمُتَطَبِّبُ الذي يُعاني الطِّبَّ ولا يعرفه معرفة جيدة [2] .
      وَأما في الاصطلاح فالطب : عِلْمٌ يُعْرَف بِهِ أَحْوَال بَدَن الْإِنْسَان مِنْ الصِّحَّة وَالْمَرَض .
      وقيل : هو علم يُتَعرف منه أحوال بدن الإنسان من جهة ما يصح ويزول عن الصحة ؛ ليحفظ الصحة حاصلة ، ويستردها زائلة [3] .
      فالمقصود - كما يقول د. الشنقيطي : بيان الغاية من النظر في بدن الإنسان ، وهي : المحافظة على صحة الإنسان حال وجودها ، والسعي في ردها حال فقدها ؛ وكل ذلك بتعاطي الأسباب المؤثرة والموجبة لذلك بإذن الله تعالى ، وهذه غاية الطب وهدفه [4] .
      فَالطَّبِيبَ يَنْظُرُ فِي بَدَنِ الْحَيَوَانِ [5] وَأَخْلَاطِهِ وَأَعْضَائِهِ لِيَحْفَظَ صِحَّتَهُ إنْ كَانَتْ مَوْجُودَةً ، وَيُعِيدُهَا إلَيْهِ إنْ كَانَتْ مَفْقُودَةً [6] .


      [1] - انظر لسان العرب باب الباء فصل الطاء ، وشرح مسلم للنووي : 14 / 177 ، ومقدمة فتح الباري ص 157 ، وفتح الباري : 10 / 134 .

      [2] - انظر لسان العرب باب الباء فصل الطاء .

      [3] - نقلا عن ( أحكام الجراحة الطبية ) - د. الشنقيطي ص 22 ، وعزاه لابن سينا في كتابه ( القانون في الطب ) : 1 / 3 .

      [4] - انظر ( أحكام الجراحة الطبية ) د. الشنقيطي ص 25 .

      [5] - تطلق لفظة ( حيوان ) على كل حيٍّ ؛ ولما كان التعريف عام ، ذكر الشيخ هذه اللفظة .

      [6] - انظر ( مجموع الفتاوى ) لابن تيمية : 2 / ص 87 .
      د . محمد عطية

      تعليق


      • #4
        معنى قول النبي " اللَّهُ الطَّبِيبُ " :
        روى أحمد وأبو داود واللفظ له عَنْ أَبِي رِمْثَةَ قَالَ : انْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي نَحْوَ النَّبِيِّ ... قَالَ : فَقَالَ لَهُ أَبِي : أَرِنِي هَذَا الَّذِي بِظَهْرِكَ ، فَإِنِّي رَجُلٌ طَبِيبٌ ؛ قَالَ : " اللَّهُ الطَّبِيبُ ، بَلْ أَنْتَ رَجُلٌ رَفِيقٌ ، طَبِيبُهَا الَّذِي خَلَقَهَا " ؛ ولفظ أحمد : أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ مَعَ أَبِي ، فَرَأَى الَّتِي بِظَهْرِهِ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا أُعَالِجُهَا لَكَ فَإِنِّي طَبِيبٌ ؟ قَالَ : " أَنْتَ رَفِيقٌ ، وَاللَّهُ الطَّبِيبُ " [1] ؛ وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد قَالَ : اِنْطَلَقْت مَعَ أَبِي وَأَنَا غُلَام إِلَى النَّبِيّ ؛ فَقَالَ لَهُ أَبِي : إِنِّي رَجُل طَبِيب ، فَأَرِنِي هَذِهِ السِّلْعَةَ الَّتِي بِظَهْرِك ، قَالَ : " وَمَا تَصْنَع بِهَا ؟ " قَالَ : أَقْطَعهَا ، قَالَ : " لَسْتَ بِطَبِيبٍ ، وَلَكِنَّك رَفِيق ، طَبِيبهَا الَّذِي وَضَعَهَا " [2] ؛ وَفِي أخرى لَهُ : فَقُلْتُ لَهُ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنِّي رَجُلٌ طَبِيبٌ ، مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ أَطِبَّاءَ ، فَأَرِنِي ظَهْرَكَ ، فَإِنْ تَكُنْ سِلْعَةً أَبُطُّهَا ، وَإِنْ تَكُ غَيْرَ ذَلِكَ أَخْبَرْتُكَ ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ إِنْسَانٍ أَعْلَمَ بِجُرْحٍ أَوْ خُرَاجٍ مِنِّي ، قَالَ : " طَبِيبُهَا اللَّه " [3] ؛ وَفِي رِوَايَة أُخْرَى لَهُ : فَقُلْت يَا رَسُول اللَّه إِنِّي رَجُل طَبِيب ، وَإِنَّ أَبِي كَانَ طَبِيبًا ، وَإِنَّا أَهْل بَيْت طِبّ ، وَاَللَّه مَا يَخْفَى عَلَيْنَا مِنْ الْجَسَد عِرْق وَلَا عَظْم ، فَأَرِنِي هَذِهِ الَّتِي عَلَى كَتِفك ، فَإِنْ كَانَتْ سِلْعَة قَطَعْتهَا ثُمَّ دَاوَيْتهَا ، قَالَ : " لَا ، طَبِيبهَا اللَّهُ " [4] .
        وقوله : " هَذَا الَّذِي بِظَهْرِك " أي : خَاتَم النُّبُوَّة الَّذِي كَانَ بَيْن كَتِفَيْ النَّبِيّ مِثْل زِرِّ الْحَجَلَة ، وَلَمْ يَعْرِف أَبُو أَبِي رِمْثَة أَنَّهُ خَاتَم النُّبُوَّة ، وَلِذَا قَالَ مَا قَالَ ؛ وقوله : " بَلْ أَنْتَ رَجُل رَفِيق " أَيْ : أَنْتَ تُرْفِقُ بِالْمَرِيضِ وَتَتَلَطَّفهُ ، وَاَللَّه هُوَ يُبْرِئهُ وَيُعَافِيه [5] . وقيل : أنت ترفق بالناس في العلاج بلطافة الفعل ، فتحميه بحفظ مزاجه عما يخشى أن لا يحتمله بدنه من الأغذية الرديئة المردية ، وتطعمه ما ترى أنه أرفق به من الأغذية اللطيفة والأدوية .
        ولله در القائل :
        إنَّ الطَّـبِيب بِطِـبِّهِ وَدَوَائِهِ ... لَا يَسْتَطِيعُ دِفَاعَ مَكْرُوهٍ أَتَى
        مَا لِلطَّبِيبِ يَمُوتُ بِالدَّاءِ الَّذِي ... قَدْ كَانَ يُبْرِئُ مِثْلَهُ فِيمَا مَضَى
        هَلَكَ المُدَاوَى والمُدَاوِي والَّذِي ... جَلَبَ الدَّوَاءَ وَبَاعَهُ وَمَنْ اشْتَرَى
        وقوله : " اللَّهُ الطَّبِيبُ " أي : هو المداوي الحقيقي بالدواء الشافي من الداء ، أي : إنما الشافي المزيل للأدواء ، والعالم بحقيقة الأدوية هو الله ؛ كما كَانَ إِذَا عَادَ مَرِيضًا يَقُولُ : " أَذْهِبِ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ ، اشْفِهِ أَنْتَ الشَّافِي ، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا "[6] ؛ وذلك لأن الطبيب هو العالم بحقيقة الداء والدواء ، والقادر على الصحة والشفاء ؛ وليس ذلك إلا الله ؛ لكن تسمية الله جا جلاله بالطبيب إذا ذكره الإنسان في حالة الاستشفاء نحو : أنت الشافي ، أنت المداوي ، أنت الطبيب ؛ سائغ ، ولا يقال : يا طبيب ؛ كما يقال : يا حكيم ، يا حليم ، يا رحيم ؛ لأن إطلاقه عليه متوقف على توقيف ؛ أي : نص من الكتاب أو السنة ، إذ أسماء الله تعالى لا تثبت إلا بذلك .
        فبيَّن أن الذي يرجون من الطبيب فالله فاعله ؛ وليس ( الطبيب ) بموجود في أسماء الله تعالى .
        وهذا كقوله فيما يرويه عن ربه : " يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ ، يَسُبُّ الدَّهْرَ ، وَأَنَا الدَّهْرُ ، بِيَدِي الْأَمْرُ ، أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ " متفق عليه من حديث أبي هريرة [7] ؛ أي : الذي ينسبونه إلى الدهر ؛ فإن الله فاعله لا الدهر ، فلا يوجب جواز تسمية الله تعالى ( الدهر ) ؛ وهاهنا لا يوجب جواز تسميته : طبيبًا .



