• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • برنامج أهل التفسير

      بسم الله الرحمن الرحيم
      سأضع -بإذن الله- في هذه الصفحة لقاءات "برنامج أهل التفسير للدكتور عبد الرحمن الشهري" مفرّغة، بصفة دورية.
      مع التنبيه على أنّ التفريغ ليس نصيًا، فقد أترك بعض الأشياء، لكني حرصت على كتابة أهم ومعظم ما ذكره الدكتور، ومع ذلك لا يغني عن سماع المقاطع الصوتية.
      جزى الله الدكتور عبد الرحمن عنا وعن المسلمين خير الجزاء، وما كان من خطأ فمن النقل.
      وتجدون هنا المقاطع الصوتية كاملة

      برنامج أهل التفسير للدكتور عبد الرحمن الشهري
      أهل التفسير (1) أهمية دراسة تراجم المفسّرين ومناهجهم
      هذا البرنامج سوف نبحر فيه مع المفسّرين الذين عُنوا بتفسير القرآن الكريم عبر القرون، من عهد النبي ، ومرورًا بعهد الصحابة الكرام والتابعين وأرضاهم أجمعين، وانتهاء بالوقت المعاصر.
      وأرجو أن أوفق فيه لعرض سير هؤلاء المفسرين الأعلام عرضًا علميًا مختصرًا وموجزًا ومفيدًا بإذنه تعالى.
      قد يسأل سائل: ما هي الفائدة التي أجنيها من التعرّف على ترجمة المفسّر الفلاني أو معرفة قيمة الكتاب الفلاني؟
      فأقول كما قال ابن سيرين أحد التابعين الأعلام: "إنّ هذا العلم دينٌ، فانظروا عمّن تأخذون دينكم"، وأنت عندما تبحث عن ترجمة مفسِّر، وتبحث في سيرته، فإنّك تبحث عمّن تأخذ تفسيرَ القرآن الكريم، وعمن تأخذ معاني كتاب الله، فأنت لا يمكن أن تأخذ تفسير القرآن الكريم من مبتدع أو من جاهل أو من ضال أو من كاذب أو من فاسق، وإنما تحرص على أن يكون فهمك لكتاب الله مأخوذًا عن الثقات من العلماء الأجلاء، الذين صنّفوا كتب التفسير، وعرفتهم الأمة بفضلهم وبعلمهم وبعدالتهم.
      وقد صنّف العلماء تعالى كتبًا كثيرة في التراجم وفي التاريخ، وباب التراجم هو باب من أبواب التاريخ، وقد صُنّفت فيه مصنفات كثيرة منذ بدأ التصنيف في العلوم الإسلامية، وحتى الوقت الحاضر ما زالت المصنّفات في تراجم العلماء مستمرة، فهناك من صنّف في تراجم الفقهاء، وهناك من صنّف في تراجم المحدّثين وطبقاتهم وتواريخهم وشيوخهم وتلاميذهم وغير ذلك، وهناك من عُني بتراجم الخلفاء والولاة والقادة والملوك، وهناك من عُني بتراجم الُّلغويين والنحويين والشعراء وغيرهم.
      وهناك العلم أو الموضوع الذين نريد أن نتحدث عنه وهو موضوع تراجم المفسرين، أو طبقات المفسرين.
      وموضوع طبقات المفسرين تأخر التصنيف فيه تأخرًا كبيرًا، فلم يُفرد المفسّرون بكتب خاصة تترجم لهم وتتبع سيرهم إلا في الوقت الذي كان فيه الإمام جلال الدين عبد الرحمن السّيوطي، عندما صنّف كتابه "طبقات المفسّرين".
      إشارة إلى مسألة مهمة في موضوع الترجمة:
      عندما يأتي العالم فيترجم لمفسّر، فإن الترجمة لها أصول ولها قواعد، ليست كلُّ ترجمة تجدها في كتاب من الكتب تجدها مستقيمة على أركان وقواعد الترجمة الصحيحة.
      والفائدة من الترجمة في الحقيقة هي أنك عندما تقرأ ترجمة هذا العالم أو ذلك المفسّر تستفيد من هذه الترجمة: أن تتعرف على اسم هذا المفسِّر، ونسب هذا المفسِّر، ومتى وُلد هذا المفسِّر؟ ومتى توفي هذا المفسِّر؟ من هم شيوخه الذين طلب على أيديهم العلم؟ من هم التلاميذ الذين درسوا على هذا المفسِّر وأخذوا عنه، وقرؤوا عليه كتابه في التفسير؟ وما هي مؤلّفات هذا المفسّر، وقيمتها العلمية؟ هذه هي الترجمة المفيدة
      أنبه على هذه النقطة لسبب وهو أنّ هناك في كتب التراجم كتبًا تترجم للأعلام، مثل "نفحة الريحانة" للمحبّي ، يترجم فيه للأدباء وللشعراء، لكن ترجمة المحبي، ومثله كتاب "نفح الطيب" للمقبري، يترجمون للأديب أو للشاعر أو للعالم ترجمة أدبية، لكن لا تستفيد منها معلومات كثيرة عن هذا العَلَم أو ذاك.
      المؤلفات في تراجم أو طبقات المفسّرين:
      1- "طبقات المفسّرين" للإمام السيوطي.
      وهو كتاب صغير الحجم، ذكر فيه الإمام السيوطي -وهو علم معروف من أعلام العلماء (ت911هـ)- واستدرك كثيرًا على كثير من الفنون، فكتب –مثلًا- كتاب "المزهر في علوم اللغة" وقال: إنني لم أجد في كتب اللغة من نسج على منوال ما كُتب في مصطلح الحديث، فأردت أن أكتب في اللغة"، وكذلك في طبقات المفسرين يقول: "وجدت من كتب في طبقات الفقهاء، وفي طبقات المحدثين، وفي طبقات المؤرخين، ولم أجد من كتب في طبقات المفسرين مع أهميتها، فاستخرت الله في تصنيف كتاب في طبقات المفسرين".
      فصنف كتابه هذا في طبقات المفسّرين، وقسمهم في المقدمة، وقال: إن طبقات المفسرين أربع طبقات:
      1. طبقة مفسري السلف، من الصحابة والتابعين وأتباعهم، أجمعين.
      2. طبقة المفسرين من المحدّثين، الذين كانوا يروون الأحاديث، ويفردون باب التفسير، بباب في كتب الحديث، مثل الإمام البخاري والإمام مسلم، وغيرهم من أصحاب كتب السنن.
      3. طبقة المفسّرين من غير ذلك من أهل السنّة، الذين كتبوا في تفسير القرآن الكريم من أوله وآخره، مثل الإمام الطبري وابن عطية والقرطبي، وغيرهم.
      4. طبقة المفسّرين من أهل البدع، كالمعتزلة والخوارج والشيعة.
      ثم بدأ بذكر طبقات المفسّرين وأسمائهم على حروف المعجم، وذكر مائة وستة وثلاثين مفسًرا في كتابه المختصر هذا، وقد مات قبل أن يبيض هذا الكتاب وقبل أن يكمله، فنقله تلميذه العبّادي في هذا الكتاب الذي طُبع في دار الكتب العلمية.
      2- كتاب للعالم الأدنَهْوي، أظنه من علماء الأتراك، له كتاب في تراجم المفسرين، كتاب قيم وحافل وطُبع بعد ذلك.
      3- طبقات المفسّرين للداودي تلميذ السيوطي، الذي أوصل إلينا كتابه "طبقات المفسّرين"، يقول: "إنني قرأت كتاب شيخي السيوطي في طبقات المفسرين، فوجدته مختصرًا لا يفي بالغرض"، فلذلك كتب كتابه هذا، وذكر مصادره في هذا الكتاب، ورتب المفسّرين فيه على حسب حروف المعجم، وهو مجلدان، ذكر في آخره مصادره التي اعتمد عليها في كتابه، وهي كتب التراجم المعروفة، كتب الفقهاء والحنفية والشافعية وغيرهم. قال في آخر كتابه بعد أن فرغ من آخر ترجمة، التي هي الترجمة الرابعة بعد السبعمائة –فهو أوسع من كتاب السيوطي- قال: "وقد طالعت على هذا الكتاب "الطبقات الكبرى" لابن السبكي، و"طبقات" ابن قاضي شهبة، و"طبقات المالكية" لابن فرحون، و"طبقات الحنفية" للقرشي، و"طبقات الحنابلة" لأبي يعلى، ولابن رجب، و"السياق" لعبد الغافر الفارسي، و"ترتيب طبقات ابن فرحون وما زاد عليها من طبقات القاضي عياض" للحافظ شمس الدين السخاوي، و"طبقات القرّاء" للذهبي، ولابن الجزري، وشيوخ القاضي عياض المسمى "بالغنية"، ومن، "المقفي المقريزي" بخطه ثلاثة عشر مجلدًا كبارًا، ومجلد من "التكملة لوفيات النقلة" للحافظالكبير زكي الدين المنذري، والمجلد الثالث والرابع وهو آخر الكتاب من "ذيل تاريخ بغداد" لابن الدبيثي، و"الصلة" لابن بشكوال مجلد، و"طبقات الحفاظ" للذهبي في مجلدين، و"طبقات الحفاظ" أيضًا لشيخنا الإمام الحافظ جلال الدين السيوطي، و"طبقات اللغويين والنحاة" له، و"حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة" له، و"معجم الشيخ برهان الدين البقاعي" ثلاث مجلدات بخطه، و"تاريخ ابن خلكان"".
      4- كتاب "نيل السائرين في طبقات المفسّرين" لأحد علماء الهند، وهو محمد طاهر.
      ذكر فيه ستمائة وثمانين ترجمة تقريبًا، واعتمد فيه على الكتب التي صُنّفت قبله في تراجم المفسرين وغيرهم، وكتابه كتاب جيد لا بأس، إلا أن طباعته طباعة سيئة إلى حدّ ما، فيصعب الاستفادة منه في طبعته هذه، وهو في حاجة إلى مزيد عناية في طبعة قادمة، يُعنى بها طلاب العلم.
      5- كتاب "معجم المفسّرين" للأستاذ عادل نويهض حفظه الله، وأعدّه أفضل كتب تراجم المفسرين، في مجلدين، استوعب فيه تراجم المفسرين السابقة، جاء بترجمة وافية مختصرة لكل مفسّر، ذكر تواريخ ولادة المفسر، وتورايخ وفاته بدقة، وذكر مصادر ترجمته في آخر كل ترجمة، ذكر مؤلفات المفسّر وهل هي مطبوعة أم هي مخطوطة؟ فهو كتاب حافل، أنصح به طلاب العلم عندما يحتاجون إلى ترجمة مفسِّر، أو إلى معرفة قيمة المفسِّر أو قيمة كتابه.
      6- الموسوعة الميسَّرة في تراجم أئمة التفسير والإقراء والنحو واللغة، وهو موسوعة في ثلاثة مجلدات، صدرت عن مجلة الحكمة، وهي مجلة تصدر في بريطانيا، وهو كتاب في ثلاثة مجلدات، وهو رقم خمسة عشر اشتمل على تراجم المفسرين والقرّاء والنحويين واللغويين، ويقول الذين قاموا على تصنيف هذه الموسوعة إنهم قد جمعوا هؤلاء العلماء، المفسرين والقرّاء والنحويين واللغويين؛ لأن الفنون التي يُعنَون بها فنون متقاربة، وقريب بعضها من بعض، فتجد الواحد يكون لغويًا ويكون مفسّرًا في نفس الوقت، أو يكون نحويًا ويكون مفسّرًا في نفس الوقت، كالإمام الواحدي، وغيره.
      فهذا الكتاب اشتمل على ترجمة عدد كبير جدًا من المفسّرين ومن القرّاء، وفيه تفصيلات جيدة في الترجمة، عنوا بذكر نسبه وذكر ولادته ووفاته، شيوخه، تلاميذه، مؤلفاته، منهجه في هذا الكتاب، وقيمته، وأضافوا إلى ذلك فائدة في هذا الكتاب، وهي أنهم يتكلمون عن الجانب العقدي في كتاب التفسير لهذا المفسِّر، فيذكرون مثلًا:عقيدة الإمام الطبري، عقيدة الإمام القرطبي، عقيدة الإمام الرازي، وغيرهم من العلماء، فيستفيد طالب العلم فائدة إضافية عن كتب التراجم التي سبقتهم.
      هذه أهم المؤلفات التي صُنِّفت في تراجم وطبقات المفسرين.
      ومعرفة المفسِّر تجعلك على بينة وعلى بصيرة عندما تريد أن تقرأ في كتاب التفسير.




