هذه القصة من محفوظاتي القديمة ؛ وفي مجلس مرة مع بعض طلبة العلم ذكرتها ، فقال : إن بعضهم يقول : إنها ليس لها أصل في الكتب ، بل ويقول : إن معن هذا لا يعرف في التاريخ .. وهذا لعمر الحق تسرع من بعضهم في الحكم مع قلة البضاعة وضعف البحث ؛ فبالبحث وجدت أن أكثر من كتاب من كتب التاريخ ذكرها ؛ منها : ( مرآة الجنان وعبرة اليقظان ) ، و ( شذرات الذهب في أخبار من ذهب ) ، و( نوادر الخلفاء ) .
وملخص القصة يتعلق بالأمير معن بن زائدة ، وكان يضرب به المثل في الحلم والكرم ؛ وحضر شاعر يومًا مجلس قومه فتحدثوا عن حلمه وكرمه ، وأنه لم يستطع أحد أن يغيظه ؛ فقال لهم : ليس من أحد إلا ويغضب ، فقالوا : لك مائة ناقة إن أغضبته ؛ فذهب إليه في مجلسه وهو جالس على سريره ، فأنشا يقول :
أتذكر إذ قميصك جلد شاةٍ ... وإذ نعلاك من جلد البعير
فقال له : أعرف ذلك ولا أنكره .
فقال الشاعر :
وتهوى كل مضطبةٍ وسوق ... بلا عبدٍ لديك ولا وزير
فقال له : ما نسيت ذلك يا أخا العرب.
فقال الشاعر :
ونومك في الشتاء بلا رداء ... وأكلك دائمًا خبز الشعير
فقال : الحمد لله على كل حال .
فقال الشاعر :
وفي يمناك عكاز قويٌ ... تذود به الكلابَ عن الهريرِ
فقال له: ما خفي عليك خبرها ، إذ هي كعصا موسى .
فقال الشاعر:
فسبحان الذي أعطاك مُلكًا ... وعلمك الجلوس على السرير
قال معن : سبحانه يعطي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء .
فقال الشاعر :
فلست مُسًلِّمًا إن عشت دهرًا ... على معنٍ بتسليم الأميرِ
قال معن : السلام خير .. وليس في تركه ضير .
قال الشاعر :
سأرحل عن بلاد أنت فيها ... ولو جار الزمانُ على الفقيرِ
قال معن : إن جاورتنا فمرحبًا بالإقامة، وإن جاوزتنا فمصحوبا بالسلامة .
قال الشاعر :
فجد لي يابن ( ناقصةٍ) بمال ... فإني قد عزمت على المسير
قال معن : أعطوه ألف دينار تخفف عنه مشاق الأسفار .
قال الشاعر :
قليل ما أتيت به وإني ... لأطمع منك بالمال الكثير
قال معن : أعطوه ألفًا ثانيًا كي يكون عنا راضيا .
قال الشاعر :
فثَنِّ فقد أتاك الملك عفوًا ... بلا عقل ولا رأي منير
فقال معن : أعطوه ألفًا آخرًا .
ولا أدبٍ كسبت به المعالي ... ولا خُلقٍ ولا رأي منير
فأمر له بألف أخرى .
فعند ذلك تقدم الأعرابي إليه وقال :
سألت الله أن يبقيك دهرًا ... فما لك في البرية من نظير
فمنك الجودُ والإفضالُ حقًّا ... وفيض يديك كالبحر الغزير
فقال معن : أعطيناه أربعة على هجونا فأعطوه أربعة على مدحنا .
فقال الشاعر : بأبي أيها الأمير ونفسي ؛ فأنت نسيج وحدك في الحلم ، ونادرة دهرك في الجود ، ولقد كنت في صفاتك بين مصدق ومكذب ، فلما بلوتك صغَّر الْخُبر الْخَبَر ، وأذهب ضعف الشك قوة اليقين ، وما بعثني على ما فعلت إلا مائة بعير جعلت لي على إغضابك ؛ فقال له الأمير : لا تثريب عليك ، ووصله بالمائة بعير ؛ فانصرف الأعرابي داعيًا له ، شاكرًا لهباته ، معجبًا بأناته ( 1 ).

1) القصة جمعتها من عدة مصادر ، وكل مصدر مختلف قليلا في الأبيات والعرض ، فبعضها لم يذكر بعض الأبيات ، فجمعتها هاهنا كلها .. مع شيء من التصريف قليلا للاختصار .