        [1] - البخاري ( 4826 ، 7491 ) ، ومسلم ( 2246 ) . ورواه أحمد : 2 / 238 ، 292 ، وأبو داود ( 5274 ) ، والنسائي في الكبرى ( 11487 ) وغيرهم .



        [1] - أحمد 4 / 163 ، وأبو داود ( 4207 ) ، والطبراني في الكبير : 22 / 279 ( 715 ) ، وصححه الألباني في الصحيحة ( 1537 ) .

        [2] - أحمد : 2 / 226 ، ورواه ابن أبي شيبة ( 23423 ) .

        [3] - أحمد : 2 / 227 .

        [4] - أحمد : 2 / 228 .

        [5] - انظر عون المعبود : 11 / 175 .

        [6] - أحمد : 6 / 44 ، 45 ، 109 ، 126، والبخاري ( 5675 ، 5743 ، 5744 ، 5750 ) ، ومسلم ( 2191 ) ، والنسائي في اليوم والليلة ( 1018 : 1022 ) ، وابن ماجة ( 3520 ) عن عائشة ؛ ورواه أحمد : 3 / 151 ، 267 ، والبخاري ( 5742 ) ، وأبو داود ( 3890 ) ، والترمذي ( 973 ) عن أنس .

        [7] - البخاري ( 4826 ، 7491 ) ، ومسلم ( 2246 ) . ورواه أحمد : 2 / 238 ، 292 ، وأبو داود ( 5274 ) ، والنسائي في الكبرى ( 11487 ) وغيرهم .
        د . محمد عطية