      أهل التفسير (2) حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عبّاس
      عندما نزل الوحي على النبي في مكة، وبقي النبي في مكة ثلاثة عشر عامًا، ينزل عليه الوحي ويبلغه إلى الصحابة ، فكان الصحابة بطبيعتهم يفهمون القرآن الكريم، وإذا غمض عليهم شيء سألوا النبي ، عندما نزل قول الله تعالى: الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (الأنعام: 82) جاء عبد الله بن مسعود على النبي ، فقال: وأيّنا لا يظلم نفسه؟ فهم أن الظلم المقصود في الآية ظلم الإنسان مطلقًا، فالنبي فسّر لهم معنى الظلم، فقال: ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا قول العبد الصالح –يشير إلى لقمان-: يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (لقمان: 13). فهذا من المواقف التي فسر فيها النبي آية للصحابة شقّ عليهم المعنى الذي فهموه منها.
      قرأ النبي على المنبر: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ (الأنفال: 59) ثم قال: ألا إنّ القوة الرمي، ألا إنّ القوة الرمي، ألا إنّ القوة الرمي" ففسر النبي القوة في هذه الآية بالرمي.
      بعد أن هاجر النبي إلى المدينة انتقل أيضًا معه علم التفسير، فنحن إذا أردنا أن نتتبع علم التفسير تتبعًا جغرافيًا لقلنا: إنه بدأ علم التفسير في مكة قبل الهجرة، لكنه كان قليلًا، والسبب في ذلك أن القرآن الكريم نزل على قوم فصحاء، نزل بلسانهم، وكانت لغتم العربية في الذروة، وجاء القرآن على أساليبهم في البيان، فكانوا يتذوقونه ويعجبون من بيانه وبلاغته.
      لكن انتقل النبي إلى المدينة فانتقل معه علم التفسير، ثم بقي في المدينة ويتنزل عليه الوحي حتى توفي النبي بعد عشر سنوات، وتكاثر عليه الصحابة، وتوارد عليه السائلون من الجزيرة العربية، وكان النبي يوضح لهم ما يسألون عنه، وربما ابتدأهم فوضح لهم.
      أمر آخر:
      أول مراحل التفسير هي في القرآن نفسه، فالقرآن الكريم يوضح بعضه بعضًا، كقوله تعالى: وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (3) فسر الله في ههذ الآية المقصود بالطارق، وقوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) فسر المقصود بالهلوع.
      فهذا القرآن يبين نفسه، وهذه مرحلة من مراحل التفسير.
      انتقل النبي إلى المدينة، ثم لما توفي النبي انتشر الصحابة في الأمصار، فمنهم من رجع إلى مكة كعبد الله بن عباس، ومنهم من ذهب إلى الكوفية، ومنهم من ذهب إلى البصرة، ومنهم من ذهب إلى دمشق، وهكذا انتشر الصحابة فانتشر علم التفسير على أيديهم .
      في هذه الحلقة سنقف مع ترجمان القرآن، وأشهر المفسّرين من الصحابة، وهو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب وأرضاهم.
      عبد الله بن عباس وعن أبيه، وُلد في وقت عصيب، عندما كان آل طالب محاصرين في شعب أبي طالب، وكانت ولادته قبل الهجرة بثلاث سنين.
      وأمه لبابة بنت الحارث الهلالية، وهي زوجة العباس بن عبد المطلب .
      ولُد في ذلك الوقت قبل الهجرة، ونشأ في بيت أبيه في مكة، وبعد أن هاجر النبي إلى مكة، وأسلم أبوه العباس قبل فتح مكة بقليل، ثم لما أراد العباس أن يهاجر إلى المدينة التقى العباس وابنه عبد الله بالنبي وهو قادم من المدينة يريد مكة لفتحها، ثم بعد ذلك لازم عبد الله بن عباس النبي بقية حياته، حتى توفي النبي .
      فعبد الله بن عباس ، هو ابن عم النبي ، وهو جدّ الخلفاء العباسيين.
      ونشأ في مكة على الإسلام، حيث كان الإسلام قد دخل بيت أبيه، فأسلم أبوه وأسلمت أمه.
      عبد الله بن عباس كان حريصا على طلب العلم، وكان حريصا على ملازمة النبي وهو صغير، وقد بات كثيرًا في بيت خالته ميمونة بنت الحارث الهلالية أم المؤمنين زوج النبي .
      فذات مرة قام النبي يصلي من الليل، وكان عبد الله مستيقظًا، فوضع الماء للنبي ، فلما رأى النبي الماء قد هُيئ له، فقال لزوجته: من صنع هذا؟ قالت: عبد الله، فدعا له، فقال: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل" وهذه الدعوة النبوية قد استجيبت لعبد الله بن عباس .
      ولما قام النبي يصلي قام عبد الله وهو حَدَث صغير يصلي على يسار النبي، فأخذه النبي ووضعه عن يمينه.
      وهذه الدعوة لابن عباس قد تكررت، فقد روي عن عمر أنه كان يقدمه على كثير من كبار الصحابة، فقال له يومًا: تعال، فقد سمعت النبي يوما يدعو لك: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل".
      ولذلك كان حريصا على طلب العلم والعناية به منذ صغره، توفي النبي وهو شاب صغير في الثالثة عشرة من عمره، فلما توفي النبي أخذ يطلب العلم عن الصحابة الكبار، عمر بن الخطاب، وأبي هريرة، وعلي بن أبي طالب، وأبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود، ، فأخذ يستنفذ ما عند كل واحد منهم من العلم، فكان يأتي إلى باب أحد الصحابة –وهو أبي بن كعب- فيقف عند بابه، ولا يطرق بابه حياءً منه، وحرصا على ألا يقلق راحته ويسبب له الإزعاج، حتى إذا خرج أبي من البيت وجد عبد الله منتظرًا عند بابه، فقال له: هلا آذنتني حتى آتيك، فقال: أنت أحق أن آتيك، فإن العلم يؤتى ولا يأتي.
      فدأب عبد الله بن عباس على طلب العلم، حتى قال صاحب له أنصاري: قال لي عبد الله ونحن صبية صغار هلمّ بنا إلى أصحاب رسول الله نأخذ عنهم العلم قبل أن يفوتوا، فقلت: يا ابن عباس، وهل يحتاج الناس إليك وفيهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وهؤلاء الكبار من الصحابة؟! فترك الأنصاري ذلك، وذهب ابن عباس يطلب العلم ويحرص عليه ويجد في السؤال والأخذ، فلما رأى الأنصاري عبد الله وقد اجتمع الناس حوله، قال: هذا الفتى القرشي كان أعقل مني.
      كان ابن عباس يُستنار برأيه في مجلس الخلافة، ولذلك كان عمر يقدمه ويستشيره ويسأله، حتى وقع في نفوس بعض الصحابة من هذا، فقالوا: أبناؤنا من سنه، فلماذا يحضره معنا؟ فقال ابن عباس: فناداني عمر مرة، وفطنت أنه ما دعاني إلا ليري الصحابة، فسألهم عن قوله: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3) فقال الصحابة: هذه أمر من الله لنبيه أنه إذا فتح عليه مكة ورأى الناس يدخلون في دين الله جماعات، فأمره أن يسبح لله وأن يستغفره، ويكثر من التسبيح والاستغفار، وقال لابن عباس: ماذا تفهم منها؟ هذا أجل النبي نُعي إليه، يا محمد، إذا جاء نصر الله والفتح، فتح مكة، ورأيت الناس يدخلون في الإسلام جماعات، فذاك علامة أجلك فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابًا، فقال عمر: والله ما أفهم منها إلا ما تفهم يا ابن عباس.