        تعليق


        • #5
          أنواع الطب والأدوية
          لما كان المرض نوعان : مرض قلوب ، ومرض أبدان ؛ كان الطب - أيضًا - نوعان : طب قلوب ، وطب أبدان ؛ والأول - كما قال ابن القيم - : مسلَّم إلى الرسل صلوات الله وسلامه عليهم ، ولا سبيل إلى حصوله إلا من جهتهم وعلى أيديهم ، فإن صلاح القلوب أن تكون عارفة بربها وفاطرها ، وبأسمائه وصفاته ، وأفعاله وأحكامه ، وأن تكون مؤثرة لمرضاته ومحابه ، متجنبة لمناهيه ومساخطه ؛ ولا صحة لها ولا حياة البتة إلا بذلك ، ولا سبيل إلى تلقيه إلا من جهة الرسل ، وما يظن من حصول صحة القلب بدون اتباعهم فغلط ممن يظن ذلك ، وإنما ذلك حياة نفسه البهيمية الشهوانية وصحتها وقوتها ؛ وحياة قلبه وصحته وقوته عن ذلك بمعزل ، ومن لم يميز بين هذا وهذا فليبك على حياة قلبه فإنه من الأموات ، وعلى نوره فإنه منغمس في بحار الظلمات [1] .
          وأما طب الأبدان - فكما قال ابن حجر - : مِنْهُ مَا جَاءَ فِي الْمَنْقُول عَنْهُ صلى اله عليه وسلم ، وَمِنْهُ مَا جَاءَ عَنْ غَيْره ، وَغَالِبه رَاجِع إِلَى التَّجْرِبَة ؛ ثُمَّ هُوَ نَوْعَانِ : نَوْعٌ لَا يَحْتَاج إِلَى فِكْر وَنَظَر ، بَلْ فَطَرَ اللَّه عَلَى مَعْرِفَته الْحَيَوَانَات ، مِثْل مَا يَدْفَع الْجُوع وَالْعَطَش ؛ وَنَوْع يَحْتَاج إِلَى الْفِكْر وَالنَّظَر ؛ كَدَفْعِ مَا يَحْدُث فِي الْبَدَن مِمَّا يُخْرِجهُ عَنْ الِاعْتِدَال ، وَهُوَ إِمَّا إِلَى حَرَارَة أَوْ بُرُودَة ، وَكُلّ مِنْهُمَا إِمَّا إِلَى رُطُوبَة ، أَوْ يُبُوسَة ، أَوْ إِلَى مَا يَتَرَكَّب مِنْهُمَا ؛ وَغَالِب مَا يُقَاوَم الْوَاحِد مِنْهُمَا بِضِدِّهِ ، وَالدَّفْع قَدْ يَقَع مِنْ خَارِج الْبَدَن وَقَدْ يَقَع مِنْ دَاخِله وَهُوَ أَعْسَرهمَا ؛ وَالطَّرِيق إِلَى مَعْرِفَته بِتَحَقُّقِ السَّبَب وَالْعَلَامَة ، فَالطَّبِيب الْحَاذِق هُوَ الَّذِي يَسْعَى فِي تَفْرِيق مَا يَضُرّ بِالْبَدَنِ جَمْعه أَوْ عَكْسه ، وَفِي تَنْقِيص مَا يَضُرّ بِالْبَدَنِ زِيَادَته أَوْ عَكْسه ، وَمَدَار ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَة أَشْيَاء : حِفْظ الصِّحَّة ، وَالِاحْتِمَاء عَنْ الْمُؤْذِي ، وَاسْتِفْرَاغ الْمَادَّة الْفَاسِدَة ؛ وَقَدْ أُشِيرَ إِلَى الثَّلَاثَة فِي الْقُرْآن : فَالْأَوَّل مِنْ قَوْله تَعَالَى : فَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر وَذَلِكَ أَنَّ السَّفَر مَظِنَّة النَّصَب ، وَهُوَ مِنْ مُغَيِّرَات الصِّحَّة ، فَإِذَا وَقَعَ فِيهِ الصِّيَام اِزْدَادَ ، فَأُبِيحَ الْفِطْر إِبْقَاءً عَلَى الْجَسَد ؛ وَكَذَا الْقَوْل فِي الْنَوعِ الثَّانِي وَهُوَ الْحِمْيَة ؛ مِنْ قَوْله تَعَالَى : وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ فَإِنَّهُ اسْتَنْبَطَ مِنْهُ جَوَاز التَّيَمُّم عِنْد خَوْف اِسْتِعْمَال الْمَاء الْبَارِد ؛ وَالثَّالِث مِنْ قَوْله تَعَالَى : أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ فَإِنَّهُ أُشِيرَ بِذَلِكَ إِلَى جَوَاز حَلْق الرَّأْس الَّذِي مُنِعَ مِنْهُ الْمُحْرِم لِاسْتِفْرَاغِ الْأَذَى الْحَاصِل مِنْ الْبُخَار الْمُحْتَقِن فِي الرَّأْس [2] .

          [1] - انظر ( زاد المعاد ) : 4 / 9 .

          [2] - فتح الباري : 10 / 134 ، وقد اختصره عن زاد المعاد : 4 / 5 : 8 .
          د . محمد عطية

          تعليق


          • #6
            حقائق تتعلق بالدواء
            روى أحمد ومسلم وغيرهما عَنْ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ : " لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ ، فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ " [1] ؛ وروى عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : " إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ ، وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً ، فَتَدَاوَوْا وَلَا تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ "[2] ؛ وروى أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : " مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ دَوَاءً ، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ "[3] .
            في هذه الأحاديث فوائد أهمها :
            أولا : أن الدواء سبب ، وإنما الشافي هو الله سبحانه الذي أنزل الدواء ؛ " فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ " ، وهذا يقتضي من الطبيب الحاذق أن يعلق مريضه برب الأسباب لا بالأسباب ؛ وهذا أول طريق العلاج لأمراض القلب والبدن .... وللحديث بقية .

            [1] - أحمد : 2 / ، ومسلم ( 2204 ) .

            [2] - وأبو داود ( 3874 ) .

            [3] - أحمد : 1/ 377 ، 413 ، 443 ، 446 ، 453، وابن ماجة ( 3438 ) ، وهو حديث حسن .
            د . محمد عطية

            تعليق


            • #7
              ثانيا : ما قاله النووي - : فِي هَذَا الْحَدِيث إِشَارَة إِلَى اِسْتِحْبَاب الدَّوَاء ، وَهُوَ مَذْهَب أَصْحَابنَا ، وَجُمْهُور السَّلَف ، وَعَامَّة الْخَلْف ؛ وقَوْله : " لِكُلِّ دَاء دَوَاء فَإِذَا أُصِيب دَوَاء الدَّاء بَرِئَ بِإِذْنِ اللَّه " فَهَذَا فِيهِ بَيَان وَاضِح ، لِأَنَّهُ قَدْ عُلِمَ أَنَّ الْأَطِبَّاء يَقُولُونَ : الْمَرَض هُوَ خُرُوج الْجِسْم عَنْ الْمَجْرَى الطَّبِيعِيِّ ، وَالْمُدَاوَاة رَدّه إِلَيْهِ ، وَحِفْظ الصِّحَّة بَقَاؤُهُ عَلَيْهِ ، فَحِفْظهَا يَكُون بِإِصْلَاحِ الْأَغْذِيَة وَغَيْرهَا ، وَرَدّه يَكُون بِالْمُوَافِقِ مِنْ الْأَدْوِيَة الْمُضَادَّة لِلْمَرَضِ ؛ وَبُقْرَاط يَقُول : الْأَشْيَاء تُدَاوَى بِأَضْدَادِهَا ، وَلَكِنْ قَدْ يَدِقّ وَيَغْمُض حَقِيقَة الْمَرَض ، وَحَقِيقَة طَبْع الدَّوَاء ، فَيَقِلُّ الثِّقَة بِالْمُضَادَّةِ ، وَمِنْ هَاهُنَا يَقَع الْخَطَأ مِنْ الطَّبِيب فَقَطْ ، فَقَدْ يَظُنُّ الْعِلَّة عَنْ مَادَّة حَارَّة فَيَكُون عَنْ غَيْر مَادَّة ، أَوْ عَنْ مَادَّة بَارِدَة ، أَوْ عَنْ مَادَّة حَارَّة دُون الْحَرَارَة الَّتِي ظَنَّهَا ، فَلَا يَحْصُل الشِّفَاء ، فَكَأَنَّهُ نَبَّهَ بِآخِرِ كَلَامه عَلَى مَا قَدْ يُعَارَض بِهِ أَوَّله ، فَيُقَال : قُلْت : لِكُلِّ دَاء دَوَاء ، وَنَحْنُ نَجِد كَثِيرِينَ مِنْ الْمَرْضَى يُدَاوُونَ فَلَا يَبْرَءُونَ ، فَقَالَ : إِنَّمَا ذَلِكَ لِفَقْدِ الْعِلْم بِحَقِيقَةِ الْمُدَاوَاة ، لَا لِفَقْدِ الدَّوَاء ، وَهَذَا وَاضِح ؛ وَاللَّهُ أَعْلَم [1] .
              وهذا - أيضًا - مما يدخل في قوله : " وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ " ؛ قال ابن حجر - : وَمِمَّا يَدْخُل فِي قَوْله " وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ " مَا يَقَع لِبَعْضِ الْمَرْضَى أَنَّهُ يَتَدَاوَى مِنْ دَاء بِدَوَاءٍ فَيَبْرَأ ، ثُمَّ يَعْتَرِيه ذَلِكَ الدَّاء بِعَيْنِهِ فَيَتَدَاوَى بِذَلِكَ الدَّوَاء بِعَيْنِهِ ، فَلَا يَنْجَع ، وَالسَّبَب فِي ذَلِكَ الْجَهْل بِصِفَةٍ مِنْ صِفَات الدَّوَاء ، فَرُبَّ مَرَضَيْنِ تَشَابَهَا وَيَكُون أَحَدهمَا مُرَكَّبًا لَا يَنْجَع فِيهِ مَا يَنْجَع فِي الَّذِي لَيْسَ مُرَكَّبًا ، فَيَقَع الْخَطَأ مِنْ هُنَا ؛ وَقَدْ يَكُون مُتَّحِدًا لَكِنْ يُرِيد اللَّه أَنْ لَا يَنْجَع ، فَلَا يَنْجَع ؛ وَمِنْ هُنَا تَخْضَع رِقَابُ الْأَطِبَّاء ، وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق أَبِي خُزَامَة عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قُلْت : يَا رَسُول اللَّه أَرَأَيْت رُقًى نَسْتَرْقِيهَا وَدَوَاء نَتَدَاوَى بِهِ ، هَلْ يَرُدّ مِنْ قَدَر اللَّه شَيْئًا ؟ قَالَ : " هِيَ مِنْ قَدَر اللَّه تَعَالَى " وَالْحَاصِل أَنَّ حُصُول الشِّفَاء بِالدَّوَاءِ إِنَّمَا هُوَ كَدَفْعِ الْجُوع بِالْأَكْلِ وَالْعَطَش بِالشُّرْبِ ؛ وَهُوَ يَنْجَع فِي ذَلِكَ فِي الْغَالِب ؛ وَقَدْ يَتَخَلَّف لِمَانِعٍ ، وَاَللَّه أَعْلَم ( [2] ) .

              [1] - انظر ( شرح النووي على مسلم ) : 14 / 192 .

              [2] - انظر فتح الباري : 10 / 135 .
              د . محمد عطية

              تعليق


              • #8
                ثالثا : في قوله : " عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ " دليل على التخصص الطبي ؛ فليس كل من يعمل في مهنة الطب له إدراك بجميع الأمراض وأدويتها ؛ بل المعروف أن المتخصص في الباطنة - مثلا - ليس له إدراك تام بعلاج أمراض العيون ، وإن كان ملمًا ببعض ما يتعلق بها ؛ فقد يخفى عليه دقيق هذا التخصص ، وبالتالي يجهل دواءه .. وهكذا .
                رابعًا : ما قاله ابن القيم - : وفي قوله : " لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ " تقوية لنفس المريض والطبيب ، وحث على طلب ذلك الدواء ، والتفتيش عليه ، فإن المريض إذا استشعرت نفسه أن لدائه دواء يزيله تعلق قلبه بروح الرجاء ، وبردت عنده حرارة اليأس ، وانفتح له باب الرجاء ؛ ومتى قويت نفسه انبعثت حرارته الغريزية ، وكان ذلك سببها لقوة الأرواح الحيوانية والنفسانية والطبيعية ، ومتى قويت هذه الأرواح قويت القوى التي هي حاملة لها ، فقهرت المرض ودفعته .
                وكذلك الطبيب إذا علم أن لهذا الداء دواء ، أمكنه طلبه والتفتيش عليه ، وأمراض الأبدان على وزان أمراض القلوب ، وما جعل الله للقلب مرضًا إلا جعل له شفاء بضده ، فإن علمه صاحب الداء واستعمله ، وصادف داء قلبه أبرأه بإذن الله تعالى ا.هـ [1] .