      فابن عباس كان عالما وذكيا وفطنا، ولذلك لما سأله أحدهم: بماذا أدركت هذا العلم؟ قال: "بلسانٍ سؤول، وقلبٍ عقول" وهذه أدوات العلم.
      فلما توفي النبي بقي ابن عباس في المدينة مدة من الزمن، وتولى لعمر ولاية البصرة مدة من الزمن، ثم رجع إلى مكة، فبقي في مكة يدرس ويعلم التفسير، وتجمع حوله الطلاب، وجاء الناس يسألونه من كل حدب وصوب، يسألونه في التفسير، ويسألونه في اللغة، ويسألونه في في الفقه، ويسألونه في الفتيا، ويسألونه في الحديث، وكان حبرًا، وعالمًا بحرًا، لا يُدرك غوره، حتى ذكر أحد من حضر مجلسه لقد لشهدت لابن عباس مجلسًا، يحق لقريش أن تفخر بمثله، ذهبت يوما إلى منزله، فإذا هو كظيظ من الزحام، فلما دخلت عليه وآذنته بهؤلاء الجموع، فتوضأ وجلس، وقال: اخرج فقل: من أراد التفسير وغريب القرآن، فدخلوا فسألوا، فأجابهم، ثم قال: إخوانكم، فقاموا، ثم قال لغلامه: من أراد أن يسأل عن الفتيا وعن الفقه فليدخل، فدخلوا فسألوا، فأجابهم حتى اكتفوا، ثم قال: إخوانكم، فخرجوا، ثم قال لغلامه: من أراد أن يسأل عن الشعر وأيام العرب فليدخل، وهكذا، حتى انقضى هؤلاء جميعًا، وابن عباس لا يتوقف ولا يكلّ ولا يملّ من تعليم الناس.
      وقد تتلمذ عليه عدد كبير من التابعين، ومن أبرزهم:
      مجاهد بن جبر، المكي، وهو من أبرز تلاميذ ابن عباس، وأكثر من روى عنه التفسير وأوثقهم.
      عكرمة، وهو مولى ابن عباس، كان يقيده ابن عباس في القيد حتى يتعلم ويسمع منه.
      سعيد بن جبير، وهو من أبرز وأعلم تلاميذ ابن عباس في التفسير، وعنه وعن مجاهد انتشر علم ابن عباس في التفسير.
      وكثيرون الذين أخذوا عنه التفسير، لكن هؤلاء أشهرهم.
      وقد نُسب على ابن عباس أنه صنف في غريب القرآن مخطوطًا، لكنه مشكوك في نسبته لابن عباس، لتقدم وفاته، فقد توفي سنة ثمان وستين من الهجرة.
      إلا أنه روى عن ابن عباس حادثة طريفة، وهي حادثة تتعلق بغريب القرآن، واستشهاد ابن عباس على غريب القرآن بشعر العرب، وكان ابن عباس حافظا لشعر العرب، وعالما به، وهو حجة في نفسه، فكلامه حجة، وفي يوم من الأيام وهو جالس بفناء الكعبة، كان التلاميذ يأتونه ويدرسهم في الحرم، فجاء نافع بن الأزرق ونجدة بن عويمر العجلاني، وهما من الخوارج، فقال نافع لصاحبه: هلم بنا إلى هذا الفتى الذي يتجرأ على كتاب الله فنسأله، فقالا له: نريد أن نسألك عن شيء من كتاب الله، وتبين لنا معناه، ولا نقبل منك قولا إلا إذا أتيت بمصادقه من كلام العرب، فقال لهما: سلا.
      فقال نافع بن الازرق: يقول تعالى: عن اليمين وعن الشمال عزين ما معنى العزون؟ فقال: هم حلق الرفاق، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول عبيد بن الأبرص:
      جاؤوا يهرعون إليه حتى يكونوا حول منبره عزينا
      فقال نافع: ما معنى قوله : وابتغوا إليه الوسيلة؟ فقال ابن عباس: الوسيلة الحاجة، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت عنترة:
      إن الرجال لهم إليك وسيلة أن يأخذوك تكحلي وتخضبي
      واستمر نافع يسأله في أسئلة طويلة، ذكرها عدد من العلماء، وذكره السيوطي في الإتقان، وأوصلها إلى ما يزيد عن مائتين وأربعين سؤالًا، وهي ما سُمي بمسائل نافع بن الأزرق، وقد طُبعت في كتاب مستقل.
      وكثير من الباحثين يشكك في مثل هذه المسائل، وقد ردست هذه المسائل دراسة حديثية ودراسة نقدية، وتبين لي أن أصل هذه المسائل صحيح، وأن نافع بن الأزرق كان يسأل ابن عباس، وأن ابن عباس كان يستشهد كثيرًا بالشعر في كلامه، إلا أن إثبات ههذه المسائل جميعا لابن عباس عن نافع بن الأزرق لا يصح، فقد تزيد كالذين رووا هذه المسائل كثيرًا، فأضافوا وأضافوا وأضافوا حتى بلغت أكثر من مائتين وخمسين سؤالًا.
      فلا يصح أن تُنسب كلها إلى ابن عباس، لأن في أسانيدها ضعف وانقطاع، إضافة إلى أن هناك بعض الأخطاء في هذه المسائل، بعضهم يقول: واستشهد ابن عباس بقول الشاعر كذا، ثم يتبين لك أن الشاعر الذي قال البيت هو بشار بن برد الذي وُلد بعد ابن عباس بدهور طويلة!
      قد يسأل سائل: هل يصح أن أستشهد بهذه الشواهد الشعرية، سواء صحت أم لا؟
      فيقال: من حيث المبدأ نعم، الاستهشاد بشعر العرب على فهم غريب القرآن الكريم، وهذا مقبول وجائز عند المفسّرين، وسوف يأتي معنا في كتب التفسير أن كثيرا من المفسرين كانوا يستشهدون على غريب القرآن بشعر العرب، والذي نهج لهم هذا النهج حبر الأمة ابن عباس في مسائله مع نافع بن الأزرق.
      وعن ابن عباس -- كان نواة التفسير اللغوي للقرآن الكريم، والعناية به، ثم تلاميذه من بعده.
      ثم في آخر حياة ابن عباس -- أيام النزاع بين عبد الله بن الزبير وعبد الملك بن مروان، اضطر ابن عباس أن يخرج من مكة إلى الطائف، قبل وفاته بسنتين، فبقي فيها وسكنها، وبقي يعلم فيها ويدرس التفسير حتى توفي سنة ثمان وستين من الهجرة، وصلى عليه محمد بن الحنفية، وقبره معروف في الطائف إلى اليوم، وهناك جامع عبد الله بن عباس المعروف في الطائف.
      عبد الله بن عباس روى كثيرًا من تفسيره الإمام الطبري في تفسيره، وروى علي بن أبي طلحة الهاشمي له صحيفة مشهورة، يرويها عن مجاهد بن جبر عن ابن عباس، ويقول فيها الإمام أحمد: صحيفة في التفسير، لعلي بن أبي طلحة لو سافر مسافر إلى مصر من أجلها ما كان ذلك كثيرًا، وهذه الصحيفة أخرج جزءا كبيرا منها الإمام البخاري في صحيحه، وأخرج الكثير منها الإمام الطبري في تفسيره.
      وتستطيع أن تعرف مجمل تفسير ابن عباس من تفسير الطبري ومن التفاسير التي عنيت بالآثار، ولذلك قام الدكتور عبد العزيز الحميدي في كتابه "تفسير ابن عباس ومروياته في التفسير من كتب السنة"، فجمع أقوال ابن عباس في التفسير في هذا الكتاب، في مجلدين.
      وأيضا الأستاذ راشد بن عبد المنعم الرجال، له كتاب "صحيفة علي بن أبي طالب في تفسير القرآن الكريم" تتبع أسانيد هذه الصحيفة، وما روي من طريق هذه الصحيفة، وهو كتاب قيم.
      أختم بمعلومة: وهي تفسير "تنوير المقباس من تفسير ابن عباس" هذا الكتاب يُروى من طريق الكلبي، وهو طريق ساقط، لا يُعتد به عن ابن عباس، لأنه ضعيف، ألفه الفيروز آبادي تتبع كلام ابن عباس من رواية الكلبي، وجمعها في هذا الكتاب، ولذلك فإن القيمة العلمية لهذا الكتاب لا يعتد بها.