                [1] - انظر زاد المعاد : 4 / 12 .
                د . محمد عطية

                تعليق


                • #9
                  خامسًا : قال ابن حجر - : وَيَدْخُل فِي عُمُومهَا - أَيْضًا - الدَّاء الْقَاتِل الَّذِي اعْتَرَفَ حُذَّاق الْأَطِبَّاء بِأَنْ لَا دَوَاء لَهُ ، وَأَقَرُّوا بِالْعَجْزِ عَنْ مُدَاوَاته ، وَلَعَلَّ الْإِشَارَة فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود بِقَوْلِهِ " وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ " إِلَى ذَلِكَ ، فَتَكُون بَاقِيَة عَلَى عُمُومهَا ، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون فِي الْخَبَر حَذْف تَقْدِيره : لَمْ يُنْزِل دَاء يَقْبَل الدَّوَاء إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاء ؛ وَالْأَوَّل أَوْلَى [1] .
                  سادسًا : قال المناوي في ( فيض القدير ) : قوله : " وَلَا تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ " يعني أنه تعالى خلق لكل داء دواء حرامًا كان أو حلالا ، " وَلَا تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ " أي : يحرم عليكم ذلك ؛ " إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَ أُمَّتِي فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْهَا " ، فالتداوي بمحرم محرم [2] .
                  [1] انظر فتح الباري : 10 / 135 .

                  [2] فيض القدير : 2 / 273 .
                  د . محمد عطية

                  تعليق


                  • #10
                    سابعًا : العلاج بالرقية : وهي من أنفع الأدوية إن صدق صاحبها في اللجوء إلى الله تعالى ؛ وأشير هنا – إلى إخوتي وأخواتي الأطباء – ألا ينسوا هذا العلاج الناجع عند تطبيبهم لمرضاهم ؛ فإن كثيرا مما ليس في الطب له علاج ظاهر ، عوفي المريض فيه بالرقية والدعاء ؛ ولهذا ، فلا تندهش إذا قرأت أن الكسيس كارل الطبيب الفرنسي ذكر في كتاب له اسمه ( الدعاء ) أن كثيرا من المرضى لم يستطع الطب أن يصف لهم دواء ، وإذا بهم يلجئون إلى الله بالدعاء فيشفون ، ثم يقول : متى ضعف الدعاء في قوم وأهملت سننه ، كانت العلامة على انحطاط القوم وعجزهم . فالمجتمع متى انصرف عن التعبد والدعاء أعد في نفسه مناخًا لجراثيم الانحطاط والاضمحلال والضعف والعجز . ا.هـ ( [1] ) .
                    وقد وردت الأدلة بجواز الرقية من قوله وفعله وإقراره :
                    أما الأول : فأخرج أحمد والشيخان وابن ماجة عَنْ عَائِشَةَ - - أَنَّ رَسُولَ اللهِ كَانَ يَأْمُرُهَا أَنْ تَسْتَرْقِيَ مِنَ الْعَيْنِ ( [2] ) ؛ وأخرج الشيخان عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ لِجَارِيَةٍ فِي بَيْتِها رَأَى بِوَجْهِهَا سَفْعَةً : " بِهَا نَظْرَةٌ فَاسْتَرْقُوا لَهَا " يَعْنِي : بِوَجْهِهَا صُفْرَةً ( [3] ) . وروى أحمد ومسلم عن جَابِر قَالَ : رَخَّصَ النَّبِيُّ لِآلِ حَزْمٍ فِي رُقْيَةِ الْحَيَّةِ ؛ وَقَالَ لِأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ : " مَا لِي أَرَى أَجْسَامَ بَنِي أَخِي ضَارِعَةً ! تُصِيبُهُمُ الْحَاجَةُ ؟ " قَالَتْ : لَا وَلَكِنِ الْعَيْنُ تُسْرِعُ إِلَيْهِمْ ؛ قَـالَ : " ارْقِيهِمْ " قَـالَتْ : فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : " ارْقِيهِمْ " ( [4] ) ؛ وروى أحمد ومسلم عن جَابِر قَالَ : لَدَغَتْ رَجُلًا مِنَّا عَقْرَبٌ وَنَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ رَسُولِ اللهِ فَقَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللهِ أَرْقِي ( أَرْقِيهِ ) قَالَ : " مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ " ( [5] ) .

                    وأما الثاني : فأخرج أحمد والشيخان والنسائي في ( اليوم والليلة ) وابن ماجة عَنْ عَائِشَةَ - - أَنَّ رَسُولَ اللهِ كَانَ إِذَا عَادَ مَرِيضًا يَقُولُ : " أَذْهِبِ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ ، اشْفِهِ أَنْتَ الشَّافِي لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا " ؛ وفي رواية قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللهِ إِذَا اشْتَكَى مِنَّا إِنْسَانٌ مَسَحَهُ بِيَمِينِهِ ثُمَّ قَالَ : فذكرت الحديث . وفي رواية : أن رسول الله كان يرقي بهذه الرقية .. فذكرتها . وعند أحمد والبخاري وأبي داود والترمذي نحوه عن أنس ( [6] ) ؛ وفي الباب أحاديث كثيرة .
                    وأما الثالث : فأخرج أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي في ( اليوم والليلة ) وابن ماجة عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ كَانُوا فِي سَفَرٍ فَمَرُّوا بِحَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ فَاسْتَضَافُوهُمْ فَلَمْ يُضِيفُوهُمْ ، فَقَالُوا لَهُمْ : هَلْ فِيكُمْ رَاقٍ ؟ فَإِنَّ سَيِّدَ الْحَيِّ لَدِيغٌ أَوْ مُصَابٌ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ : نَعَمْ ؛ فَأَتَاهُ فَرَقَاهُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَبَرَأَ الرَّجُلُ ، فَأُعْطِيَ قَطِيعًا مِنْ غَنَمٍ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا ، وَقَالَ حَتَّى أَذْكُرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ، فَأَتَى النَّبِيَّ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ وَاللهِ مَا رَقَيْتُ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ! فَتَبَسَّمَ وَقَالَ : " وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ ؟ " ثُمَّ قَالَ : " خُذُوا مِنْهُمْ ، وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ مَعَكُمْ " ( [7] ) .
                    وأما ما ورد من النهي عن الرقية في بعض الأحاديث ، كما في حديث جَابِرٍ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللهِ عَنِ الرُّقَى ، فَجَاءَ آلُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُ كَانَتْ عِنْدَنَا رُقْيَةٌ نَرْقِي بِهَا مِنَ الْعَقْرَبِ ، وَإِنَّكَ نَهَيْتَ عَنِ الرُّقَى ، قَالَ : فَعَرَضُوهَا عَلَيْهِ ، فَقَالَ : " مَا أَرَى بَأْسًا مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَنْفَعْهُ " رواه أحمد ومسلم وابن ماجة ( [8] ) . فهذا لا يعارض ما ذكرنا ، وإنما نهى عن الرقى التي تتضمن الشرك وتعظيم غير الله تعالى ، كغالب رقى أهل الشرك . بدليل ما جاء في آخر الحديث ؛ وروى مسلم وأبو داود عَنْ عَوْفِ ابْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ : كُنَّا نَرْقِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ تَرَى فِي ذَلِكَ ؟ فَقَالَ : " اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ ؛ لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ " ( [9] ) . قال الخطابي - : المنهي عنه ما كان منها بغير لسان العرب فلا يدرى ما هو ؟ ولعله يدخله سحر أو كفر ؛ فأما إذا كان مفهوم المعنى ، وكان فيه ذكر الله تعالى فإنه مستحب متبرك به . والله أعلم . ا.هـ ( [10] ) .

                    [1] - انظر كتاب ( الدعاء ) لعلي شريعتي : ص10 ؛ ومقدمة ( فقه الدعاء ) لمحمد عطية .

                    [2] - أحمد : 6 / 63 ، 138 ، والبخاري ( 5783 ) ، ومسلم ( 2195 ) ، وابن ماجة ( 3512 ) .

                    [3] - البخاري ( 5739 ) ، ومسلم ( 2197 ) .

                    [4] - أحمد 3 / 333 ، ومسلم ( 2198 ) . ورواه ابن أبي شيبة ( 23591 ، 23593 ) ، وأحمد : 6 / 438 ، وابن ماجة ( 3510 ) ، والطحاوي في شرح معاني الآثار : 4 / 327 عن أسماء بنت عميس .

                    [5] - أحمد : 3 / 382 ، ومسلم ( 2199 ) .

                    [6] - أحمد : 6 / 44 ، 45 ، 109 ، 126، والبخاري ( 5675 ، 5743 ، 5744 ، 5750 ) ، ومسلم ( 2191 ) ، والنسائي في اليوم والليلة ( 1018 : 1022 ) ، وابن ماجة ( 3520 ) . ورواه أحمد : 3 / 151 ، 267 ، والبخاري ( 5742 ) ، وأبو داود ( 3890 ) ، والترمذي ( 973 ) عن أنس .

                    [7] - أحمد : 3 / 2 ، 10 ، والبخاري ( 2276 ، 5736 ) ، ومسلم ( 2201 ) ، وأبو داود ( 3418 ) ، والترمذي ( 2063 ، 2064 ) ، والنسائي في اليوم والليلة ( 1035 : 1037 ) ، وابن ماجة ( 2156 ) .

                    [8] - أحمد : 3 / 302 ، 315 ، ومسلم ( 2199 ) ، وابن ماجة ( 3515 ) .

                    [9] - مسلم ( 2200 ) ، وأبو داود ( 3886 ) ، والبيهقي في السنن الكبرى ( 20148 ) دار الفكر .

                    [10] - معالم السنن : 5 / 362 ( هامش المختصر ) ؛ وفي تفصيل ذلك يرجع إلى كتابي ( فقه الدعاء ) فصل ( فقه الرقى والتعوذات ) .
                    د . محمد عطية