    • #2
      بارك الله فيكم يا أستاذة هيفاء وتقبل الله منكم .
      جهد مشكور جزاكم الله خيراً.
      عبدالرحمن بن معاضة الشهري
      أستاذ الدراسات القرآنية بجامعة الملك سعود

      تعليق


      • #3
        آمين
        جزاكم الله خيرًا دكتور، وتقبّل منكم، وأحسن إليكم!

        تعليق


        • #4
          برنامج أهل التفسير

          أهل التفسير (3) الإمام محمد ابن جرير الطبري وتفسيره (1)

          اليوم سوف نبحر بكم مع عَلَم كبير من أعلام المفسرين، هو الإمام محمد بن جرير الطبري.
          قال الإمام محمد بن جرير الطبري: "إني لأعجب ممن قرأ القرآن ولم يعلم تأويله، كيف يلتذّ بقراءته؟!".
          وقال ياقوت الحموي في ترجمة محمد بن جرير ومثله عبد الوهاب السبكي في طبقات الشافعية:
          قال أبو جعفر الطبري لأصحابه وتلاميذه: أتنشطون لتفسير القرآن؟ قالوا: كم يكون قدره؟ قال: ثلاثون ألف ورقة، فقالوا: هذا ربما تفنى الأعمار قبل تمامه، فاختصره في ثلاثة آلاف ورقة.
          وهذا الكتاب الذي أراد أن يمليه عليهم في ثلاثين ألف ورقة ثم اختصره في ثلاثة آلاف ورقة طُبع أول ما طُبع في خمسة آلاف ومائتين ورقة!
          وقال أبو حامد الإسفراييني: لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصل على كتاب ابن جرير في التفسير لم يكن ذلك كثيرًا.
          كتاب محمد بن جرير الطبري في التفسير هو أعظم وأضخم كتب التفسير على الإطلاق.

          تعريف بالإمام الطبري:
          وُلد محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الطبري.
          وكما تلاحظون من اسمه ونسبه أن كل الأسماء في نسبه أسماء عربية، مما يرجّح أنه عربي النّسب، وإن كان قد ولد في طبرستان.
          ولد محمد بن جرير سنة (224هـ) في بلدة صغيره اسمها (آمُل) من قصبة طبرستان، وطبرستان مدينة أو قصبة أو إقليم في شمال بلاد فارس، تقع اليوم على ضفاف بحر قزوين، فهي تقع الآن شمال إيران، وبينها وبين الرَّيّ –التي هي قريبة من طهران الآن- مدينة (آمُل) تقع شمال طهران، وبينها وبين طهران مسافة ليست بالبعيدة.
          وقد كان -- يشك في تاريخ ولادته، فيقول: ولدت في مائتين وأربع وعشرين أو مائتين وخمس وعشرين، فقيل له: لماذا الشك يا أبا جعفر؟ فقال: إن أهل بلدي كانوا يؤرخون الحوادث بقصص تقع، فلما كبرتُ سألتهم عن تلك الحادثة التي أرخوا بها تاريخ ولادتي، فبعضهم قال: كانت في أواخر سنة مائتين وأربع وعشرين، وبعضهم قال: في أوائل سنة مائتين وخمس وعشرين، والفرق ضئيل بين التقديرين.
          وسنة (231هـ) بعد أن أصبح عمره سبع سنوات كان قد أكمل حفظه للقرآن الكريم، والسبب الذي جعله يحرص على حفظ القرآن الكريم ويعنى به من بدايته أن أباه قد رأى له رؤيا وهو صغير، ووالده جرير-- كان رجلًا عاميًا، إلا أنه كان رجلًا صالحًا، ويحب العلم وأهل العلم، فرأى رؤيا، وهي أن ابنه محمد الصغير بين يديه مخلاة مملوءة حجارة، وهو جالس بين يدي النبي يرمي بهذه الحجارة، كأنه يذبّ عن النبي ويدافع عنه، فلما سأل جرير المعبّرين عن هذه الرؤيا، قالوا: إن ابنك هذا يكبر ويذبّ عن دين الإسلام وعن سنة النبي ، فعني به منذ ذلك الوقت، وأعانه على طلب العلم وعلى حفظ القرآن، فما بلغ السابعة من عمره إلا وقد أتم حفظ القرآن.
          ثم لما بلغ الثامنة من عمره بعد سنة، يعني سنة (232هـ) بدأ يؤم النّاس في صلاة التراويح، وهذا يدل على أنه قد كان فيه نبوغ مبكر، فالناس لا يثقون أن يؤمَّهم إلا من كان قارئًا جيدًا وحافظًا.
          ثم سنة (233هـ) بعد أن بلغ عمرُه تسع سنوات، بدأ يكتب الحديث عن شيوخ الحديث، وقد بدأ بشيخ الحديث في مدينة الرّي، على شيخه محمد بن حميد الرازي، وهو من شيوخ الحديث الكبار، توفي سنة (248هـ) وقد سمع منه محمد بن جرير الطبري ما يزيد عن مائة ألف حديث، وهو عدد كبير جدًا.
          فلما بلغ عمر محمد بن جرير اثتني عشرة سنة رحل من بلدة (آمُل) لطلب العلم، فأخذ يتنقل في المناطق القريبة من مدينته، يطلب العلم على شيوخ ذلك الزمان، فبدأ يطلب الحديث عن شيوخ الحديث، فأخذ عن محمد بن حميد الرازي، وأخذ عن غيره علمًا غزيرًا.
          وقد ذكر ياقوت الحموي -- كثيرًا من قصصه في طلب العلم، وأفضل من رأيته ترجم لابن جرير، وذكر تفاصيل أخباره هو ياقوت الحموي في كتابه "معجم البلدان".