                    تعليق


                    • #11
                      صفات المسلم الطبيب
                      المسلم الطبيب المتمسك بدينه قولاً وعملاً يتميز عن غيره مـن الأطباء بصفات يتقرب بها إلى الله تعالى أولا ؛ فهي بين واجب ومندوب ، ثمَّ هي تثقل ميزانه يوم القيامة ؛ فهو يمارسها في حياته كما يعايشها في ممارساته اليومية لمهنته عبادة لله تعالى ؛ وهذه الصفات يجمعها التقوى وحسن الخلق ؛ روى أحمد والترمذي عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ : " اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ ، وَأَتْبِعْ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا ، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ " [1] .
                      وسأذكر هنا أكثر الأمور التصاقا بمهنة الطب تذكيرًا لإخواننا وأخواتنا الأطباء .
                      أيها الطبيب أنت لله عبد
                      الطبيب .. هذا اللقب الذي يطمح في أن يسبق اسمه أو يلحقه كثير من الناس ، فيقال : الطبيب فلان ؛ أو : فلان الطبيب .. على حامله أن يعلم أنه عبد لله فيقوم بحق العبودية فيما كلف به من مهام هذه المهنة ؛ فأول رداءٍ يجب أن يتدثر به الطبيب - كما يقول د. وسيم - هو رداء العبودية ، ولن يتحقق ذلك حتى يخلع كل رداءٍ سواه من جاهٍ ومنصبٍ ودنيا ، فيدخل في هذه المهنة تعلُّمًا وممارسةً وهو يراعي تحقيق شروط التعبد من جهة ، ويحرص على نقاء العمل من شوائب الحبوط من جهة أخرى ؛ وبعبارة أخرى : إنه لابد من استحضار صفة العبودية لله في مجال الطب بتحرير كلٍ من النية والمتابعة ؛ فتكون النية خالصةً لله تعالى كما أمر : وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ [ البينة : 5 ] ؛ وتكون المتابعة مجردةً للنبي كما أمر : " مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ " ( [2] ) .
                      فإذا سألت عن مكان النية في مجال الطب فاعلم أنها طلب علمه والعمل بمقتضاه طلبًا لرضى المولى فحسب ، بحيث يكون كل عمل متفرعٍ عن هذا المجال خالصًا لله تعالى .
                      فليكن طلبك للعلم في باب الطب منصرفًا إلى تحصيل ما فيه نفع العباد طلبًا لمرضاة رب العباد ، ولسوف ترى كيف ينقاد لك هذا العلم ويُسلم لك زمامه ، كما قال بعض السلف : طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله [3] .
                      أما إذا سألت عن مكان متابعة النبي في باب الطب ، فأحيلك على مجموع السنة النبوية المطهرة بما فيها من هديٍ نبويٍ كريمٍ يضبط أصول التطبيب ، وأصول درء المفسدة عن العباد ، وجلب المنفعة لهم ، وحسبك من هذا كله - في مقام التجريد هذا - تلك القاعدة النبوية العظيمة : " مَنْ تَطَبَّبَ وَلَا يُعْلَمُ مِنْهُ طِبٌّ فَهُوَ ضَامِنٌ " [4] ، فهذا أصلٌ عظيمٌ في عدم جواز العبث بأبدان الناس وصحتهم ، ومسؤولية الطبيب مسؤولية كاملة عما يقترفه في حق المريض إذا ما وقع منه تقصير ، ومن أخطر أنواع التقصير في الطب ما كان ناجمًا عن مداواة الناس بالجهل .
                      وإنما أردت بتقرير هذه القاعدة هاهنا التنبيه على جنس ما تشتمل عليه السنة النبوية من أصول وقواعد تضبط مهنة الطب ؛ لا أقول ضبطًا مهنيًّا فحسب ، بل ضبطًا شرعيًّا مُلزمًا للمكلف ؛ فمن لم يلتزم متابعة هدي النبي في أصول مداواة الناس يكون قد خرق شرط قبول العمل ، وإذا لم يقبل عمل العامل فلا يكون له نصيب من الأجر المترتب عليه ؛ فتنبه لهذا الأمر ، واعلم أن من خرق أحد هذين الشرطين أو كليهما فليس له حظ من طبِّه وتطبيبه سوى وظيفة دنيوية ، أو مكانة علمية موهومة ، أو مهنة يتكسب بها لا أكثر ، ناهيك عن خطر الوقوع في الإثم في بعض الحالات ؛ وإن من يدرك الكم الهائل من الأوقات والأعمار التي تفنى في سبيل تحصيل مراتب هذه المهنة ، ليشفق على نفسه وعلى غيره ألا يكون له منها حظٌ إلا حظ الدنيا ، وأن يكون مِن جنس مَن قال فيهم : فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ [ البقرة : 200 ] .
                      فاحرص أيها الطبيب المسلم على تحقيق وتحرير هذين الركنين ، وكن شديد الحرص على تعهدهما بالرعاية والسقاية ، حتى لا تذبل غرسة الإخلاص في القلب ، ولا يخبو نور المتابعة في الجوارح ... وللحديث صلة .

                      [1] - أحمد : 5 / 153 ، 158 ، والترمذي ( 1987 ) وصححه .

                      [2]- رواه مسلم ( 1718 ) عن عائشة .

                      [3] مقولة نسبت لبعض السلف ؛ وقال عبد الرزاق ( 20475 ) : أخبرنا معمر قال : كان يقال : إن الرجل ليطلب العلم لغير الله فيأبى عليه العلم حتى يكون لله .ا.هـ. أي : لا ينقاد له العلم ولم يسلم زمامه إلا عندما يخلص النية لله ويجردها من كل شائبة .

                      [4] رواه أبو داود ( 4586 ) ، والنسائي ( 4830 ) وابن ماجة ( 3466 ) ، والحاكم ( 7484 ) وصححه ووافقه الذهبي ، وصححه الألباني في الصحيحة ( 635 ) .
                      د . محمد عطية