          ومن الكتب التي صُنفت في سيرة محمد ابن جرير وترجمته:
          · كتاب ابن كامل صاحبه وتلميذه، لكنه فُقد.
          · كتاب تلميذه عبد العزيز بن محمد الطبري، وقد نقل منه ياقوت الحموي كثيرًا، واعتمد عليه في ترجمته.
          · كتب في ترجمته القِفطي، في كتاب سماه "التحرير في ترجمة محمد بن جرير" إلا أن هذا الكتاب أيضًا من الكتب التي فُقدت.
          · إلا أن أوسع ترجمة تجدها لمحمد بن جرير الآن موجودة ما في كتاب "معجم الأدباء" لياقوت الحموي، وما في كتاب "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي رحمة واسعة.
          بعد أن رحل محمد بن جرير الطبري لطلب العلم، بدأت رحلة طلب العلم وعمره اثنتا عشرة سنة، ثم دخل بغداد سنة (236هـ) وعمره سبعة عشرة عامًا. وسبحان الله العظيم كان عندما رحل بغداد يقصد الإمام أحمد بن حنبل الشيباني ، لأجل أن يأخذ ويسمع عنه الحديث، إلا أنه لما وصل إلى مشارف بغداد بلغه نعي الإمام أحمد ووفاته، فحزن لذلك حزنًا شديدًا، ولم يدخل بغداد، وانصرف إلى البصرة، فأخذ يسمع الحديث على علماء الحديث في البصرة، وبقي في البصرة مدة طويلة، ثم انتقل إلى الكوفة بعد ذلك، وأخذ يقرأ على علماء الكوفة، فقرأ اللغة والشعر على الإمام أحمد بن العباس الشيباني، المعروف بثعلب ، وهو إمام الكوفيين في النحو وفي اللغة، وثعلب قد ولد سنة (200هـ) وتوفي سنة (291هـ) فالإمام الطبري قرأ عليه تقريبًا بعد سنة (241هـ) ربما سنة (244هـ) أو (245هـ).

          وكان الإمام ثعلب من أئمة اللغة، وعليه اعتمد الإمام الطبري كثيرًا في اللغة والشعر والنحو، حتى إنه سئل أبو بكر بن مجاهد صاحب كتاب "السبعة" في القراءات –وهو من تلاميذ الإمام الطبري الطبري ومن تلاميذ الإمام ثعلب- فسأله ثعلب يومًا: من بقي عندكم من علماء النحو في بغداد؟ فقال له: لم يبق أحد، وذكر له الطبري، فقال: ما دام أبو جعفر الطبري هناك فلا يزال هناك علماء كبار في النحو، وهذا اعتراف من الإمام ثعلب بعلم ابن جرير الطبري وتقدمه في علم اللغة والنحو.

          ثم في سنة (253هـ) رحل الإمام محمد بن جرير الطبري إلى مصر رحلته الأولى، وعمره تسع وعشرون سنة، ومرّ في طريقه إلى بلاد الشام وعلى السواحل وعلى بيروت، وقرأ هناك بالقراءات، ثم واصل مسيره حتى دخل إلى مصر، وكتب الفقه والحديث عن تلاميذ الإمام مالك والشافعي وابن وهب.
          ثم بعد سنة (254هـ) رجع إلى الشام مرة أخرى، ثم عاد إلى مصر سنة (256هـ) بعد أن بلغ من العلم مبلغًا، وقد كان عمره في تلك السنة اثنتين وثلاثين سنة، ولذلك يقول: لما دخلت إلى مصر المرة الثانية كان كثير من العلماء يلقاني ويختبرني في العلم الذي هو مبرّز فيه.
          وكان الإمام الطبري في تلك السنة ما زال يعتمد على والده في المعيشة، فكان ينفق عليه ويرسل له النفقة إلى مصر، ثم بعد أن أخذ قسطًا وافرًا من العلم في مصر، وكان عمره فوق الثالثة والثلاثين، عادة مرة أخرى إلى بغداد ومكث فيها مدة يطلب العلم ويدرّس، ثم عاد إلى بلده طبرستان مرة أخرى، ثم عاد إلى بغداد، ثم رجع مرة أخرى سنة (290هـ) إلى طبرستان، فوجد الرفض وسب الصحابة قد انتشر بها والعياذ بالله، فترك المقام بها ورجع إلى بغداد الرجعة الأخيرة، واستقر ببغداد من سنة (290هـ) حتى توفاه الله سنة (310هـ) مكبًا على التصنيف والتأليف والتدريس، وتوفي وعمره ست وثمانون سنة.


          في حياة الطبري فوائد وعبر كثيرة:
          الإمام الطبري عاش حياته أعزبًا لم يتزوج، عاش منقطعًا للعلم وللتعليم وللتأليف، ولذلك كما قال ابن الجوزي : "كتاب العالم ولده المخلد"، فقد بقيت آثار الإمام محمد بن جرير الطبري وآثار تلاميذه ثروة علمية للأمة الإسلامية، ينهل منها طلاب العلم حتى اليوم.
          وعاش حياة كفافًا، فما كان موسرًا، وفي هذه الحياة التي عاشها الإمام محمد بن جرير الطبري عبر كثيرة لطالب العلم:

          أولًا- هذه الرؤيا التي رآها والده في صغره كانت دافعا وحافزا له بإذن الله على المسارعة في طلب العلم، والمسارعة في حفظ القرآن، والعناية بهذا الابن الصغير.
          ثانيًا- أنّ محمد بن جرير الطبري كان عالي الهمة، فمنذ بدأ بحفظ القرآن وطلب العلم وهو صغير ما انقطع عنه -- حتى وافاه الأجل.


          أقرأ عليكم طرفًا مما في ترجمته، وهي ترجمة ملخصة من ترجمته في معجم الأدباء لياقوت الحموي، ومن كتاب "تاريخ بغداد":
          "طوّف أقاليم الإسلام لتحصيل العلم ولقاء العلماء، وجال بلاد خراسان والعراق والشام ومصر ثم استوطن بغداد، وقد حاز مقام الإمامة وهو في مقتبل شبابه، ثم بدأ بعد ذلك إماما فذا مشهودا له، مرجوعا إليه في كلِّ العصور، وعلى مرِّ الدهور".
          يقول الحافظ البغدادي في وصفه:
          "كان أحد أئمة العلماء، يُحكم بقوله، ويُرجع إلى رأيه؛ لمعرفته وفضله، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، وكان حافظًا لكتاب الله، عارفًا بالقراءات، بصيرًا، بالمعاني فقيهًا في أحكام القرآن، عالمًا بالسنن وطرقها، وصحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها. وله التفسير المشهور، الذي لم يصنِّف أحدٌ مثله، وهو "جامع البيان عن وجوه تأويل آي القرآن"، وله الكتاب المشهور في التاريخ، المسمّى بـ"تاريخ الرسل والأنبياء والملوك والأمم" وله كتاب "تهذيب الآثار وتفصيل الثابت عن رسول الله من الأخبار"، وهو كتاب لم يصنف مثله".

          وقد طُبع منه أجزاء، حققها العلامة محمود شاكر، وهو مسند علي بن أبي طالب، ومسند عمر بن الخطاب، ومسند ابن عباس، أجمعين.
          قال: "وله في أصول الفقه وفروعه كتب كثيرة، واختيار من أقاويل الفقهاء، وتفرد بمسائل حفظت عنه".
          قال الإمام الإسفرائيني: "لو سافر رجل إلى الصين، حتى يحصل له تفسير ابن جرير، لم يكن ذلك كثيرًا".
          وقال الإمام أبو بكر بن خزيمة بعد أن وقف على تفسير الطبري: "نظرت فيه من أوله إلى آخره وما أعلم على أديم الأرض أعلم من ابن جرير".
          هذه شهادات من علماء كبار، تدل على قيمة هذا الكتاب وهذا التفسير الذي نحن بصدد الحديث عنه.
          قال الخطيب البغدادي في ترجمته نقلًا عن تلميذه أبي بكر بن كامل: قال لي أبو جعفر:
          "حفظت القرآن ولي سبع سنين، وصليت بالناس وأنا ابن ثماني سنين، وكتبت الحديث وأنا ابن تسع سنين، ورأى لي أبي في النوم أنني بين يدي رسول الله ، وكان معي مخلاة مملوءة حجارة، وأنا أرمي بين يديه، فقال له المعبِّر: إنه إن كبر نصح في دينه، وذبّ عن شريعته".
          فكانت هذه سبحان الله العظيم بداية انطلاق هذا الإمام العظيم.
          لذلك لا يحتقر الواحد منكم ابنه ولو كان صغيرًا طفلًا، إذا رأى منه نبوغًا وذكاء وحرصًا على حفظ القرآن أو حفظ الحديث أو حفظ ما ينفعه من العلم، فإن ذلك قد يكون بإذن الله إمامًا من الأئمة الذين ينفع الله بهم الأمة الإسلامية، فإنه قد قتلنا في هذا الزمان التثبيط وتحطيم المعنويات والتقليل من شأن قدرات أبنائنا الطلاب، في زمان نحن في أمس الحاجة إلى كل جهد مخلص، وإلى كل طاقة في هذه الأمة.
          فانظروا إلى محمد بن جرير كيف كانت بدايته هذه الرؤيا التي دفعت أباه للعناية به، وتحفيظه القرآن، وعونه على طلب العلم والرحلة، حتى إنه رحل وسافر إلى بغداد وإلى الكوفة وإلى البصرة وإلى الشام وإلى مصر، وبقي في مصر مدة طويلة، ثم عاد إلى بغداد وأبوه -- وهو ذلك الرجل العامي هو الذي يكفله وينفق عليه، ويرسل له النفقة إلى مصر.
          وهذا فيه أدب لنا نحن طلاب العلم، وهو أننا نحرص من بداية طلب العلم على الإخلاص، ونحرص على العناية أن يكون المطعم حلالا، وهذا ما دفع والده إلى الإنفاق عليه، حتى إن ابن جرير - وغفر له- كان لا يقبل من أحد شيئًا، وكان يرى ما ينفقه عليه والده يكفيه ويغنيه، حتى عاد إلى بغداد بعد ذلك، وحتى كفل نفسه بنفسه.
          ويقول الإمام ثعلب -- يشير إلى عناية ابن جرير بالعلم مبكرًا: سمع عليّ محمد بن جرير الطبري أشعار الناس، وقرأ عليه دواوين الشعر قبل أن يكثر الناس عندي بمدة طويلة.

          ومن القصص الطريفة التي تُروى عن نبوغ الإمام الطبري:
          قال في رحلته الثانية إلى مصر: جاءني طالب من طلاب العلم يسألني عن مسألة في العروض، ولم أكن قبل ذلك قد قرأت في العروض شيئًا، فقلت له: ائتني من غد، فلما أمسيت استعرت كتابا من أحد أصدقائي في العروض، فقرأته، فأمسيت وأنا غير عروضي، وأصبحت وأنا عروضي، قال: فلما جاءني الرجل في اليوم التالي أجبته عن سؤاله.
          هذا يدل على أنه استطاع في ليلة واحدة أن يتقن هذا الفن، الذي ربما كثير من العلماء لا يتقن هذا العلم.
          ولكم عبرة في الإمام الأصمعي ، فقد كان يحاول أ، يتعلم العروض من الخليل بن أحمد، وما زال به الخليل على هذا العلم حتى يتقنه، فلم يفلح، فقال له: قطّع هذا البيت:
          إذا لم تستطع شيئًا فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع
          قال الأصمعي: ففهمتُ مراده، فانصرفت عن طلب علم العروض.

          من صفات محمد بن جرير الطبري التي تميز بها:

          · كان واسع المعرفة بلغة العرب.
          · وكان واسع المعرفة بالقراءات، وقد قرأها على شيوخها الكبار المتقدمين في زمانه.
          · وكان حسن الصوت بالقراءة، حتى إن تلميذه أحمد بن مجاهد (أبو بكر) كان لا يمل من سماع قراءته.
          · كان يعنى بالنظافة في ملبسه وفي هيئته وفي طعامه وشرابه.
          · وكان يعنى بصحته، فيما يتعلق بالطعام، فلا يأكل إلا أكلًا معينًا، ويستخدم أدوية معينة، بل كان يقرأ كثيرًا في كتب الطب، وربما يعالج نفسه بنفسه.

          ذكر ياقوت الحموي أن الإمام الطبري -- كان له منهج يومي:

          كان ينام -لا سيما في أيام الحرّ- في ثوب من الثياب التي كان يلبسها بعض الموسرين للتبرّد، فإذا استيقظ صلى الفجر، ثم بقي في مصلاه حتى تطلع الشمس، ثم يبقى في بيته إلى الظهر، فيصلي الظهر، ثم يبقى يصنّف إلى العصر، ثم يذهب إلى صلاة العصر فيصلي العصر، ثم يقعد للتدريس إلى المغرب، ثم بعد المغرب يبدأ في تدريس الفقه واستقبال الطلاب إلى صلاة العشاء، ثم بعد صلاة العشاء يغلق عليه باب داره، ولا يدخل عليه أحد إلا لأمر ضروري، وينقطع للتصنيف.
          ولهذا كثرت تصانيفه، فصنف كتابه في التفسير "جامع البيان عن تأويل آي القرآن" وهو كتاب حافل ضخم، من أضخم كتب التفسير وأعظمها، وصنّف كتابه في التاريخ، فجاء كتابًا من أعظم كتب التاريخ، وسماه: "تاريخ الأمم والرسل والأنبياء والملوك" وهو عمدة من عُمَد كتب التاريخ، وصنف كتابًا في الفقه وهو "لطيف الأحكام"، وصنف كتابًا في أصول الفقه، وصنف كتبًا في العقيدة، وله رسائل في آداب النفوس، وله كتب في مذهبه الذي كان يتفقه به، بعد أن كان في بداية أمره يتفقه على المذهب الشافعي.
          فالإمام محمد بن جرير الطبري مدرسة علمية متكاملة، وكان له مذهب يُنسب إليه، وكان له أتباع يسمون الجريرية، نسبة إليه.
          فصنّف تفسيره بعد أن اكتملت آلته.
          قال محمد بن جرير الطبري -فيما ذكر عنه في ترجمته-:
          حدثتني نفسي في تصنيف تفسير وأنا صبي، فقال قبل أن يبدأ في تأليفه وإملائه على طلابه: استخرتُ الله في تصنيف ثلاث سنوات.
          وبعد سنة (275هـ) يعني بعد ما بلغ عمره ثماني وأربعين أو تسع وأربعين سنة استخار الله في تصنيف الكتاب، ثم بدأ في تصنيفه، وأملى شيئًا منه في البداية، ثم بعد أن أكمله بدأ بإملائه على الناس في المسجد من سنة (283هـ) إلى سنة (290هـ)، فبقي في تصنيف كتابه سبع سنوات، وقرأه العلماء بعد ذلك، وصنّفه في حياة شيوخه، وفي حياة المبرّد، وفي حياة العلماء.

          أهل التفسير (4) الإمام محمد ابن جرير الطبري وتفسيره (2)
          ذكر من ترجم له من حرصه على وقته ومن احتفائه بالوقت شيئًا كثيرًا، حتى قال محمد كرد --: "وما أُثِر عن ابن جرير أنه أضاع دقيقة من حياته في غير الإفادة والاستفادة". روى المعافى بن زكريا عن بعض الثقات، أنه كان بحضرة أبي جعفر الطبري قبل موته، وتوفي بعد ساعة أو أقل منها، فذكر له هذا الدعاء عن جعفر بن محمد، فاستدعى محبرة وصحيفة فكتبه، فقيل له: أفي هذه الحال؟ فقال: ينبغي للإنسان ألا يدع اقتباس العلم حتى الممات!
          فرحم الله محمد بن جرير فقد كان منهجه في تلقي العلم، ومنهجه في تعليمه، ومنهجه في التصنيف مدرسة يتربى عليها طالب العلم الجادّ الحريص.
          ولا شك أن منهج ابن جرير في التفسير فيه منهج فيه نوع من الصعوبة والعسر على الطالب المبتدئ، ولكنه إذا أخذ نفسه بعد أن يتربى وأن يتعلم ويبتدئ في طلب العلم بقراءة هذا التفسير والإعادة والتكرار فيه مرات ومرات فإنه لا شك سوف يجد من الفوائد ما لا يحصى، والكتاب عندما تقرؤه مرتين أو ثلاث فإنك تستفيد فوائد لا تستفيدها منه في المرة الأولى، وتأملوا قول الربيع بن سليمان تلميذ الشافعي: "قرأت الرسالة خمسين مرة، وكنت أجد في كل مرة من الفوائد ما لا أجده في المرة التي قبلها".