                      تعليق


                      • #12
                        وننبه في هذا المقام إلى أمرٍ آخر يغفل عنه كثير من الأطباء ، وهو مقام عبودية التوكل ؛ حيث يميل كثير من الأطباء - بسبب كثرة ما اطلعوا عليه من أسباب - إلى الركون إلى ما كشفه الله تعالى لهم من علوم ؛ وينسى البعض أو يتناسى فضل الله تعالى عليه فيما يسَّره من أسباب التشخيص والعلاج والشفاء ، بل ينسى أنه رفيق لا طبيب على الحقيقة - كما تقدم بيانه ؛ فليس هو إلا سببًا من جملة الأسباب ، لا حول له ولا قوة ، ولا يملك في نفسه شفاءً ولا نفعًا ولا ضرًا ؛ وإنما يسَّر الله تعالى الشفاء على يديه لحكمة يريدها به وبمريضه ؛ فليعلم المريض والطبيب - تمام العلم - أن المرض والشفاء بيد الله كما جاء على لسان خليل الرحمن : وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [ الشعراء : 80 ] .
                        فالواجب على العبد المسلم الطبيب أن يحترز عن مشاهدة الأسباب مشاهدةً تفضي به إلى الاتكال عليها ، وأن يجتهد في أن يكون مقام مشاهدة الأسباب هو مقام العبد الذي يحصِّل ما أمره به سيدُه من أسباب ومقدمات ، ثم يرتمي على عتبة سيده ومولاه راجيًا حصول آثار هذه المقدمات ، فهو دائمًا بين طاعةٍ في تحصيل المقدمات ، ورجاءٍ في طلب آثارها ، فلا يركن إلى براعة المشرط في يده ، ولا إلى قوة الدواء في جعبته .
                        هكذا أيها الطبيب المسلم تتزين بعبادة التوكل على الله ، فتنتظم حياتك الطبية عبادة لله تعالى ، وتؤجر في كل ما تقوم به من عمل ، وتوفق في كل ما يكون من تشخيص ووصف للدواء بإذن الله تعالى ( [1] ) .

                        [1] - هذه الفقرة مقتبسة من كلام د. طبيب وسيم فتح الله في كتابه ( حلية الطبيب المسلم ) مع اختصار وتصرف وإضافات اقتضاها مقام البيان .
                        د . محمد عطية

                        تعليق


                        • #13
                          المشاركة الأصلية بواسطة محمد محمود إبراهيم عطية مشاهدة المشاركة
                          رابعًا : ما قاله ابن القيم - : وفي قوله : " لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ " تقوية لنفس المريض والطبيب ، وحث على طلب ذلك الدواء ، والتفتيش عليه ، فإن المريض إذا استشعرت نفسه أن لدائه دواء يزيله تعلق قلبه بروح الرجاء ، وبردت عنده حرارة اليأس ، وانفتح له باب الرجاء ؛ ومتى قويت نفسه انبعثت حرارته الغريزية ، وكان ذلك سببها لقوة الأرواح الحيوانية والنفسانية والطبيعية ، ومتى قويت هذه الأرواح قويت القوى التي هي حاملة لها ، فقهرت المرض ودفعته .
                          فقه كبير ، من ابن القيم ، فتراه يربط بين الروح والمرض ،فيعقوب أذهب الحزن بصره ، ورد بصره بقميص يوسف ، الذي كان بمثابة الدواء، فالدواء لايشترط ان يكون علقما أو حبوبا ، بل التعرف على ما أثر في الروح أول مرة ومن ثم تجريب العلاج المتنوع .

                          ليتك أخي محمد لو وضعت البحث في ملف واحد ، حتى نحتفظ به ونرسله لم نعرفه من الاطباء .

                          وجزاك الله خيرا

                          والله اعلم
                          سأقول فيها بجهد رأيي فإن كان صوابا فمن الله وحده وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريئان منه -ابن مسعود رضي الله عنه

                          تعليق


                          • #14
                            شكر الله لك مداخلتك ، وجزاك خيرًا ، وأما أن أضع الرسالة في ملف واحد ، فأفعل إن شاء الله تعالى .
                            د . محمد عطية

                            تعليق


                            • #15
                              تقوى الله تعالى
                              التقوى : مصدر على وزن فعلى ، من وقيته أقيه ، أي : منعته ؛ وأصلُها : أنْ يجعل العبدُ بينَه وبينَ ما يخافُه ويحذره وقايةً تقيه منه ؛ فتقوى العبد لربه أنْ يجعل بينه وبينَ ما يخشاه من غضب ربه وسخطه وعقابه وقايةً تقيه من ذلك ، وهو فعلُ طاعته واجتنابُ معاصيه ؛ فالتقوى هي الخوف والحذر ؛ وجماعها : اتقاء الشرك ، ثم المعاصي ، ثم الشبهات ، ثم ترك الفضلات .
                              قال عُمَر بن عبد العزيز : ليس تقوى الله بصيام النهار ، ولا بقيام الليل ، والتخليطِ فيما بَيْنَ ذلك ؛ ولكن تقوى اللهِ تركُ ما حرَّم الله ، وأداءُ ما افترضَ الله ، فمَنْ رُزِقَ بعد ذلك خيرًا ، فهو خيرٌ إلى خير [1] .
                              وحقيقة التقوى : التحرز بطاعة الله تعالى من مخالفته ؛ فقد قال رجل لأبي هريرة : ما التقوى ؟ قال : أخذت طريقا ذا شوك ؟ قال : نعم ؛ قال : كيف صنعت ؟ قال : إذا رأيت الشوك عدلت عنه ، أو جاوزته ، أو قصرت عنه ؛ قال : ذاك التقوى[2] ؛ وقد أشار إلى هذا المعنى ابن المعتز - - فقال :
                              خـلِّ الذُّنوبَ صَغِيرَها ... وكَـبِيرَها ذَاكَ التُّـقَى
                              واصْنَعْ كماشٍ فَوْقَ أَرْ ... ضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ ما يَرَى
                              لا تَحْقِـرَنَّ صـغيرةً ... إنَّ الجـِبَالَ مِـنَ الحَصَى
                              هذه التقوى مهمة جدًا في حياة المسلم والمسلمة ؛ وهي أكثر أهمية في الحياة العملية للطبيب المسلم والطبيبة المسلمة ... وللحديث صلة .

                              [1] رواه البيهقي في ( الزهد الكبير ) رقم ( 964 ) ، وابن عساكر في ( تاريخ دمشق ) : 45 / 230 .

                              [2] رواه البيهقي في ( الزهد الكبير ) رقم ( 963 ) .
                              د . محمد عطية

                              تعليق

                              19,943
                              الاعــضـــاء
                              231,734
                              الـمــواضـيــع
                              42,471
                              الــمــشـــاركـــات
                              يعمل...
                              X