          منهج الإمام الطبري في تفسيره:
          1- الإمام الطبري بدأ معه فكرة تفسير القرآن الكريم وهو صبي، وكان قد استقصى العلوم التي سبقته وعلوم الآلة التي تؤهله لتفسير القرآن الكريم، فطلب الحديث، وحفظ القرآن، وقرأ القراءات، وجمعها، وصنّف فيها، وقرأ الشعر وقرأ اللغة، ثم استخار الله بعد كلّ هذا الجهد في تصنيف هذا الكتاب، فلما قوي عزمه، واستحكمت نيته في تصنيف هذا الكتاب، بدأ في إملائه على طلابه وتصنيفه، واستمرّ في ذلك أكثر من عشر سنوات. واستمر إملاؤه في المرة الثانية من سنة مائتين وثلاث وثمانين إلى مائتين وتسعين للهجرة.
          وقد صنّفه وانتشر بين أيدي الناس في حياته شيوخه، وكان الإمام محمد بن يزيد المبرد ما يزال على قيد الحياة، وابن خزيمة والإسفرايني، وكثير من العلماء الكبار الذين كانوا مقصد طلاب العلم في ذلك الزمان، فقرؤه وأثنوا عليه في حياته، قال ابن خزيمة: "قرأته من أوله إلى آخره، فما على أديم الأرض أعلم من ابن جرير".
          2- قدّم الإمام الطبري في كتابه هذا بمقدمة نفيسة، تحدّث فيها عن اللغة التي نزل بها القرآن الكريم، وتحدّث عن الأحرف السبعة التي ذكر النبي أن القرآن الكريم نزل عليها، وتكلم عن المعرّب في القرآن الكريم وفصّل فيه، وتكلم عن طرق تفسير القرآن الكريم، وتكلم عن القول في الوجوه التي من قبلها يوصل إلى معرفة تأويل القرآن، ثم ذكر القول في تأويل أسماء القرآن وسوره وآياته، ثم القول في تأويل أسماء فاتحة الكتاب، ثم القول في الاستعاذة، ثم القول في البسملة.
          3- ابتدأ بعد ذلك في تفسيره، يفسّر القرآن الكريم من أوله إلى آخره، وتفسير الإمام الطبري تفسير يعتبر مرحلة من المراحل الفاصلة في تاريخ التفسير على الإطلاق، فكتب التفسير قبل الإمام محمد بن جرير كانت في غالبها تقتصر على الرواية فقط، وليس فيها دراية واسعة، كما في تفسير الطبري، ولذلك فإنه يعتبر مرحلة فاصلة في تاريخ كتب التفسير، ولم يسبقه سابق في هذا المنهج وفي هذه الطريقة.
          4- طريقته في التفسير:
          أ) كان يأخذ الآية الواحدة، وربما يجزّئ الآية الواحدة إلى أجزاء، فيتكلم عن هذه الآية أو عن هذا المقطع من الآية، ويفسرها تفسيرًا إجماليًا بحسب ما يظهر له بعبارة جزلة.
          وعبارة الإمام الطبري من العبارات التي إذا قرأتها تتعلم التفسير، وتتعلم فوق ذلك الصياغة الأدبية للعبارة، بل إن من مارس كلامه وأكثر من قراءته يعرف كلامه ويميزه عن غيره؛ لأن له أسلوبًا بديعا في الكتابة وفي البلاغة.
          وأنا أوصي نفسي وطلاب العلم دائمًا بأن يحرصوا على قراءة الكتب المتقدمة في كلِّ الفنون، لأن لكلام المتقدمين من الحلاوة ومن الجزالة ما ليس لكلام المتأخرين، ومن تربى على كلام المتقدمين جزل قوله.
          ب) ثم بعد أن يفسر تفسيرًا إجماليًا للآية، إن كان لا يوجد خلاف في الآية بين المفسرين فإنه يورد الآثار مرة واحدة التي تؤيد هذا التفسير الذي ذهب إليه، فيقول: تأويل هذه الآية كذا وكذا وكئا، وبمثل قولنا قال العلماء، ثم يذكر الأسانيد التي بلغته والتي رواها عن شيوخه، عن أئمة التفسير، فيذكرها متتالية، وربما يقف عند بعض الأسانيد فيصحِّح ويضعِّف، وإن كان هذا ليس منهجًا مضطردًا له.
          ج) أمّا إذا كان هناك خلاف في تفسير الآية، فإنه يقدّم أحيانًا القول الذي يختاره، ثم يورد الأسانيد التي تؤيد القول الذي بدأ به، ثم يذكر القول الثاني في المسألة ويذكر من قال به، ثم يذكر القول الثالث إن كان فيه قول ثالث ويذكر من قال به، وهكذا.
          د) ثم بعد أن يسوق الأقوال يقول: والقول الذي نختاره في هذه الآية كذا وكذا وكذا.
          هـ) ثم لا يكتفي بهذا، وإنما يقول: والذي جعلنا نذهب هذا المذهب هو كذا كذا، فيذكر وجه ترجيحه.
          5- اعتمد في تفسيره على كلام السلف، وكان يعظِّم قولَ السّلف في التفسير، وهذا منهج يجب أن يعنى به طالب العلم.
          والمراد بالسلف في التفسير: الصحابة والتابعون وأتباع التابعين.
          وكان يرى إذا أجمع هؤلاء على قول في الآية فإنه يأخذ به.
          بل أحيانا يذكر أقوال هؤلاء العلماء، ثم يذكر أقوالًا شاذة تخالف ما ذهبوا إليه، قال بها بعض المتأخرين من اللغويين أو غيرهم، فيذكرها لكي يردها، ويقول: حسبها خطأ أنها قد خالفت قول المفسرين المتقدمين من السلف.
          6- من عادته أنه يبدأ دائمًا بقوله: قال أبو جعفر، يقصد نفسه، مع أنه لم يتزوج ولم يولد له، إلا أنه كان يتكنى بهذه الكنية منذ صغره.
          7- وكان يكثر من قول: القول في تأويل كذا، وقال أهل التأويل، والتأويل عنده بمعنى التفسير.
          8- وكان يختار التفسير الذي يراه صوابًا بعبارات متنوعة، بعبارات متنوعة، منها: والقول الذي أراه هو كذا، والقول الذي هو عندي أولى بالصواب، والقول الذي لا أستجيزه القول بغيره كذا.
          9- كان يحرص على الأسانيد، وهذه خصيصة من خصائص هذا التفسير، فيقول: حدثنا، وأخبرنا ... وكثير من ذلك.
          ولذا كان كثير من العلماء قديمًا وحديثًا يرى تفسير الطبري طويلًا، فذهب إلى اختصاره، ومنهم الإمام التُّجَيني الأندلسي، اختصره في مجلدين صغيرين.
          ومن المعاصرين من ذهب مذهبًا حسنًا في إفراد كلام الطبري في تفسير القرآن الكريم، واستبعاد الآثار والأحاديث، فيقول: تفسير الإمام الطبري من جامع البيان، وهذا نافع مساند للقراءة في كتاب التفسير، والذي اختصره الدكتور بشار عواد، وعصام، وطُبع، وسوف ننظر إليه بعد هذه المقدمة.
          10- اعتمد الطبري إلى صحة المعنى المفسر به، وإلى تلائمه مع السياق، فكان يحرص على أن يكون القول الذي يختاره متلائمًا مع سياق الآيات.
          11- في اختياره للأقوال أحيانًا يقدّم قول الصحابة، وأحيانًا يقدّم قول التباعين، وأحيانًا يقدّم قول أتباع التابعين، فلا يتقيد بتقديم قول الصحابة دائمًا، أو قول التابعين دائمًا، أو قول أتباع التابعين دائمًا، وإنما ينظر إلى صواب القول في ذاته، وإلى دليله، وإلى قيمته العلمية.
          12- كان له منهج في الإجماع، وهو أن قول الأكثر إجماع، ولا يعتبر بمخالفة القليل.
          13- كان يقدّم قول السلف في الآية، ثم يأتي بعده بكلام أهل اللغة، وهذا منهج سديد موفق، أنه يُقدِّم أقوال أئمة السلف؛ لأن أئمة السّلف المتقدمين أعلم بالتفسير وباللغة ممن جاء بعدهم.
          وتفسير الإمام الطبري يعلّم طالب العلم كيف يستنبط وكيف يرجّح وكيف يختار، فتفسيرُ الإمام الطبري ليس مجردَ توضيحٍ للمعنى، هو توضيح للمعنى، وتعليم لطالب العلم كيف يفهم القرآن، وكيف يفسّره، وهذه مدرسة، يتربى عليها طلاب العلم وطلاب الدراسات العليا.
          لأن الهدف من التفسير خاصة لطالب العلم:
          1. أن تفهم القرآن الكريم، هذه مرحلة.
          2. أن تتعلم كيف تفسير القرآن الكريم، وكيف تتعامل مع هذا الكتاب العظيم، وكيف تنظر إلى أقوال المفسرين، وكيف تتعامل معها، كيف تقدم بعضها على بعض، وكيف تختار وكيف ترجح، وكيف تفهم أقوال أهل اللغة.
          والإمام ابن جرير إمام في هذا الجانب، وفي باب اللغة لا يُشق له غبار.

          كتاب ابن جرير الطبري:

          هذا الكتاب له قصة، حتى في حياة ابن جرير الطبري كان يصعب استنساخه.
          هذا الكتاب الذي اختصره ابن جرير الطبري في ثلاثة آلاف ورقة، طُبع أول ما طُبع في العصر الحديث في ثلاثين جزءًا، وكان صفحاتها خمسة آلاف ومائتان صفحة تقريبًا.
          ومنهج ابن جرير الذي يُدرس الآن من خلال كتابه المطبوع بين أيدينا، في تصوري ليس هو المنهج الذي يصور المنهجية التي كان يريد ابن جرير أن يسلكها في تفسيره، فهو لو أتيح له المجال لكان أملى كتابًا واسعًا استغرق فيه واستدرك فيه وأكمل فيه كل ما كان العلماء والباحثون بعده يستدركه عليها، لكن ضعف همة الطلاب والوقت أيضا حدّه بهذا الكتاب الموجود بين أيدينا.
          وقد ذكر عن بعض السلف ممن بعد الإمام ابن جرير الطبري أنه أراد أن يجمع كل ما قيل في التفسير من قبله، وهو ملك سجستان، خلف السجستاني، فجمع مجموعة من العلماء والباحثين لتصنيف الكتاب في قصة معروفة، فكتبوا كتابًا بلغ مائة مجلد، ولما انتهوا من هذا الكتاب عجز الناسخون أن ينسخوه، ولهذا فقد هذا الكتاب وضاع هذا الكتاب.
          محمد ابن جرير الطبري أظنّه لو كان أملى كتابه الطويل لربما عجز الطلاب عن استنساخه، ولعل في هذا فائدة لطلاب العلم، أنه قد اختصره في هذا الكتاب، فوصل إلينا.


          نسخ وطبعات تفسير الطبري:
          1- أول طبعة له، هي الطبعة التي طُبعت في مطبعة البابي الحلبي في القاهرة، وقد طبعت عام (1321هـ) قبل مائة وسبع سنوات من اليوم، وهي طبعة نادرة، لا تكاد توجد في المكتبات اليوم.
          وهذه الطبعة قد وُجدت نسخة مخطوطة كاملة في خزانة الأمير حمود بن عبيد آل رشيد، من أمراء حائل، فأخذها البابي الحلبي وجمع نسخًا ناقصة من الأحمدية في سوريا، ومن بعض دور المخطوطات في مصر، وطبع بناءً عليها هذا الكتاب.
          وقد ذكر البابي الحلبي في المجلد الأخير (مجلد الفهارس) كلمة جميلة عن هذا التفسير وعن شدّة عناية المستشرقين بهذا الكتاب وحرصهم عليه، لأنه كان قد فُقد:
          "فيقول الفقير إلى الله تعالى مصطفى ابن محمد البابي الحلبي: إني طالما رأيت علماء الغرب المسيحيين مولعين بالبحث عن الكتب الإسلامية القديمة العهد، ومجتهدين في الحصول على ما فيها من العلوم، ويسمى المشتغل منهم بذلك مستشرقاً -أي: دأبه البحث عن الكتب الشرقية- ومن أهم ما كانوا يجدّون في البحث عنه تفسير القرآن للإمام محمد بن جرير الطبري، حتى إن الواحد منهم إذا سمع بوجود بعض قطعة من التفسير المذكور في بعض دور الكتب والخانات، يستخدم كل وسيلة للاطلاع عليها، ونسخ ما يهمه منها، ولا يبالي بصرف الوقت والمال في سبيل ذلك، وكنت أكاد أذوب خجلًا وأسفًا عندما أرى بعض الكتب العربية سبقتنا أهل أوروبا لطبعه ونشره، ولم يصل إلينا إلا من أيديهم، بعد فترة من الزمن، مع أننا أحق بالمسابقة في نشر كتبنا، ولم يجئ هذا إلا من تساهل أفراد الأمة الإسلامية فيما هو أحق بهم، وإني أشكر علماء أوروبا الذين يبحثون عن الكتب الإسلامية، ويعرفون لرجال الإسلام قدرهم، ويدأبون في نشر كتبهم، ولما كنت ممن وفقني الله لنشر بعض الكتب العالية؛ محبة في الخير وتسهيل السبيل إليه، بادرت بطبع كتاب تفسير الإمام محمد بن جرير الطبري الذي مضى على وفاة مؤلفه ألف وإحدى عشرة سنة؛ محبة لنشر نفعه، وخوفاً من أن يسبقنا الأوروبيون لطبعه وإظهاره للعالم والوجود، كما سبقونا إلى غيره من معتبرات الكتب، ولما كانت نسخه عزيزة جدًا، طبعناه على نسخة أحضرناها من عند آل رشيد، وقابلنها على النسخة الموجودة بـ... بمصر".
          وهذه النسخة على نفاستها وندرتها، إلا أنه كان بها بعض الأخطاء، التي لا يكاد يسلم منها كتاب مطبوع، وقد طبعوا على هامشه كتاب "غرائب القرآن ورغائب الفرقان" للنيسابوري.
          3- ثم بعد ذلك أعادوا طبعه، في مطبعة بولاق، وفي المطبعة الأميرية، إلا أن مطبعة البابي الحلبي طبعته مرة أخرى بعد ما يزيد عن ستة وخمسين عامًا، بعد أن جمعت عددًا من المخطوطات لهذا الكتاب، فطبعوه طبعة أخرىعام (1374هـ)، وكانت هذه الطبعة الثانية أتم من التي سبقتها، فقد عُهد إلى مجموعة من العلماء مراجعة هذا الكتاب وتنقيحه وفهرسته، وكان منهم الشيخ السقا ، وذكر في آخره المحققون منهجه بطريقة مختصره، وترجمة له.
          4- ثم في عام (1374هـ) تصدى العلامة محمود شاكر إلى تحقيق هذا الكتاب، وكان ذلك بمساعدة شقيقه العلامة أحمد شاكر (المحدّث المعروف)، وهذا التحقيق من أنفس تحقيقات تفسير الإمام الطبري، وقد بدأوا فيه عام (1374هـ) واستمرّا في إخراجه تباعًا، وطبعته دار المعارف وخرج منه حتى عام (1378هـ) أربعة عشر مجلدًا، ثم بعد وفاة أحمد شاكر، أكمله أخوه محمود شاكر إلى أن وصل إلى جزء قريب من نهاية سورة إبراهيم، ثم توقف إلى المجلد السادس عشر.
          5- وفق الله الشيخ الجليل الفاضل معالي الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، جزاه الله خيرًا عن طلاب العلم، فتصدى لتحقيق هذا التفسير مع مجموعة من طلاب العلم، وهذه الطبعة هي أكمل الطبعات وأنفسها لمن أراد أن يقتصر على طبعة واحدة من تفسير الطبري، فهي أكمل الطبعات، وقد صدرت في ستة وعشرين مجلدًا، طبعتها دار هجر، وهي تباع في المكتبات.


          خدمات تفسير الإمام الطبري:
          هناك مؤتمر عُقد عن الإمام الطبري المفسِّر والمؤرِّخ والمحدِّث والفقيه، وقد طُبعت أعمال هذا المؤتمر في مجلدين كبيرين.

          أردنا بعرضنا هذا وبعرضنا لطبعات الكتاب، وبكلامنا عن نشأة الإمام الطبري، أن نحث أنفسنا ونحث طلاب العلم على الاقتداء بهذا الإمام رحمة الله عليه، وعلى العناية بتفسيره وبمنهجه في تفسيره، والعناية بالقراءة والاطلاع على هذا الكتاب ومدارسته شيئًا بعد شيء، حتى ينتفع طالب العلم بهذا الكتاب الضخم، وبهذا التفسير النفيس، فإن العناية بهذا التفسير تخرّج طالبًا للعلم متقنًا ومجيدًا لتفسير القرآن الكريم، وعارفًا بكيفية الترجيح والاختيار وكلام العلماء فيه.
          رحمة الله على الإمام الطبري، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.

          تعليق


          • #5
            بعد أن سرتُ شوطًا قليلًا في كتابة هذه الحلقات المباركة، وجدتُ أن الأخت الفاضلة أم عبد الباري قد سبقت إلى تفريغ الحلقات، ولم أكن أعلم بذلك، فجزاها الله خير الجزاء، وبارك في جهدها، وجزى الله شيخنا الدكتور خير الجزاء!

            وهنا رابط تفريغها:

            http://vb.tafsir.net/tafsir22230/#.WCXtWoVOIcA

            تعليق

            19,987
            الاعــضـــاء
            237,758
            الـمــواضـيــع
            42,700
            الــمــشـــاركـــات
            يعمل...
            X